عودة الى صفحة الاصدارات المقروءة
 

 

رسالة

الاسرة المسلمة

(رسالة الى الأب)

 

عبد الرزاق فرج الله

ديالى / جامع الهويدر

 

من منشورات

مؤسسة المرتضى للثقافة والارشاد   

بسم الله الرحمن الرحيم

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً))

صدق الله العلي العظيم

النساء (1)

مقدمــة :

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلوات وأتم التسليم على خير خلقه الأمين حبيب اله العالمين محمد وآله الهداة الطاهرين.

ان لتسمية الأسرة معنى يشير الى روح العلاقة، وقوة الربط بين أفراد هذه المؤسسة الصغيرة ذاتها وبينها وبين المجتمع.

فالأسرة هي: أهل الرجل المعروفون بالعائلة، الدرع الحصينة، فهي في ترابطها قوة مدرعة، او هي: مأخوذة من أسر أسراً، أي شدة بالأسار، وقبض عليه بقوة، وأفراد الأسرة يشد بعضهم على الآخر، ويرتبط به بنظام قوي.

لأن كل مؤسسة مهما كان حجمها، لابد وان يكون لها نظامها الذي يبني علاقاتها، ويشد بضعها الى بعض، ويفهم بعضها واجبه تجاه البعض الآخر.

واما ان تكون كلمة الأسرة مأخوذة من الأسر، انطلاقاً من قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ((عيال الرجل اسراؤه وأحب العباد الى الله عز وجل أحسنهم صنيعاً الى اسرائه)).

ولذلك أهتم القرآن الكريم بهذه المؤسسة، من خلال التأكيد على توفير عنصر التراحم والمحبة، وتنفيذ أحكام الله عز وجل، وتطبيق مقرراته، وأداء المسؤولية في الأسرة ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) النساء:1.

فان تطبيق المنهج الاسلامي لنظام الأسرة، هو الكفيل بشد عراها وتماسك بنائها، لأنها لبنة البناء الاجتماعي، فاذا صلحت صلح البناء واذا فسدت فسد البناء.

فكما يختار الانسان لبناء بيته اللبنة الرصينة المتماسكة، فلابد ان يختار مجتمعنا لبناء كيانه اللبنة الأسرية المتماسكة، من خلال التزام منهج التربية الاسلامية للانسان المسلم.

فيا أيتها الأسر المسلمة، اليك ملامح البناء الذي أراد الاسلام ان يكون بناءً رصيناً مدرّعاً حصيناً يحرس الرسالة، ويحمل تعاليمها ويؤدي واجباته في الأمة. 

المؤلف
 

رسالة الأب المسلم

الأبوة وعنصر قوتها

اعلم أيها الأب العزيز، ان أي بناء لابد وان يقوم على أركان ودعامات تشده وتحفظه عن السقوط، ولذا يعتبر كل عضو من أعضاء الأسرة ركنا يشد على ركن آخر من أجل تماسك البناء الأسري.

وأنت أيها الأب تعتبر الركن الأهم الذي يقوم عليه هذا البناء، فمتى توفر عنصر القوة في أبوتك، كان البناء قويا وحصينا.

لأن الأبوة هي الركن الذي يشكل حجر الزاوية للبناء الأسري.. ويتمثل عنصر القوة في أبوتك في ما يلي:

1-       معرفة الأب ما له وما عليه:

فعليك ان تعرف أيها الأب ما هو واجبك وما هو حقك في الأسرة التي أنت جزء منها، لأنك ان عرفت واجبك وحقك، وقيت الأسرة كل مشكلة.

لأن مشاكل الأسرة تقوم أساساً على عدم معرفة كل عضو من أعضاء هذه المؤسسة ما له وما عليه، فيحيف البعض على البعض، كما هو شأن أية مشكلة اجتماعية.

2-       معرفة الأب لمعنـى أبوته:

فاذا عرفت أيها الأب العزيز معنى الأبوة وشعرت بقيمتها، كنت عند مسؤوليتها...

