عودة الى صفحة الاصدارات المقروءة
 

 

رسالة الابن المسلم

 

الشيخ عبد الرزاق فرج الله الأسدي

جامع الهويدر / ديالى

 

 

 

اليك ايها الابن

 

بعد ان قطعنا شوطاً من الحديث مع والديك ، أيها الابن العزيز، فقد آن الآوان أن نوجه اليك الخطاب ، وندعوك لالتزام الحق والصواب ، فليتفتح على الموعظة مسمعك ، ولتتلقى من الحديث ما ينفعك.

فيا ايها الابن المسلم ، انك في أية مرحلة من مراحل عمرك ، محط فرحة وابتهاج للاسرة ، لانك عندما ولدت الى الحياة فكأنما ولدت بك الحياة لاسرة كانت تنتظرك قرة عين لها ، ونبتة أمل ترتجي أن تؤتي اكلها.

فعليك يا ولدي ان تشكر الله عز وجل على نعمة الوجود ، وتسأله السلامة في الدين مع المؤمنين الركع السجود ، لتتقي بالعمل الصالح هول يوم الوعيد.

فأعر سمعك لله واستمع لقوله عز وجل [وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78 )].

فهل يشك أحد في ولادته وخروجه من بطن امه؟ كلا يا ولدي ولكن المعنى هو التأكيد :

اولاً: على نظام الاسرة التي انت منها ، اذ أن ولادة الانسان من بطن امه ، يعني إنتماءه الى أسرة ، هذه الاسرة التي يفترض أن تكون مهذبة ، لانها مرضع أخلاقه وآدابه ، اذ هي الميدان الاول للتعامل والمعهد الاول للتربية.

وإلاّ فإن الله عز وجل قادر على أن يخلقك بلا أبوين ، كما خلق أبويك آدم وحواء من قبل.

ثانيا: يذكرك الله عز وجل بالرحم الذي حملك ليتفجر في نفسك منبع البر والوفاء والاحسان لابويك ، لانك اذا اعطيت الحق لابويك ، فسوف تعتاد على اعطاء الحق الاجتماعي.

فعندما تجد نفسك في كل فترة من الزمن تدخل في مرحلة من الادراك والمعرفة ، بسلامة حواسك ونمو مدركاتك يكون ذلك أدعى للشكر والثناء على دور أبويك ومعلميك وملهميك رشدك بعد الله عز وجل.

فاعلم ان شكرك لله تعالى ولأبويك ، يتمثل في توقي الاعوجاج، وصحة الانتهاج ، فتعال معي لنضع اللمسات على ما ينبغي الالتفات اليه من خطوط بيانية ، وما يتوجُها ويغمرها من شواهد ونفحات قرانية ، أمل ان تتناغم مع مشاعرك ، وتتفاعل مع احساسك ، وتتعانق مع صفاء قلبك ونقاء فطرتك، فانك مجبول على حب الخير.

وانت - أيتها البنت المسلمة - عليك أن تعلمي أنك غاية كل خطاب يوجّه الى اخيك أو شقيقك في هذه الرسالة ، لانك معه على طريق المسؤولية الاسلامية والاجتماعية ، فيهمك ما يهمّه ، ويعنيك ما يعنيه باتجاه التكليف واداء الواجب.

وعندما نخاطبه بكلمة "يا ولدي" فان الخطاب يرمز اليك معه يا ابنتي ، لانك معه في المنهج والواجب والغاية ، وفي كل ما يكتنف هذه المسيرة من عوارض ومؤثرات محيطية على مرحلة شبابكما في الفكر والثقافة والسلوك.

فعليك يا ابنتي ان ترعي ما في هذه الرسالة من فكرة ، أو آية أو حكمة ، من خلال هذه النافذة - اي من خلال اخيك أو شقيقك - وان تقرأي أو تسمعي عبرة ما يهم بيانه في هذه الخطوط:

أ) اعرف الغاية من خلقك

اعلم ايها الابن المسلم ، ان الله عز وجل لم يخلق السموات والارض وجميع ما في الكون والحياة عبثاً ولهواً.

قال تعالى: [وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ] الحجر/85 ، وقال تعالى:[أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ (115)] المؤمنون/ 116.

فكل شيء خلق لغاية كما هو المستفاد من ترابط الاسباب والمسببات في هذا الوجود.

حتى انت يا ولدي ، تستطيع ان تتذكر عندما كنت صغيراً وانت ترتب لعبك ، وتنظم ما لديك من هواية ، انك تعمل ذلك بقصد وغاية كامنة في فطرتك ، هي الترويح عن نفسك ، فكيف –اذن- بمن خلقك فسواك فعدلك ثم في أي صورة ما شاء ركبك بهذه الهيئة السوية التي انت عليها.

فلا يغيبّن عنك ، ان الذي وهبك العقل وقدرة التحرك ، وهيأ لك ما تحتاج لاستمرار حياتك في هذه الارض ، هو الذي ارسل رسوله لهدايتك وانزل عليه القران فيه تبيان كل شيء من نظام حياتك ، وحدود مالك وما عليك من حقوق وواجبات.

فاحذر ان يأتيك من هو جاهل بما يضمر له الغد ، وعاجز عن دفع اذى بعوضةٍ عن نفسه ، أو حشرة تقض مضجعه وتقلق راحته ، وتنغص عليه صفو حياته. فيسمي لك الالحاد عقيدة ، والاوهام علماً، والاباحية حضارة وتقدماً ، والتحلل الاخلاقي حرية وانعتاقاً. ليضلك عن الغاية من خلقك ويحرفك عن الطريق الذي اختطه لك نبيك وتعهد بالدلالة لك عليه ابواك.

ب) راقب نقطة بلوغك التكليف

تتابع حلقات الزمن وشهوره –يا ولدي- وهي تحث الخطى بعمر الانسان الى نقطة الانتهاء ، وهي ترسم للانسان عاقبة حلوة أو مرّة ، وتودعه أخيراً أما في روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، فما اسرع الساعة في اليوم ، وما اسرع اليوم في الاسبوع ، وما اسرع الاسبوع في الشهر ، وما اسرع الشهر في السنة ، وما اسرع السنة في العمر يا ولدي.

وعمر كل انسان بين هذه الحلقات الزمنية كسفينة مشرعة عائمة بين امواج البحر المتلاطمة ، فوجّه شراع عمرك بالاتجاه الصحيح نحو ساحل الامان الذي اعده الله لك يا ولدي ، فقال عز وجل: [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ...] النحل/ 97.

فاعلم ايها الابن المسلم ، انك بدأت طفلاً لتكون قبل سن البلوغ صبياً ، وستكون عند حصول احدى علامات البلوغ فتىً وهكذا يرتقي بك الزمن ، لتكون شاباً رشيداً ، ثم كهلاً ناضجاً تمتلك رؤية دقيقة عن الحياة ، وتحمل همومها وقضاياها في واقع الاسرة والمجتمع.

ولعلك تسأل: ما هو البلوغ ؟ وما هو أثره على مجرى حياتك ؟ وما هي علاماته ؟

أعلم أيها الابن المسلم ، ان كل يوم أو شهر أو سنة تمر عليك في مرحلة صباك ، تقربك من نقطة البلوغ ، التي تعني تحوّلك الى المرحلة التكليف والمسؤولية عن الواجبات والفروض.

