|
تحرك معاويه نحو العراق وموقف
الامام (عليه السلام)
بدا معاويه يعبىء جيشه ويكتب لعماله بموافاته لغزو العراق, وجاء في بعض
كتب عماله يذكر ان بعض اشراف الكوفه وقادتهم كتبوا اليه يلتمسون منه
الامان لانفسهم وعشائرهم,وهذا اول خذلان الذي ارتكبه اهل الكوفه بحق
الامام الحسن(عليه السلام). قام عمال معاويه وولاته بتحريض الناس وحثهم
على الخروج والاستعداد لحرب ريحانه رسول الله(صلى الله عليه واله)
وسبطه وفي اقرب وقت التحقت به قوىكبيره لا ينقصها شي من العدة
والعدد.ولما توفرت لمعاويه تلك القوه من المضللين واصحاب المطامع ,زحف
بهم نحو العراق وتولى بنفسه قياده الجيش واناب عنه في عاصمته الضماك بن
قيس الفهري,وكان عدد جيشه ستين الفا وقيل اكثر من ذلك,ومهما كان عدد
الجيش فقد كان مطيعا لقوله ممتثلا لامره منفذا لرغباته,فلما انتهى الى
جسر منبج(1)اقام فيه وجعل يحكم امره(2).
بدا الامام الحسن(عليه السلام) من جانبه يستنهض الكوفه للجهاد والسير
لقتال معاويه بعد ان توجهه نحو العراق, فبعث حجر بن عدي يأمر العمال
والناس بالتهيؤ للمسير ونادى المنادي لصلاة جامعه فاقبل الناس يتوثبون
ويجتمعون,فقال الامام الحسن(عليه السلام)للمنادي:"اذا رضيت جماعه الناس
فاعلمني" وجاء سعيد بن قيس الهمداني فقال: اخرج فخرج"الامام (عليه
السلام)فصعد المنبر فحمدالله واثنى عليه ثم قال:".... اما بعد فان الله
كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها.ثم قال لاهل الجهاد المومنين:( اصبروا
ان الله مع الصابرين)فلستم –ايها الناس-نائلين ما تحبون الا بالصبر على
ما تكرهون,انه بلغني ان معاويه بلغه انا كنا ازمعنا المسير اليه فتحرك
لذلك,فاخرجوا رحمكم الله الى معسكركم بالنخيله...." فسكتوا.(3)
موقف متخاذل لاهل الكوفة:
هكذا وقف اهل الكوفه هذا الموقف المتخاذل
من قائدهم وامامهم ,اذ سكتوا حيث طلب منهم الاجابه على ندائه بالخروج
الى معسكرهم في النخيله,فتحولت اعينهم وهلعت قلوبهم,فلما راى ذلك عدي
بن حاتم الطائي قام فقال:( انا ابن حاتم الطائي, سبحان الله! ما اقبح
هذا المقام !الاتجيبون امامكم وابن بنت نبيكم؟ اين خطباء المصر الذين
السنتهم كالمخاريق في الدعه,فاذا جد الجد فروّاغون كالثعالب....
اتخافون مقت الله والاعيبها وعارها....؟) . ثم استقبل الامام (عليه
السلام) بوجهه فقال:( اصاب الله بك المراشد وجنبك المكاره لما تحمد
ورده وصدره,قد سمعنا مقالتك وانتهينا الى امرك وسمعنا لك واطعنا فيما
قلت ورايت وهذا وجهي الى معسكري,فمن احب ان يوافيني فليواف)ثم مضى
لوجهه,فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى الى النخيله وامر
غلامه ان يلحقه بما يصلحه,وكان عدي بن حاتم الطائي اول الناس عسكرا(5).
وقام قيس بن سعد بن عباده الانصاري ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن
صعصعه فأنـَّبوا الناس ولاموهم وحرضوهم وكلموا الامام (عليه السلام)
بمثل كلام عدي بن حاتم في الاجابه والقبول فقال الامام الحسن(عليه
السلام):"صدقتكم رحمكم الله ما زلت اعرفكم بصدق النيه والوفا والموده
الصحيحه فجزاكم الله خيرا" ثم نزل الامام(عليه السلام)وخرج الناس
فعسكروا ونشطوا للخروج,وخرج الامام (عليه السلام) الى المعسكر واستخلف
على الكوفه المغيرة بن نوفل بن حارث عبد المطلب وامره بتحريض الناس
واشخاصهم اليه,فجعل يستحثهم ويخرجهم حتى يلتئم العسكروسار الامام(عليه
السلام)في عسكر عظيم وعده حسنة حتى انتهى الى النخيلة,وهكذا بات
المسيرة ولكن دون ان يكون دافع الحركة اختيارا بتثاقل واكراه تفرضه
طبيعه الموقف المتخاذل ولولاالصفوة الخيرة والقله المؤمنة,لانقلب ميزان
الموقف وانتصرت عوامل الضعف عاجلا,ولكن موقف هؤلاء المتصلب من ايمانهم
الجاد بحكمة القائد ولزوم اتباعه واحقيته بالخلافه,كان من اقوى الاسباب
التي حفظت للجيش تماسكه وانقياده وبعث النشاط والحماس فيه.
