عودة الى صفحة الاصدارات المقروءة
 

رسالة البنت المسلمة

         بقلم

الشيخ عبد الرزاق آل فرج الله الاسدي

         I       

        إليك يا ابنتي

   

    بعد الانتهاء من الحديث مع شقيقك –يا ابنتي- بما تيسر من الحديث, إذ لا نهاية للحديث لان في الحياة مستجدات وظواهر متنوعة, تولد بين حين وآخر, ومع كل جيل وفي كل أسرة ... فقد آن الأوان أن أفتح الحديث معك مع جلسة أحاول ان تكون قصيرة نافعة, اذ كان الحديث مع أمك ومع أخيك أغلبه في أمور مشتركة تهم كافة أعضاء المؤسسة الأسرية.

    ولكن بقي أن المح الى ما يهمك في صباك وشبابك, وما يحقق مطامحك في بناء مستقبلك الديني والاجتماعي, وما يحقق آمال الأمة والدين من خلال محبوبة الرسالة في محبّة أبيك وبره لك.

   فلو سألني سائل: من تحب؟

أقل له: أحب ابنتي .. ثم من تحب؟

أقل له: أحب ابنتي ... ثم من تحب؟

أقل له: أحب ولدي ..

  لماذا يا ابنتي؟

الجواب: لأني أريد أن أتحدى فيك الذين ظلموك وتنكّروا لوجودك في المجتمع, فأصبحت اليوم تحملين هموم الماضي والحاضر وترمقين الرحمة في كل مكان فخذيها من أبيك الذي عرف قدرك في دينه ورسالته.

((بشر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بابنةٍ فنظر في وجوه القوم, فرأى الكراهية فيهم, فقال: ما لكم؟

ريحانة أشمها ورزقها على الله))

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((خير أولادكم البنات)).

    

          أنتِ ومأساة الماضي

 

    كنت أتفرس في ماضي وجودك –يا ابنتي- وأستطلع التاريخ الذي تولدين فيه, والأسرة التي تتلقاك حين تغدين عليها ضيقة جديدة من عالم الأرحام إلى عالم الحياة الدنيا.

   فما كنت أرى في ماضي وجودك الا المأساة على الإنسانية والحياة, وما كنت أقرأ في وجه الأسرة –خصوصا الأب الذي يتلقاك- الا الحزن منك لا الحزن عليك.

   ((وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. يتوارى من سوء ما بشر  به أيمسكه أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون)) النحل/58-95

   ومما يشير الى عمق هذه المأساة الانسانية ما تذكره السيرة النبوية الشريفة: (إن قيس بن عاصم التميمي جاء الى النبي  eفقال: إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية,فقال e : فاعتق عن كل واحدة رقبة,

قال: إني صاحب ابل,

قال e: فاهد الى من شئت عن كل واحدة بدنة) (1)

  

1-المرأة بين الواقع التاريخي والدور المغيب/14

 

 

    وما كنت أقرأ في التاريخ الذي كنت تولدين فيه الا الظلم والتعسف والبغي عليك, بقتل طفولتك البريئة الناصعة, حتى جاء

 

[1]القرآن الكريم ليعلن ويحقّر ذلك التاريخ الجاهلي الظالم, ويقرع من أساء اليك فيه وأنت في أحضان المهد.

    ((أفحكم الجاهلية يبغون ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون)) المائدة/51

(( وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت)) التكوير/ 8-9

   وأخذ يجدد لك تاريخا, ويصنع لك وجودا ويرفع لك مكانا وقدرا بين براعم الطفولة اليانعة, التي تغتذي حب الله عز وجل من حب الأبوين, وتتحرى طاعته في طاعتهما, ورضاه في رضاهما.

    وما اروع ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: ((النساء شقائق الرجال))(2)

   [2]ويسمى الشقيق شقيقا لانه جزء من شيء انشق الى نصفين, والحديث فيه دلالة على اهمية موقعك –يا ابنتي- في وجود الامة وحمل المسؤولية.        

          من وأد الجاهلية الى وأد الحضارة

  

      فلقد خرجتي –يا ابنتي- من وأد الماضي البئيس الذي يعني قتل طفولة البنت ودفنها حية دون رحمة, الى وأد الحاضر الذي يعني قتل معاني وقيم البنت ودفن براءتها تحت ظل الحضارة والتطور الثقافي.