وعلامات هذه المرحلة احدى ثلاث علامات:

1-  اذا اكملت الرابعة عشرة من عمرك ، ودخلت في الخامسة عشرة فقد بلغت سن التكليف ووجب عليك اداء الواجبات والفرائض من الصلاة والصيام وغيرها من الفرائض الالهية.

2-  اذا حدث لك الاحتلام والجنابة ، وان لم تبلغ الخامسة عشرة من العمر ، فان الاحتلام علامة كافية للتكليف.

3-  اذا نبت عندك الشعر الخشن على العانة وعلى الوجه ، "اللحية والشارب" كفى ذلك عن العلامتين الاولى والثانية.

فاذا حصلت احدى هذه العلامات الثلاث فقد توجه اليك امر ربك عز وجل ، كما عبر لقمان D عن هذا الامر على مسامع ولده [يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] لقمان/19.

وانت –ايتها البنت المسلمة- لا تختلفين عن شقيقك في البلوغ إلاّ بعدد السنوات ، فاذا اتممت التاسعة ودخلت في العاشرة من العمر، توجّه اليك التكليف .

ولا تظني ان في ذلك ظلماً لطفولتك ، وحرماناً لصباكِ من اللعب، وتكليفاً مبكراً يقضي على هواياتك في الحياة ، وانما شاءت كلمة الله عز وجل ان تدخلك التكليف وميدان المسؤولية المبكرة ، من اجل ان يحمي طفولتك ، ويصون صباك من التعدي أو التجاوز الذي تمليه ظروف الصبا ويغذيه الاختلاط بين الفتى والفتاة من ناحية.

ومن ناحية اخرى : فقد عفاك الله تعالى عن التكليف بالصلاة أداءً وقضاءً ايام الطمث (الدورة الشهرية) وبذلك تتقارب وتتوازن فترة التكليف بينك وبين اخيك .

ج- اعرف مسؤولية فتّوتك

وانت تودّع من عمرك عهد الطفولة والصبا وتنتقل الى ميدان التكليف والمسؤولية ، ميدان الفتوة العاملة الكادحة التي لا بد ان تسخرها من اجل دينك ورسالتك .

فعليك ان تستلهم من فتوة الذين سبقوك من السلف الصالح الذي تمتد جذوره الى تاريخ الانبياء والرسل الذين كانت فتوتهم مصدر الهامٍ للعطاء الرسالي لحياتك ولحياة كل جيل من ابنائنا المؤمنين.

فتلك فتوة ابراهيم Dالتي تحدّت طغاة الزمان آنذاك بإرادة صلبة وعزم ثابت ، بات يزعزع عرش النمرود ، ويهدد قواعد الشرك، حيث حطم اصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله ، فجاؤا عليها وهم في دهشة من امرهم [قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ] الانبياء/ 59-60.

والى فتوة يوسف التيDالتي تحدّت بعفتها اشراك الرذيلة التي نصبها له الشيطان ، في امرأة جميلة راودت فتاها عن نفسه قد شغفها حباً ، فكانت فيه الفتوة المؤمنة التي اجتمعت في طريقها البهارج والمخاوف ، فكانت ارفع من البهارج واقوى من المخاوف.

والى فتوة موسى Dالذي ورد ماء مدين فوجد عندها اناساً يسقون إلاّ امرأتين اعتزلتا هذا الجمع عفة حتى يصدر الرعاء فحملته النجدة والمروءة لهذه العفة فأستسقى الفتى للفتاتين ، وأنتهى الأمر الى الاقتران بأحدهما كما في تسلسل القصة.

والى فتوة روح الله عيسى بن مريم Jهذه الفتوة التي تكلمت ووحدت الله عز وجل وهي في المهد ، ورسمت منهجاً أخلاقياً ومثالاً رائعاً من الادب مع الله عز وجل في الطاعة وأداء الواجب ، ومع الوالدة في البر والاحسان.

[قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)] مريم: 30-31.

والى الفتية اصحاب الكهف الذين رفضوا الرضوخ والاستسلام والتعامل مع الحاكم المستبد وشعروا انهم على خطر منه ومن ضلاله، فآووا الى الكهف هرباً بدينهم ، فقص الله عز وجل نبأهم في كتابه الكريم ، بعد بيان هويتهم [إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)] الكهف: 13-14.

وهكذا يمجد الله عز وجل الفتوة المؤمنة أيها الابن المسلم ، ويثني عليها لانها محط أمل الأمة في دورها الرسالي ، وان كنا لا نستطيع ان نحصي لك يا ولدي دور الفتوة في تاريخ الانبياء مفصلاً.

فعليك ان تضع التاريخ القريب لرسالتك ، وتقرأ على صفحاته اشراقات الفتوة المسؤولة الرائدة في انصار رسول الله5 وفي انصار علي والحسين Gففي ذلك رصيد لا ينفد وشعاع لا يخمد.

د - أحسن اختيار الصديق في حياتك

اعلم ايها الابن المسلم ، انك تميل بفطرتك ومنذ صغرك الى اختيار صديق حياتك ، لان الانسان يألف ويؤلف ، والصديق لا يقل اهمية عن الاسرة في التأثير عليك لانك تحبه كما تحب اسرتك.

ففي مرحلة الطفولة يا ولدي يذوب صديقك في والديك ، لانك تنظره من خلالهما ، ولان زمالتك تقع تحت نظرهما ، فهما لا يختاران لك الا من هو صالح لك من الاصدقاء .

أما في مرحلة الفتوة ، فقد يذوب ابواك في صديقك لان زمالتك تقع تحت نظرك ، فلا ترى فيها ابويك إلاّ احياناً ، كما لا يستطيع ابواك ان يعكسا رغبتك في الاختيار.

فعليك ان تبني صداقتك على اساس الايمان والخلق الجميل ، لتنتفع بالصداقة ، وتستثمر الزمالة فقد جاء في الحديث الشريف (المؤمن مرآة المؤمن) فاختر لصحبتك من (اذا صحبته زانك ، واذا خدمته صانك ، واذا اردت معونة اعانك ، واذا بدت منك ثلمة سدها ، وان بدت منك حسنة عدها ، وان مددت يدك بخير مدّها..).

صاحب أ­خا ثقة تحظى بصحبته

 

 

 

فالطبع مكتسب من كل مصحوب

 

كالريح آخذة مما تمر به

 

 

 

نتناً من النتن أو طيباً من الطيب

 

     

فيا أيها الابن المسلم ، اياك وصحبة الكاذب ، والاحمق والدنيء، والفاسق ، كما جاء في الحديث الشريف: "اياك ومصاحبة الفساق فان الشر بالشر ملحق".

وكان الامام عليD اذا صعد المنبر قال: ينبغي للمسلم ان يجتنب مؤاخاة ثلاثة : الماجن ، والاحمق ، والكذاب ، فاما الماجن: فيزين لك فعله ويحب ان تكون مثله ، ولا يعينك على امر دينك ومعادك ، ومقارنته جفاء وقسوة ، ومدخله ومخرجه عليك عار .

واما الاحمق: فانه لا يشير عليك بخير ولا يرجى لصرف السوء عنك ولو أجهد نفسه ، وربما اراد منفعتك فضرك ، فموته خير لك من حياته ، وسكوته خير من نطقه ، وبعدهُ خير من قربه .

وأما الكذّاب فانه لا يهنئك معه عيش ينقل حديثك وينقل اليك الحديث كلما افنى احدوثة مطها بأخرى حتى انه يحدث بالصدق فما يصدّق ، ويغري بين الناس بالعداوة.

