سيرة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)

تعد السيرة النبوية الشريفة أحد العلوم الشرعية المهمة، فهي مصدر رئيس ومهم من مصادر المعرفة والثقافة الإسلامية، ومن أخصب الموضوعات الإسلامية، إيناساً للنفس وإنعاشاً للروح وإمتاعاً للفكر ومنهجاً للحياة، في أنموذج للإنسان الكامل من مختلف جوانبه، إذا النبي (ص) بلغ أقصى ما وصل إليه الإنسان الكامل في مدارج الكمال.

السيرة : لغةً : تعني السنة والطريقة والهيئة يقال : سار بهم سيرة حسنة.

اصطلاحاً: ترجمة حياة شخص أو تأريخ حياته، فهي تمثل الصورة العملية للقواعد والتعاليم التي اشتملت عليها رسالة الإسلام.

مفهوم سيرة النبي محمد (ص) تعني مضمون حياته القيادية والفكرية والعلمية ومنهجه في تبليغ الدعوة إلى البشرية وطريقة عرض منهجه سواء من الوجهة الأخلاقية أو من الوجهة النفسية والسياسية وما واجه من مصاعب ومحن وكيف تغلب عليها بعزم الرجال وتأييد الله تعالى له).

ويمكن أن تقول : (هي سلوك النبي (ص) وتصرفاته في الحياة التي تعكس التطبيق العملي لمبادئ الإسلام وتجسيد علاقته بربه ونفسه وتعامله مع الآخرين، لنقتدي به (ص) في هذه السلوكيات وتلك التصرفات في حياتنا).

(أهمية السيرة) عن طريقها نبني العرائم، ونوحد الأهداف وننشئ الإرادة، ونقوّم الخلق الذي حاولت الأمم غير الإسلامية يشاركها ضعاف الإيمان من المسلمين أن تميته أو تجعله في غفلة أدئمة بعيداً عن أخلاق الإسلام الحقة وعن أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله).

سيرة الشخصيات: يراد بها معرفة حياة بعض الصحابة وبعض الأولياء الصالحين ممن ساروا على نهج النبي (ص).

مصادر السيرة :

1.    القرآن الكريم وتفاسيره المأثورة في معرفة الملامح العامة لحياة النبي (ص).

2.    كتب السنة (الحديث) النبوية وشروحها. (كبحار الأنوار) .

3.    كتب السيرة النبوية قديمها وحديثها كطبقات ابن سعد والسيرة لابن هشام، فقه السيرة معاجم الرجال وغيرها.

4.    كتب التأريخ قديمها وحديثها، كتاريخ الرسل والملوك، كتب المغازي وغيرها. ويمكن أن نقسم عصور التأريخ الإسلامي إلى:ـ

أ‌.    عصر النبي (ص) وينقسم على: العهد المكي ويقسم إلى ثلاثة أدوار هي : أولاً ـ دور الدعوة الخاصة (السرية) يقدر بـ (3 ـ 5) سنوات، ثانياً ـ الدعوة العامة (3 ـ 4) سنوات، ثالثاً: الهجرة (7سنوات أستوعبت هجرتان وخروج إلى الطائف.

2) العهد المدني وينقسم إلى دورين:ـ

أولاً: دور تأسيس الدولة الإسلامية والدفاع عنها (خمس سنوات) تنتهي بغزوة الخندق.

ثانياً: دور الفتح والإستعداد للثورة الإسلامية (ما بين صلح الحديبية وعام الوفود).

ب) عصر الأئمة وينقسم إلى أولاً عصر الحضور وثانياً عصر الغيبة وينقسمإلى الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى.

وما يهمنا البحث فيه الوقوف على الحقبة الزمنية التي تشرفت بحضرة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله) للتعرف بشكل مختصر على حياة الرسول الأعظم (ص) مذ ولادته حتى قبضه (ص).

وقد جعلناها دراسة بسيطة مقتضبة راجين منها الفائدة والتقرب إلى الله تعالى.

(أهداف السيرة النبوية في القرآن).

عني القرآن الكريم بقصص أنبياء الله تعالى أساساً.

لأجل الهدف العقائدي والتربوي دون التشريعي، أما عنايته بوقائع خاتم الأنبياء فقد استهدفت أهداف ثلاثة (التشريع، العقائد، التربية) مع ملاحظة كون المصدر الأوسع في الجانب التشريعي تركه القرآن للسنة النبوية.

(أهدف دراسة السيرة النبوية)

هناك ثلاثة محاور لدراسة السيرة النبوية المطهرة هي :

الأول : المحور التشريعي.

الثاني : المحور العقائدي.

الثالث: المحور التربوي.

(المحور التشريعي) ان دراسة السيرة من خلال هذا المحور تستهدف معرفة الحكم الشرعي من خلال الواقعة السلوكية، سواء كانت هذه الواقعة فعلاً مباشراً صدر من النبي (ص) أو كان إقراراً منه لسلوك أحد المسلمين صدر أمامه، وسواء كانت الواقعة السلوكية ضمن وقائع الحياة اليومية المتكررة للنبي (ص) كالصلاة مثلاً أو كانت ضمن واقعة تأريخية واحدة كقسمته (ص) لغنائم الحرب في معركة بدر الكبرى.

