كتاب الزكاة
الشيخ الأنصاري
[ 1 ]
كتاب الزكاة للشيخ الاعظم استاد الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى
الانصاري (قدس سره) اعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الاعظم
[ 2 ]
الكتاب: كتاب الزكاة المؤلف: الشيخ الاعظم الشيخ مرتضى الانصاري
قدس سره تحقيق: لجنة التحقيق الطبعة: الاولى - شوال 1415 صف الحروف: مؤسسة الكلام -
قم الليتوغراف: تيزهوش - قم المطبعة: باقري - قم الكمية المطبوعة: 2000 نسخة جميع
الحقوق محفوظة للامانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية
لميلاد الشيخ الانصاري قدس سره
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ 4 ]
برعاية قائد الثورة الاسلامية ولي أمر المسلمين سماحة آية الله
السيد الخامنئي " دام ظله الوارف " تم طبع هذا الكتاب
[ 5 ]
ز. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين. لم تكن الثورة الاسلامية بقيادة
الامام الخميني رضوان الله عليه حدثا سياسيا تتحدد آثاره التغييرية بحدود الاوضاع
السياسية إقيلمية أو عالمية، بل كانت وبفعل التغييرات الجذرية التي أعقبتها في
القيم والبنى الحضارية التي شيد عليها صرح الحياة الانسانية في عصرها الجديد حدثا
حضاريا إنسانيا شاملا حمل إلى الانسان المعاصر رسالة الحياة الحرة الكريمة التي بشر
بها الانبياء عليهم الصلاة والسلام على مدى التأريخ وفتح أمام تطلعات الانسان
الحاضر افقا باسما بالنور والحياة، والخير والعطاء. وكان من اولى نتائج هذا التحول
الحضاري الثورة الثقافية الشاملة التي شهدها مهد الثورة الاسلامية إيران والتي دفعت
بالمسلم الايراني إلى اقتحام ميادين الثقافة والعلوم بشتى فروعها، وجلعت من إيران،
ومن قم المقدسة بوجه خاص عاصمة للفكر الاسلامي وقلبا نابضا بثقافة القرآن وعلوم
الاسلام.
[ 6 ]
ح. ولقد كانت تعاليم الامام الراحل رضوان الله تعالى عليه
ووصاياه وكذا توجيهات قائد الثورة الاسلامية وولي أمر المسلمين آية الله الخامنئي
المصدر الاول الذي تستلهم الثورة الثقافية منه دستورها ومنهجها، ولقد كانت الثقافة
الاسلامية بالذات على رأس اهتمامات الامام الراحل رضوان الله عليه وقد أولاها سماحة
آية الله الخامنئي حفظه الله تعالى رعايته الخاصة، فكان من نتائج ذاك التوجيه وهذه
الرعاية ظهور آفاق جديد من التطور في مناهج الدراسات الاسلامية بل ومضامينها،
وانبثاق مشاريع وطروح تغييرية تتجه إلى تنمية وتطوير العلوم الاسلامية ومناهجها بما
يناسب مرحلة الثورة الاسلامية وحاجات الانسان الحاضر وتطلعاته. وبما أن العلوم
الاسلامية حصيلة الجهود التي بذلها عباقرة الفكر الاسلامي في مجال فهم القرآن
الكريم والسنة الشريفة فقد كان من أهم ما تتطلبه عملية التطوير العلمي في الدراسات
الاسلامية تسليط الاضواء على حصائل آراء العباقرة والنوابغ الاولين بمحاولة جادة
وجديد لعرض آرائهم وأفكارهم على طاولة البحث العلمي والنقد الموضوعي، ودعوة أصحاب
الرأي والفكر المعاصرين إلى دراسة جديدة وشاملة لتراث السلف الصالح من بناة الصرح
الشامخ للعلوم والدراسات الاسلامية ورواد الفكر الاسلامي وعباقرته. وبما أن الامام
المجدد الشيخ الاعظم الانصاري قدس الله نفسه يعتبر الرائد الاول للتجديد العلمي في
العصر الاخير في مجالي الفقه والاصول - وهما من أهم فروع الدراسات الاسلامية - فقد
اضطلعت الامانة العامة لمؤتمر الشيخ الاعظم الانصاري - بتوجيه من سماحة قائد الثورة
الاسلامية
[ 7 ]
ط. آية الله الخامنئي ورعايته - بمشروع إحياء الذكرى المئوية
الثانية لميلاد الشيخ الاعظم الانصاري قدس سره وليتم من خلال هذه المشروع عرض مدرسة
الشيخ الانصاري الفكرية في شتى أبعادها وعلى الخصوص إبداعات هذه المدرسة وإنتاجاتها
المتميزة التى جعلت منها المدرسة الام لما تلتها من مدارس فكرية كمدرسة الميرزا
الشيرازي والآخوند الخراساني والمحقق النائيني الحديثة على صعيد الفقه الاسلامي
واصوله. وتمهيدا لهذا المشروع فقد ارتأت الامانة العامة أن تقوم لجنة مختصة من
فضلاء الحوزة العلمية بقم المقدسة بمهمة إحياء تراث الشيخ الانصاري وتحقيق تركته
العلمية وإخراجها بالاسلوب العلمي اللائق وعرضها لرواد الفكر الاسلامي والمكتبة
الاسلامية بالطريقة التي تسهل للباحثين الاطلاع على فكر الشيخ الانصاري ونتاجه
العلمي العظيم. والامانة العامة لمؤتمر الشيخ الانصاري إذا تشكر الله سبحانه وتعالى
على هذا التوفيق تبتهل إليه في أن يديم ظل قائد الثورة الاسلامية ويحفظه للاسلام
ناصرا وللمسلمين رائدا وقائدا وأن يتقبل من العاملين في لجنة التحقيق جهدهم العظيم
في سبيل إحياء تراث الشيخ الاعظم الانصاري وأن يمن عليهم بأضعاف من الاجر والثواب.
أمين عام مؤتمر الشيخ الاعظم الانصاري محسن العراقي
[ 9 ]
ك. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بعث الانبياء إلى
الامم لتطهيرها وتزكيتها بالايمان، والصلاة والسلام على صفوة خلقه وخاتم أنبيائه
محمد وآله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وبعد: فبين أيدينا كتاب
الزكاة الذي يمثل حلقة أخرى من سلسلة تراث الشيخ الاعظم الانصاري قدس سره. والكتاب
غني عن التعريف، فهو يحمل بين طياته نظريات المؤلف قدس سره التي باتت محط أنظار
العلماء والمحققين، ولا يكاد يستغني عنها فقيه أو طالب علم. ونحن إذ نشكر الله
تعالى على توفيقه لانجاز تحقيق الكتاب وإخراجه بالشكل المناسب، نسأله تعالى أن
يوفقنا لاكمال المشروع خدمة للحوزات العلمية، في ظل ألطاف الامام الحجة المنتظر
أرواحنا له الفداء. ولاجل أن يكون القراء الكرام على علم بخصوصيات الكتاب ومراحل
التحقيق، نشير فيما يلي إلى النقاط التالية:
[ 10 ]
ل. أولا - خصوصيات الكتاب: يشتمل الكتاب الحاضر على قسمين:
القسم الاول - شرح إرشااد الاذهان: وهو شرح مزجي للمقصد الاول من الزكاة من كتاب "
إرشاد الاذهان للعلامة الحلي قدس سره، حيث يتضمن البحث عن شرائط الوجوب ووقته.
القسم الثاني - مسائل مستقلة: وهذا هو القسم الاعظم من الكتاب، ويتكون من عدة مسائل
مستقلة بلغ مجموعها ستين مسألة، ترتبط ثمان وأربعون مسألة منها بزكاة الاموال،
واثنتي عشرة مسألة بزكاة الفطرة. ثانيا - النسخ المعتمد عليها: النسخ المعتمد عليها
في تحقيق الكتاب هي كالآتي: ألف - نسخة خطية من مكتبة " ملك " برقم (6089)، تقدمت
بمصورتها - مشكورة - المكتبة الرضوية بمشهد، وعدد أوراقها (57 ورقة = 114 صفحة)
بمقياس (13 - 21 سم)، وفي كل صفحة (26 سطرا)، وهي ضمن مجموعة تحتوي على كتابي الصوم
والخمس. جاء في آخرها: " قد تم ما رقمه قدس سره في باب الزكاة آجره الله تعالى على
ما فعل "، وهي نسخة جيدة كتبت من نسخة استنسخت من نسخة الاصل بدقة.
[ 11 ]
م. ورمزنا لهذه النسخة ب " م ". ب - نسخة خطية ثانية وقفنا
عليها في مكتبة المدرسة الفيضية بقم المقدسة، وتقدمت بمصورتها ادارة المكتبة
مشكورة، وهي في (174) صفحة بمقياس (11 - 15 سم)، وفي كل صفحة (18) سطرا، ضمن مجموعة
تحتوي على كتابي الصوم والخمس أيضا. جاء في أولها: " هذه الاجزاء مما كتبها الشيخ
الاجل الاستاذ المقتدى الحاج [ ال ] شيخ مرتضى نور الله مرقده في الزكاة، شارحا
للارشاد، وقد استنسخت المنتسخ من الاوراق التي كانت بخطه الشريف، ثم كتبت هذه منها
". وجاء في آخرها: " إلى هنا وجدنا من كتابته قدس الله روحه في الزكاة بعد الفحص
والجد والاجتهاد، وأطلب التوفيق من الله لكتابة الخمس والصوم ". وجاء فيها أيضا:
"... وتم الغرة من ربيع الثاني عام السادس والثمانين بعد المائتين والالف ". ورمزنا
لهذه النسخة ب " ف ". ج - نسخة حجرية مطبوعة عام (1298 ه) ضمن كتاب الطهارة
للشيخ الانصاري قدس سره. ورمزنا لها ب " ج ". د - نسخة حجرية اخرى مطبوعة عام
(1303 ه) ضمن كتاب الطهارة أيضا، وتمتاز بتصحيحات مفيدة. ورمزنا لها ب " ع ".
[ 12 ]
ن. ثالثا - طريقة التحقيق: كانت الطرقة المتخذة في تحقيق هذا
الكتاب - كغيره غالبا - على النحو التالي: 1 - المقابلة: فقوبلت النسخ المتقدمة " م
" و " ف " و " ع " و " ج " بعضها على بعض، وسجلت موارد اختلافها على يد مجموعة من
الاخوة. 2 - الاستخراج: وقد تم الاستخراج في مرحلتين: المرحلة الاولى - الاستخراج
الابتدائي: حيث استخرجت الاقوال والمصادر استخراجا ابتدائيا. المرحلة الثانية -
مراجعة تلك الاستخراجات مراجعة دقيقة. 3 - تقويم النص وتنظيمه. 4 - صياغة الهوامش
صياغة فنية. 5 - المراجعة النهائية. ولابد من الاشارة إلى أن هذا الكتاب - كغيره من
كتب الشيخ الاعظم - لم تخل نسخه من تشويش واضطراب، ولقد بذلنا قصارى جهدنا لرفع ذلك
منه بما أمكن وإخراجه بالصورة اللائقة. شكر وتقدير: ونتقدم بالشكر والتقدير لكل من
ساهم في إخراج الكتاب بالشكل الحاضر، ونخص بالذكر: 1 - سماحة حجة الاسلام والمسلمين
الشيخ علي جاودان، وحجة الاسلام والمسلمين السيد علي أصغر الموسوي القوچاني، حيث
قاما بتحقيق القسم الاول من كتاب الزكاة وهو " شرح الارشاد " نرجو لهما من الله
[ 13 ]
س. تعالى مزيد التوفيق لخدمة فقه أهل البيت عليهم السلام. 2 -
حجة السلام والمسلمين السيد محمد موسوي نيا، وحجة الاسلام والمسلمين السيد يحيى
الحسيني، وحجة السلام والمسلمين الشيخ المرتضى الواعظي حيث اشتركوا في تحقيق القسم
الثاني من الكتاب. 3 - حجة الاسلام والمسلمين صاحب الفضيلة الشيخ محمد باقر حسن
پور، وحجة الاسلام والمسلمين السيد محمد جواد الحسيني الجلالي اللذين قاما بتقويم
نص القسم الثاني ومراجعته. 4 - حجة الاسلام السيد هادي العظيمي الخوانساري، الذي
بذل جهدا واسعا في تنظيم الفهارس، ومراجعة الكتاب من الناحية الفنية. فلهؤلاء
ولغيرهم - جميعا - ممن ساهم في الكتاب جزيل الشكر والثناء، ونرجو لهم منه تعالى
مزيد التوفيق لخدمة الدين وإعلاء كلمته. وينبغي أن لا ننسى فضل مؤسسة آل البيت
عليهم السلام في تحضيرها مصورات بعض المخطوطات من المكتبة الرضوية (آستان قدس)
ومكتبة " ملك "، فنسأله تعالى أن يجعلها معمورة بخدمة مذهب أهل البيت عليهم السلام.
وختاما نسأل الله تعالى أن يتغمد إمام الامة الراحل الامام الخميني قدس سره برحمته
الواسعة، ويحفظ ولي أمر المسلمين آية الله السيد علي الخامنئي دام ظله ليحمي به
الدين، ويدفع به كيد الكافرين، إنه قريب مجيب. مسؤول لجنة التحقيق محمد علي
الانصاري
[ 15 ]
صورة الصفحة الاولى من كتاب الزكاة (شرح الارشاد) من نسخة (ف)
[ 16 ]
صورة الصفحة الاخيرة من كتاب الزكاة (شرح الارشاد) من نسخة (ف)
[ 17 ]
صورة الصفحة الاولى من كتاب الزكاة (مسائل مستقلة) من نسخة (ف)
[ 18 ]
صورة الصفحة الاخيرة من كتاب الزكاة (مسائل مستقلة) من نسخة (ف)
[ 19 ]
صورة الصفحة الاولى من كتاب الزكاة (شرح الارشاد) من نسخة (م)
[ 20 ]
صورة الصفحة الاخيرة من كتاب الزكاة (شرح الارشاد) من نسخة (ف)
صورة الصفحة الاولى من كتاب الزكاة (مسائل مستقلة) من نسخة (ف)
[ 21 ]
صورة الصفحة الاخيرة من كتاب الزكاة (مسائل مستقلة) من نسخة (م)
[ 1 ]
شرح ارشاد الاذهان
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
[ 3 ]
وهي في اللغة بمعنى النمو، والطهارة، والصلاح (1)، قيل: ومن
الاول قوله تعالى: { ذلكم أزكى لكم وأطهر } (2) وقوله تعالى: { تطهرهم وتزكيهم بها
} (3) بناء على ترجيح التأسيس على التأكيد (4). وأما الثاني فكثير (5). وأما (6)
الثالث قوله تعالى: { خيرا منه زكوة وأقرب رحما } (7). وفي الشرع، أو عند أهله -
على ما عرفه الاكثر -: قدر مخصوص يطلب إخراجه من المال بشروط مخصوصة (8). وعن
المبسوط: أنه إخراج ذلك القدر (9)، وعن الفائق أنها من
(1) لسان العرب 6: 65 - 64 مادة " زكا "،
النهاية لابن الاثير 2: 307، وذكر من معانيه: البركة والمدح (2) البقرة: 2 / 232.
