عودة الى صفحة الاصدارات المقروءة
 

 

الباحث

المحامي عادل بدر علوان

 

مصادق عليه من قبل لجنة الدراسات

في مؤسسة المرتضى

مركز الصادق (ع)

 

 

المقدمة:

تعرف الديمقراطية بانها حكم الشعب وهي ترجمة حرفية للمصطلح (Democracy) إلا أن هذا التعريف لا يمثل كل مفهوم الديمقراطية، أذ ماذا يعني حكم الشعب؟ فهل كل الشعب هم حكام؟ ومن المحكوم اذن؟ كيف يمكن التمييز بين الحكام والمحكومين؟ بعد علمنا بان الدولة في مفهوم القانون الدستوري هي حكام ومحكومين. من هنا قسمت الديمقراطية الى قسمين:

اولهما: الديمقراطية المباشرة.

وثانيهما: الديمقراطية غير المباشرة او التمثيلية .

فما معنى كل منهما؟

الديمقراطية المباشرة :

وتعني ان كل المواطنين في دولة معينة او مدينة معينة هم الذين يملكون السلطة وهم الذين يمارسونها كما في الديمقراطية الاثينية (في اثنيا) فكان كل المواطنين في هذه المدينة يجتمعون في جمعية ويتخذون قرارات لتدبير أمور المدينة وتسيير النظام فيها، وبعد ذلك الاجتماع يلتزم المواطنون بما يتخذونه من قرارات وينفذونها كما هي وبذلك يكون كل مواطن قد مارس دوره في السلطة واتخاذ القرار. وهذا النمط من الديمقراطية هي التي يتحدث عنها جان جاك روسو في كتاب العقد الاجتماعي حيث ذهب الى نظرية السيادة المجزأة أي ان كل فرد في الدولة يملك من السلطة ما يملكه الفرد الآخر، فلو كانت هناك دولة تتألف من ألف مواطن فان السلطة تتجزأ الى الف جزء يملك كل منهم جزءً من الف جزء من السلطة. وهذه هي نظرية السيادة المجزأة. ورغم ان هذا النوع من الديمقراطية لا يزال موجوداً الى يومنا هذا في بعض (الكانتونات) المقاطعات الجبلية في سويسرا إلا أنه من المتعسر ان لم يكن من المتعذر تطبيقه في الدول الحديثة لتضخم العدد السكاني وتعقد الأمور السياسية وصعوبة اتخاذ القرار المناسب في الديمقراطيات المباشرة ضمن نطاق الدولة الحديثة. فكان لابد من اللجوء إلى سبيل لحل هذه المشكلة في تطبيق الديمقراطية فظهرت فكرة الديمقراطية غير المباشرة.

الديمقراطية غير المباشرة:

وبعد ان ظهرت صعوبات الوصول الى القرار في الديمقراطية المباشرة كان لابد لكل مواطن ان يجد له من يمثله في اتخاذ القرار السياسي، فيكون دور المواطن ليس اتخاذ القرار السياسي وإنما إيجاد من يمثله في اتخذا ذلك القرار فهو لا يمارس اذن العملية السياسية واتخاذ القرار السياسي بصورة مباشرة، بل يمارسه بواسطة من يمثله في اتخاذ ذلك القرار أي بصورة غير مباشرة، ولابد ان يكون هذا الممثل أهل لهذه الثقة التي منحت له من قبل المواطنين او مجموعة منهم وجدير بالمهمة التي يقوم بأعبائها.

وهذا هو مفهوم الديمقراطية غير المباشرة او التمثيلية أي وجود من يمثل المواطن في اتخاذ القرار السياسي؛ ومن هنا ظهرت فكرة الانتخاب. وما أن جاء القرن الثامن عشر حتى ترسخت هذه الفكرة على يد الطبقة البرجوازية في أوربا حتى أصبحت سلطة الحكام مدينة في وجودها وشرعيتها للانتخابات وأصبحت فكرة الديمقراطية قرينة للانتخاب حتى أنها أطلق عليها الديمقراطية الكلاسيكية أو الغربية لظهورها واقترانها بالمفاهيم الغربية حتى أصبحت الديمقراطية بعد ذلك هي قرينة الاتجاه الليبرالي الذي يمجد الحرية الفردية ويمنح الحريات العامة وحقوق التجمع والتحزب والصحافة والتنقل… الخ. إلا أن المفهوم الليبرالي للديمقراطية قد جوبه بمعارضة شديدة من قبل الاتجاه الاشتراكي الذي ينظر إلى الحريات الليبرالية بأنها حريات شكلية جوفاء خالية من كل مضمون اذ ما معنى حرية الصحافة والنشر وكبرى الصحف تملكها الطبقة البرجوازية وما معنى حرية التنقل والمواطن لا يملك مالاً كافياً للتنقل. فطرح الاشتراكيون مفهوم الديمقراطية للطبقة البروليتارية وحصروا حق الانتخاب بهذه الطبقة.

 

الانتخاب:

وهو اختيار المواطن من يمثله في اتخاذ القرارات السياسية أو الإدارية لكي يتولى الشخص المنتخب (بالفتح) المهام السياسية بعد ذلك، ولكن ألا يعني أن الشخص المنتخب (بالفتح) (الحاكم) يكون مديناً بسلطته للمحكوم (الناخب)؟ أليس المحكوم هو الذي جعل الحاكم يمسك بمقاليد السلطة والحكم؟ وكيف للحاكم ان يصدر أمراً يقيد به المحكوم وهو مصدر سلطته؟ وكيف يمكن للمحكوم ان يلتزم بأمر مقيد صادر عن سلطة نشأت عنه؟

يجب النظر أولاً إلى علاقة المحكوم بالحاكم ووضعه القانوني فالمحكوم عندما يختار الحاكم هذا يعني ان قد رضي به ويعني أنه مقيد بما يصدر من قرارات عنه فقبول شخص الأغلال على معصميه لا ينفي عنه صفة السجين فقبول المحكوم بالحاكم لا ينفي عنه صفة كونه محكوم مقيد بالأوامر الصادرة عن الحاكم.

اما سلطة الحاكم فهي لا تستمد من الصوت الذي يدلي به المحكوم في صندوق الاقتراع، بل تستمد من منصبه كحاكم، فمركزه القانوني هو الذي يمنحه هذه السلطة اما انتخاب المحكوم له ورضاه به لا يمنحه سوى صفة الشرعية في الحكم وهذه الشرعية لايمكن اكتسابها إلا عن هذا الطريق؛ لذا كانت الانتخابات هي الطريق الامثل لكسب شرعية الحكم حتى صارت الدولة الحديثة لا تسمى دولة ديمقراطية مالم تجري فيها الانتخابات.