   ولعلك تعلمين ما أعلم –يا ابنتي- من معنى الحضارة, انها تعني الخروج من العالم البدائي الى العالم المتطور في انماط الحياة واشكالها تبعا للنمو الفكري.

    فالانتقال من بيت الشعر (الخيمة) وبيت القصب والبردي الى بيت الآجر قفزة حضارية, والانتقال من الريف الى المدينة التي تتوفر فيها وسائل الراحة والترفيه قفزة حضارية, كما ان الانتقال بوسائل النقل والمواصلات من الدابة والبعير الى السيارة والطائرة قفزة حضارية.

    وهكذا كل اشكال التطور في وسائل الخدمة الانسانية من الوسائل البدائية الى الوسائل المتطورة, التي توفر لنا جهدا وتقتصر لنا الزمن, حتى طريقة تلقيك الدرس ووسيلة فهمه واستيعابه كلها قفزات حضارية.

     وما يدرينا –يا ابنتي- بعد الذي عرفناه والفتاه من قفزات وتحولات في شتى الميادين, الى أين ستصل عجلة التحضر في هذا العالم؟ ثم الى أي حد ستبلغ بنا المفارقة بين النمو الحضاري وبين القيم والمباديء التي جاءت بها رسالتنا؟

     

                

ما الذي تغير من هذه الحياة؟

  

    يبقى علي ان اسأل –يا ابنتي- ماذا تظنين انه يتطور من هذه الحياة؟ هل هو شكل الحياة ومظهرها ام معانيها ومضامينها؟

     فسيكون الجواب: ان هذا التطور والتغير, انما هو في شكل الحياة ومظهرها الخارجي, اما المعاني والمضامين والقيم لكل امة ولكل تاريخ –سلبية كانت ام ايجابية- فانها ثابتة لا تتغير, لاعتزاز كل امة بهويتها.

     فحتى هؤلاء الذين طوروا لنا شكل الحياة, وحتى الماركسيون الذين يخضعون الحياة كلها, بما فيها الفكر والعاطفة للحركة الديالكتيكية, ولنظيرة العامل الاقتصادي, ويقولون بتطور الفكر وتغير نمط التفكير وطريقته وفقا لحركة المادة... بقيت لديهم فلسفاتهم وعقائدم وافكارهم وثقافاتهم, يخشون عليها كما يخشون على انفسهم وكراماتهم.

     فلا يزال الهندوس يعبدون البقر, ولايزال النصارى يقولون: ان الله ثالث ثلاثة, ولا يزال اليهود يقولون: عزير بن الله, او هم شعب الله المختار, وهكذا فهم لم تتغير عقائدهم تبعا لتغير شكل الحياة.

    بينما نحن اولى بالثبات والاعتزاز بعقيدتنا وثقافتنا –يا ابنتي- كما جاء في حديث الامام الصادق عليه السلام: ((المؤمن اقوى من الجبل, فإن الجبل يستفل منه بالمعاول والمؤمن لا يستفل من دينه شيء))  .

 

          تصدير الإباحية مع الحضارة

    ولكن بقي شيء آخر –يا ابنتي- وهو ما نقرأه وما نعرفه عندهم من الإباحية واللا ضوابط, ومن الانفلات عن القيم والقوانين التي يؤمن بها أولئك, لماذا يحدث؟ انما يحدث:

1-   من خلال فتح  باب الحرية المطلقة التي لا تهذيب معها مع التقدم الحضاري .

2- لان القوانين التي يؤمن بها أولئك ويطبقونها على شعوبهم, غير قادرة على تربية الشعور بالمسؤولية الاخلاقية من واقع الذات تجاه هذه الحرية.

    والاهم من ذلك –يا ابنتي- ان نعرف ان لدى اولئك المتحضرين نزعة تسعى الى توريط المجتمعات الاسلامية في هذه الاباحية, لسلخها عن ثقافتها واخلاقها وقيم رسالتها, وحجب العقل الاسلامي عن الوصول الى صنع الحضارة والاستفادة منها في تطوير الحياة, ((ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق)) البقرة /109

     فالذي اصبح يسري الينا ويدب في اوساطنا, هو ما علق باذيال هذه الحضارة من مظاهر التميع والتحلل الاخلاقي.

