احداث بعد صفين الاولى


ان الخوارج حينما خرجوا على امير المومنين (عليه السلام)وتمردوا عليه,لم تكن لحركتهم ايه ميزه على غيرهم من المتمردين عليه كطلحه والزبير ومعاويه وغيرهم,ولم يكن لهم هدف خاص لمعاويه وطلحه والزبير,وكان لمقاتلتهم اثاره السيئه في نفوس الكثيرين من اصحابه,لان القتلى كان اكثرهم ينتمي الى عشائر الكوفه والبصره ,فليس بغريب ان يترك قتلهم في نفوس من ينتمون اليهم ما يجده كل قريب لفقد قريبه. ولما انتهى امير المومنين(عليه السلام) من امرهم دب الوهن والخلاف بين اصحابه, فجعل يستحثهم على الخروج معه لحرب معاويه ويخطب فيهم المره تلو المره الاخرى فلا يجد منهم الا التخاذل والخلاف عليه,وكان الاشعث بن قيس وشبث بن ربعي وامثالهما لا ولاء لهم الا التخريب وبث روح التخاذل في النفوس, وبدا وضع فكره خطا علي(عليه السلام) مع اهل النهروان كما صنع عثمان مع الثوار بان يتغاضى عنهم وهم قله لا يشكلون خطرا عليه ,وحدث ذلك تصدعاً في صفوف الجيش ويشحن نفوس من تربطهم باولئك القتلى انساب وقرابات بالكراهيه والعداء لعلي(عليه السلام).وسرت هذه المقاله وغيرها بين الناس فزادتهم تخاذلا وتصدعا(1) وهذا فتح الفرصه الكبير لمعاويه ان يتصل برؤؤساء الكوفه وغيرها,وبعث الرسائل والكتب اليهم يوعدهم ويمنيهم وقدم العطايا والصلات , حتى اشترى ضمائرهم وافسدهم على امامهم , فجعلت طاعتهم اطراف السنتهم وتضم قلوبهم المعصيه والخذلان.
لقد تمكن المتامرون من اهل العراق ان يحققوا لمعاويه كل اطماعه وان يشلوا حركه الامام (عليه السلام)ويخلقوا له من المصاعب والمشاكل ما يشغله عن لقاء اهل الشام مره ثانيه ,ولا سيما المتامرين ممن كانوا على صله بمعاويه كانت تاتيهم الاموال والعتاد فيخرج الرجل ومعه مئه والمئتان, فيضطر امير المومنين(عليه السلام)الى ان يرسل اليهم رجلا من اصحابه ومعه طائفه من الجند فيقاتل المتمردين ,حتى اذا قتلهم او شردهم عاد الى الكوفه,وقبل ان يستقر يخرج اخر بجماعه من المتمردين.
وهكذا هي الحاله بعد معركه النهروان حتى خرج الخربت بن راشد وكان مطاعا في قومه(2) وخرج معه جماعه في ظلمه الليل والتقى في طريقه برجلين وكان احدهما يهوديا والاخر مسلما,فقتلوا المسلم واطلقوا اليهودي فعاد الى عامل الامام(عليه السلام)على السواد فاخبره,فكتب العامل لامير المومنين(عليه السلام)فارسل اليهم جماعه من اصحابه وامرهم بردهم الى الطاعه ومناجزتهم ان رفضوا ذلك. وحدثت بينه وبين الخربت وجماعته مناظره لم تجد شيئا,فطلب منهم اصحاب امير المومنين(عليه السلام)ان يسلما قتلة المسلم فابوا الا الحرب, فكانت بين الطرفين معارك داميه, فارسل اليهم امير المومنين(عليه السلام)قوة اخرى وكتب الى عبد الله بن العباس وكان واليا على البصره يامره بملاحقتهم هذا والخربت يدعي مره بانه يطلب بدم عثمان واخرى ينكر على علي(عليه السلام)التحكيم.
واخيراقتل الخربت,وسيق الاسرى الى الكوفه وكانو قد مروا بالاسرى على مصقله بن هبيرة الشيباني وكان عاملا لعلي(عليه السلام) على بعض المقاطعات فاستغاث به الاسرى فرق لحالهم فاشتراهم من القائد على ان يسدد اثمانهم اقساطا واعتقهم وجعل يماطل في اداء ما عليه ولما طالبه عبدالله بن عباس باداء المبلغ اجابه لو طلبت هذا المبلغ واكثره من عثمان مامنعني اياه, ثم هرب الى معاويه فاستقبله استقبال الفاتحين.
وطمع مصقله ان يستجلب اخاه نعيم بن هبيره الى جانب معاويه فارسل اليه رساله مع رجل من نصارى تغلب كان يتجسس لصالح معاويه,ولم يكد يبلغ الكوفه حتى ظهر امره فاخذه اصحاب امير المومنين(عليه السلام)وقطعوا يده.ومما لاشك ان مصقله الشيباني كان على صله بالمتمردين ولم يكن انقاذهم من الاسر بدافع انساني بل كان بدافع المسؤوليه عن فئه كان يشترك معها في الهدف والغايه,هكذا جرت الحوادث المنغصه والمؤلمه للامام(عليه السلام) ,من اشخاص لا يكنون لعلي(عليه السلام)سوى الحقد والحسد. وفي طبيعه الحال انشغال الامام(عليه السلام)باموركهذه مكنة معاويه من استغلال الفرص وتحرك في غزو القرى والمدن المتخمه لحدود الشام فيقتل وينهب بدون رادع من احد ووازع من الدين .

