غزوة خيبر)

أقام رسول الله (ص) بالمدينة أشهر بعد عودته من الحديبية، ثم خرج في أواخر محرم للسنة السابعة للهجرة إلى خيبر[1].

وكان مع النبي (ص) في هذه الغزوة ألف وأربعمائة مقاتل ما بين فارس وراجل وذلك لتصفية هذا الجيب المعادي الخطير الذي ما زال يهدد استقرار الكيان الإسلامي، ويشكل عنصر ضغط دائم على جبهته الداخلية وأمنه الوطني.

ودفع الرسول (ص) رايته العظمى إلى علي بن أبي طالب (ع) ومضى حتى نزل بجيشه وادياً يقال له الرجيع، ففصل بين أهل خيبر وبين غطفان، ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر بسلاح أو رجال.

ولما سمعت غطفان بنية الرسول (ص) ومنزله جمعوا له، ثم خرجوا للدفاع عن حلفائهم اليهود والتضامن معهم ضده، حتى إذا ساروا مرحلة سمع بعض الغطفانين من خلفهم في أموالهم وأهاليهم حساً وحركة فظنوا أن المسلمين قد تسللوا اليهم، فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهاليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله وبين جبير وكان عما أكثر من دعائه قوله (ص): ـ

(اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما اخللن ورب الرياح وما أذرين فأنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها).

وبات رسول الله (ص) تلك الليلة حيث أقام، وكان من ديدنه (ص) إذا غزا قوماً لم يغرر عليهم حتى يصبح، فلما أصبح ركب نحو خيبر نفسها، فرأوه العمال وهم غادون إلى أعمالهم ورأوا الجيش الزاحف معه ففروا لا يلوون على شيء، فتفاءل النبي خيراً بقرارهم وقال : (الله أكبر، خربت خيبر، أنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).

وعظ رسول الله (ص) الناس وفرق بينهم الرايات وابتدأت المعارك بين المسلمين وأهل خيبر وقد تتحصنوا بحصونهم فأخذ المسلمون يفتحون الحصون حصناً حصناً إلا الحصنين الآخرين الوطيح والسلالم[2]فقد حاصرهما رسول الله (ص) بضع عشرة ليلة.

وبعث رسول الله (ص) لما أراد فتح تلك الحصون ـ أبا بكر ومعه المقاتلون فقاتل ولم يك فتحٌ وقد جهد ثم بعث في اليوم التالي عمر بن الخطاب، فرجع ولم يفتح له، فقال النبي (ص) لأدفعن لوائي غداً إلى رجل يفتح الله على يديه بحب الله ورسوله[3]، فبات الناس يدركون ليلتهم، (أي يتألون ويختلفون) أيهم يعطاها؟ فلما اصبح الناس غدوا على رسول الله (ص) وقد تطاول لها من تطاول من الأصحاب، دعا النبي (ص) علياً (ع) وهو أرمد، فتفل في عينيه وقال له : (خذ هذه الراية فأمض بها حتى يفتح الله عليك) ونهض معه الناس.

وخرج علي (ع) مسرعاً حتى أتى مدينة خيبر، فركز الراية في رضم من الحجارة تحت الحصن وقاتل أهل الحصن حتى برز إليهم مرحب بن أبي زينب فقتله علي (ع) وقتل أخوه الحارث وجمع من اليهود وما زال يقاتل حتى فتح الله عليه.

وما أن تم النصر بفتح خيبر وأخذ الحصون من أيدي المسلحين اليهود، طلب اليهود من النبي (ص) أن يحقن دمائهم فأستولى على أموالهم وأبقاهم يعملون في الأرض على أن يكون لهم نصف ثمرها مقابل عملهم.

قدوم جعفر بن أبي طالب من الحبشة

قدم على رسول الله (ص) من الحبشة وهو في خيبر جعفر بن أبي طالب ومن معه وهم ستة عشر رجلاً وامرأة وجمع آخر كانوا في اليمن فأسهم لهم رسول الله (ص) من الغنائم بعد أن استأذن في ذلك المسلمين.