(3) التوبة: 9 / 103 (4) والا كان بمعنى التطهير ايضا. (5) منه قوله تعالى: { يتلو
عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } آل عمران: 3 / 164، الجمعة: 62 / 2.
(6) في " ج " و " ع ": من الثالث. (7) الكهف: 18 / 81. (9) المبسوط 1: 19.
[ 4 ]
الالفاظ المشتركة بين العين والمعنى، كلفظ الذكاة في قوله عليه
السلام: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " (1) واستشهد له بقوله تعالى: { والذين هم للزكوة
فاعلون (2) } (3) وفي التنظير بلفظ ذكاة نظر، فإن الظاهر أن لفظ الذكاة لم يستعمل
في العين أصلا، وفي الاستشهاد منع (4) كون الزكاة هنا بمعنى التزكية. والاولى
التنظير بلفظ الصدقة والاستشهاد بقوله تعالى: { وأوصاني بالصلوة والزكوة } (5) إن
لم يحمل على العمل الصالح. ثم المعنى الشرعي مناسب للمعاني اللغوية الثلاثة، لان
الزكاة ينمي المال وينمو ثوابه، ويطهره عن الخبث الحاصل من وجود الشبهة فيه، ومن
الرذالة الحاصلة فيه عند المنع، وصاحبه عن إثم المنع ورذيلة الشح، ويصلح المال
والعمل والنفس، كل ذلك مستفاد من الاخبار (6). ثم إن المذهب قد استقر على عدم وجوب
حق في المال سواى الزكاة المالية والفطرة، وربما يحكى عن ظاهر كلام الصدوق رحمه
الله ما يستفاد من كثير من الاخبار: من وجوب حق يفرضه الرجل على نفسه في كل يوم أو
اسبوع أو شهر على قدر وسعه (7). ولكن من نظر في تلك الاخبار بعين الاعتبار
(1) الوسائل: 16: 271 الباب 18 من ابواب
الذبائح، الحديث 12. (2) المؤمنون: 23 / 4. (3) في " الفائق في غريب الحديث " 1:
536: وهي من الاسماء المشتركة تطلق على عين - وهي الطائفة من المال المزكى بها -
وعلى معنى - وهو الفعل الذي هو التزكية - كما أن الذكاة هي التذكية في قوله صلى
الله عليه وآله: " ذكاة الجنين ذكاة امه ". (4) في بعض النسخ: مع. (5) مريم: 19 /
13. (6) راجع الوسائل 6: الباب 1 و 2 و 3 و 4 و 5 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. (7)
الفقيه: 2: 48 باب الحق المعلوم الحديث 1666، والحاكي هو المحقق السبزواري قدس سره
في الذخيرة: 420، وانظر الجواهر 15: 10.
[ 5 ]
يقطع (1) بسياقها مساق الاستحباب، بل لا يبعد ذلك أيضا في كلام
الصدوق. نعم حكي عن الشيخ في الخلاف (2): وجوب حق الحصاد مدعيا عليه الاجماع
والاخبار، ونفى عنه البعد المرتضى رحمه الله (3) للآية (4) والاخبار الكثيرة (5).
والاقوى استحباب ذلك أيضا كما سيجئ في زكاة الغلات ان شاء الله تعالى (6). " و "
تحقيق مطالب هذا الباب يتوقف على " النظر في أمور ثلاثة ": (7)
(1) في " ف " و " ج " و " ع ": يعطى. (2) الخلاف
2: 5. (3) الانتصار 76. (4) وهي قوله تعالى: { واتوا حقه يوم حصاده } الانعام: 6 /
141. (5) الوسائل 6: 134 الباب 13 من ابواب زكاة الغلات. (6) في " ف " و " ج " و "
ع " زيادة: من الاخبار. (7) من هنا يبدأ شرح " ارشاد الاذهان ". الاول: في زكاة
المال
[ 7 ]
الاول: في زكاة المال
[ 9 ]
" وفيه مقاصد " المقصد " الاول: في شرائط الوجوب ووقته " و "
إنما تجب على العاقل البالغ لحر المالك للنصاب المتمكن من التصرف، فلا زكاة على
الطفل " في نقديه إجماعا إلا ما يظهر من ظاهر إطلاق ابن حمزة (1) وهو محمول أو شاذ
لاستفاضة حكاية الاجماع، ورواية الاخبار على خلافه (2)، مع كفاية الاصل في المقام.
وقد يستدل: بأنها تكليف منفي عن الصبي، وفيه: أن الخطاب حينئذ (3) للولي كالاستحباب
إذا اتجر بماله. ثم إن ظاهر أخبار المسألة مثل قوله عليه السلام: " ليس على مال
اليتيم
(1) الوسيلة: 121. (2) في " ف ": كفاية. (3) ليس
في " ف " و " ج " و " ع ": حينئذ.
[ 10 ]
زكاة " (1) هو عدم تعلق الزكاة بهذا العنوان، فلا يجري في الحول
ما دام كونه مال اليتيم نظير قوله عليه السلام: " ليس على المال الغائب صدقة، ولا
على الدين صدقة حتى يقع في يديك " (2)، وغير ذلك من العنوانات التي نفى الشارع
الزكاة عنها، فلا يكفي بلوغه في آخر حول التملك بلا خلاف ظاهرا. وما في الكفاية: من
الاشكال في حكم المتأخرين باستئناف الحول عند البلوغ (3)، في غير محله. نعم قد
يستدل للمشهور ربما دل على اعتبار حول الحول على المال في يد المالك (4)، والصغير
ليس له يد. وفيه ما لا يخفى، فإن تلك الادلة تدل على اعتبار التمكن من التصرف في
مقابل الغائب والمفقود والمغصوب، ولا ريب أن تمكن الولي كتمكن الوكيل، ولذا تجب
الزكاة على السفيه إجماعا، وتستحب الزكاة في غلات الطفل ومال تجارته بل ومواشيه -
مع اعتبار الشروط كلا في الزكاة المستحبة كالواجبة - فكل (5) من الصغر والجنون مانع
مستقل غير العجز عن التصرف كما لا يخفى. وقريب منه في الضعف، التمسك برواية أبي
بصير: " ليس في ماله اليتيم زكاة، ولا عليه صلاة، وليس على جميع غلاته من نخل أو
زرع أو غلة زكاة، وإن بلغ (6) فليس عليه لما مضى زكاة، ولا عليه لما يستقبل زكاة
حتى يدرك، فإذا أدرك
(1) الوسائل 6: 55 الباب الاول من ابواب من تجب
عليه الزكاة، الحديث 6. (2) الوسائل 6: 62 الباب 5 من ابواب من تجب عليه الزكاة،
الحديث 6. وفي بعض النسخ: يدك (3) كفاية الاحكام: 34. (4) الوسائل 6: 63 الباب من
أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 و 3، والصفحة 82 الباب 8 من أبواب زكاة الانعام،
الحديث 1 و 2 و 3، والصفحة 115 الباب 15 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3. (5)
في " ف " و " ج " و " ع ": وكل. (6) في " ع ": بلغ اليتيم.
[ 11 ]
كان عليه زكاة (1)، ثم كان عليه مثل ما على غيره من الناس..
الحديث " (2) بناء على أن الموصول في قوله: " لما مضى " يشمل الاحوال المتعددة،
والحول الواحد إلا أياما (3): إذا الظاهر أن المراد بالموصول: الزمان المستقبل في
إستحباب الزكاة لولا الصغر، لا مطلق الزمان الماضي، ولذا يقبح أن يقال: ليس عليه -
لليوم الماضي، أو للشهر الماضي - زكاة، فالمراد: الحول الذي هو السبب في إيجاب
الزكاة لولا المانع. " ولا " تجب أيضا " على المجنون مطلقا " لا في نقديه، ولا في
غيرهما " على رأي " سيجئ تقويته. وإطلاق العبارة كغيرها، بل المحكي عن جميع الاصحاب
من المفيد إلى زمان المصنف قدس سره: عدم التعرض للمطبق وذي الادوار منه، وصرح
المصنف في التذكرة وغيرها على ما حكي: بأنه يستأنف الحول (4) حين الاقامة (5)،
ولعله لما ذكرنا: من أن المستفاد من النصوص الآتية والفتاوى النافية للزكاة في مال
المجنون أن هذا العنوان لا تتعلق به الزكاة، كمال الغائب، والدين، والمفقود، وغيرها
مما لا تتعلق به الزكاة بمعنى عدم ملاحظة شروط الزكاة فيه، فلا يجري في الحول مادام
كذلك، مع أن ظاهر كلام أصحاب من اشتراط وجود الشرائط طول (6) الحول كالصريح في ذلك،
وبذلك يندفع نظير ما يقال في الطفل: من أنه لا مانع من توجه الخطاب إليه بعد
الافاقة والبلوغ، نعم يتوجه هذا في المغمى عليه، حيث انه لم يرد دليل على عدم تعلق
الزكاة بمال المغمى عليه حتى يلحق
(1) في " ع " والمصدر زيادة: واحدة. (2) الوسائل
6: 56 الباب الاول من ابواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11 مع اختلاف يسير،
والتهذيب 4: 29 الباب 8. من ابواب زكاة الاطفال، الحديث 73. (3) في النسخ زيادة:
الحديث، والظاهر انها سهو، راجع المستمسك 9: 6. (4) في " م ": من حين الافاقة. (5)
تذكرة الفقهاء 1: 201 وحكاه عنه في الذخيرة: 421. (6) في " ف " و " ج " و " ع ":
بحول.
[ 12 ]
بالمجنون كما عن المصنف قدس سره في التذكرة وغيرها (1). وربما
يستدل بأنه غير متمكن من التصرف، وفيه نظر، فالحكم بالسقوط فيه مشكل، ولذا اختار
عدمه في المدارك (2) والكفاية (3). وأما النائم والساهي وشبههما فالظاهر: عدم
منعهما ابتداء واستدامة وإن خرجا عن المتعاد. " ويستحب لمن اتجر بمالهما " أي الصبي
والمجنون " بولاية لهما اخراجها " عند اجتماع شروط زكاة (4) التجارة، بلا خلاف أجده
في الطفل. وعن المعتبر وغيره: الاجماع عليه (5)، لاخبار كثيرة ظاهرها كعبارة
المقنعة (6): الوجوب، إلا أن الكل محمول على الاستحباب، بقرينة الاخبار الصريحة في
نفي الوجوب، مضافا إلى ما سيجئ من استحباب زكاة التجارة على البالغين، وفاقا لما
صرح به المفيد رحمه الله (7) وهو دليل على إرادته هنا: الاستحباب المؤكد، كما حمله
عليه الشيخ في التهذيب (8). وحمل تلك الاخبار على التقية لا ينافي إرادة الاستحباب،
لان التقية تتأدى بظهور الكلام في الوجوب الذي هو مذهب المخالفين [ في مال التجارة
] (9)،
(1) تذكرة الفقهاء 1: 201، نهاية الاحكام 2:
300. (2) مدارك الاحكام 5: 16. (3) كفاية الاحكام: 34، وفي " ع " و " م ": واستجوده
في المناهل. (4) كذا في " ع " و " م "، ولكنها غير موجودة في " ف " و " ج ". (5)
المعتبر 2: 487، نهاية الاحكام 1: 299 وحكاه في مفتاح الكرامة 3: 6 (كتاب الزكاة)
والمستند 2: 6. (6) المقنعة: 236. (7) راجع المقنعة: 247. (8) تهذيب الاحكام 4: 27.
(9) الزيادة من " ع " و " م ".
[ 13 ]
وإرادة الاستحباب بقرينة خارجية. وبما ذكرنا يظهر ضعف ما حكي عن
الحلي (1)، والمدارك (2) من عدم الاستحباب. والمراد بالطفل هو المولود إلى أن يبلغ،
فلا يصدق على الجنين، مضافا لى دعوى الاجماع في الايضاح (3) على عدم ثبوت الحكم -
هنا - للحمل قبل الانفصال. ثم إن الخسارة الحاصلة من التجارة على اليتيم، للاصل
وقاعدة عدم ضمان المأذون والمحسن، ورواية الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي
الربيع - وهو غير موثق، لكن له كتاب يرويه (4) ابن مسكان - قال: " سئل أبو عبد الله
عليه السلام عن رجل في يده مال لاخ له يتيم، وهو وصيه، أيصلح له أن يعمل به ؟ قال:
نعم يعمل به كما يعمل بمال غيره والربح بينهما، قال: قلت: فهل عليه ضمان ؟ قال: لا
إذا كان ناظرا له " (5)، خلافا للمحكي عن جماعة (6) من تضمين الولي، لاطلاق بعض
الاخبار (7) المقيد بصورة عدم الولاية، أو تقصير الولي. ويستفاد من الرواية وغيرها،
جواز أخذ الولي الاجرة [ خلافا للمحكي عن الحلي (8) ] (9).
(1) السرائر 1: 441، وحكاه في مفتاح الكرامة 3:
6 (كتاب الزكاة). (2) مدارك الاحكام 5: 18. (3) ايضاح الفوائد 1: 167. (4) في
النسخ: مروية، والظاهر انها تصحيف. (5) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه
الزكاة، الحديث 6. (6) راجع الفقيه 2: 9، والمقنعة: 238، وحكاه في مفتاح الكرامة 3:
6 و 7 (كتاب الزكاة) عنهما وعن غيرهما. (7) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب
عليه الزكاة، الحديث 7. (8) راجع السرائر 2: 211. (9) ما بين المعقوفتين من " م ".
