|
غزوة بدر[1] وهي الوقعة العظيمة التي فرّق الله تعالى فيها بين الحق والباطل وأعزّ الإسلام ودمغ الكفر وأهله. خرج رسول الله (ص) من المدينة في ليال مضت من شهر رمضان في ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون، يطلب عير قريش التي عادت من الشام، ثم بلغه أن قريشاً خرجت ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي (ص) الناس لأنه لم يكن قد خرج بهم للقتال وانما لطلب العير، واجتمع القوم وعرض النبي (ص) المسألة، وطلب أن يشيروا عليه، فأعلن عدد من المهاجرين الحاضرين استعدادهم للبذل والفداء والنصرة، وكان أبلغ الجميع المقداد بن عمرو الكندي إذ قال : يا رسول الله ، أمض لما أمرك الله منحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا هنا قاعدون) ولكن إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد[2] لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله (ص) خيراً ودعا له، ثم طلب النبي (ص) المشورة من الحاضرين مرة أخرى وكان يريد أن يعرف رأي الأنصار لأنهم لما بايعوه قالوا له : إذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه آبنائنا ونساءنا، فكان رسول الله (ص) يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة، وان ليس له يسير بهم إلى عدوٍ خارج بلدهم. فلما كرر رسول الله (ص) طلب المشورة أدرك سعد بن معاذ هدف النبي ومراده بذلك فقال : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال (ص) أجل : قال سعد : فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فأمض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخصت لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، أنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، فسرّ رسول الله (ص) بقول سعد، ثم قال : (سيروا وابشروا فان الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن انظر إلى مصارع القوم). ثم ارتحل رسول الله (ص) حتى نزل قريباً من بدر، فركب هو وبعض أصحابه يستطلع الأمر بنفسه، ثم بعث لما أمسى نفراً من أصحابه يلتمسون له خبر قريش: فأصابوا إبلاً لهم يستقون عليها الماء ومعها غلامان، فأتوا بهما واستجوبوهما، فأخبرا بأن قريش وراء هذا الكثيب الذي يرى بالعدوة القصوى، فقال لهم رسول الله (ص) كم القوم؟ قالا : كثير، قال : ما عدتهم ؟ قالا : لا ندري قال : كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً. فقال رسول الله (ص) (القوم فيما بين التسعمائة والألف). ولما علم ابو سفيان بتوجه النبي (ص) وأصحابه للقائه أخذ بعيره طريق الساحل بعيداً عن الجهة التي يسير فيها المسلمون، فنجا هو وموكبه التجاري الضخم من الضربة الكبرى، وبعث إلى قريش من يخبرهم بنجاة القافلة وسلامتها وطلب منهم العودة إلى مكة، فقال ابو جهل بن هشام: لا نرجع حتى نرد بدراً وكان بدراً موسماً من مواسم العرب تجتمع لهم به سوق كل عام) فنقيم عليه ثلاثاً فننحر الجزر ونطعم الطاعم ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا ابداً بعدها. وسارت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي وكانت آبار الماء في العدوة الدنيا من بطن الوادي بإتجاه المدينة. وسار النبي (ص) بمشورة الحباب بن المنذر الجموح، حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالآبار الأخرى فأفسد أمرها، وبنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فمليء ماءً. وتهيأ القوم للحرب وكانت الوقعة يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان. وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي وكان رجلاً شرساً سيء الخلق فقال : أعاهد الله لأشر بن من حوضهم اولاً هدمنه أو لأموتن دونه، فلما خرج، خرج إليه حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً ثم حبا إلى الحوض حتى أقتحم فيه وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض. ثم حرج من بعده عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ودعوا المسلمين إلى المبارزة، فخرج اليهم ثلاثة من الأنصار، فقال المشركون من أنتم، قالوا : رهط من الأنصار، قال المشركون : أكفاء كرام، مالنا بكم من حاجة أنما نريد قومنا، ثم نادى مناديهم : يا محمد : أخرج إلينا أكفائنا من قومنا. فقال رسول الله (ص) (قم يا عبيدة بن الحارث : وقم يا حمزة وقم يا علي). فلما قاموا ودنوا من المشركين، قالوا : من أنتم؟ فسموا أنفسهم قالوا : نعم أكفاء كرام. فارز عبيدة ـ وكان أسن القوم ـ عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد ابن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة ان قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله أيضاً، وأما عبيدة وعتبة فاختلفا بينهما ضربتين، وكرّ حمزة علي باسيافهما على عتبة فأجهزا عليه واحتملاً عبيدة إلى أصحابه. ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وأمر رسول الله (ص) أصحابه ان لا يحملوا حتى يأمرهم، وكان رسول الله (ص) يكرر مناشدة ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول : (اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعبد). ثم خرج (ص) إلى الناس فحرضهم وقال : (والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة). ثم ان رسول الله ص) أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريش بها ثم قال : (شاهت الوجوه) ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه بالهجوم وقال لهم : (شدّوا). فسرعان ما هزمت قريش وقتل الله من قتل من صناديدهم وأسر من أسر من أشرافهم. وأسفرت المعركة من مقتل خمسين أو سبعين رجلاً من المشركين واسر سبعين منهم واستشهاد اربعة عشر رجلاً من المسلمين، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار[3]. وأمر رسول الله (ص) بعد أن انجلى غبار المعركة ورفرفت راية الحق المنصور : ان يطرح قتلى المشركين في القليب فطرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فانه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليحركه فتناثر لحمه، فجعلوه مكانه وألقوا عليه ما غيّبته من التراب والحجارة. وعندما القي قتلى المشركين في القليب وقف عليهم رسول الله (ص) فقال : (يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً). أما النغل الذي أفاء الله به على المسلمين فقد قسمه رسول الله (ص) بين المحاربين الذين كانوا معه على السواء. قدم رسول الله (ص) بالأسرى وعليهم شقران[4] وهم سبعون، ولقي الناس رسول الله (ص) بالروحاء يهنؤنه بفتح الله عليه. نتائج معركة بدر) يمكن حصر نتائج معركة بدر بأمرين هما : ـ 1. الأمور المادية وتحققت بما يلي : ـ أ. حصل المسلمون على الغنائم وهم بحاجة لها. ب. فداء الأسرى من قريش رفع بعض الشيء من حاجة المسلمين. 2. الأمور المعنية وتحققت بما يلي أ. كانت أول معركة للمسلين توحد صفوفهم وهم من قبائل شتى (أنصار ومهاجرين) ضد المشركين يجمعهم الإيمان بالله تعالى (يشد بعضهم بعضاً)، ورسخت قواعد الدولة الجديدة. ب. رفت بالدعوة الإسلامية إلى أمام بعد النصر الكبير الذي حققه المسلمون على قلة عددهم وكثرة عدوهم فساعد ذلك على دخول الناس في الإسلام. ت. تأييد الله تعالى للمسلمين وذلك بإرسال الملائكة تقاتل إلى جنبهم لدحر قوى الشرك، أعطي للمسلمين يقيناً ان الله معهم. قال تعالى : (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم).
(بنو قينقاع وأول خيانة يهودية للمسلمين) قال ابن اسحاق : كان من أمر بني قينقاع ان رسول الله (ص) جمعهم بسوق قينقاع ثم قال : يا معشر اليهود، إحذروا من الله عزوجل مثل ما نزل بقريش من نقمة، واسلموا فإنكم قد عرفتهم إني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وفي عهد الله إليكم، قالوا : يا محمد إنك ترى أنا كقومك؟! لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب فأصبت فرصة، إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس. وروى ابن هشام إن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهودياً وشدت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع فكان هؤلاء أول يهود نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله (ص) وكان ذلك[5]، فيما رواه الطبري والواقدي في منتصف شوال من السنة الثانية للهجرة[6]. فحاصرهم رسول الله (ص) مدة من الزمن، حتى نزلوا على حكمه، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى اذرعات الشام وهلك أكثرهم فيها. السنة الثالثة من الهجرة من أهم أحداث هذه السنة ولادة الحسن عليه السلام في نصف رمضان من السنة الثالثة للهجرة ولد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) وكان يشبه النبي (ص)[7]، وسأل النبي علياً أن كان قد سماه فقال: ما كنت لاسبقك باسمه يا رسول الله، فقال (ص) وما كنت لأسبق ربي باسمه، فأوحى الله إليه: أن علياً منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم ابن هارون، قال: وما اسم ابن هارون؟ قال : شبر، قال : لساني عربي، قال : سمه الحسن، فسماه الحسن[8]. [1] ـ بدر : بئر منسوبة إلى بدر الغفاري، وقال الواقدي : هم اسم المرضع [2] برك الغما : هو كان ناء من ارض اليمن. [3] في رحاب المصطفى (ص) ـ ص 163 / الشيخ ممد حسن آل ياسين. [4] شقران : مولى رسول (ص) وقيل اسمه صالح . [5] سيرة ابن هشام : 2 / 47. [6] الطبري : 2 / 480 وطبقات ابن سعد : 3 / 167. [7] ـ تاريخ الطبري ج2 ص76. [8] البحار ج43 ص329.
|