هـ- اعط والديك حق البر والاحسان:

هذا الحق الذي فرضه الله لهما ، الى جانب حقه عز وجل فقال: [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] فقد تنمو ثقافتك ايها الابن المسلم ، وترقى في مدارج الكمال الإنساني أو العلمي أو السياسي أو الاجتماعي .

فعليك كلما ازددت رقياً في هذه المدارج ان تزداد تواضعاً لوالديك ، كما يطلب منك التواضع والطاعة لربك عز وجل .

لأنك يا ولدي كلما كبرت وارتقيت وتساميت ازداد ابواك لك حباً وبك تعلقاً ، فعليك ايها الابن المسلم ان تزداد لهما براً وإحساناً.

فلا تزدَرِبهما لانك عالم وهما جاهلان ، ولا تحقرّهما لانك غني وهما فقيران ، ولا تستخف بهما لانك سياسي وهما كاسبان، وهكذا فلا تزيدنك المنازل عنهما بُعداً. فابدأهما بالسلام والوصال، وبادرهما بالتودد والسؤال وجازهما بالعطاء والنوال.

ولا أدري لو سُئلت يا ولدي أي والديك أحق بالبر ماذا سيكون جوابك؟ فاعلم ان احد الشباب سأل رسول الله5 قائلاً: من أبرّ يا رسول الله ؟

قال: أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال: أباك.

فهل تعتقد يا ولدي ان رسول الله5 يفضل الام في الشرف والمنزلة على الاب ؟ أو يؤثرها بالاحترام والبر دون الاب ؟ كلا ولكن ذلك لسببين :

1-  لان استحقاق الوالد من الاحترام اكثر من العاطفة واستحقاق الام من الحب والعاطفة اكثر وذلك لان عاطفتها على الولد تبقى فياضة الى اخر مراحل العمر .

2-  لان الولد اذا كبر ونمى عقله ، واشتد ساعده ، كان ميله واحترامه للاب اكثر من الام ، فلذلك اراد رسول الله5ان يعطي للولد اشارة بليغة الى رعاية هذا الحق ، لاجل ان لا تصل الحالة به الى هجران الام والاعراض عنها في كِبَرها اذا ما ملأ قلبه حب الزوجة والاولاد فتخلق الفجوة ما بينه وبين امه.

واليك ما جاء في رسالة الامام زين العابدين Dاليك :

"فحق امك أن تعلم انها حملتك حيث لا يحمل احدٌ أحداً ، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحد أحداً ، أنها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة بذلك ، فرحة ، محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمّها ، حتى دفعتها عنك يد القدرة ، وأخرجتك الى الارض ، فرضيت ان تشبع وتجوع هي ، وتكسوك وتعرى ، وترويك وتظمى ، وتظلك وتضحى، وتنعمك ببؤسها ، وتلذذك بالنوم بأرقها ، وكان بطنها لك وعاءً ، وحجرها لك حواءً ، وثديها لك سقاءً ، ونفسها لك وقاءً ، تباشر حرّ الدنيا وبردها لك ودونك ، فتشكرها على قدر ذلك ، ولا تقدر عليه الا بعون الله وتوفيقه".

"واما حق ابيك فتعلم انه اصلك وانك فرعه وانك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك فاعلم ان اباك اصل النعمة عليك واحمد الله واشكره على قدر ذلك" . المستدرك 15/190

واذكر لك يا ولدي ، ان شاباً في عهد رسول الله 5 قد حضره الموت فحضر النبي5 عنده وهو يحتضر ، فقال له: قل اشهد ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله ، فتلجلج لسانه ولم يستطع النطق.

فاعادهها5 عليه ثانياً فلم يستطع النطق..

فالتفت رسول الله ، يسأل الحاضرين: ألهذا الشاب والدة ؟

قالوا: بلى يا رسول الله ، فانبرت امرأة كانت جالسة الى ناحية المجلس ، وقالت: أنا والدته يا رسول الله.

فقال 5: هل أنت راضية عنه أم ساخطة؟

فأجابت: أنا ساخطة يا رسول الله.

قال 5: أما آن لك أن ترضي عنه؟

قالت: نعم لرضاك يا رسول الله.

قال5: اعلمي اني رضيت عنه.

قالت: وأنا رضيت عنه يا رسول الله.

فأعاد على سمعه الشهادتين فنطق بهما.

فيا ايها الابن المسلم ، أعلمت كم لرضا الوالدة من أثر على مجرى حياة الولد في كل مراحل عمره ، والى ان تنتهي عجلة حياته، فان لرضا الوالدة أثراً في تجاوز نقطة الخطر الاخيرة وهي "الموت".

ولذلك جاء دعاء عيسى Dبعد اقراره بالعبودية والطاعة لله عز وجل ، وبالبر والاحسان لوالدته فقال: (والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم اموت ويوم ابعث حيا).

فكما يكون لدعاء الوالدة عند ولادتك أثر في سلامتك وتجاوزك خطر الولادة ، فان له أثراً في سلامتك عند الممات ويوم مثولك بين يدي خالقك عز وجل.

 

و- املأ ساعات فراغك بما ينفعك

واعلم ايها الابن المسلم ، ان للانسان أربعة أعمار ، عمراً في بطن أمه، وعمراً بعد وضعه في ساحة الحياة ، وعمراً في البرزخ الى حين بعثه ، وعمراً اذا بعث بين يدي الله عز وجل ليتخذ فيه القرار ، إما إلى جنة واما الى نار.

ولا شك يا ولدي انك غير مسؤول عن عمرك الاول لانك في دور التكوين لا تملك إرادة ولا حولا ولا قوة تتحكم فيك مشيئة خالقك في طولك ولونك وهيئة تركيبك.

اما العمر الثاني فهو عمر المسؤولية في الحياة الدنيا ، والذي تسأل عن الجزء الاكبر منه وهو ما بعد بلوغك الخامسة عشرة كما اوضحت لك.

ففي هذا تعتبر مسؤولاً عن كل لحظة وعن كل ساعة من الزمن تمر عليك ، فاما ان تقطعها واما ان تقطعك كما جاء في الحديث "الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك".

واعلم يا ولدي ، أنّ الامثال والنصوص الواردة في الوقت كثيرة لا استطيع ان احصرها لك في هذه الصفحات.

غاية الامر عليك ان تعلم:

1-  ان الوقت أمانة في عنقك وانت مسؤول عن اداء هذه الامانة الى ربك فلا تفرّط فيها فتهمل فيها أمراً أوجبه الله عليك ، ولا تتعدّ عليها فتعمل فيها عملاً حرمه الله عليك.

2-  انّ الوقت كالآنية التي منحت لكل أحد ، ولم يختلف فيها نصيبك عن نصيب العالم المبدع والمخترع ، حيث تطلع الشمس وتغرب على الجميع.

 فمن الناس من يملأ هذه الآنية تراباً أو سماً زعافاً ، ومنهم من يملؤها ذهباً ودرراً وأحجاراً كريمة ثمينة ومنهم من يملؤها هباءً منثوراً أو يفرّط فيها فيدعها فارغة ، كما قال الشاعر:

ان الشباب والفراغ والجدة

 

 

 

مفسدة للمرء أي مفسدة

 

     

فاختر ايها الابن المسلم بماذا تملأ هذه الساعات التي تفضل الله تعالى بها عليك… فان جالست اهل الفسق والانحراف وزاملت اهل السفه والباطل فستملأ هذه الآنية اما تراباً وأما سمّاً زعافاً .