[ 14 ]
وأما المجنون فالمشهور أيضا الاستحباب في مال تجارته، بل عن
المعتبر (1)، والمنتهى (2): أن عليه علماءنا أجمع. ويدل عليه صحيحة ابن الحجاج: "
قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إمرأة من أهلنا مختلطة، لها مال، عليها زكاة ؟
قال: إن كان عمل به (3) فعليها زكاة، وإن لم يعمل به فلا " (4). ومثلها خبر موسى بن
بكر: " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن إمرأة مصابة، ولها في يد أخيها مال ؟
فقال عليه السلام: إن - كان أخوها يتجر به فعليه زكاة (5) " (6). والكلام في كون
الربح للمجنون والخسران عليه، كما تقدم في الصبي. " وإن اتجر " بمال الطفل أو
المجنون متجر " لنفسه " بأن نقل المال إلى نفسه بناقل كالقرض " و " نحوه فإن " كان
وليا مليا، فالربح له " (7) لانه نماء ملكه، كما أن الخسران " والزكاة المستحبة
عليه " بلا خلاف في ذلك كما ذكره غير واحد، ولا إشكال بعد فرض جواز نقل مال الطفل
إلى الولي الملي بالاقتراض ونحوه، والمعروف جوازه وإن لم يكن فيه بالاقتراض ونحوه،
والمعروف جوازه وإن لم يكن فيه مصلحة لليتيم، للاخبار الكثيرة:
(1) المعتبر 2: 487. (2) منتهى الطلب 1: 471.
(3) العبارات مختلفة في النسخ. (4) الوسائل 6: 59 الباب 3 من ابواب من تجب عليه
الزكاة، الحديث الاول. (5) في بعض النسخ: تزكيته. (6) الوسائل 6: 59 الباب 3 من
ابواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2. (7) في الارشاد 1: 278: " ولو اتجر لنفسه وكان
وليا مليا كان الربح له ".
[ 15 ]
منها صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام: " في
رجل ولى مال يتيم، أيستقرض منه ؟ قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يستقرض من مال
أيتام كانوا في حجره " (1). ونحوها رواية أخرى حاكية لاستقراضه عليه السلام (2)
ظاهرة في إرادة بيان الجواز الذي هو محل حاجة السائل دون مجرد الحكاية. ورواية
منصور الصقيل: " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مال اليتيم يعمل به ؟ قال:
إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال، وان كان لا مال لك وعملت به
فالربح للغلام وأنت ضامن [ للمال ] " (3). وما عن الكافي، عن البزنطي، عن أبي الحسن
عليه السلام: " قال سألته عن الرجل يكون في يده مال لايتام فيحتاج إليه فيمد يده
فيأخذه وينوي أن يرده ؟ فقال: لا ينبغي له أن يأكل إلا القصد، ولا يسرف، فان كان من
نيته أن لا يرده [ عليهم ] فهو بالمنزل الذي قال الله عزوجل: { إن الذين يأكلون
أموال اليتامى ظلما.. الآية } (4). وخالف في ذلك الحلي، فقال - فيما حكي عنه -: "
إنه لا يجوز للولي التصرف في مال الطفل إلا بما يكون فيه صلاح المال، ويعود نفعه
إلى الطفل دون المتصرف فيه، وهذا الذي تقتضيه اصول المذهب " (5) ويظهر ذلك من
المحكي عن المبسوط أيضا، قال: ومن يلي أمر الصغير والمجنون خمسة: الاب
(1) الكافي: 5: 131، الحديث 6. (2) الكافي 5:
131، الحديث 5، وعنه الوسائل: 12: 192 الباب 76 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الاول.
(3) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7، والزيادة من
المصدر. (4) الكافي 5: 128 الحديث 3، وعنه الوسائل 12: 192 الباب 76 من أبواب ما
يكتسب به، الحديث 2 والآية من سورة النساء: 4 / 10. (5) السرائر 1: 441 وحكاه في
مفتاح الكرامة 3: 6 (كتاب الزكاة).
[ 16 ]
والجد ووصي الاب والجد والامام عليه السلام (1) ومن يأمر الامام
- ثم قال: - فكل هؤلاء الخمسة لا يصح تصرفهم إلا على وجه الاحتياط والحظ (2)
للصغير، لانهم إنما نصبوا لذلك، فإذا تصرف فيه على وجه لا حظ فيه كان باطلا، لانه
خلاف ما نصب له (3) (انتهى). ويؤيد ذلك: أن نقل المال إلى الذمم معرض للتلف
بالاعسار أو الانكار أو الموت أو غير ذلك مما يغلب على الاحتمالات القائمة في صورة
بقاء العين، ولذا يظهر من المسالك (4) في باب الرهن: التردد في جواز اقتراض الولي
مال الطفل، ثم حكى عن التذكرة (5): اشتراط جواز الاقتراض بالمصلحة مضافا إلى
الولاية والملاءة. وكيف كان فالقول بالمنع، وإلحاق اقتراض الولي لنفسه بإقراضه
لغيره - الذي اتفقوا ظاهرا على أنه لا يجوز مع المصلحة - قوي، إلا أن العمل بتلك
الاخبار المجوزة المنجبرة بما حكي لعله أقوى. وربما يدعى الجواز بناء على أن أصل
جعل المال في ذمة الولي الملي مصلحة، فيجوز. وفيه نظر ظاهر، ولذا منعوا من جواز
إقراض الولي إياه لغيره وإن كان غنيا (6) إلا مع خوف التلف ونحوه (7).
(1) في " ع ": والحاكم ومن يأمره. (2) في " م ":
أو الحظ. (3) المبسوط 2: 200 (كتاب الرهن). (4) المسالك 1: 182: (كتاب الرهن). (5)
تذكرة الفقهاء 2: 80 مسألة الضابط في تصرف المتولي و 81 مسألة قرض مال الطفل
والمجنون. (6) في " م ": مليا. (7) في هامش " م " ما يلي: هنا بياض بقدر أسطر.
[ 17 ]
ثم المراد بالملاءة ما تضمنته رواية أسباط بن سالم - المروية في
الكافي -: " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كان لي أخل هلك فوصى إلى أخ أكبر
مني، وأدخلني معه في الوصية، وترك إبنا له صغيرا وكان له مال، أفيضرب به أخي فما
كان له من فضل سلمه لليتيم وضمن له مال ؟ فقال: إن كان لاخيك مال يحيط بمال اليتيم
إن تلف فلا بأس به، وإن لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم " (1). وفي رواية اخرى
لاسباط: " إن كان لاخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شئ غرمه له، وإلا فلا
يتعرض لمال اليتيم " (2). وفيها دلالة على أن الغرض من اعتبار المال المحيط هو
تعجيل الغرامة له عند التلف، وإلا فأصل الغرامة تجب على المتصوف المعسر أيضا عند
الاسار، وحينئذ فيمكن القول بالاكتفاء في الملاءة بمجرد الاطمئنان بتحقق الغرامة
عند التلف ولو بسبب كونه وجيها يقرضه الناس، أو يرهنون له عند من يقرضه، أو يطمئن
بحصول الهدايا أو الزكوات أو الاخماس له ونحو ذلك، ولعل إليه يرجع ما عن المسبوط
(3) والنهاية (4) من ضمانه، ولكن عن جماعة: اعتبار أن يكون له مال بقدر مال الطفل،
(5) وزاد في المسالك (6): كونه فاضلا عن المستثنيات في الدين. والاولى: التقييد
بقابلية المال لوجوب الغرامة منه، ليخرج مع المستثنيات الممنوع من التصرف منه شرعا
أو عقلا أيضا. " ولو فقد " المتجر من شرطي الولاية والملاءة " أحداهما " فإن كان
الاول " كان ضامنا "، لحرمة التصرف في مال الغير بغير الولاية الشرعية المفروض
) (1) (2) الوسائل 12: 190 الباب 75 من أبواب ما
يكتسب به، الحديث 1 و 4. (3) المبسوط 1: 234. (4) النهاية 361. (5) مفتاح الكرامة
3: 7 (كتاب الزكاة). (6) المسالك 1: 39.
[ 18 ]
فقدها في المقام، فيلزمه الضمان، لادلة ضمان اليد العادية. ولو
كان في التصرف مصلحة وتعذر استئذان الولي، ففي الكفاية (1): لا يبعد الجواز. قلت:
أما الجواز مع الاضطرار إلى التصرف المذكور فمما لا ريب فيه، لانه ولي حينئذ، لعموم
ما دل على جواز التصرف مع المصلحة من الكتاب والسنة، خرج صورة التمكن من الرجوع إلى
الولي لادلة ولايته، بل الظاهر أن هذا مما لا خلاف فيه. واما الجواز مع عدم
الاضطرار - الذي هو مراد الكفاية ظاهرا، ووافقه في المناهل (2) حاكيا له عن جده
رحمه الله في شرح المفاتيح (3) - ففيه إشكال: من عموم الكتاب والسنة المستفيضة في
عموم جواز التصرف مع المصلحة، ومن أن ظاهر الاصحاب انحصار التصرف في الولي كما
اعترف به في شرح المفاتيح، على ما حكي. ويؤيده ما تقدم من رواية أبي الربيع (4)
المتقدمة الدالة بمفهموها على الضمان إذا لم يكن المتجر ناظرا لليتيم، إلا أن يحمل
النظارة فيها على النظر في المصلحة والمداقة فيها، في مقابل المسامحة والتقصير.
ويؤيده أن مورد الرواية كون العامل وصيا فلا معنى للتفصيل بين الوصي وغيره، اللهم
إلا أن يرجع إلى التفصيل بين كونه وصيا على الطفل وغيره، أو يكون الشرط مسوقا لبيان
علة الحكم، يعني: أنه حيث فرض كون العامل ناظرا لليتيم فلا ضمان عليه. وأما حكم
الربح وزكاة التجارة فتوضيحه: أن العامل إما أن يكون قد
(1) كفاية الاحكام: 34. (2) لم نقف عليه في
المناهل. (3) وهو مصابيح الظلام للوحيد البهبهاني (مخطوط). (4) الوسائل 6: 58 الباب
2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.
[ 19 ]
اشترى بعين مال الطفل، أو بالذمة (1) ودفع مال الطفل عوضا عما
في ذمته، فإن اشترى بالعين وأجاز ولي الطفل فالربح له، ويخرج العامل عن الضمان سواء
كان الشراء لنفسه أو للطفل، إذ لا فرق في قابلية صرف العقد إلى المالك بين قصد
العاقد نفسه أو المالك، كما صرح به جماعة في عقد الفضولي. وإن لم يجز الولي فمقتضى
قاعدة الفضولي: بطلان المعاملة إلا إذا فرض المصحلة في البيع وجورنا التصرف مع
المصلحة، وتعذر استئذان الولي، فإن العقد حينئذ يقع لازما يقدح فيه رد الولي بعد
الاطلاع، إلا أن يكون تيسر استيجار الولي كتيسر استئذانه، فيقع العقد معه موقوفا.
وكيف كان فإجراء أحكام الفضولي متجه، إلا أن ظاهر كثير من الروايات إطلاق الحكم
بكون الربح لليتيم والخسران على العامل كما هو ظاهر المصنف وغيره، ففي صحيحة زرارة
- المروية عن الفقيه عن أبي جعفر عليه السلام -: " قال ليس على مال اليتيم زكاة إلا
أن يتجر به، فإن اتجر به ففيه الزكاة والربح لليتيم وعلى المتاجر ضمان المال " (2).
ورواية سعد السمان: " ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به فان اتجر به فالربح
لليتيم، وإن وضع فعلى الذي يتجر به " (3). فإن الحكم فيها بثبوت الزكاة في مال
اليتيم مع التجار قرينة على وقوع الشراء له، والحكم بالضمان قرينة على عدم ولاية
التاجر، فدل بإطلاقه على ثبوت الربح لليتيم بمجرد تجارة غير الولي، وتقييدهما (4)
بما إذا أجاز (5) الولي
(1) ليس في بعض النسخ: أو بالذمة. (2) الفقيه 2:
16، الحديث 1599 والوسائل 6: 85، الحديث 8. (3) الوسائل 6: 57 الباب 2 من ابواب من
تجب عليه الزكاة، الحديث 2. (4) في بعض النسخ: تقييدها. (5) في النسخ: جاز.
[ 20 ]
بعيد، وتطبيق مسألتي الربح والخسران على قاعدة الفضولي دونه خرط
القتاد. واختصاص الروايتين بصورة وقوع الشراء للطفل لا يقدح، مع عدم القول بالفصل
واتحاد طريق المسألتين بعد فرض صحة العقد في نفسه، سواء قصد المالك أو قصد نفسه.
ومما يؤيد عدم ابتنائه على مسألة الفضولي حكم الحلي في محكي السرائر (1) وفخر
الاسلام في حاشية الارشاد (2): بكون (3) الربح هنا لليتيم مع حكمهما ببطلان معاملة
الفضولي (4) تبعا للشيخ في المبسوط (5)، وابن زهرة (6)، وظاهر الحلبي (7)، بل
والقول الآخر للشيخ في الخلاف في كتاب النكاح (8) حيث إن ظاهره هناك بطلان الشراء
الفضولي، وإن صحح البيع الفضولي. وعلى القول بالتوقف على الاجازة، فهل يجب على
الولي الاجازة مع ظهور الربح ؟ وجهان: من أنه عرفا تفويت للمنفعة فهو في قوة فسخ
العقد الخياري الذي فيه المصلحة، بل هذا أولى مما حكي عن المصنف قدس سره في نكاح
التذكرة (9) من وجوب بيع متاع الطفل إذا طلب بزيادة وشراء الرخيص له، وهو الموافق
لبعض نسخ القواعد على ما عن جامع المقاصد في باب الحجر (10).
(1) السرائر 1: 441، وحكاه عنه في مفتاح الكرامة
3: 7 - 6: (كتاب الزكاة). (2) مخطوط. (3) في النسخ: كون. (4) راجع السرائر 2: 275
وايضاح الفوائد 1: 417. (5) المبسوط 2: 158 في بيع الغرر. (6) الغنية (الجوامع
الفقهية): 523. (7) الكافي في الفقه 352. (8) الخلاف: كتاب النكاح: المسألة 11. (9)
التذكرة 609: القسم الثاني مما يجب على الولي. (10) جامع المقاصد 5: 189 (كتاب
الحجر).
[ 21 ]
ومن عدم الدليل على وجوب فعل الاصلح للطفل، وتمام الكلام في
محله. ولو اشترى في الذمة ودفع مال اليتيم عما في الذمة، فمقتضى القاعدة: صحة
المعاملة لنفسه (1) سواء قصد عند المعاملة دفع مال اليتيم عما في الذمة، أو اتفق
ذلك بعد المعاملة، وحينئذ فالربح له والزكاة المستحبة عليه، وعليه ضمان مال اليتيم.
