عودة الى صفحة الاصدارات المقروءة
 

 

هي ما تبقى لنا

من أمل  

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا

 صدق الله العظيم

آل عمران / 103

 

-1-

في الباص عند الظهيرة

 

(عن أي انتخابات تتكلمون؟ هراء ، سئمنا) . كانت تلك الكلمات الاولى التي قفزت في ذهن (باسم) ذلك الشخص النحيل وهو في طريق العودة الى المنزل حينما رأى بعض الشباب يُعلِِِِِّقون لافتةً كُتب عليها (الانتخابات هي ما تبقى لنا من أمل).

كان اليأس مسيطراً على باسم ، (باسم) الذي طارت البسمة عن شفتيه منذ اعوام خلت ، شقاء ، تعب وهموم...

   ظل باسم يتأمل كلمة ( امل ) . . . ، أي امل . . أي حلم . . كلها ذهبت ادراج الرياح فاشعل سيكارته ونفث الدخان من جوف صدره وهو يرى تلك الأحلام قد تلاشت مثلما تلاشى دخان السكارة في وسط ضوضاء الحافلة.

   ومع زحمة السير وسيارات (المنفيس) كانت هناك نقطة سيطرة امريكية.

فلينزل الجميع ، وبوجه متجهم نزل باسم وهو يردد في ذهنه (من بؤس الى بؤس)، ويستدير ليفتشه ذلك الجندي الاسود مع بقية الراكبين وكأن الجميع مجرمون حتى تثبت برائتهم.

صعد باسم الى الباص مرة أخرى ، والمذياع يكرر


 


الاخبار ولعلها نفس الاحداث يكررها صاحب المذياع؛ أم انها تتكرر في شوارعنا؟ انفجار سيارة مفخخة . .  وموت اطفال . . و . . و . .

اغمض باسم عينيه هرباً من واقعه وهو يركب الحافلة !

الى ان سمع صوتا يردد (استيقظ وصلنا لآخر محطة) قالها الجابي لباسم. . . فنزل.


 

 

-2-

في البيت عصراً

 

    هذا البيت الصغير الذي يعيش فيه باسم مع ابيه العجوز وزوجته واطفاله، استأجره باسم هذا العام فهو دائم الترحال كأنه طيور السنونو ، من دار الى دار ، ومن حي الى حي.

   كان الجد يجلس على حافة الاريكة حينما تجمع اولاد باسم حوله. وكان باسم على حدة وهو يتأمل اولاده وأبيه. .

 (احك لنا يا جد عن احلامك عندما كنت صغيراً) قال الاولاد . .

 فرد عليهم جدهم قائلا:

    (لقد اضعتها ونسيتها منذ ان ذبح الوطن ! احفادي الصغار. . . اما احلامي وآمالي فلا أكاد أراها ولكني أرى احلامكم. . فهي كل ما تبقى لنا من حلم.

     حلمي يا احفادي هو أن تحققوا احلامكم فان كان العمر قد سرقه مني الظالمون وسرقوا البسمة من وجه ولدي باسم عندما اعدموا ولدي (علي)) ! ! . . بكى الرجل العجوز . . ثم تنهد وقال: لا والله لن ادعهم يسرقون امنياتكم فانتم ما تبقى لنا في وسط كومة الخراب. .


 


وهنا تدخل باسم وقال :

كيف يا أبي ؟

فأجابه الاب العجوز بحكمة الشيوخ وتأنّيهم:

((وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ))

بني باسم حقق ما ضاع من مستقبلك بهؤلاء الصغار.

كم ظُلِمنا . . ؟ كم غُيّبنا . . ؟ كم عانينا . . ؟ ألم يأن ان نستفيق من رقدتنا . . ؟

انها فرصة سنحت ولابد ان نصارع بما اوتينا من قوة كي لا تضيع .

باسم: عن أي فرصة تتكلم يا ابي ؟ هل عوضتنا الدولة الجديدة عن مآسينا ؟ أم ماذا ؟

الاب : ولدي باسم فرصة لابد ان نزرع ببذورها الاشجار التي تحمل احلام اولادنا ، كي لا تدور الدوائر بهم كما دارت بنا . انها (الانتخابات).

