|
طلائع جيش الامام الحسن(عليه
السلام)
انتهى الامام بجيشه الى النخيلة,فاقام فيها ونظم الجيش ثم ارتحل عنها
وسار حتى انتهى الى"دير عبد الرحمن" فاقام به ثلاثة ايام ليلتحق به
المتخلفون من جنده , وارسل مقدمه جيشه بقيادة عبيد الله بن العباس,
وكان عددهم اثني عشر الفا في مقدمته خلص اصحابه وخيرة عناصر جيشه.
وصل عبيد الله بن العباس الى مسكن(2) فعسكر فيها وقابل العدو وجها
لوجه, وعندها بدات تظهر بوادر الفتنه بوضوح, وانطلقت دسائس معاوية تشق
طريقها الى المعسكر حيث تجد المجال الخصب بوجود المنافقين ومن يؤثرون
العافيه, وكان ذلك من خلال ظهور شائعة كاذبة تقول: ان الحسن يكاتب
معاوية على الصلح فلم تقتلون انفسكم؟ فارتبك الموقف امام قائد الجيش
وسرت همهمة في الجيش عن صدق الشائعة او كذبها,فبين مصدق لها وبين مكذب
وبين من يحاول اثباتها على اية حال, تهشمة عزيمته وانصرفت همته, فضلا
عن وصول خبر الى مسامعه يقول ان اهل الكوفه لم يتحركوا نحو المعركة
وتباطؤهم عن تلبية نداء الجهاد , وان هذه الطلائع من جيش الكوفة والتي
تقف في مواجهة جيش الشام المكتظ والملتهب حماسا.
خيانة القائد
وبينما كان ابن العباس في حيرة من امره,
وصلته رسائل معاوية وهي تحمل في طياتها عوامل الاغراء التي تمس الوتر
الحساس في نفس ابن العباس من حبه للتعاظم وتطلعه للسبق, وكان معاوية قد
خبر بنقاط الضعف التي يحملها عبيد الله هذا.
وكانت رسالة معاوية تحمل: ان الحسن قد راسلني في الصلح وهو مسلم الامر
لي, فان دخلت في طاعتي كنت متبوعا والا دخلت وانت تابع, وجعل فيها الف
الف درهم(3).
استجاب عبيدالله بن العباس لداعي الخيانة ملتمسا لعدوه الذي وتره
بأبنيه, مخلفا وراءه لعنة التايخ, وقد شاء لنفسه ان ينحدر الى هذا
المستوى الواطي فيدخل ضمن معاوية ليلا دخول المهزوم المخذول الذي ياباه
كل حر ينبض عنده الضمير , وينبلج الصبح عن افتقاد المعسكر قائده, فترقص
قلوب المنافقين والانتهازيين, وتدمى عيون المخلصين, هذا والامام(عليه
السلام) لا يزال في موقفه الصلب بضرورة مقاتلة معاوية.
ويكاد الامر ينتفض على الامام (عليه السلام) في مسكن ولكن بديل القائد
المؤمن الصامد قيس بن سعد بن عبادة, حاول جادا ان يحافظ على البقيه
لباقية من معنويات الجيش المنهارة بانهزام القائد, واثرار التماسك بين
فرقه وافراده,فقام خاطبا بجنده موضحا موقف عبيدالله بن العباس وخليفته
الضعيفه التي دفعته للتردي الى هذا(1) المنحدر, وقد فعل قيس في نفوس
سامعيه ما اراد ,فانطلقت الحناجر بحماس تنادي الحمدلله الذي اخرجه من
بيننا فصنع القائد الجديد حالة من الشد والعزيمة في صفوف الجيش ,فعاد
النظام يسيطر على عناصره.
لكن موقف ابن العباس قد فتح الباب لغيره وتستر بغدره وخيانته جميع
الطامعين والخونه من اهل العراق ونشط انصار معاوية في نشر الترهيب
والترغيب في صفوف الجيش ولم يتركوا وسيلة لصالح معاوية الا واستعملوها
واستمالوا اليهم حتى رؤساء ربيعة الذي كانوا حصنا لامير المومنين علي
بن ابي طالب(عليه السلام) في صفين وغيرها من المواقف,فلقد راسله خالد
بن معمر احد زعمائها البارزين وبايعه عن ربيعة كلها وبهذه المناسبه قال
احد الشعراء يخاطب معاوية:
معاوية اكرم خالد بن معمر فانك لولا خالد لم تؤمر
كما راسله وبايعه عثمان بن شرحبيل احد زعماء بني تميم وشاعت الخيانة
بين جميع كتائب الجيش وقبائل الكوفة وادرك الامام(عليه السلام)كل ذلك
وصارحهم بالواقع الذي لم يعد يجوز السكوت فقال:"يااهل الكوفة انتم
الذين اكرهتم ابي على القتال والحكومة ثم اختلفتم عليه وقد اتاني ان
اهل الشرف منكم قد اتوا معاوية وبايعوه فحسبي منكم لا تغروني في ديني
ونفسي".
وهكذا اطمئن معاوية بان المعركة فيما لو وقعت بين اهل الشام واهل
العراق ستكون لصالحه وسيكون الحسن بن علي(عليه السلام) والمخلصون له من
جنده خلال ايام معدودات بين قتيل واسير تحت رحمته وان السلطه صائره
اليه لا محالة.
خبث ومكر معاوية " لعنه الله"
ضمن معاوية النصر بخبثه ومكره دون ان يقع القتال بل ترك النصر بالسلاح
لان ذلك لا يعطي حكومته الصيغة الشرعيه التي كان يحاول التمويه بها على
الناس, كما انه توخى الحذر من ان لو دارت المعركه واصيب الحسنان(عليه
السلام) خلال المعركة وهما سيدا شباب اهل الجنة وريحانتا رسول الله(صلى
الله عليه واله) واحب خلق الله اليه وهذا لا يجهله احد من المسلمين
فتكون مضاعفات نتائجها وخيمة وخطيرة عليه وعلى حكومته.فكان مكرهُ وحرصه
على ان لا يتورط مع الحسن بن علي(عليه السلام)في الحرب ولو كان مطمئنا
لنتائجها.
1- صلح الامام الحسن / محمد جواد فضل الله / ص 70.
2- موضع قريب من "أونا" على نهر الدجيل.
3- شرح نهج البلاغة / ابن ابي الحديد /16/42.
|