بيعة العقبة الأولى

انتشر الإسلام خلال تلك السنة في المدينة ولما كان العام الذي يليه، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه في العقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله (ص) على بيعة النساء (أي على نمطها في البنود التي بايع النساء عليها، أي انه لم يبايعهم فيها على الحرب والجهاد)

وكان فيهم: رافع بن مالك، اسعد بن زرارة، عبادة بن الصامت،أبو الهيثم بن التيهان، قال لهم رسول الله (ص) ) بايعوني على ان لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله ان شاء عاقبه، وان شاء عفاعنه، فبايعوه على ذلك[1] .

فلما أرادوا الانصراف بعث رسول الله (ص) معهم مصعب بن عمير (رض) وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فكان يسمى مقريء المدينة.

بيعة العقبة الثانية

عاد مصعب بن عمير (رض) إلى مكة في موسم العام التالي ومعه جمع كبير من مسلمي المدينةن خرجوا مستخفين مع حجاج قومهم المشركين.

قال ابن اسحاق يروى عن كعب بن مالك: فواعدنا رسول الله (ص) العقبة من أوسط أيام التشريق فلما فرعته من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله (ص) بها، فمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله (ص) نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ومعنا أمرأتان (نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو بن عدي فأجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله (ص) حتى جاء نام معه عمه العباس بن عبد المطلب، فتكلم القوم وقالوا : خذ منا لنفسك ولربك ما أحببت ... فتكلم .

رسول الله (ص) فتلا القرآن ودعا إلى الله تعالى ورغب في الإسلام ثم قال:

(ابايعكم على ان تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم) فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق نبياً نمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (اي السلاح كله) ورثناها كابراً عن كابر.

فاعترض القول ـ والبراء يتكلم ـ ابو الهيثم بن التيهان فقال : يا رسول الله، ان بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها ـ يعني اليهود ـ فهل عسيت ان نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟!

فتبسم رسول الله (ص) ثم قال : (بل الدم الدم والهدم الهدم) أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.

وقال : أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم أثني عشر نقيباً.

تسعة من الخروج وثلاثة من الأوس، فلما تخيرهم قال للنقباء: انتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي.

وكان أول من ضرب على يد رسول الله (ص) البراء بن معرور ثم بايع القوم كلهم بعد ذلك.

فلما بايعوا رسول الله (ص) قال : (ارفضوا إلى رحالكم) فقال له العباس بن عبادة بن نفلة والله الذي بعثك بالحق أن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا، فقال رسول الله (ص) لم نؤمر بذلك، ولكن أرجعوا إلى رحالكم.

قال كعب بن مالك: فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش، فقالوا : يا معشر الخزرج أنه قد بلغنا إنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وأنه والله ما من حي من العرب أيغفى إلينا ان تشب الحرب بيننا وبينهم منكم فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله : ما كان من هذا شيء وما علمناه فقر الناس من منى، فتحرى القوم الخبر فوجدوا ان الأمر قد كان فخرجوا في طلبنا فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر[2] والمنذر بن عمرو ـ وكلاهما كان نقيباً ـ فأما المنذر فأعجز القوم وهرب، وأما سعد فأخذوه وربطوا يديه إلى عنقه بشراك رحله، ثم اقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجبهته وكان ذا شعر كثير.

قال سعد : فوالله أني لغي أيديهم يسحبونني إذ أقبل اليّ رجل ممن كان معهم فقال : ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قلت : بلى والله لقد كنت أجير لكل من جبير بن مطعم و الحارث بن أمية وامنعهم ممن اراد ظلمهم ببلادي، قال : ويحك فأهتف بأسميهما، قال ففعلت فجاء مطعم والحارث فخلصاه من أيديهم.

قال ابن هشام: وكانت بيعة حرب حين أذن الله لرسوله في القتال شروطاً سوى شرطه عليهم في البيعة الأولى (العقبة الأولى) كانت الأولى على بيعة النساء وذلك ان الله تعالى لم يكن اذن لرسوله (ص) في الحرب، فلما أذن الله له فيها وبايعهم رسول الله (ص) في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود، أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة.

قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله (ص) بيعة الحرب، على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، وان لا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق اينما كان، لا نخاف في الله لومة لائم[3]

(خروج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الطائف) خرج النبي (ص) إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله عزوجل وكان بصحبته علي بن ابي طالب (ع) وزيد بن حارثة (رض)، ولما أنتهى رسول الله (ص) إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذٍ ساداته فجلس اليهم ودعاهم إلى الله تعالى وكانوا اشقاء وهم (عبد ياليل، سعود، حبيب) أولاد عمرو، وكان عند أحدهم أمراءة من قريش من بني جمح، فطمع الرسول (ص) مخاطبتهم، لكنهم لم يسمعوا منه بل ألبوا عليه أهل الطائف وردوا عليه رداً منكراً وفاجئوه بما لم يكن يتوقع من الغلظة وسمج القول، فقام رسول الله (ص) من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش إذاً، فلم يجيبوه إلى ذلك أيضاً، ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ويستهزؤون به، بل جعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجليَّ رسول الله (ص) لتدميان، وعلي وزيد يقيانه بنفسيهما حتى شبح رأسيهما عدة شجاج[4]. وذلك أثناء تجواله في أزقة الطائف وطرقاتها يدعو الناس إلى الإسلام فلم يسمعوا له.

واستمر على هذا الحال عشرة ايام، وفي احدى الأيام التجأ إلى بستان لعتبة وشيبة ابنا ربيعة، فرجع عنه من كان يؤذيه من سفهاء ثقيف فغمد (ص) ومن كان معه وقد أنهكه التعب والجراح إلى ظل شجرة عنب فجلس فيه وأبنا ربيعة ينظران إليه، فلما أطمأن النبي (ص) في ذلك الظل، رفع رأسه يدعو بهذا الدعاء (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدوٍ ملكته أمري؟ أن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك).

ثم أن ابني ربيعة ـ صاحبي البستان ـ تحركت الشفقة في قلبيهما، فدعوا غلاماً نصرانياً لهما يقال له (عداس) فأرسلا إليه قطفاً من العنب في طبق، فلما وضع عداس العنب بين يدي رسول الله (ص) وقال له : كل، مدّ الرسول (ص) يده قائلاً : بسم الله، ثم أكل، فقال عداس متعجباً: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له الرسول (ص) ومن أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ قال : نصراني وأنا رجل من أهل نينوى (قرية في الموصل) فقال الرسول (ص) من قرية الرجل الصالح يونس بن منني ؟ فقال عداس : وما يدريك ما يونس بن منى؟ فقال رسول الله (ص) ذلك أخي، كان نبياً وأنا نبي... فأكب عداس على رسول الله (ص) يقبل رأسه ويديه وقدميه[5].

قال ابن اسحاق : ثم ان رسول الله (ص) انصرف من الطائف راجعاً  إلى مكة، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي، قمر به النفر اللذين ذكرهم الله تبارك وتعالى فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولو إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا وهم من الجن، وقد قص الله تعالى خبرهم على رسوله (ص) في قوله : (وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن) إلى قوله (ويجرمكم من عذابٍ أليم)[6]، وقوله تعالى : (قل أوحي اليّ أنه استمع نفر من الجن) الآيات.

ثم عاد رسول الله (ص) ومن معه يريد الدخول إلى مكة فأرسل رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عدي يخبره انه داخل مكة بجواره، فاستجاب مطعم وأجاره، وعاد الرسول (ص) إلى مكة.

بقي النبي (ص) في مكة يدعو لدينه ما وجد إلى ذلك سبيلاً وعانى من مطاردة قريش وأذاهم وعنتهم مالاً يعلم تفاصيله إلا الله تعالى وحده، وبوفاة أبي طالب (رض) نالت قريش من رسول الله (ص) من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعتبر منه سفيه من سفهاء قريش فنشر على رأسه الشريف تراباً فدخل رسول الله بيته والتراب على رأسه ، فقامت الزهراء (ع) وهي طفلة لم تبلغ الحلم، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله (ص) يقول لها: لا تبكي يا بنية: فإن الله مانع أباك[7].


 

[1] رواه البخاري في كتاب احاديث الأنبياء، باب وقود الأنصار وبيعة العقبة.

[2] أذاخر : موضع قريب من مكة.

[3] سيرة ابن هشام

[4] طبقات ابن سعد ج1 ص 196.

[5] ـ سيرة ابن هشام : 1 / 420.

[6] سورة الأحقاف/ الآية 29 ـ 31، سورة الجن / الآية 1.

[7] في رحاب الرسول (ص) ص 33/ الشيخ محمد حسن آل ياسين.