بناء الهوية الوطنية

الشيعية 

 
 
د . علي الدبـــاغ
المركز العراقي للدراسات الأستراتيجية

 

مصادق عليه من قبل لجنة الدراسات

قي مؤسسة المرتضى

  

 

 

 

 

وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي (17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (18 )

صدق الله العلي العظيم

 

 

 

 

سورة الزمر

آية 17-18
 

 

 

 

مقدمة

 

والصلاة والسلام على محمد وأهل بيته الطاهرين

 

هذه زفرات حزن وألم، قد تبدو عند البعض ألم عذب وشجون مشروعة تلتمس طريقها للقلوب التي تمتلأ قلقاً وخوفاً من مجهول قادم وهي ليست جلداً للذات، بل أن بعض هذه الشجون قد تكون أجوبة أو نصف أجوبة، لكنها تثير مكامن الخير عند المخلصين من هذه الأمة الذين أرخصوا دمائهم في سبيل هدف سام، ولاريب إن دورهم يجب أن يبدأ وبدون إنتظار في رسم معالم الطريق لنتلمسه جميعاً وأن يجيبوا متعاضدين عن كثير من الأسئلة القلقة والحائرة.

 

سلامي لهؤلاء الذين يؤرقهم هذا الليل ولايستطيعون أن يطردوا عن عيونهم صور معاناة المسحوقين والمحرومين.

محبتي لهؤلاء الذين يطوون الليل حاملين هموم هذه الأمة التي تقدم رقابها من أجل محبة أهل بيت النبي الأكرم (ص).

                                      د. علي

 

 

 

 

إبتدأت مشكلة الشيعة من أتباع أهل بيت النبي الأكرم عليهم الصلاة والسلام ومعاناتهم منذ يوم السقيفة والتي أنقسم بها مجتمع المدينة المنورة وأنشطر نتيجة التجاذب السياسي التي قادته مجموعة من قريش وأستطاعت أن تستلم سلطة الحكم المدنية في مجتمع الجزيرة العربية وسمت نفسها بعدئذ بالخلفاء الراشدين.

وقد حدثت المواجهة الدموية الأولى بين ورثة هذا العهد والشيعة في عهد معاوية بن أبي سفيان  الذي ترجم هذه المشكلة وهذه المعاناة عملياً، وأستمرت تزرع رعبا وإرهابا ضد الشيعة والموالين لأهل البيت إبتداءاً من الكوفة لينتشر في بقاع الأرض وقد كان العراق مركز هذا الرعب والإرهاب الذي لم يتوقف لغاية كتابة هذه السطور، وكانت جميع المواجهات إلغائية قتلاً ونفياً من الأرض ولم تكن محاولات تأديبية لخارجين عن الحاكم مثلا.

وفي محاولة لإستكشاف ماحدث طيلة 14 قرنا من الإرهاب كتبت العديد من التحليلات والدراسات في محاولة لمعرفة ماحدث وماهي أسبابه وماترتب عليه من تشريد وقد كانت بحق كتابات غنية ومراجعة للذات وبعضها كان أيضاً جلداً للذات.

وقد وصل القتل والتشريد والنفي لذروته مؤخراً عندما وصل طاغية العصر وأكبر جلاد عرفه تأريخ العراق قديماً وحديثاً لرأس السلطة حيث مارس قتلاً منهجياً وإفقاراً منظماً لكل زاوية يوجد فيها موال لأهل البيت، وقد كان بحق إعصاراً شيطانياً دام أكثر من ثلاثون عاماً، جاء على كل البيوت والقواعد فعمل فيها قتلاً وتدميراً وتشريداً.

وفي قراءة متأنية لما يدور حاليا في الشارع العراقي - والذي هو دافعنا الرئيسي وهدفنا في هذا الخطاب عبر هذه السطور- وردّات الفعل التي نشأت من هذا الإعصار، نلحظ أن تصورات الشارع العراقي تنحصر فيما يلي:

·  هناك من يتصوّر إن مشكلتنا هي في منعنا أو التضييق علينا في ممارسة  تقاليدنا وطقوسنا من مراثي وعزاء حسيني وإحتفالات بالمواليد وحرية ا لحوزات العلمية الشيعية والتعليم الديني ونشر الكتاب الديني  وهي حقيقة مرّة وواقعية وملموسة تعاني منها التجمعات الشيعية في جميع البلدان الاسلامية.

 ولكن هل هي أصل المشكلة في حقيقتها؟.

·  هناك من يتصوَّر بأن مشكلة الشيعة هي في حرمانهم من حقوقهم المدنية مثل الوظائف العليا أو في مواقع الدولة العليا، ولاشك أن الشيعة يعانون من هذا الحرمان في كل البلاد الاسلامية تقريبا، فهناك خط أحمر تحت اسم المسلم الشيعي بشكل عام على صعيد الوظائف السيادية والمهمة. إنّ هذا التصور للمشكلة الشيعية في العراق وغيره قد أنطبع في وعي الكثيرين من الشيعة، فالفرد الشيعي يجاهد بكل إمكاناته لأن يصبح موظف حكومة كبير، وهو ما نراه اليوم بكل وضوح في العراق وهذا حق مشروع  وسط بلد ترتقي فيه معدلات البطالة لنسب تفوق التصور، وبعضهم يلخّص كل مشكلته بهذا الحرمان.

·  هناك من يتصوّر إن مشكلتنا في عدم توفر الحد الأدنى من الخدمات الأساسية  للمناطق الشيعية، فمناطق الشيعة في كل البلدان الاسلامية مهمّشة تقريبا، من المدينة الكبيرة ولغاية القرية الصغيرة، مثل الطرق والمياه النقية والكهرباء والمدارس والمستشفيات والخدمات الأخرى. وهذا يظهر جليّا وواضحا في  مناطق الشيعة العراقيين والذين يعتبرون أغلبية السكان في العراق.

ولكن هل هذه التصورات وعلى مشروعيتها وأحقيتها، هي جوهر المشكلة وحقيقتها؟.

نعتقد إن كل هذه الصور وغيرها ليست المشكلة بحقيقتها وجوهرها، بل هي صورة من صور المظلومية وجانب واحد من جوانب الصورة الظاهرة، ننظر اليها من زواياها المختلفة فترى من كل زاوية  وجهاً من الصورة، وهي واحدة من مشكلة مركبة تراكمية،  ترتدّ الى جذور أعمق وأخطر، تشابكت عليها سنون من الظلم والإستبداد والرأي الواحد والعداء لأهل البيت...سنون من قهر جماعي طال أتباع أهل البيت، تعاقبت عليه أنظمة حكم كانت تستكمل السابق منها في أسلوبه وأدواته وطريقة الإلغاء التي يتبعها، حتى قال قائل (والله مافعلت أمية معشار مافعلت بنو العباس)، شارك فيها وعاظ وكتاب ورواة حديث وقاعدة ليست قليلة من إخواننا المسلمين بحقنا.