ان الأبوة رسالة في الأمة.. وكما ان الرسالة منبع السجايا والخصال، والمرجع الذي ترجع اليها مكونات البناء في الأمة، فان الأبوة تمثل جانباً من جوانب الرعاية والعناية وافاضة الحنو والرحمة على الأسرة.

كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): ((يا علي انا وأنت أبوا هذه الأمة)).

فاستفد من أبوة محمد وعلي (صلوت الله عليهما) لهذه الأمة، وما هما عليه من خلق الرحمة، وسعة الصدر، ولين الطبع، فانهما القدوة الحسنة.

((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)).

3-       وعي الأب لمطامحه الأبوية:

فما أراك أيها الأب الا وأنت تطمح ان يكون ولدك طيباً ووديعاً، ووفياً وصادقاً معك في القول والعمل، وما أراك الا وتتمنى ان يكون ولدك مستفيداً من تجاربك في الحياة، وان يقبل نصيحتك، وما أراك الا وتتمنى ان يكون ولدك مخلصا لك في السر والعلانية، وما أراك الا وتتمنى ان يكون ولدك مدركا ان غضبك عليه حب وليس انتقاماً، وان عقوبتك له حرص على تربيته.

وما أكثر الأماني في نفسك أيها الأب، وكلها ايجابية مشروعة، لكنها تتوقف على التزامك المنهج الصحيح للتربية والأسلوب الصحيح للتعامل مع ولدك، حتى تحمله على برك بما يؤديه لك من حق الالتزام والبروالاحسان والطاعة في أمور الدين كما سنعرفه من خلال رسالة أخرى موجهة اليه.

فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((رحم الله والد حمل ابنه على بره)).

وذلك من خلال الأداء الصحيح لمنهج لمنهج التربية والتوجيه كما أرشدك الى ذلك الامام زين العابدين علي السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق بقوله:

((واما حق ولدك عليك ان تعلم انه منك ومضاف اليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وانك مسؤول عما وليته من حسن الأدب والدلالة على ربه، والمعونة على طاعته فيك وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المعذر الى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام)).

فأنت أيها الأب، دليل ولدك على ربه، ومعينه على طاعته فيك وفي نفسه.

وهذا تكريم لك من الله عز وجل، ان جعل طاعة ولدك له من طاعته لك، فأنت على ذلك مثاب لانك سبب للطاعة، ومعاقب ان كنت في المعصية.

وأما أثره عليك في عاجل الدنيا، فانه زينة لك بحسن أثره بعدك، فتضاف اليك محاسنه ان احسن وتنسب اليك مساوؤه ان أساء، لأنه جزء منك، كما قال الامام علي (عليه السلام) لولده الحسن (عليه السلام):

((بني وجدتك بعضي بل وجدتك كلي، حتى كان شيئاً لو أصابك أصابني، وكان الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من نفسي)).

ولأجل اصلاح هذا الجزء الملتحم بك التحام الظل بالشمس يعلمك الامام علي (عليه السلام)، أن ترفع يديك الى ربك، ليعينك على صلاحه، فكان يقول:

((اللهم وأجعلهم أبراراً أتقياء بصراء سامعين مطيعين لك، ولأوليائك محبين مناصحين، ولجميع أعدائك معادين ومبغضين)).

فحقق في ولدك أمانيك أيها الأب وأعانك الله على تربيته وتقويمه، ما أعنته على برك والإحسان إليك.

4-       معنا في تحديد الأخطاء:

فما عليك أيها الأب العزيز الا ان تأخذ من المربي الأول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منهجاً ثابتاً، وأسلوباً ناجحاً للتربية، تحدد على ضوئه الأخطاء الشائعة بين جملة من الآباء، ومن هذه الأخطاء الشائعة التي لابد من وضعها موضع النهي والرفض، لنخلص انا وإياك الى المنهج والمفهوم الصحيح الذي يقع في طريق التربية.