 

 

الانتخابات في ميدان التطبيق

 

بعد ان عرفنا ان سلطة الحكام مدينة في وجودها وشرعيتها للمحكوم وان الانتخابات أصبحت هي الطريق الأساسي في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة لابد من معرفة الانتخابات في حيز التطبيق وما يمكن ان يرد عليها لتقييدها أو حصرها في فئة معينة والاغراض السياسية الكامنة وراء ذلك وأشكال الانتخابات وكيفية توزيع المقاعد الانتخابية.

تحاول عادة الفئات السياسية ان تحرف مبدأ الانتخابات تحقيقاً لغاية سياسية معينة فقد تقيد حق الترشيح او حق الانتخاب والغرض من ذلك هو تحقيق غاية سياسية تهدف إليها وتسعى من خلال هذا التقييد للوصول اليها. ومن تلك الأساليب هو :

 

المبحث الاول

تقييد الانتخابات

وتقيد الانتخابات اما بطريق الاقتراع المحصور او تقييد الاقتراع العام او تقيد حق الترشيح.

اولاً: الاقتراع المحصور:

ويعني الاقتراع الاختيار ولأسباب ودوافع سياسية تقوم الدولة بحصر الاقتراع بفئة معينة كي تستطيع من خلالها تنفيذ تلك الدوافع السياسية فتصدر مرسوماً مثلاً بان الاقتراع لمن يدفع قدراً معيناً من الضرائب كما حدث في فرنسا عندما حكمت الطبقة البرجوازية لان الذين يدفعون الضرائب هم الطبقة البرجوازية من الصناعيين والتجار وأصحاب المهن الحرة وبذلك يكون الاقتراع قد انحصر بالطبقة البرجوازية فقط. وعندما حكم شارل العاشر فرنسا وهو من الطبقة الارستقراطية أصدر مرسوماً بعدم اعتبار دفع الضرائب اساساً للاقتراع وانما الأساس هو امتلاك قدر معين من العقارات والأراضي الزراعية وان امتلاك العقارات والأراضي الزراعية كان حكراً على الطبقة الارستقراطية (الإقطاعية) في فرنسا؛ لذا شنت الطبقة البرجوازية حربها ضد شارل العاشر حتى أسقطته ونصب لوي فيليب ملكاً على فرنسا. ويجد الاقتراع المحصور تبريره في الجانب العملي بالقول بان من يدفع قسطاً من الضرائب او يملك عقاراً يكون اكثر التصاقاً بوطنه واكثر استجابة وتضحية من اجله. إلا أن هذا التبرير لا يصمد امام النقد، اذ ان الكثير ممن لا يملكون شيئاً في البلد يكون اكثر تضحية من غيرهم وأكثر حباً لوطنهم لا لمصالحهم المادية.

اما التبرير النظري فيجد أساسه في القول بان الانتخاب هو وظيفة اجتماعية ومن حق الامة ان تُعيّن من يصلح للاقتراع فتقوم بتعيين وتمثيل الامة بالطبقة البرجوازية الحاكمة لأنها صاحبة القرار في ذلك وهذا التبرير يذهب الى انتهاك حق المواطن في الممارسة السياسية (الانتخاب)، وان الدساتير الحديثة تحاول دائماً ان تبلغ الكمال في المحافظة على حقوق الإنسان فكيف تهدر هذا الحق السياسي.

ثانياً: تقييد الاقتراع العام:

ان الاقتراع المحصور لا يدوم طويلاً، بل يجري خلال فترة مؤقتة كما جرى لدينا في انتخابات الجمعية الوطنية عندما حددت جماعة معينة في كل محافظة تقوم بانتخاب أعضاء مؤتمر الألف عضو فقد كان هذا الاقتراع محصوراً بهذه الجماعة، ولكن لابد من إجراء الاقتراع العام ومشاركة جميع أفراد الشعب بالانتخابات العامة للبلاد رجالاً ونساءً، ولكن قد ترد بعض الاستثناءات او التغييرات على حق الانتخاب وهذه الاستثناءات هي كما يلي:

1-   الجنس:

فقد حرمت النساء لفترة طويلة من حق الانتخاب وكان هذا الحق محصوراً بالرجال فقط تحت حجة ان المرأة لا تصلح إلا للبيت فقط ولا يمكنها ممارسة العمل السياسي كالانتخاب مثلاً ولم تستطع المرأة الحصول على حقها في الانتخاب إلا في نهاية القرن التاسع عشر في ولاية وايومنك الامريكية فقد شاركت المرأة لأول مرة في الانتخابات عام 1890 في الولاية المذكورة ثم أعقبتها الدساتير التي تعطي للمرأة حق الانتخاب.

2-   الدين:

وقد يكون الدين عاملاً في حرمان معتنقيه من حق الانتخاب كما حدث في المانيا النازية فقد حرم اليهود من ممارسة حق الانتخاب طيلة فترة الحكم النازي في المانيا.

3-   العنصر:

وقد يكون العنصر سبباً آخر لحرمان طائفة معينة تنتمي إلى عنصر معين من ممارسة حق الانتخاب كحرمان السود من الانتخاب في بعض الولايات الامريكية حيث يقوم التمييز العنصري بين السود والبيض على قدم وساق وما هذا الحرمان إلا تقييداً لحق السود في الاقتراع العام.

4-   المهنة:

وذلك كمنع افراد القوات المسلحة من ممارسة حق الانتخاب وتبرير ذلك هو ان افراد القوات المسلحة يخضعون إلى ضغوط من قبل رؤسائهم. وثانياً ان إعطاء افراد القوات المسلحة حق الانتخاب يعني دخول السياسية بين افراد القوات المسلحة وان ذلك يؤدي إلى الفوضى في الجيش في حين ان الجيش قائم على الضبط العسكري.

5-   ارتكاب الجريمة :

لا يحق لمن ارتكب جريمة غير سياسية وفقد اعتباره ممارسة حق الانتخاب وهذا امر طبيعي كون هذا الشخص فاقد للاعتبار القانوني فلا يمكن منحه حق سياسي في ممارسة الانتخاب.

6-   السن:

قد تحدد سن معينة لممارسة العمل السياسي والانتخاب وتسمى سن الرشد السياسي وفي العادة انها تطابق سن الرشد المدني إلا ان بعض التشريعات قد تمدّ سن الرشد السياسي إلى اكثر من سن الرشد المدني فقد يكون سن الرشد المدني ثمانية عشر سنة بينما ذهب بعض المشرعين إلى اعتبار سن الرشد السياسي ثلاثين سنة اما قانون الانتخاب العراقي فقد اعتبر سن الرشد السياسي ثمانية عشر سنة.

 

تقييد حق الترشيح: 

كما تقيد حرية الناخبين كذلك يمكن تقييد حرية المرشحين للانتخابات وذلك بوضع قيود على حق الترشيح وتنقسم هذه القيود إلى قيود قانونية وقيود عملية.

