|
فكرة الصلح
عرض معاوية فكرة الصلح على الامام الحسن(عليه السلام)في اولى رسائله
وترك له ان يشترط ويطلب مايريد, وراح يردد حديث الصلح في مجالسه وبين
انصاره في جيش العراق ويامرهم باشاعته وكاتب القادة والرؤساء به ليصرف
انظارهم عن الحرب ويبث بينهم روح التخاذل والاستسلام للامر الواقع .
وفكرة الصلح مغلفة بلون ينخدع له الكثيرون من الناس ويفضلونه على الحرب
والقتال,كما ان طريقة عرض الرسالة الاولى والتي اشيعت في اهل العراق
بنودها او مضمونها وانه لا يفضي الى امر من الامور بدون راي الحسن(عليه
السلام) ولا يعصيه في امر اريد به طاعه الله ورسوله, وكذلك ترك
للحسن(عليه السلام)ان يقترح ما يريد, وكان معاوية يرىان هذه الصياغة
ستقبل من الكثيرين وسيتبع ذلك انقسام واسع في صفوف الجيش مما يضطر
الامام(عليه السلام)القبول في الصلح لانه اوهن الشرين كما فعل والده
(عليه السلام) من قبل. هذا وستكون فكرة الصلح سلاما بيد الخونة من اهل
العراق فضلا من انها عذرا لمعاوية فيما لو كانت الحرب واصيب الحسنان
وخيار الصحابة.
وكان الامر كما قدر له معاوية فقد ادت فكرة الصلح بتلك الصيغه الى
التشويش والاضطراب في صفوف الجيش والى تسلل الكثير من جيش العراق وعدد
من القادة وزعماء العشائر الى معاوية,وكان بدوره يرسل اخبار الى
الحسن(عليه السلام)ليقطع امله من الحرب ولا يبقى له الخيار الا الصلح.
كما ان اهل العراق كتبوا الى معاوية بالسمع والطاعة واستحثوه على السير
نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن(عليه السلام) اليه اذا شاء عند دنوه من
المعسكر او الفتك (1).
ووعد معاوية الى عمرو بن الحريث والاشعث بن قيس وحجار بن ابجر وشبث بن
ربعي, بمائة الف وقيادة جند الشام وبنت من بناته لمن يقتل الحسن(عليه
السلام) منهم. ولما بلغ الحسن(عليه السلام) ذلك كان لايخرج بدون لامة
حربة ولا ينزعها حتى في الصلاة وقد رماه احدهم بسهم وهو يصلي فلم يثبت
فيه(2).
ولم يكن الامام ابو محمد الحسن(عليه السلام) يفكر في صلح معاوية ولا
بمهادنته غير انه بعد ان تكدست لديه اخبار عن تفكك جيشه وانحياز اكثر
القادة الى جانب معاوية اراد ان يختبر نواياهم ويمتحن عزيمتهم فوقف بمن
كان معه ولوح لهم من بعيد بالصلح وجمع الكلمة وفقال:"فوالله اني لا
ارجوان اكون انصح خلق الله لخلقه وما اصبحت محتملا على احد ضغينة ولا
مريدا له سوءا ولا غائلة,الا وان ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما
تحبون في الفرقة, الا واني ناظر لكم خيرا من نظركم لانفسكم فلا تخالفوا
امري ولا تردوا علي رأيّ غفر الله لي ولكم وارشدني واياكم لما فيه
محبته ورضاه"(3). ولما نزل نظر الناس بعضهم لبعض وقالوا ما ترونه يريد
بما قال ,قالوا نظنه يريد ان يصالح معاوية ويترك الامر اليه كفر والله
الرجل ثم شدوا على فسطاطه فانتبهوه حتى اخذوا مصلاة من تحته وشد عليه
عبد الرحمن بن عبد الله الازدي فنزع مطرفه عن عنقه وبقي جالسا متقلدا
لسيفه بدون رداء فدعا بفرسه وركبه واحدق به طوائف من خاصته فمنعوا عنه
من اراده , ثم استدعى ربيعه وهمدان فطافوا به ومنعوا الناس عنه, وبينما
هو كذلك اذ قام اليه رجل يقال له جراح بن سنان وبيده معول فاخذ بلجام
فرسه وقال:الله اكبر ياحسن لقد اشرك ابوك ثم اشركت من بعده وطعنه بمعول
فوقعت ضربته في فخذه فشقته وسقط الى الارض بعد ان ضرب الذي طعنه بسيف
كان في يده وتكاثر عليه جماعة فقتلوه وحمل الحسن(عليه السلام) على سرير
الى المدائن وبها سعيد بن مسعود الثقفي وكان امير المؤمنين(عليه
السلام) قد ولاه عليها, واقام بها الحسن (عليه السلام)اياما يعالج
نفسه, وارسل اليه معاوية عبدالله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة,فزهداه
في الامر واعطياه كل ما شرطه معاويه على نفسه وانصرف قيس بن سعد بمن
معه الى الكوفة كما انصرف اليها الحسن(عليه السلام) واقبل معاوية قاصدا
الكوفة وتم الصلح.