    فاذا ما اصبحت النفس مشدودة الى مظاهر الانحراف لدى شبابنا وفتياتنا اكثر مما هي مشدودة الى تقنية الحياة والابداع فيها, واذا لم يستفد العقل من مظاهر الحضارة والتقدم التكنلوجي, فقد ابقى اولئك على خبراتهم الحضارية, وعلى سلامة اقتصادهم واصبحنا –يا ابنتي- لهم بلدا استهلاكيا لصناعاتهم وثقافاتهم واخلاقهم.

     في الوقت الذي -هم انفسهم- يعدون التأثير على افكارهم وثقافتهم حربا خطرة على وجودهم.

     أتعلمين –يا ابنتي- ان فرنسا نفسها كانت تتوجس من هذه الحرب وعلى لسان مفكريها وساستها, حيث كتب (هنري غوبار) كتابه(الحرب الثقافية) وهو يقول: (هذه الحرب اخطر والعن من الحرب الساخنة, لان الاخيرة تعبيء الجماهير,بينما الاولى تشل الارادات, حيث تتسلل بمكر وتدريجيا وتدق بمطرقتها بالحاح واستمرار على الاذهان والعقول والاذواق فتسمعها, ليصبح المرء عبد قيم واخلاقيات مستوردة غريبة) .

     وفي تشرين الاول عام 1989 –يا ابنتي- شهدت باريس اجتماعا لخبراء ومتخصصين في الاعلام, وهم يبحثون كيف يضعون حدا للتدفق الثقافي الامريكي الذي ينهمر من خلال الشبكات الفرنسية.

    وقد شارك في هذا الاجتماع الرئيس (فرانسوا ميتران) بكلمة ابدى فيها خشيته على الهوية الفرنسية والاوربية, فقال: انها في خطر وذلك: ان من مجموع 125 الف ساعة بث تلفزيوني فرنسي, لا تزيد حصة الانتاج الفرنسي على 20 الف ساعة فقط والباقي امريكي.

     هذا التوجس من دولة غربية حليفة, لا شك انه يتضاعف اكثر ضد الدول الاسلامية والعربية فيتحول الى اجراء قاس وكما شاهدنا من منع الحجاب الاسلامي في الجامعات الفرنسية.

      فما بالنا –يا ابنتي- لا نجد هذا التحسس عند الكثير من المسلمين الذين غزيت بيوتهم واسرهم بالاعلام الاجنبي الخليع وباشكال عدة من وسائل توريد خطر الانحراف الاخلاقي؟ وما بالنا لا نمنع الخلاعة في بلادنا كما منعوا الحجاب الاسلامي في بلادهم مع انه من حق فتياتنا المسلمات؟

 

مخاطر الحضارة عليك ومن خلالك

 

    ما عرفناه من مظاهر الحضارة وتطور الحياة في شكلها أمر مألوف ومرغوب –يا ابنتي- ولو كانت الحضارة الحقيقية هي حضارة الفكر والعلم والأخلاق وغيرها من القيم التي تعتبر عوامل الارتقاء والتطور الحضاري في انماط الحياة وأشكالها في كافة الميادين.

    ولكن هناك ما يعلق بأذيال هذه الحضارة من وسائل الانحراف الاخلاقي, وهو ما نخشاه عليك –يا ابنتي- وعلى عامة شبابنا وفتياتنا, لان هذه الوسائل تمر من خلالك, لحرف مسيرتك عن خط رسالتك الدينية والعلمية, ومن هذه الوسائل:

 

1-             الموضات    

   وهي كل جديد من الألبسة والأحذية, وغيرها مما يستهويك ويشدك لاقتنائه, ويجعلك تتطلعين في كل عام الى موضة جديدة أزهى منظرا واعقد فنا, لتصبح موضة العام الماضي قديما قد الغي دورها من حياتك.

     وتحاول الحضارة ان تجعل كل شيء في حياتك موضة, ابتداء من تسريحة الشعر وطلاء الوجه, وانتهاء بهيكلة البيت والحياة الزوجية . 

    فاذا كان كذلك فهنا يكمن الخطر, وليس الخطر في أصل الاقتناء واللبس, بل الخطر فيما تخلقه الموضة في نفسك من الملل من كل قديم فتجعله نافد المفعول كما ينقضي اكسباير الدواء.

    مضافا الى ما ترين –يا ابنتي- بعض الفتيات, كيف خلقت فيهن الموضات حالة من الانانية, فأصبحت إحداهن تشمئز من الثوب الذي لديها اذا اردت زميلتها مثله, وكأن الموضة خلقت لها وصممت عليها فقط.. بل قد يبلغ بها الملل –اذا ما امضت عليه شهرا واحدا- ان تثور في وجه الحياة لعدم انسجام المزاج مع المظهر.