قتلوا منا 12 معصوماً وأبادوا الألوف من علمائنا ومفكرينا وشبابنا وحتى البسطاء منا لم يسلموا من موجات الإبادة.

بعد كل هذا، ألا يحق لنا أن نطرح السؤال ... لماذا؟ ومالذي حدث؟

أليس من حقنا أن نطالب بوقفة مراجعة للذات؟

أليس من حقنا أن نطالب بجردة حساب، ليفهم الجميع مواضع الخلل أين تكمن؟

 ليس لننتقم، معاذ الله، بل لنستكشف مواضع الخلل.

وفي رأينا أيضا إن أساس المشكلة الشيعية لا تنصرف بالجوهر الى هذه النماذج من الحرمان، بل تنصرف الى كوننا كمّا مهملاً، وهناك تجاوز من المؤسسة الحاكمة للاعتراف بنا كـبشر، من هنا نُحرَم من الوظائف الحسَّاسة، ومن هنا نُعامل في تقديم الخدمات لنا على الهامش، وحسْب الفائض، ومن هنا نمنع من ممارسة طقوسنا، لأن إسلامنا فيه شك وفيه كلام، فنحن كفار وعقيدتنا خارج الملة ويعاملنا الحاكم في هذا السياق وليس في سياق إعتبارنا كـمواطنين من الدرجة الا ولى، نحن مواطنون من الدرجة الثانية في كل بلدان العالم الاسلامي، هنا جوهر المشكلة وأصلها، والتي تمتد للقرون الأولى التي نادت أن برأت الذمة ممن يوالي أبو تراب وعملت فيهم قتلا ونفيا وتشريداً ونسجت معها تصورا وخطة عمل تصف الشيعة بالرافضة والفرس ولهم ذيل وأولاد المتعة.... وجاء بن تيمية وأتباعه القدامى والجدد ليكتشفوا بأننا كفار وخارج الملة، لذلك أفتى (شيخ الأسلام) بقتلنا، ونعوت عجيبة يستغرب المرء أن تنطلق في مجتمع المسلمين الذي يصف نفسه بالتسامح والرحمة والأخاء، ولذا فغير مسموح لنا أن نصنف في خانة من يستحقون الحياة وحقوقها.

هناك رفض رسمي حكومي للشيعة، فهذه التسميات هي من نتائج وأسباب هذا التصور، ومن نتائج وأسباب رفضنا ورمينا خارج دائرة التاريخ، وخارج جسم الامة، وخارج كيان العقيدة.

 تسميات ونعوت تغييبية رهيبة........  ولم يلتفت إلا القليل من الشيعة لهذه الحقيقة.

والذي ألتفت منهم كان العقاب المنتظر له هو النفي من الدنيا.

 نمرّ على هذه  التسميات بغصة من الألم وشعور بالظلم الذي تراكم على أجيالنا جيلاً بعد جيل حتى أمسينا نمر عليها بإهمال ولاأبالية ولا نفتش عن تضاعيف المعنى ومقاصده البعيدة، إن المقصود ليس التعيير بل المقصود النفي، نفينا وإسقاطنا من الحساب.

المقصود ليس التوصيف بل إستعمال اللفظ لإخراجنا من الملة. هذا التوصيف وهذه الفتاوى تم استعمالها في قانون المسلمين، في الأحوال الشخصية فمثلاً لاتقبل شهادة الشيعي.

هنا مكمن السرْ .

هنا المطلوب إعلانه على الملأ.

الإعلان إن هؤلاء ليسوا من الملة وهذا يستدعي بعض الدلائل التي يجب صياغتها وترتيبها ، مثل الإعلان إن الشيعة قد خانوا الإسلام والوطن وانهم خارج دائرة الملة، هذا الإعلان يحتاج الى سقطات أفراد ليتم تعميمه ونشره، فهم تحالفوا مع الصليبيين في مصر والمغول عن طريق ابن العلقمي، هذا التزوير في التأريخ (من زاوية تعميمه) مطلوب لتدعيم الفتوى وتحويلها إلى قانون وسوط وسيف.

في حين أن الشيعة هم الذي ضحّوا في سبيل الوطن والإسلام وأخيراً العروبة.........

وهم دافعوا عن الدولة العثمانية بوجه الغزو الإنجليزي للعراق بمراجعهم ورجالهم وحتى بنسائهم مع ما عانى الشيعة من حكم بني عثمان، بينما أصطف الآخر يرحب بالقدوم المبارك للإنجليز ويحصد الثمرة، واصبحت الدولة كلها بيدهم يتداولوها ونحن كنا أٌجراء نعمل باليومية.

 هذا الإعلان كان يهدف الى شئ أساسي ورئيسي وهو:

   الإلغاء.......

 نعم ، الإلغاء، الذي هو القتل والتصفيات الجسدية.    

كلكم يذكر شعار "لا شيعة بعد اليوم" التي أطلقها ذلك الوغد اللئيم الذي أرداه الله وشفى منه قلوب المؤمنين، الهدف منه كان الإلغاء والنفي من الحياة وليس القضاء على التمرد أو الإنتفاضة عام 1991.

وقبل كل هذا وذاك كان قطع الرأس - لمن أشعل أول ثورة للأحرار وطالبي الحرية ضد أكبر تزوير للدين وللشرعية- ذاك سيد الشهداء (ع) في محاولة إستئصالية منهجية كما قال قائلهم: "لاتبقوا لهذا البيت من باقية"، ومرورا بدفننا أحياء وإنتهاءاً بمقابر جماعية لاندري ماذا نلملم منها أو نجمع من بقاياها.

وكثير.... كثير..... مما تحويه أيام سوداء حفرت في ذاكرتنا التي تختزن آلام أئمة أهل البيت الذي لم يمت منهم أحدا ميتة طبيعية بل إبتدأ موتهم بالسيف في المحراب وإنتهى بسم ناقع في مطامير سامراء، كل ذلك ليس من النصارى أو اليهود أو الكفار بل من الأخوة الأعداء لأن الهدف هو الإلغاء والنفي خارج الزمن.

ولغاية الآن ومنذ سنة وطاحونة الموت تدور وتنتقي فقط الشيعي، سواءا كان عضواً في مجلس الحكم أو مسؤولاً أو كاتبا أو سياسياً، لايهم من يكون، فقط أن يكون من أبوين شيعيين.