لكن قد يقال: إن ظاهر الاخبار (2) الحاكمة بثبوت الربح لليتيم، والخسارة على
العامل، يشمل هذه الصورة، فإن الاتجار بمال اليتيم وإن كان حقيقة في الاتجار بالعين
إلا أنه عرفا يصدق على الاتجار بما في الذمة مع قصد دفع مال اليتيم عوضا، فترى
الاعرف يطلقون: إن فلان يتجر بما في يده أو بمال فلان، مع أنه لا يقع منه إلا
الاتجار بما في الذمة إذا عزم على دفع المال عنه، بل قلما يتفق معاملة بالعين، بل
لو وقعت في السلعتين يخصونها باسم المعاوضة دون البيع، ومن هنا استجود سيد مشايخنا
(3) إلحاق هذه الصورة بصورة الشراء بالعين بعد ما حكى عن جده قدس سره في شرح
المفاتيح (4): أنه الاظهر. وقد يقال: إن هذه الاخبار - على فرض شمولها - ليس الخروج
عن القاعدة بها أولى من العكس، بل العكس أولى. وفيه: إنه إن أراد التكافؤ بين
الاخبار والقاعدة من جهة النسبة، فلا يخفى أن النسبة وإن كانت بالعموم من وجه إلا
أن تقييد هذه الاخبار بالشراء بالعين
(1) في نسخة " ف ": نفسه، وفي " ع " و " ج ":
معاملة نفسه. (2) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2 و
8. (3) لم نقف عليه في المناهل (4) شرح المفاتيح (مخطوط) وفيه: مع أن المعصوم ترك
الاستفصال في كل واحد من هذه الاخبار وهو مفيد للعموم، سيما والبيع والشراء بالذمة
هو الاغلب تحقيقا، بل بنفس العين في غاية الندرة، سيما إذا نوى كونه لصاحب العين أو
عوض هنا بعين من غير إرادة شخص، بل الاظهر أن يقال بالعموم.
[ 22 ]
تقييد بالفرد النادر. ودعوى: عدم نهوض هذه الاخبار لتخصيص مثل
هذه القاعدة الثابتة بالادلة القطعية، ممنوعة بإمكان رفع اليد عنها بالاخبار
الكثيرة المعتضدة بإطلاق فتاوى جماعة كالمصنف والمحقق (1) ونحوهما، كما خرجنا بها
عن قاعدة الفضولي في الصورتين السابقتين، مع إمكان أن يقال: إن العامل إذا قصد
ابتداء دفع مال الغير فكأنه أوقع العقد عليه ابتداء، فعدم قصد دفع الكلي (2) إلا في
ضمن هذا الفرد بمنزلة المعاوضة على هذا الفرد، ومن هنا قد يستقرب اطراد هذا الحكم
في غير مال الصغير وتعديته إلى كل مال قصد عند العقد دفعه عما في الذمة بدون رضى
مالكه، ويدل عليه مضافا إلى أخبار مال اليتيم روايات: منها: ما عن الكليني بسند فيه
إرسال، عن أبي حمزة الثمالي: " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الزكاة تجب علي
في موضع لا يمكنني أن اؤديها ؟ قال: اعزلها، فإن اتجرت بها فأنت لها ضامن، ولها
الربح، وإن نويت في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها (3) في تجارة فليس عليك، فإن لم
تعزلها فأتجرت بها في جملة مالك فلها تقسيطها من الربح ولا وضيعة عليها " (4).
ومنها: رواية مسمع بن يسار " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني كنت استودعت
رجلا مالا فجحدنيه، وحلف لي عليه، ثم إنه جاءني بعده بسنين بالمال الذي كنت
استودعته إياه، فقال: هذا مالك فخذه، وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك، فهي لك
مع مالك، اجعلني في حل، فأخذت المال منه وأبيت أن آخذ الربح منه، وأوقفت المال الذي
كنت استودعته وأتيت حتى أستطلع رأيك،
(1) المعتبر 2: 487. (2) في " ع " و " ج ":
الكل. (3) في النسخ: تشتغلها. (4) الوسائل 6: 214 الباب 52 من أبواب المستحقين
للزكاة، الحديث 3، ووردت الكلمة في النسخ: بقسطها.
[ 23 ]
فما ترى ؟ قال: فخذ نصف الربح، وأعطه النصف [ وأحله ]، إن هذا
رجل تائب والله يحب التوابين " (1). وعن المختلف: " إن الودعي إذا أتجر بالوديعة من
دون إذن المالك كان ضامنا، والربح للمالك " (2)، وحكاه عن الشيخين وسلار والقاضي
وأبي الصلاح وغيرهم، هذا ومع ذلك كله فلا مناص عن حمل كلامهم كالروايات على صورة
الشراء بالعين، كما صرح به في المختلف، قال في مسألة تجارة الغاصب في الاستدلال لمن
قال بكون الربح للغاصب: إنه إن اشترى في الذمة ملك المشتري المبيع، وكان الثمن في
ذمته بلا خلاف (3) انتهى، ولكن محل كلماتهم ما إذا اتفق دفع المال الغير عوضا - لا
على ما إذا قصد دفع مال الغير عوضا لا غير - وتحمل الروايات على صورة قصد دفع مال
الغير عوضا، والمسألة في غاية الاشكال، إلا أن ثبوت الربح للعامل لا يخلو عن قوة.
وإن كان التاجر وليا غير ملي فلا خلاف ولا إشكال في جواز شرائه للطفل مطلقا، وقد
تقدم ذلك في كلام المصنف قدس سره. وإن كان الشراء لنفسه فإن كان يعين مال الطفل
فالظاهر وقوع الشراء للطفل، فالربح له والخسارة على العامل، لفحوى ما تقدم من أن
تجارة غير الولي كذلك، من غير احتياج إلى إجازة، وإن مسألة التجارة بمال الطفل
خارجة عن مسألة الفضولي. وأما بناء على عدم إخراجها عن قاعدة الفضولي فالظاهر -
أيضا - وقوع الشراء للطفل مع تحقق المصلحة، ولا يقدح في ذلك نية الشراء لنفسه، لان
الشراء وقع بعين مال الطفل، ولو أثر ذلك لاثر في مطلق عقد الفضولي إذا قصد العقد
لنفسه ولم تنفع الاجازة.
(1) الوسائل 13: 235 الباب 10 من ابواب الوديعة،
مع اختلاف يسير، والزيادة من المصدر. (2) المختلف: 445. (3) المختلف: 482.
[ 24 ]
والظاهر عدم احتياجه إلى إجازة مستأنفة من الولي العامل، ولا من
الولي الذي هو بعده في المرتبة، فهو نظير الوكيل إذا أوقع العقد على المال الموكل
لنفسه، فإن وقوع العقد ممن له الاجازة كاف عنها. نعم قد يشكل فيما إذا تعلق غرض آخر
لنقل المال إلى العامل بالخصوص، فإن خصوصية المالك وإن لم تكن ركنا في العقد -
وبهذا يفترق البيع عن النكاح - إلا أنه لا يبعد مدخليتها إذا لاحظها المتبائعان أو
أحدهما، إلا أن الذي يسهل الامر ما عرفت من خروج هذه المعاملة عن مسألة الفضولي،
وأن مجرد وقوع العقد بمال اليتيم مع عدم الاذن شرعا يوجب كون الربح لليتيم. مضافا -
في مسألتنا هذه - إلى الاخبار المتقدمة (1)، منها: خبر الصيقل (2) الدال على كون
الربح لليتيم إذا لم يكن للعامل مال، فإن المراد منها بقرينة نفي الضمان عن العامل
مع إطلاقه الملاءة (3) منطوقا في خبر الصيقل، ومفهوما في غيره، هو: كون العامل
وليا. نعم الحكم بعدم التوقف على الاجازة مطلقا في عقد الولي والوكيل إذا أوقعاه
لانفسهما، مع ملاحظة المتعاقدين بخصوصيتهما لا يخلو من إشكال، لان العقد الواقع
الخاص - أعني: إنشاء نقل المال إلى نفس العاقد - لا يؤثر بنفسه في افادة نقل الملك
إلى المالك، لانه غير مدلوله، غاية الامر أنه قابل لان يسلب عنه الخصوصية الملحوظة
فيه، من كون المنتقل إليه هو العاقد، لكن السلب لا يتحقق فعلا إلا بما يصرفه إلى
المالك، ولو كان مجرد كون العين ملكا له كافيا في صرف البيع (4) إليه لم يحتج إلى
الاجازة، فلما علمنا أن المال لا ينتقل إلى الغير
(1) في بعض النسخ: المتقدم. (2) الوسائل 6: 58
الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7. (3) الملاءة: ليس في " ع " و " ج "
و " ف ". (4) في " ع " و " ج " وظاهر " م ": صرف المبيع إليه.
[ 25 ]
الا برضاه أو برضى وليه بالانتقال إليه، لعدم كون العقد مملكا
قهريا، والمفروض إن الولي لم يرض بالانتقال إليه وإنما رضى بالانتقال إلى نفسه،
ويمتنع اجتماع الرضائين، فلم يتحقق في هذه العاملة رضى بالانتقال إلى الطفل من أحد،
فلا يلزم العقد إلا بعد رضى الولي، وهذا العقد أحوج إلى الاجازة مما لو باع ملك
غيره ثم ملكه، ومما لو باع ملك غيره ثم تبين أنه ملكه، وقد صرح المحقق في المعتبر
باحتياج الاول إلى إجازة مستأنفة في فروع مسألة تعلق الزكاة بالعين (1). وتمام
الكلام في محله. وبما ذكرنا ظهر اندفاع ما ربما يتوهم من أن إجازة الولي إذا أثرت
في إلغاء قصد العاقد العقد لنفسه - مع أنه رفع - فوقوع العقد من الولي أولى بإلغاء
قصد الولي العقد لنفسه، لانه دفع. وجه الاندفاع: ان الاجازة إنما ترفع قصد الخصوصية
من حيث كونه رضى بمضمون العقد المعرى من ملاحظة خصوصية المنتقل إليه، فما لم يحصل
هذا الرضى لا يحصل إلى المتجر أو من هو في حكمه. وإن كان الشراء لنفسه بالعين مع
ضمانه بأحد الوجوه الناقلة فلا إشكال في تملك الربح، حيث يجوز له الضمان، وحيث لم
نجوزه فحكمه كالصورة السابقة، كما أنه لو اشترى حينئذ بما في الذمة ودفعه عوضا
فحكمه كما تقدم في غير الولي. فالشأن في جواز الضمان للولي الغير الملي، وقد عرفت
كلام الحلي (2) والشيخ (3) في المنع عن التصرف إلا بما فيه غبطة ومصلحة وأن غير ذلك
باطل، بل في شرح الروضة: إن المتقدمين عمموا الحكم باعتبار المصلحة من غير
(1) المعتبر 2: 563. (2) السرائر 1: 441. (3)
المبسوط 2: 200 (كتاب الرهن).
[ 26 ]
استثناء (1)، ولا ريب أن نقل الولي المعسر مال الطفل إلى ذمته
خلاف المصلحة، بل هو قريب من إتلافه، بل قد يكون إتلافا عرفا وبمنزلة الاخذ مجانا،
وقد دلت الاخبار المستفيضة التي تقدم بعضها على اعتبار الملاءة فيمن يقترض مال
اليتيم، لكن موردها مختص بغير الاب والجد، ولذا حكي عن المتأخرين كافة، بل عن
الاصحاب كافة - كما في الحدائق (2)، وعن مجمع الفائدة (3) - استثناء الاب والجد من
ذلك، فجوزوا لهما الاقتراض مع الاعسار، ولعله لما ورد في حق الوالد بالنسبة إلى
ولده ما ورد حتى قال صلى الله عليه وآله لرجل: " أنت ومالك لابيك " (4) وقال الصادق
عليه السلام - في رواية محمد بن مسلم -: " إن الوالد يأخذ من مال ولده ما شاء "
(5)، وفي رواية سعيد بن يسار: " إن مال الولد للوالد " (6) وخصوص ما ورد من أخبار
تقويم جارية الولد على نفسه (7)، وغير ذلك. ويشكل: ان ظاهر هذه الاخبار غير مراد
إجماعا، فيحمل على جواز أخذ مقدار النفقة من مال ولده، صغيرا كان أو كبيرا، إذا لم
ينفق الكبير عليه. وأما النبوي، فيوهن التمسك به ما رواه الشيخ عن الحسين بن أبي
العلاء: " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما يحل للرجل من مال ولده ؟ قال:
قوته بغير سرف إذا اضطر إليه. قال: فقلت له: فقول رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم للرجل الذي أتاه فقدم أباه، فقال له: أنت ومالك لابيك، فقال: إنما جاء بأبيه
إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هذا أبي قد ظلمني ميراثي من امي،
(1) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط). 4 ذيل
قول المصنف: " ولو اتجر الولي، أو المأذون للطفل ". (2) الحدائق 12: 25. (3) مجمع
الفائدة والبرهان 4: 14. (4) و (5) الوسائل 12: 194 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به،
الحديث 1 و 2. (6) الوسائل 12: 195 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4. (7)
الوسائل 12: 198 الباب 79، الحديث 1 و 2.
[ 27 ]
فأخبره الاب أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه، فقال له: أنت ومالك
لابيك، ولم يكن عند الرجل شئ أو كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبس الاب للابن
؟ " (1). ويشهد أيضا لما ذكرنا من الجمع، ومن الاشكال في اطراحه (2) مال الولد (3)
مع الاعسار الذي هو بمنزلة الاتلاف والاخذ مجانا، مصححة أبي حمزة الثمالي، عن أبي
جعفر عليه السلام: " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لرجل: أنت ومالك لابيك،
ثم قال أبو جعفر عليه السلام: لا نحب (4) أن يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج إليه
مما لابد منه، إن الله لا يحب الفساد " (5). فإن التعليل بالآية (6) يدل على عدم
جواز الافساد في ماله، وأي فساد أشد من أخذه قرضا مع الاعسار سيما إذا لم يرج
اليسار ؟ وأما أخبار تقويم الجارية، فنقول بمقتضاها ولا نتعدى عنه، كما اعترف به
الحلي (7) - أيضا - فيما حكي عنه، مع إمكان أن يقال: إن اطلاقها وارد في مقام بيان
حكم أصل جواز التقويم، إما لدفع توهم المنع، أو لدفع توهم جواز التصرف في الجارية
بغير تقويم، على حد غيرها من الاموال. ثم لو سلم ما ذكروه في الاب فلا يخفى عدم
الدليل على الحكم في الجد، بل مقتضى عموم الاية (8): التحريم، ودعوى: أنه أب حقيقة
كما ترى، ومثله
(1) الوسائل 12: 196 الباب 78 من أبواب ما يكتسب
به، الحديث 8، وفي " م " للدين بدل للابن، (2) كذا في " ف " و " ج " ولعل أصلها:
اقتراضه. (3) في بعض النسخ: الوالد. (4) في الوسائل: ما احب. (5) الوسائل 12: 195
الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. (6) كذا في " م "، وفي سائر النسخ: في
الاية. (7) السرائر 2: 208 - 209. (8) اي قوله تعالى: { وإذا تولى سعى في الارض
ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } البقرة: 2 / 205.
