[ 1 ]
كتاب المكاسب
[ 3 ]
كتاب المكاسب للشيخ الاعظم استاذ الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى الانصاري (قدس
سره) 1214 - 1281 ه الجزء الأول اعداد لجنة تحقيق تراثنا الشيخ الاعظم
[ 4 ]
أنصاري، مرتضى بن محمد أمين 1214 - 1281 ق. المكاسب / المؤلف مرتضى الأنصاري:
إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم. - قم: مجمع الفكر الإسلامي 1420 ق = 1378.
فهرستنويسي بر اساس اطلاعات فيپا (فهرستنويسي پيش از انتشار). عربي. فهرست نويسي بر
اساس جلد اول، 1420 ق = 1378. اين كتاب به مناسبت دويستمين سالگر تولد شيخ انصاري
منتشر شده است. كتابنامه: 1 - معاملات (فقه). الف: مجمع الفكر الاسلامي. لجنة تحقيق
تراث الشيخ الأعظم ب. مجمع الفكر الاسلامي. ج. كنگره جهاني بزرگداشت دويستمين سالگر
تولد شيخ انصاري. د. عنوان. 7 م 8 الف / 1 / 1901 273 792 - BP الف ى 1300 كتابخانه
ملي ايران - 1937 - 78 م قم - ص. ب 3654 - 37185 - ت: 744810 كتاب المكاسب / ج 1
المؤلف: الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره تحقيق: لجنة التحقيق الطبعة:
الثالثة / ربيع الأول 1420 ه. ق صف الحروف: مجمع الفكر الإسلامي الليتوغراف: نگارش
- قم المطبعة: باقري - قم الكمية المطبوعة: 2000 نسخة جميع الحقوق محفوظة للأمانة
العامة لمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري قدس
سره.
[ 5 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ 6 ]
برعاية قائد الثورة الاسلامية ولي أمر المسلمين سماحة آية الله العظمى السيد
الخامنئي دام ظله الوارف تم طبع هذا الكتاب
[ 7 ]
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين
الطاهرين. لم تكن الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني رضوان الله عليه حدثا
سياسيا تتحدد آثاره التغييرية بحدود الأوضاع السياسية إقليمية أو عالمية، بل كانت
وبفعل التغييرات الجذرية التي أعقبتها في القيم والبني الحضارية التي شيد عليها ضرح
الحياة الإنسانية في عصرها الجديد حدثا حضاريا إنسانيا شاملا حمل إلى الإنسان
المعاصر رسالة الحياة الحرة الكريمة التي بشر بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
على مدى التأريخ وفتح أمام تطلعات الإنسان الحاضر أفقا باسما بالنور والحياة،
والخير والعطاء. وكان من أولى نتائج هذا التحول الحضاري الثورة الثقافية الشاملة
التي شهدها مهد الثورة الإسلامية إيران والتي دفعت بالمسلم الإيراني إلى اقتحام
ميادين الثقافة والعلوم بشتى فروعها، وجعلت من إيران، ومن قم المقدسة بوجه خاص
عاصمة للفكر الإسلامي وقلبا نابضا بثقافة القرآن وعلوم الإسلام.
[ 8 ]
ولقد كانت تعاليم الإمام الراحل رصوان تعالى عليه ووصاياه وكذا توجيهات قائد
الثورة الإسلامية وولي امر المسلمين آية الله الخامنئي المصدر الأول الذي تستلهم
الثورة الثقافية منه دستورها ومنهجها، ولقد كانت الثقافة الإسلامية بالذات على رأس
اهتمامات الإمام الراحل رضوان الله عليه وقد أولاها سماحة آية الله الخامنئي حفظه
الله تعالى رعايته الخاصة، فكان من نتائج ذاك التوجيه وهذه الرعاية ظهور آفاق جديدة
من التطور في مناهج الدراسات الإسلامية بل ومضامينها، وانبثاق مشاريع وطروح تغييرية
تتجه إلى تنمية وتطوير العلوم الإسلامية ومناهجها بما يناسب مرحلة الثورة الإسلامية
وحاجات الإنسان الحاضر وتطلعاته. وبما أن العلوم الإسلامية حصيلة الجهود التي بذلها
عباقرة الفكر الإسلامي في مجال فهم القرآن الكريم والسنة الشريفة فقد كان من أهم ما
تتطلبه عملية التطوير العلمي في الدراسات الإسلامية تسليط الأضواء على حصائل آراء
العباقرة والنوابغ الأولين الذين تصدروا حركة البناء العلمي لصرح الثقافة
الإسلامية، والقيام بمحاولة جادة وجديدة لعرض آرائهم وأفكارهم على طاولة البحث
العلمي والنقد الموضوعي، ودعوة أصحاب الرأي والفكر المعاصرين إلى دراسة جدية وشاملة
لتراث السلف الصالح من بناة الصرح الشامخ للعلوم والدراسات الإسلامية ورواد الفكر
الإسلامي وعباقرته. وبما أن الإمام المجدد الشيخ الأعظم الأنصاري قدس الله نفسه
يعتبر الرائد الأول للتجديد العلمي في العصر الأخير في مجالي الفقه والاصول - وهما
من أهم فروع الدراسات الإسلامية - فقد اضطلعت الأمانة العامة لمؤتمر الشيخ الأعظم
الأنصاري - بتوجيه من سماحة قائد الثورة الإسلامية
[ 9 ]
آية الله الخامنئي ورعايته - بمشروع إحياء الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ
الأعظم الأنصاري قدس سره وليتم من خلال هذا المشروع عرض مدرسة الشيخ الأنصاري
الفكرية في شتى أبعادها وعلى الخصوص إبداعات هذه المدرسة وإنتاجاتها المتميزة التي
جعلت منها المدرسة الام لمات تلتها من مدارس فكرية كمدرسة الميرزا الشيرازي
والآخوند الخراساني والمحقق النائيني والمحقق العراقي والمحقق الإصفهاني وغيرهم من
زعماء المدارس الفكرية الحديثة على صعيد الفقه الإسلامية واصوله. وتمهيدا لهذا
المشروع فقد ارتأت الأمانة العامة أن تقوم لجنة مختصة من فضلاء الحوزة العلمية
وإخراجها بالاسلوب العلمي اللائق وعرضها لرواد الفكر الإسلامي والمكتبة الإسلامية
بالطريقة التي تسهل للباحثين الإطلاع على فكر الشيخ الأنصاري ومتاجه العلمي العظيم.
والأمانة العامة لمؤتمر الشيخ الأنصاري إذ تشكر الله سبحانه وتعالى على هذا التوفيق
تبتهل إليه في أن يديم ظل قائد الثورة الإسلامية ويحفظه للإسلام ناصرا وللمسلمين
رائدا وقائدا وأن يتقبل من العاملين في لجنة التحقيق جهدهم العظيم في سبيل إحياء
تراث الشيخ الأعظم الأنصاري وأن يمن عليهم بأضعاف من الأجر والثواب. أمين عام مؤتمر
الشيخ الأعظم الأنصاري محسن العراقي
[ 10 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ 11 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم
أنبيائه محمد وآله الطاهرين. وأما بعد: فمنذ أن التحق الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم بالرفيق الأعلى بدأ الاختلاف في وجهات النظر الفقهية، انطلاقا من الاختلاف في
الإمامة الكبرى وما استتبعه من الاختلاف في الاصول التي يبتني عليها الفقه، كالسنة
والإجماع والاجتهاد والقياس ونحو ذلك، فإن الاتجاه المخالف للاتجاه الفقهي لأهل
البيت عليهم السلام بدأ بطرح فكرة حجية الإجماع - بطريقته الخاصة - والاجتهاد
بالرأي والقياس وما شابهها، بينما كان أهل البيت عليهم السلام يرفضون ذلك كله
لأسباب يطول شرحها. وأما السنة، فلما كانت السنة المنقولة عن الإمام عليه السلام -
عندهم - كالسنة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهي حجة لو ثبتت بطريق
موثوق به. وعلى هذا الأساس صار لأهل البيت عليهم السلام فقه مستقل مستلهم
[ 12 ]
من الكتاب الكريم والسنة النبوية المودعة عند أئمتهم عليهم السلام. ولم تتسع
هوة الخلاف بين الاتجاهين بصورة كاملة في الصدر الأول لعاملين، وهما: قرب العهد
بعصر النصوص، وعدم اعتماد الاتجاه الآخر على الاصول المرفوضة لدى أئمة أهل البيت
عليهم السلام كثيرا، بل كانت فتاوى الإمام علي عليه السلام هي المرجع الوحيد في ما
يستجد من قضايا وأحداث كان يعجز الآخرون عن بيان حكمها الشرعي، فهذا عبد الرزاق
يحدثنا في مصنفه عن نافع مولى ابن عمر، عن أسلم مولى عمر: أن رجلا سأل عمر عن بيض
النعام يصيبه المحرم، فقال له عمر: أرأيت عليا؟ فاسأله، فإنا قد امرنا أن نشاوره
(1). ومع ذلك كله نرى - ومع الأسف - أن الفقه المنقول عن غيره في كتب العامة أكثر
مما هو منقول عنه، والأسباب غير خفية على المتأمل. وعلى أي حال، فقد تجسد هذا
الاستقلال بوضوح أيام الإمامين: الباقر والصادق عليهما السلام حيث سمحت لهما الظروف
بإظهار فقه أهل البيت عليهم السلام، لأ نهما عاشا الفترة الانتقالية للحكم من
الأمويين إلى العباسيين، فقد كثر تلامذتهما، واشتهر أن تلاميذ الإمام الصادق عليه
السلام كانوا أكثر من أربعة آلاف، انتشروا في البلاد الإسلامية، وكان أكثر تمركزهم
في مدرستي المدينة والكوفة، فقد روي عن الحسن بن علي الوشاء قوله: " لو علمت أن هذا
الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإني أدركت في هذا المسجد - أي مسجد الكوفة
-
(1) مصنف عبد الرزاق 4: 422.
[ 13 ]
تسعماءة شيخ، كل يقول: حدثني جعفر بن محمد... " (1). وقد تمكن هذان الإمامان من
وضع الاسس العامة للاجتهاد الصحيح، كالقواعد الاصولية، مثل: الاستصحاب، والبراءة،
والاحتياط، وأحكام التعارض بين الأخبار، والتسامح، ونفي الضرر ونحو ذلك، وكالقواعد
الفقهية، مثل: قاعدة اليد، وسوق المسلمين، والضمان، والإتلاف، وأصالة الصحة (حمل
فعل المسلم على الصحيح) وعشرات بل مئات القواعد الاخرى. ولم يكتف الأئمة بذلك، بل
كانوا يدربون تلامذتهم على الاستنباط والاجتهاد الصحيح، فقد روي عنهم عليهم السلام
قولهم: " علينا إلقاء الاصول، وعليكم التفريع " (2). وهكذا أخذ الفقه الإمامي يتسع
رغم تزايد الضغوط بعد الإمام الصادق عليه السلام بحيث كان من الصعب التوصل إلى
الأئمة لأخذ العلم عنهم، ورغم ما كانت تبذله السلطات من جهود متواصلة لإبعاد الناس
عن أبواب الأئمة عليهم السلام، وكان من جملتها تأييد المتفقهة المخالفين لهم،
وإرجاع عامة الناس إليهم. انتهى دور الحضور ولم يتجاوز التفكير الفقهي الإمامي حدود
تفسير النصوص التي جمعها أصحاب الأئمة في اصولهم الروائية، واستمر الأمر كذلك حتى
اتسعت دائرة التفكير الفقهي شيئا فشيئا، وأخذت الكتب الفقهية تستقل عن كتب الحديث،
فكتبت المجاميع الحديثية
(1) رجال النجاشي: 40، الترجمة رقم (80). (2) الوسائل 18: 41، الباب 6 من أبواب
صفات القاضي، الحديث (52).
[ 14 ]
المستقلة ك " الكافي " و " من لا يحضره الفقيه " و " التهذيب " و " الاستبصار
"، ودونت مجاميع فقهية مستقلة أيضا، وقد دونت هذه المجاميع على نحوين: الأول -
الكتب الفقهية التي اقتصرت على تلخيص الروايات وحذف أسانيدها من دون تفريع فروع
زائدة على ما ورد فيها ك " المقنع " و " الهداية " للشيخ الصدوق قدس سره و "
المقنعة " للشيخ المفيد قدس سره و " النهاية " للشيخ الطوسي قدس سره وغيرها. الثاني
- الكتب التي لم تقتصر على ذلك، بل أخذت تتوسع في التفريع والاستنباط بالاستعانة
بالطرق الاجتهادية الصحيحة. وكان الرائد لهذه الطريقة القديمان: الحسن بن أبي عقيل
العماني، وابن الجنيد أبو علي الإسكافي (1)، وهما من أعلام القرن الرابع، فقد ألف
الأول كتابه " المتمسك بحبل آل الرسول "، والثاني " تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة "
و " المختصر الأحمدي ". فكان لهذين الفقيهين الدور الفعال والمؤثر في إشاعة الطريقة
الاجتهادية وإن كان المعروف عن ابن الجنيد أنه كان يعمل بالقياس، إلا أن لأهل
التحقيق بحثا حول النسبة ومفادها لا يسعنا التعرض له فعلا. وقد حذا حذوهما الشيخ
المفيد قدس سره فإنه وإن كان ينتقد ابن الجنيد أخذه بالقياس حسبما نسب إليه إلا أن
طريقة تفكيره تدل على تبنيه للخط الاجتهادي وإن كان كتابه " المقنعة " على منهج
الكتب المقتصرة
(1) انظر الفوائد المدنية للاسترابادي: 30، والفوائد الرجالية للعلامة بحر العلوم
2: 211 - 220.
[ 15 ]
على متون الروايات كما تقدم. وتمخضت طريقة المفيد الاجتهادية عن شخصيات فقهية
كان لها دور كبير في تطوير الفقه الإمامي، كالسيد المرتضى والشيخ الطوسي قدس سرهما،
فقد ألف السيد المرتضى كتابه " الذريعة " في اصول الفقه، و " الانتصار " و "
الناصريات " وغيرهما في الفقه. وأما شيخ الطائفة الطوسي قدس سره فقد كان دوره في
ترسيخ قواعد الفقه الاجتهادي من حيث النظرية والتطبيق أكثر من غيره، فقد ألف كتابه
" العدة " في اصول الفقه، و " المبسوط " في الفقه، وقد صرح بهذا الإنقلاب في مقدمة
" المبسوط ". واستقرت هذه الطريقة بين الفقهاء وأخذت تتكامل رغم العقبات العديدة
التي واجهتها. وكان للفقهاء الكبار أمثال ابن إدريس والمحقق والعلامة والشهيدين
والمحقق الثاني ومن تأخر عنه الدور الكبير في ترسيخ الفقه الاجتهادي، وخاصة الوحيد
البهبهاني (م 1205) الذي كان له الدور المشرف في القضية بعد أن حاولت الطريقة
الأخبارية اكتساح الطريقة الاجتهادية من جذورها، ثم تلاه تلامذته وتلامذة تلامذته
إلى أن وصل الدور إلى العلامة المؤسس الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره.
وليس من الجزاف إذا قلنا: إن ما قام به الشيخ الأنصاري قدس سره يشابه (1) ما قام به
الشيخ الطوسي قدس سره، فإن الشيخ الطوسي قام
(1) هناك أوجه شبه عديدة بين هاتين الشخصيتين العظيمتين تحتاج إلى دراسة مستقلة،
منها الدقة التامة في مراعاة المثل الأخلاقية في بحوثهما ومناقشاتهما.
[ 16 ]
بانقلاب في الاصول والفقه بصورة عامة في أوائل تأريخ الفقه الاجتهادي، والشيخ
الأنصاري قام بانقلاب في الاصول والفقه، وخاصة الفقه المعاملي، بعد حوالي ثمانية
قرون. إن الفقه وإن كان قد قطع شوطا كبيرا في القرن الثالث عشر بيد شيخ الفقهاء
صاحب الجواهر قدس سره حيث إن كتابه احتوى من التحقيقات القيمة ما لا يستغني عنه
فقيه حتى في اليوم الحاضر، إلا أن ما أتى به الشيخ الأنصاري قدس سره في خصوص الفقه
المعاملي لم يأت به فقيه من قبله، ولسنا نريد أن نقول: إن كل ما أتى به جديد، فإن
ذلك غير صحيح، كيف؟ وقد استفاد ممن تقدمه من الفقهاء، وهذه سنة العلم يأخذ المتأخر
من المتقدم ويبني عليه، إلا أننا نقول: إن مجموع ما دونه في خصوص الفقه المعاملي من
حيث المجموع وبهذه الكيفية والسعة والعمق، لم يأت به من سبقه، وهذا الأمر يحتاج إلى
دراسة معمقة ليس بإمكاننا الدخول فيها - فعلا - ولكن سنقوم فيما يلي بمقارنة سريعة
وخاطفة بين كتابي المكاسب والجواهر الذين لا يفصل بينهما فاصل زمني يعتد به، ونشير
إلى بعض الفوارق بينهما. وهذه الفوارق وإن كانت فوارق كيفية إلا أنها ربما تحكي عن
فوارق جوهرية أيضا. ومهما يكن فالفوارق التي يمكن ذكرها فعلا هي: أولا - في كيفية
الدخول في الموضوع: إن الشيخ الأنصاري قدس سره حينما يريد الدخول في بحث ما، يقسم -
غالبا - الموضوع الذي يريد أن يبحث فيه إلى أقسامه، ثم يدخل
[ 17 ]
في كل قسم بالترتيب، وقلما نجده يدخل في موضوع مهم من دون مقدمة. نعم قد يدخل
في موضوع ما بالمناسبة واستطرادا ومن دون ذكر عنوان فيما إذا لم يكن من صميم
الموضوع. وأما صاحب الجواهر رغم أن كتابه شرح للشرائع، وهو من أحسن الكتب الفقهية
تنظيما وتبويبا، لكن لما كان الفاصل الزمني بين تأليف الشرائع وتأليف الجواهر
كبيرا، فإن ذلك يقتضي تضخم المطالب الفقهية وتوسعها وتكاملها، فلذلك كان اللازم على
صاحب الجواهر أن يتعرض للموضوعات التي لم يتعرض لها في الشرائع، وقد فعل ذلك، لكنه
ربما دخل في البحث فيها من دون أن يلتفت إلى كيفية دخوله فيها إلا أهل الدقة
والنظر. فمثلا: أن الشيخ الأنصاري قدس سره حينما ذكر النوع الرابع مما يحرم
الاكتساب به، قال: " النوع الرابع: ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه،
وهذا النوع وإن كان أفراده هي جميع الأعمال المحرمة القابلة لمقابلة المال بها في
الإجارة والجعالة وغيرهما إلا أنه جرت عادة الأصحاب بذكر كثير مما من شأنه الاكتساب
به من المحرمات، بل وغير ذلك مما لم يتعارف الاكتساب به، كالغيبة والكذب ونحوهما،
وكيف كان فنقتفي آثارهم... " ثم ذكر الموارد واحدا واحدا إلى أن وصل إلى الغيبة
فقال: " الرابعة عشر: الغيبة حرام بالأدلة الأربعة... " فيدخل في البحث ابتداء من
بيان الحكم، ثم الموضوع، ثم الشرائط، ثم المستثنيات.
[ 18 ]
وأما صاحب الجواهر قدس سره فإنه لما لم يتعرض المحقق في الشرائع لموضوع الغيبة،
للسبب الذي ذكره الشيخ، وهو: أنه لم يتعارف أن يقابل بالمال، فكر في منفذ يدخل منه
في البحث عن الغيبة، فالتجأ إلى بحث " الهجاء " الذي ذكره صاحب الشرائع لتعارف أخذ
الجعل والأجر عليه، فلما وصل - صاحب الجواهر - في بحثه إلى عدم حرمة هجاء الكافر
و... قال: " وأولى من ذلك غيبتهم... " فدخل في بحث الغيبة من هذا المنفذ، فبحث في
حكمها، ثم في موضوعها، ثم في مستثنيات الغيبة. فنرى أن صاحب الجواهر دخل في هذا
الموضوع المهم من دون أن يعنون له عنوانا مستقلا، ولذلك لا يلتفت إلى كيفية وروده
ومحله إلا من تتبع الموضوع بدقة. وما أكثر الموارد من هذا النمط في الجواهر. ثانيا
- في تنظيم البحث واستيعاب جوانبه: إن الشيخ الأنصاري قدس سره حينما يريد الدخول في
البحث عن موضوع ما يدخل فيه على أساس منهج معين قد يعلنه قبل الدخول في البحث، وقد
لا يعلنه ولكن يلتزم به في بحثه، وعلى أي حال فهو يسير في البحث طبقا لمنهجية
معينة، فلا يرجع إلى المرحلة التي اجتازها، نعم قد يكر في بحثه مع مراعاة المرحلية
- أي في المرحلة الواحدة -. وأما صاحب الجواهر فإنه لم يراع المرحلية في بحثه،
فلذلك
[ 19 ]
نراه يرجع إلى المرحلة التي اجتازها، ونرى في أبحاثه تموجا وظاهرة الكر والفر
العلمي الكثير، وهذا مما يؤدي إلى صعوبة فهم الجواهر بخلاف المكاسب، فإنه مع غض
النظر عن مستوى البحث العلمي الدقيق واحتياجه إلى الدقة والفهم، لا يصعب التوصل إلى
ما يرومه الشيخ غالبا. ولنذكر بيع الفضولي مثالا لهذه المقارنة (1): عقد الفضولي في
المكاسب: إن الشيخ الأنصاري قدس سره حينما أراد الدخول في بيع الفضولي دخل فيه على
النحو التالي: 1 " - فإنه قال إن من شرائط المتعاقدين أن يكونا مالكين أو مأذونين
من المالك أو الشارع، ولذلك لا يترتب على عقد الفضولي ما يترتب على عقد غيره من
اللزوم. ومن هنا دخل في بحث " عقد الفضولي ". 2 " - ثم بين أن مورد البحث هو "
العقد " لا " الإيقاع ". 3 " - ثم عرف الفضولي. 4 " - ثم قسم البحث وقال: إن
الفضولي قد يبيع للمالك وقد يبيع لنفسه، وعلى الأول قد لا يسبقه منع من المالك وقد
يسبقه. فهنا مسائل ثلاث: الاولى: أن يبيع للمالك مع عدم سبق منع منه. 5 " - واستدل
له بعدم اشتراط سبق الإذن في صحة العقد،
(1) كانت المقارنة أوسع مما هو مذكور إلا أننا اختزلناها مخافة التطويل.