والقائمة تطول ...وتطول... والحديث ذو شجون ودموع وجروح بحجم كربلاء.

ولايظن أحداً بأننا هنا نقصد إخواننا في الدين من السنة، فهذا بعيد تماما عن مقاصدنا، بل المقصود هي تلك الطائفة السياسية الحاكمة التي سرقت الشرعية ومارست لصوصية بحق المسلمين كلهم وغير المسلمين أيضاً وصادرت منهم حق الحياة وإن لم يكونوا شيعة أيضا، هؤلاء هم من نتهم ويتشارك معهم مجموعة وعاظ البلاط ورواة الحديث الذين زوروا التاريخ وباعوا دينهم بدنيا ا لحاكم.

المسؤولية

كل تلك العذابات والآلام نختزنها في بكائيات مستديمة حفرت في ذاكرتنا منطق الشهادة وعودتنا أننا كلنا مشاريع شهادة ومشاريع ظلم يقع علينا وقد كانت لنا قدرة عجيبة في إعادة لملمة بقايانا في كل مرة لنقف من جديد ليأتي حجاج آخر يقطف رؤوس مايشاء منا.

ومع كل هذه الإبادات المتلاحقة والشعور بها لابد لنا الآن أن نلتمس طريقنا بعد سقوط طاغوت الزمان- الذي أندحر خاسئا- بصورة هادئة ورصينة نبتعد فيها عن الإندفاعة الهوجاء التي تختزن المظلومية التأريخية أو ردات الفعل التي تنطلق حسب قوانين الفيزياء بإتجاه معاكس للفعل ولا يمكن لجمها، فلم نعد نأمن للزمن وتداعياته، ولانثق بالجيران الذين يريدون أن يستخدمونا "ماشة نار" وأغرقوا ويغرقون مدننا الوديعة بالمخدرات والترياك، ولايهمهم دمنا المسفوح بل يريدون منا أن نموت نيابة عنهم ليبقوا هم في أمان، ويدفعون نفر منا لجهاد مزور ضد أبناء مدينته وشريكه في سنوات القهر والمقابر الجماعية، ولم نعد نثق بإخوان العروبة الذين دافعنا عنها أجيالاً عديدة ورأيناهم يرقصون طرباً عندما ننبش المقابر الجماعية لنبكي عظاماً، بل بقايا عظام، وهم يصفقون لجلادنا، ويتنادون ويتطوعون للدفاع عنه، وهم يقرعون الدفوف والمزامير ونحن ننتحب في صمت الموجوع والملكوم، و....و... تاريخ..... وصدور مثقلة بهموم وأحزان لاتسعها حروف وكلمات، لكنه كظم للغيظ تعلمناه من كاظم الغيظ.

ولكننا نعض على ألمنا وجرحنا الذي ينزف الآن ونشده ونبتعد عن الإنتقام ونحذرمن ممارسة نفس الوسائل والآليات التي مورست بحقنا، لأن هذا منهج أئمتنا الذين علمونا وربونا أن نصفح ونعفوا عفو المقتدر.

لابد لنا أن نستفيد ونعتبر من خسائرنا ودمائنا التي سفكت في دورات الزمن المختلفة وأن نبني لنا صرحاً يستعصي على فرعون جديد يطل برأسه من كوّات التاريخ القادم، هذا الصرح هو قوانين وشرائع وأنظمة تستعصي على جبّار أن يتسلقها ويخترقها وأن نسعى مع الآخرين وبإسلوب جمعي أن نحمي الإنسان بغض النظر ‘ن إنتمائه الديني والمذهبي في العراق من دورات ظلم وتعسف تدور مرة أخرى وتستقر على رؤوسنا، ولدينا تجربة الشعب الألماني وشعوب أوروبا التي ذاقت مرارة حكم فرد متهور مثل هتلر تسبب في مقتلة عظيمة للبشر، فشرّعوا من القوانين وسدوا كل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها هتلر آخر حتى لو كان صغيراً ليعيد دورة حزن وقهر جديدة عليهم فأصبح عندهم حتى رسم الصليب المعقوف جريمة لأنه يذكرهم بزمن كان مليئاً برائحة العنف والدم.

هذا هو قدرنا الذي يجب أن نخطه لنحتمي به ونحمي أطفالنا ونحمي الانسان من عمليات فتك وإلغاء جديدة، وإلا تدور علينا دورات زمن جديدة ندفع أثمانها باهظة من دمائنا.

 لابد لنا ونحن نلتمس هذا الطريق أن نعي أننا ورثة منهج النبي الأكرم وأهل بيته عليهم السلام وأن لا نلغي الآخر الذي عمل على إلغائنا ولا نهمشه ولا نتجاوز عليه، وفي هذا فنحن لانقبل أيضاً أن يطل مغامر منّا أيضا يمارس ردات فعل إنتقام لما حدث لنا وهذا أقسى إمتحان لنا، وأكبر تحدي لنجاحنا، إذا تجاوزناه بنجاح فنكون قد رسمنا أرقى معاني الإنسانية والمحبة0وليصدق علينا القول (ملكنا فكان العدل منا سجية، وملكتم فكان...) واذا لم ننجح فيجب أن لانلوم الاخرين أبدا على فعلتهم بنا، فالإثرة إذن طبع البشر وهذه سنّة الحياة، ولكنها وبالتأكيد فهي غير ذلك، لأن الحياة طبعت على الخير وحب الخير ولابد للخير أن يرقى في دورة من الدورات الى الأعلى ويكون هو المثال.

هذا الطريق يبدأ بالإنسان قبل كل شئ، بناء أنساننا الذي تحول إلى كتلة مثقلة بالهموم واليأس من دورات الزمن الردئ، وخصوصاً سنوات الجمر الأخيرة التي وصلت الى العظم، بل كسرت حتى العظم، فتغير فيها الإنسان وتحول الى نوع مختلف.

هذا الطريق يبدأ بالنهوض بالفرد الشيعي إقتصاديا أولاً حتى يسد رمقه لكي يستطيع أن يفهم ويستوعب ويتقبل، أن يرتفع فوق خط الفقر لكي لايستجدي رغيف الخبز، وأن يحس بقيمته، فلولا الخبز ماعبد الله، ثم فكريّاً وتربوياً وسياسيا، تهئ هذا الفرد للمساهمة في صناعة القرار السياسي بأعلى المستويات، وبمديات عميقة من التأثير والتفاعل، وتحرّره من الشعور بالضعف، وتلصقه بكيانه البشري عقديا ومصيريّا، تجعل صوته مسموعاً محترما، تدمجه في العالم بقوة وفاعلية وتنقذه من الهامشية، يتقدم الصفوف مع المسلمين الآخرين لأنه جزء أساسي من كيان هذه الأمة، يفرض عليهم كيانه وإحترامه ووجوده، وتعزّز  فيه روح المبادرة، تنقذه من مشروع العطاء المجاني، تنقذه من فكرة الإستشهاد العفوي والمجاني الذي صبغ حياته بصورة مستديمة بحيث لايرى نفسه الا شهيداً وينسى أن هناك جعفر الصادق الذي ملأ الدنيا علماً وعلي بن موسى الرضا الذي وجد في الملك والسلطان أن يعيد بناء ماتهدم وتدهور.