‌أ- لا تثر الغيرة والانفعال في نفس الولد:

وذلك من خلال عدم المساواة في التعامل مع الأولاد حيث يؤدي الى الغيرة والانفعال في نفوس بعض الأولاد، وبالتالي يتحول هذا الانفعال الى ثورة عدائية ضدك او ضد بقية الأولاد.

وأمامك المثل القرآني في قصة يوسف (عليه السلام) وأخوته ((إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ)) يوسف:8-9.

وان كان الحب الذي حمله يعقوب لولديه يوسف وبنيامين لأنهما أصغر أولاده من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن أمهما كما يروى قد ارتحلت من الدنيا، فهما يحتاجان الى المحبة والرعاية أكثر من غيرهما.

وأمامك أيها الأب حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((اعدلوا بين أولادكم في السر، كما تحبون أن يعدل بينكم في البر واللطف)).

ونظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الى رجل وهو يقبل أحد ولديه، دون الآخر، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ((هلا ساويت بينهما؟))

وهنا ينقلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى ضرورة المساواة في التعامل، الى مسألة حساسة على مستقبل حياة الأولاد، وذلك على مستوى التوريث بعد الوفاة، اذ ترى بعض الآباء يعمد الى ممتلكاته فيسجلها او بعضا منها باسم من يحب من أولاده، ليغلق الباب في وجه الآخرين عن الأرث، حيث يصطدمون بجدار فولاذي وهو ((القانون الرسمي)) الذي لا يملك المحرومون حياله إرادة في التغير والتبديل، سوى تولد الشحناء والبغضاء بين الأولاد.

وان كانت الشريعة لا تمنعك أيها الأب من التصرف بمالك حال حياتك، في بيع او هبة او وقف او إعارة، بحكم قاعدة ((الناس مسلطون على أموالهم)).

ولكن الأمر هنا يختلف باختلاف دوافعه النفسية والمزاجية، والا فلماذا الحصر في ولد واحد لا في بنت؟ او في الأولاد دون البنات؟ خلافا للآية الكريمة ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)) النساء:11، بحجة ان البنت قد تزوجت، فتوريتها يدعو الى ضياع الثروة.

فاذا كان الأمر كذلك فلماذا تطالب الزهراء (عليها السلام) بإرث أبيها قائلة ((أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي))؟ واعلم أيها الأب فان حرمانك لابنة من بناتك، يحمل على لسانها هذا الاحتجاج عليك وعلى أخوتها يوم القيامة.

‌ب- لا تشعر ولدك بالجفاء والقسوة.

فحاول ان تتقرب من ولدك بالقبلة او بكلمة اللطف، فان في ذلك إشعاراً له بكرامته وقدره عندك وعند الناس، الأمر الذي يساهم في بناء شخصيته، وأنظر الى معاملة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع ولديه الحسنين (عليهما السلام) فلقد كان يقربهما ويحملهما على ظهره وهو يقول: ((هذان ريحانتاي من الدنيا من أحبتي فليحبهما))

ونظر الأقرع بن حابس يوماً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما هو عليه من حب لولديه الحسنين (عليه السلام)، حتى قال: يا رسول الله، ان لي عشرة أولاد ما قبلت أحداً منهم قط، فغاظ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: ((ما عليّ أن نزع الله الرحمة من قلبك؟)).

فهناك من يقسو على ولده بعقلية انه انما تربى وصار أباً مربياً، ووصل الى ما وصل اليه من الادراك والمكانة الاجتماعية بعنف أبيه معه وقسوته عليه.

فما يدريك أيها الأب، لعل الذي وصلت اليه من المصيبة والانفعال والقسوة، هو نتيجة ما كنت تعانيه من قسوة أبيك عليك، وما كان يحدثه من جو الرعب والتوتر في الأسرة؟

((دخل أحد الولاة على أحد الخلفاء، فرآه يداعب صبياً له، والصبي يمتطي ظهره، فتعجب الوالي من هذا المشهد ، ولم يكتم أنفساسه، حتى قال للخليفة: كيف تعمل هذا يا مولاي وأنت في هذا المقام؟!