وان جالست اهل العلم والمعرفة ، وتطلعت الى ثقافة رسالتك، واخذت من نبع الكتاب الاسلامي ما يغذي فكرك فقد ملأت آنيتك ذهباً ودرراً ثمينة.

ومن النوادر: أن بعض العلماء القراء يقول: "اني اذا تعبت من القراءة ألجأ الى القراءة" ومعنى ذلك لاجل ان لا يدع وقته يضيع ، لو تعب من قراءة كتاب صعب لجأ الى قراءة كتابٍ سهل لاجل ان لا يشكل ذلك فراغاً في حياته.

وان عملت لغير خالقك فقد ملأت الآنية هباءً منثوراً ، وان قضيت اوقاتك بالكسل والضجر والقعود هنا وهناك ، فانك ستمضي بآنيتك الى ربك فارغة فيوقفك ويسألك عن عمرك فيما افنيته.

ز- احذر عوامل الانحراف

ايها الابن المسلم ، لا بدَّ لك من معرفة خطر الانحراف على شبابك ، لان الشباب ارضية مستهدفة لزرع ما يريد المغرضون فيها من مادة الفساد والانحراف مستغلين فيها حالتين:

الاولــى: حالة الفراغ الفكري عند البعض ، هذه الحالة التي يلازمها التطلع الى الغرس دونما تمييز بين الغرس الصالح و غيره.

الثانية: لان الشباب طاقة وقوة تملك استعداداً للدفع باي اتجاه من الاتجاهات ولو كان سيئاً.

فكما تحذر يا ولدي خطر الانحراف ، فعليك ان تحذر عوامله التي تعمل على اشاعته وترويجه في حياتك واهم هذه العوامل:

اولا: انحراف التربية الاسرية ، اذ ان البيت -أحياناً- يهمل مسؤوليته، وينشغل الابوان باعمال تستهلك الوقت وتنتهب الجهود لامور جانبية دنيوية ، تتسبب في ضياعك - يا ولدي- فكن حذراً من وقوعك في شباك المنحرفين ، واقتد بالكثير من أصدقائك الذين أنقذوا أنفسهم بأنفسهم من أوساط التسيب والانحلال الاسري فاصبحوا امثلةً مشرقةً للاستقامة والطهر ، قادرةً على تبديد ظلام الاسرة.

ثانيـا: قرناء السوء ، اذ انك –يا ولدي- شاب تتطلع الى الفة قرنائك، وكل قرين بالمقارن يقتدي. فان لم يكن قرينك من اهل الثقة كانت الكارثة.

عن ابي الحسن D قال: قال: عيسى بن مريم D: "ان صاحب الشر يعدي ، وقرين السوء يُردي فانظر من تقارن" الوسائل 13/23.

وكما هو ملحوظ من قصص المدمنين على المنكرات واصحاب الجريمة ، حيث ثبت ان ما هم عليه ، يعود في الاعم الاغلب الى علاقات الصداقة السيئة ، وقد اوضحنا لك كيف تختار صديق حياتك.

ثالثاً: من العوامل المساعدة على مادة الفساد والانحراف ، متابعتك واندماجك مع افلام العنف والسرقة ، والعري ، والجنس ، التي قد يملأ الشباب منها نهمته الغريزية وهي لا تعدو كونها حالة من حالات التلذذ المحدود الذي يعقبه الندم والتشاؤم واليأس ، وبالتالي قد يجد الشاب لذته في التهام المخدّرات ، ليتناسى بها حالة اليأس والعذاب النفسي.

فعليك -يا ولدي- ان تملأ اوقاتك بالهوايات الصالحة والنشاطات النافعة لبدنك وفكرك وسلوكك كما أوضحنا لك .

رابعاً: من خلال دراسات ميدانية لبعض الظواهر المنحرفة التي تصيب بعض الشباب ، وتؤدي بهم الى السقوط في احضان الفساد وشرك الرذيلة ، والادمان على احدى مفردات لائحة الاخطار التي سأعرضها أمامك.

ثبت ان العامل المادي –من الغنى أو الفقر- ان لم يجد توجيهاً روحياً ، وتهذيباً أخلاقياً ، فانه سيساهم في الانحراف مساهمة رئيسية.

فالغني من الشباب ، الذي يجد المال مبذولاً أمامه ، وبلا وازع تربوي أو توجيه ابوي سيستغرق في خضمّ الشهوات والتصرف اللامشروع. كما قال عز وجل: [كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)] ، وفيما اوحى الله عز وجل الى موسى D: "يا موسى اذا رأيت الغنى مقبلاً فقل ذنب عجلت لي عقوبته" الكافي8/47.

وكذا الفقير المحروم الذي لا يجد لقمة العيش التي تشبع جوعته، ولا القطعة التي يواري بها جسده ، ويظهر بها بلياقة مع أقرانه ، سوف يجد في الانحراف وفي الادمان على مفردات لائحة الاخطار ، مهربا للتخلص من واقعه ومأساته.

فإذا أدمن احتاج الى المال ، واذا احتاج الى المال سرق ، واذا توقفت السرقة على القتل قَتَل من يشاء.

وقد قال الامام علي D: " كادَ الفقر ان يكون كفراً " ان لم يجد توجيها روحياً وعلاجاً اجتماعياً.

ح- احذر لائحة الاخطار التي تهددك

وقد تسأل –يا ولدي- ما هي لائحة الاخطار التي تلوّح بها ، وتحذر منها؟ فاعلم –ايها الابن المسلم- ان هذه اللائحة ، هي مجموعة آفات خلقية ، تلتهم الشباب البائس وتنتظر الفرصة للنفوذ الى واقعه ما لم يحترس من تأثير تلك العوامل التي عرفت ، وهذه اللائحة هي:

1- التدخين .

2- الخمرة .

3- المخدرات .

4- الجنس .

5- العنف .

6- السرقة .

7- البطالة .

8- الانتحار .

فاعلم -يا ولدي- ان كل واحدة من هذه المفردات كافية في تضييع مستقبل شبابك ، والقضاء على روائع رجولتك المنتظرة ، فكيف لو اجتمعت واصبحت كلها جزءً من حياتك.

ولا يسعني سرد كل واحدة من مفردات هذه اللائحة على حدة، لما يّلزم من التطويل عليك ، لذا اترك امر المتابعة إليك لتدرس سلبية كل فعل من هذه الافعال من خلال قراءتك لأثارها في حياة الشباب.

وكمثال على ذلك ، قد تتصور أيها الابن المسلم ان التدخين الذي يتصدر هذه اللائحة ، ليس بتلك الدرجة من الخطورة ، لانها عادة اغلب الرجال ، حتى الاباء ، فهو لا يصل الى حد الجريمة والبشاعة كما في غيره من هذه الاعمال ، ولذلك لم تحرمه الشريعة صريحاً .

أقول: كلا يا بني ، إن الشريعة نظرت الى الممارسات التي تستلزم مفسدة ذاتية فحرمتها صريحا كالخمر والميسر والميتة والدم ولحم الخنزير وما الى ذلك مما نصت عليه الشريعة .

اما غيرها من الممارسات ، فيعتبر تحريمها تحريماً ثانوياً لما يترتب عليها من أثر ديني أو خلقي أو صحي أو اجتماعي أو اقتصادي .