باسم : والدي أي انتخابات ونحن في ظل احتلال ؟

الاب: لم تكن يوماً خيار المحتل بل خيارنا نحن ، نحن فرضناها بارادتنا

اذا الشعب يوماً اراد الحياة               فلا بد ان يستجيب القدر

          كم حاولوا رفضها ولكننا بعون الله وقدرته استطعنا ان نجبرهم على قبولها، ثم انها ما تبقى لنا من امل فتركها افضل لهم ومحاولتنا فيها افضل لنا بل انها المخرج من ظلمات الظالمين.

          انها بني خطوة نصر اولى لنا عليهم فلا تضيعها واجعلها معراجاً لنصر الشعب الدائم.

باسم : وما دخلنا نحن. هي ستتم ، ذهبنا انا وانت ام لا ، اين هي الفرصة يا ابي ؟

الاب: اليوم كنت في الجامع وشرح لنا الشيخ كيف ان عدم حضورنا سيضيع حقوقنا ومستقبل اولادنا.

باسم: المثل يقول (اللي ياخذ امي يصير عمي)) ولا اتصور ان انتخاب أي رئيس كائناً من كان سيغير الوضع.

الاب: ها .. ها .. انظر يا باسم كم انت بعيد عن دقائق حياتك.

باسم: ماذا تقصد؟

الاب: اولاً يا بني ان ما اتكلم عنه من انتخابات ليست انتخابات رئيس جمهورية ! يا ولدي العزيز انها انتخابات الجمعية الوطنية.

باسم: (جمعية وطنية ، شنو ) ؟

الاب: الشعب في هذه الانتخابات سينتخب 275 شخصاً من العراق وهؤلاء هم (الجمعية الوطنية) ليقوم هؤلاء الاشخاص باعداد مسودة الدستور العراقي الدائم ولك ان تعلم ان الدستور سيكون معيار مستقبل اولادنا وبلدنا لا اقل من مئة سنة فهل ترغب بان تقطع اجنحة امنيات اطفالك يا باسم ، لا أظنك هكذا ابداً !

باسم: نعم اعلم اهمية الدستور في كل بلد وسبق ان قرأت عن اهمية الدستور في بعض الكتيبات التي توزع مجاناً . لكن مالم افهمه لحد الآن ماذا سيؤثر لو لم اذهب انا وانت للانتخاب ؟

الاب : ليس انا وانت فقط بل وزوجتك ايضاً.

باسم: ماذا ؟ . . الى هذا الحد ؟

الاب: واكثر فوالله لو بقي من عمري يومان وكان يفصلني عن الانتخابات يوم ونصف لأنتخبت ثم مت بعدها قرير عين.

باسم : الى هذه الدرجة ؟

الاب: بل اكثر سمعت ان جارنا (ابو عباس) المقعد الذي يصلي ايماءً سيذهب لينتخب. اتعلم لماذا ؟

باسم : لا .

الاب: اتذكر (بريمر) ؟ ، قبل ان يذهب اقر قانون الانتخابات. وجعل العراق (دائرة انتخابية واحدة) وستجري الانتخابات بحسب (التمثيل النسبي). ووفق نظام (القوائم المغلقة).

باسم: ما هذا يا ابي اين تعلمت كل هذه المصطلحات؟ ما شاء الله . اصبحت استاذاً في القانون . . ما معنى كل ذلك هل من الممكن ان توضح لي الامر؟

الاب: الذي اعرفه من (دائرة انتخابية واحدة) ان المرشح للانتخابات سيعرض للترشيح مع بقية المرشحين في كل انحاء العراق لا أنه يوجد مرشحين للمحافظة الفلانية وآخرين للمحافظة الاخرى ويتم انتخاب بعضهم ليمثلوا المحافظة ، بل كما قلت ان المرشح سيصوت عليه العراقيون اجمع. وان عدد المقاعد يتناسب مع عدد الاصوات. وهذا هو معنى (تمثيل نسبي).

باسم: ارى هذا الامر لطيفاً فاين المشكلة اذا لم احضر؟

الاب: لو كان لكل محافظة دائرة انتخابية على حدة فان لها عدداً من المرشحين وان عددهم سيكون متناسباً مع عدد سكان المحافظة، مثلاً عن بغداد التي عدد سكانها مثلاً ثمانية ملايين لنقل عن كل مئة الف مرشح واحد . فيكون عددهم 80 شخصاً وعن البصرة والتي عدد سكانها مثلاً مليونان فيكون ممثلي البصرة 20 شخصاً. وهذه المقاعد لهذه المحافظتين والمحافظات الأخر ثابتة سواء جاء كل اهالي بغداد لينتخبوا ام جاء 100 منهم فقط.