[ 20 ]
وأن مقتضى الإطلاقات عدم الاشتراط، بل تكفي الإجازة اللاحقة. 6 " - ثم ذكر
الاستدلال برواية عروة البارقي وصحيحة محمد ابن قيس وناقشهما. 7 " - ثم نقل
الاستدلال على الصحة بفحوى صحة عقد النكاح من الفضولي في الحر والعبد، واستشكل فيه
بأن الأمر على عكس ما استدل به، لأنه إذا صح في البيع فيصح في النكاح بطريق أولى،
لأنه أولى أن يحتاط فيه، ثم بين وجه اقتضاء الاحتياط صحة نكاح الفضولي. 8 " - ثم
ذكر عدة روايات مؤيدة لصحة الفضولي. 9 " - ثم استعرض استدلالات القائلين ببطلان
الفضولي، وناقشها. 10 " - ثم دخل في المسألة الثانية وهي: أن يسبق العقد منع المالك
له. 11 " - ثم دخل في المسألة الثالثة، وهي: أن يبيع الفضولي لنفسه. 12 " - ثم ذكر
أمرين: الأول - أنه لا فرق على القول بصحة بيع الفضولي بين كون مال الغير عينا أو
دينا في ذمة الغير. الثاني - أنه لا فرق فيما ذكر من أقسام بيع الفضولي بين البيع
العقدي والمعاطاتي بناء على إفادة المعاطاة الملك. 13 " - ثم دخل في البحث عن
الإجازة والرد، وقسم البحث إلى البحث في حكمها وشروطها، والبحث في المجيز، ثم البحث
في المجاز. 14 " - أما بالنسبة إلى حكمها فذكر القولين المعروفين، وهما:
[ 21 ]
الكشف والنقل، وقال: إن الأول هو المشهور، ثم ذكر استدلال جامع المقاصد عليه،
وأن العقد سبب تام وإنما يعلم تماميته في الفضولي بعد العلم برضى المالك، فالإجازة
تكون كاشفة عن تمامية سببية العقد. ثم ناقشه: بأن لازم صحة عقد الفضولي قيام
الإجازة مقام الرضى المقارن، فيكون لها دخل في تمامية السبب. 15 " - ثم نقل كلام
القائلين بأن الشرط هو لحوق الإجازة، وصفة اللحوق مقارنة للعقد - وممن اختار هذا
الرأي صاحب الجواهر قدس سره - ثم ناقشه. 16 " - ثم ناقش استدلال فخر الدين - وهو أن
الإجازة لو لم تكن كاشفة لزم تأثير المعدوم في الموجود - بأنه كما أن الزمان يكون
ظرفا للعقد لا قيدا له فكذلك الإجازة، فكما إذا أمضى الشارع العقد حصل النقل من
زمانه، فكذا إذا أمضى الإجازة حصل النقل من زمانها. 17 " - ثم قال: إن كاشفية
الإجازة تتصور على أنحاء ثلاثة: أ - أن تكون كاشفة كشفا حقيقيا والتزام كون الإجازة
فيها شرطا متأخرا كما هو المشهور. ب - أن تكون كاشفة كشفا حقيقيا مع كون الشرط تعقب
العقد بالإجازة، لا نفس الإجازة. ج - أن تكون كاشفة كشفا حكميا، وهو إجراء أحكام
الكشف بقدر الإمكان مع عدم تحقق الملك واقعا إلا بعد الإجازة. ثم قال: إن الأنسب
بالقواعد والعمومات هو النقل، ثم الكشف الحكمي.
[ 22 ]
وأما الأخبار فيظهر منها الكشف، فلا بد من حملها على الكشف الحكمي.... 18 " -
ثم ذكر الثمرات بين القول بالنقل والكشف. 19 " - ثم ذكر شرائط الإجازة ضمن التنبيه
على امور. 20 " - ثم بحث حول المجيز وشرائطه ضمن بيان امور. 21 " - ثم دخل في البحث
حول المجاز، ومنه دخل في موضوع ترتب العقود. 22 " - وبعد ذلك دخل في موضوع أحكام
الرد، ثم بحث في بعض فروعات المسألة. عقد الفضولي في الجواهر: وأما صاحب الجواهر
فقد دخل في البحث واستمر فيه على النحو التالي: 1 " - فإنه بعدما نقل كلام المحقق
قدس سره - بأن من شرائط المتعاقدين أن يكون البائع مالكا أو ممن له أن يبيع عن
المالك كالأب والجد للأب والوكيل... فلو باع ملك غيره وقف على إجازة المالك أو وليه
على الأظهر... - قال صاحب الجواهر مكملا العبارة: "... الأشهر بل المشهور، بل قيل:
إنه كاد يكون إجماعا... " ثم ذكر الإجماعات المنقولة. 2 " - ثم استدل له: بأن عقد
الفضولي - بعد رضى المالك - مندرج في البيع والعقد والتجارة عن تراض، فيشمله ما دل
على صحتها ولزومها. وعلى فرض الشك في اشتراط مباشرة المالك للعقد فيمكن التمسك
[ 23 ]
في نفيه بإطلاق * (أوفوا...) * ونحوه. 3 " - ثم فرق بين عقد الفضولي وعقد
المكره. 4 " - ثم استدل على لزوم مراعاة مباشرة المالك للعقد بلزوم كون العقد بلفظ
الإيجاب والقبول، حيث يكشف ذلك عن رضى المالك بنقل المال عنه إلى المشتري، ثم
ناقشه. 5 " - ثم نقل استدلالين على صحة الفضولي وناقشهما، وهما: الف - إن عقد
الفضولي كان متعارفا عند نزول الآية - " أوفوا... " - فتشمله، ورده بمنع ذلك، وعلى
فرض الشك تبقى أصالة عدم نقل المال بحالها. ب - إن السيرة المستمرة تدل على وقوع
مثل هذا العقد في ذلك الزمان فتشمله الآية. ورد الاستدلال - أيضا - بأنه لو كانت
السيرة ثابتة لما كانت حاجة إلى اندراج مثل هذا العقد في الآية، لأنها تكون دليلا
مستقلا، وعلى فرض ثبوتها فإن منشأها هو التسامح. 6 " - ثم استدل على صحة عقد
الفضولي في البيع بما دل على صحة عقده في النكاح، لأن صحته في البيع أولى من صحته
في النكاح، لكونه في الفروج والأنساب، وهي تحتاج إلى الاحتياط. (راجع في هذا
الموضوع ما تقدم في كلام الشيخ قدس سره). 7 " - ثم استدل على صحة عقد الفضولي بقضية
عروة البارقي، وصحيحة محمد بن قيس ودفع عنهما الإشكالات التي اثيرت حولهما، وذكر
روايات عديدة من أبواب مختلفة دالة على المطلوب أو مؤيدة له.
[ 24 ]
8 " - ثم نقل القول بالبطلان عن الشيخ وابني زهرة وإدريس، وفخر المحققين
والمحدث البحراني، وذكر استدلالاتهم ثم ناقشها. 9 " - ثم دخل في البحث في الإجازة
وأنها هل هي ناقلة أو كاشفة من دون ذكر مقدمة، فقال: ثم إن الأقوى كون الإجازة
المتعقبة للعقد وغيره مما يعتبر في الصحة كاشفة، وفاقا لصريح الشهيدين... ثم استدل
للقول بالكشف الذي اختاره، إلى أن قال: وحاصل الكلام: أن الوجه في الكشف أحد امور
ثلاثة: الأول - أنه من قبيل الأوضاع الشرعية على معنى أن الشارع قد جعل نقل المال
في الزمان السابق عند حصول الرضى في المستقبل. الثاني - أن يكون الرضى المتأخر
مؤثرا في نقل المال في السابق. الثالث - وهو التحقيق أن يكون الشرط حصول الرضى ولو
في المستقبل، وهو حاصل عند العقد، ولا يكفي فيه الرضى التعليقي، بمعنى أنه لو علم
لرضى، بل لا بد من العلم بحصوله حين العقد. 10 " - ثم ذكر الثمرة بين القولين:
الكشف والنقل، ودخل فيه من دون تمهيد. 11 " - ثم دخل في البحث عن كيفية تحقق
الإجازة، وأن السكوت هل يدل عليه أو لا؟ فاختار عدمه وأنه لا بد من دال عليه من لفظ
أو قول، ثم دخل في بعض فروعات المسألة وعقد المكره لو تعقبه الرضى. 12 " - ثم دخل
في البحث عن اشتراط أن يكون للعقد مجيز في الحال، فإنه دخل فيه من دون تمهيد أيضا.
ثم ناقش ذلك واختار عدم الاشتراط.
[ 25 ]
13 " - وكذا دخل في البحث عن عدم اعتبار قصد الفضولية في صحة عقد الفضولي، ثم
عن اعتبار قصد الصحة وعدمها. 14 " - ثم دخل في البحث عن رد المالك ورجوعه إلى
الفضولي لو دفع ماله إلى المشتري... 15 " - وبعد ذلك بحث عن بيع ما يملك وما لا
يملك... مقارنة بين الدراستين: وبعد المقارنة بين ما تقدم من الكتابين نلاحظ: 1 " -
أن الشيخ قدس سره بين في صدر المسألة أن مورد البحث هو مطلق عقد الفضولي لا خصوص
بيعه، كما أن البحث في عقده لا في إيقاعه، للاتفاق على بطلانه. أما صاحب الجواهر
قدس سره فلم يتعرض لذلك في صدر المسألة، وإنما تعرض له في خلال أبحاثه. 2 " - أن
الشيخ قدس سره عرف الفضولي في أول بحثه، ولم يعرفه صاحب الجواهر قدس سره. 3 " - أن
الشيخ قدس سره قسم الفضولي إلى أقسام ثلاثة، فبحث في كل قسم في مسألة مستقلة، لكن
لم يفعل صاحب الجواهر قدس سره ذلك، بل لم يذكر إلا المسألة الاولى مما ذكره الشيخ،
وهي المسألة المتعارفة في الفضولي. 4 " - أن الشيخ قدس سره راعى الترتيب في
الاستدلال فبدأ بالعمومات ثم بقضية عروة البارقي، ثم برواية محمد بن قيس، ثم
بالأولوية
[ 26 ]
(أي أولوية صحة البيع من النكاح الذي ثبت صحة الفضولية فيه)، ثم ناقش غير
العمومات، ثم ذكر استدلال القائلين بالبطلان ثم ناقشهم. أما صاحب الجواهر فقد ذكر
استدلاله على صحة الفضولي، ثم ذكر استدلالا على البطلان وأجابه، ثم نقل استدلالين
على الصحة وناقشهما، ثم استدل بالأولوية (أولوية صحة البيع من النكاح في الفضولي)،
ثم بقضية عروة البارقي، ثم بصحيحة محمد بن قيس، ثم بروايات اخرى، ثم أجاب عن
المناقشات. ثم نقل القول بالبطلان مع أدلته ثم ناقشها. وهنا تبدو ظاهرة التموج في
كلام صاحب الجواهر، فلاحظ وتأمل. 5 " - قسم الشيخ البحث في الإجازة إلى البحث في
حكمها، ثم في المجيز ثم في المجاز. وأما صاحب الجواهر فقد دخل في الموضوع بصورة
فجائية وقال: " ثم إن الأقوى كون الإجازة المتعقبة للعقد وغيره مما يعتبر في الصحة
كاشفة... " من دون أن يقسم البحث إلى البحث في حكم الإجازة والمجيز والمجاز... 6 "
- أن الشيخ قدس سره دخل في البحث في الإجازة وشرائطها، ثم في المجيز وشرائطه بصورة
مستقلة وبترتيب. أما صاحب الجواهر فلم يبحث إلا في بعض شروط الإجازة والمجيز بصورة
متفرقة. وموارد كثيرة اخرى. ويمكننا أن نقول باختصار: إنه لم يتوسع أحد ممن تقدم
على
[ 27 ]
الشيخ قدس سره من الفقهاء في الفقه المعاملي وخاصة في بيع الفضولي كما توسع فيه
الشيخ قدس سره، اللهم إلا المحققين: القمي - في الغنائم - والكاظمي - في المقابس -،
ومع ذلك فقد قدر لأن يكون كتاب المكاسب هو الحائز لقصب السبق، ولذلك صار مطمح أنظار
الفقهاء والمحققين إلى يومنا هذا. ثالثا - كيفية التعبير: ومن الفوارق الموجودة بين
كتابي الجواهر والمكاسب هو الفرق في التعبير، فإن تعابير المكاسب خالية من التعقيد
اللفظي والتعبيري - إلى حد ما - فهي في حد ذاتها قابلة للفهم لمن كان على مستوى
المكاسب من الجانب العلمي، بخلاف الجواهر، فإن عباراته مغلقة في كثير من الأحيان،
ولذلك تحتاج إلى تأمل ودقة كثيرين لفهمها، ولسنا نزعم براءة كتب الشيخ عن الإغلاق
في التعبير تماما، وإنما المقصود بيانه هو أن الصفة الغالبة في تعبير الشيخ هي
السلاسة والوضوح بخلاف عبارات الجواهر. رابعا - الاقتباس من الآخرين: قد جرت عادة
بعض على الاقتباس من عبارات الآخرين وإشراب مقصودهم فيها، ولكن برزت هذه الظاهرة في
الجواهر بصورة واضحة، فإننا نرى صاحب الجواهر قدس سره قد ذكر عدة أسطر أو صفحة أو
أكثر من كتب اخرى - كالمسالك وكشف اللثام والرياض وغيرها - من دون
[ 28 ]
تصريح بذلك، بينما نرى أن الشيخ قدس سره لم يتخذ هذه الطريقة مطلقا، بل اعتمد
على عباراته في بيان مقصوده. والطريقة التي سلكها صاحب الجواهر توقع - كثيرا ما -
القارئ في إبهامات وإشكالات عديدة. كانت هذه أهم الفوارق الكيفية التي سمحت لنا
الظروف بالتطرق لها، وبقي الأهم منها، وهي الفوارق الجوهرية التي تجعل ميزة للمكاسب
على الكتب المتقدمة عليه، كالاعتماد على العرف والعرفيات في فهم كثير من موضوعات
الأحكام والنصوص، وكتبيين المفاهيم الحقوقية، مثل الحكم والحق والمال والمالية
ونحوها، وإعطاء صيغة عامة للبحث عن العقد، بحيث يشمل غير البيع، وامور اخرى نسأل
الله تعالى أن يوفقنا للبحث فيها في فرصة اخرى.
[ 29 ]
تحقيق كتاب المكاسب إنطلاقا مما قدمناه في بيان أهمية كتاب المكاسب اهتمت لجنة
التحقيق - منذ بدء عملها - بتحقيق الكتاب وتقديمه للمراكز العلمية، ولذلك قمنا
بتحضير مقدمات العمل، وأول ما قمنا به هو تحضير النسخ التي يمكن الاعتماد عليها في
تحقيق الكتاب، فكانت كالآتي: أولا - مصورة النسخة الأصلية: إننا لم نعثر - مع الأسف
- إلى الآن على مخطوطة المؤلف في المكاسب إلا على قسم الخيارات منه، حيث توجد نسخته
في مكتبة الإمام الرضا عليه السلام في مشهد برقم (11129) وبمقياس (14 ب 5 / 9)،
وقدمت لنا مصورتها إدارة المكتبة مشكورة. والنسخة جيدة الخط، خالية من التشويش
الموجود في بعض ما كتبه قدس سره كالصلاة والوصايا والنكاح والقضاء ونحوها. ورمزنا
لهذه النسخة برمز " ق ".
[ 30 ]
ثانيا - نسخة خطية: وهي نسخة كاملة تحتوي على المكاسب المحرمة والبيع
والخيارات، تمتاز بالدقة ووضوح الخط، ويظهر منها أنها كتبت في حياة المؤلف قدس سره،
حيث دعى له كاتب النسخة بالبقاء في آخر قسم البيع ضمن التعريف بالمؤلف والكتاب،
فقال: " قد تم بفضله وعونه المجلد الأول من هذه النسخة الشريفة ويتلوه إن شاء الله،
الثاني في الخيارات، وهو مع أنه قد جمع الأهم من القواعد وشمل الأنفع والأصح من
المسائل والاصول والشوارد، وأودع فيه من الثمرة كل لباب، ومن النكت ما لا يوجد
منتظما في كتاب، قد تضمن من التحقيق كل شارد، ومن التدقيق كل وارد، واندرج فيه من
النوادر ما حلى وضعها، وحسن طرزها، يشهد به من مارس الصناعة، ويشاهده من تتبع
أقاويل الجماعة وكتب العلماء الأجلة، بل هو مع أنه كثيرا مقتصر على مخزون الخاطر
ومقترح القريحة، مشتمل على تفصيل مجمل، وبسط موجز، وتقرير أسئلة، وتحرير أجوبة،
ومنع اعتراضات، ودفع معارضات، وكشف شبهات، وتحقيق حق، وإبطال باطل، ففيه فوائد
باهرة وشواهد على صدق المدعى ظاهرة، يكاد من قوة الحدس يستشفق الواقع من وراء حجابه
ويستشهد المستور من وراء ستره ونقابه، فهو حينئذ قد بلغ الغاية القصوى والدرجة
العليا، فلله دره دام ظله حيث أحسن وأجاد، نفعنا الله بوجوده وإفادته، وسائر
المحصلين، بمحمد وآله الأمجاد، والحمد لله على فضل الإتمام، والصلاة والسلام على
النبي وآله أئمة الأنام.... ".
[ 31 ]
وأصل النسخة موجودة في مكتبة مدرسة الفيضية في قم المقدسة برقم (986) وبمقياس
(15 ب 21 سم) في (773 صفحة، وفي كل صفحة 25 سطرا)، تفضلت بمصورتها إدارة المكتبة
مشكورة. ورمزنا لهذه النسخة برمز " ف ". ثالثا - نسخة حجرية: والنسخة الثالثة التي
اعتمدنا عليها هي نسخة حجرية مطبوعة عام (1286) أي خمس سنوات بعد وفاة المؤلف قدس
سره، والطبعة في حد ذاتها جيدة، وتمتاز النسخة التي اعتمدنا عليها أنها كانت بيد
آية الله السيد علي النوري قدس سره (م؟؟؟؟) الذي كان من العلماء المختصين بتدريس
المكاسب والرسائل في النجف الأشرف، وله تصحيحات على النسخة، وسمعت أحد العلماء
المبرزين الذين درسوا عنده كتاب المكاسب يقول: إنه كان يصحح كتابه المكاسب على نسخة
مصححة من قبل المؤلف إما مع الواسطة أو بدونها - والترديد من الناقل دام ظله -. وقد
قدم لنا مصورة هذه النسخة سماحة العلامة الاستاذ السيد عزيز الطباطبائي دامت بركاته
مشكورا. ورمزنا لهذه النسخة برمز " ن ". رابعا - نسخة حجرية ثانية: وهي مطبوعة عام
(1299) فيها تصحيحات ونسخ بدل مطبوعة، قدمت لنا مصورتها مكتبة مدرسة ولي العصر عجل
الله فرجه في خوانسار
[ 32 ]
مشكورة. ورمزنا لها برمز " خ ". خامسا - نسخة حجرية ثالثة: وهي مطبوعة عام
(1300) فيها بعض التصحيحات ونسخ بدل، لكنها بعد الطبع، والظاهر أنها مقابلة مع نسخة
أو نسخ اخرى، قدمت لنا مصورتها مكتبة ولي العصر عجل الله فرجه أيضا. ورمزنا لها
برمز " م ". سادسا - نسخة حجرية رابعة: وهي مطبوعة عام (1304) وهذه الطبعة تمتاز
بقلة الأخطاء، وعليها بعض التصحيحات ونسخ بدل. ورمزنا لها برمز " ع ". سابعا - نسخة
حجرية خامسة: وهي مطبوعة عام (1325) في إصفهان في مجلدين، تحت عنوان المتاجر، وقد
قام بعض الفضلاء بتصحيح هذه النسخة ومراجعة المصادر كما جاء في نهاية المجلد الأول
منه. ورمزنا لهذه النسخة برمز " ص ".
[ 33 ]
ثامنا - نسخة حجرية سادسة: وهي النسخة المتداولة والمعروفة بطبعة الشهيدي،
وإنما جعلناها ضمن النسخ لكثرة تداولها، وليعرف مواقع الاختلاف بينها وبين سائر
النسخ. ورمزنا لها برمز " ش ". هذا وقد وصلتنا بعض التصحيحات المتفرقة من بعض
العلماء والفضلاء، ولكن كان المعول على النسخ وجعلنا هذه كمؤيدات وقرائن عليها.