 

 

2-المجلات الخليعة

المجلات والكتب الثقافية والادبية هي المصداق الآخر من وسائل حرف شبابنا وفتياتنا عن الخط الصحيح للأصالة الفكرية والثقافية والاخلاقية.

    وليست المشكلة –يا ابنتي- في المجلة والكتاب الادبي كمحطة من المحطات التي يمر بها شبابنا وفتياتنا في طرق التطلع العلمي والثقافي, اذ قد تعتبر المجلة ةغيرها من الكتب الادبية شيئا ثانويا عابرا عند البعض.

     ولكن هناك ملاحظة رئيسية –يا ابنتي- هي: ان الذين روجوا هذه المجلات والكتب الادبية والثقافية لا يستدرون من وراءها ارباحا تجارية مميزة, مع ما عليه هذه المجلات من تقنية وروعة في الانتاج, ونوع الورق وكيفيات اخرى لا تتناسب مع ثمن هذه البضاعة.

    الا يدل هذا على ان ارباح هؤلاء المروجين تأتيهم من غير هذا الطريق؟ فهم عليهم ان ينفذوا عملا معينا يهدف الى زرع مادة الفساد في وسط العائلة الاسلامية, خصوصا مع ملاحظة ما يرافق هذه البضاعة من مواضع الاثارة من صور مبتذلة لابطال وبطلات السينما التجارية.

     فلا فرق –يا ابنتي- بين هذه المجلة او ذاك الكتاب الثقافي وبين كتب الضلال التي حرم اقتناءها بفتوى فقهائنا التي ركزت على  خطر هذه الظاهرة قبل الف سنة, ومن خلال نصوص اهل البيت الهداة عليهم السلام حرصا على الهوية الاسلامية الأصيلة للفرد والاسرة المسلمة.  

2-            الأفلام

   أفلام الفيديو وأقراص السيدي, وكلما استحدث من المسلسلات العربية والأجنبية المدبلجة التي تظهر عليها الفتيات الصبيات يتغنجن ويتحركن بغرور, ويتبارين بجمالهن وتسريحات شعورهن, وهن يستجلبن أنظار فتياتنا ليحاكين هذه المشاهد.

   ولكن لتعلمي –يا ابنتي- أن هناك الجمال وهناك التجمل, فالجمال منحة من الله عزوجل, ومنح الله تعالى موجبة للحمد والثناء عليه, وشكر كل نعمة بحسبها, وشكر الجمال صونه عن الابتذال.

    وهناك التجمل, وهو التظاهر بالجمال والزينة وقد جاء في الحديث الشريف: ((إن الله جميل يحب الجمال والتجمل)).

     فلا يمنع الفتات –يا ابنتي- ان تتجمل في حدود المعقول امام زميلالتها, ولكن ما تحتاجه اساسا في حياتها ان يذوب جمال المظهر في جمال العفة وروعة الخلق,وان تصون انوثتها من التبذل.

     ولعلك ترين –يا ابنتي- من خلال الزمالة لبعض الفتيات ما يؤسف, من ذوبان جمال العفة في جمال المظهر, ومن تقليد مظاهر الحضارة على حساب القيم والالتزامات الدينية, فتاتيك احداهن وهي تقص على سمعك مشاهدات وحكايات ومصطلحات تحفظها من مسلسل اجنبي او عربي, ولا تحفظ آية من القرآن الكريم, ولا حديثا من رصيد الاسلام الثقافي الذي خلفه رائد الرسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

     بل كل ما تعتقده بعض فتياتنا ان الثقافة تؤخذ من الافلام والمسلسلات, فاصبحت هذه الافلام تتدخل في كل شأن من شؤون الفتات, حتى في طريقة الحجاب, ومتى ترتديه ومتى تلقيه, واي موضة من موضات الحجاب تختار.