[ 28 ]
دعوى الاجماع المركب. واعلم ان المشهور - كما قيل (1) -: إن حكم
التجارة في مال المجنون حكم الصبي في جميع ما تقدم " و " كذا اختار المصنف قدس سره
في صورة فساد (2) ضمان الولي لهما: أن " الربح لهما " واستظهر سيد مشايخنا (3)
الاتفاق على ذلك، لكن في جريان ما خالف الاصول من الاحكام المتقدمة بالنسبة إليه
إشكال. وأما حكم الزكاة إذا اتجر لنفسه بمال الطفل والمجنون فتوضيحه: إن التجارة
له، بأن كان في الذمة، أو كان بالعين وقلنا بجوار ضمان الاب والجد له من غير ملاءة،
وكذا ثبوت زكاة التجارة في مال الطفل إذا اتجر له غير الولي، كما دل عليه صحيحة
بكير وزرارة المتقدمة (5). " و " أما إذا اتجر التاجر لنفسه، وحكم بوقوعها عن الطفل
إما تعبدا كما ذكرنا، أو مع كون العامل وليا، أو مع إجازة الولي، فالاقوى أنه " لا
زكاة "، أما على الطفل فلان ظاهر أخبار استحباب الزكاة في مال التجارة للطفل، ما
إذا اتجر له، لا ما إذا وقعت التجارة له بالاجازة، أو بحكم الشرع، وأما على التاجر،
فلعدم سلامة الربح له، لرواية سماعة: " عن الرجل يكون عنده مال اليتيم فيتجر به
أيضمنه ؟ قال: نعم، قلت: فعليه زكاة ؟ قال: لا، لعمري لا أجمع عليه خصلتين: الضمان
والزكاة " (6).
(1) راجع الجواهر 15: 28 ومفتاح الكرامة 3: 9
(كتاب الزكاة). (2) ليس في بعض النسخ: فساد. (3) لم نقف عليه في المناهل (4)
الوسائل 6: 45 الباب 13 من ابواب ما تجب فيه الزكاة وما تستحب فيه. (5) الوسائل 6:
58 الباب 2 من ابواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 8. (6) الوسائل 6: 58 الباب 2 من
ابواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.
[ 29 ]
قيل: (1) وعن الشهيدين والمحقق الثاني في كل موضع يقع الشراء
للطفل (2)، وهو مشكل، لظهور الاخبار في غير ذلك، ولا فرق في الاشكال بين جعل
الاجازة كاشفة أو ناقلة. " وتستحب " الزكاة " في غلات الطفل "، ولا تجب، وفاقا
للمصنف (3) قدس سره، والمحقق (4)، والشهيدين (5)، والمحقق الثاني (6)، وحكي عن
القديمين (7)، والسيد (8)، والسلار (9)، وعن التحرير: حكايته عن أكثر الاصحاب (10)،
وعن غيره: حكايته عن المتأخرين كافة (11)، قيل: وعن تلخيص الخلاف: نسبته إلى
أصحابنا (12). وعن كشف الحق (13): ان الامامية ذهبت إلى أن الزكاة لا يجب على الطفل
والمجنون، للاصل وعموم ما تقدم من الاخبار النافية للزكاة في مال اليتيم، وقوله
عليه السلام: " لا زكاة على يتيم " (14) وخصوص قوله عليه السلام: في رواية
(1) قاله في الجواهر 15: 24. (2) المسالك 1: 39
ذيل قول المصنف رحمه الله: " اما لو لم يكن مليا "، والبيان: 165، والدروس: 57،
وجامع المقاصد 3: 5. (3) التذكرة 1: 201. (4) الشرائع 1: 140. (5) الدروس 1: 299،
البيان 165، الروضة البهية 2: 12. (6) جامع المقاصد 3: 5. (7) حكي عنهما في السرائر
1: 429 - 430. (8) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241. (9) المراسم (الجوامع
الفقهية): 580. (10) تحرير الاحكام 1: 57. (11) مفتاح الكرامة 3: 4 (كتاب الزكاة).
(12) تلخيص الخلاف 1: 276، المسألة 36. (13) نهج الحق وكشف الصدق: 456، المسألة 7.
(14) الوسائل 6: 55 الباب الاول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4.
[ 30 ]
أبي بصير المتقدمة: " وليس على جميع غلاته من نخيل أو زرع أو
غلة، زكاة " (1). خلافا للمحكي عن الشيخين (2)، وأتباعهما. - وعن الناصرية أنه ذهب
أكثر أصحابنا إلى أن الامام يأخذ الصدقة من زرع الطفل وضرعه (3) (انتهى). لعموم
أدلة الزكاة في الغلات، وخصوص صحيحة ابن المسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما
السلام أنهما قالا: " ليس على مال اليتيم في الدين (4) والمال الصامت شئ، فأما
الغلات فعليها الصدقة واجبة " (5)، فإن الوجوب إما بمعناه المصطلح عندنا، وإما
بمعنى الثبوت والاستقرار، فيثبت اللزوم على التقديرين، سيما بمعونة لفظة " على ".
ويضعف بوجوب تخصيص العمومات بما دل على نفي الزكاة على اليتيم، وبحمل الصحيحة على
الاستحباب المؤكد، جمعا بينها وبين رواية أبي بصير (6) المعتضدة، أو (7) النجبرة
بالشهرة العظيمة. وأما ما حكاه في الناصريات عن أكثر أصحابنا، فهو لا يدل على
الوجوب كما لا يخفى، لان أخذ الزكاة المستحبة من مال الطفل فيه مصلحة له وللفقراء،
هذا مضافا إلى موافقة مضمون الصحيحة لمذهب فقهاء الجمهور كافة كما عن المنتهى (8)
وإن حكي عن التذكرة (9) حكاية القول بعدم الوجوب عن
(1) الوسائل 6: 56 الباب الاول من أبواب من تجب
عليه الزكاة، الحديث 11. (2) المقنعة: 238 والخلاف 2: 40. (3) الناصريات (الجوامع
الفقهية): 241. (4) في " ج " و " ع " و " م " العين. (5) الوسائل 6: 56 الباب الاول
من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2. (6) الوسائل 6: 56 الباب الاول من أبواب من
تجب عليه الزكاة، الحديث 11. (7) كذا في " ج " و " م "، واما في " ف " فلا توجد
كلمة " أو ". (8) منتهى المطلب 1: 472. (9) لكن الموجود في التذكرة (1: 201) هو نقل
قول أبي حنيفة بوجوب الزكاة في غلات الطفل، نعم في
[ 31 ]
أبي حنيفة وجماعة، إلا أن الظاهر أن المشهور بينهم، وما إليه
ميل سلاطينهم هو الوجوب. ثم إن المعروف بين الاصحاب هو ثبوت الرجحان كما عرفت من
عبارة الناصريات (1)، واستظهر سيد مشايخنا (2): الاتفاق عليه بعد أن حكى عن
الاردبيلي (3): التصريح بالاتفاق على الاستحباب، وصرح بعدم الخلاف في الرياض (4) -
أيضا - ويظهر ذلك - ايضا - م النافع (5) حيث جعل الوجوب أحوط، وعن المدارك (6)،
والكفاية (7): أنه مذهب عامة المتأخرين وجمهورهم. ويدل عليه الصحيحة السابقة بالحمل
السابق (8)، ولا ينافيه الحمل على التقية لما عرفت غير مرة من أن التقية تتأدى بما
ظاهره، موافق لعامة، وإن اريد خلافه بقرينة منفصلة. وبعد ذلك فمن الغريب ما عن
العلامة الطباطبائي (9): من انكار الاستحباب مدعيا بأنه لم يصرح أحد بالندب قبل
الفاضلين (10). " و " هل يلحق بغلات اليتيم " مواشيه " ؟ ظاهر المحكي عن الوسيلة،
الخلاف 2: 40 نقل قوله بعدم وجوبها بلا تفصيل.
(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241. (2) لم نقف عليه في المناهل (4) الرياض 1:
262 ذيل عبارة الماتن: في وجوب الزكاة في غلاة الطفل. (5) المختصر النافع: 5: 22.
(7) كفاية الاحكام: 34. (8) اي حمل صحيحة ابن مسلم المتقدمة آنفا على الاستحباب.
(9) راجع الجواهر 15: 26. (10) راجع الشرائع 1: 140 والتذكرة 1: 201.
[ 32 ]
نعم، حيث ادعى الاجماع المركب (1)، إلا أن الحكم بالاستحباب
بمجرد هذا مشكل وإن كان إجماعا منقولا معتضدا بما تقدم عن الناصريات (2)، وفي
الرياض: أن ظاهر جماعة من الموجبين والمستحبين عدم الفرق بين الغلات والمواشي (3)،
إلا أن في الاكتفاء بمثل ذلك في التهجم على مال اليتيم إشكالا، ولذا مال جماعة من
المتأخرين إلى العدم وهو الاحوط، وأشكل من ذلك الحكم باستحباب الزكاة في غلات
المجنون فضلا عن مواشيه، وإن ادعى في الرياض (4) أن ظاهر من عدا المحقق، وبعض من
تأخر عنه (5) عدم الفرق بين الطفل والمجنون. " ولا زكاة على المملوك " وإن قلنا
بكونه مالكا مطلقا، أو في الجملة على الخلاف المذكور في محله، أما على القول بعدم
الملك كما هو المشهور - ظاهرا - بل ظاهر بعض العبائر المحكية الاجماع عليه (6)،
فعدم الزكاة عليه واضح، بل يخرج عن قيد اعتبار ملكية النصاب كما فعله في الغنية
(7). وأما على القول بالملك، فلحسنة ابن سنان - بابن هاشم -: " قال: ليس على مال
المملوك شئ ولو كان له ألف ألف، ولو احتاج (8) لم يعط من الزكاة
(1) لم نجده في الوسيلة ولكن حكي عنه في ايضاح
الفوائد 1: 167 وفي مفتاح الكرامة 3: 4 ما يلي: " ونقل عن ابن حمزة، ولعله في
الواسطة، انه قال: فتجب في الانعام بالاجماع المركب ". (2) الناصريات (الجوامع
الفقهية): 241. (3) رياض المسائل 1: 262، ذيل قول الماتن: قيل تجب في مواشيهم. (4)
نفس المصدر، ذيل قول الماتن: ولا تجب في مال المجنون. (5) كصاحب المدارك في ذيل قول
المحقق: وقيل حكم المجنون حكم الطفل، والفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 298.
(6) الخلاف 2: 43 المسألة 45، وحكاه عنه مفتاح الكرامة 3: 11 (كتاب الزكاة). (7)
الغنية (الجوامع الفقهية): 505. (8) في " ج ": ولو احتاج له.
[ 33 ]
شيئا " (1) ونحوها رواية اخرى لابن سنان (2). ومن العجيب ما حكي
عن المنتهى (3) كإيضاح النافع، (4) تبعا للمعتبر (5)، والمبسوط (6): من وجوب الزكاة
عليه على القول بالملك، مع أن ظاهر المحكي عنه في المنتهى (7) والتذكرة (8): اتفاق
أصحابنا، بل غير شاذ من العامة على عدم الزكاة عليه، لكن الظاهر أنه قدس سره فهم من
الاصحاب استنادهم في ذلك إلى عدم الملك، وحينئذ فيمكن أن يوجه الحكم - في الروايتين
بنفي الزكاة - بعدم الملكية، للادلة الدالة على عدم مالكية العبد، فيكون إضافة
المال إليه في الروايتين (9) بمجرد الملابسة لا التمليك، كما يفصح عنه رواية ثالثة
لابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: قلت له: مملوك في يده مال، أعليه
زكاة ؟ قال: لا، قلت: فعلى سيده ؟ قال: لا، لانه لم يصل إلى سيده، وليس هو للمملوك
" (10). وقد يستدل على فرض الملكية بعدم (11) تمكنه من التصرف للحجر عليه، وبنقص
(12) ملكه، لان للمولى انتزاعه منه متى شاء إجماعا كما في المختلف (13)
(1) الوسائل 6: 59: الباب 4 من أبواب من تجب
عليه الزكاة، الحديث الاول. (2) الوسائل 6: 60: الباب 4 من أبواب من تجب عليه
الزكاة، الحديث 3. (3) منتهى المطلب 1: 472 - 473، وحكاه في مفتاح الكرامة 3: 11
(كتاب الزكاة). (4) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 11 (كتاب الزكاة). (5) المعتبر 1:
489. (6) المبسوط 1: 206. (7) منتهى المطلب 1: 473 وحكاه عنه في مفتاح الكرامة 3:
10. (8) التذكرة 1: 201 وحكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 10. (9) الروايتان
المتقدمتان آنفا. (10) الوسائل 6: 60 الباب 4 من ابواب من تجب عليه الزكاة، الحديث
4، وفيه: " لا، لانه لم يصل ". (11) في بعض النسخ بعد. (12) في النسخ: نقض. (13)
المختلف 2: 624.