وبالتزامن مع النهوض الفردي يبدأ نهوض جماهيري يضم الأحزاب والهيئات والجماعات والقواعد التي تنتمي الى هذه  الدائرة المذهبية التاريخية، نظم محكوم بقواعد مرنة، وكلها علنية وفي وضح النهار وفوق الأرض، ولايوجد شئ نخفيه أو نستحي منه، لانريد شراً بأحد بل نريد أن نمنع الشر عن الجميع وعنا، نتوسّل بآليات العمل السياسي والاعلامي والاجتماعي المتعارف عليها، التي لا تتعارض مع الاخلاق الانسانية، والمبادئ الوطنية، في سياق الإنتماء للوطن وبعقد المواطنة.

هذا النهوض يبتعد عن الأيديولوجية أو الحزبية التي لن يسمح لها أن تعمل على فرز الأفراد الشيعة وتقسيمهم في الرأي الى أبيض وأسود بل يترك أمر الدين كأمر شخصي بين الأنسان وخالقه وأن تترك دعوات إقامة دولة دينية وثيوقراطية لأنها ليست ملزمة دينيا في ظروف بلد مثل العراق ويكون ذلك بحوار مستنير وبدون إثارة من أي طرف لصياغة منهج مدني متوافق عليه يعيش الجميع فيه بسلام ودون تخاصم بينهم أو مع النظام العام.

هذا النهوض وهو يتلمس طريقه يجب أن يبتعد عن ظاهرة النقد الدائم والتجريح للآخرين الذي يصل لحد الإسقاط، يجب أن نقلل من ظاهرة الشكوى ومرارتها وأن لانخوض وننقد ما نجهله، ننقد فقط ما يدور في مجال تخصصنا ونترك الدفة لربانها مع مراقبته وتقويمه إن هو أراد أن يبحر بها على غير وجهتنا، أنها موازنة ليست سهلة من القبول الجمعي وترشيد النقد لنقلل من الكلام والنقاش والثرثرة، وبتعبير آخر ممارسة ديمقراطية لها حق الإعتراض والتقويم والمحاسبة، لكنها منظمة ومتحضرة وليست غوغائية تعترض لمجرد الإعتراض وإرضاء الذات.

هذا النظم الجمعي هو طريقنا الى التحرُّر من الإلغاء والحذف والاهمال، طريقنا الى البناء الذاتي، طريقنا لمواجهة عولمة الثقافة التي ستأتي جارفة ونتفاجأ بها ليس على أعتابنا فقط بل داخل بيوتنا من ستلايت وشبكات إنترنيت، وإعلام سيغسل ليس عقول الصغار فقط بل سيتجه للكبار ليزعزع  فيهم ثقتهم في منهج دينهم وخط مذهبهم، هذا المثلث الرهيب الذي يستلزم أن نتهيأ لإستحقاقاته وتداعياته وهو:

أولاً: إعلاماً غير مقيد وحر من أي ضوابط دينية وأخلاقية سيهب علينا بآلته الرهيبة وإمكاناته المتطورة التي تعتبر سلاحاً لانمتلك منه حتى الأوليات، ويجب أن نعّد له من اسباب القوة والمنعة لئلا يجرف الكبير والصغير ويفعل فعله.

ثانيا: إقتصاد حر تكون فيه الأبواب مفتوحة ومشرعة لرأس المال الأجنبي وآلته الصناعية والتجارية والخدماتية المتطورة التي وصلت الذرى، في وقت نحن لانزال نعيش عهد ماقبل الثورة الصناعية، هذا الإقتصاد المعولم يبحث عن الربح السريع، ويشفط كل ماتقع عليه عينه ويده مقابل إقتصاد منهار وتجار لم تتح لهم فرصة بناء سوق قوية ورأس مال وتجارة تستطيع أن تنافس عالم اقتصادي يسيطر على مفاصل الحياة في العالم ولا يحده وازع أخلاقي أو ديني.

ثالثا: قيم عولمة جديدة من حقوق الإنسان وحقوق المرأة وكل مايحيط بها من حقوق غير مقيدة أو محدودة، تدخل تحتها حقوق الدعارة والمخنثين و.......الخ، هذه القيم تستلزم بناء هوية وبناء ثقافة ذاتية تعتز بدينها ولا تخدع ببريق لامع يخطف الأبصار.

وهذا البناء الجمعي هو طريقنا لبناء الفرد من مهاوي الإنزلاق الى ثقافة إستهلاكية وإنحلال اُسَري، طريقنا لبناء فرد يعتز بدينه وتراثه ويأخذ من أسباب القوة والتكنولوجيا دون أن يٌمسخ ويٌمحي كيانه، بل يحافظ عليه لأنه هويته التي يفتخر بالإنتماء اليها وقبل كل هذا بناء قوي يكون عصياً على (صدام) جديد ينشأ من ركام ومخلفات النواصب.

إنها فرصة التأريخ الذي يدور دورات زمن طويلة أن نلتقطها وننهي دياسبورا شيعية مستديمة تفتك بنا، يجب أن نعرف إن العالم لايهتم بنا وبمظلوميتنا ما لم نبدأ نحن ببناء الذات وبناء البيت الداخلي، نحن لسنا قوة إقتصادية أو عسكرية حتى يهابنا العالم، نحن لانملك من كل هذا، لكننا نملك ديناً يحمل لوائه أهل البيت وفكرهم العالمي المتسامح والمسالم، ونعيش على أرض تحتها كنوز، هذه هي مقومات القوة عندنا علينا أن نستفيد منها.

لابد لنا في هذا المجال وفي سعينا لتطوير الهوية الوطنية الشيعية من ملاحظة بعدين مهمين في هذا المجال داخليا وخارجيا:  

 

داخليا :

ويكون ذلك بتنمية العلاقات بين القوى والفعاليات الشيعية على الاصعدة التالية:

السياسية: بإنشاء ودعم وتشجيع تحالفات للكيانات الصغيرة والحديثة العهد بالعمل الجماهيري أو فكرة إنشاء برلمان شيعي أو مجلس سياسي شيعي. لابد للتحالفات أن تنطلق من نقطة محورية وهو العهد على رفع الظلم والإظطهاد عن الشيعة كبرنامج عمل وهدف، ولتختار معه ماتشاء من الأسماء والشعارات.