 

             ما هو مصدر ثقافتك يا ابنتي

   فاعلمي أن المصدر الذي ينبغي ان تستلهمي منه الثقافة والموقف في اية قضية من قضاياك, هو: رسالتك الاسلامية التي تضع بين يديك هالة من الاضواء الساطعة, لترسم لك الطريق نحو المنستقبل الصالح, وتتمثل هذه الاضواء في عدة مصاديق:

1-  في كتاب الله العزيز الذي فيه تبيان كل شيء, وهو الذي يهدي للتي هي اقوم من طرق الحياة ((إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم أجرا كبيرا)) الاسراء /9

    وهو الذي يخاطب فيك فكرتك الخيرة ويدعوك الى شاطيء السلام والامان من اصحاب الزيغ والاهواء واللؤم, فيقول عز وجل : (( فلا نخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلنا قولا معروفا+ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى...)) الاحزاب/ 32-33

     ويدعوك –يا ابنتي- الى اصلاح ذاتك بتعاليمه لتكوني مهدا للحنان, ومعهدا للتربية في ميدان الاسرة والمجتمع ((فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله...)) النساء /34

2- سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت عليهم السلام, بما فيها من نظام عملي, ومنهج تربوي تلتقي فيه اشعاعات القرآن الكريم, وتتفاعل مضامينها مع المضامين والقيم العالية في اقوال ونصوص اهل البيت عليهم السلام, وفي السلوك الاسلامي الحكيم الذي يعلم فتيات الامة كيف يقتدينة بالقدوات الصالحات, وفي صدارتهن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام التي سالها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (ما يزيل المرأة يا فاطمة؟ قالت: ان لا ترى رجلا ولا رجل يراها).

    وعن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الذي قالته فاطمة عليها السلام: خير النساء ان لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال, فقال رسول الله (صلى الله علبيه وآله وسلم): انها مني) .

     فالزهراء عليها السلام –يا ابنتي- تقدم شعلة نور في طريق الفتاة التي تبحث عن الزينة والجمال الحقيقي الذي يتمثل في عفتها وحجابها, وهو السر في قوة شخصيتها, لا كما يقول ادعياء الحضارة وما يطرحونه من مفاهيم بائسة: من كون الحجاب عاملا يشل المرأة عن دورها ويمنعها حقها في الحرية والحركة.

    فاسألي اولئك –يا ابنتي- هل ان الحجاب يمنع الفتاة من حرية التعبير؟ ام هل يمنعها من حق التملك؟ ام هل منعها من طلب العلم والثقافة او الحصول على الشهادة العليا؟ وهل ان المرأة المتبرجة في الوقت الحاضر اكثر ذكاء واوفر علما وثقافة واقوى ارادة من ذات الحجاب؟

    وهل كلمة الزهراء عليها السلام فيها نوع من الكبت وزالقيد للمرأة عن الخروج الى الساحة؟ كلا –يا ابنتي- فان الكلمة ركزت على ما يزين المرأة لا على ما يجب او يحرم عليها,اذ ان حتمية المواقف التاريخية اقتضت ان تخرج الزهراء عليها السلام وغيرها من النساء الى الساحة الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

3- التاريخ بما فيه من قدوات ومواقف وبطولات, لفتيات هن خير اثلة من امثلة العفة والالتزام –يا ابنتي- فلقد كن يخترقن عباب الحياة ومصاعبها بصبر كبير وارادة صلبة, وهن يلقين كلمة الحق على اسماع الامة.

    فتلك سيدتك الزهراء عليها السلام وابنتها زينب عليها السلام وحفيدتها فاطمة الصغرى بنت الحسين عليه السلام, كمثل من امثلة الفتوة الناشئة في احضان الرسالة, لتكون قدوة الفتيات وكان لها من العمر احد عشر عاما, فقد انتفضت كلماتها الثورية البليغة في وجه الامير الاموي الظالم عبيد الله ابن زياد في مجلسه, دونما تردد او خشية منه قائلة((    

  فمن بين كلماتها وصبرها وشجاعتها, تلوح معالم التربية الاسلامية, والقوة الروحية, وتتفجر ينابيع العلم والمعرفة والتبصرة في العقيدة والاخلاق, مما ينبغي ان يكون مصدر الهام لفتياتنا على طريق الحق والفضيلة.

4- المؤسسة التربوية, وهي الخطوة الاولى على طريق التعلم –يا ابنتي- والتي لا يستغني عنها فتى او فتاة في اول العمر, وفي اول مرحلة من تفتح مدارك العقل ولهذا الانتحاء دوره في تحول النفس الى حالة الانفتاح على الواقع الاجتماعي, وكسر طوق عزلة الطفولة, وتكاد ان تكون هذه المرحلة مرحلة تدريب لقواك ومواهبك العقلية –يا ابنتي- كما يتدرب الجهاز الهضمي على تلقي الطعام في مرحلة الرضاعة الى ما بعدها, فاذا ما خطوت خطوات الى الامام, نحو الثانوية او الاعدادية, حتى المعهد او الجامعة, رايت عالما جديدا متنوع المدارك والمستويات والافكار والاتجاهات والاذواق والامزجة والاهواء.