والقيود القانونية: عادة ترد بنصوص تشريعية فتارةً يبررها الحفاظ على المبدأ الديمقراطي وتارةً تبرر هذه القيود القانونية باعتبارات عملية.

ومن القيود القانونية التي يبررها الحفاظ على المبدأ الديمقراطي هي منع طائفة معينة او مجموعة او حزب او عائلة من حق الترشيح للانتخابات كما منعت العائلة المالكة قبل الثورة (عائلة بوربون) في فرنسا من حق الترشيح. وكذلك منع الطبقة البرجوازية في النظام الاشتراكي من حق الترشيح.

ومن القيود التي تفرض على حق الترشيح منع كبار الموظفين من الترشيح في مناطقهم كمنع المحافظين والمدراء العامين ورؤساء المحاكم من الترشيح في مناطقهم الانتخابية لكي لا يستغلوا نفوذهم الوظيفي في التأثير على سير الانتخابات وعلى إرادة الناخبين.

اما القيود القانونية التي تبررها الاعتبارات العملية فأولها قيد  الجنسية ، فالذي حصل على الجنسية بطريق الاكتساب يمنع من حق الترشيح للانتخاب واغلب التشريعات العالمية تمنع من حصل على الجنسية المكتسبة (التجنس) من حق الانتخاب لمدة خمس سنوات بعد اكتسابه الجنسية اما حق الترشيح فهو اكثر من ذلك فقد حدد القانون الفرنسي مضي مدة عشر سنوات على اكتساب الجنسية الفرنسية كشرط للترشيح في الانتخاب. اما القانون العراقي (قانون انتخاب مجلس الامة) لسنة 1967 فقد منع المتجنس من الترشيح مهما كانت المدة التي مرت على اكتسابه الجنسية ومن تلك القيود ايضاً السن فعادة يفترض القانون سناً معيناً للناخب ويعتبر ذلك هو سن الرشد السياسي إلا أنه يتطلب سناً اكبر من ذلك للمرشح فقد حدد قانون ادارة الدولة العراقي سن المرشح للجمعية الوطنية بثلاثين سنة في حين حدد قانون الانتخابات سن الناخب بثمانية عشر سنة وهذا القيد تبرره اعتبارات عملية اذ ان التقدم في السن يعطي نضوجاً اكثر في الجوانب السياسية.

ومن تلك القيود ما يوضع لأعتبارات خلقية كمنع مرتكب الجريمة او التاجر المفلس من الترشيح للانتخاب مالم يعاد إليه اعتباره.

واخيراً هناك قيود مالية تفرض على المرشح كأن يقدم مبلغاً من المال يخسره المرشح في حالة فشله في الانتخابات والتبرير الذي يقدم في مثل هذه الحالة هو الحفاظ على جدية الانتخابات إلا أن الدافع وراء ذلك القيد هو حرمان مرشحي الطبقة العاملة من الدخول في الانتخاب. وحصر الترشيح بالطبقة المترفة وفي هذه الحالة نصل الى الترشيح المحصور القائم على اساس الاعتبارات المالية.

اما القيود الفعلية : فهي التي يفرضها واقع حال الساحة السياسية وتظهر في الديمقراطيات الغربية وفي الدول المتعددة الاحزاب حيث يجب ان يكون المرشح منتمياً الى احد الاحزاب وهي التي تقوم بترشيحه للانتخاب وإلا خسر الانتخاب ؛ اذ من النادر جداً ان يفوز مرشح لم يأت عن طريق حزب معين لاسيما في الدول العريقة بالتنظيمات الحزبية. والمشكلة التي تبرز هنا هو كيفية اختيار الأحزاب لمرشحيها.

يقول الاستاذ موريس د. فرجه في كتابه (المؤسسات السياسية والقانون الدستوري) ان هناك ثلاثة طرق لاختيار الاحزاب لمرشحيها وهي كما يلي:

أولا: ان تشكل لجنة في كل حزب لتختار مرشحي ذلك الحزب وتقدمهم للانتخاب فيكون عمل هذه اللجنة هي جمع اسماء مرشحي الحزب وتقييمها واصدار قائمة باسماء مرشحي الحزب للمشاركة في الانتخاب.

ثانياً:  ان الذين يختارون اسماء المرشحين هم كل اعضاء ذلك الحزب وذلك عن طريق عقد اجتماعات وندوات ومؤتمرات يتم من خلالها ترشيح الاسماء واعداد قائمة انتخابية بالمرشحين.

ثالثاً: ان تقدم قائمة باسماء المرشحين الى الناخبين ويؤشر الناخبون على اسماء من يرونهم أكثر احتمالاً للفوز وأكثر قبولاً لدى الناخبين وهذه تمثل حالة انتخاب اولية وبعدها تصدر قائمة الحزب بأسماء المرشحين للانتخابات.

ولكل من هذه الطرق الثلاث ايجابيات وسلبيات لا يسع المقام لذكرها.

 

 

المبحث الثاني

الحد من مبدأ المساواة في الانتخاب

تقوم الانتخابات على ثلاثة مبادئ رئيسية وهي :

1-   مبدأ المساواة في الاختيار.

2-   مبدأ المساواة في الاصوات.

3-   مبدأ المساواة في التمثيل.

إلا ان هذه المبادئ الثلاث ولاسباب معينة قد تشوه اثناء التطبيق ولكل من هذه المبادئ اسلوب لتشويهه فقد تشوه بالاقتراع غير المباشر أو الاقتراع غير المساوي او كيفية توزيع المناطق الانتخابية.

 

الاقتراع غير المباشر:

عندما يقوم الناخبون باختيار مرشحيهم بشكل مباشر لتولي مهامهم التمثيلية فان ذلك الاقتراع يسمى اقتراعاً مباشراً لان الناخب هو الذي يختار المرشح الذي سوف يمثله مباشرة، ولكن قد تكون هناك انتخابات اولية يقوم بها الناخبون لاختيار ناخبين اخرين لكي يقوموا بانتخاب المرشحين في انتخابات ثانية فالانتخابات الاولى يقوم بها مجموع الناخبين لاختيار ممثلين عنهم في اجراء انتخابات اخرى يتم بموجبها انتخاب المرشحين وهنا تكون الانتخابات على دورين. الدور الأول هو الذي يجريه الناخبون باختيار ممثليهم في الانتخابات. والدور الثاني هو الذي يقوم به الناخبون (المنتخبون) لاختيار المرشحين. وقد يكون الاقتراع غير المباشر على أكثر من درجتين كان تكون ثلاثة او اربعة وبذلك تقوم الدرجة الثالثة او الرابعة بانتخاب المرشحين. والاقتراع غير المباشر معمول به في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الامريكية. وقد طبق في العراق في الانتخابات التي اجريت لاختيار أعضاء الجمعية الوطنية للفترة المؤقتة.