قال ابن هشام : لما قدم جعفر بن أبي طالب على رسول الله (ص) قبّل رسول الله (ص) بين عينيه وقال : ما أدري بأيهما أسر: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر.

(غزوة مؤتة)

وجه رسول الله (ص) جعفر بن أبي طالب (ع) وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحه ـ رضي الله عنهم ـ في جيش إلى الشام وعددهم ثلاثة آلاف مقاتل وقيل أنه أمر جعفر فأن قتل يقوم زيد مكانه وقيل العكس أمر عليهم زيد فإن قتل أخذها جعفر وان قتل يأخذها ابن رواحة.

وكان خبرهم قد سبق الروم فأعدوا لهم بجيش كبير عدده مائة ألف أو يزيدون وكان على رأسهم هرقل أو أخوة تيدور، وجعل الروم في انتظار المسلمين والعده لهم.

فالتقى الجيشان في مؤتة في معركة قوية غير متعادلة الأطراف وبها استشهد جعفر بعد أن حمل على الجيش وكان قد عقر فرسه وهو أول من عقر فرسه في الإسلام وطاعن القوم حتى قطعت يداه واستشهد فأخذ اللواء زيد وقاتل حتى استشهد فأخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى استشهد وبعد ذلك أخذ الراية ثابت بن أرقم وسلمها إلى خالد بن الوليد الذي جمع المسلمون عليه وبدأ بهجوم بما بقي عنده من الجيش لكنه لم ينجح فأنكشف وعاد بالمسلمين إلى المدينة.

أسباب غزوة مؤتة).

وكان من أسباب هذه الغزوة ما يلي :ـ

1.    انتقاماً من شرجيل بن عمرو الغساني لقتلة الحارث بن عمير الأزدي الرسول إلى بصرى.

2.                       انتقاماً لسرية كعب بن عمير المرسلة إلى ذات اطلاح.

3.                       نشر الدعوة الإسلامية خارج الحجاز.

نتائج غزوة مؤتة).

أما أهم ما نتج عن هذه الغزوة ما يلي : ـ

1.    أدرك الروم أن المسلمين قوة لا يستهان بها بعد أن كان رأيهم متى يرغبون غزو الحجاز فعلوا، فترك المسلمون انطباعاً بليغاً في نفوسهم.

2.                       كانت سبب في نقض قريش لمعاهدة الحديبية.

3.    تسمية جعفر بن أبي طالب بجعفر الطيار ـ بعد أن أخبر الرسول (ص) بأن الله تعالى قد أبدل جعفر بدل يداه التي قطعت جناحين يطير بهما في الجنان.

غزوة حنين

بلغ رسول الله (ص) وهو بمكة أن هوازن قد جمعت بحنين جمعاً كثيراً من قبائل نضرٌ وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال وكان على جميعهم مالك بن عوف الذي ساق مع هوازن حرمهم وأموالهم وأبناءهم ونزلوا بأوطاس.

فبعث رسول الله (ص) رسولاً يتجسس أخبارهم، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأته بخبرهم، فذهب الرسول فدخل فيهم وأقام حتى سمع وعلم ما قد جمعوا له من الحرب، ثم أقبل فأخبر النبي الخبر، فأزمع رسول الله(ص) السير إلى هوازن ليلقاهم وخرج رسول الله (ص) من مكة للقاء أعدائه ومعه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه من المدينة، وبلغوا في مسيرهم أرض حنين فأنحدروا في واد من أودية تهامة وكان القوم قد سبقوا المسلمين إلى هذا الوادي فكمنوا في شعابه واحنائه ومضائقه وقد أجمعوا وتهيأوا واعدّوا.

بعث مالك بن عوف ثلاثة نفر عيوناً يأتونه بخير أصحاب رسول الله (ص) فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب.

فأوعز مالك إلى أصحابه أن يباغتوا محمداً ومن معه ويشدوا عليهم شدة رجل واحد، فخرجت كتائب هوازن ورفقاهم من مضائق الوادي وشعبه وحملوا حملة واحدة، فتراجع المسلمون وانكشفت خيلهم، لا يلوي أحد على أحد.