والروحية: بالبدأ بخطة تنويرية بفهم منفتح للدين بعيدا عن الكراهية والإلغاء، فهماً ينسجم مع منهج أهل البيت (ع) في التراحم والتواد والتكافل، ويكون بتشجيع المؤسسات الدينية والحوزات والمنابر الحسينية لتفعل فعلها في بناء سليم ومعافى من ضغط الدولة وإرهابها وذلك عبر برامج يتضامن فيها الجميع مع المؤسسة الدينية والمرجعية لتأهيل كوادر واعية تساهم بجهدها، في تنمية وعي صحيح بالدين عبر برامج تعليم لمرشدين ينقلوا للناس الأسس السليمة لفهم الدين والأسس الصحيحة للمطالبة بالحقوق وماهي هذه الحقوق؟ ولنقدم للعالم نموذج الدين الذي يحمله أهل البيت (ع)، فقد رأى العالم ولقرون طويلة إسلام على مدرسة الخلفاء، فلنقدم لهم فهمنا للإسلام.

والإجتماعية: بالسعي للتعاون على رفع سنوات القهر والحرمان من أعداد كبيرة من الأرامل واليتامى والفقراء، ويكون ذلك بتنمية الوعي بالعمل التطوعي والخيري الأهلي والتسابق في خدمة الناس مثلما هو معمول به في معظم بلدان الخليج وايران، وأن لاننتظر من الدولة شيئاً، فلن تستطيع الدولة أن تنزع ركام هذه السنين ولدينا من المعوزين مالانستطيع سد حاجته.

والعلمية: بالتشجيع على التحصيل العلمي وتعويض سنوات الظلام والكبت. فلدينا أكبر نسبة من الجهل والأمية وأطفالنا مشردون في الشوارع، ولدينا جهل سياسي وأمية سياسية عالية.

كل ذلك ضمن مشروع جمعي قد يكون متوازيا من جهات مختلفة، كل حسب قدرته وكل حسب حاجة منطقته وحسب إمكاناته وليس بالضرورة أن يكون مركزيا والذي يبدو أنه صعب المنال والتحقيق، لكن بروح الجماعة الذي يفرض الإلتزام بالتواصل على أساس التكافل الإجتماعي بين أتباع أهل البيت، وهناك مجال تبادل الخبرات بين هذه القوى والفاعليات، وهناك مجال سد النقص في المعلومات والخبرات والآليات، وهناك مجال تبادل الرأي والمشورة في إتخاذ المواقف وعلاج الأزمات، وهناك مجال القيام بمشاريع مشتركة لتنمية الشيعة علميّا وثقافيا بتوفير الدورات التربوية والتعليمية المشتركة، وهناك مجال توفير فرص العمل من خلال التعاون البنّاء وفي سياق تخطيط مدروس، وهناك مجال التعاون من أجل منع تيارات الفساد والإفساد داخل الجسم، والقائمة هنا في الحقيقة تطول، لانّها خاضعة للظروف والممكنات، وهذا السرد الطويل ليس مثالياً، بل هو قائم في ما حولنا من دول ومنذ سنين يعمل به الآخرون ونحن إنما نريد أن نلحق بهم.

ترشيد الجسم من داخله، وتعزيز نقاط القوة، ومعالجة نقاط الضعف، يأتي من خلال الشعور الجمعي، ومن دون ذلك لا قوّة ذاتية اطلاقا .

لايوجد حالياً عمل داخل الجسم الشيعي، هناك فرقة وقتال، وهناك قوى شريرة تغذي هذا الإقتتال وتمده بمقومات الإستمرار في غفلة وتغافل، ولكن العمل من داخل الجسم الشيعي  يتحقق فقط عندما يكون هناك شعور جمعي بأن " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". على المثقف والكاتب وخطيب الجمعة وخطيب المنبر الحسيني أن يعيد إنتاج نفسه بطريقة واعية لمسؤوليته وأن نخرج من دائرة إجترار التاريخ، والسرد القصصي للتأريخ وكأنه حكايا في ليالي الشتاء الطويلة.

إن الشيعة لاريب لديهم  كل ممكنات العمل من داخل الجسم من أفراد وأدوات الخطاب والأتصال الجماهيري لتعزيز الكيان وتمكينه من الظهور والتفاعل مع محيطه. ولتحقيق حضور شيعي فكري ومادي وسياسي مهاب الجانب، محترم الوجود.

ان العمل من داخل الجسم في سياق متناسق وبجهد جمعي ومنظّم وبعيدا عن العمال الفردي والشخصي (والذي طبع الحياة الشيعية في الماضي وأصبح منهجاً غالبا)، يحول الهم الشيعي من هم فردي الى هم جماعي، من وظيفة وتكليف فردي الى منهج جماعي متطور، يعتمد التخطيط والرؤية التشاورية التي تنتج منهجاً يخلو من مثالب الرؤى الفردية، هذا الجهد الجمعي سيتحدى الإلغاء الذي نعاني منه في سنوات الظلام.

قد يبدو – وسط هذا الجو الضبابي الذي يمر به العراق الآن- أن هذا تنظيرا فكريا مترفا لايرى ما يجري على الأرض الآن، وهذا قد يبدو معه بعض الحق لأن ضغط الواقع لايمكن الفكاك منه، والصورة للأسف تزداد قتامة، والأمل يتراجع، لكن الأقوياء دائما هم خارج ضغط الواقع بل يتحدون الواقع ليغيروه ويطوعوه وليس لنا خيار فدورات الزمن طويلة وآخر دورة كانت عام 1920 وقدمنا فيها دمنا وحياتنا وخرجنا منها صفر اليدين وأنتظرنا ثمانون عاما حصدت منا مالانستطيع أحصائه، فهل ننتظر دورة زمن أخرى أم نشرع ببناء هويتنا؟؟؟

هذا نداء لكل من يحمل ويشعر بحرارة الدماء التي سالت منذ مصارع الطف الى الدماء البريئة التي تسفك بالسيارات المفخخة كل يوم في الطرقات والأسواق، أن يساهم بلبنة ولو واحدة وفعل لهذا الجهد وهذا الفعل الذي من المفروض فيه أن يوقف مطاحن الموت التي تلتهمنا على مر العصور.