إلا ان هذه الطريقة فيها خرق صريح لمبدأ المساواة في الاختيار وتتضمن عيبين:

اولهما: انها اقل ديمقراطية من الاقتراع المباشر حيث يختار الناخب في الاقتراع المباشر من يمثله من المرشحين في حين ان الاقتراع غير المباشر لا يتيح ذلك للناخب.

وثانيهما: انه يكون عقبة في وجه الاقتراع المباشر لاسيما اذا حددت القوانين في ناخبين الدرجة الثانية حداً من التعليم او الثروة فسوف تنحصر الانتخابات في طبقة معينة يحدد من خلالها المرشحين.

 

الاقتراع غير المتساوي:

لابد لكل ناخب ان يكون له صوت واحد في الانتخاب ويتساوى جميع الناخبين في ذلك فلكل منهم صوته الخاص به فقط وهذا هو مبدأ التساوي في الاصوات إلا ان هذا المبدأ قد يخرق باحد الاسلوبين اما بتعدد التصويت او بتعدد الاصوات.

1-  تعدد التصويت: فعندما يكون لكل ناخب صوت واحد يحق للبعض ان يصوت في مناطق متعددة كأن يصوت في منطقتين او ثلاث فيكون له صوتين او ثلاث بينما لا يمكن لغيره ان يملك إلا صوتاً واحداً ويتم هذا الاسلوب مع تعدد المناطق الانتخابية فيصوت الناخب في المنطقة التي يسكن فيها. وكذلك يصوت في المنطقة التي يقع فيها محله التجاري ويصوت كذلك في الجامعة التي تخرج منها كما هو معمول به في النظام الانكليزي. فيكون لهذا الناخب ثلاثة اصوات بينما لا يملك غيره إلا صوتاً واحداً فقط وهذا خرق واضح لمبدأ المساواة في الاصوات.

2-  تعدد الاصوات: قد تلجأ الانظمة السياسية لغايات معينة الى اعطاء اصوات اضافية لمن يملك حداً معيناً من الثروة او الملكية العقارية متجاوزة بذلك مبدأ المساواة في الاصوات وذلك لكي تغلب اصوات هذه الطبقة او الفئة على اصوات عامة الشعب من الطبقات المعدمة. وكان هذا النظام معمولاً به في فرنسا بعد سقوط نابليون وعودة الملكية الى الحكم عام 1820م إلا أن هذا النظام اصبح قديماً وغير معمول به اليوم إلا أنه قد ظهرت اساليب اخرى وذلك بانه يمنح رب الاسرة اصواتاً متعددة اضافة الى صوته هو بينما لا يعطى للاعزب إلا صوتاً واحداً. وهذه الاصوات التي تمنح لرب الاسرة هي عن اولاده القصر الذين تحت رعايته والتبرير التقليدي لهذا التعدد هو ان رب الاسرة يكون له ثقل اكبر في الحياة السياسية على خلاف الاعزب. اضافة الى انه أكثر اعتدالاً في آرائه السياسية لذلك تتمسك عادة الأحزاب اليمينية المعتدلة بهذا الاسلوب في الانتخابات.

التحديد غير المتساوي للمناطق الانتخابية:

ويتم هذا الاسلوب عندما تكون هناك مناطق انتخابية متعددة ويكون باحد شكلين اولهما ان يكون هناك منطقتان انتخابيتان اولهما (أ) وفيها (50000) ناخب والثانية (ب) وفيها (100000) ناخب وكل منهما تنتخب مرشحاً واحداً فيبدو لأول وهلة ان المرشحين متساويان في التمثيل إلا ان التدقيق في الامر يبين ان كل ناخب في المنطقة (أ) يملك صوتين بينما الناخب في المنطقة (ب) يملك صوتاً واحدا اذ كل من المنطقتين ارسلت مرشحاً واحداً رغم التباين في عدد الناخبين في كل منهما وهذا خرق لمبدأ المساواة في التمثيل.

وثانيهما ان تقسيم المناطق الانتخابية تقسيماً مصطنعاً من قبل اللجان المشرفة على الانتخابات بحيث تضمن من خلال هذا التقسيم المصطنع تغليب اتجاه معين في المناطق الانتخابية وذلك من خلال إدخال وإخراج اعداد من الناخبين بحسب الاتجاه السياسي من خلال تقسيم مصطنع يسمح للاتجاه المطلوب تغليبه بالفوز في الانتخابات.

 

 

المبحث الثالث

التاثير على الانتخاب

بعد انتهاء الانتخابات قد لا تكون نتائجها مطابقة لارادة الناخبين، بل تأتي على خلافها وان كانت (تلك النتائج) طبقاً لرغبة الناخبين لظروف سياسية او اقتصادية او ثقافية...الخ.

فربما يلجأ في بعض البلدان الى التلاعب بنتائج الانتخابات من خلال اضافة بطاقات انتخابية في صندوق الاقتراع لمصلحة جهة معينة او التصويت عن اسماء وهمية او عن اشخاص متوفين. وهذه الوسائل وان اصبحت من الاساليب البدائية في التاثير على صحة الانتخابات إلا انها معمول بها في الدول المتخلفة وقد شهد العراق كل هذه الاساليب طيلة فترة حكم النظام البائد لاسيما فيما يسمى (بالبيعة). إلا أن الدول الديمقراطية العريقة بالانتخابات لا توجد فيها مثل هذه الوسائل إلا أنها لا تخلو من التاثير على نتائج الانتخابات من خلال طرق متعددة وهي :

اولا: الضغط على الانتخابات:

ويمارس الضغط تارة على المرشحين واخرى على الناخبين وتكون ممارسة الضغط على المرشحين لمنعهم من الفوز بالانتخابات فمثلاً مرشحي احزاب المعارضة لا يحصلون على نفس الفرصة التي يحصل عليها اقرانهم من المرشحين في الدعاية الانتخابية ؛ اذ لا يسمح لأحزاب المعارضة باستعمال أجهزة الإعلام او عقد الاجتماعات أو تعليق وسائل الدعاية كما يكون متاحاً لأقرانهم من مرشحي الحكومة. وبذلك لا يحصلون على فرصة التعريف والدعاية لدى الناخبين ؛ لذا ذهبت بعض الدول كفرنسا وانكلترا الى إعطاء أحزاب المعارضة كامل الحرية في استخدام وسائل الاعلام وعقد الاجتماعات الانتخابية واستخدام الصحافة وتعليق الدعاية الانتخابية اسوة باقرانهم من المرشحين ، بل وحددت اماكن خاصة لتعليق الدعاية الانتخابية ولا يجوز تعليقها في أي مكان آخر وإلا عدّ المرشح مخالفاً للقانون ويترتب عليه الجزاء. إلا أن الامر لم يكن محصوراً بالمعارضة فقط ، بل قد يلعب رأس المال دوراً كبيراً في الدعاية الانتخابية فهناك مرشحون اغنياء ومرشحون فقراء والاغنياء يستطيعون تحمل كافة نفقات الدعاية الانتخابية على خلاف المرشحين الفقراء لاسيما ان وسائل الاعلام اليوم كالقنوات الفضائية وصفحات الانترنيت تحتاج الى اموال طائلة.