خليط غريب
كان جيش الامام (عليه السلام) يتكون من
خليط غريب,لقد ضمن جيش الامام(عليه السلام) تجمعات وكتل مختلفة الاراء
والعناصر , ويمكن تصنيفه الى:
1- الخوارج : وهم الذين خرجوا عن طاعة الامام(عليه السلام)
وحاربوه وناوؤه ونصبوا له العداوة, فكانوا قد وجدوا من الامام
الحسن(عليه السلام)حلا وسطا, فانضموا اليه لمحاربة معاوية,وهؤلاء اناس
تستثيرهم ادنى شبهة عارضة فيتعجلون الحكم عليها, وفعلا خرجوا عن طاعة
الامام(عليه السلام) ووثبوا عليه فيما بعد.
2- فئة تميل للحكم الاموي وهم على قسمين:
أ- هم الذين لو يجدوا في حكومة الكوفة ما يشبع نهمهم من مطامع يطمحون
اليها,فاضمروا ولاهم للشام مترقبين سنوح الفرصه للوثوب على الحكم
وتسليم الامر لمعاوية.
ب- هم الذين حقدوا على حكومة الكوفة لضغائن في نفوسهم اورثتها العهود
السالفة او حسابات شخصية. وظهر ذلك بخيانة واضحة واتصالهم بمعاوية
تزلقا وطمعا في الحظوة عنده.
3- الانتهازية: والتي ليس لها مسلك معين او جهة خاصة مستقلة,
وانما هدفها ضمان السلامة وبعض المطامع عند الجهة التي ينعقد لها
النصر, فهي تترقب عن كثب الى اي جهة تنقلب الامور ليميلوا معها.
4- فئة مختلفة: تثيرها بعض العصبيات القبليه والاقليمية.
5- الفئة المؤمنة المخلصة: وهي القلة التي يذوب صوتها في زحام
الاصوات الاخرى المعاكسة لها والمتناصرة فيما بينها.
فجيش الامام(عليه السلام) خليط لا يربط بين فئاته هدف واحد, وهو معرض
للانقسام والتفكك لدى اي بادرة للانقسام من شانها ان تفسد اي خطة مهما
كانت حنكة القائد الذي وضع الخطة, وقد شعر الامام(عليه السلام) بخطورة
هذا الموقف بين هذا الخليط الذي يحمل عوامل الانقسام على نفسه.
وهذا اضعف ثقه الامام(عليه السلام) بجيشه, وكان من ابلغ ما افضى به في
هذا الصدد, وذلك خطابه الذي القاه امام جيشه في المدائن,"وكنتم في
مسيركم الى صفين, ودينكم امام دنياكم, تطلبون منا بثاره,واما الباقي
فخاذل واما الباكي فثائر"(1)
وكان معاوية قد عرف نقاط الضعف التي ابتلي بها جيش الامام(عليه السلام)
فرسم للموقف خطه حاسمة ابتكرتها له الظروف الموضوعية التي من شانها ان
تحسم الامر بينه وبين الامام(عليه السلام), وذلك بدعوته للصلح والتظاهر
باعطائه الشروط التي يريد , وكان قد اوقع قادة الامام(عليه السلام)
ورؤساء جيشه في شباكه وكسب نصف المعركه,وهذا يكفي ان تدفع الامام(عليه
السلام)الى قبول الصلح والرضا,وكان معاوية ايضا قد ضمن عدم التحام
الجيشان.
1- جسر منبج:بلد قديم /المسافه بينه وبين حلب يومان.
2- حياة الامام الحسن(عليه السلام)ج1 ص71.
3- صلح الامام الحسن(عليه السلام) /محمد جواد فضل الله/ص65
4-اعيان الشيعه/محسن الميني العاملي/ج4 ص19
5- اعيان الشيعه /محسنت الميني العاملي/ج4 ص 20
|