ونحن بدورنا نشكر جميع من اهتم بهذا الأمر وشارك فيه بأي نحو كان. طريقتنا في
التحقيق: قبل التطرق لبيان كيفية تحقيق الكتاب نرى من الضروري أن نشير إلى بعض
النقاط تبصرة للقراء الكرام. 1 " - إننا اعتمدنا في تحقيق الكتاب على طريقة التلفيق
بين النسخ، لأننا لم نعثر على نسخة الأصل إلا في قسم الخيارات، ولذلك كان أكثر
سعينا هو أن نستخرج متنا صحيحا من بين النسخ، ونشير إلى ما يخالفه في الهامش إلا
إذا أحرزنا أن الكلمة أو العبارة مصححة - في بعض النسخ - اجتهادا، ولم تؤيده سائر
النسخ، فإننا اكتفينا بالإشارة إليها في الهامش. 2 " - لما كانت أكثر منقولات الشيخ
قدس سره - سواء كانت روايات أو عبارات الفقهاء - لم تطابق مورد النص بالضبط فلذلك
لم نعبأ
[ 34 ]
بالخلاف الموجود بين ما نقله الشيخ وما هو موجود في المصدر المنقول منه إلا إذا
كان مهما أو اختلفت نسخ الكتاب فيه. 3 - إننا لم نضف عناوين إضافية في متن الكتاب،
بل جعلنا له عناوين جانبية تسهيلا للوصول إلى جزئيات الموضوع. البدء بالعمل: ولما
تهيأت مقدمات العمل قمنا بتنظيم اللجان اللازمة لهذا الأمر، فكانت كالآتي: أولا -
لجنة المقابلة: تكفلت هذه اللجنة بمقابلة النسخ بعضها مع بعض وضبط موارد الاختلاف
بينها. وقد تمت المقابلة مرات عديدة، قبل تقويم النص وحينه وبعد صف الحروف عدة
مرات. ثانيا - لجنة الاستخراج: كانت مهمتها استخراج الآيات والأحاديث والأقوال، وقد
قامت اللجنة باستخراج الأحاديث من الكتب الأربعة والوسائل، ولكننا قررنا أخيرا -
تجنبا من تكثيف الهوامش - الاكتفاء بالوسائل. هذا وقد شارك في هذه اللجنة كل من: 1
- حجة الإسلام والمسلمين السيد يحيى الحسيني.
[ 35 ]
2 - حجة الإسلام والمسلمين الشيخ مرتضى الواعظي. 3 - حجة الإسلام والمسلمين
السيد أحمد مير مهدي. ثالثا - لجنة المراجعة: قامت هذه اللجنة بمراجعة الاستخراجات
للتأكد من صحتها، وقد ضمت هذه اللجنة كلا من: 1 - حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد
باقر حسن پور. 2 - حجة الإسلام والمسلمين الشيخ رحمة الله الرحمتي. 3 - حجة الإسلام
والمسلمين الشيخ مرتضى الواعظي. رابعا - لجنة تقويم النص: تكفلت هذه اللجنة بتقويم
النص وضبطه، وتألفت هذه اللجنة من: 1 - حجة الإسلام والمسلمين الشيخ رحمة الله
الرحمتي. 2 - حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد باقر حسن پور. 3 - حجة الإسلام
والمسلمين السيد محمد جواد الجلالي. 4 - وكنت أحد أعضاء هذه اللجنة أيضا. هذا وقد
قام حجة الإسلام والمسلمين السيد منذر الحكيم بتقطيع متن الكتاب وتجزئته. ولا بد من
الإشارة إلى أن اللجان المتقدمة إنما تشكلت بالنسبة إلى المجلد الأول من المكاسب
المحرمة، وسوف نعلن عن أي تغيير يحصل في اللجان في المجلدات الآتية إن شاء الله
تعالى.
[ 36 ]
وختاما نقدم شكرنا وتقديرنا لكل من ساهم في إحياء هذا الأثر القيم ممن ذكرناهم
وغيرهم، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياهم لإحياء فقه أهل البيت عليهم السلام، إنه
سميع مجيب. مسؤول لجنة التحقيق محمد علي الأنصاري
[ 37 ]
نماذج مصورة من النسخ المعتمد عليها في تحقيق الكتاب
[ 39 ]
صورة الصفحة الاولى من مخطوطة المؤلف قدس سره في الخيارات
[ 40 ]
نموذج آخر من مخطوطة المؤلف قدس سره
[ 41 ]
صورة الصفحة الأخيرة من مخطوطة المؤلف قدس سره.
[ 42 ]
صورة الصفحة الاولى من النسخة المخطوطة " ف ".
[ 43 ]
صورة الصفحة الأخيرة من قسم البيع من نسخة " ف " ويظهر في آخرها الدعاء للمؤلف
قدس سره بالبقاء
[ 44 ]
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة " ف "
[ 45 ]
صورة الصفحة الاولى من النسخة المطبوعة عام 1286 التي رمز لها ب " ن ".
[ 46 ]
صورة الصفحة الاولى من النسخة المطبوعة عام 1299 التي رمز لها ب " خ "
[ 47 ]
صورة الصفحة الاولى من النسخة المطبوعة عام 1300 التي رمز لها ب " م "
[ 48 ]
صورة الصفحة الاولى من النسخة المطبوعة عام 1304 التي رمز لها ب " ع ".
[ 1 ]
كتاب المكاسب للشيخ الأعظم أستاذ الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى الانصاري (قدس
سره) 1214 - 1281 ه الجزء الاول اعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الاعظم
[ 3 ]
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على
أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
[ 5 ]
في المكاسب وينبغي - أولا - التيمن بذكر بعض الأخبار الواردة على سبيل الضابطة
للمكاسب، من حيث الحل والحرمة، فنقول - مستعينا بالله تعالى -: روي في الوسائل (1)
والحدائق (2) عن الحسن بن علي بن شعبة - في كتاب تحف العقول (3) - عن مولانا الصادق
صلوات الله وسلامه عليه حيث سئل عن
(1) الوسائل 12: 54، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به، وأورد قسما منه في الحديث الأول
من الباب الأول من أبواب الإجارة، وقسما آخر في الحديث الأول من الباب 4 من أبواب
النفقات، وقسما ثالثا في الحديث الأول من الباب 66 من أبواب الأطعمة المحرمة. (2)
الحدائق 18: 67. (3) تحف العقول: 331، ولما كان الاختلاف بين المصادر التي نقلت
الرواية كثيرا، فلذلك لم نتعرض له إلا إذا كان مهما، نعم سوف نذكر الاختلاف الموجود
بين نسخ الكتاب. وسنتبع هذه الطريقة في سائر الروايات المنقولة في الكتاب إن شاء
الله تعالى.
[ 6 ]
معايش العباد، فقال: " جميع المعايش كلها من وجوه المعاملات فيما بينهم مما
يكون لهم فيه المكاسب أربع جهات، ويكون فيها حلال من جهة وحرام من جهة: فأول هذه
الجهات الأربع (1) الولاية، ثم التجارة، ثم الصناعات، ثم الإجارات. والفرض من الله
تعالى على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال، والعمل بذلك، واجتناب
جهات الحرام منها. فإحدى الجهتين من الولاية: ولاية ولاة العدل الذين أمر الله
بولايتهم على الناس، والجهة الاخرى: ولاية ولاة الجور. فوجه الحلال من الولاية،
ولاية الوالي العادل، وولاية ولاته بجهة ما أمر به الوالي العادل بلا زيادة ونقيصة،
فالولاية له، والعمل معه، ومعونته، وتقويته، حلال محلل. وأما وجه الحرام من
الولاية: فولاية الوالي الجائر، وولاية ولاته، فالعمل (2) لهم، والكسب لهم بجهة
الولاية معهم (3) حرام محرم معذب فاعل ذلك على قليل من فعله أو كثير، لأن كل شئ من
جهة المعونة له، معصية كبيرة من الكبائر. وذلك أن في ولاية الوالي الجائر دروس الحق
كله، وإحياء الباطل كله، وإظهار الظلم والجور والفساد، وإبطال الكتب، وقتل
الأنبياء،
(1) الأربع: لم ترد في " ف "، " ن "، " م ". (2) في " ف "، " خ "، " ع "، " ص ":
والعمل لهم. (3) في " خ " والوسائل: والكسب معهم بجهة الولاية لهم.
[ 7 ]
وهدم المساجد، وتبديل سنة الله وشرائعه، فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم، والكسب
معهم إلا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة. وأما تفسير التجارات في جميع
البيوع ووجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع أن يبيع مما لا يجوز له،
وكذلك المشتري الذي يجوز له شراؤه مما لا يجوز: فكل مأمور به مما هو غذاء للعباد
وقوامهم به في امورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون ويشربون
ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون من جميع المنافع التي لا يقيمهم غيرها، وكل شئ
يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وإمساكه
واستعماله وهبته وعاريته. وأما وجوه الحرام من البيع والشراء: فكل أمر يكون فيه
الفساد مما هو منهي عنه من جهة أكله وشربه (1) أو كسبه (2) أو نكاحه أو ملكه أو
إمساكه أو هبته أو عاريته أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد - نظير البيع بالربا
أو بيع الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش أو الطير
أو جلودها أو الخمر أو شئ من وجوه النجس - فهذا كله حرام محرم، لأن ذلك كله منهي عن
أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلب فيه، فجميع تقلبه في
(1) في " ف ": أو شربه. (2) كذا في النسخ والمصادر، ولعل في الأصل " لبسه " كما
استظهره الشهيدي رحمه الله أيضا.
[ 8 ]
ذلك حرام. وكذلك كل مبيع ملهو به، وكل منهي عنه - مما يتقرب به لغير الله عز
وجل، أو يقوى به الكفر والشرك في جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحق - فهو
حرام محرم بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلب فيه، إلا في حال
تدعو الضرورة فيه إلى ذلك. وأما تفسير الإجارات: فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو
يلي أمره - من قرابته أو دابته أو ثوبه - بوجه (1) الحلال من جهات الإجارات أو (2)
يؤجر نفسه أو داره أو أرضه أو شيئا يملكه فيما ينتفع به من وجوه المنافع أو العمل
بنفسه وولده ومملوكه وأجيره من غير أن يكون وكيلا للوالي أو واليا للوالي، فلا بأس
أن يكون أجيرا يؤجر نفسه أو ولده أو قرابته أو ملكه أو وكيله في إجارته، لأ نهم
وكلاء الأجير من عنده، ليس هم بولاة الوالي، نظير الحمال الذي يحمل شيئا معلوما بشئ
معلوم، فيحمل (3) ذلك الشئ الذي يجوز له حمله بنفسه أو بملكه أو دابته، أو يؤجر
نفسه في عمل، يعمل ذلك العمل [ بنفسه أو بمملوكه أو قرابته أو بأجير من قبله، فهذه
وجوه من وجوه الإجارات ] (4)
(1) في مصححة " م ": فوجه. (2) في " م "، " ع "، " ص "، " ش " ونسخة بدل " خ ": أن.
(3) كذا في " خ " وتحف العقول، وفي سائر النسخ والحدائق والوسائل: فيجعل. (4)
أثبتناه من " ش " وهامش " خ " والمصدر.
[ 9 ]
حلال (1) لمن كان من الناس ملكا أو سوقة أو كافرا أو مؤمنا فحلال إجارته، وحلال
كسبه من هذه الوجوه. فأما وجوه الحرام من وجوه الإجارة: نظير أن يؤاجر نفسه على حمل
ما يحرم أكله أو شربه، أو يؤاجر نفسه في صنعة ذلك الشئ أو حفظه، أو يؤاجر نفسه في
هدم المساجد ضرارا، أو قتل النفس بغير حق (2)، أو عمل (3) التصاوير والأصنام
والمزامير والبرابط والخمر والخنازير والميتة والدم، أو شئ من وجوه الفساد الذي كان
محرما عليه من غير جهة الإجارة فيه. وكل أمر منهي عنه من جهة من الجهات، فمحرم على
الإنسان إجارة نفسه فيه أو له أو شئ منه أو له، إلا لمنفعة من استأجره (4) كالذي
يستأجر له الأجير ليحمل الميتة ينحيها (5) عن أذاه أو أذى غيره وما أشبه ذلك - إلى
أن قال -: وكل من آجر نفسه أو ما يملك، أو يلي أمره من كافر أو مؤمن أو ملك أو سوقة
- على ما فسرنا مما تجوز الإجارة فيه - فحلال محلل فعله وكسبه.
(1) في جميع النسخ الفاقدة للعبارة: " حلالا "، إلا في " ف ". (2) في المصادر: بغير
حل. (3) في تحف العقول: أو حمل. (4) كذا في " ن " والحدائق، وفي سائر النسخ
والمصادر: استأجرته. (5) في " خ " وتحف العقول: ينجيها.
[ 10 ]
وأما تفسير الصناعات: فكل ما يتعلم العباد أو يعلمون غيرهم من أصناف الصناعات -
مثل الكتابة والحساب والنجارة (1) والصياغة والبناء والحياكة والسراجة والقصارة
والخياطة وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني، وأنواع صنوف الآلات التي
يحتاج إليها العباد، منها منافعهم، وبها قوامهم، وفيها بلغة جميع (2) حوائجهم -
فحلال فعله (3) وتعليمه والعمل به وفيه (4) لنفسه أو لغيره. وإن كانت تلك الصناعة
وتلك الآلة قد يستعان بها على وجوه الفساد ووجوه المعاصي، وتكون معونة على الحق
والباطل، فلا بأس بصناعته وتعليمه (5) نظير الكتابة التي هي (6) على وجه من وجوه
الفساد تقوية ومعونة لولاة الجور. وكذلك السكين والسيف والرمح والقوس وغير ذلك من
وجوه الآلات التي تصرف (7) إلى وجوه (8) الصلاح
(1) كذا في " ف " و " ش "، وفي سائر النسخ وتحف العقول والحدائق: التجارة. (2)
جميع: ساقطة من " ف "، " م "، " ع "، " ص ". (3) في " ش ": تعلمه. (4) وفيه: ساقطة
من " ف ". (5) كذا في " ن " ومصححة " خ " وتحف العقول والحدائق، وفي سائر النسخ:
تقلبه. (6) هي: ساقطة من " ف "، " م "، " ع ". (7) كذا في " خ " و " ش " و " ف ":
ينصرف، وفي " ن "، " ع "، " ص ": تتصرف، وفي " م ": تنصرف. (8) في مصححة " خ " وتحف
العقول: جهات.
[ 11 ]
وجهات الفساد، وتكون آلة ومعونة عليهما (1) فلا بأس بتعليمه وتعلمه وأخذ الأجر
عليه والعمل به وفيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، ومحرم عليهم
تصريفه إلى جهات الفساد والمضار، فليس على العالم ولا المتعلم إثم ولا وزر، لما فيه
من الرجحان في منافع جهات صلاحهم وقوامهم وبقائهم، وإنما الإثم والوزر على المتصرف
فيه (2) في جهات الفساد والحرام، وذلك إنما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها
التي يجئ منها الفساد محضا، نظير البرابط والمزامير والشطرنج وكل ملهو به والصلبان
والأصنام وما أشبه ذلك من صناعات الأشربة الحرام (3). وما يكون منه وفيه الفساد
محضا ولا يكون منه ولا فيه شئ من وجوه الصلاح، فحرام تعليمه وتعلمه والعمل به وأخذ
الاجرة عليه وجميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات (4) إلا أن تكون صناعة قد تصرف
إلى جهة المنافع (5)، وإن كان قد يتصرف فيها ويتناول بها وجه من وجوه المعاصي،
فلعلة ما فيه (6) من الصلاح حل تعلمه وتعليمه والعمل به، ويحرم على من صرفه إلى غير
وجه الحق والصلاح.
(1) كذا في " ش " والمصادر، وفي سائر النسخ: عليها. (2) في " ن " و " خ ": بها (خ
ل). (3) كذا في النسخ والمصادر، إلا أن في " ن "، " خ "، " م "، " ع " و " ش "
زيادة: المحرمة (ظ)، وفي " ص ": المحرمة (خ ل). (4) كذا في مصححة " خ "، وفي " ش "
والوسائل وتحف العقول: الحركات كلها. (5) في مصححتي " خ " و " ف ": جهة المباح. (6)
في " ف "، " خ "، " م " و " ع " وتحف العقول: فلعله لما فيه.
[ 12 ]
فهذا تفسير بيان وجوه اكتساب معايش العباد، وتعليمهم (1) في وجوه اكتسابهم...
الحديث ". وحكاه غير واحد (2) عن رسالة المحكم والمتشابه (3) للسيد قدس سره. وفي
الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا صلوات الله وسلامه عليه: " اعلم - رحمك (4) الله -
أن كل (5) مأمور به على العباد (6) وقوام لهم في امورهم من وجوه الصلاح الذي لا
يقيمهم غيره - مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون - فهذا كله
حلال بيعه وشراؤه وهبته وعاريته. وكل أمر يكون فيه الفساد - مما قد نهي عنه من جهة
أكله وشربه ولبسه ونكاحه وإمساكه بوجه الفساد، مثل الميتة والدم ولحم الخنزير
والربا وجميع الفواحش ولحوم السباع والخمر، وما أشبه ذلك - فحرام ضار للجسم (7) "
(8)، انتهى. وعن دعائم الإسلام - للقاضي نعمان المصري - عن مولانا
(1) كذا في " ش " والمصادر، وفي سائر النسخ: تعلمهم. (2) منهم صاحب الوسائل في
الوسائل 12: 57، وصاحب الحدائق في الحدائق 18: 70. (3) رسالة المحكم والمتشابه: 46.
(4) في " ف "، والمصدر: يرحمك. (5) في " ش ": كل ما هو. (6) كذا في النسخ، وفي
المصدر: " أن كل مأمور به مما هو صلاح للعباد "، وفي المستدرك (13: 65): " أن كل
مأمور به مما هو من على العباد ". (7) في " ش ": " للجسم، وفساد للنفس "، وفي
المصدر: " للجسم، وفاسد للنفس ". (8) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام:
250.
[ 13 ]
الصادق عليه السلام: " إن الحلال من البيوع كل ما كان حلالا من المأكول
والمشروب وغير ذلك مما هو قوام للناس ويباح لهم الإنتفاع، وما كان محرما أصله منهيا
عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه " (1)، انتهى. وفي النبوي المشهور: " إن الله إذا حرم
شيئا حرم ثمنه " (2). إذا عرفت ما تلوناه وجعلته في بالك متدبرا لمدلولاته، فنقول:
قد جرت عادة غير واحد على تقسيم المكاسب إلى محرم ومكروه ومباح، مهملين للمستحب
والواجب، بناء على عدم وجودهما في المكاسب، مع إمكان التمثيل للمستحب بمثل الزراعة
والرعي مما ندب إليه الشرع، وللواجب بالصناعة الواجبة كفاية، خصوصا إذا تعذر قيام
الغير به، فتأمل. ومعنى حرمة الاكتساب حرمة النقل والانتقال بقصد ترتب الأثر (3).
وأما حرمة أكل المال في مقابلها، فهو متفرع على فساد البيع، لأ نه مال الغير وقع في
يده بلا سبب شرعي وإن قلنا بعدم التحريم، لأن ظاهر أدلة تحريم بيع مثل الخمر منصرف
إلى ما لو أراد ترتيب الآثار المحرمة، أما لو قصد الأثر المحلل فلا دليل على تحريم
المعاملة
(1) دعائم الإسلام 2: 18، الحديث 23، مع اختلاف يسير. (2) عوالي اللآلي 2: 110،
الحديث 301. سنن الدارقطني 3: 7، الحديث 20. (3) في " ش ": الأثر المحرم.
[ 14 ]
إلا من حيث التشريع (1). وكيف كان، فالاكتساب المحرم أنواع، نذكر كلا منها في
طي مسائل:
(1) في " ف ": إلا من حيث التشريع، فيتفرع على إرادة الشرعية. (*
[ 15 ]
النوع الأول الاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثني وفيه مسائل ثمان:
[ 17 ]
الاولى يحرم المعاوضة على بول غير مأكول اللحم (1) بلا خلاف ظاهر، لحرمته،
ونجاسته، وعدم الانتفاع به منفعة محللة مقصودة فيما عدا بعض أفراده، ك " بول الإبل
الجلالة أو الموطوءة ". " فرعان " الأول: ما عدا بول الإبل من أبوال ما يؤكل لحمه
المحكوم بطهارتها عند المشهور، إن قلنا بجواز شربها اختيارا - كما عليه جماعة من
القدماء
(1) في " ف ": غير المأكول اللحم.
[ 18 ]
والمتأخرين (1)، بل عن المرتضى دعوى الإجماع عليه (2) - فالظاهر جواز بيعها.
وإن قلنا بحرمة شربها - كما هو مذهب جماعة اخرى (3) لاستخباثها - ففي جواز بيعها
قولان: من عدم المنفعة المحللة المقصودة فيها، والمنفعة النادرة لو جوزت المعاوضة
لزم منه جواز معاوضة كل شئ، والتداوي بها لبعض الأوجاع لا يوجب قياسها (4) على
الأدوية والعقاقير، لأ نه يوجب قياس كل شئ عليها، للانتفاع به في بعض الأوقات. ومن
أن المنفعة الظاهرة - ولو عند الضرورة المسوغة للشرب - كافية في جواز البيع. والفرق
بينها وبين ذي المنفعة الغير المقصودة حكم العرف بأ نه لا منفعة فيه. وسيجئ الكلام
في ضابطة المنفعة المسوغة للبيع.
(1) من القدماء: ابن الجنيد على ما في الدروس 3: 17، والسيد المرتضى في الانتصار:
201، ومن المتأخرين: ابن إدريس في السرائر 3: 125، والمحقق في النافع (254)، حيث
قال: والتحليل أشبه، والفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 436، والمحقق السبزواري في
كفاية الأحكام: 252. (2) الانتصار: 201. (3) كالمحقق في الشرائع 3: 227، والعلامة
في المختلف: 686، والشهيد في الدروس 3: 17. (4) في أكثر النسخ: قياسه.