    رايت نفسك –يا ابنتي- تحت عاملين يعملان على حياتك ومستقبلك الاجتماعي:

1-  عامل الدرس والمادة العلمية.

2-  عامل الزمالة, بما تخمل من مؤثرات الذوق والاتجاه النفسي والفكري والسياسي.

    ولهذا فأنت في المؤسسة التربوية المتقدمة, تضعين خطاك على طريق العلم, فعليك انت تؤكدي –يا ابنتي- صدق انتمائك الى رسالتك العلمية البناءة, ولا تكون الرسالة العلمية بناءة مالم تمتزج مع قيم رسالتك الاسلامية التي انقذت وجودك من بين مخالب الظلام والتخلف.

    ولا اعني بامتزاج الرسالة العلمية بالرسالة الاسلامية تقويض العلم بالدين, بل اعني بذلك امتزاج الرسالة العلمية بالرسالة التربوية, أي كما يرتقي الفكر لا بد ان تسمو النفس, وارتقاء الفكر بالعلم, وسمو النفس بالقيم الروحية للرسالة, التي رسمت لك منهجا تربويا ثابتا لسمو النفس يتمثل في الفرائض والواجبات اليومية.

    فحين تمسكين الكتاب الذي تطالعين فيه الدرس العلمي –يا ابنتي- عليك ان تقنعي في حسابك الصلاة بنتائجها كدرس اول من دروس التربية, تستلهمين منه قوة الفكر والروح والسلوك, ولا بد ان يكون هذا الدرس في صدارة الدروس العلمية.

    وبهذه الفكرة سيكون الدرس صلاة تؤجرين عليها لوجود الرابطة بينه وبين الصلاة التي تربي السلوك وتقوم الحياة, وتستجلب العناية الربانية, لتتجهي بمستقبلك الى ما هو اصلح وانجح من مطالب الحياة.

   

5-منظومة الاسرة المسلمة, فينبغي ان تعرفي –يا ابنتي- في منظومة الاسرة التي تنتمين اليها حقيقتين:

الاولى: ان الاسرة المسلمة هي معهد تربيتك الاول فلا تتجردي عنها, ولا تتنكري الى اخلاقها وعاداتها, او تستهين بوصايا وارشادها على اساس الاكتفاء بما يقع بين يديك من وسائل التكامل والترقي العلمي والثقافي.

    واعلمي –يا ابنتي- ان ليس كل في الحضارة العلمية مقبولا وبناء, اذ من نتائج ذلك التطور – كما عرفت- هو وجود فجوة بين الاسرة وبين ابناءها, وبين المعلم والنتعلم, فلم يعد المتعلم ينشد الى المعلم الحي, الذي يتناغى مع فكره وعواطفه مباشرة, ويدخل في مشاكله ويتحسس قضايا حياته الاجتماعية والنفسية والسلوكية, ليضع لها الحلول والعلاجات الفورية اللازمة.

     فالمسالة –يا ابنتي- ليست مسالة تكامل علمي للحصول على شهادة البكلوريوس او غيرها من الشهادات العليا فحسب, بل لابد من الحصول على شهادة حسن السلوك ونزاهة الحس الاجتماعي, التي يمنحها معهد التربية الاول (الاسرة المسلمة).

الثانية: اعلمي –يا ابنتي- انكي في منظومة الاسرة لا تقصرين اهمية عن اخيك, ولا دورا عن دوره في بناء المستقبل الاجتماعي لهذه المنظومة.

    بل ان لك دورين يتبع احدهما الآخر دور مع الاسرة التي ترعرعت في احضانها, وتبنتك وربتك وانشأتك ووضعتك على اعتاب عهد جديد.

    فهي ستودعك الى دور الاسرة الجديدة التي سوف تتلقاك عضوة مضافة الى اعضائها وروضة من رياض الحنان فيها.

    وليس هينا –يا ابنتي- ان تنفصلي عن ابويك واسرتك الام, التي اعتذيت وتربيت فيها لولا ان سة الحياة ومسيرة ونمو النظام الاجتماعي يقضي بان تؤدي دورك الجديد.

