|
(((جودها ـ عليها السلام))). كانت (ع) على هدي ابيها (ص) في جودة وسخائه، وقد سمعته يقول (السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد عن النار، وان الله سبحانه جواد يحبّ الجواد)، وكانت الزهراء (ع) خير من يؤثر على نفسه اقتداءً بأبيها (ص) حتى عرف عنها إيثارها بقميص عرسها ليلة زفافها (ع) وكفى ما أوضحته سورة الدهر كشاهداً على عظيم إيثارها وجميل سخائها. وروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري انه قال : صلى بنا رسول الله (ص) صلاة العصر، فلما إنقتل جلس في قبلته والناس حوله، فبينا هم كذلك إذ اقبل شيخ من مهاجرة العرب عليه سمل قد تهلل وأخلق ولا يكاد يتمالك كبراً وضعفاً، فأقبل عليه رسول الله (ص) يستحثه الخبر، فقال الشيخ: يا نبي الله، أنا جائع الكبد فاطعمني وعاري الجسد فأكسني وفقير فأرشني، فقال (ص) : (ما أجد لك شيئاً ولكن الدال على الخير كفاعله انطلق إلى منزل من يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يؤثر الناس على نفسه، أنطلق إلى حجرة فاطمة (وكان بيتها ملاحقاً لبيت رسول الله (ص) الذي ينغرد به لتسعه من أزواجه) وقال : (يا بلال قم فقف به على منزل فاطمة)). فانطلق الإعرابي مع بلال، فلما وقف على باب فاطمة (ع) نادى بأعلى صوته : السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومختلف الملائكة ومهبط جبرئيل الروح الأمين بالتنزيل من عند رب العالمين، فقالت فاطمة (ع) (عليك السلام، فمن أنت يا هذا؟ قال شيخ من العرب أقبلت على أبيك السيد البشير من شقّة. وأنا يا بنت محمد (ص) عاري الجسد، جائع الكبد، فواسيني يرحمك الله. وكان لفاطمة وعلي (عليهما السلام) ورسول الله (ص) ثلاثاً ما طعموا فيها طعاماً وقد علم رسول الله (ص) ذلك شأنهما، فعمدت فاطمة (ع) إلى جلد كبش مدبوغ بالقرظ كان ينام عليه الحسن والحسين (عليهما السلام) فقالت: (خذ أيها الطارق، فعسى الله أن يختار لك ما هو خير فيه) قال الإعرابي : يا بنت محمد شكوت إليك الجوع فناولتني جلد كبش ما أصنع به مع ما أجد من السغب؟. قال: فعمدت لما سمعت هذا من قوله إلى عقد كان في عنقها أهدته لها فاطمة بنت عمّها حمزة بن عبد المطلب فقطعته من عنقها ونبذته إلى الإعرابي وقالت : (خذ وبعه، فعسى الله أن يعوضك به ما هو خير منه). فأخذ الإعرابي العقد وانطلق إلى مسجد رسول الله (ص) والنبي جالس في أصحابه فقال : يا رسول الله، أعطتني فاطمة هذا العقد، فقالت : (بعه) قال : فبكى رسول الله (ص) وقال : (كيف لا يعوضك به ما هو خير منه؟! وقد أعطتك فاطمة (ع) بنت محمد سيدة بنات آدم). فقام عمار بن ياسر (رض) فقال : يا رسول الله : أتأذن لي بشراء هذا العقد؟ قال (أشتره يا عمار، فلو اشترك فيه الثقلان ما عذبهم الله بالنار) فقال عمار : بكم العقد يا إعرابي ؟ قال : بشبعة من الخبز واللحم وبردة يمانية أستر بها عورتي وأصلي بها لربي ودينار يبلغني أهلي.... وكان عمار قد باع سمهمه الذي نقله رسول الله (ص) من خيبر ولم يبق معه شيئاً، فقال : لك عشرون ديناراً ومائتا درهم وبردة يمانية وراحلتي تبلغك أهلك وشبعك من خبز البرّ واللحم. فقال الإعرابي : ما أسخاك بالمال يا رجل! وانطلق به عمار فوفاه فأضمن له، وعاد الإعرابي إلى سول الله (ص) فقال له رسول الله (ص) : (اشبعت واكتسيت؟) قال الإعرابي : نعم واستغنيت بأبي أنت وأمي قال: (فأجز فاطمة بصنيعها) فقال الأعرابي : اللهم إنك إله ما استحد ثناك ولا إله لنا نعبده سواك، وأنت رازقنا على كل الجهات، اللهم أعط فاطمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. فأمن النبي (ص) على دعاه وأقبل على أصحابه، فقال : (إن الله قد أعطى فاطمة في الدنيا ذلك، أنا أبوها ولأحد من العالمين مثلي، وعليّ بعلها ولولا علي، لما كان لفاطمة كفؤ أبداً، وأعطاها الحسن والحسين وما للعالمين مثلهما سيدا شباب أسباط الأنبياء وسيدا شباب أهل الجنة). فعمد عمار إلى العقد فطيبه بالمسك، ولفّه في بردة يمانية، وكان له عبد اسمه (سهم) ابتاعه من ذلك السهم الذي أصابه بخيبر، فدفع العقد إلى المملوك وقال له خذ هذا العقم وأدفعه إلى رسول الله (ص) وأنت له فأخذ المملوك العقد فأتى به رسول الله (ص) فأخبره بقول عمار، فقال النبي (ص) : (إنطلق إلى فاطمة فأدفع إليها لعقد وأنت لها) ، فجاء المملوك بالعقد وأخبرها بقول رسول الله (ص) فأخذت فاطمة (ع) العقد وأعتقت المملوك فضحك الغلام، فقالت : (فما يضحك يا غلام؟) قال : أضحكني عظم بركة هذا العقد أشبع جائعاً وكسى عرياناً وأغنى فقيراً واعتق عبداً ورجع إلى ربه[1] .
|