هذا النداء هو صرخة إستغاثة للجميع، فو الله الذي لا إله إلا هو إن الخطر علينا ماحق وساحق وسنغرق جميعاً في طوفان من الفوضى والدمار، ولن يعصم جبل من الماء أحداً ولن يستثني الماء أحداً، فالكل مغرقون.

 

خارجيا

 

من خلال فهم العالم من حولنا وكيف يدور ويعمل ويتدافع بآليات العصر وأدواته بواسطة الفكر، والمناورات السياسية، بواسطة التحالفات والتجاذب بين الإرادات، والمصالح الإقتصادية وقوى السوق، بواسطة التلاقي والتحادث والحوار، عبر خطاب مدروس، وممارسات سياسية معقولة، عبر لقاءات بالأنظمة والحكومات، عبر حوار صريح مع القوى المسؤولة عن حركة المجتمع العالمي، فالعالم يتخذ قراراته بناءاً على مصالحه وعلى فهمه للصراع والمعلومات المتوفرة بين يديه، وإن نكن غائبين فهم يتخذون القرار الذي يمسّنا في غيابنا، وبطبيعة الحال ان ذلك يتطلب ان تكون المقاصد واضحة الاهداف والغايات، لها خطّتها المدروسة ولايُترك ذلك للصدف والمزاج والجهد الفردي، والحمد لله فقد أنتجت سنوات الجمر والغربة كوادراً ليست قليلة في السياسة والإقتصاد والعلوم ما يؤهلنا لأن نفهم صراع المصالح وتلاقيها.

 نحن لسنا ظلاً لأحد، أو إمتداداً للآخرين، أو أتباع دولة معينة، بل إننا لنا هويتنا ولنا فهمنا المستقل عبر أحلك دورات الزمن، نحن قوم بدأ بنا التأريخ وبنا سينتهي.

أن مشكلتنا حالياً مع الخارج هو أن تعريفنا وتعريف أفكارنا نحن الشيعة جاء من أعدائنا الذين أعطوا صورة سوداء عنا ومن خلال أجهزة الأمن والمخابرات تحديداً ولم يسمحوا لنا بتعريف أنفسنا لأنهم لم يمنحونا ترخيص لصحيفة أو مجلة لنبيّن للعالم كيف نفكر؟

 وماذا نريد؟

 وأستعدوهم علينا وطلبوا منهم أن يلاحقونا لأننا وباء سينتشر بينهم وهكذا كان.

والآن هناك فرصة تأريخية لنا لأن نشرح للخارج من نحن، ومباشرة؟ وليس عن طريق الأجهزة الأمنية التي كانت تختزلنا في إننا إرهاب وخطر أينما حللنا، نشرح لهم إننا رب السلام والمحبة وإننا دعاة حوار ولا يسمح معتقدنا بأن نقتل نملة تدب على وجه الأرض وإن الإرهاب لايمكن أن يترعرع في هكذا حاضنة، بل إن هذه الحاضنة تنتج أخوة إنسانية وتواد وتراحم وأن فكرنا وإنتمائنا فيه من الموانع مايكفي من الضمانات لأن يطمئن الآخر أنه بيد أمينة. ولم يذكر التأريخ إننا قد قطعنا رأس من خالفنا، بل يذكر لنا التأريخ إن ائمتنا كان يبكون أعدائهم رحمة بهم والى مَ يكون مصيرهم؟

نشرح لهم كيف كان زعيمنا وإمامنا علي بن أبيطالب يفكر وكيف عامل مناوئوه.

يجب علينا أن نشرح لهم بأن إعتزازنا بمعتقدنا أمر ايجابي وإنساني يمنحنا مناعة وقوة من التجاوز على الآخر وان معتقدنا لايسمح لنا بأن نلغي الآخر الذي يختلف معنا مطلقاً وأننا دعاة حياة مدنية وديمقراطية تعددية. 

يجب أن نشرح لهم أن لدينا مرجعا دينيا حكيما يزن الأمور بميزان الإعتدال والوسطية ولا يعتمد التكفير وفتاوى القتل وقد رأيتم كيف تصرفنا ومسكنا أنفسنا من الثأر عندما أمرنا هذا المرجع بأن لا ننتقم من جلادينا الذين عملوا فينا بالقتل والمقابر الجماعية  وحيث كان الإنتقام رد فعل طبيعي له شواهد عديدة في بقاع الأرض، لكننا عضضنا على جراحنا وتحملنا.

ورأيتم كيف إنحنينا نلملم اشلاء قتلانا في واقعة كربلاء والكاظمية ولم نقتل أحداً ولم نقل له أنت آويت قاتلنا ومكنته من أن يمزق أجسادنا بقنابله المفخخة، فلا تخافوا إذاً منا إذا وصلنا الى الحكم لأننا نعفوا عن قاتلنا...

 وإن العفو منا سجية ولا نبتدأ بظلم.....

ولانعتدي على جار لنا ولانحاربه ورأيتمونا كيف وقف مراجعنا ضد حرب إخواننا الأكراد بوجه دعاة القتل والطائفية.

يجب علينا أيضاً أن نشرح لهم أن مرجعيتنا ومنذ أن بدأت بعد الغيبة الكبرى لم تنتج أو تفرز مرجعاً أعلى إنزلق عن طريقه وتطرف في رأيه وعادى من يخالفه بالرأي أو أستأثر بمال أو جاه أو سلطان.

إن الجبهة الخارجية تتطلب أن تكون الجبهة الداخلية قوية، تتبادل القوة والتأثير والإنعكاسات، ولايمكن أن تعمل الأولى بمعزل عن الثانية وبالعكس ايضاً. ذلك ان العلاقة بين الجبهتين مترابطة بل وجدلية.

 

القيادة

 

ليس من شك ان فراغ القيادة الكاريزمية السياسية قد أطال من عمر الطاغية صدام  في الحكم وهذا الفراغ قد يؤثر في العملية السياسية القادمة وسعي الشيعة للحصول على حقهم الطبيعي في التمثيل السياسي. وللتعويض عن هذا الفراغ يحتاج الشيعة الى نوعيات قيادية مختلفة في أطوار ومواقع مختلفة تتكامل فيما بينها لتثمر قوة على الأرض تكون عصية على أي رياح سوداء تريد بنا شراً وهذه الأنماط القيادية لن تكون بطبيعة الحال عدائية مع الآخر، بل أن بعضا منها تدافع عن الآخر وهي بمجموعها تكون إنسانية وليست طائفية منغلقة، ودورها يكون في بناء الهوية الوطنية الشيعية والتي ستكون وليدة وقليلة التجربة السياسية وتحتاج لحاضنة تصد عنها مؤامرات الأعداء وكيدهم.