وكان يوماً عظيم الخطب وانهزم المسلمون عن رسول الله (ص) حتى بقي في عشرة من بني هاشم وقيل تسعة وهم (علي بن أبي طالب (ع)، العباس بن عبد المطلب، أبو سفيان ابن الحارث، نوفل بن الحارث وربيعة بن الحارث وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب والفضل بن العباس وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وأيمن بن أم أيمن الذي استشهد دون رسول الله (ص).

وانحاز رسول الله (ص) ذات اليمين، ثم قال: (أين أيها الناس؟ هلموا إليّ، أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله) فلم يلتفت المنهزمون إلى ذلك.

ولما رأى رسول الله (ص) ما حدث بجيشه قال لعمه العباس ـ وكان صيّتاً : (يا عباس أصرخ: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السّمرة، يا أصحاب سورة البقرة) فنادى بصوته الجهوري كما أمره النبي (ص)، فأجابوا : لبيك لبيك وأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على ولدها، وحملوا على المشركين ببأس وقوة، فكان الرجل منهم يأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره، فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله (ص).

واستقبل المسلمون أعداءهم فاقتتلوا فنالاً شديداً، وأشرف رسول الله (ص) على المعركة، فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال : (الآن حمي الوطيس).

وقاتل المسلمون قتالاً عنيفاً، فما رجعت راجعتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله (ص) وفرت هوازن فأستمر القتل في ثقيف فقتل من بني مالك سبعون رجلاً تحت رايتهم، وأنهزم المشركون حتى أتوا الطائف، وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة، وتتبعت خيل رسول الله (ص) من سلك طريق نخلة من الناس ولم تتبع من سلك الثنايا.

ثم جمعت إلى رسول الله (ص) سبايا حنين وأموالها، فأمر بها إلى الجعرانه فحسب بها.

وضرب علي (ع) يومئذٍ أربعين مبارزاً كلهم يقدّه، حتى يقدّ أنفه وكانت ضرباته منكرة، سار رسول الله (ص) إلى الطائف قبل أن يقسم الغنائم وقبل أن يرجع إلى مكة فحاصرهم بضعة عشر يوماً، ووجه بعلي (ع) أمره أن يكسر كل صنم يجده، فلقي نافع بن غيلان في خيل من ثقيف فقتله، وانهزم أصحابه وكسر الأصنام وانصرف إلى رسول الله (ص) وهو بعده يحاصر أهل الطائف.

استمر حصارهم خمسة عشر يمأً ولم يبقى لذي القعدة المحرم فيه القتال سوى خمسة عشر يوماً عندها نادى مناديه أنه سيعفو عن كل وافد إليه منهم، فرجع النبي (ص) إلى الجعرانه مكان الغنائم والأسرى من هوازن على ان يعود إلى طائف بعد انقضاء الأشهر الحرم.

ولما وزع رسول الله (ص) تلك الغنائم على جميع من حضره من قريش وقبائل العرب بإستثناء الأنصار وجد الأنصار في انفسهم فأبلغه سعد بن عبادة ذلك، فأمره ان يجمعهم، فخرج سعد فجمعهم، فأتاهم رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : (يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها عني في أنفسكم، ألم أتكم صلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم:

قالوا : بلى، الله ورسوله أمن وأفضل.

قال : (الا تجيبوني يا معشر الأنصار)؟

قالوا : بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل.

قال (ص):

(أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعةٍ من الدنيا تألفت بها ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، إلا ترضون يا معشر الأنصار ان يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟

فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمراً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار).

فبكى القوم وقالوا: رضينا برسول الله (ص) قسماً وحظاً، ثم انصرف رسول الله (ص) وتفرقوا وأتجه رسول الله (ص) نحو مكة، فأهلَّ بعمرةٍ من الجعرانة، ورجع بعد إكمال العمرة إلى المدينة.

نتائج غزوة حنين).

من نتائج معركة حنين والطائف ما يلي:ـ

1.    استخلف رسول الله (ص) على مكة عتاب بن أسيد ومعه معاذ بن جبل يفقه الناس.