فسأله الخليفة: أ لك أولاد؟

قال: نعم

قال الخليفة: وكيف تعامل أولادك يا ترى؟

قال الوالي: اذا دخلت البيت جلس القائم وسكت الناطق.

فقال له الخليفة: انك لا تصلح واليا للرعية،لأنك بذلك تخنق أنفاسها)).

فالدكتاتورية ايها الأب قد تبدأ من واقع الأسرة، وذلك حين يعيش رب الأسرة لنفسه ولذاته فقط، ويفرض رأيه وكلمته حتى في اختيار نوع الأكلة على أسرته، حتى ولو لم يحبها الأولاد، ولقد ورد في الحديث الشريف: ((ملعون من أكل بشهيته ولم يأكل بشهية عياله)).

‌ج- لا تكن ازدواجيا في أمرك ونهيك:

واعني بالازدواجية - أيها الأب ان تأمر بشيء وتعمل خلافه، أو تنهى عن شيء وأنت تزاوله.

فان هذا يؤثر على أولادك سلباً، لأن الولد ينظر اليك على انك قدوة له في هذه الحياة، فاذا ما رآك تمارس ما تنهاه عنه فتستحدث عنده ردة فعل عنيفة، من نتائجها التمرد وعدم الطاعة لك في الدين والدنيا.

فكيف يمكنك وأنت مدخن مثلا- ان توصي ولدك بعدم التدخين؟ وكيف تفرض عليه ان لا يصرف نقوده في لعب القمار، اذا كنت أنت لاهيا مع زملائك في لعب القمار؟ فعليك ان لا تأمر بشيء الا وانت عامل به، ولا تنهى عن شيء الا وانت أول من انتهى عنه.

وخذ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الخصلة، اذ جاءته امرأة من الاماء وقالت: يا رسول الله، لقد تعبت من الخدمة فأمر سيدي ليعتقني لوجه الله عز وجل، فوعدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خيرا فانصرفت، ثم جاءت ووعدها (صلى الله عليه وآله وسلم) خيرا وانصرفت، وهكذا حتى طالت المدة، وعندها ترتجي سيدها بعتقها إكراماً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجائته تسأله، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لقد تم العتق فاذهبي، فشكرته وقبل ان تذهب سألته: لماذا طالت المدة؟

فقال لها: في هذه المدة جمعت مالا فأعتقت به رقبة، ثم أمرت سيدك بعتقك، لأني لا أمر بشيء الا وأكون أول عامل به، ولا أنهى عن شيء الا وانا تارك له)).

‌د- لا تستصغر ولدك وتستكبر خطأه:

فهناك من الآباء من يرون أولادهم صغاراً وان بلغوا مبلغ الرجال في التكليف والادراك.

فاذا رأيت ايها الأب ولدك صغيرا، نزعت ثقته بنفسه من ناحية، ومن ناحية أخرى قد يجعلك هذا التصور، تهتم بوصاياك لولدك ان ينتبه لنفسه من أي خطر من الأخطار ولا توصيه بأداء الصلاة وغيرها من الواجبات وتحذره من خطر تركها، لأنك تراه صغيرا رغم بلوغه سن التكليف.

ومن ناحية أخرى، قد تستكبر خطأه، وكأن الخطأ الذي يرتكبه الابن جريمة لا تغتفر، ولا يمكن اصلاحها، في الوقت الذي قد لا يكون لهذا الخطأ أثر اجتماعي ولا ديني ولا أخلاقي، سوى انه لا يتلاءم مع مزاجك.

واليك ما قاله الإمام علي (عليه السلام) في هذا الصدد: ((إذ عاتبت ولدك الحَدث فاترك موضعاً من ذنبه لئلا يحمله الاحراج على المكابرة)).

