الحسن (عليه السلام) فـــــــي عهد الخلفاء


لم يكن رسول الله (صلى الله عليه واله) يعامل الحسنين معاملة الصبيان بل كان يتعامل معهما كشخصيتين اسلاميتين تنتظرهما مسوؤليات ريادية كبرى , كما افصحت عن ذلك نصوص نبوية وفيرة. بدات مرحلة فتوتهما في ظل امامة ابيهما , وفي ظروف غير مستقرة لا للدولة الاسلامية , ولا لاهل بيت النبوة , حيث ابعد علي (عليه السلام) عن القيادة السياسية واستصغار شان علي (عليه السلام) وازاحته عن موقعه الريادي الالهي ثم تعرض دار الزهراء (عليه السلام) للهجوم والهتك , وفي كل هذه الاحوال كان الحسنان ( عليه السلام ) يراقبان تطورات الاحداث , وكيف اصبحا بعد ذلك العز في عهد جدهما رسول الله (صلى الله عليه واله) يستذلان وتستذل العترة النبوية الطاهرة وقد كانت للزهراء وابنيها (عليه السلام) مواقف شتى في هذه الفترة منها اغتصاب ارث الزهراء (عليه السلام) بعد ابيها (صلى الله عليه واله) وما دار بينها (عليه السلام) وبين الخليفة الاول من مساجلات واحتجاجات حول موضع فدك , وحين طلب ابو بكر من الزهراء (عليه السلام) ان تقدم الشهود لاثبات ما تدعيه , فجاءت بامير المؤمنين (عليه السلام) والحسنان (عليه السلام) وام ايمن , وان كل ذلك كان له دلالة تامة على اهليتهما لاداء الشهادة في مناسبة كهذه , مع انهما كانا انذاك لايتجاوز عمرهما السبع سنوات . فرد الخليفة شهادتهما ليس من باب عدم اهليتهما بل لكونهما من اهل بيتها كما ردت شهادت ابيهما (عليه السلام) ((بحجة ان الرجل يحوز النار لقرصه)) كما ان الحسن (عليه السلام) كان له موقف مع ابي بكر حيث جاء اليه يوما وهو يخطب على المنبر , فقال له : انزل عن منبر ابي , فاجابه ابي بكر: انه لمنبر ابيك لا منبر ابي . (1) وكان الامام الحسن (عليه السلام) في خلافة ابي بكر يفتي في مسائل يعجز عنها منها كبار الصحابة وبحضور علي (عليه السلام) الذي يقرر له . وكان له حضور في الشورى التي عين اقطابها عمر بن الخطاب وقال للمرشحين : ( حضروا معكم من شيوخ الانصار وليس لهم من امركم شيء , واحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس فان لهما قرابة وارجو لكم البركة في حضورهما , وليس لهما من امركم شئ ) فحضر هؤلاء (2) , وقد قبل الامام الحسن (عليه السلام) حضور جلسات الشورى وكان حضوره يعني انتزاع الاعتراف من الخليفة بانه ممن يحق لبه المشاركة السياسية , حتى في اعظم واخطر قضية تواجهها الامة , وكذلك كما يفهم الناس هذا الامر ولكي يتمكن في المستقبل من اظهار راية في القضايا المصيرية . وقد كان من المودعين لابي ذر( رضي الله عنه ) يوم نفيه الى الربذة , وكان على راس المودعين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وذلك في عهد الخليفة عثمان , ابا ذر الصحابي (رضي الله عنه) الجليل الذي جاهد وناضل في سبيل الدين والحق وما لاقى من اضطهاد واهانة وبلاء حتى قضى غريبا وحيدا في - الربذة – منفاه .