    ومن هنا يا ابنتي كان لتربيتك واعدادك ثواب عظيم للايرة التي انجبتك, حيث جاء في الحديث الشريف: (البناة حسنات والبنون نعمة, فالحسنات يثاب عليها والنعمة يسال عنها) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( خير اولادكم البناة) وذلك لان الاسرة لم تنجبك لذاتها ولمصلحتها, وانما انجبتك للمجتمع اذ لا يتم بناؤه الا من خلالك في الاسرة الجديدة.

    فانت –يا ابنتي- حسنة مهداة من الله عز وجل الى ابويك والامة, فكوني حسنة في كل صفاتك وخصالك وطباعك في منظومة الاسرة الجديدة. 

 

على أعتاب الزوجية

  

       بينما كانت النظم الجاهلية الغابرة –يا ابنتي- تعتبر المراة اساسا للشر, ومحطة من محطات الشيطان وشروره ومكائده, وانها حيوان بصورة انسان, جاءت رسالتك الاسلامية المنقذة, لتعرف اولئك المهوسين ومن تبعهم من دعاة الحضارة المادية البهيمية, الذين جعلوا من المراة وسيلة للدعاية, وطريقا من طرق ترويج البضائع للاسترباح, لان العلاقة بين الفتى والفتاة مبنية عندهم على اساس الاجتماع الجنسي واشباع نهمة الغريزة لا اكثر, ولذلك يروج لاثارة الغريزة وتحريكها بشتى الوسائل والطرق المتيسرة والفاضحة اما اذا كانت العلاقة بين الفتى والفتاة مبنية على اساس الغاية التي تهدف اليها الغريزة, وهي بناء الحياة الاجتماعية واستمرارها لبقاء النوع الانساني, فلا شك ان هناك طريقا مهذبا تتحقق من خلاله هذه الغاية وهو (الزواج) كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كان يحب أن يتبع سنتي فليتزوج فان من سنتي التزويج واطلبوا الولد فاني مكافر بكم الامم غدا) ومن هنا اكدت لهم هذه الرسالة امتزاج المراة والرجل في نفس واحدة فقال تعالى: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام ان الله كان عليكم رقيبا)) النساء/1

 وقال تعالى: ((هو الذي خاقم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها)) الاعراف /189

    فالاسلام –يا ابنتي- عندما فتح هذا المشروع للمراة والرجل, انما اراد ان ينفذ مطلبا اقتضته فطرة الخلق, ويربط بين الرجل والمراة برباط مقدس, ويجعلهما اساسا لاستقامة البناء الاجتماعي ومنبعا لاخلاقه وقيمه.

    وقد اصطلح القرآن الكريم على الحياة الزوجية بانها احصان وتحصن فقال عز وجل: ((واحل لكم ما وراء ذلكم ان تبتغوا باموالكم محصنين غير مسافحين)) النساء/24

     وقال تعالى: ((فانكحوهن باذن اهلهن واتوهن اجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات اخدان)) النساء/25

والاحصان هو: الاحتماء والتدرع, كما تحتمي المدن والمجتمعات بالقلاع والحصون من اخطار الحروب.

     وليس هناك اخطر على الحياة الاجتماعية من حرب الفساد وشيوع مادة الانحراف الجنسي الذي يهدد قيم واخلاق المجتمع الانساني.

      فان مثل الغريزة –يا ابنتي- مثل الماء الذي يحي الارض ويسقي الزرع ليثمر, فاذا فاض عن مشاربه ولم يحدد له مساره اصبح عامل تدمير وتخريب.

     وكمثل التيار الكهربائي بجزئيه السالب والموجب الذين لابد وان يسرا ضمن الخط المرسوم ولا يلتقيا الا عند النقطة المشروعة المحددة لالتقائها.

    فالحياة الزوجية هي الخط المشروع الذي يصب فيه تيار الغريزة.. هذا الخط الذي هو موضع اهتمام ائمة اهل البيت عليهم السلام كما قال الامام الصادق عليه السلام: (اربعة ينظر الله اليهم يوم القيامة: من اقال نادما, او اغث ملهوفا, او اعتق نسمة, او زوج عريانا).

    فانظري –يا ابنتي- الى لفتة في حديث الامام عليه السلام, ان سمى الاعزب عريانا, والعريان من لا لباس له يستره, فاعتبر الزواج ساترا كما قال تعالى: (( هن لباس لكم وانتم لباس لهن))

                    ...................................