لذا تذهب بعض الحكومات الى ان تتبنى بنفسها الدعاية الانتخابية او ان تحدد مصاريف الدعاية الانتخابية كأسلوب لمحاربة سلطة رأس المال في تأثيره على الانتخابات.

اما التأثير على الناخبين فهو يتبع التطور السياسي والثقافي والاجتماعي فقد يكون في مجتمع معين تأثير لرجال الدين أو شيوخ العشائر أو الوجهاء على الناخبين في اختيار مرشحين معينين. وهذا التأثير يظهر واضحاً في المجتمعات الريفية مثلاً أو في المجتمعات التي يكون فيها التأثير الديني واضحاً.

كما قد يكون التأثير من قبل الدولة نفسها تمارسه الحكومات الديكتاتورية ضد الناخبين فهي تتوعد الناخبين بالانتقام في حالة التصويت خلافاً لإرادة الدولة. إضافة لذلك فقد يكون لأرباب العمل تأثير واضح في الانتخابات على الناخبين. حيث يقوم الناخبون العمال بالتصويت لمصلحة مرشحي الطبقة البرجوازية خوفاً على لقمة العيش لأنها بيد تلك الطبقة.

 

ثانياً: التصويت العلني:

ان الاصل في الانتخابات ان يكون التصويت سرياً إلا أن بعض الكتاب والساسة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانوا يؤيدون التصويت العلني لكي يوجهوا الانتخابات بالوجهة التي يرونها هم وذلك لاحراج الناخب بان يصوت لمرشح الحكومة. وقد تأتي مسألة التصويت العلني في القوانين بشكل غير مباشر كما كان في ظل القانون الاساسي العراقي لسنة 1925 الذي ينص على سرية التصويت في الانتخابات إلا ان مرسوم انتخاب النواب لسنة 1952 قد نص على ان من لم يستطع الكتابة والقراءة يدلي بصوته لأحد أعضاء اللجنة المشرفة على الانتخابات ليثبته في البطاقة الانتخابية وبذلك أصبح التصويت علنياً وخرق المبدأ الدستوري الذي ينص على سرية التصويت لاسيما اذا علمنا بان الأمية كانت متفشية في العراق وان اغلب الناخبين لا يستطيعون القراءة والكتابة.

 

ثالثاً: الفصل في صحة الانتخابات :

قد تثار الشبهات بشأن صحة انتخاب مرشح او مجموعة مرشحين بعد فوزهم في الانتخابات فمن هي الجهة التي تفصل في صحة الانتخاب ومن هي الجهة التي تفصل في صحة الطعن الذي يرد على صحة فوز المرشح في الانتخاب؟

الاصل ان الذي يفصل في صحة الطعن هو القضاء ؛ اذ يعرض الطعن على محكمة عادية او محكمة خاصة للنظر فيه ، ولكن في الدول ذات الحكومات الدكتاتورية التي لا يتمتع فيها القضاء بالاستقلال فانه سوف ينحاز القضاء الى مرشحي الحكومة على حساب احزاب المعارضة ، ويكون ذلك بتوجيه من الحكومة نفسها. اذن لابد من تحقيق استقلال القضاء اولاً ومن ثم عرض الطعن عليه ، ولكن اذا ضمنا استقلال القضاء فكيف نضمن عقول القضاة التي عادة ما تتأثر بالاتجاهات اليمينية بسبب طبيعة المهنة وطبيعة وضعهم الثقافي والاجتماعي.لذا فقد ذهبت بعض البلدان الى منح اختصاص النظر في الطعون التي ترد على فوز المرشحين في الانتخابات الى نفس المجالس المنتخبة وان كانت هذه المجالس غالباً ما تتساهل في امر النظر في الطعون الواردة على صحة الانتخابات.

وان هذا الاتجاه تبرره في فرنسا اسباب نظرية تتمثل في ان السيادة تعود للامة وبالتالي فلا يجوز ان تكون هناك جهة تفصل في صحة الانتخاب غير ممثلي الامة ؛ لذا فلابد من ان يكون البرلمان هو الجهة المختصة في الفصل في صحة الانتخاب.

اما في العراق فان الجهة التي تفصل في صحة الانتخابات هي المفوضية العليا.


 

نظـــــــم الانتخابـــــــــــــــــــات

 

تعني الانتخابات ان هناك ناخبين يصوتون وان هناك مرشحين يحصلون على اصوات الناخبين ، ولكن كيف يفوز المرشحون؟ وكيف توزع المقاعد البرلمانية على الفائزين؟ هذا ما سوف يكون موضوع بحثنا في هذا الفصل.

وقبل الدخول الى موضوع النظم الانتخابية لابد من بيان كيفية التصويت أولاً. فاذا كان في منطقة انتخابية عدة مرشحين يتنافسون على مقعد انتخابي واحد فيجب في هذه الحالة ان يصوت الناخبون لمرشح واحد من بين هؤلاء المرشحين أي ان بطاقة الناخب التصويتية لا تتضمن إلا اسماً واحداً فقط وهذا ما يسمى بالتصويت الفردي. ويكون هذا النوع من التصويت عندما تكون المنطقة الانتخابية صغيرة ويمثلها مرشح واحد فقط.

اما اذا كانت المنطقة الانتخابية كبيرة ويمثلها عدداً من المرشحين كان لابد ان يكون التصويت لعدد من المرشحين بما لا يتجاوز عدد المطلوب انتخابهم في هذه المنطقة الانتخابية. وهذا النظام يسمى التصويت على اساس القائمة.

وقد تطرح الأحزاب قوائم بمرشحيها وعلى الناخب ان ينتخب احدى هذه القوائم دون أي تعديل على القائمة ، بل ينتخبها كما هي. ويسمى هذا النظام من التصويت بالتصويت على اساس القائمة المغلقة.

اما اذا كان من حق الناخب ان ينتخب من بين هذه القوائم عدد من المرشحين بما لا يزيد على العدد المطلوب انتخابه لتلك المنطقة ، سمي هذا النظام بالتصويت على اساس القائمة المفتوحة. وبه يحق للناخب ان يختار من مجموع القوائم اسماء المرشحين الذين ينتخبهم ولا يتقيد بقائمة واحدة وسواء كان التصويت فردياً أم على اساس القائمة (المغلقة أو المفتوحة) فهناك نظامان رئيسيان للانتخاب هما نظام الاغلبية ونظام التمثيل النسبي وعنهما تتفرع النظم الاخرى ؛ لذا سوف نعرض لهما تباعاً.