‌ه- لا تتجاهل آراء ولدك ورغباته المشروعة:

فهناك بعض الآباء يفرضون على الأولاد آراءهم ويتجاهلون وجهات نظرهم في الحياة، ويسحقون رغباتهم سواء في نوع المهنة والعمل الذي يبني عليه الولد مستقبله، او نوع العلاقة والزمالة التي يختارها دون اعطاء مبرر اجتماعي او ديني او اخلاقي او سياسي مشروع للمنع، بحجة ان الولد لا يعرف صالحه.

بل حتى في الزوجة التي يختارها الولد شريكة لحياته دونما سبب من تلك الاسباب، سوى ان هناك فرضاً وعادة بيئية او أسرية، تغلق أمام الولد باب الاختيار، وتمنعه عن الزواج بغير ابنة عمه او خاله، وبالتالي تتولد الخصومات وحوادث الطلاق والانحراف، بسبب اجباره او اجبار البنت على أمر ليس مرغوباً لهما.

فانظر أيها الأب العزيز، الى ما جاء عن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) في رواية أبي يعفور، قال قلت له، اني أريد ان أتزوج امرأة وان أبويّ أرادا غيرها، قال (عليه السلام): ((تزوج التي هويت ودع التي يهوى أبواك)).

‌و- لا تهمل الدور التربوي تجاه ولدك:

واعلم أيها الأب، انك مسؤول مباشرة عن التزام المنهج التربوي الذي رسمه لك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لتتجاوز بولدك مراحل عمره الحساسة، حتى يبلغ أشدّه، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((لئن يؤدب أحدكم ولده خير له من ان يتصدق بنصف صاع كل يوم)).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم يغفر لكم)).

وفي محاولة أخرى، يعرفك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف تتابع مراحل عمر ولدك، فتضع لكل مرحلة ما يناسبها من موقف، فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم): ((أتركه سبعاً وأدبه سبعاً وأصحبه سبعاً، ثم اترك له الحبل على الغارب)).

ففي السبعة الأولى: دع الولد سيد بيتك، يغتذي من حنانك وعنايتك وتلطفك، لتتفتح مداركه على ما بينك وبينه من رابطة المحبة والحنان.

وفي السبعة الثانية: افتح له معهدك التربوي، وأبدأ معه دور التوجيه، ابتداء من تعليمه القراءة والكتابة عن طريق المؤسسة التربوية (المدرسة) ولا تهمل دورك في التعاون مع هذه المؤسسة لأعداد ولدك وتربيته.

وفي السبعة الثالثة: من سن الرابعة عشرة، يبدأ دور الصحبة مهما أمكنك، ولهذه الصحبة أثرها في إلهام الولد خبراتك وتجاربك في الحياة، وفي تجنيب الولد خطر هذه المرحلة (المراهقة) لأن صحبته لك في أوقات فراغه، ان لم يكن فراغه مملوء باستذكار وكتابة الدروس اليومية، تتفادى بها خطر ساعات الفراغ، وتصرفه عن العوامل التي تحرك فيه البركان الجنسي، وتضعه تحت مراقبتك.

بل عليك أنت أيها الأب ان تحذر ان يراك ولدك وأنت تزاول حقك الطبيعي مع أهلك، بل حتى القبلة والمزاح الهائم.

فلقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((والذي نفسي بيده لو أن رجلاً غشي امرأته وفي البيت صبي مستيقظ يراهما ويسمع كلامهما ونفسهما، ما أفلح أبداً ان كان غلاماً كان زانياً، او جارية كانت زانية)).

وقال الامام الباقر (عليه السلام): ((اياك والجماع حيث يراك صبي يحسن ان يصف حالك)).

‌ز- لا تمكن ولدك من تناول الحرام:

ان فطرة الولد أيها الأب كالبيت المزوّق، فإذا عرض لها الحرام عتمت وأدلهمت، وأطفئ من إشراقها، فاذا تراكم الحرام عليها انحجبت عن الله عز وجل.