2.    أرسلت هوازن وفداً إلى النبي (ص) وهو في الجعرانة وعلى رأسهم زهير بن صرد وكذلك فيهم شيخ كبير يرعى (أبا ثروان أو ابا البرقان) عم النبي (ص) من الرضاعة، وقد استشفعوا الرسول (ص) في سبيهم، فطلب النبي (ص) من وفد هوازن أن يتشفعوا بعد صلاة الظهر به وبالمسلمين، وعندها قام النبي (ص) خاطباً في الناس مبيناً موقف هوازن بعد المعركة وأنهم يريدون الإسلام وهم تائبون. وقد رد سهمه وسهم بني عبد المطلب إلى هوازن، وقام المهاجرون بنفس العمل.

3.    استسلم عوف بن مالك ودخل الإسلام فردت إليه أهله وأمواله، وجعله الرسول (ص) على قومه وعلى من اسلم من القبائل.

4.    وزع الغنائم على المقاتلين، وحدث عندها جملة من الأمور تداركها النبي (ص) بحكمته وحلمه وبره.

غزوة تبوك

أرسل الرسول (ص) إلى القبائل العربية يخبرهم بمقابة الروم ثم أمر الناس بالتجهيز للغزو، طالباً دم جعفر الطيار (ع) والشهداء الذي سقطوا في معاركهم مع الروم، وحض رسول الله (ص) أغنياء المسلمين على تجهيز الجيش بما يحتاجه فأسرع الكثير منهم لهذه المبادرة.

وخرج رسول الله (ص) معه ثلاثون ألفاً وسمي جيش العسرة،÷ لأنهم أمروا بالخروج لمّا طابت الثمار واشتد الحر وطاب لهم الظلال وشق عليهم الخروج لبعد المسافة وهرة الماء وعسرة من النفقة والظّهر[4].

وكان قد تخلف عبد الله بن أبي سلول بجمع كبير في المدينة مما دعا ذلك إلى تخلف علي (ع) عن هذه الغزوة خوفاً على المدينة ومن فيها من عبث المتخلفين.

وقد مرّ جيش المسلمين ـ بوادي حجر ـ مساكن ثمود فأسرعوا السير فيه متجاوزينه وقد شكى المسلمون الماء فبلغ ذلك رسول الله (ص) فأستقبل القبلة ودعا للاستسقاء ولم يكن وقتها في السماء سحابة فتجمعت السحب من كل ناحية ونزل المطر وانكشفت السحب، فسقى الناس وارتووا عن آخرهم وملأوا اسقيتهم، هذا وقد بلغت أخبار مسيرة الرسول (ص) إلى الروم قبل وصول تبوك.

وكذلك بلغهم اخبار انتصارات المسلمون على قريش وغيرها من القبائل، عندها أدرك الروم ان الصدام مع المسلمين لا يجدي نفعا وبالخصوص ما عرفه الروم عن طبيعة المسلمين الذي لا تعني الحياة لهم شيئاً أمام ثواب الآخرة، فأنسحبوا إلى داخل مدنهم مبتعدين عن المواجهة المباشرة.

نزل الرسول (ص) تبوك فأرسل إلى يوحنا بن رؤية صاحب (أيله) وهو من أمراء تلك المنطقة فصالح النبي (ص) على الجزية كما صالحه أهل الجرباء[5] وأذرح[6].

أقام رسول الله (ص) بتبوك بضع عشرة ليلة ثم عاد إلى المدينة.

نتائج غزوة تبوك).

1.    أطمأن الرسول (ص) بعد معاهدة تلك القبائل المتآخمة لحدود الحجاز ولم يبقى اكيدر بن عبد الملك الكندي أمير دومة الجندل الذي أيضاً صالح النبي (ص) على الجزية بعد رفضه الدخول في الإسلام وبعد أن أي به أسيراً وقتل أخوه حسان.

2.    رجع النبي (ص) والمسلمون إلى المدينة دون قتال، وقد أمن الحدود من خطر الدولة الكبرى التي ترتبط قبائلها بقبائل الحجاز.

3.    حقق النبي (ص) في هذه الغزوة انتصاراً لم تحققه غزوة من غزواته، فلقد أنهار ذلك الجيش الذي يبلغ مائتي ألف أو يزيدون وأنسحب عن خط المواجهة إلى حصونه ومعسكراته وسلمت للمسلمين تلك المناطق.