وبما ان التدخين هو طريق للوقوع في هذه النتائج وفي الكثير من الاخطار فيعد - اذن- اخطر المخاطر في هذه اللائحة ، رغم الفوائد الموهومة .

كما قد تتصور يا ولدي ان التدخين عنوان رجولة في حياتك ، مع العلم ان هذه الرجولة ستتبدد مع الدخان المتصاعد في الجو لتذروه الرياح .

وقد تتصور ان التدخين سبب للراحة النفسية ، لان من ينفث حفنة الدخان ينفث معها همومه وآلامه ، مع العلم ، ان الراحة النفسية انما تحصل بأساليب حضارية من خلال استنشاق الهواء الطلق والقيام بعملية شهيق وزفير لتنقية الرئتين من الهواء الفاسد، واهمها ذكر الله تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] .

مضافا الى أن الادلة من الواقع تؤكد ان التدخين يؤدي الى القلق والعصبية.

وقد تتصور –يا ولدي- ان التدخين يساعدك على الفهم والإبداع والإنتاج في المجال العلمي ، ولكن هل رأيت الأعم الأغلب من المبدعين هم مدخنون ؟

فهل الرجولة ، والراحة النفسية ، والابداع ، والاستمتاع يكمن في مكونات السكائر التي تمت بدراستها ودراسة اثارها ، من (الاسبتين) و (الامونيا) و(اول اوكسيد الكاربون) و (النيكوتين) و(القار) وغيرها من المواد المسؤولة عن امراض السرطان ، والتسبب في الجلطة الدماغية ، والازمات القلبية ، وتصلب الشرايين، والتهاب الشعب الهوائية ، والربو الشعبي ، وغيرها من الامراض؟!

فما عليك يا ولدي الا ان تعلم ان التدخين مفتاح هذه اللائحة الفتاكة وبذلك يكون اخطر الاخطار.

ط- احذر من مصادرة عقيدتك

ايها الابن المسلم ، فبما انك ساحة ومحطة تأوي اليها الافكار والمفاهيم ، وتبذر فيها المعارف والعلوم ، فعليك ان تحذر من ان تكون محطة لافكار ومفاهيم من خارج حدود عقيدتك ورسالتك التي فطرك الله عز وجل عليها فقال لك [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ] .

فعليك ان تسعى الى بناء شخصيتك بعقيدتك –لانك الشخصية التي تنتظرها الامة ، فلاجل ان تكون شخصيتك اسلامية –يا ولدي- فعليك ان ترسيها على ثلاث قواعد:

الاولــى: القاعدة الفكرية ، التي تمثل عقيدتك وثقافتك.

الثانية: القاعدة العاطفية ، التي تمثل حبك وبغضك.

الثالثة: القاعدة السلوكية ، التي تمثل حركتك ومواقفك.

فهذه القواعد من الفكر والعاطفة والسلوك لا بد من ان تكون كلها اسلامية ، لاجل تكوين وبناء شخصيتك الاسلامية ، ولاجل صيانة هذه القواعد والمقومات في شخصيتك من الغزو اذ "ما غزي قوم في عقر دارهم الا ذلوا" فعليك يا ولدي ان تكون حذراً مما يفد اليك ويحط على ساحة شبابك من افكار وثقافات ومفاهيم ورغبات قد تتخذ ثوباً وترتدي جلباباً سياسياً ، أو اقتصادياً أو فنياً، أو انسانياً أو ثقافياً.

فلقد جاء شاب الى رسول الله 5 يطلب نصيحته فقال له5: "اذا اقدمت على امر فتدبر عاقبته فان كان رشداً فامض ، وان كان غيا فانتهِ".

وقال 5: "الامور ثلاثة: أمر بان لك رشده فاتبعه ، وامر بان لك غيه فاجتنبه ، وامر اشتبه عليك فقف عنده".

فالسوق الاقتصادية في أي بلد من بلدان العالم ، لا تصدّر لك بضاعة تجارية أو سلعاً استهلاكية فحسب وانما تصدر معها صفات مصدرها واتجاهاته ، وتصدّر لك الى جانبها بضاعة اخلاقية ، عبر الدّعايات التي تروّج لهذه البضاعة ، كما تلاحظ يا ولدي .

فعندما تروّج الدّعاية لبضاعة أو صناعة أو فن أو ثقافة على شاشات الاعلام تروّج معها صوراً لنساء وفتيات عاريات لاستهواء الشباب .

وما هو الا طريق من طرق النفوذ وبسط السيطرة لهذه البلدان ، بما تحمل من افكار ومفاهيم وثقافات هادفة الى سلخك عن عقيدتك ودينك وقيمك الاخلاقية واستبدال ثقافتك ومفاهيمك الاصيلة بثقافة ومفاهيم خاطئة تقوم على أساس المظاهر والقيم المادية المبتذلة.

ي- توخ الدقة في فهم المصطلحات

أيها الابن المسلم ، لعلك تسمع ما يتردّد في وسائل الإعلام والصحافة ، والمؤتمرات والندوات ، من مصطلحات أو شعارات شفافة ، فيها من الجاذبية شيء كثير .

ولكن مع ذلك –يا ولدي- عليك ان تتوخى الدّقة في فهمها ، ومعرفة ماذا يحمل لك هذا المصطلح أو ذاك من معنىً ، وهل يلتقي هذا المعنى مع واقع رسالتك ومفاهيمها واليك بعض الامثلة:

1-    فعندما تسمع مصطلح (عصر العلم) تجد ان كلمة العلم أو الحضارة تحمل مضموناً عظيماً من القدسية والشأن ، عليك ان تفهم هذا المضمون من واقع رسالتك ودينك .

لكن هذه الكلمة في مفهوم الذين سلخوها عن شرفها وقدسها ، فقد اصبحت تحمل السم ، اذ ان هناك فرقاً بين العلم الذي يبني للامة كيانها ووجودها ونهضتها ، وبين العلم الذي ينتهي بالامة الى حالة الضياع والدّمار .

2-    وعندما تسمع مصطلح (عصر السرعة) تجد هذه الكلمة تحمل مضموناً نافعاً ومثمراً لحياة الأمة ، لأنه يشير الى القفزات المتلاحقة في مجال الإبداع والاختراع ، والتكنولوجيا في جميع مجالات الحياة ، هذه القفزات التي كانت تحتاج الى عقود من الزمن باتت تحدث بفواصل زمنية قصيرة جداً .

اما من لم يفهم مضمون هذا المصطلح فانه يسيء تطبيقه على غير وجهه ، فاذا قاد الشاب سيارته بسرعة جنونية معرضاً نفسه ومن معه لما يؤسف من الحوادث ، واعترضت عليه ، اجابك باننا في عصر السرعة .

واذا انهى الطالب مطالعة منهجه المدرسي في ظرف دقائق –سواء فهم أم لم يفهم- واعترضت عليه ، أجابك بأننا في عصر السرعة .

وهكذا يفتقد شبابنا روح الدقة في العمل والحركة ، تحت شعار "عصر السرعة" في الوقت الذي لا تلتقي السرعة دائماً مع الدقة في العمل .

3-    وعندما تسمع –يا ولدي- مصطلح "الحرية" هذه الكلمة التي تنشد اليها النفس ، ويهفو اليها القلب المثقل باصفاد الحكام الطغاة والمستبدّين .

   ولكن البعض من شبابنا فهم هذا المصطلح بالتحرر حتى عن القيود والضوابط الاخلاقية ، واصبحت الحرية تعبيراً عن الانفلات والفوضى واللاقيود .

ولكن الحقيقة – يا ولدي – انّ هؤلاء لم يستفيدوا من الحرية الا العبودية ، اذ ليس هناك فرق بين أن يستبدّ بك الحاكم الظالم ، ويخنق انفاسك ، ويصادر جهودك في خدمة مصالحه وأنانيته ، وبين ان تستبدّ بك الجريمة والفوضى ، والرذيلة على نطاق واسع .

فعليك أيها الابن المسلم ، ان تعرف ان الحرية انما تعني حرية الفكر في قول الله عز وجل:

[كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ] البقرة/219

وتعني حرية العلم في قوله عز وجل [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)] وتعني حرية التعبير في قوله عز وجل [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] بل حرية النظام الصالح للحياة ، وحرية المسؤولية في هذه الحياة.

هذه الحرية التي تجدها في كتاب الله العزيز بقوله تعالى [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا].

وفي قوله عز وجل مخاطباً ابليس: [إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ].

وفي قوله عز وجل: [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ] .

فالحرية – يا ولدي- هي التحررّ من اغلال العبودية للغير ، مهما كان هذا الغير ، دنياً أو مالاً أو جاهاً ، أو سلطاناً أو شهوةً وكما قال الامام عليD: "ان آدم لم يلد عبداً ولا أمةً وان الناس كلهم أحرار".

وقال D: " لا تكن عبداً لغيرك وقد خلقك الله حراً".

فالحرية - أيها الابن المسلم - ولدت مع انسانية الانسان ، وترعرعت في اعماق ذاته ، وتسامت وارتقت مع قيم دينه واخلاق رسالته.

4-     وعندما تسمع – يا ولدي – مصطلح "الثقة بالنفس" وهو من المصطلحات التي تتردد على سمعك من بعض الناس ، والمصنفات ، والاطروحات التربوية فاعلم:

   ان الثقة بالنفس عامل من عوامل نهوض الامة ورقيها الاجتماعي والسياسي ، وذلك بان يكون دور كل فردٍ من افراد الامة دوراً حضارياً في علاج الموقف ، وعلمياً بطولياً مدروساً في اتخاذ القرار.

بهذا المفهوم العلمي والحضاري نكون – من ناحية – قد خرجنا واياك يا ولدي من طرف الاعتداد بالنفس ، والاستخفاف باراء الاخرين والازدراء بوجهات نظرهم ، مما يؤدي بك الى ارتجال الموقف والتمرد على اهل العلم والخبرة ، لذلك انصبت النصوص للتحذير من هذا الموقف.

جاء في غرر الحكم: "الثقة بالنفس من اوثق فرص الشيطان" غرر الحكم/ 235

وعن الامام علي D في وصيته لولده محمد بن الحنفية: (اضمم اراء الرجال بعضها الى بعض ثم اختر اقربها الى الصواب وابعدها عن الارتياب) الى ان قال: "وقد خاطر بنفسه من استغنى برأيه ، ومن استقبل وجوه الاراء عرف مواقع الخطأ" الوسائل 12/46.

وعن الامام الصادقD: "المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل" البحار 72/105

ومن ناحية اخرى – نكون – قد ترفعنا واياك من الشعور بالنقص، والتصاغر امام الاخرين ، لان الانسان الذي يفتقد الثقة بنفسه بالمرة ، فانه يلغي دوره في الحياة بل يلغي وجوده الاجتماعي والثقافي والسياسي ، ويؤدي الى تخسير الامة لدوره وابداعه ونشاطه.

فلذلك يا ولدي ، يحاول طواغيت العصر والمستعمرون ان يكرسوا هذه الحالة في شباب الامة ، ويخلقوا فيهم عقدة الشعور بالنقص والحاجة الى الغير والاعتماد عليه فيما يصنعه من فن أو ثقافة، أو صناعة ، أو اختراع ، أو نظام للحياة ، ويفرضوا عليه لوناً من ألوان التقليد الاعمى في اصغر شؤون الحياة فضلا عن اكبرها.

فلذلك ترى امامك - أيها الابن المسلم- الكثير من شبابنا الذين يحاكون هؤلاء المتشدقين بالعناوين والشعارات الزائفة فيفهمونهم ان التقدم والتحضر والسعادة بالازياء والالبسة ، وقصات الشعر والاكلات المتبلة على الطريقة الغربية.

بينما هم انفسهم لا يستطيعون ان يوفّروا السعادة لانفسهم ولمجتمعاتهم فضلاً عن توفيرها لغيرهم.

فاعلم يا ولدي ان رسالتك الاسلامية هي التي منحتك الثقة بالنفس ، واعطتك مكانتك في اطار الامة وبك وبغيرك من شبابنا المؤمن تتلاحم الامة وتتلاقح اراؤها ، ويكون لها الموقع القيادي المميز على سائر الامم

[وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ] البقرة/ 143

ك- اعرف حقك بين الجدية والترفيه

ايها الابن المسلم ، ينبغي ان تعرف معنى الجدّية في الحياة ، فهي تعني كون الانسان واقعياً صارماً في شؤون الحياة ، وان تعرف معنى الترفيه ، اذ يعني كون الانسان رومانسياً ، مستغرقاً في الاحلام والانس البعيد عن ضغوط الحياة ، ومسؤولياتها وقسوتها.

فالسؤال – يا ولدي -:ما هو حقك من هذا وذاك ؟ فهل هذا الحق مزدوج من الامرين ، ام لا بد من توفير جانب دون اخر ؟

فقد يجيبك البعض : نعم يجب ان تكون دائماً جدياً في تفكيرك وسلوكك وتعاملك مع شؤون الحياة .

ولكن – يا ولدي – بنظرة أدق أقول لك : أعلم ان الجدّية والواقعية تعني التعايش مع القضايا الهامة ودراستها ، واداء المسؤولية في حدودها ، وليس من الضروري – بل لا اعتقد – ان الانسان باستطاعته ان يعيش كل وقته للمسؤولية ، أو يتفرغ لكل قضايا الدنيا والعالم .

وحتى رسول الله 5 فانه عاش لقضايا الامة الهامة وتعايش مع هموم الرسالة تحت قسوة ومرارة الحياة ، وعندما كان يتألم ويتوجع لواقع البشرية ككل ، قال له الله عز وجل: [فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ] .

وقال عز وجل: [طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى] .

وقال عز وجل: [فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ] .

فاعلم ايها الابن المسلم ان الشعور بالمسؤولية والتحسس لشؤون الحياة الهامة ، على مستوى التعامل مع الله تعالى ومع الرسالة ، أو التعامل مع الناس والعلائق الاجتماعية ، أو التعامل مع الطبيعة ، أو مع التاريخ أو العلم أو الفن ، وغيرها من شؤون الحياة هذا الشعور يثري شخصيتك يا ولدي بالنضوج والقدرة على تحمل العناءات ، ويخرجك من الضجر والكسل كما جاء في الحديث: "اياك والكسل والضجر ، فمن كسل لم يؤد حقاً ، ومن ضجر لم يصبر على حق".