فإياك ان يشتد عظم ولدك وينبت لحمه على الحرام فتبوء بإثمك وأثمه.

ألا ترى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يسعى الى تجنيب ولده عن أكل تمر الصدقة؟ وقد تناول الحسن (عليه السلام) من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فزجره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: ((ارم بها أما علمت اننا لا نأكل الصدقة؟)).

فماذا سيكون موقف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الذين يجرؤن أبناءهم على تناول الحرام، كالربا، والغش، والغصب، وبخس الكيل والوزن؟

وماذا سيكون موقفه من الذين يصطحبون أبناءهم الى حانات الخمر؟

قصة مثيرة لاحساس كل مؤمن، أذكرها لك بالمضمون ايها الأب وقد ذكرها أحد الفضلاء:

قال كنت واقفا مع مجموعة من الناس بانتظار باص نقل الركاب، ولعله في ساعة متأخرة من الليل، فوجئنا بشخص ذي قيافة، يصطحب صبيا حدثاً لاحظنا الصبي يتمايل، وأخذ يتقيأ الى ناحية بالقرب منا.

قلت له: ما حال ولدك؟ لعله مريض، فعجل به الى مصحة طبية.

قال: لا، انه ليس مريضاً، حالة طارئة، كنت قد اصطحبته الى جلسة خاصة مع أصدقائي فاحتسى معنا مشروبا! فبضميرك أيها الأب، أي مرض أعظم من هذا المرض؟ وأي داء أعضل من هذا الداء الذي يحمل معه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؟!

‌ح- لا تخلط بين المفاهيم في التعامل مع ولدك:

فهناك ايها الأب من يحسب القسوة حزما، والتجسس على الولد مراقبة، فيلتزم القسوة والشدة تجاه الأولاد، ويعاملهم بالضرب، وعندما تسأله عن جدوى هذا الأسلوب، فانه يجيبك: كي لا يفلت الزمام.

أقول: نعم أيها الأب، انا معك فيما تقول، ولكن لسنا معك فيما تفعل، فان الضبط وتشديد القبض على زمام الولد عن التسيب والانحراف امر معقول، ولكن عليك ان تميز بين فعلين، أحدهما القسوة والآخر الحزم.

 فان الاب الحازم متبصر في حالة الابن او البنت، والظروف المحيطة بهما، فيعرف متى يكون حازما ومتى يلين، فلا يتحرك الا في حدود معلومة، فلذلك يستهدف الحازم للمصلحة لولده بتعقل وحكمة تساعده على اصلاح أمره بنفسه.

اما القاسي، فانه يتحرك تحركا أعمى بلا حدود، وبلا دراسة لدرجة استحقاق الموقف الذي يتخذه تجاه الولد، نتيجة الانفعال والغضب الذي يهدف الى سلب ارادة الولد وقدرته على اصلاح نفسه فاذا كسر ولدك جهازا او فعل شيئا ما، وسألته: من فعل هذا؟ فاذا عرف ان وراء الاعتراف عقوبة وضربا مبرحا، فسوف يسلك طريقا ملتويا للتخلص من العقوبة القاسية، فينمو في نفسه الكذب والجبن كخلقين متلازمين.

اما الصدق والشجاعة فهما خلقان متلازمان، ينميهما الرفق واللين، وترك الافراط في الملامة.

كما ان التجسس هو الجلوس للولد خلسة لاستراق المعلومات، حتى يفاجأ الولد بأبيه وهو يبحث في كتبه وشؤونه الخاصة به، اذ من حق الولد ان يحتفظ لنفسه بأشياء خاصة، لا يرغب ان يطلع عليها أحد.

بينما الرقابة هي المتابعة عن بعد، لحركة الولد ونشاطه، وحاولة السؤال عن الأماكن التي يرتادها، والأصدقاء والذين يزاملهم، وان أردت شيئا من قضاياه فاستأذن لكي لا تشعره بالتجسس عليه واتهامه، ما لم يتبين لك ما يسوؤك.