 

 

المبحث الأول

نظام الاغلبية

عندما يحصل مرشح معين او عدد من المرشحين على مجموعة من الاصوات تفوق ما حصل عليه المرشح الاخر او المرشحون الاخرون ، فهذا يعني ان هذا المرشح او هؤلاء المرشحين قد فازوا بالانتخاب ، وذلك لأنهم حصلوا على اغلبية الاصوات ؛ لذا سمّي هذا النظام بنظام الأغلبية ويتماشى هذا النظام مع التصويت الفردي وكذلك التصويت على اساس القائمة لاسيما المفتوحة ، ولكن الاشكال مع القائمة المغلقة اذ يؤدي الى كوارث حقيقية حيث تحصل قائمة الحزب الفائز بالانتخاب على عشرات المقاعد النيابية بمجرد فارق بسيط في الاصوات بينما لا يحصل الحزب الآخر على شيء من ذلك ؛ لذا تذهب بعض التشريعات الى وجوب الحصول على اغلبية معينة لغرض الفوز بالانتخابات كأن تكون الاغلبية المطلقة ؛ لذا قسم هذا النظام الى نظام الاغلبية ذو الدور الواحد ، ونظام الاغلبية ذو الدورين.

اولاً: نظام الاغلبية ذو الدور الواحد:

وبه يفوز المرشح اذا حصل على عدد من الاصوات يفوق الاصوات التي حصل عليها كل من منافسيه على انفراد أي انه يحصل على اغلبية اصوات الناخبين وان كان مجموع اصوات منافسيه أكثر من مجموع الاصوات التي حصل عليها فهو يعتبر فائزاً ومن الدور الأول. فلو تنافس في منطقة انتخابية اربعة مرشحين هم (أ، ب ،
ج ، د ) وحصل المرشح (أ) على ( 40000 ) وحصل المرشح (ب) على (30000) صوت وحصل المرشح (ج) على (20000) صوت وحصل المرشح (د) على (10000) صوت فان المرشح الفائز في الانتخاب هو المرشح (أ) لحصوله على اعلى نسبة من الاصوات (اغلبية الاصوات) والمتمثلة (40000) صوت بالرغم من ان مجموع اصوات منافسيه (60000) صوت إلا أنه يعتبر هذا المرشح الفائز ومن الدور الأول وهذه الاغلبية التي يحصل عليها المرشح الفائز تسمى بالاغلبية النسبية او الاغلبية البسيطة. هذا اذا كان التصويت فردياً او على أساس القائمة المفتوحة ، اما لو كان التصويت على اساس القائمة المغلقة وفاز احد الاحزاب بموجب هذا النظام فان هذا الحزب سوف يستحوذ على كافة المقاعد النيابية لتلك المنطقة باعتباره الحزب الفائز.

لذلك قيل في انتقاد هذا النظام انه قد يفوز فيه المرشح او القائمة التي اجتمعت اغلبية اصوات الناخبين ضدها. كما انه يضخم من النتائج الانتخابية ، اذ قد يحصل احد الأحزاب على مقاعد كثيرة في البرلمان بسبب فرق بسيط في الاصوات وان عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب لا تتناسب مع فارق الاصوات التي حصل عليها.

وفي الحقيقة ان نظام الاغلبية ذو الدور الواحد لايمكن اعتماده إلا في البلدان التي فيها حزبان قويان يتنافسان في الانتخاب اما الأحزاب الضعيفة او ذات القاعدة الصغيرة لا يمكنها الفوز بموجب هذا النظام لذا فان هذا النظام سوف يفرض على الأحزاب ان تتحد فيما بينها لتوحد جهودها في الانتخاب فلو كان هناك ثلاثة احزاب احدها يساري حصل على (10000) صوت واثنان يمينيان حصل اولهما على (8000) صوت والثاني على (5000) صوت فان الحزبين اليمينيين سوف يخسران الانتخاب ما لم يتحدا ويصعدا مرشحاً واحداً او قائمة واحدة لكي تفوز بالاغلبية.

ثانيا: نظام الاغلبية ذو الدورين

يفوز المرشح في الانتخاب بنظام الاغلبية ذو الدورين بحصوله على أكثر من نصف الاصوات أي بحصوله على الاغلبية المطلقة من الاصوات والتي تعني أكثر من نصف الاصوات المعطاة. وفي هذه الحالة يفوز المرشح من الدور الأول ولا يحتاج الى دخول انتخابات الدور الثاني.

إلا ان تحقيق الاغلبية المطلقة عادة ما يكون صعباً جداً ؛ لذا يلجأ الى اجراء دور ثانٍ من الانتخابات ويفوز في الدور الثاني المرشح الذي يحصل على الاغلبية النسبية (البسيطة) ويعتبر الدور الثاني من الانتخابات مكملاً للدور الأول ؛ لذا لا يحق لمرشحين جدد الدخول في انتخابات الدور الثاني ، بل أكثر من ذلك يذهب بعض البلدان الى تقييد الدور الثاني بالمرشحين الذين حصلوا على الاغلبية النسبية في الدور الأول لخوض انتخابات الدور الثاني واذا لم تحصل الاغلبية المطلوبة قد تجري انتخابات دور ثالث وهكذا. اما في فرنسا فتعتبر انتخابات الدور الثاني والتي تسمى بالوتاج Ballotage انتخابات جديدة وتسمح بدخول مرشحين جدد لخوض انتخابات الدور الثاني.

وعلى هذا الاساس جاءت تسمية هذا النظام من الانتخاب بنظام الاغلبية ذي الدورين.

ويساعد هذا النظام على تعدد الأحزاب خلافاً لنظام الاغلبية ذو الدور الواحد وذلك لصعوبة الوصول الى الاغلبية المطلقة من الدور الأول. إلا أن هذه الأحزاب يجب ان تتحد فيما بينها في انتخابات الدور الثاني لا سيما الاحزاب التي تتقارب اتجاهاتها كالأحزاب اليمينة مع بعضها او اليسارية مع بعضها تمهيداً لخوض المعركة الانتخابية في مرحلتها الثانية والتي يشبه فيها الامر ما كان عليه في نظام الاغلبية ذو الدور الواحد فاما ان يتنازل احد المرشحين للاخر او ينسحب من انتخابات الدور الثاني وان كان ذلك لا يتم دون تقديم تنازلات او منح امتيازات . لان المعركة الانتخابية تفرض نفسها على الأحزاب بهذا الشكل وعلى الأحزاب ان تخضع لذلك وتنظم نفسها لخوض تلك المعركة.

