ما حدث بعد الصلح


لقد بقي الامام السبط (عليه السلام) بعد الصلح اياماً في الكوفة تطوف به الالام وتعلوه الكآبة يرى شيعته يتململون من آلاسى والالم , ويدفعهم الوجد الى الخروج عن المالوف في حديثهم معه ويتلقى كل ذلك بالصبر ويحاول اقناعهم والتخفييف عنهم باستعراض ما حدث من الاحداث التي فرضت عليه الصلح ولم تترك له خياراً فيه ولكن بدون جدوى , واخذ بعد برهة وجيزة يعد العدة للرجوع مع اخوته واهل بيته الى مدينة جده (صلى الله عليه واله) . لم يتاخر في الكوفة بعد الصلح سوى ايام قلائل وخرج منها تاركاًفيها من شيعته ومحبيه أضعاف ماله من الشيعة والانصار في المدينة وجميع انحاء الحجاز . وكان هذا الخروج باختياره ليبقى بعيداً عن احداثها ومشاكلها ويتفرغ الى مصالح الناس وحوائجهم بعيداً عن السياسة ومشاكلها , خرج اهل الكوفة لوداع الحسن (عليه السلام) وهم بين باك وباكية يندبون حظهم ومصيرهم المظلم في عهدهم الجديد وقد أصبح بلدهم مصراً من الامصار وتابعا لدمشق بعد ان كانت عاصمة الامصار يصدر القرارات ويوزع الولاة وتجبى اليه الخيرات , ورأوا جيش معاوية الذي كان عدوهم بالامس يحتل بلدهم نشوان بلذة النصر والفتح وسمعوا معاوية وهو على منبر امير المؤمنين (عليه السلام) يقول جذلان مسروراً اني قاتلتكم لأتامر عليكم وقد اعطاني الله ذلك وانتم له كارهون.
لقد رحل الامام الحسن (عليه السلام) ومعه اهل بيته وسارت قافلته تطوي البيداء وقبل ان يقطع موكبه مسافة بعيدة عن الكوفة ادركه معاوية يطلب اليه الرجوع اليها ليقاتل طائفة من الخوارج اعلنوا العصيان والتمرد في جوارها , فابى ان يرجع وكتب الى معاوية : لو آثرت ان اقاتل احداً من اهل القبلة لبدأت بقتالك قبل اي احد من الناس.(1)
ومضى (عليه السلام) في طريقه وكلما حاذى موكبه قرية او حياً من الاحياء خف اهله الى استقباله والترحيب به, ولما انتهت قافلته الى يثرب استقبله اهلها بالترحاب وذكروا به رسول الله (صلى الله عليه واله) وهو يحمله على كتفه ويقول(حسن مني وانا من حسن اللهم اني احبه فاحبه واحب من يحبه)فاقام في يثرب عشر سنين انصرف فيها الى خدمة الاسلام ونشر تعاليمه وكل مايعود على الاسلام واهله بالخير وكان مع ذلك موئلاً لذوي الحاجات ونصراً للمظلومين ومورداً كريماً للفقراء والمحتاجين.
وقبال ذلك استولى معاوية عرش الخلافة وبدا ينكل بالشيعة ويطاردهم من بلد الى بلد فاحسوا بمرارة الصدمة ووطأتها فكانوا يفرون اليه من جور معاوية وعماله.


1- الكامل في التاريخ /ابن الاثير/ج3 ص 308.