[ 34 ]
وعن غيره (1). ويرد على الاول: منع عدم التمكن من التصرف، إذ له
التصرف كيف شاء على تقدير الملكية، كما نص عليه في المعتبر (2) على ما حكي عنه، لكن
هذا إنما يستقيم لو وجد القول بالملكية على هذا الوجه، للاجماع على الحجر عليه ولو
ملك. فالاولى الجواب بمنع الحجر إذا صرفه مولاه فيه، وفوض أمر المال إليه، كما يشعر
به رواية علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: " ليس على المملوك زكاة إلا بإذن
مواليه " (3)، ومنع كون الحجر مانعا على الاطلاق كما في السفيه، فتأمل. ويرد على
الثاني: منع كون هذا التزلزل مانعا من وجوب الزكاة كالبيع (4) في زمن خيار البائع،
بل المنتقل بالعقود الجائزة. فالاقوى: الاعتماد على ما تقدم من النص الظاهر في كون
المملوكية (5) بنفسها مانعة عن وجوب الزكاة، كما أنها مانعة عن أخذها، فمرجع
الروايات إلى أنه لا عبرة بغنى المملوك ولا بفقره، وهذا هو الظاهر من كلام أكثر
الاصحاب حيث لم يقنعوا عن اعتبار الحرية باعتبار الملكية (6)، أو اعتبار التمكن من
التصرف. وأما رواية علي بن جعفر، فهي مطروحة أو مؤولة. وهل تجب زكاة ما في يده على
المولى مطلقا، أو ليس عليه كذلك، أو تبنى
(1) راجع الجواهر 24: 172. (2) المعتبر 2: 489.
(3) الوسائل 6: 60 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2. (4) في بعض
النسخ: كالمبيع. (5) في بعض النسخ: الملكية. (6) في " م ": المالكية.
[ 35 ]
على القول بالملكية (1) ؟ ظاهر المحكي عن القواعد (2) والتحرير
(3): الاول، قيل: لانه مال مملوك لاحدهما فلا يسقط زكاته عنهما معا، ولانه مال
مستجمع لشرائط الزكاة، فإذا لم تجب على العبد (4) وجبت على السيد، ولان المولى لما
كان له انتزاعه من يده متى شاء كان ك " مال " في يد الوكيل (5). وفي الجميع ما لا
يخفى. وظاهر الرواية الثالثة (6): الثاني، وفيه: اشتمالها على التعليل لعدم وصول
المال إليه، فإن كان في مورد يثبت عدم الوصول حقيقة كما إذا كان غائبا أو مثل ذلك
من مسقطات الزكاة، [ كان أخص من المدعى ] (7). وإن اريد أنه بمجرد كونه في يد العبد
غير واصل إلى سيده، ففيه: أن يد العبد أضعف من يد الوكيل الذي يمنزلة يد الموكل،
وحمل ذلك على إعراض المولى - حيث دفعها إلى العبد ليخص به وينتفع به أو ينفقه (8)
على نفسه، فهو (9) ك " مال النفقة " إذا غاب الشخص، وسيجئ عدم وجوب الزكاة عليه -
تكلف لا يصار إليه في مقام تخصيص الادلة القطعية الموجبة للزكاة على المال المستجمع
للشرائط، ولذا نسب في المنتهى (10) وجوب الزكاة على المولى إلى أصحابنا مشعرا
(1) ولعل المراد: على القول بملكية العبد
وعدمها، كما في الجواهر 15: 33. (2) قواعد الاحكام 1: 51. (3) تحرير الاحكام 1: 57.
(4) في " ج " و " ع ": المملوك. (5) في " ف ": الموكل. (6) وهي الرواية الثالثة
لابن سنان المتقدمة في الصفحة 33 وانظر الهامش 10 هناك. (7) ما بين المعقوفتين
زيادة اقتضتها العبارة، واخذناها مما نقله العلامة المامقاني قدس سره في كتابه
منتهى مقاصد الانام، 26 (كتاب الزكاة). (8) كذا في " م "، وفي سائر النسخ: ببعضه.
(9) في " ع ": فهي. (10) منتهى المطلب 1: 473.
[ 36 ]
بدعوى الاجماع، فالاقوى هو الوجه الثالث. " ولا " فرق فيما ذكر
بين القن، والمدبر، وام الولد، و " المكاتب المشروط " عوده رقا إن لم يؤد مال
الكتابة " و " المطلق " الذي لم يؤد شيئا " بلا خلاف ظاهر في الجميع، حتى المكاتب
بقسميه، وعن التذكرة (1): نسبته إلى علمائنا، بل عن المنتهى (2): نسبته إلى العلماء
كافة عدا أبي حنيفة، وأبي ثور، مضافا إلى ما ورد في المكاتب: من الحجر عن التصرف
فيما بيده بالاكتساب (3) حتى ورد: " أنه لا يصلح له أن يحدث في ماله إلا الاكلة من
الطعام " (4)، ويرتفع الاشكال رأسا لو قلنا بعدم ملكيته كغيره من الاقسام كما عن
المصنف في النهاية (5)، والمحقق في المعتبر (6). ومما ذكرنا كله ينجبر ضعف رواية
البختري (7) عن الصادق عليه السلام: " ليس في مال المكاتب زكاة " (8)، ونحوه النبوي
(9). وأما الاستدلال بروايتي عبد الله بن سنان المتقدمتين (10)، فغير صحيح - ظاهرا
- لاشتمالها على منع المملوك من الزكاة، مع أن المكاتب يعطى من
(1) التذكرة 1: 201. (2) المنتهى 1: 473، ولكن
ليست في النسخة التي بأيدينا من المنتهى النسبة إلى العلماء كافة. (3) في " م " الا
بالاكتساب. (4) الوسائل 16: 90 الباب 6 من ابواب المكاتبة، الحديث الاول. (5) نهاية
الاحكاام 2: 301. (6) المعتبر 2: 489. (7) كذا في النسخ، ولكن في الوسائل: " أبي
البختري " وهو الصحيح. (8) الوسائل 6: 60 الباب 4 من ابواب من تجب عليه الزكاة،
الحديث 5. (9) راجع الخلاف 2: 42، المسألة 43 ورواه الدار قطني في سننه 2: 108
والبيهقي في سننه. 4: 109. (10) في الصفحة 32.
[ 37 ]
الزكاة، فموردهما لا يشمله. وكما لا يجب على المكاتب كذلك لا
يجب على مولاه وإن قلنا بملكيته، لان المولى ممنوع من أخذه منه إلا على وجه استيفاء
مال الكتابة ما لم يعجز، سواء جعلنا العجز كاشفا أو ناقلا. وعن المبسوط: " إن
المكاتب المشروط لا زكاة على ماله ولا على سيده، لانه ليس ملكا لاحدهما ملكا صحيحا،
لان العبد لا يملكه عندنا والمولى لا يملكه إلا بعد عجزه " (1) (انتهى). وظاهره نفي
ملك المولى (2)، ونفي استقلال العبد بقرينة ما عنه في باب الكتابة: من ان كسبه ماله
(3) وظاهر ما تقدم عن المصنف، والمحقق قدس سرهما عكس ذلك (4). " و " على كل تقدير
فالحكم واضح، والرجوع إلى العمومات لمالكية المكاتب وضعف رواية البختري ضعيف. نعم "
لو تحرر من " المكاتب " المطلق شئ " ولو جزء يسير " وجبت الزكاة في نصيبه إن بلغ
نصابا " بلا خلاف ظاهر، وعن الحدائق: انه محل اتفاق (5) وفي شرح الروضة: قطع به
الاصحاب وإن وجهه واضح (6) وهو كذلك، لان نصيبه مال جامع لشرائط الزكاة، وأدلة نفي
الزكاة عن مال المملوك لا تشمله، ولذا لا يجري على هذا النصيب شئ من أحكام مال
المملوك. ثم إن ظاهر روايتي ابن سنان المتقدمتين (7) عدم جواز إعطاء المملوك من
(1) المبسوط 1: 205 مع اختلاف يسير. (2) في " م
" زيادة: رأسا. (3) المبسوط 6: 82. (4) تقدم قولهما عن النهاية والمعتبر في الصفحة
السابقة. (5) الحدائق 12: 29. (6) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 6. (7) في
الصفحة 32.
[ 38 ]
الزكاة، وظاهرهما عدم قابليته. وربما يحمل على صورة عدم الاذن،
ويحكم بجوازه مع إذن المولى في الاخذ فيصير ملكا للمولى، فيعتبر فيه الاستحقاق. ولو
كان في سبيل الله لا بقصد الملك لم يملكه المولى. ولو كان العبد مشتركا بين مستحقين
فإن أذنا له ملكا (1) القرض (2) بنسبة الملك، وإن كان وكيلا عنهما ملكاه بالسوية،
ولو كان أحدهما مستحقا ملك مقدار حصته، وجميع ذلك مبني على ما عرفت. " ولابد " في
مال الزكاة " من تمامية الملك " في جميع الحول فيما يعتبر فيه الحول، وقبل تعلق
الوجوب فيما لا يعتبر فيه، ويتحقق عدمهما بامور: الاول: (3) عدم قرار الملك بمعنى
تزلزله من حيث الحدوث، لتوقفه على شرط لم يقع، أو لم يعلم وقوعه، وأما المتزلزل من
حيث البقاء فلا يقدح كما سيجئ، " فلا يجري (4) الموهوب في الحول إلا بعد القبض "
سواء قلنا بكون القبض ناقلا أو كاشفا، كما صرح به في المسالك (5)، وإن أورد عليه في
المدارك (6): بأن القول بكشف القبض غير مذكور في باب الهبة، وإن هذا الخلاف غير
واقع، إلا أن الذي يحكى عن بعض هو أن مراد القائلين باعتبار القبض في اللزوم هو
الكشف لا اللزوم المصطلح، ضرورة أن الهبة لا تصير بالقبض من العقود اللازمة، إذ بعد
القبض يجوز الرجوع في الهبة إتفاقا إلا في المواضع المخصوصة، وانه (7) لم يجعل
(1) كذا في " ف " و " ج " و " ع "، وفي " م ":
ملك. (2) كذا في " ف " و " ج " و " ع "، وفي " م ": المقرض، والظاهر: القرض. (3) لم
يصرح بالثاني و.. فيما يلي من الامور. (4) كذا في النسخ، ولكن في المطبوعة من
الارشاد ومجمع الفائدة: فلا يجزي. (5) المسالك 1: 40، ذيل قول الماتن: لم يجر في
الحول الا بعد القبض. (6) مدارك الاحكام 5: 27. (7) في " ف " و " ج ": " إذا ".
[ 39 ]
أحد القبض من الملزمات، وأنه قد صرح المحققون: بأن مرادهم من
كون القبض شرطا في اللزوم ليس المعنى المعروف، بل قالوا: إن العقد يوجب ملكية (1)
مراعاة بتحقق القبض، فإن تحقق أتم من حين العقد. (2) (انتهى المحكي)، وهذا نص فيما
ذكره في المسالك. وكيف كان فلا إشكال في أصل المسألة، كما لا إشكال في جريانه في
الحول بعد القبض وإن كان متزلزلا من حيث البقاء لاحتمال الرجوع. نعم لو رجع الواهب
قبل الحول (3) سقطت الزكاة بلا إشكال، ولو رجع بعد الحول، فإن كان بعد إمكان الاداء
- وإن لم يؤده - قدم حق الفقراء، وإن كان قبله ففي التذكرة (4) وكشف الالتباس (5):
سقوط الزكاة. وقد يستشكل (6): بأن التمكن من الاداء معتبر في الضمان دون الوجوب،
فالزكاة تتعلق بمجرد اجتماع الشرائط، وإن لم يكلف المالك منجزا بالاخراج للعجز،
فيكون رجوع الواهب على مال تعلق به حق الفقراء، فيقدم، سيما على القول بتعلق
الشركة. " و " كذا " لا " يجري النصاب " الموصى به " في الحول إذا كان حوليا " إلا
بعد القبول وبعد الوفاة " لانه قبل ذلك إما غير مملوك للموصى له، أو غير متمكن من
التصرف فيه، ولو لعدم العلم بملكيته بناء على أحد وجهي الكشف في القبول.
(1) في " ف ": ملكيته. (2) راجع الجواهر 15: 37
ومفتاح الكرامة 3: 15. (3) في " م ": الحلول. (4) التذكرة 1: 203. (5) نقله في
مفتاح الكرامة 3: 26 (كتاب الزكاة). (6) راجع الجواهر 15: 38.
[ 40 ]
" و " لا " الغنيمة " إلا " بعد القسمة "، أما على القول بتوقف
الملك عليها كما عن المشهور فواضح، وأما على القول بحصول التملك بالحيازة، فلعدم
التمكن من التصرف قبل قسمة الامام، ولعدم استقرار الملك، لان للامام أن يقسم بينهم
بتحكم، فيعطي كل واحد من أي الاصناف (1) شاء، فلم يتم ملكه عليه - كذا عن المنتهى -
(2) لكن المحكي عن ظاهر كلام الشيخ في الخلاف (3): منع ذلك، وإن لكل غانم نصيبا من
كل صنف من الغنيمة، فليس للامام منعها، مع أن منع الامام لعلة (4) بمنزلة للملك
الحاصل بمجرد الحيازة، فهو غير مانع كالخيار، مع أنه مختص بصورة تعدد أصناف
الغنيمة، وأما مع اتحاد جنسها فالغانمون كالورثة يملك كل منهم نصيبا معينا منها،
واعتبار التمكن من التصرف لا يوجب إلا اعتبار التمكن من القسمة قسطاا لبعض
الغانمين، فإن قبضه فلا إشكال، وإلا فان كان غائبا فلا يجري إلا بعد وصوله إليه، أو
إلى وكيله إلا إذا قبض عنه الامام بالولاية. وإن كان حاضرا، فالظاهر أنه موقوف على
قبض الغانم أيضا إلا إذا قلنا بالتملك بالحيازة، وكفاية عزل الامام في تعيين الملك
(5)، ورفع الحجر عن التصرف، لكنه مشكل لعموم ما دل على عدم جريان الحول إلا على ما
وقع في يده. وتمام الكلام في محله من كتاب الجهاد. " و " لا يجري " القرض " أيضا "
إلا بعد القبض " (6) بناء على ما عن الاكثر
(1) كذا صححناه على ما في المنتهى 1: 477 ففيه:
من اي اصناف المال شاء، ولكن في النسخ: الاوصاف. (2) المنتهى 1: 477. (3) الخلاف 2:
114. (4) في " ف " و " ج ": لعله. (5) في " م ": التملك. (6) في الارشاد 1: 278
والقرض حين القبض.