 

العقبات ومشروع الزوجية

     ما اكثر العقبات في طريق هذا المشروع, ولعل عرضها التفصيلي يستوجب منا وقفة طويلة.

   ولكن الاهم –يا ابنتي- من العقبات هو ما يرسمه ولي امر الفتاة من مصاعب تعجز الخاطب عن تحقيق مطامحه في بناء الحياة الزوجية, رغم تمكنه ذاتا او اعانة من توفير المطالب الاعتيادية للزواج.

    فناهيك –يا ابنتي- عما يضج به مجتمعنا من مطالب تعجيزية امام الخاطبين, وهذه المطالب منها ما تكون اجتماعية, لا تبدا بالسؤال عن اخلاقه ودينه, بل تبدا بالسؤال عن اسمه ثم عن أي منصب يشغل من كراسي الادارات الرسمية؟ وهل يحمل شهادة جامعية؟ ومن اية جامعة؟ وكم يبلغ من العمر؟ واين موقع سكناه هل الريف ام المدينة؟ او على أي طراز بناء بيته؟ وهل يملك سيارة او هاتفا او جهاز انترنيت؟ وهل لديه والدان او اخوات ام لا؟

    كل هذه الاسئلة او بعضها قد تطرح من قبل الفتاة او ولي امرها, فاذا ثبت –لا سمح الله- امر يخالف ذوق الفتاة ساء حظ الخاطب واظنهم تناسوا الحديث الشريف: (اذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه).

     وفي جانب من المطالب ما تكون مادية –يا ابنتي- وذلك حين يجد الخاطب نفسه امام شبح مخيف من المهر الذي عليه ان يقدمه للفتاة –سواء على مستوى المهر المتقدم او على مستوى المهر المتاخر الذي يتعهد باداءه عند الطلب- .

     ولا شك –يا ابنتي- انك المعنية في طلب المهر, فعليك دراسة المردود الذي يترتب على هذا الطلب الباهض, وهو: الارهاق المادي والنفسي.

    لان المهر المتقدم الباهض يتسبب في استنزاف طاقات خطيبك, ويستفرغ جهوده في توفير ما هو مطلوب منه صرفه على المظاهر الاولى للعش الزوجي, ويبقى مطالبا بمتابعة السير الحثيث والمضني الى آخر اشواط الحياة الزوجية.

     مثله كمثل الذي يبدا شوط السباق بجهد فائق ويستفرغ قوته في بداية خطواته, مع ان وراءه مسافة اطول في هذا المضمار تتطلب منه جهدا اكبر, بينما لو بدا شوطه بعملية احماء تدريجية يستطيع بعدها اكمال الشوط بخزين من القوة لكان اجدى للنجاح والفوز.

      اترين –يا ابنتي- لو عجز الزوج في ربع او منتصف الطريق عن توفير الجديد للحياة الزوجية فهل يعود لها طعم؟ كلا, مع ان السبب الاكبر تاثيرا هو زوجته التي استفرغت واستنزفت ما عنده من امكانات في بداية الطريق.

     واما المهر المتاخر الباهض فسيرهقه نفسيا, لانه يشكل عامل تهديد لعلاقته الزوجية اذ يتخوف في اغلب الاحيان ان يفرض على زوجته امرا يتعارض مع ذوقها, حتى لو تعارض مع مباديء الشريعة, لانه يرى نفسه محكوما لمطالبها المادية قبل كل شيء.

     فكثيرا –يا ابنتي- ما ينزع اولياء الامور او الفتيات انفسهن, لفرض هذا المطلب من اجل فرض السيطرة لا اكثر.. ولا ندري اين ذهب اولئك عن الحديث الشريف القائل: (خير نساءكم اصبحهن وجها وأقلهن مهرا).

    وعن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قوله: (ليس للمراة خطر(أي ثمن) لا لصالحتهن ولا لطالحتهن, اما صالحتهن فليس خطرها الذهب والفضة بل هي خير من الذهب والفضة, واما طلحتهن فليس خطرها التراب لان التراب خير منها) .

      فكوني –يا ابنتي-  خيرا من الذهب بايمانك وعملك الصالح واستمسكي بقيم رسالتك ولا يكن التراب خير منك.

ودمت للرسالة والاسرة والعمل والبناء.


 

2 صحيح الجامع الصغير 9/232