الحسن بعد وفاة ابيه


لما اراد الحسن (عليه السلام) تنفيذ وصية ابيه ((عليه السلام) في قاتله قال له ابن ملجم : ان رايت ان تؤخرني وتاخذ علي العهود والمواثيق ان ارجع اليك واضع يدي في يدك بعد ان امضي الى الشام وانظر ما صنع صاحبي بمعاوية , فان قتله وألا قتلته ثم اعود اليك لتحكم فيّ بحكمك , فقال له الحسن (عليه السلام) : هيهات والله ما تشرب الماء البارد أو تلحق روحك النار , ثم ضربه ضربة واحدة قضت على حياته كما اوصاه امير المؤمنين (عليه السلام) . وبعد الانتهاء من امر عبد الرحمن بن ملجم اتجه الامام الحسن (عليه السلام) الى الجامع الذي غص بحشد كبير من اهل الكوفة فوقف خطيبا حيث كان يقف امير المؤمنين (عليه السلام) , وحوله من بقي من وجوه المهاجرين والانصار, فابتدا خطابه عن مصابه بابيه الذي اصيب به جميع المسلمين وقال بعد ان حمد الله وصلى على محمد واله : لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون بعمل ولا يدركه الاخرون بعمل , ولقد كان يجاهد مع رسول الله (صلى الله عليه واله) فيقيه بنفسه , واينما وجهه رسول الله (صلى الله عليه واله) كان جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه ولقد توفي في الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم (عليه السلام) الى السماء وقبض يوشع بن نون وصي موسى (عليه السلام) , وما خلف خضراء ولا بيضاء سوى سبعمائة درهم فضلت عن عطائه اراد ان يبتاع فيها خادما لاهله , وقد امرني ان اردها الى بيت المال , ثم
تمثل له ابوه وما كابده في حياته من الالام والمتاعب فاستعبر باكيا وبكى الناس من حوله حتى ارتفعت الاصوات بالبكاء والنحيب من جميع انحاء الكوفة , وعاد الى حديثه بعد استنصت الناس وقال : ايها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا الحسن بن على وانا ابن النبي والوصي , وانا ابن البشير النذير والداعي الى الله باذنه وانا ابن السراج المنير وانا من اهل البيت الذين كان جبرئيل ينزل الينا ويصعد من عندنا , وانا من اهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وافترض مودتهم على كل مسلم فقال في كتابه : قل لااسألكم اجرا الا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له منها حسنا فاقتراف الحسنه مودتنا اهل البيت . وقد ابلغ الامام (عليه السلام) في تأبين اباه موجزا جميع خصائصه ومزاياه كانسان لم يضاهيه في جميع نواحيه انسان في مراحل التاريخ , وفي نفس الوقت القى الحجة على الناس لبيعته , ولما انتهى خطابه قام عبد الله بن العباس فدعا الى بيعته وقال: يا معشر الناس, هذا ابن نبيكم ووصي امامكم فبايعوه فاستجابت الناس لهذه الدعوة المباركة واعلنوا الرضا والانقياد وقالوا : ما احبه الينا واوجب حقه علينا ومن احق بالخلافة والبيعة منه , وكان اول من تقدم اليه ليبايعه قيس بن سعد بن عبادة الانصاري (رضي الله عنه) فقال له : ابسط يدك ابايعك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المحلين , فالتفت اليه الامام (عليه السلام) بعطف ورفق وقال : ان البيعة على كتاب الله وسنة نبيه عن هذا الشرط لان فيهما بيان كل شئ وهما يامران بقتال المحلين والباغين والمفسدين كما يامران بالصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الفرائض . واقبل الناس يتسابقون على بيعته والبيعة لابيه (عليه السلام) . ولما بلغ نبأ البيعة الى معاوية واتباعه بداوا يعملون بكل ما لديهم من قوة ومكر وخداع لافساد امره والتشويش عليه.
كما ان معاوية دس رجلا من حمير الى الكوفة ورجلا من بني عبد الغني الى البصرة فاخذا وقتلا وكتب الحسن (عليه السلام) الى معاوية : أما بعد فانك دسست اليّ الرجال كأنك تحب اللقاء فتوقعه ان شاء الله . وكذلك فعل ابن العباس .
كما ان ابن العباس (رض) كتب كتابا الى الامام(عليه السلام) يحرضه فيه على قتال معاويه.
وقد كثرت المراسلات بين الامام الحسن(عليه السلام)التي بين فيها لخصمه خصائصه وفضل اهل البيت ومكانته في الاسلام وبيعه الناس له بعد ابيه , وكان جوابات معاويه تاتي بالاجابات المراوغه التي اعتمد فيها معاويه الخدعه والمكره الذي يدفن تحتها خيوط المؤامرات والالاعيب التي اشتهر بها معلنا بانه لم ينزل على حكمه وانه اولى بخلافه المسلمين.
 


1- المصدر السابق ص492.
2- اصول الكافي / الكليني/ج1 ص 297-298.