ويبدو ان الحسن(عليه السلام)بقي مصرا على الحرب الى اخر لحظه وان وفد
معاوية لم يصل معه الى نتيجه بخصوص الصلح, وقد استعمل معاوية اساليب
الخداع والتضليل في اعلانه عن وقوع الاتفاق بين الطرفين كما يوحي ذلك
اليعقوبي(4) ان معاوية قدم العراق وغلب على الامر والحسن (عليه
السلام)عليل شديد العلة وان معاوية لم يجد المقاومة من دخول العراق
واحتلاله, وان الحسن(عليه السلام)لما راى ذلك لم يكن له خيار في تسليمه
الامر.
لقد كان في تنازله عن السلطه في ذلك الجو المحموم منتهى الحكمة والحنكة
والسياسة الرشيدة كما كان ابوه امير المؤمنين(عليه السلام) من قبل
موقفا في قبول التحكيم الذي فرض عليه بحد السيوف واسنة الرماح هذا
بالاضافة الى انه لو مضى بمن معه وحارب معاوية بتلك الفئة القليلة
المخلصة لكان حاله كحال غيره من العلويين الذين نهضوا في ظروف مختلفة
العصور الاسلامية يهتفون بالاصلاح ويدعون اليه ثم غلبوا على امرهم ولم
يبقى من ذكرهم الا اسماؤهم في مجاميع التاريخ والانساب.
ومهما كان الحال فقد تم الصلح كما املته الحكمة وفرضته مصلحة الاسلام
العليا, واما المكان الذي تم فيه فقيل انه في مسكن وقيل انه كان باذرح
وقيل في الكوفة وقيل في بيت المقدس وغير ذلك.
واما الموافقة على الصلح كان في المدائن والتنفيذ بعد ان رجع الامام
الحسن(عليه السلام) الى الكوفة.
بنود الصلح
من المناسب ان ندون اهم بنود الوثيقة التي ابرمها الحسن(عليه السلام)
مع معاويه(5)
1- ان يتولى ادارة شؤون الدولة "الامة" معاوية بن سفيان,شريطة ان يلتزم
بكتاب الله وسنة رسوله(صلى الله عليه واله) .
2- ان يتولى الامام الحسن(عليه السلام) مهام القيادة في الامة بعد وفاة
معاوية,فان كان اجل الحسن(عليه السلام) قد حل حينئذ فالحسين(عليه
السلام)يتولى الامر.
3- ان يمنح الناس حق التمتع بالحرية والاستقلال سواء اكانوا عربا ام
غير عرب من اهل الشام,ام من اهل العراق, وان لا يؤاخذوا على مواقفهم
السابقة في الحكم الاموي.
هذه هي اهم بنود التي اتفق الطرفان بشانها وهي ذات فاعلية عظمى لصالح
الامة الاسلامية ورسالتها الكريمة . والوثيقة هذه تعتبر اقصى ماكان
بامكان الامام الحسن(عليه السلام) ان يحققه للامة ولرسالتها ولو كان
هناك بديل افضل يستطيع ان يحققه,لما توانى عن اتيانه بحال.
1- انظر الارشاد للمفيد/اعلام الورى للطبرسي.
2- انظر علل الشرائع /للصدوق
3- سيرة الائمة الاثنى عشر/القسم الاول/ هاشم معروف الحسنيص 518.
4- انظر تاريخ اليعقوبي ج2 ص 191 وما بعدها.
5- انظر- الفصول المهمة/ابن الصباغ,اهل البيت/ توفيق ابو علم.
|