وكان الامام علي (عليه السلام) قد ارسل ريحانتي رسول الله (صلى الله عليه واله) لحراسة عثمان في داره بعد ثورة الثائرين عليه , وكان الحسن (عليه السلام) مرسال ابيه الى عثمان فيما يعرضه عليه من امور الوساطة بينه وبين الثوار وقد طعن الامام الحسن (عليه السلام) بخلافة الناس قبل ابيه (عليه السلام) وصرح قي عدة مواطن بذلك ومن خطبة له (عليه السلام) قال " لولا محمد (صلى الله عليه واله) واوصياؤه كنتم حيارى لا تعرفون فرضا من الفرائض ....الخ) قال هذا بعد ان عدد الفرائض , وكان منها الولاية لاهل البيت (عليه السلام) (3) وفي عهد خلافة علي بن ابي طالب (عليه السلام) وعند خروج الناكثين من المدينة وسيرتهم من مكة الى البصرة , ارسل الامام علي (عليه السلام) ولده الحسن (عليه السلام) الى الكوفة يامر واليها انذاك – ابو موسى الاشعري – يحث الهمم وتجهيز جيش يلتحق به وهو ينتظر ذلك في ذي قار . وكان رفيق الحسن (عليه السلام) في رحلته الصحابي الجليل عمار بن ياسر (رضي الله عنه) وعند عدم التزام الوالي بامرالامام (عليه السلام) واستمراره بتثبيط الناس عن نصرة الامام , عزله وعين بدلا عنه قرضة بن كعب , ورغم هذا فقد بقي ابو موسى على موقفه مدعيا ان هذا فتنة قد اشار اليها رسول الله (صلى الله عليه واله) القاعد فيها خير من القائم وقد حاجه الامام (عليه السلام) وفند مزاعمه وطرده من قصر الامارة , وحث الناس على الجهاد واللالتحاق بجيش امير المؤمنين (عليه السلام) قائلا " ايها الناس , اني غادٍ فمن شاء منكم ان يخرج معي على الظهر ( اي على الدواب ) ومن شاء فليخرج في الماء " (4) واستجابت الجماهير لدعوة الامام , ونجح الامام (عليه السلام) في استنفار الجماهير لنصرة الحق والذود عن الرسالة ودولتها الكريمة .
وقبل التقاء الجيشان في البصرة بمعركة الجمل وتبارت الخطباء دعى علي (عليه السلام) ولده الحسن (عليه السلام) ليرد على ابن الزبير خطابته , فاستجاب الامام الحسن (عليه السلام) ورد على خطابة ابن الزبير وابطل مزاعمه وقادته ولما زحف الامام علي (عليه السلام) في كتيبته الخضراء التي جمعت المهاجرين والانصار وحوله اولاده الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وكان قد اعطاه الراية فحمل بها على انصار عائشة ومضى يتقدم بها حتى تزعزعت صفوفهم فقال له الانصار : والله يا امير المؤمنين لولا ما جعل الله تعالى للحسن والحسين لما قدمنا على محمد احدا من العرب , فقال لهم امير المؤمنين (عليه السلام) : " اين النجم من الشمس والقمر " وقال (عليه السلام) " اين يقع ابـنـّي من ابني بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) , ولما اعطى الامام علي (عليه السلام) الراية ولده محمد بن الحنفية يوم الجمل وقال له تقدم حتى تركزها في عين الجمل , فلما تقدم بها رشقته السهام فقال لاصحابه : رويدا حتى تنفذ سهامهم , ولما ابطأ بها , جاءه الامام علي (عليه السلام) من خلفه ووضع يده اليسرى على منكبه الايمن واخذ منه الراية ودفعها الى الحسن فحمل الحسن (عليه السلام) على القوم وفرقهم عن الجمل .

ومجمل القول ان الامام الحسن (عليه السلام) قد اشترك مع ابيه في حياته السياسية والعسكرية وكان موقفه من عثمان كموقف ابيه (عليه السلام) وخيارالصحابة وكان للامام الحسن (عليه السلام) دور بارز في حرب صفين , فكانت قيادة الميمنة في جيش الامام علي (عليه السلام) الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ومسلم بن عقيل (عليه السلام) وقبل التحام الجيشين اراد معاوية ان يجس نبض الامام الحسن (عليه السلام) فبعث اليه عبيد الله بن عمر يمنيه بالخلافة ويخدعه حتى يترك اباه (عليه السلام) فانطلق عبيد الله وقال له :
لي اليك حاجة . فقال له (عليه السلام) : نعم ما تريد ؟ فقال له عبيد الله : ان اباك قد وتر قريشا اولا واخرا وقد شنؤوه فهل لك ان تخلفه وتوليك هذا الامر(1) فقال له الامام (عليه السلام) بكل حزم : " كلا والله لا يكون ذلك " ثم اردف قائلا : " لكأني انظر أليك مقتولا في يومك أو غدك , أما ان الشيطان قد زين لك وخدعك حتى اخرجك مخلقا بالخلوق وترى نساء اهل الشام موقفك , وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلا " . ورجع عبيد الله الى معاوية وهو خائب حسير قد اخفق في مهمته , واخبره بحديث الامام (عليه السلام) فقال معاوية : ( انه ابن ابيه ) وخرج عبيد الله في ذلك اليوم الى ساحة الحرب يقاتل مع معاوية فلقي حتفه سريعا على يد رجل من همدان وهكذا هو الحسن (عليه السلام) مع ابيه (عليه السلام) لم يخالفه قط في حياته وكان كلما وجهه توجه دون تلكأ , وكذلك كان احد قادة جيشه في معركة النهروان , حتى جرى القضاء على امير المؤمنين (عليه السلام) واغتياله على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي وأصابة المسلمين بالفاجعة الكبرى في رمضان عام 40 هـ وكذلك لفراق سيد المتقين علي بن ابي طالب (عليه السلام) الذي قال لولده الحسن (عليه السلام) قبل مفارقته : " يا بني انت ولي الدم فان عفوت فلك وان قتلت فضربة مكان ضربة " (2) وآخر ما نطق به (عليه السلام) قوله تعالى : " لمثل هذا فليعمل العاملون " ثم فارقت روحه الزكية , وأخذ الحسن (عليه السلام) في تجهيز ابيه (عليه السلام) فغسَّل الجسد الطاهر وطيبه بالحنوط وادرجه في اكفانه , ولما حل الجزء الاخير من الليل خرج ومعه كوكبة من اهل بيته واصحابه يحملون الجثمان المقدس الى مقره الاخير فدفنه في النجف الاشرف حيث مقره الان كعبة للوافدين ومقرا للمؤمنين والمتقين ومدرسة للمتعلمين وكهفا للخائفين .
 


1- تاريخ الخلفاء/ للسيوطي ص 80.
2- الامامة والسياسة / ابن قتيبة : 1/28 .
3- ينابيع المودة ص48 .
4- حياة الامام الحسن / باقر شريف القريشي / ج1 ص436 وما بعدها .