|
وفاة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله). أخذ النبي (ص) بيد علي بن ابي طالب (ع) واتبعه جماعة توجه نحو القيع وقال : ـ إني أمرت بالاستغفار لأهل البقيع فأنطلقوا معه حتى وقف بين أظهرهم وقال : السلام عليكم أهل القبور ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس، اقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها، ثم استغفر لأهل البقيع طويلاً، وأقبل على علي (ع) فقال له : ان جبرئيل كان يعرض عليّ القرآن في كل سنة مرة وقد عرضه عليّ العام مرتين ولا أراه الا لحضور أجلي، ثم عاد منزله[1]. وعاد رسول الله (ص) إلى بيته وما هو الا أن اشتد به وجعه وثقل عليه مرضه. وقال ابن عباس : لما اشتد برسول الله (ص) المرض، قال لرجال كانوا في البيت، هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال بعضهم ان رسول الله (ص) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فأختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله (ص) قوموا[2]. ولما كان من الغد ححب النبي (ص) الناس عنه وثقل في موضعه وكان أمير المؤمنين علي (ع) لا يفارقه إلاّ لضرورة. فلما كان يوم الإثنين جاء بلال عند صلاة الصبح ورسول الله (ص) مغمور[3] بالمرض، فنادى الصلاة يرحمكم الله فأوذن رسول الله (ص) بندائه، فقال : يصني الناس بعضهم فأني مشغول بنفسي، ثم أخذ بيد علي (ع) والفضل بن العباس فأعتمد عليهما ورجلاه تخطان الأرض من الضعف، فلما خرج وجد أبا بكر قد سبق المحراب فأوما إليه أن يتأخر عنه فتأخر أبو بكر وقام رسول الله (ص) فكبر وصلى ثم انصرف إلى منزله، واشتد به (ص) الضعف فأغمي عليه، فلما أفاق افتقد علياً وكان قد ذهب في بعض شؤونه فلما جاءه أومأ إليه فأكبّ عليه فناجاه رسول الله (ص) طويلاً[4]. ثم ثقل (ص) وحضره الموت، فقال لعلي : ضع يا علي رأسي في حجرك فقد جاء أمر الله، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وأمسح بها وجهك وتولَّ أمري وصلّ عليّ أول الناس ولا تفارقني حتى تواريني رمسي واستعن بالله تعالى، فأخذ علي (ع) رأسه (ص) فوضعه في حجره، فأغمي عليه فأكبت فاطمة (عليها السلام) تنظر في وجهه وتندبه وتبكي ، ففتح رسول الله (ص) عينه وقال بصوت ضئيل: يا بنية قولي : (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسول أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)[5]. فبكت طويلاً فأومأ إليها بالدنو منه، فدنت به فأسرّ إليها شيئاً تهلل وجهها له، فسئلت فيما بعد فقالت: أنه اخبرني أنني أول أهل بيته لحوقاً به وأنه لن تطول المدة بين بعده حتى أدركه فسرّي ذلك عنه (ع)[6] ثم قبض (ص) ويد أمير المؤمنين (ع) اليمنى تحت حنكه (ص) ففاضت نفسه فرفعها إلى وجه فمسحه به ثم وجه وغمّضه، ومدّ عليه إزاره واشتغل بأمره[7] وكانت وفاته يوم الإثنين ضحى لليلتين بقيتا من صفر ولم يحضر غسله ولا تكفينه إلاّ أهل بيته وغسّله علي (ع) وكان الفضل بن العباس يناوله الماء والعباس يعينهم. وأخبر العباس عليّاً (ع) أن الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا النبي (ص) في البقيع وأن يؤمهم رجل منهم فخرج أمير المؤمنين إلى الناس وقال أيها الناس أن النبي (ص) إمام حياً وميتاً وقال : إني أدفن في البقعة التي اقبض فيها. وقال : (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلموا تسليما)[8]. وروى ابن سعد في طبقاته: لما وضع النبي (ص) على السرير قال علي (ع) لا يقوم عليه أحد لعله يؤم، هو أمامكم، فكان يدخل الناس رسلاً رسلاً[9]، فيصلون عليه صفاً صفاً ليس لهم إمام ويكبرون وعلي (ع) قائم بحيال النبي (ص) يقول : اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه ونصح لأمته وجاهد