[ 19 ]
نعم، يمكن أن يقال: إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله إذا حرم شيئا
حرم ثمنه " (1) وكذلك الخبر المتقدم عن دعائم الإسلام يدل على أن ضابطة المنع تحريم
الشئ اختيارا، وإلا فلا حرام إلا وهو محلل عند الضرورة، والمفروض حرمة شرب الأبوال
اختيارا، والمنافع الاخر غير الشرب لا يعبأ بها جدا، فلا ينتقض بالطين المحرم أكله،
فإن المنافع الاخر للطين أهم وأعم من منفعة الأكل المحرم، بل لا يعد الأكل من منافع
الطين. فالنبوي دال على أنه إذا حرم الله شيئا بقول مطلق - بأن قال: يحرم الشئ
الفلاني - حرم بيعه، لأن تحريم عينه إما راجع إلى تحريم جميع منافعه، أو إلى تحريم
أهم منافعه الذي (2) يتبادر عند الإطلاق، بحيث يكون غيره غير مقصود منه. وعلى
التقديرين، يدخل الشئ لأجل ذلك في ما لا ينتفع به منفعة محللة مقصودة، والطين لم
يحرم كذلك، بل لم يحرم إلا بعض منافعه الغير المقصودة منه - وهو الأكل - بخلاف
الأبوال فإنها حرمت كذلك، فيكون التحريم راجعا إلى شربها، وغيره من المنافع في حكم
العدم. وبالجملة، فالانتفاع بالشئ حال الضرورة منفعة محرمة في حال الاختيار لا يوجب
جواز بيعه. ولا ينتقض أيضا بالأدوية المحرمة في غير حال المرض لأجل الإضرار، لأن
حلية هذه في حال المرض ليست لأجل الضرورة،
(1) عوالي اللآلي 2: 110، الحديث 301. (2) كذا في " ش " ومصححة " خ "، وفي غيرهما:
التي.
[ 20 ]
بل لأجل تبدل عنوان الإضرار بعنوان النفع. ومما ذكرنا يظهر أن قوله عليه السلام
في رواية تحف العقول المتقدمة: " وكل شئ يكون لهم (1) فيه الصلاح من جهة من الجهات
" يراد به جهة الصلاح الثابتة حال الاختيار دون الضرورة. ومما ذكرنا يظهر حرمة بيع
لحوم السباع دون شحومها، فإن الأول من قبيل الأبوال، والثاني من قبيل الطين في عدم
حرمة جميع منافعها المقصودة منها. ولا ينافيه النبوي: " لعن الله اليهود، حرمت
عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها " (2)، لأن الظاهر أن الشحوم كانت محرمة
الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات، لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا. هذا،
ولكن الموجود من النبوي في باب الأطعمة من الخلاف (3): " إن الله إذا حرم أكل شئ
حرم ثمنه " (4). والجواب عنه - مع (5) ضعفه، وعدم الجابر له سندا ودلالة،
(1) لهم: ساقطة من " ن "، " م "، " ع "، " ص ". (2) عوالي اللآلي 1: 181، الحديث
240. (3) كذا في " ف " و " خ "، وفي غيرهما: عن الخلاف. (4) الخلاف: كتاب الأطعمة،
المسألة 19. (5) في " ف " ومصححة " خ ": " ح " [ أي: حينئذ ] وكلمة " مع " مشطوب
عليها في " ن ".
[ 21 ]
لقصورها -: بلزوم (1) تخصيص الأكثر (2). الثاني: بول الإبل يجوز بيعه إجماعا -
على ما في جامع المقاصد (3) وعن إيضاح النافع (4) - إما لجواز شربه اختيارا، كما
يدل عليه قوله عليه السلام في رواية الجعفري: " أبوال الإبل خير من ألبانها " (5)
وإما لأجل الإجماع المنقول، لو قلنا بعدم جواز شربها إلا لضرورة الاستشفاء، كما يدل
عليه رواية سماعة، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الإبل والبقر
والغنم ينتفع به من الوجع، هل يجوز أن يشرب؟ قال: نعم،
(1) في " ش ": لزوم. (2) جاء في شرح الشهيدي (19) ما يلي: إن قوله: " بلزوم تخصيص
الأكثر " في محل الرفع على الخبرية ل " الجواب "، يعني: والجواب عنه - مضافا إلى
ما ذكر من الضعف -: أن فيه لزوم تخصيص الأكثر، فلا بد من الطرح أو التأويل بما
ذكرنا. هذا بناء على صحة وجود كلمة " مع " في قوله: " مع ضعفه "، وأما بناء على ما
في بعض النسخ المصححة من الضرب [ أي: الشطب ] عليها، وعلى ما في الآخر من " ح " [
أي: حينئذ ] بدل " مع "، فالخبر له قوله: " ضعفه "، ويكون " بلزوم " متعلقا للقصور،
فتأمل، فإن في العبارة ما لا يخفى على التقديرين. (3) جامع المقاصد 4: 14. (4) نقله
عنه في مفتاح الكرامة 4: 23. (5) الوسائل 17: 87، الباب 59 من أبواب الأطعمة
المباحة، الحديث 3.
[ 22 ]
لا بأس " (1). وموثقة عمار، عن بول البقر يشربه الرجل، قال: " إن كان محتاجا
إليه يتداوى بشربه فلا بأس، وكذلك بول الإبل والغنم " (2). لكن الإنصاف، أنه لو
قلنا بحرمة شربه اختيارا أشكل الحكم بالجواز إن لم يكن إجماعيا (3)، كما يظهر من
مخالفة العلامة في النهاية وابن سعيد في النزهة (4). قال في النهاية: وكذلك البول -
يعني يحرم بيعه - وإن كان طاهرا، للاستخباث، كأبوال البقر والإبل وإن انتفع به في
شربه للدواء، لأ نه منفعة جزئية نادرة فلا يعتد به (5)، انتهى. أقول: بل لأن
المنفعة المحللة للاضطرار - وإن كانت كلية - لا تسوغ البيع، كما عرفت.
(1) الوسائل 17: 88، الباب 59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 7. (2) الوسائل 17:
87، الباب 59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث الأول. (3) كذا في " ع " و " ش "،
وفي غيرهما: إجماعا. (4) نزهة الناظر: 78. (5) نهاية الإحكام 2: 463.
[ 23 ]
[ المسألة ] الثانية يحرم بيع العذرة النجسة (1) من كل حيوان على المشهور، بل
في التذكرة - كما عن الخلاف -: الإجماع على تحريم بيع السرجين النجس (2). ويدل عليه
- مضافا إلى ما تقدم من الأخبار - رواية يعقوب ابن شعيب: " ثمن العذرة من السحت (3)
" (4). نعم، في رواية محمد بن المضارب (5): " لا بأس ببيع العذرة " (6). وجمع الشيخ
بينهما بحمل الأول على عذرة الإنسان، والثاني على عذرة البهائم (7).
(1) النجسة: ساقطة من " ش ". (2) التذكرة 1: 464، الخلاف 3: 185، كتاب البيوع،
المسألة 310. (3) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: ثمن العذرة سحت. (4)
الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول. (5) كذا في " ف "،
" ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: المصادف. (6) الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب
ما يكتسب به، الحديث 3. (7) الاستبصار 3: 56، ذيل الحديث 182.
[ 24 ]
ولعله لأن الأول نص في عذرة الإنسان ظاهر في غيرها، بعكس الخبر الثاني، فيطرح
ظاهر كل منهما بنص الآخر. ويقرب هذا الجمع رواية سماعة، قال: " سأل رجل أبا عبد
الله عليه السلام - وأنا حاضر - عن بيع العذرة، فقال: إني رجل أبيع العذرة، فما
تقول؟ قال: حرام بيعها وثمنها، وقال: لا بأس ببيع العذرة " (1). فإن الجمع بين
الحكمين في كلام واحد لمخاطب واحد يدل على أن تعارض الأولين ليس إلا من حيث
الدلالة، فلا يرجع فيه إلى المرجحات السندية أو الخارجية. وبه يدفع ما يقال: من أن
العلاج في الخبرين المتنافيين على وجه التباين الكلي هو الرجوع إلى المرجحات
الخارجية، ثم التخيير أو التوقف، لا إلغاء ظهور كل منهما، ولهذا طعن على من جمع بين
الأمر والنهي بحمل الأمر على الإباحة والنهي على الكراهة. واحتمل السبزواري حمل خبر
المنع على الكراهة (2). وفيه ما لا يخفى من البعد. وأبعد منه ما عن المجلسي من
احتمال حمل خبر المنع على بلاد لا ينتفع به، والجواز على غيرها (3).
(1) الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. وفي النسخ - عدا "
ش " -: سئل أبو عبد الله. (2) كفاية الأحكام: 84. (3) حكاه العلامة المجلسي في ملاذ
الأخيار 10: 379، ذيل الحديث 202، عن والده العلامة المجلسي الأول قدس سرهما.
[ 25 ]
ونحوه حمل خبر المنع (1) على التقية، لكونه مذهب أكثر العامة (2). والأظهر ما
ذكره الشيخ رحمه الله (3) - لو اريد التبرع بالحمل - لكونه أولى من الطرح، وإلا
فرواية الجواز لا يجوز الأخذ بها من وجوه لا تخفى. ثم إن لفظ " العذرة " في
الروايات، إن قلنا: إنه ظاهر في " عذرة الإنسان " - كما حكي التصريح به عن بعض أهل
اللغة (4) - فثبوت الحكم في غيرها بالأخبار العامة المتقدمة، وبالإجماع المتقدم (5)
على السرجين النجس. واستشكل في الكفاية (6) في الحكم تبعا للمقدس الأردبيلي رحمه
الله (7) إن لم يثبت الإجماع، وهو حسن، إلا أن الإجماع المنقول هو الجابر لضعف سند
الأخبار العامة السابقة. وربما يستظهر من عبارة الاستبصار القول بجواز بيع عذرة ما
عدا الإنسان، لحمله أخبار المنع على عذرة الإنسان (8). وفيه نظر.
(1) في بعض النسخ: النهي. (2) هذا الحمل من المجلسي الأول أيضا، حسبما حكاه عنه في
ملاذ الأخيار 10: 379. (3) تقدم عنه آنفا. (4) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة
4: 21. (5) تقدم عن التذكرة والخلاف في أول المسألة. (6) لا يخفى أن المحقق
السبزواري قدس سره استشكل في ثبوت الاتفاق واستوجه الجواز فيما ينتفع به، (انظر
كفاية الأحكام: 84). (7) مجمع الفائدة 8: 40. (8) الاستبصار 3: 56، ذيل الحديث 182.
[ 26 ]
" فرع " الأقوى جواز بيع الأرواث الطاهرة التي ينتفع بها منفعة محللة مقصودة،
وعن الخلاف: نفي الخلاف فيه (1)، وحكي أيضا عن المرتضى رحمه الله الإجماع عليه (2).
وعن المفيد: حرمة بيع العذرة والأبوال كلها إلا بول الإبل (3)، وحكي عن سلار أيضا
(4). ولا أعرف مستندا لذلك إلا دعوى أن تحريم الخبائث في قوله تعالى: * (ويحرم
عليهم الخبائث) * (5) يشمل تحريم بيعها، وقوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله إذا
حرم شيئا حرم ثمنه " (6)، وما تقدم من رواية دعائم الإسلام (7)، وغيرها. ويرد على
الأول: أن المراد - بقرينة مقابلته لقوله تعالى: * (يحل لهم الطيبات) * - الأكل، لا
مطلق الانتفاع. وفي النبوي وغيره ما عرفت من أن الموجب لحرمة الثمن حرمة عين الشئ،
بحيث يدل على تحريم جميع منافعه أو المنافع المقصودة الغالبة، ومنفعة الروث ليست هي
الأكل المحرم فهو كالطين المحرم، كما عرفت سابقا.
(1) الخلاف 3: 185، كتاب البيوع، المسألة 310. (2) لم نقف عليه في كتب السيد، لكن
حكاه عنه العلامة في المنتهى 2: 1008. (3) المقنعة: 587. (4) المراسم: 170. (5)
الأعراف: 157. (6) عوالي اللآلي 2: 110، الحديث 301. (7) دعائم الإسلام 2: 18،
الحديث 23.
[ 27 ]
[ المسألة ] الثالثة يحرم المعاوضة على الدم بلا خلاف، بل عن النهاية وشرح
الإرشاد - لفخر الدين - والتنقيح: الإجماع عليه (1)، ويدل عليه الأخبار السابقة
(2). " فرع " وأما الدم الطاهر إذا فرضت له منفعة محللة كالصبغ - لو قلنا بجوازه -
ففي جواز بيعه وجهان، أقواهما الجواز، لأ نها عين طاهرة ينتفع بها منفعة محللة.
وأما مرفوعة الواسطي (3) المتضمنة لمرور أمير المؤمنين عليه السلام
(1) نهاية الإحكام 2: 463، التنقيح 2: 5، وأما شرح الإرشاد فلا يوجد لدينا. (2) مثل
قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " المتقدم آنفا،
وما تقدم من رواية تحف العقول ودعائم الإسلام في أول الكتاب. (3) الوسائل 16: 359،
الباب 31 من أبواب ما يحرم من الذبيحة، الحديث 2.
[ 28 ]
بالقصابين ونهيهم عن بيع سبعة: بيع الدم، والغدد، وآذان الفؤاد، والطحال... إلى
آخرها، فالظاهر إرادة حرمة البيع للأكل، ولا شك في تحريمه، لما سيجئ من أن قصد
المنفعة المحرمة في المبيع موجب لحرمة البيع، بل بطلانه. وصرح في التذكرة بعدم جواز
بيع الدم الطاهر، لاستخباثه (1)، ولعله لعدم المنفعة الظاهرة فيه غير الأكل المحرم.
(1) التذكرة 1: 464.
[ 29 ]
[ المسألة ] الرابعة لا إشكال في حرمة بيع المني، لنجاسته، وعدم الانتفاع به
إذا وقع في خارج الرحم، ولو وقع فيه فكذلك لا ينتفع به المشتري، لأن الولد نماء
الام في الحيوانات عرفا، وللأب في الإنسان شرعا. لكن الظاهر أن حكمهم بتبعية (1)
الام متفرع على عدم تملك المني، وإلا لكان بمنزلة البذر المملوك يتبعه الزرع.
فالمتعين التعليل بالنجاسة، لكن قد منع بعض (2) من نجاسته إذا دخل من (3) الباطن
إلى الباطن. وقد ذكر العلامة من المحرمات بيع " عسيب الفحل " (4)، وهو ماؤه قبل
الاستقرار في الرحم، كما أن الملاقيح هو ماؤه بعد الاستقرار،
(1) ظاهر " ف ": بتبعيته. (2) لم نقف عليه. (3) في " ع "، " ص ": عن. (4) التحرير
1: 160.
[ 30 ]
كما في جامع المقاصد (1) وعن غيره (2). وعلل في الغنية بطلان بيع ما في أصلاب
الفحول بالجهالة وعدم القدرة على التسليم (3).
(1) حكاه في جامع المقاصد 4: 53، عن الفائق. (2) ونقله السيد العاملي في مفتاح
الكرامة 4: 144 عن جامع المقاصد وحواشي الشهيد قدس سره. (3) الغنية (الجوامع
الفقهية): 524.
[ 31 ]
[ المسألة ] الخامسة تحرم المعاوضة على الميتة وأجزائها التي تحلها الحياة من
ذي النفس السائلة - على المعروف من مذهب الأصحاب -. وفي التذكرة - كما عن المنتهى
والتنقيح -: الإجماع عليه (1)، وعن رهن الخلاف: الإجماع على عدم ملكيتها (2). ويدل
عليه - مضافا إلى ما تقدم من الأخبار (3) - ما دل على أن الميتة لا ينتفع بها (4)
منضما إلى اشتراط وجود المنفعة المباحة في المبيع لئلا يدخل في عموم النهي عن أكل
المال بالباطل، وخصوص عد ثمن
(1) التذكرة 1: 464، المنتهى 2: 1009، التنقيح 2: 5. (2) الخلاف 3: 240، كتاب
الرهن، المسألة 34. (3) مثل روايتي تحف العقول ودعائم الإسلام، المتقدمتين في أول
الكتاب، وقوله عليه السلام: " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " المتقدم عن عوالي
اللآلي آنفا. (4) الوسائل 16: 368، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة.
[ 32 ]
الميتة من السحت في رواية السكوني (1). نعم، قد ورد بعض ما يظهر منه الجواز،
مثل رواية الصيقل، قال: " كتبوا إلى الرجل: جعلنا الله فداك، إنا نعمل السيوف،
وليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها، ونحن مضطرون إليها، وإنما غلافها (2) من جلود
الميتة من البغال والحمير الأهلية، لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها
وشراؤها وبيعها ومسها بأيدينا وثيابنا، ونحن نصلي في ثيابنا؟ ونحن محتاجون إلى
جوابك في المسألة يا سيدنا لضرورتنا إليها، فكتب عليه السلام: اجعلوا ثوبا
للصلاة... " (3). ونحوها رواية اخرى بهذا المضمون (4). ولذا قال في الكفاية
والحدائق: إن الحكم لا يخلو عن إشكال (5). ويمكن أن يقال: إن مورد السؤال عمل
السيوف وبيعها وشراؤها، لا خصوص الغلاف مستقلا، ولا في ضمن السيف على أن يكون جزء
من الثمن في مقابل عين الجلد، فغاية ما يدل عليه جواز الانتفاع بجلد الميتة بجعله
غمدا للسيف، وهو لا ينافي عدم جواز معاوضته بالمال، ولذا جوز جماعة، منهم الفاضلان
في النافع والإرشاد - على ما حكي
(1) الوسائل 12: 62، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5. (2) في التهذيب
والوسائل: علاجنا. (3) الوسائل 12: 125، الباب 38 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4،
مع تفاوت يسير. (4) نفس المصدر: الحديث 3. (5) كفاية الأحكام: 84، الحدائق 18: 73.
[ 33 ]
عنهما - الاستقاء بجلد الميتة لغير الصلاة والشرب مع عدم قولهم بجواز بيعه (1).
مع أن الجواب لا ظهور فيه في الجواز، إلا من حيث التقرير الغير الظاهر في الرضى،
خصوصا في المكاتبات المحتملة للتقية. هذا، ولكن الإنصاف: أنه إذا قلنا بجواز
الانتفاع بجلد الميتة منفعة مقصودة - كالاستقاء بها للبساتين والزرع إذا فرض عده
مالا عرفا - فمجرد النجاسة لا يصلح (2) علة لمنع البيع، لولا الإجماع على حرمة بيع
الميتة بقول مطلق (3)، لأن المانع حرمة الانتفاع في المنافع المقصودة، لا مجرد
النجاسة. وإن قلنا: إن مقتضى الأدلة حرمة الانتفاع بكل نجس، فإن هذا كلام آخر سيجئ
بما فيه (4) بعد ذكر حكم النجاسات. لكنا نقول: إذا قام الدليل الخاص على جواز
الانتفاع منفعة مقصودة بشئ من النجاسات فلا مانع من صحة بيعه، لأن ما دل على المنع
عن بيع النجس من النص والإجماع ظاهر في كون المانع حرمة الانتفاع، فإن رواية تحف
العقول المتقدمة (5) قد علل فيها المنع عن بيع
(1) المختصر النافع: 254، الإرشاد 2: 113. (2) كذا في " ص "، وفي غيره: لا تصلح.
(3) ادعاه العلامة في التذكرة 1: 464، والمنتهى 2: 1009، والفاضل المقداد في
التنقيح 2: 5. (4) في " ع "، " ص "، " ش ": ما فيه. (5) تقدمت في أول الكتاب.
[ 34 ]
شئ من وجوه النجس بكونه منهيا عن أكله وشربه... إلى آخر ما ذكر فيها. ومقتضى
رواية دعائم الإسلام - المتقدمة أيضا (1) - إناطة جواز البيع وعدمه بجواز الانتفاع
وعدمه. وأدخل ابن زهرة - في الغنية - النجاسات في ما لا يجوز بيعه من جهة عدم حل
الانتفاع بها، واستدل أيضا على جواز بيع الزيت النجس: بأن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أذن في الاستصباح به تحت السماء (2)، قال: وهذا يدل على جواز بيعه لذلك (3)،
انتهى. فقد ظهر من أول كلامه وآخره أن المانع من البيع منحصر في حرمة الانتفاع، وأ
نه يجوز مع عدمها. ومثل ما ذكرناه عن الغنية من الاستدلال، كلام الشيخ - في الخلاف
في باب البيع - حيث ذكر النبوي الدال على إذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في
الاستصباح، ثم قال: وهذا يدل على جواز بيعه (4)، انتهى. وعن فخر الدين - في شرح
الإرشاد (5) -، والفاضل المقداد - في
(1) تقدمت في أول الكتاب. (2) نقله عن كتاب " الأوضاح " لأبي علي بن أبي هريرة، وفي
الخلاف عن " الإفصاح "، والظاهر أن أحدهما محرف عن الآخر. (3) الغنية (الجوامع
الفقهية): 524. (4) الخلاف 3: 187، كتاب البيوع، المسألة 312. (5) لا يوجد لدينا،
لكن حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 13.
[ 35 ]
التنقيح (1) - الاستدلال على المنع عن بيع النجس بأنه محرم الانتفاع، وكل ما
كان كذلك لا يجوز بيعه. نعم، ذكر في التذكرة شرط الانتفاع وحليته (2) بعد اشتراط
الطهارة، واستدل للطهارة بما دل على وجوب الاجتناب عن النجاسات وحرمة الميتة (3).