[ 41 ]
من أنه وقت حصول الملك (1)، وعلى قول الشيخ (2) فيجري من حين
التصرف وهو ضعيف يرده - مضافا إلى ما سيجئ في باب القرض - ما في حسنة زرارة: " ان
زكاة القرض على المقترض إن كان موضوعا عنده حولا " (3) وظاهرها وجوب الزكاة مع عدم
التصرف أيضا. " و " أما المبيع " ذو الخيار " فإنما يجري في الحول من " حين البيع "
ولا يتوقف على انقضاء زمان الخيار بناء على القول المشهور: من عدم توقف الملك على
انقضاء زمان الخيار، ويشكل ذلك في خيار البائع لو قلنا بمنعه للمشتري من التصرفا
المنافية للخيار. وربما يحمل كلامهم - هنا - على إرادة مجرد بيان عدم توقف جريان
المبيع (4) في الحول من حيث الملكية حين العقد، وإن كان له مانع آخر في مدة الخيار
من حيث عدم تمامية الملك، وهو محمل بعيد في نفسه، مضافا إلى ما قيل: إنه حكي عن غير
واحد: وجوب الزكاة بعد الحول، وإن كان الخيار باقيا، فيسقط البائع من الثمن بنسبة
ما أخرجه المشتري من الزكاة (5). ومثله في البعد حمل هذا الكلام على تجويز (6) تصرف
المشتري في زمان خيار البائع، فيرجع البائع بعد الفسخ إلى قيمة المبيع، أو يبطل ما
وقع من التصرف كالشفيع.
(1) راجع الجواهر 25: 23 ومفتاح الكرامة 5: 47.
(2) راجع الصفحة السابقة. (3) الوسائل 6: 67 الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة
ومن لا تجب، الحديث الاول، والرواية منقولة بالمعنى. (4) في " ف ": البيع. (5) راجع
الجواهر 15: 39. (6) في " ف ": تجوز.
[ 42 ]
وقد اطلق المصنف قدس سره - هنا - الجريان في الحول من حين العقد
مع حكمه بعدم جواز التصرف (1) المنافي لخيار البائع. والشهيد قدس سره في البيان عد
خيار البائع من الامور التي ظن أنها مانعة عن الزكاة، وليست مانعة (2) مع تردده في
الدروس في جواز تصرف المشتري بما ينافي خيار البائع. والشهيد قدس سره في البيان عد
خيار البائع من الامور التي ظن أنها مانعة عن الزكاة، وليست مانعة (2) مع تردده في
الدروس في جواز تصرف المشتري بما ينافي خيار البائع (3)، فيحتمل أن المنع من التصرف
المنافي (4) أعني: - النقل أو الاتلاف - لا ينافي وجوب الزكاة عندهم، لانه يصدق على
المبيع أنه مال حال عليه الحول في يد مالكه، بخلاف مال الرهن، فإن الراهن لا يستقل
في التصرف فيه وان لم يكن ناقلا فتأمل، فان في الفرق بين منذور الصدقة (5) بعينه
نذرا مشروطا بما يحتمل الحصول فضلا عما يقطع بحصوله، وبين المبيع في أيام الخيار
والحكم بما نعية النذر دون الخيار إشكالا، بل تحكما. " ولا زكاة في المغصوب " بلا
خلاف في الجملة، لعموم ما دل على اعتبار حولان الحول على المال مع وقوعه في يد
المالك، وكونه عند ربه، وفحوى سقوطها عن مال الغائب. ومقتضى (6) إطلاق النص
والفتوى: عدم الفرق بين ما لو تمكن من إخراج مقدار الزكاة من المغصوب باستئذان
الغاصب أو مع عدم اطلاعه وبين غيره، بل يعم الحكم لما إذا أذن الغاصب المالك في
التصرف في المغصوب مع بقاء يد العدوان عليه، وهو قوي.
(1) في " ج " و " ع ": بعدم جواز المنافي لخيار
البائع. (2) البيان: 169. (3) الدروس: 361 كتاب الخيار (الطبعة القديمة). (4) في "
م " زيادة للخيار. (5) في " م ": " التصرف التصدق " بدل: " الصدقة ". (6) في " م ":
بمقتضى.
[ 43 ]
نعم ربما يوهم الاختصاص: الاستدلال بأنه لو كلف بالزكاة مع عدم
التمكن من التصرف لكان مكلفا بإخراجها من غير ذلك المال، وهو معلوم البطلان. لكن
التحقيق: ان هذا الاستدلال لا يفي بأصل المطلب فضلا عن عمومه، ضرورة أنه يقتضي
اعتبار التمكن وقت الاخراج لا في تمام الحول، مع إمكان المناقشة في الملازمة (1)
بمنع التنافي بين ثبوت الزكاة في العين، وعدم وجوب الاخراج منها ولا من غيرها لما
(2) سيجئ من أن التمكن من الاداء شرط الضمان لا الوجوب، بل المناقشة في بطلان
التكليف بالاخراج من غير النصاب، كيف وقد حكي عن الشيخ في أحد أقواله (3): وجوب
الزكاة في المال المرهون، وتكلف (4) المالك بالاخراج من غيره لو كان له مال غيره،
وحكي ذلك عن الجامع (5) أيضا وإن ضعفه في المعتبر (6). وكيف كان، فالعمدة هو إطلاق
النص ومعاقد الاجماعات. نعم قيده بما إذا لم يتمكن تخليصه ولو ببعضه، ولو
بالاستعانة بظالم، وإلا وجبت فيما زاد على الفداء، ولعله لتحقق الشرط الذي هو
التمكن من التصرف، ولموثقة زرارة: " في رجل ماله عنه غائب، لا يقدر على أخذه ؟ قال:
فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكاه لعام واحد، وإن كان يدعه متعمدا وهو يقدر
على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مر من السنين " (7).
(1) في " ف " بالملازمة. (2) في بعض النسخ: كما.
(3) المبسوط 1: 208، وحكاه عنه في الجواهر 15: 54. (4) كذا في النسخ، والظاهر:
تكليف. (5) الجامع للشرائع 1: 131. (6) المعتبر 2: 563. (7) الوسائل 6: 63 الباب 5
من ابواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.
[ 44 ]
دلت الرواية بصدرها على تفريع نفي الزكاة على عدم القدرة على
أخذ المال الغائب، وبذيلها على ثبوت الزكاة مع ثبوت القدرة، وحينئذ فتحمل الروايات
الظاهرة في اعتبار الحضور الفعلي واليد الحالية على مجرد القدرة على الاخذ والتصرف،
ولو بواسطة أمر مقدور، في مقابل ما لم يقع تحت القدرة. ويؤيده ورود بعض تلك الاخبار
(1) في مقام نفي الزكاة عن المال الذي لم يملك في تمام الحول. وقد قوى الشيخ في
الخلاف وجوب الزكاة في المال المرهون مستدلا بأن الراهن قادر على التصرف فيها بأن
يفك رهنها، والمال الغائب إذا كان متمكنا منه، يلزمه زكاته بلا خلاف (2) (انتهى).
وكلامه صريح، إلا أن هذا ليس بأولى من إبقاء تلك على ظاهرها من اعتبار الوقوع في
اليد بالفعل سيما مثل قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان: " ليس على الدين صدقة،
ولا على المال الغائب حتى يقع في يدك " (3) الظاهر بل الصريح في اليد الفعلية فيحمل
الموثقة (4) المشتملة على القدرة على الاخذ، على القدرة الحاصلة على الوجه
المتعارف، مثل الوكيل في القبض ونحوه، لا إيجاد أسباب التمكن كتخليص المغصوب ببعضه
ونحو ذلك. نعم التمكن من أخذه خفية لا يبعد عده من التمكن، فيكون العبرة بالتمكن
والتسلط [ فعلا لا القدرة على ذلك، ويؤيد هذا الحمل ان تقييد المال الغائب - في
أدلة نفي الزكاة - بما لا يقدر على التسلط ] (5) عليه والتمكن - ولو ببذل بعضه -
لرفع المانع تقييد بالفرد النادر.
(1) راجع الوسائل 6: 61 الباب 5 من ابواب من يجب
عليه الزكاة. (2) الخلاف 2: 111. (3) الوسائل 6: 62 الباب 5 من ابواب من تجب عليه
الزكاة، الحديث 6. (4) المتقدمة في الصفحة السابقة. (5) ما بين المعقوفتين ليس في "
ف ".
[ 45 ]
ولو قيل: إن المال الغائب عنوان مستقل في نفسه لا يلحق به
المغصوب، لعدم تنقيح المناط، سقط التمسك بالاخبار من الطرفين، لان مورد الكل (1) في
المال الغائب. لكن الظاهر: أن المعيار في الكل واحد وهو: العجز عن الاخذ، ولذا
استدل بتلك الاخبار لاشتراط التمكن بلا فرط في شرح الروضة (2)، فاستدل له بما ورد
من وجوب الزكاة في الدين إذا قدر صاحبه عليه، وتركه متعمدا (3) مع عدم عمله قدس سره
بمضمونها، من (4) ثبوت الزكاة في الدين المقدور على أخذه. هذا، ولكن التحقيق:
الرجوع في معنى القدرة على الاخذ - الواردة في النص -، والتمكن من التصرف - الوارد
في معقد الاجماع - إلى العرف، لانه المحكم في مثله، والظاهر صدق القدرة على الاخذ
بمجرد القدرة على الاسباب ولو كانت بعيدة. وأما التمكن فهو وإن كان في صدقة على
التمكن من اسباب التمكن خفاء، بل منع (5) إلا أن الذي يظهر من ملاحظة فتاواهم، بل
معاقد (6) إجماعاتهم هو ما يعم هذا المعنى، ولا أقل من أن يحصل الشك في مراد الكل
أو البعض، فيجب الرجوع حينئذ إلى القدر المتيقن من تخصيص العمومات الموجبة للزكاة،
وخصوص ما أوجبها بمجرد القدرة على الاخذ. والمتقين هو: اعتبار التمكن بالمعنى الاعم
المساوي للقدرة التي نيط بها (7) الحكم فيما عرفت من الموثقة وغيرها.
ليس في " ف ": الكل. (2) شرح الروضة للفاضل
الهندي (مخطوط): 6 ذيل قول الماتن: كالراهن غير المتمكن من فكه. (3) الوسائل 6: 64
الباب 6 من ابواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5 و 7. (4) في " م ": في. (5) في " ف
" و " ج ": منعا، والصحيح ما اثبتناه. (6) في " ج " و " ع ": ومعاقد. (7) في " ف ":
به.
[ 46 ]
كيف وسيجئ في المرهون ما يدل على أن مراد أكثرهم من التمكن هو
المعنى الاعم، مضافا إلى أن أدلتهم على اعتبار التمكن من الروايات وغيرها لا يدل
على اعتبارا أزيد منه. ويلحق بالمغصوب: المجحود إذا لم يتمكن من استنقاذه، قال في
البيان: ولو أمكن الاستنقاذ وجبت، ولو صانعه ببعضه وجب في المقبوض وفي إجراء امكان
المصانعة مجرى التمكن نظر، وكذا الاستعانة (1) بظالم، أما الاستعانة بالعادل فتمكن
(2) (انتهى). وفي شرح الروضة: وجه النظر هو أن تخليص المغصوب بالمال بمنزلة ابتياع
ما يجب فيه الزكاة، وكما أن تحصيل الملكية لا يجب كذلك تحصيل التمكن الذي هو شرط
وجوب الزكاة (3). ويعلم ما في هذا، وفي استشكال المحقق الثاني في كفاية التمكن من
استنقاذ المجحود بالبينة (4) مما ذكرنا: من أنه لا دليل على اعتبار أزيد من القدرة
على الاخذ والتمكن من التصرف ولو بواسطة الاسباب، إلا أن في انصراف إطلاقها إلى ما
احتاج إلى صرف بعضه أو صرف مال غيره تأملا. ولو كان الفداء كثيرا مساويا للمفدى أو
أزيد فالاشكال أوضح، بل منع الزكاة أقوى. وكيف كان ففيما ذكره الشهيد من الفرق بين
الظالم والعادل (5) نظر، وإن أمكن توجيهه بأن العادل حيث أنه من الاسباب التي شرعها
الله لرد المظالم، وأوجب عليه ذلك، فهو بمنزلة الوكيل الامين من طرف المالك بل
الولي من طرف
(1) في " ج " و " ع ": في الاستنقاذ، وما
اثبتناه مطابق للمصدر. (2) البيان: 167. (3) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 8 -
9. (4) في " ف ": بالمال وفي " ج " و " ع " بالنية، والصحيح ما اثبتناه كما في جامع
المقاصد 3: 6. (5) ذكره الشهيد في البيان آنفا.
[ 47 ]
الغاصب والمالك، فقدرته بمنزلة قدرة المالك. [ بخلاف الظالم
الذي ليس التوسل به إلا من حيث الاضطرار فهو من قبيل التسبيب إلى التمكن بخلاف
الاول ] (1). " و " مما ذكرنا يظهر الكلام في المال " الغائب عن المالك " وأنه لا
زكاة فيه إجماعا نصا وفتوى، إلا أن يقدر على أخذه فيجب، وإن لم يكن بالفعل في يده
أو يد وكيله. نعم ظاهر إطلاق المتن وغيره: إعتبار فعلية اليد، لكن لا يبعد إرادة ما
ذكرنا من التقييد. ففي المدارك: ان عبارات الاصحاب ناطقة بوجوب الزكاة في المال
الغائب إذا كان صاحبه متمكنا (2) وهو المعتمد، لما تقدم من الموثقة (3) المخصصة
لعموم أدلة النفي عن مال الغائب حتى يقع في يده، بحمل الوقوع في اليد على كونه تحت
القدرة، وإن كان هذا الحمل بعيدا في صحيحة ابن سنان المتقدمة (4). نعم قيل: باشتراط
مضي زمان يمكن فيه قبضه أو قبض وكيله ولا بأس به. " و " اعلم أنه ألحق جماعة من
المتأخرين منهم المصنف قدس سره بالمالك " وكيل " فأوجبوا الزكاة (5): عن المالك إذا
كان في يد وكيله، وظاهرهم ذلك وإن لم يقدر المالك على التصرف فيه وأخذه، والمحكي عن
جماعة: الاقتصار على المالك فقط (6)، ولعله الاوفق بإطلاق الاخبار، وأدلة اشتراط
التمكن من
(1) ما بين المعقوفتين من " ج " و " م ". (2)
المدارك 5: 35. (3) تقدم ذكرها في الصفحة 43. (4) في الصفحة 44. (5) في " ع " و " م
": في المال الغائب. (6) السرائر 1: 443 ومفتاح الكرامة 3: 20 (كتاب الزكاة).