 

 

المبحث الثاني

نظام التمثيل النسبي

ان اعطاء اغلب المقاعد النيابية لحزب الاكثرية حسب ما يتحقق ذلك ضمن نظام الاغلبية هذا يعني اننا نضحي باحزاب الاقلية واحزاب المعارضة في الانتخاب ونهمل كل النتائج التي يحصلون عليها لمجرد انهم لم يحصلوا على اغلبية الاصوات. قد تستطيع احزاب المعارضة الحصول على بعض المقاعد في البرلمان ، ولكن بصورة ضئيلة جداً وفي المناطق التي لا يحصل فيها حزب الاكثرية على الاغلبية المطلوبة ؛ لذا جاء نظام التمثيل النسبي لمعالجة هذا الامر ولكي يعطي دوراً لاحزاب الاقلية واحزاب المعارضة اسوة ببقية الأحزاب الاخرى. حيث ان الأحزاب المتنافسة في المعركة الانتخابية سوف تحصل على مقاعد نيابية تتناسب مع ما حصلت عليه من اصوات.

ويمتاز نظام التمثيل النسبي عن نظام الاغلبية بما يلي:

1- يمكن ان يكون التصويت في نظام الاغلبية فردياً او على اساس القائمة. بينما لا يمكن ان يكون التصويت في نظام التمثيل النسبي إلا على اساس القائمة.

2- تعطى اغلب المقاعد النيابية الى حزب الاكثرية بعد حصوله على اغلبية الاصوات ولا تحصل احزاب الاقلية على شيء في نظام الاغلبية بينما تمثل جميع الأحزاب في البرلمان وتحصل على مقاعد تتناسب مع الاصوات التي حصلت عليها في نظام التمثيل النسبي.

3- قد تكون الانتخابات في نظام الاغلبية لأكثر من دور واحد بينما لا تكون في نظام التمثيل النسبي إلا دوراً واحداً.

4- نظام الاغلبية يجعل الأحزاب المتقاربة تتحد فيما بينها للحصول على مقاعد نيابية. بينما تدخل الأحزاب في نظام التمثيل النسبي بنفسها مع احزاب الاقلية والمعارضة.

5- لايمكن تطبيق نظام الاغلبية إلا في البلدان التي يتنافس فيها حزبان قويان بينما يمكن تطبيق نظام التمثيل النسبي مع احزاب الاقلية والمعارضة.

هذه هي اهم الاختلافات بين نظام الاغلبية ونظام التمثيل النسبي. ولدراسة نظام التمثيل النسبي لابد من تقسيمه الى :

اولاً: نظام التمثيل النسبي الكامل

يفترض نظام التمثيل النسبي الكامل ان هناك عدة مناطق انتخابية تتنافس فيها مجموعة من الأحزاب في المعركة الانتخابية وكل حزب منها يقدم قائمته الانتخابية وان قانون الانتخاب بعد معرفة عدد سكان البلاد ومجموع المقاعد النيابية قد حدد عدداً انتخابياً موحداً لجميع المناطق الانتخابية. وهو حاصل قسمة مجموع السكان على عدد المقاعد النيابية فالناتج يمثل العدد الانتخابي الموحد أي عدد الاصوات التي يجدب ان يحصل عليه الحزب ليحصل على مقعد نيابي في البرلمان او مضاعفاته ولبيان ذلك نضرب المثل التالي:-

فلو قسم العراق الى عدة مناطق انتخابية ولتكن ثمانية عشر منطقة انتخابية أي كل محافظة تعتبر منطقة انتخابية وان العدد الانتخابي الموحد هو (100000) وحصل احد الأحزاب على (850000) صوت في بغداد و(420000) صوت في كربلاء و(370000) صوت في النجف و(460000) صوت في الحلة وهكذا فانه سوف يحصل على ثمانية مقاعد عن منطقة بغداد الانتخابية ويبقى له (50000) صوت غير مستعملة واربعة مقاعد في كربلاء ويبقى له (20000) صوت وثلاثة مقاعد في النجف ويبقى(70000) صوت واربعة مقاعد في الحلة ويبقى (60000) صوت فصار جموع المقاعد النيابية التي حصل عليها في المناطق الانتخابية 19 مقعداً نيابياً وبقي له (200000) صوت غير مستعملة فمن خلال مجموع متبقي الاصوات يحصل الحزب على مقعدين نيابيين على الصعيد القومي. فيرشح الحزب قوائم انتخابية للمناطق الانتخابية وقائمة على الصعيد القومي وهذه القائمة الاخيرة سوف تضم اهم أعضاء الحزب لكي يكون دخولهم البرلمان مؤكداً من هذه الناحية. اذ ان الحزب وان لم يستطع الحصول على أي مقعد نيابي في المناطق الانتخابية إلا أن اصواته في المناطق الانتخابية سوف تجمع للقائمة المعدة على الصعيد القومي.

ومن الجدير بالذكر ان نظام التمثيل النسبي الكامل لا يمكن تطبيقه إلا مع نظام التصويت على اساس القائمة المغلقة.

وهذا النظام وان كان ظاهره عادلاً إلا أنه لا يخلو من عيوب حيث انه يشجع الأحزاب الصغيرة على الدخول في الانتخابات لانها سوف تستطيع الحصول على مقاعد نيابية ولو على الصعيد القومي. اضافة الى ان المرشحين على الصعيد القومي لا يمثلون اية منطقة انتخابية. بل لا يمثلون إلا الأحزاب التي رشحتهم. ولما كانت القائمة المعدة على الصعيد القومي تضم اهم أعضاء الحزب فان هؤلاء سوف لا يتبدلون اذ سوف يبقون اعضاءً مع كل برلمان جديد منتخب لذا لجأت بعض الدول ومنها فرنسا الى نظام التمثيل النسبي التقريبي.

ثانياً: نظام التمثيل النسبي التقريبي:

لتوزيع المقاعد النيابية على القوائم الفائزة بالانتخاب هناك طريقتان هما طريقة الباقي الاقوى وطريقة المعدل الاقوى وتختلف كل من الطريقتين عن الاخرى حتى في النتائج التي تصل اليها. ونظام التمثيل النسبي التقريبي لا يشترط فيه وجود عدد من المناطق الانتخابية بل يمكن تطبيقه حتى في المنطقة الواحدة. ولما ذهب المشرع العراقي الى اعتبار العراق منطقة انتخابية واحدة في قانون الانتخابات كان لابد من الاخذ بنظام التمثيل النسبي التقريبي وان كان المشرع لم يذكر أي قسمي التمثيل النسبي (الكامل ام التقريبي) إلا أن حصر العراق في منطقة انتخابية واحدة لايمكن إلا تطبيق نظام التمثيل النسبي التقريبي.