والإنصاف، إمكان إرجاعه إلى ما ذكرنا (4)، فتأمل. ويؤيده (5) أنهم أطبقوا على بيع
العبد الكافر وكلب الصيد، وعلله في التذكرة بحل الانتفاع به، ورد من منع (6) عن
بيعه لنجاسته بأن النجاسة غير مانعة، وتعدى إلى كلب الحائط والماشية والزرع، لأن
المقتضي - وهو النفع - موجود فيها (7). ومما ذكرنا من قوة جواز بيع جلد الميتة -
لولا الإجماع - إذا جوزنا الانتفاع به في الاستقاء، يظهر حكم جواز المعاوضة على لبن
اليهودية المرضعة، بأن يجعل تمام الاجرة أو بعضها في مقابل اللبن، فإن نجاسته لا
تمنع عن جواز المعاوضة عليه.
(1) التنقيح 2: 5. (2) التذكرة 1: 465. (3) التذكرة 1: 464. (4) في " ف ": ما ذكره
الجماعة. (5) في " ف ": ويؤيد الإرجاع. (6) وهم جماعة من العامة - كالشافعي وأحمد
والأوزاعي وغيرهم - وبعض منا، على ما في التذكرة. (7) التذكرة 1: 464.
[ 36 ]
" فرعان " الأول: أ نه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة، كذلك لا يجوز بيعها
منضمة إلى مذكى. ولو باعهما (1)، فإن كان المذكى ممتازا صح البيع فيه وبطل في
الميتة، كما سيجئ في محله، وإن كان مشتبها بالميتة لم يجز بيعه أيضا، لأ نه لا
ينتفع به منفعة محللة، بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين، فهو في حكم الميتة
من حيث الانتفاع، فأكل المال بإزائه أكل للمال (2) بالباطل، كما أن أكل كل من
المشتبهين في حكم أكل الميتة. ومن هنا يعلم أنه لا فرق في المشتري بين الكافر
المستحل للميتة وغيره. لكن في صحيحة الحلبي وحسنته: " إذا اختلط المذكى بالميتة بيع
ممن يستحل الميتة " (3)، وحكي نحوهما عن كتاب علي بن جعفر (4).
(1) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: باعها. (2) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: أكل
المال. (3) الوسائل 12: 67، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 و 2، مع اختلاف
في اللفظ. (4) مسائل علي بن جعفر: 109، الحديث 20.
[ 37 ]
واستوجه العمل بهذه الأخبار في الكفاية (1)، وهو مشكل، مع أن المروي عن أمير
المؤمنين عليه السلام: أنه يرمى بها (2). وجوز بعضهم البيع بقصد بيع المذكى (3).
وفيه: أن القصد لا ينفع بعد فرض عدم جواز الانتفاع بالمذكى لأجل الاشتباه. نعم، لو
قلنا بعدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة وجواز ارتكاب أحدهما، جاز البيع بالقصد
المذكور. لكن لا ينبغي القول به في المقام، لأن الأصل في كل واحد من المشتبهين عدم
التذكية، غاية الأمر العلم الاجمالي بتذكية أحدهما، وهو غير قادح في العمل
بالأصلين. وإنما يصح القول بجواز ارتكاب أحدهما في المشتبهين إذا كان الأصل في كل
منهما الحل وعلم إجمالا بوجود الحرام، فقد يقال هنا بجواز ارتكاب أحدهما اتكالا على
أصالة الحل، وعدم جواز ارتكاب الآخر بعد ذلك حذرا عن ارتكاب الحرام الواقعي، وإن
كان هذا الكلام مخدوشا في هذا المقام أيضا، لكن القول به ممكن هنا، بخلاف ما نحن
فيه، لما ذكرنا، فافهم.
(1) كفاية الأحكام: 85. (2) في " ش ": بهما، وما أثبتناه مطابق لسائر النسخ، ولما
ورد في الحديث، راجع: مستدرك الوسائل 13: 73، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، الحديث
الأول. (3) المحقق في الشرائع 3: 223، والعلامة في الإرشاد 2: 113.
[ 38 ]
وعن العلامة حمل الخبرين على جواز استنقاذ مال المستحل للميتة بذلك برضاه (1).
وفيه: أن المستحل قد يكون ممن لا يجوز الاستنقاذ منه إلا بالأسباب الشرعية، كالذمي.
ويمكن حملهما على صورة قصد البائع المسلم أجزاءها التي لا تحلها الحياة: من الصوف
والشعر والعظم (2) ونحوها، وتخصيص المشتري بالمستحل، لأن الداعي له على الاشتراء
اللحم أيضا، ولا يوجب ذلك فساد البيع ما لم يقع العقد عليه. وفي مستطرفات السرائر،
عن جامع البزنطي - صاحب الرضا عليه السلام - قال: " سألته عن الرجل يكون له الغنم
يقطع من الياتها وهي أحياء، أيصلح أن ينتفع بها (3)؟ قال: نعم، يذيبها ويسرج بها،
ولا يأكلها ولا يبيعها " (4). واستوجه في الكفاية العمل بها (5) تبعا لما حكاه
الشهيد عن العلامة
(1) المختلف: 683. (2) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: من الصوف والعظم والشعر. (3)
في المصدر بدل " بها ": بما قطع. (4) السرائر 3: 573. (5) ظاهر العبارة: أن
السبزواري استوجه العمل برواية البزنطي، لكن الموجود في كفاية الأحكام - بعد الحكم
باستثناء الأدهان، مستدلا بصحيحة الحلبي وصحيحة زرارة وصحيحة سعيد الأعرج وغيرها،
وأن ذكر الإسراج والاستصباح في الروايات غير دال على الحصر - ما يلي: " والقول
بالجواز مطلقا متجه "، انظر كفاية الأحكام: 85.
[ 39 ]
في بعض أقواله (1). والرواية شاذة، ذكر الحلي - بعد إيرادها - أنها من نوادر
الأخبار، والإجماع منعقد على تحريم الميتة والتصرف فيها على كل حال إلا أكلها
للمضطر (2). أقول: مع أنها معارضة بما دل على المنع من موردها، معللا بقوله عليه
السلام: " أما علمت أنه يصيب الثوب واليد وهو حرام؟ " (3) ومع الإغماض عن المرجحات،
يرجع إلى عموم ما دل على المنع عن الانتفاع بالميتة مطلقا، مع أن الصحيحة صريحة في
المنع عن البيع، إلا أن تحمل على إرادة البيع من غير الإعلام بالنجاسة.
(1) حكى السيد العاملي في مفتاح الكرامة (4: 19) عن حواشي الشهيد على القواعد أنه
نقل عن العلامة - في حلقة الدرس - أنه جوز الاستصباح بأليات الغنم المقطوعة، تحت
السماء. (2) السرائر 3: 574. (3) الوسائل 16: 364، الباب 32 من أبواب الأطعمة
المحرمة، الحديث الأول، وفيه: أما تعلم.
[ 40 ]
الثاني: أن الميتة من غير ذي النفس السائلة يجوز المعاوضة عليها إذا كانت مما
ينتفع بها أو ببعض أجزائها - كدهن السمك الميتة للإسراج والتدهين - لوجود المقتضي
وعدم المانع، لأن أدلة عدم الانتفاع بالميتة مختصة بالنجسة، وصرح بما ذكرنا جماعة
(1)، والظاهر أنه مما لا خلاف فيه.
(1) منهم: المحدث البحراني في الحدائق 18: 77، والسيد العاملي في مفتاح الكرامة 4:
19، وصاحب الجواهر في الجواهر 22: 17.
[ 41 ]
[ المسألة ] السادسة يحرم التكسب بالكلب الهراش والخنزير البريين إجماعا على
الظاهر - المصرح به في المحكي عن جماعة (1) - وكذلك أجزاؤهما. نعم، لو قلنا بجواز
استعمال شعر الخنزير وجلده جاء فيه ما تقدم في جلد الميتة.
(1) منهم: الشيخ في المبسوط 2: 165 - 166. وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية):
524. والعلامة في المنتهى 2: 1009 وغيره، والشهيدان في الدروس: 3: 168، والمسالك 3:
135 في مورد الكلب خاصة.
[ 42 ]
[ المسألة ] السابعة يحرم التكسب بالخمر وكل مسكر مائع والفقاع إجماعا، نصا
وفتوى. وفي بعض الأخبار: " يكون لي على الرجل دراهم فيعطيني خمرا؟ قال: خذها
وأفسدها، قال ابن أبي عمير: يعني اجعلها خلا (1) " (2). والمراد به إما أخذ الخمر
مجانا ثم تخليلها، أو أخذها وتخليلها لصاحبها، ثم أخذ الخل وفاء عن الدراهم.
(1) كذا في النسخ، وفي الوسائل: " قال علي: واجعلها خلا " والمراد به: علي ابن
حديد، الواقع في سند الرواية. (2) الوسائل 17: 297، الباب 31 من أبواب الأشربة
المحرمة، الحديث 6.
[ 43 ]
[ المسألة ] الثامنة يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجسة الغير القابلة للطهارة
إذا توقف منافعها المحللة المعتد بها على الطهارة، لما تقدم من النبوي: " إن الله
إذا حرم شيئا حرم ثمنه " (1) ونحوه المتقدم عن دعائم الإسلام (2). وأما التمسك
بعموم قوله عليه السلام في رواية تحف العقول: " أو شئ من وجوه النجس " ففيه نظر،
لأن الظاهر من " وجوه النجس " العنوانات النجسة، لأن ظاهر " الوجه " هو العنوان.
نعم، يمكن الاستدلال على ذلك بالتعليل المذكور بعد ذلك وهو قوله عليه السلام: " لأن
ذلك كله محرم أكله (3) وشربه ولبسه... إلى آخر ما ذكر ". ثم اعلم أنه قيل بعدم جواز
بيع المسوخ من أجل نجاستها (4)،
(1) عوالي اللآلي 2: 110، الحديث 301، سنن الدارقطني 3: 7، الحديث 20. (2) دعائم
الإسلام 2: 18، الحديث 23، وقد تقدم مع سابقه في الصفحة: 13. (3) في المصدر: منهي
عن أكله. (4) راجع المبسوط 2: 165 - 166 حيث جعل المسوخ من الأعيان النجسة وادعى
الإجماع على عدم جواز بيعها.
[ 44 ]
ولما كان الأقوى طهارتها لم يحتج إلى التكلم في جواز بيعها هنا. نعم، لو قيل
بحرمة البيع لا من حيث النجاسة كان محل التعرض له ما سيجئ من أن كل طاهر له منفعة
محللة مقصودة يجوز بيعه. وسيجئ ذلك في ذيل القسم الثاني (1) مما لا يجوز الاكتساب
به لأجل عدم المنفعة فيه.
(1) كذا في النسخ، والصحيح: القسم الثالث.
[ 45 ]
[ المستثنيات من حرمة بيع الأعيان النجسة ] (1)
(1) العنوان زيادة منا.
[ 47 ]
وأما المستثنى من الأعيان المتقدمة فهي أربعة تذكر في مسائل أربع: الاولى يجوز
بيع المملوك الكافر، أصليا كان أم مرتدا مليا، بلا خلاف ظاهر، بل ادعي عليه الإجماع
(1)، وليس ببعيد، كما يظهر للمتتبع في المواضع المناسبة لهذه المسألة، كاسترقاق
الكفار وشراء بعضهم من بعض، وبيع العبد الكافر إذا أسلم على مولاه الكافر، وعتق
الكافرة، وبيع المرتد، وظهور كفر العبد المشترى على ظاهر الإسلام، وغير ذلك. وكذا
الفطري على الأقوى، بل الظاهر أنه لا خلاف فيه من هذه الجهة، وإن كان فيه كلام من
حيث كونه في معرض التلف، لوجوب قتله.
(1) الجواهر 22: 23.
[ 48 ]
ولم نجد من تأمل فيه من جهة نجاسته، عدا ما يظهر من بعض الأساطين في شرحه على
القواعد حيث احترز بقول العلامة: " ما لا يقبل التطهير من النجاسات "، عما يقبله
ولو بالإسلام، كالمرتد ولو عن فطرة على أصح القولين (1)، فبنى جواز بيع المرتد على
قبول توبته، بل بنى جواز بيع مطلق الكافر على قبوله للطهر بالإسلام. وأنت خبير بأن
حكم الأصحاب بجواز بيع الكافر نظير حكمهم بجواز بيع الكلب لا من حيث قابليته
للتطهير - نظير الماء المتنجس - وأن اشتراطهم قبول التطهير إنما هو فيما يتوقف
الانتفاع به على طهارته ليتصف بالملكية، لا مثل الكلب والكافر المملوكين مع النجاسة
إجماعا. وبالغ تلميذه في مفتاح الكرامة، فقال: أما المرتد عن فطرة فالقول بجواز
بيعه ضعيف جدا، لعدم قبول توبته فلا يقبل التطهير، ثم ذكر جماعة ممن جوز بيعه - إلى
أن قال -: ولعل من جوز بيعه بنى على قبول توبته (2)، انتهى. وتبعه على ذلك شيخنا
المعاصر (3). أقول: لا إشكال ولا خلاف في كون المملوك المرتد عن فطرة ملكا ومالا
لمالكه، ويجوز له الانتفاع به بالاستخدام (4) ما لم يقتل، وإنما استشكل من استشكل
في جواز بيعه من حيث كونه في معرض
(1) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 4. (2) مفتاح الكرامة 4: 12. (3) أي صاحب الجواهر
قدس سره، انظر الجواهر 22: 8. (4) كذا في " ش "، وفي " ف ": الانتفاع والاستخدام،
وفي سائر النسخ: الانتفاع به والاستخدام.
[ 49 ]
القتل، بل واجب الإتلاف شرعا، فكأن الإجماع منعقد على عدم المنع من بيعه من جهة
عدم قابلية طهارته بالتوبة. قال في الشرائع: ويصح رهن المرتد وإن كان عن فطرة (1).
واستشكل في المسالك من جهة وجوب إتلافه وكونه في معرض التلف، ثم اختار الجواز،
لبقاء ماليته إلى زمان القتل (2). وقال في القواعد: ويصح رهن المرتد وإن كان عن
فطرة، على إشكال (3). وذكر في جامع المقاصد: أن منشأ الإشكال أنه يجوز بيعه فيجوز
رهنه بطريق أولى، ومن أن مقصود البيع حاصل، وأما مقصود الرهن فقد لا يحصل، لقتل (4)
الفطري حتما، والآخر قد لا يتوب (5)، ثم اختار الجواز. وقال في التذكرة: المرتد إن
كان عن فطرة ففي جواز بيعه نظر، ينشأ من تضاد الحكمين، ومن بقاء الملك، فإن كسبه
لمولاه، أما عن غير فطرة فالوجه صحة بيعه، لعدم تحتم قتله (6) ثم ذكر المحارب الذي
لا تقبل توبته، لوقوعها بعد القدرة عليه.
(1) الشرائع 2: 77. (2) المسالك 4: 25. (3) القواعد 1: 159. (4) كذا في " ن "
والمصدر، وفي سائر النسخ: بقتل. (5) جامع المقاصد 5: 57. (6) التذكرة 1: 466.
[ 50 ]
واستدل على جواز بيعه بما يظهر منه جواز بيع المرتد عن فطرة، وجعله نظير المريض
المأيوس عن برئه. نعم، منع في التحرير والدروس عن بيع المرتد عن فطرة، والمحارب إذا
وجب قتله (1)، للوجه المتقدم عن (2) التذكرة، بل في الدروس: أن بيع المرتد عن ملة
أيضا مراعى بالتوبة (3). وكيف كان، فالمتتبع يقطع بأن اشتراط قابلية الطهارة إنما
هو في ما يتوقف الانتفاع المعتد به على طهارته، ولذا قسم في المبسوط المبيع إلى
آدمي وغيره، ثم اشترط الطهارة في غير الآدمي، ثم استثنى الكلب الصيود (4).
(1) التحرير 1: 165، الدروس 3: 200. (2) كذا في " ف " و " ش "، وفي سائر النسخ:
وعن. (3) انظر التخريج السابق. (4) المبسوط 2: 165 - 166.
[ 51 ]
[ المسألة ] الثانية يجوز المعاوضة على غير كلب الهراش في الجملة بلا خلاف
ظاهر، إلا ما عن ظاهر إطلاق العماني (1)، ولعله كإطلاق كثير من الأخبار: بأن " ثمن
الكلب سحت " (2) محمول على الهراش، لتواتر الأخبار (3) واستفاضة نقل الإجماع (4)
على جواز بيع ما عدا كلب الهراش في الجملة. ثم إن ما عدا كلب الهراش على أقسام:
أحدها - كلب الصيد السلوقي، وهو المتيقن من (5) الأخبار (6) ومعاقد
(1) قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة (4: 28): ولا مخالف سوى الحسن العماني، على
ما حكي. (2) الوسائل 12: 62، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 و 9، والصفحة:
83، الباب 14 من نفس الأبواب، الحديث 2 و 8. (3) الوسائل 12: 63، الباب 5 من أبواب
ما يكتسب به، الحديث 7 و 8، والصفحة: 83، الباب 14 من نفس الأبواب، الأحاديث 1 و 3
و 5 و 6 و 7. (4) سيأتي نقله عن الخلاف والمنتهى وإيضاح الفوائد وغيرها. (5) في " ن
"، " م "، " ع "، " ص ": عن. (6) المشار إليها في الهامش (3).
[ 52 ]
الإجماعات الدالة على الجواز. الثاني - كلب الصيد غير السلوقي، وبيعه جائز على
المعروف من غير ظاهر إطلاق المقنعة والنهاية (1). ويدل عليه - قبل الإجماع المحكي
عن الخلاف والمنتهى والإيضاح (2) وغيرها (3) - الأخبار المستفيضة: منها: قوله عليه
السلام في رواية القاسم بن الوليد، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ثمن
الكلب الذي لا يصيد، قال: سحت، وأما الصيود فلا بأس به " (4). ومنها: الصحيح عن ابن
فضال عن أبي جميلة، عن ليث، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب الصيود
يباع؟ قال عليه السلام: نعم، ويؤكل ثمنه " (5). ومنها: رواية أبي بصير، قال: " سألت
أبا عبد الله عليه السلام عن ثمن كلب الصيد، قال: لا بأس به، وأما الآخر فلا يحل
ثمنه " (6).
(1) المقنعة: 589، النهاية: 364. (2) الخلاف 3: 182، كتاب البيوع، المسألة 302،
المنتهى 2: 1009، إيضاح الفوائد 1: 402. (3) مثل الغنية (الجوامع الفقهية): 524،
والدروس 3: 168. (4) الوسائل 12: 83، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 و 7.
(5) التهذيب 9: 80، الحديث 343، ولم نقف عليه في الوسائل. (6) الوسائل 12: 83،
الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5، مع اختلاف يسير.
[ 53 ]
ومنها: ما (1) عن دعائم الإسلام - للقاضي نعمان المصري - عن أمير المؤمنين عليه
السلام أنه قال: " لا بأس بثمن كلب الصيد " (2). ومنها: مفهوم رواية أبي بصير، عن
أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثمن الخمر
ومهر البغي وثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت " (3). ومنها: مفهوم رواية عبد
الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " ثمن الكلب الذي لا
يصيد سحت، ولا بأس بثمن الهرة " (4). ومرسلة الصدوق، وفيها: " ثمن الكلب الذي ليس
بكلب الصيد سحت " (5). ثم إن دعوى انصراف هذه الأخبار - كمعاقد الإجماعات المتقدمة
- إلى السلوقي ضعيفة بمنع (6) الانصراف، لعدم الغلبة المعتد بها - على فرض تسليم
كون مجرد غلبة الوجود من دون غلبة الاستعمال منشأ للانصراف - مع أنه لا يصح في مثل
قوله: " ثمن الكلب الذي لا يصيد " أو " ليس بكلب الصيد "، لأن مرجع التقييد إلى
إرادة ما يصح
(1) كلمة " ما " ساقطة من أكثر النسخ. (2) دعائم الإسلام 2: 19، الحديث 28. (3)
الوسائل 12: 83، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6. (4) نفس المصدر، الحديث
3، وفيه: ولا بأس بثمن الهر. (5) الفقيه 3: 171، الحديث 3648. (6) كذا في " ف "،
وفي سائر النسخ: لمنع.
[ 54 ]
عنه سلب صفة الاصطياد. وكيف كان، فلا مجال لدعوى الانصراف. بل يمكن أن يكون
مراد المقنعة والنهاية (1) من " السلوقي " مطلق الصيود، على ما شهد به بعض الفحول
من إطلاقه عليه أحيانا (2). ويؤيد بما عن المنتهى، حيث إنه بعد ما حكى التخصيص
بالسلوقي عن الشيخين قال: " وعنى بالسلوقي كلب الصيد، لأن " سلوق " قرية باليمن،
أكثر كلابها معلمة فنسب الكلب إليها " (3) وإن كان هذا الكلام من المنتهى يحتمل لأن
يكون مسوقا لإخراج غير كلب الصيد من الكلاب السلوقية، وأن المراد بالسلوقي خصوص
الصيود، لا كل سلوقي، لكن الوجه الأول أظهر، فتدبر. الثالث: كلب الماشية والحائط -
وهو البستان والزرع - والأشهر بين القدماء - على ما قيل (4) -: المنع. ولعله استظهر
ذلك من الأخبار الحاصرة لما يجوز بيعه في الصيود المشتهرة بين المحدثين - كالكليني
والصدوقين ومن تقدمهم (5) - بل وأهل
(1) تقدم التخريج عنهما في الصفحة: 52، الهامش (1). (2) لعله قدس سره أراد بذلك ما
نقله السيد المجاهد عن استاذه في مقام الجمع بين الروايات، انظر المناهل: 276، ذيل
قوله: وأما ثالثا.... (3) المنتهى 2: 1009. (4) انظر المستند 2: 334، والمناهل:
276. (5) حيث أوردوا الأخبار المذكورة في اصولهم ومصنفاتهم.
[ 55 ]
الفتوى - كالمفيد والقاضي وابن زهرة وابن سعيد والمحقق (1) - بل ظاهر الخلاف
والغنية الإجماع عليه (2). نعم، المشهور بين الشيخ ومن تأخر عنه (3) الجواز، وفاقا
للمحكي عن ابن الجنيد قدس سره، حيث قال: " لا بأس بشراء الكلب الصائد والحارس
للماشية والزرع "، ثم قال: " لا خير في الكلب فيما عدا الصيود والحارس " (4) وظاهر
الفقرة الأخيرة - لو لم يحمل على الاولى -: جواز بيع الكلاب الثلاثة وغيرها، كحارس
الدور والخيام. وحكي الجواز أيضا عن الشيخ والقاضي في كتاب الإجارة (5) وعن سلار
وأبي الصلاح وابن حمزة وابن إدريس (6) وأكثر المتأخرين - كالعلامة وولده السعيد (7)
والشهيدين (8) والمحقق الثاني (9) وابن القطان
(1) المقنعة: 589، الغنية (الجوامع الفقهية): 524، نزهة الناظر: 76، الشرائع 2: 11،
وأما القاضي فلم نقف في كتابيه على ما يدل على المنع، وإن نسبه إليه في المختلف:
341. (2) الخلاف 3: 181، كتاب البيوع، المسألة 302، الغنية (الجوامع الفقهية): 524.
(3) ستأتي الإشارة إلى مواضع كلامهم. (4) حكاه عنه في المختلف 340، 341. (5)
المبسوط 3: 250، المهذب 1: 502. (6) المراسم: 170، الوسيلة: 248، السرائر 2: 220،
وأما أبو الصلاح فلم نقف على فتواه بالجواز في الكافي. (7) القواعد 1: 120، إيضاح
الفوائد 1: 402. (8) الدروس 3: 168، الروضة البهية 3: 209. (9) جامع المقاصد 4: 14.
[ 56 ]
في المعالم (1) والصيمري (2) وابن فهد (3) - وغيرهم من متأخري المتأخرين (4)،
عدا قليل وافق المحقق (5) كالسبزواري (6) والتقي المجلسي (7) وصاحب الحدائق (8)
والعلامة الطباطبائي في مصابيحه (9) وفقيه عصره في شرح القواعد (10). وهو الأوفق
بالعمومات المتقدمة المانعة، إذ لم نجد مخصصا لها سوى ما أرسله في المبسوط من أنه
روي ذلك (11)، يعني جواز البيع في كلب الماشية والحائط، المنجبر قصور سنده ودلالته
- لكون المنقول مضمون الرواية لا معناها ولا ترجمتها - باشتهاره بين المتأخرين، بل
ظهور الاتفاق المستفاد من قول الشيخ في كتاب الإجارة: إن أحدا
(1) معالم الدين في فقه آل يس (مخطوط): 126. (2) تلخيص الخلاف 2: 79. (3) المهذب
البارع 2: 349. (4) منهم الفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 437، والفاضل المقداد في
التنقيح 2: 7، والمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 8: 37. (5) الشرائع 2: 12. (6)
كفاية الأحكام: 88. (7) روضة المتقين 6: 470. (8) الحدائق 18: 81. (9) المصابيح:
(مخطوط)، ولم نقف عليه. (10) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 6. (11) المبسوط 2: 166.
[ 57 ]
لم يفرق بين بيع هذه الكلاب وإجارتها (1) بعد ملاحظة الاتفاق على صحة إجارتها،
ومن قوله في التذكرة: يجوز بيع هذه الكلاب عندنا (2)، ومن المحكي عن الشهيد في
الحواشي: أن أحدا لم يفرق بين الكلاب الأربعة (3). فتكون هذه الدعاوي قرينة على حمل
كلام من اقتصر على كلب الصيد على المثال لمطلق ما ينتفع به منفعة محللة مقصودة، كما
يظهر ذلك من عبارة ابن زهرة في الغنية، حيث اعتبر أولا في المبيع أن يكون مما ينتفع
به منفعة محللة مقصودة، ثم قال: واحترزنا بقولنا: " ينتفع به منفعة محللة " عما
يحرم الانتفاع به، ويدخل في ذلك: النجس (4) إلا ما خرج بالدليل، من الكلب (5)
المعلم للصيد، والزيت النجس لفائدة الاستصباح (6) تحت السماء (7)، ومن المعلوم -
بالإجماع والسيرة - جواز الانتفاع بهذه الكلاب منفعة محللة مقصودة أهم من منفعة
الصيد، فيجوز بيعها لوجود القيد الذي اعتبره فيها، وأن المنع من بيع النجس منوط
بحرمة الانتفاع فينتفي بانتفائها.
(1) قاله في كتاب البيع، انظر المبسوط 2: 166. (2) التذكرة 2: 295 (كتاب الإجارة).
(3) حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 29. (4) في " ش " والمصدر: كل نجس،
(5) في " ش " والمصدر: من بيع الكلب. (6) في " ش " والمصدر: والزيت النجس
للاستصباح. (7) الغنية (الجوامع الفقهية): 524، مع تفاوت في بعض الألفاظ. (*
[ 58 ]
ويؤيد ذلك كله ما في التذكرة من أن المقتضي لجواز بيع كلب الصيد - أعني المنفعة
- موجود في هذه الكلاب (1). وعنه رحمه الله في مواضع اخر: أن تقدير الدية لها يدل
على مقابلتها بالمال (2). وإن ضعف الأول برجوعه إلى القياس، والثاني بأن الدية لو
لم تدل على عدم التملك - وإلا لكان الواجب القيمة كائنة ما كانت - لم تدل على
التملك، لاحتمال كون الدية من باب تعيين غرامة معينة لتفويت شئ ينتفع به، لا لإتلاف
مال، كما في إتلاف الحر. ونحوهما في الضعف: دعوى انجبار المرسلة (3) بدعوى الاتفاق
المتقدم عن الشيخ والعلامة والشهيد قدس الله أسرارهم (4)، لوهنها - بعد الإغماض عن
معارضتها بظاهر عبارتي الخلاف والغنية: من الإجماع على عدم جواز بيع (5) غير المعلم
من الكلاب (6) - بوجدان الخلاف العظيم من أهل الرواية والفتوى. نعم، لو ادعي
الإجماع أمكن منع وهنها بمجرد الخلاف ولو من الكثير - بناء على ما سلكه بعض متأخري
المتأخرين في الإجماع من كونه منوطا بحصول الكشف من اتفاق جماعة ولو خالفهم أكثر
منهم (7) -
(1) التذكرة 1: 464. (2) راجع المنتهى 2: 1009. (3) المتقدمة عن المبسوط في الصفحة:
56، الهامش (11). (4) تقدم عنهم في الصفحة: 56 و 57. (5) لم ترد " بيع " في " ش ".
(6) كما تقدم في الصفحة: 54 - 55. (7) لم نقف على القائل.
[ 59 ]
مع أن دعوى الإجماع ممن لم يصطلح الإجماع على مثل هذا الاتفاق لا يعبأ بها (1)
عند وجدان الخلاف. وأما شهرة الفتوى بين المتأخرين فلا تجبر الرواية، خصوصا مع
مخالفة كثير من القدماء (2)، ومع كثرة العمومات الواردة في مقام الحاجة، وخلو كتب
الرواية المشهورة عنها (3) حتى أن الشيخ لم يذكرها (4) في جامعه (5). وأما حمل
كلمات القدماء على المثال، ففي غاية البعد. وأما كلام ابن زهرة - المتقدم (6) - فهو
مختل على كل حال، لأ نه استثنى الكلب المعلم عما يحرم الانتفاع به، مع أن الإجماع
على جواز الانتفاع بالكافر، فحمل " كلب الصيد " على المثال لا يصحح كلامه، إلا أن
يريد كونه مثالا ولو للكافر أيضا، كما أن استثناء الزيت من باب المثال لسائر
الأدهان المتنجسة. هذا، ولكن الحاصل من شهرة الجواز بين المتأخرين - بضميمة أمارات
الملك في هذه الكلاب - يوجب الظن بالجواز حتى في غير هذه الكلاب، مثل كلاب الدور
والخيام.
(1) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: به. (2) راجع الصفحة: 54 - 55. (3)
كذا في " ش "، وفي سائر النسخ: عنه. (4) كذا في " ش "، وفي سائر النسخ: لم يذكره.
(5) في " ش ": جامعيه. (6) تقدم في الصفحة: 57.
[ 60 ]
فالمسألة لا تخلو عن إشكال، وإن كان الأقوى بحسب الأدلة والأحوط في العمل هو
المنع، فافهم.
[ 61 ]
[ المسألة ] الثالثة الأقوى جواز المعاوضة على العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب
ثلثاه وإن كان نجسا، لعمومات البيع والتجارة الصادقة عليها، بناء على أنه مال قابل
للانتفاع به بعد طهارته بالنقص، لأصالة بقاء ماليته وعدم خروجه عنها بالنجاسة، غاية
الأمر أنه مال معيوب قابل لزوال عيبه. ولذا لو غصب عصيرا فأغلاه حتى حرم ونجس لم
يكن في حكم التالف، بل وجب عليه رده، ووجب عليه غرامة الثلثين واجرة العمل فيه حتى
يذهب الثلثان - كما صرح به في التذكرة (1) - معللا لغرامة الاجرة بأنه رده معيبا
ويحتاج زوال العيب إلى خسارة، والعيب من فعله، فكانت الخسارة عليه. نعم، ناقشه في
جامع المقاصد (2) في الفرق بين هذا وبين مالو غصبه عصيرا فصار خمرا، حيث حكم فيه
بوجوب غرامة مثل العصير، لأن المالية قد فاتت تحت يده فكان عليه ضمانها كما لو
تلفت.
(1) التذكرة 2: 387. (2) جامع المقاصد 6: 292 - 293.
[ 62 ]
لكن لا يخفى الفرق الواضح بين العصير إذا غلى وبينه إذا صار خمرا، فإن العصير
بعد الغليان مال عرفا وشرعا، والنجاسة إنما تمنع من المالية إذا لم يقبل التطهير،
كالخمر فإنها لا يزول نجاستها (1) إلا بزوال موضوعها، بخلاف العصير، فإنه يزول
نجاسته بنقصه، نظير طهارة ماء البئر بالنزح. وبالجملة، فالنجاسة فيه وحرمة الشرب
عرضية تعرضانه في حال متوسط بين حالتي طهارته، فحكمه حكم النجس بالعرض القابل
للتطهير، فلا يشمله قوله عليه السلام في رواية تحف العقول: " أو شئ من وجوه النجس "
(2) ولا يدخل تحت قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا حرم الله شيئا حرم ثمنه "
(3)، لأن الظاهر منهما (4) العنوانات النجسة والمحرمة بقول مطلق، لا ما تعرضانه في
حال دون حال، فيقال: يحرم في حال كذا، أو ينجس (5) في حال كذا. وبما ذكرنا يظهر عدم
شمول معقد إجماع التذكرة (6) على فساد بيع نجس العين للعصير، لأن المراد بالعين هي
الحقيقة، والعصير ليس كذلك. ويمكن أن ينسب جواز بيع العصير إلى كل من قيد الأعيان
النجسة المحرم بيعها بعدم قابليتها للتطهير، ولم أجد مصرحا بالخلاف،
(1) كذا في " ش "، وفي سائر النسخ: فإنه لا يزول نجاسته. (2) تقدمت في أول الكتاب.
(3) المتقدم في الصفحة: 13 و 43 عن عوالي اللآلي وسنن الدارقطني. (4) في أكثر
النسخ: منها. (5) في " ش ": وينجس. (6) التذكرة 1: 464.
[ 63 ]
عدا ما في مفتاح الكرامة: من أن الظاهر المنع (1)، للعمومات المتقدمة وخصوص بعض
الأخبار، مثل قوله عليه السلام: " وإن غلى فلا يحل بيعه " (2) ورواية أبي بصير (3):
" إذا بعته قبل أن يكون خمرا وهو حلال فلا بأس " (4) ومرسل ابن الهيثم: " إذا تغير
عن حاله وغلى فلا خير فيه " (5)، بناء على أن الخير المنفي يشمل البيع. وفي الجميع
نظر: أما في العمومات، فلما تقدم. وأما الأدلة الخاصة، فهي مسوقة للنهي عن بيعه بعد
الغليان - نظير بيع الدبس والخل من غير اعتبار إعلام المكلف -، وفي الحقيقة هذا
النهي كناية عن عدم جواز الانتفاع ما لم يذهب ثلثاه، فلا يشمل بيعه بقصد التطهير مع
إعلام المشتري، نظير بيع الماء النجس. وبالجملة، فلو لم يكن إلا استصحاب ماليته
وجواز بيعه كفى. ولم أعثر على من تعرض للمسألة صريحا، عدا جماعة من المعاصرين (6).
نعم، قال المحقق الثاني في حاشية الإرشاد - في ذيل قول
(1) مفتاح الكرامة 4: 12. (2) الوسائل 12: 169، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به،
الحديث 6. (3) كذا في " ش "، وفي أكثر النسخ: أبي كهمس، نعم راوي الحديث السابق هو
أبو كهمس. (4) الوسائل 12: 169، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. (5)
الوسائل 17: 226، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 7. (6) منهم السيد
العاملي في مفتاح الكرامة 4: 12، وصاحب الجواهر في الجواهر 22: 8، والمحقق النراقي
في المستند 2: 332.
[ 64 ]
المصنف: " ولا بأس ببيع ما عرض له التنجيس مع قبوله (1) التطهير "، بعد
الاستشكال بلزوم عدم جواز بيع الأصباغ المتنجسة بعدم قبولها التطهير، ودفع ذلك
بقبولها له بعد الجفاف (2) -: ولو تنجس العصير ونحوه فهل يجوز بيعه على من يستحله؟
فيه إشكال.. ثم ذكر أن الأقوى العدم، لعموم * (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) *
(3)، انتهى (4). والظاهر، أنه أراد بيع العصير للشرب من غير التثليث، كما يظهر من
ذكر المشتري والدليل، فلا يظهر منه حكم بيعه على من يطهره.
(1) كذا في " ش "، وفي سائر النسخ: قبولها، وفي الارشاد: مع قبول الطهارة. (2) في
غير " ش " زيادة: قال. (3) المائدة: 2. (4) حاشية الإرشاد (مخطوط): 204.
[ 65 ]
[ المسألة ] الرابعة يجوز المعاوضة على الدهن المتنجس على المعروف من مذهب
الأصحاب. وجعل هذا من المستثنى عن بيع الأعيان النجسة مبني على المنع من الانتفاع
بالمتنجس إلا ما خرج بالدليل، أو على المنع من بيع المتنجس وإن جاز الانتفاع به
نفعا مقصودا محللا، وإلا كان الاستثناء منقطعا من حيث إن المستثنى منه " ما ليس فيه
منفعة محللة مقصودة من النجاسات والمتنجسات "، وقد تقدم أن المنع عن بيع النجس -
فضلا عن المتنجس - ليس إلا من حيث حرمة المنفعة المقصودة (1)، فإذا فرض حلها فلا
مانع من البيع. ويظهر من الشهيد الثاني - في المسالك - خلاف ذلك، وأن جواز بيع
الدهن للنص، لا لجواز الانتفاع به، وإلا لاطرد الجواز في غير الدهن أيضا (2).
(1) في غير " ش ": المنفعة المحللة المقصودة. (2) المسالك 3: 119.
[ 66 ]
وأما حرمة الانتفاع بالمتنجس إلا ما خرج بالدليل، فسيجئ الكلام فيه إن شاء الله
تعالى. وكيف كان، فلا إشكال في جواز بيع الدهن المذكور، وعن جماعة (1): الإجماع
عليه في الجملة، والأخبار به (2) مستفيضة: منها: الصحيح، عن معاوية بن وهب، عن أبي
عبد الله عليه السلام، قال: " قلت له: جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل؟ قال عليه
السلام: أما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله، والزيت يستصبح به " (3). وزاد في
المحكي عن التهذيب: " أنه يبيع ذلك الزيت، ويبينه (4) لمن اشتراه ليستصبح به " (5).
ولعل الفرق بين الزيت وأخويه من جهة كونه مائعا غالبا، بخلاف السمن والعسل، وفي
رواية إسماعيل - الآتية - إشعار بذلك. ومنها: الصحيح، عن سعيد الأعرج (6)، عن أبي
عبد الله عليه السلام: " في الفأرة والدا بة تقع في الطعام والشراب فتموت فيه؟ قال:
إن كان
(1) منهم: ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 524، والشيخ في الخلاف 3: 187،
كتاب البيوع، المسألة 312، وابن إدريس في السرائر 2: 222. (2) به: ساقطة من أكثر
النسخ. (3) الوسائل 12: 66، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول. (4) كذا
في " ش "، وفي سائر النسخ: وينبه. (5) التهذيب 9: 85، الحديث 359، وفيه: تبيعه
وتبينه. (6) كذا في جميع النسخ، لكن الرواية عن الحلبي، نعم الرواية التي تليها في
الوسائل عن سعيد الأعرج.
[ 67 ]
سمنا أو عسلا أو زيتا، فإنه ربما يكون بعض هذا، فإن كان الشتاء فانزع ما حوله
وكله، وإن كان الصيف فادفعه حتى يسرج به " (1). ومنها: ما عن أبي بصير - في الموثق
- " عن الفأرة تقع في السمن أو الزيت (2) فتموت فيه؟ قال: إن كان جامدا فاطرحها وما
حولها ويؤكل ما بقي، وإن كان ذائبا فأسرج به وأعلمهم إذا بعته " (3). ومنها: رواية
إسماعيل بن عبد الخالق، قال: " سأله سعيد الأعرج السمان - وأنا حاضر - عن السمن
والزيت والعسل تقع فيه الفأرة فتموت [ كيف يصنع به؟ ] (4) قال: أما الزيت فلا تبعه
إلا لمن تبين له فيبتاع للسراج، وأما الأكل فلا، وأما السمن فإن كان ذائبا فكذلك،
وإن كان جامدا والفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها وما حولها، ثم لا بأس به، والعسل
كذلك إن كان جامدا " (5). إذا عرفت هذا، فالإشكال يقع في مواضع:
(1) الوسائل 16: 375، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 4. (2) في " ص ":
أو في الزيت. (3) الوسائل 12: 66، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3. (4)
العبارة ساقطة من " خ "، " م "، " ف "، " ن "، " ع ". (5) الوسائل 12: 66، الباب 6
من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.
[ 68 ]
الأول: أن صحة بيع هذا الدهن هل هي (1) مشروطة باشتراط الاستصباح به صريحا، أو
يكفي قصدهما لذلك، أو لا يشترط أحدهما؟ ظاهر الحلي في السرائر: الأول، فإنه بعد ذكر
جواز الاستصباح بالأدهان المتنجسة جمع (2) قال: ويجوز بيعه بهذا الشرط عندنا (3).
وظاهر المحكي عن الخلاف: الثاني، حيث قال: جاز بيعه لمن يستصبح به تحت السماء،
دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقا (4)، انتهى. ونحوه -
مجردا عن دعوى الإجماع - عبارة المبسوط، وزاد: " أنه لا يجوز بيعه إلا لذلك " (5)
وظاهره كفاية القصد، وهو ظاهر غيره ممن عبر بقوله: " جاز بيعه للاستصباح " كما في
الشرائع والقواعد (6) وغيرهما (7).
(1) وردت عبارة " هل هي " في " ش " فقط. (2) كذا في " ش "، وفي سائر النسخ: أجمع.
(3) السرائر 2: 222 و 3: 122. (4) الخلاف 3: 187، كتاب البيوع، المسألة 312. (5)
المبسوط 2: 167. (6) الشرائع 2: 9، القواعد 1: 120. (7) مثل عبارة التنقيح 2: 7،
ومجمع الفائدة 8: 31، وبمعناهما عبارة الشهيد في اللمعة: 108.
[ 69 ]
نعم، ذكر المحقق الثاني ما حاصله: أن التعليل راجع إلى الجواز، يعني يجوز لأجل
تحقق فائدة الاستصباح بيعه (1). وكيف كان، فقد صرح جماعة بعدم اعتبار قصد الاستصباح
(2). ويمكن أن يقال باعتبار قصد الاستصباح إذا كانت المنفعة المحللة منحصرة فيه،
وكان من منافعه النادرة التي لا تلاحظ في ماليته، كما في دهن اللوز والبنفسج
وشبههما. ووجهه: أن مالية الشئ إنما هي باعتبار منافعه المحللة المقصودة منه، لا
باعتبار مطلق الفوائد الغير الملحوظة في ماليته، ولا باعتبار الفوائد الملحوظة
المحرمة، فإذا فرض أن لا فائدة في الشئ محللة ملحوظة في ماليته فلا يجوز بيعه، لا
على الإطلاق - لأن الإطلاق ينصرف إلى كون الثمن بإزاء المنافع المقصودة منه،
والمفروض حرمتها، فيكون أكلا للمال بالباطل - ولا على قصد الفائدة النادرة المحللة،
لأن قصد الفائدة النادرة لا يوجب كون الشئ مالا. ثم إذا فرض ورود النص الخاص على
جواز بيعه - كما فيما نحن فيه - فلا بد من حمله على إرادة (3) صورة قصد الفائدة
النادرة، لأن أكل المال حينئذ ليس بالباطل بحكم الشارع، بخلاف صورة عدم القصد، لأن
المال في هذه الصورة مبذول في مقابل المطلق، المنصرف إلى الفوائد المحرمة، فافهم.
(1) جامع المقاصد 4: 13. (2) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 24 عن استاذه
العلامة السيد بحر العلوم، وانظر كفاية الأحكام: 85، والحدائق 18: 90. (3) كلمة "
إرادة " مشطوب عليها في " ن "، ومحذوفة من " ش ".
[ 70 ]
وحينئذ فلو لم يعلم المتبائعان جواز الاستصباح بهذا الدهن وتعاملا من غير قصد
إلى هذه الفائدة كانت المعاملة باطلة، لأن المال مبذول مع الإطلاق في مقابل الشئ
باعتبار الفوائد المحرمة. نعم (1)، لو علمنا عدم التفات المتعاملين إلى المنافع
أصلا، أمكن صحتها، لأ نه مال واقعي شرعا قابل لبذل المال بإزائه، ولم يقصد به ما لا
يصح (2) بذل المال بإزائه من المنافع المحرمة، ومرجع هذا في الحقيقة إلى أنه لا
يشترط إلا عدم قصد المنافع المحرمة، فافهم. وأما فيما كان الاستصباح منفعة غالبة
بحيث كان مالية الدهن باعتباره - كالأدهان المعدة للإسراج - فلا يعتبر في صحة بيعه
قصده أصلا، لأن الشارع قد قرر ماليته العرفية بتجويز الاستصباح به وإن فرض حرمة
سائر منافعه، بناء على أضعف الوجهين، من وجوب الاقتصار في الانتفاع بالنجس على مورد
النص. وكذا إذا كان الاستصباح منفعة مقصودة (3) مساوية (4) لمنفعة الأكل المحرم -
كالألية والزيت وعصارة السمسم - فلا يعتبر قصد المنفعة المحللة فضلا عن اشتراطه، إذ
يكفي في ماليته وجود المنفعة المقصودة المحللة، غاية الأمر كون حرمة منفعته الاخرى
المقصودة نقصا فيه يوجب الخيار للجاهل.
(1) في " ف "، " خ "، " م "، " ع ": ثم. (2) في " ش ": ما لم يصح. (3) في " ف ":
موجودة. (4) في أكثر النسخ: متساوية.
[ 71 ]
نعم، يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرمة بأن يقول: بعتك بشرط أن تأكله، وإلا فسد
العقد بفساد الشرط. بل يمكن الفساد وإن لم نقل بإفساد الشرط الفاسد، لأن مرجع
الاشتراط في هذا الفرض إلى تعيين المنفعة المحرمة عليه، فيكون أكل الثمن أكلا
بالباطل، لأن حقيقة النفع العائد إلى المشتري بإزاء ثمنه هو النفع المحرم، فافهم.
بل يمكن القول بالبطلان بمجرد القصد وإن لم يشترط في متن العقد. وبالجملة، فكل بيع
قصد فيه منفعة محرمة - بحيث قصد أكل الثمن أو بعضه بإزاء المنفعة المحرمة - كان
باطلا، كما يؤمي إلى ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنية وبيعها (1). وصرح في
التذكرة بأن الجارية المغنية إذا بيعت بأكثر مما يرغب فيها لو لا الغناء، فالوجه
التحريم (2)، انتهى. ثم إن الأخبار المتقدمة خالية عن اعتبار قصد الاستصباح، لأن
موردها مما يكون الاستصباح فيه منفعة مقصودة منها كافية في ماليتها العرفية. وربما
يتوهم من قوله عليه السلام في رواية الأعرج المتقدمة: " فلا تبعه إلا لمن تبين له
(3) فيبتاع للسراج " (4) اعتبار القصد، ويدفعه: أن الابتياع
(1) الوسائل 12: 86، الباب 16 من أبواب ما يكتسب به. (2) التذكرة 1: 465. (3) في
أكثر النسخ: تبينه لمن يشتريه. (4) تقدمت في الصفحة: 67 (رواية اسماعيل بن عبد
الخالق).
[ 72 ]
للسراج إنما جعل غاية للإعلام، بمعنى أن المسلم إذا اطلع على نجاسته فيشتريه
للإسراج، نظير قوله عليه السلام في رواية معاوية بن وهب: " يبينه (1) لمن اشتراه
ليستصبح به " (2).
(1) في غير " ش ": ينبه. (2) تقدمت في الصفحة: 66 (الزيادة المحكية عن التهذيب).
[ 73 ]
الثاني: أن ظاهر بعض الأخبار (1) وجوب الإعلام، فهل يجب مطلقا أم لا؟ وهل وجوبه
نفسي أو شرطي؟ بمعنى اعتبار اشتراطه في صحة البيع. الذي ينبغي أن يقال: إنه لا
إشكال في وجوب الإعلام إن قلنا باعتبار اشتراط الاستصباح في العقد، أو تواطؤهما
عليه من الخارج، لتوقف القصد على العلم بالنجاسة. وأما إذا لم نقل باعتبار اشتراط
الاستصباح في العقد، فالظاهر وجوب الإعلام وجوبا نفسيا قبل العقد أو بعده، لبعض
الأخبار المتقدمة. وفي قوله عليه السلام: " يبينه لمن اشتراه ليستصبح به " (2)
إشارة إلى وجوب الإعلام لئلا يأكله، فإن الغاية للإعلام ليس هو تحقق الاستصباح، إذ
لا ترتب بينهما شرعا ولا عقلا ولا عادة، بل الفائدة حصر الانتفاع فيه، بمعنى عدم
الانتفاع به في غيره، ففيه إشارة إلى وجوب إعلام الجاهل بما يعطى إذا كان الانتفاع
الغالب به محرما بحيث يعلم عادة وقوعه في الحرام لو لا الإعلام، فكأ نه قال: أعلمه
لئلا يقع في الحرام الواقعي بتركك الإعلام. ويشير إلى هذه القاعدة كثير من الأخبار
المتفرقة الدالة على حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع في المحرمات، مثل ما دل
على
(1) مثل ما تقدم من ذيل صحيحة معاوية بن وهب المروية في التهذيب، وموثقة أبي بصير،
ورواية اسماعيل بن عبد الخالق، راجع الصفحة: 66 - 67. (2) تقدم في الصفحة: 66.
[ 74 ]
أن من أفتى بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه (1) فإن إثبات الوزر للمباشر من
جهة فعل القبيح الواقعي، وحمله على المفتي من حيث التسبيب والتغرير. ومثل قوله عليه
السلام: " ما من إمام صلى بقوم فيكون في صلاتهم تقصير، إلا كان عليه أوزارهم " (2)
وفي رواية اخرى: " فيكون في صلاته وصلاتهم تقصير، إلا كان إثم ذلك عليه " (3) وفي
رواية اخرى: " لا يضمن الإمام صلاتهم إلا أن يصلي بهم جنبا " (4). ومثل رواية أبي
بصير المتضمنة لكراهة أن تسقى البهيمة أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه (5)،
فإن في كراهة ذلك في البهائم إشعارا بحرمته بالنسبة إلى المكلف. ويؤيده: أن أكل
الحرام وشربه من القبيح، ولو في حق الجاهل، ولذا يكون الاحتياط فيه مطلوبا مع الشك،
إذ لو كان للعلم دخل في قبحه لم يحسن الاحتياط، وحينئذ فيكون إعطاء النجس للجاهل
المذكور إغراء بالقبيح، وهو قبيح عقلا. بل قد يقال بوجوب الإعلام وإن لم يكن منه
تسبيب - كما لو رأى نجسا في يده يريد أكله - وهو الذي صرح به العلامة رحمه الله في
أجوبة
(1) الوسائل 18: 9، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأول. (2) تحف العقول:
179. (3) بحار الأنوار 88: 92. (4) الوسائل 5: 434، الباب 36 من أبواب صلاة
الجماعة، الحديث 6. (5) الوسائل 17: 246، الباب 10 من أبواب الأشربة المحرمة،
الحديث 5.
[ 75 ]
المسائل المهنائية، حيث سأله السيد المهنا عمن رأى في ثوب المصلي نجاسة، فأجاب
بأ نه يجب الإعلام، لوجوب النهي عن المنكر (1)، لكن إثبات هذا مشكل. والحاصل، أن
هنا امورا أربعة: أحدها - أن يكون فعل الشخص علة تامة لوقوع الحرام في الخارج - كما
إذا أكره غيره على المحرم - ولا إشكال في حرمته وكون وزر الحرام عليه، بل أشد،
لظلمه. وثانيها - أن يكون فعله سببا للحرام، كمن قدم إلى غيره محرما، ومثله ما نحن
فيه، وقد ذكرنا أن الأقوى فيه التحريم، لأن استناد الفعل إلى السبب أقوى، فنسبة فعل
الحرام إليه أولى، ولذا يستقر الضمان على السبب، دون المباشر الجاهل، بل قيل: إنه
لا ضمان ابتداء إلا عليه (2). الثالث - أن يكون شرطا لصدور الحرام، وهذا يكون على
وجهين: أحدهما - أن يكون من قبيل إيجاد الداعي على المعصية، إما لحصول الرغبة فيها
كترغيب الشخص على المعصية، وإما لحصول العناد من الشخص حتى يقع في المعصية، كسب
آلهة الكفار الموجب لإلقائهم في سب الحق عنادا، أو سب آباء الناس الموقع لهم في سب
أبيه، والظاهر حرمة القسمين، وقد ورد في ذلك عدة من الأخبار (3).
(1) أجوبة المسائل المهنائية: 48، المسألة 53. (2) لم نقف عليه. (3) لم نقف على خبر
يدل على حرمة القسم الأول - أي ترغيب الشخص على =
[ 76 ]
وثانيهما (1) - أن يكون بإيجاد شرط آخر غير الداعي، كبيع العنب ممن يعلم أنه
يجعله خمرا، وسيأتي الكلام فيه. الرابع - أن يكون من قبيل عدم المانع، وهذا يكون
تارة مع الحرمة الفعلية في حق الفاعل - كسكوت الشخص عن المنع من المنكر -، ولا
إشكال في الحرمة بشرائط النهي عن المنكر، واخرى مع عدم الحرمة الفعلية بالنسبة إلى
الفاعل، كسكوت العالم عن إعلام الجاهل - كما فيما نحن فيه - فإن صدور الحرام منه
مشروط بعدم إعلامه. فهل يجب دفع (2) الحرام بترك السكوت أم لا؟ فيه (3) إشكال، إلا
إذا علمنا من الخارج وجوب دفع (4) ذلك، لكونه فسادا قد امر بدفعه كل من قدر عليه،
كما لو اطلع على عدم إباحة دم من يريد الجاهل قتله، أو عدم إباحة عرضه له، أو لزم
من سكوته ضرر مالي قد امرنا بدفعه عن كل أحد، فإنه يجب الإعلام والردع لو لم يرتدع
بالإعلام، بل الواجب هو الردع ولو بدون الإعلام، ففي الحقيقة الإعلام بنفسه غير
واجب.
= المعصية -، وأما ما يدل على حرمة سب آلهة الكفار فهناك عدة أخبار وردت في تفسير
قوله تعالى: * (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) *
(الأنعام: 108) انظر تفسير الصافي 2: 147، وبالنسبة إلى النهي عن سب آباء الناس
المنتهي إلى السب المتقابل، انظر تنبيه الخواطر: 119. (1) في غير " ش ": الثاني.
(2) في النسخ: رفع. (3) في غير " ف ": وفيه. (4) في النسخ: رفع.
[ 77 ]
وأما فيما تعلق بغير الثلاثة - من حقوق الله - فوجوب دفع (1) مثل هذا الحرام
مشكل، لأن الظاهر من أدلة النهي عن المنكر وجوب الردع عن المعصية، فلا يدل على وجوب
إعلام الجاهل بكون فعله معصية. نعم، وجب ذلك فيما إذا كان الجهل بالحكم، لكنه من
حيث وجوب تبليغ التكاليف ليستمر التكليف إلى آخر الأبد بتبليغ الشاهد الغائب،
فالعالم في الحقيقة مبلغ عن الله ليتم الحجة على الجاهل ويتحقق فيه قابلية الإطاعة
والمعصية. ثم إن بعضهم (2) استدل على وجوب الإعلام بأن النجاسة عيب خفي فيجب
إظهارها. وفيه - مع أن وجوب الإعلام على القول به ليس مختصا بالمعاوضات، بل يشمل
مثل الإباحة والهبة من المجانيات -: أن كون النجاسة عيبا ليس إلا لكونه منكرا
واقعيا وقبيحا، فإن ثبت ذلك حرم الإلقاء فيه مع قطع النظر عن مسألة وجوب إظهار
العيب، وإلا لم يكن عيبا، فتأمل.
(1) في النسخ: رفع. (2) هو المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 8: 36.
[ 78 ]
الثالث: المشهور بين الأصحاب وجوب كون الاستصباح تحت السماء، بل في السرائر: أن
الاستصباح به تحت الظلال محظور بغير خلاف (1). وفي المبسوط: أنه روى أصحابنا أنه
يستصبح به تحت السماء دون السقف (2). لكن الأخبار المتقدمة (3) - على كثرتها
وورودها في مقام البيان - ساكتة عن هذا القيد، ولا مقيد لها من الخارج عدا ما يدعى
من مرسلة الشيخ المنجبرة بالشهرة المحققة والاتفاق المحكي (4). لكن لو سلم الانجبار
فغاية الأمر دورانه بين تقييد المطلقات المتقدمة، أو حمل الجملة الخبرية على
الاستحباب أو الإرشاد، لئلا يتأثر السقف بدخان النجس الذي هو نجس - بناء على ما
ذكره الشيخ من دلالة المرسلة على نجاسة دخان النجس - إذ قد لا يخلو من أجزاء لطيفة
دهنية تتصاعد بواسطة الحرارة. ولا ريب أن مخالفة الظاهر في المرسلة - خصوصا بالحمل
على الإرشاد - أولى، خصوصا مع ابتناء التقييد: إما على ما ذكره الشيخ من دلالة
الرواية على نجاسة الدخان - المخالفة للمشهور -، وإما على كون
(1) السرائر 3: 122. (2) المبسوط 6: 283. (3) تقدمت في الصفحة: 66 - 67. (4) تقدم
آنفا عن السرائر.
[ 79 ]
الحكم تعبدا محضا، وهو في غاية البعد. ولعله لذلك أفتى في المبسوط بالكراهة (1)
مع روايته للمرسلة (2). والإنصاف، أن المسألة لا تخلو عن إشكال، من حيث ظاهر
الروايات، البعيدة عن التقييد - لإبائها في أنفسها عنه وإباء المقيد عنه -، ومن حيث
الشهرة المحققة والاتفاق المنقول. ولو رجع إلى أصالة البراءة حينئذ لم يكن إلا
بعيدا عن الاحتياط وجرأة على مخالفة المشهور. ثم إن العلامة - في المختلف - فصل بين
ما إذا علم بتصاعد شئ من أجزاء الدهن، وما إذا لم يعلم (3)، فوافق المشهور في
الأول، وهو مبني على ثبوت حرمة تنجيس السقف، ولم يدل عليه دليل، وإن كان ظاهر كل من
حكم بكون الاستصباح تحت السماء تعبدا، لا لنجاسة الدخان - معللا بطهارة دخان النجس
-: التسالم على حرمة التنجيس، وإلا لكان الأولى تعليل التعبد به، لا بطهارة الدخان،
كما لا يخفى.
(1) المبسوط 6: 283. (2) في " ش ": المرسلة. (3) المختلف: 686.
[ 80 ]
الرابع: هل يجوز الانتفاع بهذا الدهن في غير الاستصباح، بأن يعمل صابونا أو
يطلى به الأجرب أو السفن؟ قولان مبنيان على أن الأصل في المتنجس جواز الانتفاع إلا
ما خرج بالدليل - كالأكل والشرب، والاستصباح تحت الظل -، أو أن القاعدة فيه المنع
عن التصرف إلا ما خرج بالدليل كالاستصباح تحت السماء، وبيعه ليعمل صابونا على رواية
ضعيفة تأتي (1). والذي صرح به في مفتاح الكرامة هو الثاني (2)، ووافقه بعض مشايخنا
المعاصرين (3)، وهو ظاهر جماعة من القدماء، كالشيخين والسيدين والحلي (4) وغيرهم.
قال في الانتصار: ومما انفردت به الإمامية، أن كل طعام عالجه أهل الكتاب ومن ثبت
كفرهم بدليل قاطع لا يجوز أكله ولا الانتفاع به، واختلف (5) باقي الفقهاء في ذلك،
وقد دللنا على ذلك في كتاب الطهارة، حيث دللنا على أن سؤر الكفار نجس (6).
(1) تأتي في الصفحة: 92. (2) مفتاح الكرامة 4: 13 و 24. (3) الجواهر 22: 15. (4)
ستأتي الإشارة إلى مواضع كلامهم. (5) في المصدر: وقد خالف. (6) الانتصار: 193،
وانظر - أيضا - الصفحة: 11 منه.
[ 81 ]
وقال في المبسوط - في الماء المضاف -: إنه مباح التصرف فيه بأنواع التصرف ما لم
تقع فيه نجاسة، فإن وقعت فيه نجاسة لم يجز استعماله على حال، وقال في حكم الماء
المتغير بالنجاسة: إنه لا يجوز استعماله إلا عند الضرورة، للشرب لا غير (1). وقال
في النهاية: وإن كان ما حصل فيه الميتة مائعا لم يجز استعماله ووجب إهراقه (2)،
انتهى. وقريب منه عبارة المقنعة (3). وقال في الخلاف - في حكم السمن والبذر والشيرج
والزيت إذا وقعت فيه فأرة -: إنه جاز الاستصباح به، ولا يجوز أكله، ولا الانتفاع به
بغير الاستصباح، وبه قال الشافعي، وقال قوم من أصحاب الحديث: لا ينتفع به بحال، لا
باستصباح ولا بغيره، بل يراق كالخمر، وقال أبو حنيفة: يستصبح به ويباع لذلك (4)،
وقال داود (5): إن كان المائع سمنا لم ينتفع به بحال (6) وإن كان غيره (7) من
الأدهان لم ينجس بموت الفأرة فيه ويحل أكله وشربه، [ لأن الخبر ورد
(1) المبسوط 1: 5 و 6. (2) النهاية: 588. (3) المقنعة: 582. (4) كذا في " ف " ونسخة
بدل " م "، وفي " ع ": ويباع لذلك مطلقا، وفي " خ " و " م " و " ص ": ويباع مطلقا،
وفي " ن " و " ش ": ويباع أيضا. (5) في جميع النسخ: ابن داود، والصواب ما أثبتناه
من المصدر. (6) كلمة " بحال " من " ش " ومصححة " ن "، ولم ترد في سائر النسخ. (7)
في " ش ": ما عداه.
[ 82 ]
في السمن فحسب ] (1)، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم (2). وفي السرائر - في حكم
الدهن المتنجس -: أنه لا يجوز الإدهان به ولا استعماله في شئ من الأشياء، عدا
الاستصباح تحت السماء. وادعى في موضع آخر: أن الاستصباح به تحت الظلال محظور بغير
خلاف (3). وقال ابن زهرة - بعد أن اشترط في المبيع أن يكون مما ينتفع به منفعة
محللة (4) -: وشرطنا في المنفعة أن تكون مباحة، تحفظا من المنافع المحرمة، ويدخل في
ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره، عدا ما استثني: من بيع الكلب المعلم للصيد، والزيت
النجس للاستصباح به تحت السماء، وهو إجماع الطائفة، ثم استدل على جواز بيع الزيت -
بعد الإجماع - بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن في الاستصباح به تحت السماء،
قال: وهذا يدل على جواز بيعه لذلك (5)، انتهى. هذا، ولكن الأقوى - وفاقا لأكثر
المتأخرين (6) - جواز الانتفاع إلا ما خرج بالدليل، ويدل عليه أصالة الجواز، وقاعدة
حل الانتفاع
(1) من " ش " والمصدر. (2) الخلاف: كتاب الأطعمة، المسألة 19. (3) السرائر 3: 121 -
122. (4) في أكثر النسخ زيادة: قال. (5) الغنية (الجوامع الفقهية): 524. (6) كما
يأتي عن المحقق والعلامة والشهيدين والمحقق الكركي في الصفحات: 87 - 88.
[ 83 ]
بما في الأرض (1). ولا حاكم عليهما (2) سوى ما يتخيل من بعض الآيات والأخبار،
ودعوى الجماعة المتقدمة (3) الإجماع على المنع. والكل غير قابل لذلك. أما الآيات:
فمنها: قوله تعالى: * (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان
فاجتنبوه) * (4)، دل - بمقتضى التفريع - على وجوب اجتناب كل رجس. وفيه: أن الظاهر
من " الرجس " ما كان كذلك في ذاته، لا ما عرض له ذلك، فيختص بالعناوين النجسة، وهي
النجاسات العشر، مع أنه لو عم المتنجس لزم أن يخرج عنه أكثر الأفراد، فإن أكثر
المتنجسات لا يجب الاجتناب عنه (5). مع أن وجوب الاجتناب ثابت فيما كان رجسا من عمل
الشيطان، يعني من مبتدعاته، فيختص وجوب الاجتناب المطلق بما كان من عمل الشيطان،
سواء كان نجسا - كالخمر - أو قذرا معنويا - مثل الميسر -، ومن المعلوم: أن المائعات
المتنجسة - كالدهن والطين والصبغ والدبس -
(1) المستفاد من قوله تعالى: * (خلق لكم ما في الأرض جميعا) * البقرة: 29. (2) كذا
في " ف " ومصححة " ن "، وفي غيرهما: عليها. (3) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي
سائر النسخ: المتقدم. (4) المائدة: 90. (5) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: منه.