[ 48 ]
التصرف، إلا أن يدعى صدق المتمكن (1) على المالك عرفا بتمكن
وكيله، وفي اطراد هذه الدعوى إشكال. نعم لو اريد عدم الفرق في التمكن بين أن يتمكن
بنفسه أو بوكيله فلا إشكال في التعميم. ولو غاب الرجل عن ماله فإن كان في يد وكيله
فكما سبق، وإن كان موضوعا في بيته فالظاهر أيضا وجوب الزكاة لصدق كونه متمكنا منه
عرفا، بل كونه عند ربه وفي يده وإن كان عاجزا عن بعض التصرفات فيه أو كلها لبعض
العوارض. نعم لو انقطع عن ماله بالكلية بحيث لا يصدق عليه ما ذكر اتجه سقوط الزكاة،
قال في المنتهى (2): إنه لو اسر في بلاد الشرك وله مال في بلاد الاسلام لم يجب عليه
زكاة، محتجا بأنه غائب عن ماله، والغيبة تتحقق من الطرفين (2). ونحوه عن القاضي في
جواهر الفقة (4). وفي البيان: لو حبس عن ماله من غير إثبات اليد عليه وجبت زكاته
لنفوذ تصرفه فيه. نعم لو كان سائمة لا راعي لها ولا حافظ احتمل السقوط، لاشتراطهم
في الغائب في يد الوكيل (5) (انتهى). ولا يبعد أن يقال: إن الظاهر من الادلة هو
اعتبار عدم قصور في المال - إما لعدم حدوث تمام التمكن فيه كالارث الذي لم يصل إلى
الوارث، وإما لحدوث مانع فيه، إما لتعلق حق شرعي به، أو يد عرفي، أو غيبة منقطعة -
لا عدم
(1) في بعض النسخ: التمكن. (2) في " ف ": محكي
المنتهى. (3) منتهى المطلب 1: 475. (4) جواهر الفقه (الجوامع الفقهية): 415. (5)
البيان: 167.
[ 49 ]
قصور المالك عن التصرف فيه لمرض، أو حبس، أو غيرهما. قال في كشف
الغطاء: ولا يخرج عن التمكن لعروض شئ من قبله كإغماء أو جنون أو نذر أو عهد أو
نحوها من الموانع الشرعية الاختيارية المانعة عن التصرف في وجه قوي، أما ما تعلق
بالمخلوق كأن يشترط عليه في عقد لازم أن لا يتصرف فيه حيث يصح، فالظاهر الحكم
بانقطاع الحول واستئنافه بعد ارتفاع الموانع (1) (انتهى). ونظر فيما ذكروه بعض
المعاصرين (2)، والانصاف أن المسألة لا تخلو من إشكال. فالتحقيق: أن يحكم بنفي
الزكاة في جميع ما ورد النص بنفي الزكاة عنه، كالارث الغير الواصل إلى صاحبه والمال
المفقود ونحوهما، ويرجع في غير الموارد (3) إلى صدق التمكن من التصرف المصرح
باعتباره في الفتاوى، فإن صدق فلا إشكال في وجوب الزكاة، للاجماع على عدم اشتراط
أزيد منه في تمامية الملك. وإن لم يتحقق صدق التمكن من التصرف - لاشتباه مراد
المجمعين كلا أو بعضا - فإن تحقق القدرة على الاخذ، المصرح باعتبارها في الموثقة
المتقدمة (4) فيحكم بوجوب الزكاة أيضا، كما يحكم بنفيه لو علم تحقق عدمها، وإن
اشتبه التحقق فالواجب الرجوع إلى عمومات الوجوب، لعدم العلم بتخصيصها بأزيد من
القدر المتيقن. ويحتمل ضعيفا: الرجوع إلى الاصل، لسراية إجمال عنوان المخصص إلى
(1) كشف الغطاء: 346 المبحث التاسع من مباحث
كتاب الزكاة. (2) راجع الجواهر 15: 53. (3) في " ج " و " ع ": موارده. (4) تقدم
ذكرها في الصفحة 43.
[ 50 ]
العمومات. وعلى أي تقدير فلا إشكال. واعلم أن التمكن من التصرف
معتبر في جميع الحول - فيما يعتبر فيه الحول من الاجناس الزكوية - وأما في الغلات
فظاهر اتحاد سياقه مع سائر الشروط: اعتباره في زمان تعلق الوجوب (1)، وربما مال
جماعة من المتأخرين إلى كفاية تحققه بعد ذلك (2) لاطلاق الادلة، واختصاص أدلة
اعتبار التمكن بما يعتبر فيه الحول. وفيه نظر، إلا أن المسألة لا تخلو عن اشكال. "
و " لا زكاة في عين " الوقف " بلا خلاف ظاهرا - كما عن الكفاية (3) - لعدم جواز
التصرف فيه إلا بالاستنماء، بل لعدم الملكية في الوقف العام، وتعلق حق البطون
اللاحقة في الخاص، لكن المحكي عن وقف التذكرة بعد نقل الخلاف في انتقال ملكية الوقف
إلى الموقوف عليه: انه يظهر فائدة الملك في وجوب الزكاة في الغنم الموقوفة (4).
وكيف كان فلو نتجت الانعام الموقوفة وملك الموقوف عليه منه نصابا، وحال عليه الحول
وجبت الزكاة بلا إشكال ظاهرا. " و " كذا لا اشكال في نفي الزكاة عن الحيوان " الضال
و " المال " المفقود " بالنص والاجماع. نعم حكي عن غير واحد: انه يعتبر في مدة
الضلال: إطلاق الاسم، فلو حصل لحظة أو يوما لم ينقطع (5)، وفي اليوم، بل اللحظة إذا
حصل اليأس.
(1) راجع المسالك 1: 40 ذيل قول الماتن: ولا تجب
الزكاة في المغصوب. (2) راجع: المدارك 5: 34، الذخيرة: 425. (3) الكفاية: 35. (4)
التذكرة 2: 440. (5) المسالك 1: 40، مفتاح الكرامة 3: 20 (كتاب الزكاة)، الجواهر
15: 56.
[ 51 ]
والفرق بين الضلال والخروج عن الملك إشكال. وأشكل منه إطلاق ما
في الوسيلة: من أنه لو ضلت واحدة من النصاب قبل الحول وعادت، لم تسقط الزكاة، وإن
لم تعد سقطت (1). وعلى الاشكال (2) في تخلل مدة الفقد والضلال بين أيام الحول، فلو
تقدمت عليها لم يحسب من الحول بلا إشكال. وكيف كان " فإن عاد بعد سنين استحب زكاة
سنة " بلا خلاف كما عن جماعة (3) للنصوص (4)، بل ربما حكي (5) عن ظاهر جماعة
الاستحباب مع خلال (6) سنة واحدة، وعن المنتهى: أنه إذا عاد المغصوب والضال إلى ربه
استحب أن يزكيه لسنة واحدة، ذهب إليه علماؤنا (7) وعن ظاهر النهاية (8): إطلاق
الامر بالاخراج الظاهر في الوجوب، وعن الرياض: حكايته عن نادر من المتأخرين (9). "
ولا " تجب الزكاة في " الدين حتى يقبضه " ويصير عينا " وإن كان تأخره (10) من جهة
مالكه " على المشهور بين المتأخرين، بل قيل (11): إنه إجماعهم لعموم
(1) الوسيلة: 126. (2) في " م ": ومحل الاشكال.
(3) مفتاح الكرامة 3: 20 (كتاب الزكاة)، والجواهر 15: 57. (4) الوسائل 6: 61: الباب
5 من ابواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1، 7. (5) راجع الجواهر 15: 57. (6) كذا في
النسخ، والظاهر: ضلال. (7) منتهى المطلب 1: 475. (8) النهاية: 176. (9) رياض
المسائل 1: 263: ذيل قول الماتن: ولو مضت عليه أحوال، زكاة لسنة استحبابا. (10) في
المطبوع من الارشاد ومجمع الفائدة: تأخيره. (11) الجواهر 15: 59.
[ 52 ]
نافياتها عن الدين، واختصاص موجباتها بالعين، وخصوص رواية
الحميري، عن علي بن جعفر عليه السلام: أنه سأل أخاه عليه السلام عن الدين يكون على
القوم المياسير إذا شاء قبضه صاحبه هل عليه زكاة ؟ قال: لا، حتى يقبضه صاحبه ويحول
عليه الحول " (1). خلافا للمحكي عن جماعة من القدماء (2)، فأوجبوها في الدين مع كون
التأخير من جهة المدين، لظواهر أخبار كثيرة (3) محمولة على الاستحباب. " و " مال "
القرض إن تركه المقترض (4) بحاله حولا فالزكاة عليه " بلا خلاف ظاهر، كما عن محكي
الخلاف والسرائر (5)، وعن التنقيح: أنه مذهب الاصحاب (6) ووجهه واضح بناء على عدم
توثف تملك القرض على التصرف، كما هو المشهور. " والا " يتركه بحاله " سقطت " عنه،
لعدم حلول الحول عليه، وعن المقرض. ولو اشترط الزكاة على المقرض فالظاهر صحة الشرط
وفاقا للمصنف قدس سره في باب القرض من المختلف (7)، بعد أن حكاه عن الشيخ والقاضي
ومعه (8) جماعة من المتأخرين منهم الشهيد في المسالك (9)، لان التبرع بأداء الزكاة
عن الغير سائغ فاشتراطه صحيح.
(1) الوسائل 6: 66 الباب 6 من أبواب من تجب عليه
الزكاة، الحديث 15. (2) المقنعة: 239 والخلاف 2: 80 والجمل والعقود (الرسائل
العشر): 205، رسائل الشريف المرتضى: (المجموعة الثالثة): 74، حكاه عنهم الجواهر 15:
59. (3) في النسخ: المقرض، والصحيح ما اثبتناه، وهو مطابق للارشاد ولمتن مجمع
الفائدة. (5) الخلاف 2: 111، السرائر 1: 445، (6) التنقيح الرائع 1: 299. (7)
المختلف: 415 كتاب الديون. (8) في " ع " و " ج ": معهم، وفي هامشهما: تبعهم. (9)
المسالك 1: 43، ذيل قول الماتن: وقيل لا يلزم وهو الاشبه.
[ 53 ]
أما الصغرى، فالظاهر عدم الخلاف فيها (1)، كما استظهره سيد
مشايخنا في المناهل (2) حاكيا له عن الرياض (3)، ولان المانع إن كان هو كون تكليف
الزكاة مما يجب فيه المباشرة فبطلانه واضح، لجواز التوكيل في الاخراج إتفاقا، وإن
كان المانع كونه مالا متعلقا بذمة المالك أو بعين ماله، فيدفعه: جواز تبرع الانسان
بأداء ما في ذمة غيره وضمانه، لا يجوز له ضمانه بالبدل من الاعيان (4). هذا مضافا
إلى عموم المنزلة فيما ورد من " أن الزكاة دين " (5) وخصوص صحيحة ابن حازم: " عن
رجل استقرض مالا وحال عليه الحول وهو عنده ؟ فقال: إن كان الذي أقرضه يؤدي فلا زكاة
عليه، وإن كان لا يؤدي أي المستقرض " (6). وأما الكبرى فلعموم أدلة الشروط، وليس
هذا مخالفا للكتاب والسنة من وجه، عدا ما عن جماعة من أنه اشتراط للعبادة على غير
من وجبت عليه (7) وما عن بعضهم: من أن إطلاق النص والفتوى أن زكاة القرض على
المقترض، يدل على اختصاص وجوبها عليه وعدم وجوبها على أحد (8). ويرد على الاول: أن
اشتراط أداء العبادة عمن وجبت عليه لا بأس به، وليس هو إلا كالاستئجار على فعلها
عنه، أو كاشتراط الولي (9) في ضمن عقد لازم قضاء عبادة فائتة.
(1) في النسخ: فيه. (2) راجع مصابيح الفقه
(المناهل) المخطوط، الصفحة 4. (3) رياض المسائل 1: 264، ذيل قول الماتن: وزكاة
القرض على المقترض. (4) في " ع ": وضمانه ما يجوز له ضمان بالبذل من الاعيان. (5)
الوسائل 6: 67: الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2. (7) (8) راجع
الحدائق 12: 40، والجواهر 15: 58. (9) في " م " زيادة: على غيره.
[ 54 ]
وعلى الثاني: أن إطلاق النصوص والفتاوى في مقام بيان الوجوب
الاصلي الذاتي كما في قولهم: يجب على الولي قضاء ما فات عن (1) الميت. وهو لا ينافي
وجوبها على الغير تحملا باجارة أو شرط. على أنا لا نقول ببراءة ذمة المالك بمجرد
الاشتراط، بل ذمة المقترض مشغولة مادام لم يؤد المقرض، ولا منافاة بين وجوبها على
المقرض بمقتضى الشرط، وعدم سقوطها عن المقترض، كما لو نذر أن يؤدي دين غيره. وعلى
هذا فالزكاة على المقترض ثابت مطلقا حتى (2) بعد الاشتراط، ولا يسقط إلا بفعل الغير
كما هو ظاهر صحيحة ابن حازم المتقدمة. والحاصل: أنه (3) لا وجه لمخالفة اشتراط أداء
الشخص لزكاة غيره. للكتاب، بعد تسليم كون الاداء عن الغير غير مخالف للكتاب. ووجوب
الاداء بعد الاشتراط - مضافا إلى عدم منافاته للوجوب على المالك (4) - لا يوجب
المخالفة، إما لان مقتضى الكتاب والسنة تعلق الوجوب الاصلي الابتدائي بالمالك،
والمفروض أنه لم ينقل منه (5) إلى غيره، وإما لان العبرة في المخالفة والموافقة
للكتاب والسنة بما قبل الاشتراط، فتأمل. نعم لو اشترط عدم تعلق الزكاة ابتداء
بالمديون، وثبوتها ابتداء على المقرض اتجه فساد الشرط، بل القرض - بناء على إفساد
الشرط الفاسد - إذا الظاهر مخالفة هذا الشرط للكتاب والسنة كما لا يخفى. ولا يبعد
حمل كلام من أطلق صحة الاشتراط على هذا التفصيل وإن
(1) ليس في اكثر النسخ: عن. (2) ليس في اكثر
النسخ: حتى. (3) في " ف " و " ج ": ان. (4) في " م " زيادة: ايضا. (5) في " ع " و "
ج " و " م ": " عنه ".
[ 55 ]
جعل بعضهم التفصيل ثالث الاقوال (1) واعلم ان المصنف قدس سره لم
يذكر عدم وجوب الزكاة ف