وكذلك يمكن من خلال دراسة هذا المحور فرع من العقيدة (بعصمة النبي (ص) لكونه (ص) قد جعله الله تعالى مبيناً وهادياً تفصيلياً للشريعة وقدوة وأماماً للناس، كما في قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم) النحل/ 44.

وقوله تعالى : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله ويوم الآخر وذكر الله كثيراً) الأحزاب / 21 .

المحور العقائدي.

أن دراسة السيرة بهذا المحور تستهدف معرفة ما تنطوي عليه حوادث التأريخ النبوي من دلالات عقائدية.

ويقوم هذا المحور من الدراسة على أساس أن النبي (ص) شخص صنع على عين الله تعالى فجاءت حياته منذ ولادته بل قبل ولادته حقلاً تظهر فيه رعاية الله تعالى الخاصة له بشكل ملحوظ، وتشتد هذه الظاهرة عند البعثة وحتى التحاق النبي بالرفيق الأعلى، ومن هنا تكون قصص حياة النبي (ص) والوصي (ع) تجسيداً للعقيدة الإسلامية بالله وبالنبي وبالوصي، وبسبب ذلك سمّى القرآن الكريم هذه القصص والحوادث بـ (الآيات) ودعا الإنسان إلى التفكير فيها وأخذ العبرة منها وجعلنا نظيراً للظاهر الكونية من حيث سماها (آيات) أيضاً ودعا الإنسان إلى التفكير فيها وأخذ العبرة منها أيضاً.

فمن الآيات التي تُسمي القصص قوله تعالى (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) الأعراف / 176 ومن الآيات التي تسمي الظواهر الكونية بالآيات قوله تعالى: والله أنزل من السماء ماءاً فأحيا به الأرض بعد موتها ان في ذلك لآية لقوم يسمعون) 65/ النحل.

(الوقائع السلوكية لسيرة النبي (ص) بمجموعها آية).ومن هذا المنطلق يكون جانب القدوة من حياة الرسول وسيرته بمجموعه أعظم آيات الله عظةً وعبرة، ذلك لأن، وصول إنسان إلى موضع القدوة الاسوة في مجتمع من المجتمعات او جماعة من الجماعات ليس غريباً وخارجاً على سنة الله في الإنسان والمجتمع، بل الغريب والملفت للنظر والخارق للقانون هو أن تكون هذه القدوة على نسق واحد وحالة وادة في كل مجالاتها فلا يشذ سلوك منها على موازين العدل والنبل مهما كان صغيراً، وفي كل حقل من حقول الحياة الإنسانية، فما لم يكن لله تعالى وجود حقيقي فأعل وما لم يكن هناك انفتاح واقعي تعليمي وتربوي من الله تعالى بأزاء عبده المرسل كما قال تعالى مخاطباً.

لنبيه موسى (ع) : (ولتصنع على عيني) 39/ طه، يستحيل ان يصل الإنسان هذا الموقع، وهذه الحقيقة جارية مع كل نبي وصفي من أصفيائه تعالى.

كما في قوله تعالى : (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ان ربك حكيم عليم* ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين* وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين* واسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العالمين* ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم، إلى صراط المستقيم) الآيات ـ 83 ـ 87 سورة الأنعام .

مثال ذلك

ما ورد مروياً عن عبد الله بن العباس (رض) من أخبار السنين الأولى للبعثة الشريفة في حين لم يكن الرجل مولوداً يوم ذاك ـ والمعروف أن ابن عباس (رض) ولد قبل الهجرة بثلاثة سنين[1] فالرواية تكون غير مسنده إلى حاضراً ومشاهد للأمر المحدّث به، ومن ذلك رواياته في أول فرض للصلاة وعن اجتماع قريش في مكة وعن كلام قريش مع أبي طالب (ع) وعن تشاور المشركين في دار الندوة وأمثال ذلك[2].

كذلك ما ورد مروياً عنه عائشة عند بدء البعثة النبوية وفي بدء فرض الصلاة وفيما يتعلق بأخبار النبي (ص) في مكة قبل نقض الصحيفة ولم تسند ذلك إلى أبيها أو إلى غيره من الحاضرين بل حتى روايتها في الأسراء حين حدّثت ان النبي (ص) لم يفقد جسده في تلك الليلة فإنها لم تكن تسكن  معه في بيت واحد لتعلم ذلك[3].

أو مثال ما ورد في المرويات حيث تظهره (ص) شخصاً دون مستوى الإنسان الإعتيادي في مختلف المجالات كعدم صبره على النساء الأمر الذي يجعله ان يصطحب معه في كل غزوة واحدة من نسائه وكذلك تبوله وهو واقف إلى غير ذلك من التصرفات المشينة.