‌ط- لا تسيء العشرة الزوجية:

فاذا أردت أيها الأب، أن ينشأ ولدك مزدهر الشخصية فعليك باشاعة الود والاحترام الزوجي، لأنك اذا غمرت أهلك بالود والرحمة، كان ذلك باعثا للولد على احترام اعضاء الأسرة، فلقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((خير الناس لأهله))، كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((عيال الرجل اسراؤه، وأحب العباد الى أحسنهم صنيعاً إلى اسرائه.

وقال الامام الباقر (عليه السلام): ((رحم الله رجلاً أحسن فيما بينه وبين زوجته فان الله عز وجل قد ملكه ناصيتها وجعله القيم عليها)).

وعليك في هذا المجال ان تفرق بين مفهومين تجاه زوجتك، بين الغيرة والشك.

فالغيرة على الزوجة، هو أحسن صنيع لها، وهو الدليل على احترامها وتقديسها، حيث تحرص عليها وتحصنها من أعين النظار والطامعين، وتدرعها بمخافة الله عز وجل فيك وفي بيتها وأولادها.

اما الشك، فهو ان تتهمها بما ليس فيها، وبما لم يقم لك عليه دليل او حجة، مما يؤدي الى تداعي بناء الأسرة، وتخريب قاعدتها.

فتعال أنبؤك بالنتيجة من وراء قذف الزوجة بلا شهادة، في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ)) النور:6-9،

فان العلاج الحاسم الذي وضعه الله عز وجل لهذه المشكلة، يهدف الى وضع الزوج أمام نتيجة خطرة، كثمن لاتهامه أهله.

يروى ان هلال بن أمية، جاء من حديقة له، فوجد رجلاً عند امرأته، فاصبح في الغد الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: اني جئت أهلي عشاء فوجدت رجلاً معها ورأيتها بعيني وسمعته بأذني، فكره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى رأى الكراهة في وجهه.

فقال له هلال: اني لأرى الكراهة في وجهك، والله يعلم اني لصادق، واني لأرجو ان يجعل الله لي فرجا، فهمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بضربه.

فقال الانصار: ابتلينا، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟

فنزل الوحي وأمسكوا عن الكلام حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل بآية اللعان.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً، فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أرسلوا اليها فلاعن عن بينهما ثم فرّق، وقضى ان الولد لها ولا يدعى لأب)).

في هذه الطريقة العلاجية التي قدمها القرآن الكريم اذ حلف هلال أربعاً بالله انه لمن الصادقين والخامسة ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين، وحلفت زوجته أربعاً انه لمن الكاذبين، والخامسة ان لعنة الله عليها ان كان من الصادقين.

بهذا كان يحرص الاسلام على غلق الحديث عن الفاحشة كما قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) النور:19.

وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) النور:23-24.

ففي عملية اللعان تحصين للمرأة عن التشهير والحد ودرس بليغ للزوج، ليكف من أقواله وتهمه لها بلا دليل ولا حجة، رغم ما يترتب على اللعان من نتائج فسخ العلاقة الزوجية بين الزوجين، والحرمة الأبدية بينهما، وسقوط حد القذف عن الزوج وحد الزنا عن الزوجة مع انتفاء الولد عن الرجل دون المرأة ان كان اللعن لنفي الولد.

واما اذا كان اللعان للقذف فقط، فيلحق به الولد ان ولد لستة أشهر ولا يجوز انكاره، وان ولد لدون ستة أشهر الحق بمن قيل فيه.

فرفقا ايها الرجل الأب بمن جعلت القيمّ عليهم من أولادك وزوجتك، ورفقاً ايها الرجل الأب بهذه البنية الاجتماعية المصغرة التي جعلت على رأس السلطة التي تديرها، وقِها ما وقيت منه نفسك، واحرص عليها كما تحرص على تحفك ومدّخراتك من الضياع في مجاهل طرق الحياة.

وقل اللهم اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء.