|
ما حدث في النخيلة
جرت المراسيم التي تقضي بتسليم السلطة لمعاوية بن ابي سفيان وقد تمت
بالنخيلة على بعد أميال من الكوفة , واجتمع في هذا المكان حشد كبير من
العراقيين والسوريين , وبلا شك ان في هذا الاجتماع من اقسى ما لاقى
الحسن (عليه السلام) في حياته , فقد راى معاوية عدو الاسلام والبيت
الهاشمي يدخل عاصمة الدول الاسلامية دخول الجبابرة الفاتحين , وراى
شيعته وشيعة ابيه الاوفياء للاسلام وحماة الاسلام يتململون مما ينتظرهم
من جور واضطهاد وتشريد , وينتظر الاسلام من اولئك المستهزئين العابثين
بالقيم والمقدسات وبكل ما جاء به محمد بن عبد الله (صلى الله عليه
واله) .
ثم ان معاوية نزل النخيلة فخطب خطبة طويلة لم ينقلها احد من الرواة
تامة على حد تعبيرهم , ومنها انه قال : ما اختلف أمر أمة بعد نبيها
الاّ وظهر اهل باطلها على اهل حقها ثم انتبه وقال : الاّ هذه الامة
.(2)
وقال في موضع اخر من خطبته : الاّ وان كل شئ اعطيه للحسن بن علي (عليه
السلام) تحت قدمي هاتين , لا أفي بشيء منه .
كما قال : والله ما قاتلتكم لتصوموا ولا تصلوا و لا لتحجوا ولا لتزكوا
لأنكم تفعلون ذلك , وانما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد اعطاني الله ذلك
وانتم له كارهون .
وكان (لع) نال من امير المؤمنين (عليه السلام) بحضور الحسن والحسين
(عليه السلام) ثم نال من الحسن بن علي (عليه السلام) فقام له الحسين
(عليه السلام) ليرد عليه فاخذ الحسن بيده واجله.
وبعد ان خطب معاوية في النخيلة , طلب من الحسن (عليه السلام) ان يتحدث
الى الناس بناءاً لأقتراح ابن العاص ليظهر للناس عجزه , فوقف الحسن
(عليه السلام) بين تلك الجموع المُمتدة وصّور الاحداث القاسية التي
اعترضت طريق اهل البيت (عليه السلام) منذ قبض الرسول (صلى الله عليه
واله) حتى يومه ذلك وموقف ابيه منها الذي كانت تمليه مصلحة الاسلام
العليا , وبعد ان استعرض الظروف التي فرضت عليه الصلح فرضا لامفر منه
قال :(ان معاوية زعم لكم اني رايته للخلافة اهلا ولم ار نفسي اهلا لها
, لقد كذب معاوية , نحن اولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبيه
, ولم نزل اهل البيت مظلومين منذ قبض الله نبيه فالله بيننا وبين من
ظلمنا وتوثب على رقابنا وحمل الناس علينا ومنعنا سهمنا من الفيء ومنع
امنا ماجعله لها رسول الله (صلى الله عليه واله) .
واقسم بالله لو ان الناس بايعوا ابي بعد رسول الله لاعطتهم السماء
قطرها والارض بركتها ولما طمع فيها معاوية , فلما خرجت من معدنها
وتنازعتها قريش بينها وطمع فيها الطلقاء وابناء الطلقاء انت واصحابك ,
وقد قال رسول الله (صلى الله عليه واله) ماولت امة امرها رجلاً وفيهم
من هو اعلم منه لم يزل امرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا الى ماتركوا, فقد
ترك بنوا اسرائيل هارون وهم يعلمون انه خليفة موسى فيهم واتبعوا
السامري , وتركت هذه الامة ابي وبايعوا غيره وقد سمعوا رسول الله يقول
له : انت مني بمنزلة هارون من موسى الا النبوة , ورأوا رسول الله (صلى
الله عليه واله) حين نصب ابي يوم غدير خم وامرهم ان يبلغ امره الشاهد
الغائب , وهرب رسول الله من قومه وهو يدعوهم الى الله حتى دخل الغار ,
ولو انه وجد اعواناً لما هرب واضاف الى ذلك:
وقد جعل النبي في سعة حين دخل الغار ولم يجد اعواناً وكذلك ابي , وانا
في سعة من الله حين خذلتنا هذه الامة , وانما هي السنون والامثال يتبع
بعضها بعضاً. ثم التفت الى الحشود المتجمعة وقال: فو الذي بعث محمداً
بالحق لاينقص من حقنا اهل البيت احد الاّ نقص الله من عمله ولا تكون
علينا دولة الاّ وتكون لنا العاقبة ولتعلمنّ َنبأه بعد حين.
ثم التفت الى معاوية فرد عليه سبه لابيه وقال: ايها الذاكر علياً انا
الحسن وابي علي وانت معاوية وابوك صخر وامي فاطمة وامك هند وجدي رسول
الله وجدك عتبة وجدتي خديجة وجدتك قتيلة , فلعن الله اخملنا ذكراً
والامنا حسباً وشرفاً قديماً وحديثاً واقدمنا كفراً ونفاقاً , فارتفعت
الاصوات من جميع الجهات لآمين آمين , -وانا اكتب هذا واقول آمين آمين
يارب العالمين-.
ومهما يكن من أمر فلقد تم الصلح وبايع اهل العراق لمعاوية وهم بين طائع
ومكره, وكان قيس بن سعد بن عبادة من اوثق الناس في نفس الحسن (عليه
السلام) ومن اشد اهل الكوفة واهل الحجاز عداء لمعاوية , وقد اُصيب
بصدمة قاسية عندما علم بموافقة الحسن على الصلح وبقى مصرا على مقاومة
معاوية بمن معه من الجيش مهما كانت النتائج لولا ان الحسن (عليه
السلام) رغب اليه المهادنة وعدم القتال.
ولما تم الصلح أ ُرسل الى قيس بن سعد يدعوه للبيعة وكان رجلاً طويلاً
يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطان في الارض , ولما ارادوا ادخاله على
معاوية قال : اني حلفت ان لا القاه الاّ بيني وبينه السيف او الرمح
فامر معاوية برمح وسيف ووضعهما بينه وبينه , والتفت قيس الى الحسن
(عليه السلام) وقال : افي حل انا من بيعتك يا ابن رسول الله ؟ قال: نعم
, فألقي له كرسي فجلس عليه وجلس معاوية على سريره والحسن بن على(عليه
السلام) معه فقال له معاوية : اتبايع ياقيس ؟ قال : نعم , ووضع يده على
فخذه ولم يمدها لمعاوية فقام معاوية عن سريره ومسح بيده على يده وهي في
مكانها , وانتهى الامر لمعاوية بدون معارض , فسمى الناس ذلك العام بعام
الجماعة.
1- حياة الامام الحسن (عليه السلام) / باقر شريف القريشي ص 281.
2- شرح نهج البلاغة / لابن ابي الحديد المعتزلي.
|