|
نشأته الشريفة نشأ محمد (ص) نشأة فريدة بين حنان الجد وعواطف الأعمام وحبهم العميق ورعايتهم الفائقة، تنقل بين مكة والمدينة فتعايش مع خشونة الصحراء وجفافها وخبر صعابها وأهوالها، فأصبح بفضل ذلك قوي الشكيمة، شجاع القلب صلب العود، خرج وهو غلام في التاسعة من عمره أو في الثانية عشر مع عمه أبي طالب إلى بلاد الشام وكان عمه قد ذهب إليها تاجراً، فزاده ذلك معرفةً بشؤون الحياة. ثم شهد مع أعماه وهو في العشرين أو أقل من ذلك أو أكثر على اختلاف الروايات بعض أيام حرب الفجار بين قريش وأحلافهم من كنانة وبين قيس عيلان، فأضاف بهذا الشهود إلى خبرته خبرة وحنكة، وإلى درايته واتقاناً. كما حضر حلف الفضول مع آله وقبيلته ـ وهو ابن عشرين سنة ـ وكان قد دعا إليه عمه الزبير بن عبد المطلب، فتعاقدت فيه قريش وتعاهدت بالله على ان تكون مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه، فكان له (ص) في هذا الحضور المزيد من الصقل والتعلم والإطلاع. تزوج بخديجة بنت خويلد (رض) في عامة الخامس والعشرين فحفظ الله تعالى ذريته ونسبه ببركة هذه المرأة الصالحة وما ولدت وأنجبت. ولما كان رسول الله (ص) في عامه الخامس والثلاثين قامت قريش بهدم الكعبة لتحديد بنائها بعد ان هدّم السّيل الكعبة، فجمعت القبائل الحجارة وبدأوا العمل حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن أختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، ثم اشتد الخصام في ذلك إلى حد الإستعداد للقتال فيما بينهم، فمكثت قريش أربع ليالٍ أو خمس ليالٍ على ذلك، فأقترح عليهم أحد رجالهم ـ وكان أسنهم ـ ان يجعلوا بينهم حكماً أول من يدخل من باب المسجد، فرضوا بذلك، فكان أول من دخل عليهم رسول الله (ص). فلما رأوه قالوا : هذا الأمين: قد رضينا به، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروا الخبر قال : هلمّ إليّ ثوباً، فأتي به ، فأخذ الركن موضعه فيه بيده ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم أرفعوه جميعاً ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه. وهكذا دلف محمد (ص) إلى عامه الأربعين وقد تكاملت فيه جميع صفات الرجولة الحقة نبلاً ومجداً وعراقة وشرفاً وذكاءً وفهماً، ومعرفة وعبقرية ثم ضم إليها كل ما منحته الحياة من خبرات واسعة وتجارب عظيمة الآثار، فقد رعى القطعان ومارس التجارة وشهد الحروب وحضر مجالس الأحلاف وجرّب الأسفار وعاش حياة الصحراء القاحلة الماحلة وكل ذلك مما يدعم تلألؤ الرجولة ولمعانها في الإنسان. وربما يصح ان يضاف إلى قائمة ميزات هذا الرجل: أنه فقير لم تلامس قلبه قسوة الغني والترف ولم تطغه مشاعر الثراء واليسار، وأنه يتيم الأبوين لم تلن قناته التربية العاطفية السائبة ولم يقعد به التدليل المفسد، فكان ـ كما أريد له ومنه ـ قوي الإرادة حصيف الرأي متواضع الخلق عظيم الصبر، على الرغم مما كان يمنحه جده ثم عمه من بعده وسائر أهله من ألوان الود والدلال والحنان والتفضيل. وبمجموع هذه الصفات الفضلى والخصال الرائعة كان محمداً مؤهلاً ـ بأعلى درجات التأهيل ـ لحمله الرسالة الكبرى والقيام بواجب الأمانة العظمى، وكانت جميع ملكاته وقابلياته وتصرفاته في مستوى ذلك المركز الكبير الخطير الذي أعده الله له، ولم يكن ينقصه إلا نزول الوحي والأمر بالتبليغ
|