طريقة الباقي الاقوى:

ولتوزيع المقاعد النيابية وفق طريقة الباقي الاقوى يقسم عدد اصوات الناخبين الصحيحة على عدد المقاعد المخصصة للمنطقة الانتخابية وخارج القسمة يمثل عدد الاصوات التي تمثل مقعد نيابي واحد في البرلمان فكل حزب حصل على هذا العدد من الاصوات او مضاعفاته استطاع الحصول على مقعد نيابي او أكثر حسب عدد المضاعفات . إلا أن عدد الاصوات لا يأتي دائماً مطابق لخارج القسمة الانتخابي او مضاعفاته ، بل لابد ان تكون هناك اصوات زائدة. هناك مقاعد ايضاً تقابل هذه الاصوات فتوزع هذه المقاعد طبقاً لأكبر باقي حصل عليه الحزب ولتوضيح ذلك لابد من ضرب المثل الحسابي التالي:

لو تنافست ثلاث احزاب في منطقة انتخابية واحدة (أ ، ب ، جـ) وحصل الحزب (أ) على (48000) صوت وحصل الحزب (ب) على (37000) صوت وحصل الحزب (جـ) على (15000) صوت وخصص لهذه المنطقة خمس مقاعد نيابية في البرلمان فكيف توزع هذه المقاعد النيابية على هذه الأحزاب الثلاثة؟

Text Box: =         = 2000

 

نقوم اولاً بجمع اصوات الأحزاب الثلاثة ونقسمها على عدد المقاعد النيابية

 

48000+37000+15000   100000     

                5                    5

وهذا العدد يمثل خارج القسمة الانتخابي

فعند توزيع المقاعد النيابية نقوم بما يلي :

الحزب (أ) حصل على (48000) صوت يحصل على 2 مقعد      وله باقي (8000) صوت

الحزب (ب) حصل على (37000) صوت يحصل على 1 مقعد     وله باقي (17000) صوت

الحزب (جـ) حصل على (15000) صوت      ليس له شيء

ونكون هنا قد وزعنا ثلاثة مقاعد نيابية وبقي لدينا مقعدان فنعطي المقعد الأول للحزب الذي يمتلك أقوى باقي من الأصوات وهو الحزب (ب) لأنه يمتلك (17000) صوت باقي فيأخذ المقعد النيابي ويصبح له مقعدان نيابيان ونعطي المقعد الثاني للحزب (ج) لأنه أصبح لديه أكبر باقي وهو (15000) صوت وتكون النتيجة بالشكل التالي:

الحزب (أ) له مقعدان نيابيان

الحزب (ب) له مقعدان نيابيان

الحزب (ج) له مقعد نيابي

وبهذا نكون قد وزعنا المقاعد الخمسة على الأحزاب الثلاث المتنافسة في المنطقة الانتخابية بطريقة الباقي الأقوى، وهذه الطريقة هي التي أخذ بها المشروع العراقي في قانون الانتخابات في البند 4 من القسم 3 حيث نص على ان (تعتمد الصيغة المستخدمة لمقاعد المجلس الوطني على اعضائه على حساب اولي يستخدم الحصص البسيطة (هيركوتا) وعلى حساب اخرى تالية تستخدم اكبر متبقي...).

 

طريقة المعدل الأقوى

وهذه الطريقة تختلف في خطواتها ونتائجها عن الطريقة السابقة وتتم بثلاثة أساليب تتفق جميعها في النتائج وكما يلي:

الأسلوب الأول:

لتوزيع المقاعد النيابية حسب الأسلوب الأول من طريقة المعدل الأقوى نقوم باعطاء الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات المقعد النيابي الأول ثم نأتي بالمقعد الثاني ونعطيه للأول فان كان معدل الأصوات التي تقابل المقعدين أكبر من معدل الأصوات التي لغيره من الأحزاب المتنافسة لو أعطيت هذا المقعد أعطي هذا المقعد للحزب الذي حصل على أكبر عدد أصوات وان كان هناك حزب آخر يمتلك معدلا أقوى لو اعطي المقعد اعطي المقعد لذلك الحزب ولتقريب الفكرة نضرب المثال الحسابي التالي:

تنافست ثلاثة أحزاب في منطقة انتخابية واحدة (أ، ب، ج) وحصل الحزب (أ) على (48000) صوت وحصل الحزب (ب) على (37000) صوت وحصل الحزب (ج) على (15000) صوت وخصص لهذه المنطقة الانتخابية خمس مقاعد نيابية فكيف توزع هذه المقاعد؟

يعطى الحزب (أ) المقعد الأول فيكون هذا المقعد مقابلا لـ (48000) صوت، ثم تأتي بالمقعد الثاني ونعطيه للحزب (أ) فيكون معدل كل مقعد (24000) صوت بينما لو أعطى الى (ب) كان مقابلا لـ (37000) صوت بينما لو اعطي الى (ج) كان مقابلا لـ (15000) صوت ولكون معدل الحزب (ب) هو الأقوى يعطى هذا المقعد بصورة نهائية الى الحزب (ب) ثم نأتي بالمقعد الثالث ونعطيه للحزب (أ) فيكون المعدل (24000) صوتاً لكل مقعد ولو أعطي للحزب (ب) كان المعدل (18500) صوت لكل مقعد ولو أعطي للحزب وكان المعدل (15000) صوت ويكون الحزب (أ) يمتلك اقوى معدل فيعطى للحزب (أ) بصورة نهائية وبهذا تكون قد وزعنا ثلاثة مقاعد نيابية وبقي لدينا مقعدان فنكر نفس الطريقة باعطاء المقعد الرابع الى الحزب (أ) الذي يملك مقعدان فيكون له ثلاثة مقاعد فيصبح لديه معدل (16000) صوت مقابل كل مقعد بينما لو اعطينا المقعد للحزب (ب) الذي يملك مقعدا واحدا يكون لديه مقعدان ويكون معدله(18500) صوت لكل مقعد ولو أعطينا للحزب (ج) كان له معدل (15000) صوت لهذا المقعد ولما كان أقوى معدل هو للحزب (ب) فيعطى المقعد بصورة نهائية للحزب (ب).

ونأتي للمقعد الخامس ونكرر نفس الطريقة فيكون معدل الحزب (أ) هو(16000 ) صوت لكل مقعد بينما لو اعطي للحزب (ب) كان معدله (12333) صوت لكل مقعد ولو أعطي للحزب (ج) كان معدله (15000) صوت لهذا المقعد ولما كان المعدل الأقوى للحزب (أ) فيعطى المقعد للحزب (أ) بشكل نهائي وتكون النتيجة كما يلي:

الحزب (أ) له 3 مقاعد نيابية مقابل (48000) صوت

الحزب (ب) له 2 مقعد نيابي مقابل (37000) صوت

الحزب (ج) له ليس له شيء رغم ان أصواته (15000) صوت

 

الحزب

عدد الأصوات

المقعد الأول

معدله

المقعد الثاني

معدله

المقعد الثالث

معدله

المقعد الرابع

معدله

المقعد الخامس

معدله

النتيجة

أ

48000

1

48000

1

24000

1

24000

1

16000

1

16000

لا مقاعد

ب

37000

 

 

1

37000

1

18500

1

18500

1

12333

مقعدان

ج

15000

 

 

1

15000

1

15000

1

15000

1

15000

لا شيء

النتيجة

 

الى (أ)

 

الى (ب)