هذا الشعور هو استجابة لإرادة الله عز وجل في خلق وتلبية للعقيدة والفكرة التي تؤمن بها يا ولدي لتحوّلها الى سلوك باتجاه المصلحة الاسلامية العامة ، لا في حدود رقعتك الجغرافية التي انت فيها ، بل في نطاق العالم أينما كانت قضايا ومشاكل الأمة ، ومعاناة الأخ المسلم .

والشاهد على ذلك –يا ولدي- هذا المثل الرائع للتحسس الذي يطرحه لك الامام علي D في تألمه لمعاناة الناس على ابعد نقاط الأرض حيث يقول: "ولعل في اليمامة أو الحجاز من لا عهد له بالشبع ولا طمع له بالقوت" .

ولكن هذا الشعور بالمسؤولية والجدية في حدود دينك وقضايا امتك وهموم رسالتك لا يمنعك يا ولدي ان تعطي لنفسك حقها من الترويح والترفيه ، كما جاء في الحديث عن الامام عليD: ((روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة فان القلب اذا أكره عمي )) .

وفي وصيتهD لولده الحسنD: (( واقتصد يا بني في معيشتك واقتصد في عبادتك ، وعليك فيها بالامر الدائم الذي تطيقه)) .

فاذا أجابك البعض عن حقك في الترفيه : بان تكون رومانسياً بعيداً عن ضغوط الحياة وعناءاتها وأتعابها لانك لا تختلف عن اقرانك من الشباب الذين تراهم يحلقون في اجواء المرح ، خصوصاً وان مرحلة الشباب هي مرحلة الانس والانطلاق… فاني سأرجعك في هذا الحق الى قاعدة اللا افراط ولا تفريط ، التي عليك ان تطبقها على هذا وذاك من شؤون حياتك كلها.

فعليك يا ولدي ان تلتزم في حق الترفيه والترويح ثلاثة ضوابط:

الاول: ضابط النزاهة عن المداخلات المحرّمة في شريعتك بان لا تفتقد هويتك وثقافتك والتزاماتك الدينية ، أو تهدم الحواجز بينك وبين ما هو مرفوض .

الثانـي : ضابط الوقت ، بان لا تستغرق تمام الوقت في التحليق بهذه الاجواء المرحة الملذّة ، وتهمل مسؤولياتك الهامة .

الثالث : ضابط النقد والتوجيه ، انطلاقاً من مسؤوليتك بان تعلن صوت الرفض ومادة الحكم النهائي على هذه المشاهدات ، على ضوء ما تملك من قاعدة فكرية واخلاقية لانك قد لا تجلس وحدك امام هذه المشاهدات ، بل هناك الاب والام أو الاخوة والاخوات أو الاصدقاء .

فكل هؤلاء يحتاجون الى ملاحظتك فعليك أن تسمعهم صوت الرفض وقرار الحكم لاجل ان لا يكونوا هم في أسر هذا الشذوذ .

ل- أمزج بين المسؤولية والترفيه في حياتك

أيها الابن المسلم – لا ينبغي ان تستشعر التعارض بين المسؤولية وبين الترفيه ، فيجرك هذا الى التزام طرف دون اخر ، كما اوضحت لك .

بل تستطيع ان تطبق الضوابط الثلاثة المتقدمة في طريق المزج بين هذين الحقين في موقع واحد.

فعندما تجلس امام الشاشة المرئية التي لديك ، خصوصاً التلفاز الذي لم يقتصر على بث المحطات الارضية المحلية بل اصبح ينقل لك ما تشاء من الاقراص الليزرية ، أو عبر الاقمار الصناعية كذلك ويجعلك تتعايش مع أبعد نقطة من نقاط الارض .

فالمطلوب منك - يا ولدي- ان لا تدع جهاز "الرموت كنترول" هو الذي يتحكم في انتقاء المشاهد ، وانما عليك ان تحكم ذوقك وتربيتك وثقافتك الدينية والاجتماعية من ناحية .

ومن ناحية اخرى عليك ان تراعي ضابط الوقت فلا تسرح في قضاء الساعات الطويلة حتى تغفو على الشاشة ، فلم تستيقظ الا بعد طلوع شمس اليوم الثاني ، مما يسبب الاختلال في برنامج حياتك ونظامها العملي والاجتماعي والغذائي والصحي ، وهي الكارثة التي اصيب بها شبابنا في الوقت الحاضر. اذ لم يستطع ان يوفق بين مسؤوليته في الحياة وبين حقه في الترويح عن نفسه .

وعندما تخرج في نزهة مع زملائك الى متنزه أو ملعب أو مسرح فانك ستلتقي ، بالكثير من الناس ، وسيقع نظرك على مشاهد الخلاعة والشذوذ ، ويستقبل سمعك الكثير من الاصوات والانغام والكلمات .

فانت غير مسؤول عما وقع عليه نظرك أو أستقبله سمعك ، ان صرفت نفسك وقلبك عنه ، فان قلبك وعقلك هما المحوران اللذان تدور عليهما المسؤولية –يا ولدي- فلتكن سياحتك في الارض للعبرة ومتعة للفكر ، واداء النصيحة .

[أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أو آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ] الحج/ 46 .

فلا تدع قلبك - يا ولدي- يعمى عن العبرة والتفكر في خلق الله عز وجل ويتفتح على مواقع الاغراء المحرمة ، وتستهويه حبائل الشيطان .. ولا تدع الساعة تلو الساعة تمر عليك وانت تسرح هنا وهناك وتنقل الخطى من مشهد الى مشهد حتى يمضي من الليل أو النهار اكثره ، فترجع تعباً فتضيع منك ساعات اخرى.

فاعرف يا ولدي أن الترفيه لا يعتبر هروباً من مسؤوليات الحياة، وانما هو وسيلة للاستعداد لمواجهة ضغوط الحياة وأتعابها التي تستجد في طريق أداء المسؤولية .

وعندما تمارس لعبة من الألعاب الرياضية أو الفنية فعليك ان تراعي فيها الضوابط الثلاثة المتقدمة .

فهناك من الالعاب المسلية التي استحدثت لها أدوات ، وهي بعد لم تتجذر أصولها وأدواتها في القمار ، كالأتاري والبليارد ، وحتى كرة القدم والسلة والمنضدة فهي غير ممنوعة شرعاً ما لم يدخلها (الرهن) وهو تغريم أحد الطرفين اللاعبين مادة معينة .

وهناك الأدوات التي تجذرت أصولها في القمار منذ القدم كالدوملة ، والطاولي ، والزار ، والشطرنج في رأي المشهور ، فان اللعب بها محرّم شرعاً برهن أو بدونه .

ولعلك تسأل – يا ولدي - ما الفرق بين هذا وذاك ، وكلها أدوات للعب ؟

أقول لك: ان هذا جزء من مسؤوليتك أمام التاريخ ، فان الاعمال والظواهر المتجذرة في عمق التاريخ تقع تحت مسؤوليتك، فانها أما ان تكون ايجابية تربوية فعليك ان تستفيد منها وتلتزمها.

وأما ان تكون سلبية فعليك ان تحاكمها وتصدر عليها قرارك بالرفض ، لأن مؤسسها طاغٍ أو متجبرّ أو متهتك .

فحرمها دينك بالنص [إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] والميسر هو القمار بعينه ، والذي راجت ادواته في تلك المجتمعات.

م- خاتمة المطاف معك يا ولدي

أيها الابن المسلم ، كنت المحطة الثالثة التي جرى عليها التطواف في مؤسسة الاسرة المسلمة ، ومن خلال الخطوط البيانية التي بيننا وبين اعضاء الاسرة المكرمين .