تصورنا لدرجات القيادة يكون كالتالي:

 

1.    القيادة الروحية :

 

لابد من التنويه مجدداً أن المفهوم والمتوافق عليه إن العراق سيكون بلدا ديمقراطيا تعدديا يحترم الدين ولايعاديه ويمتلك المتدين فيه نفس حقوق غير المتدين في ظل إحترام الرأي وإحترام مشاعر المؤمنين على إعتبار أن الغالبية في البلد هم من المسلمين الذين يعتزون بدينهم، وبذلك فلن يكون هناك مجالا لرجال الدين في التصدي للشأن السياسي الا بقدر إصطدامه بالدين أو مايخدش شعور المؤمنين، وعلى ذلك فستكون القيادة الروحية الشيعية منحصرة بالمرجع الأعلى الذي له الصفة الأبوية التوجيهية الذي يرى لعلماء الدين أن ينأوا بأنفسهم عن تسلم المناصب الحكومية،(هذا الرأي هو للمرجع الأعلى السيد السيستاني جاء في ردود لأسئلة من صحيفة دير شبيغل الألمانية في 16شباط 2004).

هذه القيادة الروحية المتوازنة والحكيمة مهمة جدا لإلتفاف الشيعة حولها وبلورة أولويات موحدة وتكون مرجعا لتسوية إختلافات الرؤية التي اعتاد الشيعة عليها بسبب الحرية الفكرية التي يحويها الفقه الشيعي وأصول المنطق وعلم الكلام الذي ينتج تنظيرا وأفكاراً لايحدها شئ وتصل أحيانا للثرثرة العقيمة، لذلك لابد من ضبط البوصلة السياسية من وقت لآخر ويكون ذلك بوجود شخصية تكون خارج إطار القوى السياسية وأبوية وفوق الهوى والإنحياز وقد أثبت المرجع الأعلى السيد علي السيستاني براعة مشهودة ووسطية لم يتجرأ حتى أعداء الشيعة ومخالفيهم في النيل منها وبذلك فان وجوده ليس فقط ضرورياً، بل تواجده لضبط المسار العام أشد ضرورة الآن من الإنزلاق نتيجة الإختلافات العميقة التي يتوقع أن تنشأ عند إشتداد المنافسة وحداثة التجربة السياسية، وقد أثبتت الأحداث إن سماحة السيد السيستاني هو مصدر القوة الوحيدة للشيعة التي يحسب لها حساب دون باقي جميع التيارات الموجودة في الساحة مع كامل التقدير والإحترام لدورها وتأريخها النضالي ضد طاغية العصر، وقد ساهم سماحة السيد بدور فاعل وقوي جدا في حفظ المجتمع من الإنزلاق لمهاوي الثأر والإنتقام الشخصي الذي يفتح طريقا لاتعرف نهايته أو التحكم بمساراته، ووقف مدافعاً وحدة العراق بقوة مشهودة قاطعاً الطريق على أي إتهام بإنفصال الشيعة عن الكيان العراقي والذي كان متوقعاً ومفهوماً أن تنطلق معه صيحات كنوع من ردات الفعل على الظلم التأريخي الذي وقع على الشيعة في العراق مثلما حصل في بلدان عديدة مرت بها أحداث عنف عرقية.

كذلك وقف وبصورة صلبة ضد الإحتلال وقطع الطريق على برنامج المحتل في عدة مواقع ولكن بصورة عقلانية وهادئة تهدف للحفاظ على دماء الشعب المقهور الذي قدم الملايين من أبنائه بالمجان، مقاومة مدنية واعية كسبت إحترام وتقدير الجميع.

مطلوب الآن من أي وقت مضى دوراً للمرجع الأعلى أن يلملم التناثر والتشظي الحاصل على الساحة السياسية في خطوة أولية تستكمل من قبل القوى الفاعلة فيما بينها، ليس لتتوحد ، فهذا حلم صعب المنالن بل لتوحد أولوياتها.

 

2.    القيادة السياسية:

 

 المجموعات التي ستحترف العمل السياسي والتي ستنتظم في الأحزاب والمنظمات والتيارات المختلفة والمسؤولة عن قيادة العمل السياسي وبناء الهوية الوطنية والتي تعتمد على شرعيتها ووجودها من جماهير الشيعة التي تمنحهم الأصوات في صناديق الإقتراع وبالتالي تكون مسؤوليتهم في الوفاء لمطالبهم وفي نفس الوقت تكون مسؤولية هذه الجماهير ان تختار الأفضل الذي يمثلها ويدافع عنها وأن لاتنخدع بتجار الكلام ومحترفي الخداع الموجودون دائما وجوقة الإنتهازيون الذين لايخلوا منهم كل زمان.

لابد لهذه المجموعات أن تدرك إن وجودها ونجاحها مرتبط عضوياً بجماهيرها وبقاعدتها الشعبية، لا بقوة إرتباطها بالخارج، فذاك عامل مساعد إضافي ولكنه لايعمل بمفرده، وبالتالي فإن أهدافها تكون لخدمة هذه القاعدة التي ستمنحها الصوت والدعم السياسي الذي تحتاجه وأخيراً تكتسب شرعيتها من قبولها من قبل جماهير الشيعة.

 

3.     المجموعات الوسيطة:

 

لابد من إيجاد مجموعات عمل تتمع بأهلية وكفاءة عالية من رحم الجماهير الشيعية ومن مثقفيها ورجال الأعمال فيها والتي لاتود الأنخراط في الشأن السياسي بل تكون مراقبة له، ترفع صوتها عند حدوث الخلل وتؤشر على مواضع الخلل بطريقة هادئة ومتعقلة، بعيداً عن التشنجات والتخوين وفتح قاموس وسيل التهم الجاهزة، تؤسس مؤسسات ومنظمات المجتمع الدني وتشارك في العمل الإجتماعي التطوعي وتداوي جروح السنين الغائرة في الجسد الشيعي وترفع من مستويات التعليم المتدنية بين أوساط الشيعة، ومنظمات نسائية تخرج نسائنا من مجتمع الإنغلاق الى العالم الجديد وفي نفس الوقت تحميهن من الرياح الصفراء التي تريد أن تسلب المرأة وتقتلعها من مجتمعها تحت عناوين تحرير المرأة، والقائمة تطول في الشرح، هذه المجموعات ستتمكن من إفراز قيادات إجتماعية تكون مهابة الجانب من القيادات السياسية لأنها تمتلك رصيدا إجتماعيا يمكن أن تلعب دورا في منع الفساد السياسي الذي يتوقع أن ينشأ في العملية السياسية.