فضلاً عن جعله شخصاً متردداً في تلقي الوحي يشك في نفسه انه قد جن أو ان الشياطين قد عبثت به وتجعل من زوجته (خديجة) (رض) ذات رأي أرجع منه فهي التي تطمئنه وتثبته على النبوة.

وتأخذه إلى (ورقة في نوفل) النصراني لتزداد قناعته بنفسه وانه نبي مبعوث من الله!!!.

المحور التربوي

يستهدف هذا المحور التعرف على ما تنطوي عليه السيرة النبوية بقسميها من خصوصية التأثير الإنسان المؤمن وتحريكه نحو الله تعالى وانضباطه بمنهجه، ومهما لاشك فيه هو أن التربية عن طريق عرض الواقعة التأريخية والقدوة هي أفضل اسلوب في التربية، وتجتمع عليه المذاهب والفرق على اختلافها قديماً وحديثاً، وهو الأسلوب الذي اتبعه خالق الإنسان مع الإنسان نفسه وهو واضح من خلال الكتب السماوية المعروفة، وقد تميّز القرآن الكريم بهذا الصدد بما لا يضاهيه كتاب آخر حين ضم بين دفتيه مجموعة طبية من أحسن القصص وهي قصص أصفياء الله تعالى.

(تحريف أخبار سيرة النبي صلى الله عليه وآله)

تعوض تاريخ خاتم الأنبياء وسنته من بعده للتحريف وهي حقيقة لا يشك فيها أحد، ذلك لأننا لو رجعنا إلى المصادر المعتبرة لدى المسلمين حول تأريخ النبي (ص) وسنته لوجدنا الروايات مختلفة ومتناقضة في وصف كثير من الوقائع التأريخية او السلوكية للرسول (ص) وهذا التناقض والاختلاف واسع وكبير إلى درجة نستطيع معها أن تكوّن من مجموع هذه الأخبار صورتين متناقضتين للنبي (ص) سواء في جانب تأريخه أو في جانب طريقته في الحياة أو سنته، ويتجلى ذلك أمام الباحث في أعداد هائلة من الروايتت وكم عظيم جداً من الأحاديث، منها ما ضمّه كتاب خاص في هذا الموضوع ومنها ما تناثر في خلال المصنفات التراثية المعنية بالتاريخ بمعناه العام أو المتصورة على علم او من خاص، ككتب التفسير والفقه والحديث.

وبذلك يمكننا تقسيم تلك الروايت المتصلة بالسيرة والمغازي إلى قسمين .

1.    القسم المقبول : ـ ونعني به ما ثبت بالشياع أو التواتر أو السند الصحيح، أو لم يقم دليل على بطلانه، أو كان متفقاً في مجمل دلالته ومعناه مع الغط العام لسير الأحداث والاسس الثابتة للعقيدة وأصولها المقررة،

2.                       القسم المرفوض: ـ وتعني به ما يلي : ـ

أ‌.    ما كان غير مرضي السند: إما لإرساله وعدم ورود اسم الراوي المشاهد بنفسه للحدث المروي فيه أو لما ورد من طعون في رواته كلاً او بعضاً وهو في الحالين غير صالح لا يمكن الاعتماد عليه ولا الاستناد إليه. ومثال ذلك : ـ من أبين شواهد ذلك ما أخرجه مسلم بسنده قال : إن المسلمين كانوا لا ينظرن إلى ابي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي (ص) : يا نبي الله : ثلاث أعطينهن قال : نعم، قال : عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت ابي سفيان أزوجكها قال : نعم، قال : ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك : قال نعم: قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال نعم ـ إلى آخر الخبر، وتفنيد هذا الخبر لا يحتاج إلى شرح وتفصيل، لان ابا سفيان قد تلفظ بالشهادتين لينجو بنفسه من القتل في السنة الثامنة من الهجرة عند فتح مكة وكان النبي قد تزوج أم حبيبة وهي بأرض الجبشة حينما ارتد زوجها أي قبل فتح مكة بكثير.

ب‌.    ما كانت دلالته متضاربة مع الخطوط الرئيسية للإسلام وعلى الضدّ من مسلمات الدين وان قيل في مدح رواته وتصحيح سنده.

ت‌.    ما كان واضح الزيف وصريح الكذب بالمنظور التأريخي المحض وبعيداً عنه أية مناقشات أو شكوك أخرى.

قال ابن تيمية (قد وضع الناس أحاديث كثيرة مكذوبة على رسول اله ـ ص ـ في الأصول والأحكام والزهد والفضائل، ووضعوا كثيراً من فضائل الخلفاء[4]


 

[1] ـ الاستيعاب ج2/ ص 343، اسد الغابة 3/ 193، الإصابة 2/ 322.

[2] ـ سيرة ابن هشام : 1 / 261 ، 315

[3] ـ سيرة ابن هشام : 2 / 40

[4] ـ منهاج السنة : 4 / 84.