بقي ان اختم المطاف معك –يا ولدي- في رحاب القران والعترة ، الذين يمثل كل واحد منهما منهلاً صافياً يروي ظمأ الاسرة ، ومنهجاً صادقاً يترسمه كل فردٍ منها في نظام العشرة.

فلنهرع واياك الى هذين النبعين الصافيين الذين خلفهما فينا رسول الله5 فقال: (( اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض )) .

وان كان هذا خطاباً لكيان وهرم الأمة ، ولكن لا يبتني هذا الكيان ولا يثبت الهرم إلاّ على قواعده وأوتاده المتينة وهم أعضاء الأسر المسلمة ، التي يتوجب عليها أن تثبت صدق انتمائها لهذين الثقلين العظيمين الكتاب والعترة الطاهرة ، وذلك من خلال التعاهد الدائم :

اولاً : لمدرسة القران الكريم تلاوةً وحفظاً وفهماً واستيعاباً لمضامينه ومفاهيمه ، فالقران رسالة الله عز وجل اليك والرسالة تحكي شخصية المرسل ، أرأيت لو أتتك رسالة من صديق عزيز على قلبك ألا تحتضنها وتقبلها وتتلهف لما فيها لأنك ترى فيها شخصية صديقك ؟

فان من المؤسف - يا ولدي- أن نرى القران مهجوراً في أسرنا المسلمة، وهو الذي لو أنزل على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله تعالى ، وذلك لأننا لم ننزله بمعنى الكلمة على القلوب حتى تخشع وتتصدع من خشية الله .

وفي حديث للامام الصادقD: "لقد تجلى الله للخلق في كلامه ولكنهم لا يبصرون" .

فالقران – يا ولدي - هو الصديق الذي لا يخدعك ، والهادي الذي لا يضلك ، والامين الذي لا يخونك ، ودليلك على الخير ، وقائدك الى الجنة .

فلو قرأت من القران كل يوم عشر ايات لتضعها على ادواء الواقع بتفكر ، خير لك من ان تختم القران في الشهر مرة أو مرتين.. ولو انتقيت الايات التي تمس بحياتك وتناغم زوايا نفسك لكان أجدى من أن تقرأ القران متسلسلاً .

لأن القران كالبستان الذي فيه من كل ما تشتهي الانفس وتلذ الاعين ، ومن كل عنصر غذائي تحتاجه الحياة فهو بدرجة واحدة من الاهمية ، ولكن في كل يوم تأخذ من أي غصن ثمرة تلذ الى نفسك .

ثانياً : التعاهد لمدرسة أهل البيتF ، فعليك –يا ولدي- ان تلتزم حياتهم دراسةً واستنتاجاً واستيعاباً لمضامين ومعاني تاريخهم اللامع.

   فان من المؤسف - خلال الحقبة الزمنية الغابرة - خلقت الفجوة بين الاسرة المسلمة وبين ابطال وقادة التاريخ ورواد حضارة الاسلام، ومنبع اخلاق الامة .

فعلينا - يا ولدي - باعادة النظر في علومنا المستفادة ، وفي ثقافتنا واخلاقنا المكتسبة ، هل لها ما يؤيدها وهل لها ما يضفي عليها الشرعية والقبول من فكر المعصومين F وثقافتهم ؟ وهل حفظنا حديثاً أو نصاً أو حكمةً من حكمهم ونصوصهم ؟ لنرى هل صحيح انهم اهملوا هذا الواقع ولم يتعايشوا معه ، ولم يقدموا لادوائه وعاهاته علاجاً حتى نلجأ الى هذا أو ذاك من المصلحين الاجتماعيين، أو العلماء النفسانيين ، أو المشرعين للقوانين والنظم الاخلاقية ؟

فأينك عن حديث رسول الله5 القائل: "ما من شيء يقربكم من الله ويبعدّكم من النار إلاّ وأمرتكم به ، وما من شيء يبعدكم عن الله ويقربكم من النار إلاّ ونهيتكم عنه " .

فهو - يا ولدي - طبيب هذه الامة ، وربان سفينتها الى شاطئ الامن والسلام ، ومنقذها من الهلكة والضياع ، والذي كان يشخص الداء قبل وقوعه ، ويعطي له العلاج قبل ولوعه .

كما عن ابن مسعود عن النبي5 في وصية طويلة قال: (0سيأتي اقوام يأكلون طيب الطعام وألوانها ، ويركبون الدواب، ويتزينون بزينة المرأة لزوجها ، ويتبرجون تبرّج النساء، وزينتهم مثل زيّ الملوك الجبابرة هم منافقوا هذه الامة في آخر الزمان، شاربون بالقهوات ، لاعبون بالكعاب ، راكبون الشهوات، تاركون الجماعات ، راقدون عن العتمات ، مفرّطون في الغدوات. يقول الله تعالى [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا]الوسائل 15/343 .

وعن أبي عبد الله الصادقD ، قال : قال رسول الله 5: (سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم ، وتحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا لا يريدون بها ما عند ربهم ، يكون دينهم رياء لايخالطهم خوف ، يعمّهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم) الكافي 2/292-293 .

قال الامام عليD: (سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شيء أخفى من الحق ، ولا أظهر من الباطل ، ولا أكثر من الكذب على الله تعالى ورسوله ، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة ابور من الكتاب اذا تلي حق تلاوته ، ولا سلعة أنفق بيعاً ولا أغلى ثمناً من الكتاب اذا حرّف عن مواضعه وليس في العباد ولا في البلاد شيء هو أنكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر وليس فيها فاحشة انكر ولا عقوبة أنكى من الهُدى عند الضلال) الكافي8/386.

فمن خلال هذا وأمثاله – يا ولدي ممّا ورد في السنّة المطهرة لأهل البيتG ، التي حفلت ببيان واقع الامة سوف تعرف مدى عمق تعايش المعصومينF مع قضاياك على أبعد نقطة من وجودك... كما تعرف أنهمF ما كانوا يفكرون بأنفسهم ، ولا يعيشون لذواتهم ومصالحهم وإنّما خلقوا ليعشوا آمالك وآلامك.

وهذا من أعظم الأدلة على أن القادة المعصومينF  هم الأقدر على قيادة الحياة والتعامل مع مشاكلها ، لأن دراسة الواقع على أبعد مدياته من صفات رجل السياسة في الامة.

فهم ينطقون بوحي رسالتهم وآلهامها بما وهبهم الله عزَّ وجلَّ من عمق البصيرة ووضوح الرؤية من ناحية.

ومن ناحية أخرى - يا ولدي- يدل ذك على ان الرسالة التي يحملونها ويبلغونها هي الرسالة الكاملة الشاملة الصالحة للحياة ، لأنها لم تهمل جانباً من جوانب الحياة إلاّ وضعت له ما يناسبُه من الاحكام فاعلم يا ولدي أن ((ما من واقعة إلاّ ولله فيها حكم)) في الكتاب والعترة .

فأستقراؤك لهذه النصوص – يا ولدي- يضعك على جانب عظيم من الحذر ، ويشعرك بضرورة اللجوء الى جوهر الرسالة ومراجعة نفسك واصلاح أمرك على ضوئها أعانك الله على نفسك كما أعان الصالحين على أنفسهم ووفقنا وإياك لصالح الاعمال والصواب في الفعال.

والحمد لله رب العالمين.