كما اغارت قوات معاويه على الحجاز واليمن بقياده بسر بن ارطأه الذي اسرف في الاستخفاف بالدماء والحرمات والاعراض والاموال,فنشر الفساد والخراب في مدينه رسول الله(صلى الله عليه واله) وبلغ اليمن فزرع الرعب والخوف في اهلها حتى ذبح طفلين من اطفال عاملها عبيدالله بن عباس وهما في حضن امهما التي اختل عقلهابسبب الحادث.
وجهز جيش اخر لغزو مصر وذلك ليفي بوعده لعمر بن العاص الذي ولاه ذلك الجيش, فتغلب ابن العاص على مصر وقتل واليها محمد بن ابي بكر(رض)والتمثيل به وحرقه.
وبعد ماجرى في مصر انتدب الامام علي(عليه السلام) مالك بن حرث الاشتر وولاه عليها لانقاذها من ايدي الغزاة وكان كما يصفه المؤرخون حازما قويا مخلصا لامير المومنين(عليه السلام) كما كان علي(عليه السلام) لرسول الله(صلى الله عليه واله) على حد وصف الامام وغيره له ولما بلغ معاويه نبا اختيار الامام(عليه السلام)حاكما لمصر اضطرب واشتد خوفه على انصاره وقواته المرابطه فيها, واستطاع فكره المسموم ان يخرج من تلك الازمه التي احاطت به, فاغرى احد انصاره ممن يسكنون الطريق التي لابد للاشتر من المرور عليها, واغدق عليه بالمال اغتيال مالك, ولما بلغ الاشتر ذلك المكان ونزل فيه جاءه بعسل مسموم كان قد اعده له بناءا لتخطيط معاويه فكانت نهايته(رضي الله عنه)(3) . وكان معاويه ناجحا في التخلص من خصومه بهذا الاسلوب فقد قتل ابن خاله محمد بن ابي حذيفه وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وسعد بن ابي وقاص والامام الحسن(عليه السلام),وكان يتباهى ويردد مقوله اشتهر بها:ان لله جند من العسل ينتقم به لاوليائه.
هذا وتوالت الاحداث في داخل العراق والبلاد التي كانت تخضع لسلطه امير المومنين(عليه السلام)فلم يكن يفرغ من تمرد حتى يفاجا باخر ولا يسد ثغره الافتحت له اخرى حتى طمع معاويه الى حدود الاستخفاف(4) . هذا والامام علي (عليه السلام)يحرض اصحابه على الجهاد,فيتعللون بالاعذار الواهيه كحر الصيف وبرد الشتاء , ولا يغضبون لحق او دين ولا للمشردين والمستضعفين حتى كان يتمنى فراقهم بالموت او القتل ويبكي احيانا على من مضى من انصاره ويقول:"متى يبعث اشقاها فيخضب هذه من هذا؟" مشيرا الى راسه الكريم ولحيته الشريفه, حتى وطن نفسه اخيرا ان يخرج لحرب معاويه بمن هو على رايه من اهله وعشيرته وانصاره.
ترك هذا التصرف اثرا في نفوس القوم,فجمع كل رئيس منهم قومه وتداعو للجهاد من كل جانب وتعاقدوا على الموت معه,حتى اصبحت الحرب حديث الناس, وعندها ارسل(عليه السلام)الى عماله في مختلف المناطق يدعوهم للاشتراك معه بمن عندهم من الجيوش والمقاتلين.
خرج الناس الى معسكراتهم في النخيله ينتظرون انقضاء شهر رمضان من سنه 40 اربعين لهجرة النبي(صلى الله عليه واله) وارسل امير المومنين(عليه السلام) زياد بن حفصة في جماعه من اصحابه طليعه لجيشه بين يديه وبقى هو مع الجيش منتظرا انقضاء شهر رمضان المبارك,حتى كمن له اشقى الاخرين في فجر يوم التاسع عشر من ذلك الشهر وهو ساجد في محرابه فيخر منها في محرابه وهو يقول:"فزت ورب الكعبه"(5).

ومع بيعه الناس للامام الحسن(عليه السلام), علم معاويه باستشهاد الامام علي(عليه السلام) وبيعه الناس للحسن(عليه السلام) دس رجلا من حمير الى الكوفه ورجلا من بني القين الى البصره ليكتبا اليه بالاخبار لكي يفسد الامور على الامام (عليه السلام)فعرف ذلك الامام(عليه السلام) فامر باستخراج الحميري من الكوفه فاخرج وامر بضرب عنقه وكتب الى البصره باستخراج القيني من بني سليم فاخرج وضربت عنقه(6). وكانت هذه الحادثه بانذار لمعاويه بالحرب وتهديدا له وقطعا لاماله بالاستيلاء على الكوفه وذلك كتب الامام الحسن(عليه السلام) عدة كتب الى معاويه يخطره بذلك ,حتى بلغ عدد الرسائل والكتب تجاوز خمس رسائل كان اخرها ردا من الامام (عليه السلام)جوابا على رساله معاويه التي لمح فيها للصلح ويطلب فيها من الامام(عليه السلام)ان يبايعه على ان يجعل له ولايه العهد فكان الرد بقول:"اما بعد,فقد وصل الي كتابك فتركت جوابك خشيه البغي عليك,فاتبع الحق تعلم اني من اهله,والسلام"(7).


1- اعيان الشيعة : الامني/ج1 ص 524.
2- الحزين بن راشد – من بني ناجية.
3- تاريخ اليعقوبي / احمد بن اسحق بن جعفر بن وهب الناصح اليعقوبي البغدادي /ج2 ص 193 – 194.
4- اعيان الشيعة / للاميني /ج1 ص528 – 530.
5- سيرة الائمة الاثني عشر :ج1 ص 446-451.
6- مقاتل الطالبين / ابو الفرج الاصبهاني/ ص 33.
7- مقاتل الطالبين / ابو الفرج الاصبهاني/ ص 38.