4.    توافدت وفود الأقوام من شتى أرجاء الأرض ليعلنوا إسلامهم أو مصاحلة النبي (ص) بدفع الجزية.

5) مسجد ضرار)..

ومن أحداث هذه السنة بناء مسجد ضرار، فكان بني عمرو بن عوف قد بنوا مسجد قبالَ وطلبوا من رسول الله (ص) ان يصلي فيه فجاءهم النبي (ص) وصلى فيه وأصبح المسجد مركزاً للإجتماع والنظر في أمور المسلمين، وقد بنى جماعة من منافقي بني غنم بن عوف وبأمر الراهب ابو عامر اليهودي مسجد قباء مسجد قباء حتى لا يحضروا الصلاة مع المسلمين، فلما أتموا بناءه جاءوا إلى رسول الله (ص) وطلبوا منه أن يصلي فيه فاعتذر لانشغاله بتجهيز جيش تبوك، ولما رجع النبي (ص) إلى المدينة من تبوك واراد ان يصلي فيه نزلت الآيات التي تمنع الرسول (ص) من الصلاة فيه وابلغه الوحي ما وراء هذا المسجد وكيف تم بناءوه، عندها أمر رسول الله  (ص) بهدمه وحرقه وأن يتخذوا محله مكاناً للأوساخ والنفايات.

ومن هذه الحادثة، بيّن الرسول (ص) بذلك الأهداف التي يجب أن تبنى لأجلها المساجد والمشاريع وإن تكون لله تعالى  وليس للشيطان ورس المؤمرات.

6ـ غزوة ذات السلاسل)).

قيل انها وقعت في السنة الثامنة للهجرة وقيل في التاسعة من الهجرة، وقد سميت بهذا الأسم: نسبة إلى (ماء) يسمى سلاسل وقيل تم وتوثيق الأسرى بالحبال كأنه السلاسل، وقيل ان المشركين ربطوا بعضهم ببعض بالسلاسل كي لا يفروا من القتال[7].

بلغ النبي (ص) ان قوم من بني قصاعة وجماعة من العرب يجتمعون في وادي رمل يحاولون غزو المدينة ولما بلغه كثرتهم، بعث اليهم عمرو بن العاص على رأس جيش المسلمين الذي لم يلبث حتى طلب المدد من رسول الله (ص) فأمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين من المهاجرين والأنصار وكان وادي رمل قريب من الحدود، وفشل ابن العاص وغيره من القادة الذين أرسلهم النبي (ص) والجميع عاد فاشلاً متعذراً، عندها ارسل النبي (ص) علي بن ابي طالب (ع) على رأس الجيش، فكان يسير بالقوم ليلاً ويكمن نهاراً وأخذ طريقاً غير الطريق الذي أتخذوه القادة من قبله وكأنه يريد العراق ثم انحرف بمن معه مستقبلاً الوادي الذي فيه القوم، فنزل قرب الوادي ليلاً ثم انتظر الفجر مرابطاً في مكانه ومع تباشير الصباح هاجم القوم وهم في غفلة فأنزل بهم القتل وقد أضطربوا، فأمكنه الله تعالى من السيطرة عليهم وقتل سبعة من أشد أبطالهم وتم الفتح على يده، فلما عاد وهو محمل بالغنائم، وكان قد نزلت بتلك الوقعة سورة العاديات، استقبله الرسول (ص) والمسلمون وعليّ (ع) راكب والنبي ص والصحابة يمشون على الأرجل.

 

[1] خيبر ـ مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع تقع على بعد مائة ميل شمال المدينة جهة الشام.

[2] كانت لخيبر حصون (القموص، القطاة، الناعم، الوطيح، السلالم)

[3] الحديث متفق عليه من قوله : لأدفعن لوائي غداً.... رواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث بريدة بن الخطيب.

[4] الظّهر ـ الإبل تحمل الأثقال في السفر.

[5] ـ الجرباء ـ قرية تابعة لعمان.

[6] ـ أذرع ـ بلد من أطراف بلاد الشام.

[7] سيرة المصطفى ـ هاشم معروف الحسني.