في سبيله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته، اللهم فأجعلنا ممن يتبع ما أنزل عليه وثبتنا بعده واجمع بيننا وبينه، وكان أول من صلى عليه علي (ع) ثم بنو هاشم ثم المهاجرون ثم الأنصار ثم الصبيان ثم النساء، ودفن (ص) ليلة الثلاثاء، قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله (ص) حتى سمعنا صوت المساحي ليلة الثلاثاء في السحر[10] هكذا انتهت حياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد تميّز خاتم النبيين (ص) بأنه لم يتعلم القراءة والكتابة عند معلم بشري ولم ينشأ في بيئة علم وانما نشأ في مجتمع جاهلي ولم يكذّب أحد هذه الحقيقة التي نادى بها القرآن العظيم وتما في قوم هم من اشد الأقوام جهلاً وأبعدهم من العلوم والمعارف، وقد سمّى هو ذلك العصر بالعصر الجاهلي ولا يمكن أن تصدر هذه التسمية الا من عالم خبير بالعلم والجهل والعقل والحمق، ومع ذلك فقد جاء بكتاب يدعو إلى العلم والثقافة والفكر والتعقل وأحتوى على صنوف المعارف، وبدأ (ص)بتعليم الناس الكتاب والحكمة وفق منهج بديع حتى أنشأ حضارة فريدة اخترقت الغرب والشرق بعلومها ومعارفها وما زالت تتلألأ بهاءً ونوراً، فهو أمّي ولكنه كان يكافح الجهل والجاهلية وعبّاد الأصنام، وجاء بدين قيّم إلى البشرية وبشريعة عالمية تتحدى البشرية على مدى التأريخ. فهو (ص) معجزة بنفسه في علمه ومعارفه وجوامع كلمه ورجاحة عقله وثقافته ومناهج تربيته ومن هنا قال تعالى : ـ (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمّي الذي يؤمن بالله وكلماته وأتبعوه لعلكم تهتدون)[11]. لقد أوحى الله إليه وعلّمه التكاب والحكمة وجعله نوراً وسراجاً منيراً وبرهاناً وشاهداً ورسولاً مبيناً وناصحاً أميناً ومذكراً ومبشراً ونذيراً. فهو الذي شرح الله له صدره وأعدّه لقبول الوحي والقيام بمهمة الإرشاد في مجتمع تسيطر عليه العصيبة والأنانية الجاهلة فكان أسمى قائد عرفته البشرية في مجال الدعوة والتربة والتعليم، فكان الإنسان الكامل الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق وكما قال تعالى : (وأنك لعلى خلق عظيم)[12]، فسلامٌ عليه يوم ولد ويوم قبض ويوم تبعث حيّاً. السقيفة لم ينته المسلمون من دفن الرسول الأعظم (ص) حتى اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وقد انقسم المسلمون إلى ثلاث طوائف الأولى تمثل الأنصار والثانية المهاجرين والثالثة بنو هاشم وقد تخلفت بنو هاشم لانشغالهم بتجهيز ودفن النبي (ص) أما المهاجرون والأنصار فقد تباروا خطابياً وقدم بعضهم أفضاله وأعماله على الآخر، حتى تعين أبي بكر خليقةً لرسول الله (ص) ببيعة خاصة داخل السقيفة ثم اتبعتها البيعة العامة في المسجد النبوي، لم يتفق المسلمون على هذه الخلافة ونشأ عن ذلك اختلافات واسعة في الرأي نشب عنها الاختلافات العقائدية والطائفية. [1] مسند أحمد ج3 ص489. [2] رواه البخاري في باب مرض النبي ووفاته : 5 / 138. [3] مشغول بشدة المرض. [4] روى ابن عساكر في تاريخ دمشق ج42 ص395 بسنده عن أم سلمة قالت : والذي تحلف به أم سلمة ان كان أقرب الناس عهداً برسول الهل علي ، فقالت : لما كانت غداة قبض فارسل إليه رسول الله (ص) وكان أرسله في حاجة بعثه لها قالت: فجعل غداة بعد غداة يقول جاء عني ثلاث مرات قالت فجاء قبل طلوع الشمس فلما أن جاء عرفنا أن له إليه حاجة فخرجنا من البيت وكنا عند رسول الله. [5] سورة آل عمران / 144. [6] سرّي عنه: اي كشف عنه همه. [7] الإرشاد للمفيد / ج1 ص187 وطبقات ابن سعد : 2/ 262. [8] سورة الأحزاب / الآية 56. [9] أي جماعة بعد جماعة. [10] الوفاء بأحوال المصطفى لابن الجوزي : 2 / 799. [11] سورة الأعراف / الآية 158. [12] سورة ن والقلم / الآية 4
|