هناك حملاً ثقيلاً سيكون على هذه المجموعات حمله، ومسؤولية ليست بسيطة أو قليلة، ولاشك إن الموروث الديني يدفع ويشجع على تحمل هذه المسؤولية ويدعو اليها.

 

الجماهير

 

و هم ملح هذه الهوية وقاعدتها وأساسها، و هم القوة والهوية، وبالتالي فان الحمل يكون أثقله عليهم، هذه الجماهير التي أعطت الكثير من رقابها ثمنا لولائها لخط التشيع والولاء لأهل البيت (ع) وألتزمت ودافعت عن هذا الخط بوجه موجات القتل والإبادة، تحتاج أن تستكمل الوقفة الشجاعة ولاتتهاون، فقد دفعت أكبر الأثمان وأفدحها في ظل نظام المجرم صدام، قد يكون من غير الواقعي مطالبتها بتقديم المزيد، لكن الواقعي أن يطلب منها أن تصبروتصابر ولا تنخدع بالفتات، فهذه الجماهير هي العراق وهم أهل هذه الأرض.

هذه الجماهير التي تعرضت لتدمير قاس طال كل قيمها وثوابت الأخلاق فيها وحولها الطاغية في أحسن الحالات الى أفراد لايرتبطون بصلة الى ماض قريب كانوا فيه من أكثر شعوب المنطقة نخوة وشيم رجولة يتفاخرون بها وحول بعضها الى مجموعات قتل ونهب ومدمني جهل، هذه الجماهير يجب أن يتوجه أكثر البناء وأكثر إعادة لإعمار إليها لإصلاح ما تخرب منها، وليس بناء الشارع  والبنى التحتية فقط، هذه الجماهير تحتاج لبرامج تأهيل من قبل الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والمرجعية الدينية للإأستماع اليها والإلتفات إليها.

ومسؤولية هذه الجماهير أن تنتظم في مصير جمعي يشعر فيه كل فرد انه جزء من مجموع، هذا المجموع كله في قارب وسط موج متلاطم ولايظنن أحداً أنه ينجو بنفسه، فالكل ينجو او الكل مغرقون، هذا الشعور الجمعي يعيد اللحمة والقوة للجمع الذي يأبى كسره إن اجتمع وإذا تفرق تكسر آحادا.

  

التطبيق على الواقع

 

إن بناء الهوية الوطنية الشيعية التي تعتز بدينها وبتراثها الزاخر وتتطلع لأن تشارك في بناء عراق بعيدا عن الخوف والقمع وتسد كل منافذ الشر التي يمكن أن يتسلل منها اللصوص وسراق الشرعية ويصادروا حقنا في الحياة الكريمة، أو أن تتكرر تجربة صدام حسين ولو بصورة مصغرة، تحتاج الى عملية وصيرورة تأريخية وصبر وعمل دؤوب وتكاتف من الجميع لنظهر للآخر الذي أظطهدنا منذ 14 قرنا أننا دعاة محبة ولا ننتقم، بل نريد أن نتشارك مع الجميع في رغيف الخبز برضى نفس و بطيب خاطر، وبذلك نحتاج الى التثقيف الذاتي للجميع وبالمستويات المختلفة تبدأ من الطفل عبر تأسيس رياض الأطفال والمدارس الخاصة من قبل الميسورين ماديا والمجموعات الوسيطة، نركز فيها على الثقافة الملتزمة التي تخرج لنا طبيبا أو مهندسا أو معلما قد أخذ العلم الحديث والتكنولوجيا المتطورة وأخذ بنفس الوقت الإلتزام بنهج أهل البيت (ع) ويعتز بهويته وقيمه وتراثه ولايتمرد عليها.

نريد إعلاما موجهاً يبني عبر الصحيفة والمجلة والإعلام المرئي والمسموع والإنترنيت، يركز ويهدف الى تنمية الإنسان الشيعي على كافة الاصعدة، ويقوي فيه إنتمائه لطائفته  في نطاق الإنتماء للوطن والأمة ويعرفه حقوقه الكاملة وأن لايتنازل عنها تحت أي ظرف ولايستحي أويجد حرجاً من تعريف نفسه وتعريف حقوقه، ويعزز موقعه الاقتصادي والسياسي في المجتمع.

نريد منبرا حسينيا يأخذ دوره الكامل في البناء الذاتي ولا ينحصر فقط في النوح والبكاء حيث كان البكاء إنكفاءاً طبيعيا في سنون الجمر والخوف، نريد لهذا المنبر على سعة إنتشاره وتأثيره بين الجماهير أن يكون منبراً لهذا التثقيف والبناء.

نريد خطب الجمعة التي تستشعر الخطر وتنبه له وتشد الناس للهدف الأساسي وهو بناء الهوية بكل ما تحمله من معاني الوجود والحقوق، وأن لاتكون منابر تخويف ورعب من غضب الله وسخطه، فرحمة الله تسبق غضبه.

إن تنمية الشعور بالعمل الجمعي وتقليل ظاهرة الإعتراض والجدل من قبل الجماهير والقبول بما يقبله الجمع وممارسة الديمقراطية التي جوهرها إحترام الرأي الآخر هي علامات لتعافي الروح المثقلة بتركة السنين وسنوات الظلام، وأن لا نخذل علي بن أبيطالب ثانية ولا نملأ قلبه قيحا.

التحدي المطروح أمامنا هو أن نكون أو لا نكون، وكل التنظيرات الفكرية والسياسية التي عشنا نتغنى بها ونملأ بها كتبنا هي الآن في الميزان لنثبت من خلالها هل نحن فعلاً نستطيع أن نبني فيها بيوتنا الخربة؟

وهل نستطيع أن نداوي جروح السنين ووجع التأريخ؟

وهل نستطيع أن نبلور ونبني هويتنا مثل أقل مجموعة على وجه هذه الأرض أم لا؟

وهل نستطيع أن نكون أتباع أهل البيت (ع) أم لا؟.

 

يجب على الجميع أن يدرك أن عافية الجسم الشيعي في العالم هو في تعافي شيعة العراق ومرضه من سقم شيعة العراق وإن النجف هي القلب ولم تستطع بدائل النجف أن تحتضن فكر ومنهج أهل بيت النبي وتصدره الى العالم نوراً يهتدي به الحيارى بعيدا عن تلويث السياسة والبعد القومي ومصلحة تشخيص الأنظمة الذي شوه هذا الفكر.

 

الصفحة الرئيسية| التعريف بالمؤسسة| فروع المؤسسة| مجلة النجف الاشرف| أصدارات| ألمرجعية الدينية| حوزة النجف| أهل البيت|مكتبة المرتضى
مؤسسة المرتضى للثقافة والارشاد
murtadha@almurtadha.org