لكن الامر هنا يختلف لان عدم حضور اهالي محافظة ما أو فئة ما يعني التقليل من مقاعدهم فنسبة المقاعد المخصصة لهم تتناسب مع عدد من انتخب وليس مع عدد السكان. فكلما زاد عدد المشاركين في الانتخاب لفئة معينة من الشعب زاد تمثيلهم في الجمعية وبالعكس فانه يقل . .

باسم: هذا يعني انه من الممكن ان تفقد الفئة التي تمثل الاغلبية في السكان مثلاً اغلب مقاعدها في الجمعية الوطنية ولا يكون عدد مقاعدها اغلب من البقية.

الاب: نعم بالضبط ، فالذهاب حفظ لكيانك وليس هذا من الطائفية فانْ تحب اهلك وتحافظ على حقوقهم ليس امراً طائفياً مع حفاظ حقوق الاخرين.

باسم: لكن تلك الكلمة لم افهما.

الاب: قصدك (القائمة المغلقة) ؟

باسم : نعم ابي . .

الاب: معناها ان أي جهة معينة تريد ان ترشح عليها اعداد قائمة باسماء مرشحيها وان لا يقل عددهم عن 12 وان لا يزيد عن 275 ويتم التصويت لهذه القائمة كلها او لغيرها.

باسم: هل يجوز ان اختار اشخاص من قائمة واخرين من قائمة اخرى.

الاب: كلا ، لا يسمح بذلك وهذا هو معنى (مغلقة) فاما ان تختار هذه القائمة او تلك بمجموعها. ولك الحق ان تختار قائمة واحدة فقط.

وهذه القوائم اما تمثل حزب معين او مجموعة متفقة من احزاب ومستقلين بقائمة واحدة.

باسم: هل يحق للشخص الواحد ان يرشح لوحده مقابل هذه القوائم ؟

الاب: نعم ، يحق له ان يكون بمفرده قائمة بعد ان يسجل عند المفوضية والتي ستمنحه بعد استيفاءه الشروط صفة (كيان سياسي).

باسم: ما هي المفوضية ؟ وما هي الشروط لكسب صفة (كيان سياسي)؟

الاب: المفوضية هي اللجنة التي تدير الانتخابات وهي من المفترض ان تكون مستقلة عن الاحزاب ومرعية من قبل الامم المتحدة واهم الشروط لكسب صفة (كيان سياسي) هي ان يجلب من يريد التسجيل ككيان سياسي سواء كان فرداً ام حزباً ام قائمة 500 صوتاً تؤيده.

 

 

-3-

بعد صلاة المغرب

 

(ها قد عاد جدو . . ها قد عاد جدو . . ) صاح الاطفال.

( الله يتقبل اعمالك يا ابي ) ، قال باسم.

الحمد لله يا اولادي اليوم قد اخبرنا امام الجامع ان هناك فتوى صدرت من المرجعية توجب ان نهيء كل الاوراق اللازمة للانتخاب ، ألم أقل لكم ان هذا الامر في غاية الاهمية .

باسم : ارني الفتوى يا ابي .

الاب : تفضل يا ولدي وأقرأ بتمعن . .

-4-

عند وكيل الغذائية

 

زوجة باسم: ((عيني باسم فدوة روح جيب الوجبة اليوم ))

الاب: سأذهب انا وهو لجلب الوجبة الغذائية . . توكل على الله يا باسم .

باسم: الوجبة . . الوجبة ، حاضر.

          خرج باسم مع ابيه وهما يحملان الاكياس وعلبة الدهن الفارغة وهذا حال العراقيين ، لهم موعد في رأس كل شهر مع (وكيل الغذائية).

          وهناك في وسط عدد لا بأس به من الناس قرب ( ابو سلمان ) وكيل الغذائية وقف باسم وابيه يحملون اوانيهم واكياسهم للظفر بوجبتهم.

          ابو سلمان كان رجلاً طيباً ورعاً دقيقاً في الوزن يخاف الله وكانت علامات التعب ظاهرة على وجهه.

ابو سلمان : تفضل يا (ابو باسم) هذه موادكم كاملة مكتملة. . تفضل يا باسم احملها عن ابيك فانه اصبح كبيراً لا يقوى على شيء . . ها . . ها . . قالها الحاج ابو سلمان وهو يلاطف ابو باسم ولطالما يتلاطفان بهذا الكلام بينهما وهذه هي عادة الكهول . .

          لكن ابو باسم فتح عينيه بغضب وحرقة ليقول لابي سلمان . . اين اهم شيء ؟ هنا نقص لا يغتفر.


 


ابو سلمان : ما هو ؟ السكر ، الشاي ، الرز ام ماذا ؟

ابو باسم : شيء اهم من السكر والشاي وكل الوجبة.

ابو سلمان : ما هو يا صديقي العزيز .

ابو باسم: ورقة الانتخابات ، علمت انهم سيعطونها لوكلاء الغذائية ليوزعوها على الناس ، اين ورقتنا يا حاج ؟ ؟

ابو سلمان : عفواً يا ابا باسم ، القضية ان المفوضية سلمتنا اعداداً اقل بكثير من عدد العوائل لدينا وهذا حال كثير من الوكلاء ليس هنا فحسب بل هذا سبيل كل محافظاتنا وخاصة ! ! !

ابو باسم : لا هذا امر لا يسكت عنه ، هل يريدون ان يخنقوا الطيور التي حلقت مع احلام اولادي ، لا لن يحبس صوتي . لن يحبس صوتي .

اسمع يا حاج ابو سلمان تكتب كل النقص ولابد من ان توصل صوتك وبالنسبة لي لن اسكت ايضاً. لعل بعض النفوس الضعيفة سرقتها. . لن تسرق امنياتنا مرة اخرى . . كفى يا سراق الظلام.

باسم: هون عليك يا ابي قد يكون توهماً في العدد هذا امر يحصل. وله معالجته القانونية.

ابو سلمان: ما العمل اذن ؟

باسم: بسيطة ، سأذهب للمفوضية والغذائية واعرف اين العلة حتى لو تطلب ذلك ترك عملي لهذا الاسبوع .  فاني بعونه تعالى لابد ان اتم هذه المهمة .

ابو باسم: بارك الله فيك يا باسم .

 

 

-5-

بعد اسبوع متعب

 

         وأخيرا توصل باسم الى طريقة استطاع من خلالها ان يعلم قسم المفوضية في محافظة بغداد بالنقص، ليس عند (أبو سلمان) فحسب بل معظم وكلاء التموينية في المحافظة.. وتم تسليمها فعلا لهم.. وأتم كل النقوصات الأخرى.

باسم: أتعلم يا أبي بعد كل هذا التعب لكنني أشعر بالراحة فكأني اليوم انسان آخر، لي هدف أعمل لكي يسعد غيري به ولتغمرني السعادة معهم… انا أشعر بالسعادة يا أبي… السعادة ذلك الشيء الذي كنا نقول انها كلمة لا معنى لها في العراق…

أبو باسم: قرأت يوما ما كتابا يقول مؤلفة ((السعادة تحصل حينما تعمل لاسعاد غيرك)).. وانا أقول أيضا انه لا معنى لحياتك بدون هدف، لأنك ستكون ضائعا، فالهدف بني، هو الدافع وهو صانع الأمل ومحطم اليأس.

باسم: ابي ماذا لو عملنا في بيتنا مجلس عزاء حسيني وبعده محاضرة حول الانتخاب نجمع فيه جيراننا وأقربائنا ليعلموا أهمية هذا الأمر؟

أبو باسم: نعم الفكرة.. أصبحت أكثر مني حماسا يا باسم


 

 

النهاية

 

مرة أخرى ..

ها هو باسم ينظر من خلال نافذة الحافلة الى مدينته وها هو يرى شبابا يعلقون لافتة مكتوبا عليها ((الانتخابات هي ما تبقى لنا من أمل))…

ويبتسم…

        فيرفع رأسه الى السماء، ليدمدم بشفتيه ويقول:

 

((نعم.. هي ما تبقى لنا من أمل))