[ 84 ]
إذا تنجست ليست من أعمال الشيطان. وإن اريد من " عمل الشيطان " عمل المكلف
المتحقق في الخارج بإغوائه ليكون المراد بالمذكورات استعمالها على النحو الخاص،
فالمعنى: أن الانتفاع بهذه المذكورات رجس من عمل الشيطان، كما يقال في سائر
المعاصي: إنها من عمل الشيطان، فلا تدل أيضا على وجوب الاجتناب عن استعمال المتنجس
إلا إذا ثبت كون الاستعمال رجسا، وهو أول الكلام. وكيف كان، فالآية لا تدل على
المطلوب. ومن بعض ما ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال على ذلك بقوله تعالى: * (والرجز
فاهجر) * (1)، بناء على أن " الرجز " هو الرجس. وأضعف من الكل: الاستدلال بآية
تحريم الخبائث (2)، بناء على أن كل متنجس خبيث، والتحريم المطلق يفيد (3) عموم
الانتفاع، إذ لا يخفى أن المراد هنا حرمة الأكل، بقرينة مقابلته بحلية الطيبات.
وأما الأخبار: فمنها: ما تقدم من رواية تحف العقول، حيث علل النهي عن بيع وجوه
النجس بأن " ذلك كله محرم أكله وشربه وإمساكه وجميع التقلب فيه، فجميع التقلب في
ذلك حرام " (4).
(1) المدثر: 5. (2) وهي قوله تعالى: * (ويحرم عليهم الخبائث) * الأعراف: 157. (3)
في " ش ": يفيد تحريم. (4) تحف العقول: 333، مع اختلاف.
[ 85 ]
وفيه: ما تقدم من أن المراد ب " وجوه النجس " عنواناته المعهودة، لأن الوجه هو
العنوان، والدهن ليس عنوانا للنجاسة، والملاقي للنجس وإن كان عنوانا للنجاسة، لكنه
ليس وجها من وجوه النجاسة في مقابلة غيره، ولذا لم يعدوه عنوانا في مقابل العناوين
النجسة، مع ما عرفت من لزوم تخصيص الأكثر، لو اريد به المنع عن استعمال كل متنجس.
ومنها: ما دل على الأمر بإهراق المائعات الملاقية للنجاسة (1) وإلقاء ما حول الجامد
من الدهن وشبهه وطرحه (2). وقد تقدم بعضها في مسألة الدهن، وبعضها الآخر متفرقة،
مثل قوله: " يهريق المرق " (3) ونحو ذلك. وفيه: أن طرحها كناية عن عدم الانتفاع بها
في الأكل، فإن ما امر بطرحه من جامد الدهن والزيت يجوز الاستصباح به إجماعا،
فالمراد: إطراحه من ظرف الدهن وترك الباقي للأكل. وأما الإجماعات: ففي دلالتها على
المدعى نظر، يظهر من ملاحظتها، فإن الظاهر من كلام السيد - المتقدم (4) -: أن مورد
الإجماع هو نجاسة ما باشره أهل الكتاب، وأما حرمة الأكل والانتفاع فهي من فروعها
المتفرعة
(1) الوسائل 16: 376، الباب 44 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث الأول. (2)
الوسائل 16: 374، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة. (3) لفظ الحديث: يهراق مرقها.
(4) يعني كلام السيد المرتضى، المتقدم في الصفحة: 80.
[ 86 ]
على النجاسة، لا أن معقد الإجماع حرمة الانتفاع بالنجس، فإن خلاف باقي الفقهاء
في أصل النجاسة في أهل الكتاب، لا في أحكام النجس. وأما إجماع الخلاف (1)، فالظاهر
أن معقده ما وقع الخلاف فيه بينه وبين من ذكر من المخالفين، إذ فرق بين دعوى
الإجماع على محل النزاع بعد تحريره، وبين دعواه ابتداء على الأحكام المذكورات (2)
في عنوان المسألة، فإن الثاني يشمل الأحكام كلها، والأول لا يشمل إلا الحكم الواقع
موردا للخلاف (3)، لأنه الظاهر من قوله: " دليلنا إجماع الفرقة "، فافهم واغتنم.
وأما إجماع السيد في الغنية (4)، فهو في أصل مسألة تحريم بيع النجاسات واستثناء
الكلب المعلم والزيت المتنجس، لا في ما ذكره من أن حرمة بيع المتنجس من حيث دخوله
فيما يحرم الانتفاع، نعم، هو قائل بذلك. وبالجملة، فلا ينكر ظهور كلام السيد في
حرمة الانتفاع بالنجس الذاتي والعرضي، لكن دعواه الإجماع على ذلك بعيدة عن مدلول
كلامه جدا. وكذلك لا ينكر كون السيد والشيخ قائلين بحرمة الانتفاع بالمتنجس
(1) المتقدم في الصفحة: 81 - 82. (2) في " ش ": المذكورة. (3) كذا في " ف " و " خ
"، وفي سائر النسخ: مورد الخلاف. (4) المتقدم في الصفحة: 82.
[ 87 ]
- كما هو ظاهر المفيد (1) وصريح الحلي (2) - لكن دعواهما الإجماع على ذلك
ممنوعة عند المتأمل المنصف. ثم على تقدير تسليم دعواهم الإجماعات، فلا ريب في وهنها
بما يظهر من أكثر المتأخرين من قصر حرمة الانتفاع على امور خاصة. قال في المعتبر -
في أحكام الماء (3) المتنجس -: وكل ماء (4) حكم
(1) المقنعة: 582. (2) السرائر 2: 219، و 3: 121. (3) في " ش " زيادة: القليل. (4)
جاءت العبارة في هامش " ف " كما يلي: " قال في المعتبر - في أحكام الماء القليل
المتنجس -: الماء النجس لا يجوز استعماله في رفع حدث ولا إزالة خبث مطلقا ولا في
أكل ولا في شرب إلا عند الضرورة، وأطلق الشيخ المنع من استعماله إلا عند الضرورة 1.
لنا، إن مقتضى الدليل: جواز الاستعمال مطلقا، ترك العمل به في ما ذكرنا بالإتفاق
والنقل، فيكون الباقي على الأصل " 2، انتهى. وقال في موضع آخر من أحكام الماء
المشتبه - في رد من قال بوجوب الإراقة -: " إنه قد يتعلق الغرض ببقائه لأجل
الاستعمال في غير الطهارة والأكل والشرب 3. وقال بعد ذلك - أيضا -: إن كل ماء.. صح
صح ". - 1 - المبسوط 1: 7. 2 - المعتبر 1: 50 - 51. 3 - المعتبر 1: 104.
[ 88 ]
بنجاسته لم يجز استعماله - إلى أن قال -: ويريد (1) بالمنع عن استعماله:
الاستعمال في الطهارة وإزالة الخبث والأكل والشرب دون غيره، مثل بل الطين وسقي
الدابة (2)، انتهى. أقول: إن بل الصبغ والحناء بذلك الماء داخل في الغير، فلا يحرم
الانتفاع بهما. وأما العلامة، فقد قصر حرمة استعمال الماء المتنجس - في التحرير
والقواعد والإرشاد - على الطهارة والأكل والشرب (3) وجوز في المنتهى الانتفاع
بالعجين النجس في علف الدواب، محتجا بأن المحرم على المكلف تناوله، وبأنه انتفاع
فيكون سائغا، للأصل (4). ولا يخفى أن كلا دليليه صريح في حصر التحريم في أكل العجين
المتنجس (5). وقال الشهيد في قواعده: " النجاسة ما حرم استعماله في الصلاة والأغذية
" (6) ثم ذكر ما يؤيد المطلوب. وقال في الذكرى - في أحكام النجاسة -: تجب إزالة
النجاسة
(1) في " ف "، و " ن "، و " ش ": نريد. (2) المعتبر 1: 105. (3) التحرير 1: 5،
القواعد 1: 189، الإرشاد 1: 238. (4) المنتهى 1: 180، ولم نجد في كلامه الاستدلال
بالأصل صريحا. (5) كذا في " ن " و " ش "، ولم يرد " العجين " في " ف "، كما لم يرد
" المتنجس " في سائر النسخ. (6) القواعد والفوائد 2: 85، القاعدة: 175.
[ 89 ]
عن الثوب والبدن، ثم ذكر المساجد وغيرها، - إلى أن قال -: وعن كل مستعمل في أكل
أو شرب أو ضوء تحت ظل، للنهي عن النجس، وللنص (1)، انتهى. مراده (2) بالنهي عن
النجس: النهي عن أكله، ومراده بالنص: ما ورد من المنع عن الاستصباح بالدهن المتنجس
تحت السقف (3)، فانظر إلى صراحة كلامه في أن المحرم من الدهن المتنجس - بعد الأكل
والشرب - خصوص الاستضاءة تحت الظل، للنص. وهو المطابق لما حكاه المحقق الثاني - في
حاشية الإرشاد (4) - عنه قدس سره في بعض فوائده: من جواز الانتفاع بالدهن المتنجس
في جميع ما يتصور من فوائده. وقال المحقق والشهيد الثانيان في المسالك وحاشية
الإرشاد، - عند قول المحقق والعلامة قدس سرهما: " تجب إزالة النجاسة عن الأواني "
(5) -: إن هذا إذا استعملت في ما يتوقف استعماله على الطهارة، كالأكل والشرب (6).
وسيأتي (7) عن المحقق الثاني في حاشية الإرشاد - في مسألة
(1) ذكرى الشيعة: 14. (2) في " ص " و " ش ": ومراده. (3) وهي المرسلة المتقدمة عن
المبسوط في الصفحة: 78. (4) حاشية الإرشاد (مخطوط): 203 - 204. (5) الشرائع 1: 53،
الإرشاد 1: 239. (6) حاشية الإرشاد (مخطوط): 28، المسالك 1: 124. (7) في الصفحة:
94.
[ 90 ]
الانتفاع بالأصباغ المتنجسة - ما يدل على عدم توقف جواز الانتفاع بها على
الطهارة. وفي المسالك - في ذيل قول المحقق قدس سره: " وكل مائع نجس عدا الأدهان " -
قال: لا فرق في عدم جواز بيعها - على القول بعدم قبولها للطهارة - بين صلاحيتها
للانتفاع على بعض الوجوه وعدمه، ولا بين الإعلام بحالها وعدمه، على ما نص عليه
الأصحاب، وأما الأدهان المتنجسة بنجاسة عارضية - كالزيت تقع فيه الفأرة - فيجوز
بيعها لفائدة الاستصباح بها (1) وإنما خرج هذا الفرد بالنص، وإلا فكان ينبغي
مساواتها لغيرها من المائعات المتنجسة التي يمكن الانتفاع بها في بعض الوجوه، وقد
ألحق بعض الأصحاب ببيعها للاستصباح بيعها لتعمل صابونا أو يطلى به (2) الأجرب ونحو
ذلك. ويشكل بأنه خروج عن مورد النص المخالف للأصل، فإن جاز لتحقق المنفعة، فينبغي
مثله في المائعات النجسة (3) التي ينتفع بها، كالدبس يطعم النحل (4) وغيره (5)،
انتهى. ولا يخفى ظهوره في جواز الانتفاع بالمتنجس، وكون المنع من بيعه لأجل النص،
يقتصر على مورده. وكيف كان، فالمتتبع في كلام المتأخرين يقطع بما استظهرناه
(1) كلمة " بها " من " ش " والمصدر فقط. (2) كذا في النسخ، وفي المصدر: بها، وهو
الأنسب. (3) في " ف ": المتنجسة. (4) في " ش " والمصدر: للنحل. (5) المسالك 3: 119.
[ 91 ]
من كلماتهم. والذي أظن - وإن كان الظن لا يغني لغيري شيئا - أن كلمات القدماء
ترجع إلى ما ذكره المتأخرون، وأن المراد بالانتفاع في كلمات القدماء: الانتفاعات
الراجعة إلى الأكل والشرب، وإطعام الغير، وبيعه على نحو بيع ما يحل أكله (1). ثم
(2) لو فرضنا مخالفة القدماء كفى موافقة المتأخرين في دفع (3) الوهن عن الأصل
والقاعدة السالمين عما يرد عليهما. ثم على تقدير جواز غير الاستصباح من الانتفاعات،
فالظاهر جواز بيعه لهذه الانتفاعات، وفاقا للشهيد والمحقق الثاني قدس سرهما. قال
الثاني في حاشية الإرشاد - في ذيل قول العلامة رحمه الله: " إلا الدهن للاستصباح "
-: إن في بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا الشهيد أن الفائدة لا تنحصر في ذلك، إذ مع
فرض فائدة اخرى للدهن لا تتوقف على طهارته يمكن بيعها لها، كاتخاذ الصابون منه،
قال: وهو مروي، ومثله طلي الدواب. أقول: لا بأس بالمصير إلى ما ذكره شيخنا، وقد ذكر
أن به رواية (4)، انتهى.
(1) في هامش " ف " - هنا - زيادة ما يلي: " كما يشهد لذلك أن المحقق قدس سره في ما
تقدم من كلامه الأول لم يسند عموم المنع إلا إلى إطلاق الشيخ قدس سره، لا إلى مذهبه
- هنا كلمتان غير مقروءتين.. صح صح ". (2) شطب في " ف " على " ثم " وكتب بدلها: " و
". (3) كذا في " ع " و " ص "، وفي سائر النسخ: رفع. (4) حاشية الإرشاد (مخطوط):
204.
[ 92 ]
أقول: والرواية إشارة إلى ما عن الراوندي - في كتاب النوادر - بإسناده عن أبي
الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، وفيه: " سئل عليه السلام عن الشحم يقع فيه شئ له
دم فيموت؟ قال عليه السلام: تبيعه لمن يعمله صابونا... الخبر " (1). ثم لو قلنا
بجواز البيع في الدهن لغير المنصوص من الانتفاعات المباحة، فهل يجوز بيع غيره من
المتنجسات المنتفع بها في المنافع المقصودة المحللة - كالصبغ والطين ونحوهما -، أم
يقتصر على المتنجس المنصوص - وهو الدهن - غاية الأمر التعدي من حيث غاية البيع إلى
غير الاستصباح؟ إشكال: من ظهور استثناء الدهن في كلام المشهور في عدم جواز بيع ما
عداه، بل عرفت من المسالك (2) نسبة عدم الفرق بين ما له منفعة محللة وما ليست له
إلى نص الأصحاب. ومما تقدم في مسألة جلد الميتة: من أن الظاهر من كلمات جماعة من
القدماء والمتأخرين - كالشيخ في الخلاف وابن زهرة والعلامة وولده والفاضل المقداد
والمحقق الثاني (3) وغيرهم - دوران المنع عن بيع النجس
(1) مستدرك الوسائل 13: 73، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 7، ولفظ الحديث:
" أن عليا عليه السلام سئل عن الزيت يقع فيه... ". (2) تقدم في الصفحة: 90. (3)
الخلاف 3: 187، كتاب البيوع، المسألة 312، الغنية (الجوامع الفقهية): 524، التذكرة
1: 465، إيضاح الفوائد 1: 401، التنقيح 2: 5، جامع المقاصد 4: 12.
[ 93 ]
مدار جواز الانتفاع به وعدمه، إلا ما خرج بالنص - كأليات الميتة (1) مثلا - أو
مطلق نجس العين، على ما سيأتي من الكلام فيه، وهذا هو الذي يقتضيه استصحاب الحكم
قبل التنجس (2) وهي (3) القاعدة المستفادة من قوله عليه السلام - في رواية تحف
العقول -: " إن كل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فذلك كله حلال " (4).
وما تقدم من رواية دعائم الإسلام من حل بيع كل ما يباح الانتفاع به (5). وأما قوله
تعالى: * (فاجتنبوه) * (6) وقوله تعالى: * (والرجز فاهجر) * (7) فقد عرفت أنهما لا
يدلان (8) على حرمة الانتفاع بالمتنجس، فضلا عن حرمة البيع على تقدير جواز
الانتفاع. ومن ذلك يظهر عدم صحة الاستدلال في ما نحن فيه بالنهي - في رواية تحف
العقول - عن بيع " شئ من وجوه النجس " بعد ملاحظة (9)
(1) الوسائل 16: 296، الباب 30 من أبواب الذبائح، الحديث 4. (2) كذا في " ش "، وفي
سائر النسخ: التنجيس. (3) مشطوب عليها في " ن ". (4) تحف العقول: 333. (5) راجع
الصفحة: 10. (6) المائدة: 89. (7) المدثر: 5. (8) في أكثر النسخ: أنها لا تدل. وفي
" ش ": أنهما لا تدلان، وما أثبتناه مطابق لمصححة " ن ". (9) وردت في " ش " فقط.
[ 94 ]
تعليل المنع فيها بحرمة الانتفاع. ويمكن حمل كلام من أطلق المنع عن بيع النجس
إلا الدهن لفائدة الاستصباح على إرادة المائعات النجسة التي لا ينتفع بها في غير
الأكل والشرب منفعة محللة مقصودة من أمثالها. ويؤيده: تعليل استثناء الدهن بفائدة
(1) الاستصباح، نظير استثناء بول الإبل للاستشفاء، وإن احتمل أن يكون ذكر الاستصباح
لبيان ما يشترط أن يكون غاية للبيع. قال في جامع المقاصد - في شرح قول العلامة قدس
سره: " إلا الدهن المتنجس (2) لتحقق فائدة (3) الاستصباح به تحت السماء خاصة " -
قال: وليس المراد ب " خاصة " بيان حصر الفائدة (4) - كما هو الظاهر -، وقد ذكر
شيخنا الشهيد في حواشيه: أن في رواية جواز اتخاذ الصابون من الدهن المتنجس، وصرح مع
ذلك بجواز الانتفاع به فيما يتصور من فوائده كطلي الدواب. إن قيل: إن العبارة تقتضي
حصر الفائدة، لأن الاستثناء في سياق النفي يفيد الحصر، فإن المعنى في العبارة: إلا
الدهن المتنجس لهذه الفائدة. قلنا: ليس المراد ذلك، لأن الفائدة بيان لوجه
الاستثناء، أي:
(1) كذا في " ن "، و " ش "، وفي غيرهما: لفائدة. (2) لم ترد كلمة " المتنجس " في
غير " ف ". (3) في المصدر: إلا الدهن النجس لفائدة. (4) في " ش " زيادة: في
الاستصباح.
[ 95 ]
إلا الدهن لتحقق فائدة الاستصباح، وهذا لا يستلزم الحصر، ويكفي في صحة ما قلنا
تطرق الاحتمال في العبارة المقتضي لعدم الحصر (1)، انتهى. وكيف كان، فالحكم بعموم
كلمات هؤلاء لكل مائع متنجس - مثل الطين والجص المائعين، والصبغ، وشبه ذلك - محل
تأمل. وما نسبه في المسالك من عدم فرقهم في المنع عن بيع المتنجس بين ما يصلح
للانتفاع به وما لا يصلح (2) فلم يثبت صحته، مع ما عرفت من كثير من الأصحاب من
إناطة الحكم في كلامهم مدار الانتفاع (3). ولأجل ذلك استشكل المحقق الثاني - في
حاشية الإرشاد - في ما (4) ذكره العلامة بقوله: " ولا بأس ببيع ما عرض له التنجيس
مع قبول الطهارة " (5) حيث قال: مقتضاه أنه لو لم يكن قابلا للطهارة لم يجز بيعه،
وهو مشكل، إذ الأصباغ المتنجسة لا تقبل التطهير عند الأكثر، والظاهر جواز بيعها،
لأن منافعها لا تتوقف على الطهارة، اللهم إلا أن يقال: إنها تؤول إلى حالة يقبل
معها التطهير، لكن بعد جفافها، بل ذلك هو
(1) جامع المقاصد 4: 13. (2) تقدم في الصفحة: 90. (3) راجع الصفحة: 92 - 93. (4)
كذا في " ش "، وفي " ف " ومصححة " ن ": ما ذكره، وفي سائر النسخ: وما ذكره. (5)
الإرشاد 1: 357.
[ 96 ]
المقصود منها، فاندفع الإشكال (1). أقول: لو لم يعلم من مذهب العلامة دوران
المنع عن بيع المتنجس مدار حرمة الانتفاع لم يرد على عبارته إشكال، لأن المفروض
حينئذ التزامه بجواز الانتفاع بالأصباغ مع عدم جواز بيعها، إلا أن يرجع الإشكال إلى
حكم العلامة وأنه مشكل على مختار المحقق الثاني، لا إلى كلامه، وأن الحكم مشكل على
مذهب المتكلم، فافهم. ثم إن ما دفع به الإشكال - من جعل الأصباغ قابلة للطهارة -
إنما ينفع في خصوص الأصباغ، وأما مثل بيع الصابون المتنجس، فلا يندفع الإشكال عنه
بما ذكره، وقد تقدم منه (2) سابقا (3) جواز بيع الدهن المتنجس ليعمل صابونا، بناء
على أنه من فوائده المحللة. مع أن ما ذكره من قبول الصبغ التطهير بعد الجفاف محل
نظر، لأن المقصود من قبوله الطهارة قبولها قبل الانتفاع، وهو مفقود في الأصباغ، لأن
الانتفاع بها - وهو الصبغ - قبل الطهارة، وأما ما يبقى منها بعد الجفاف - وهو اللون
- فهي نفس المنفعة، لا الانتفاع، مع أنه لا يقبل التطهير، وإنما القابل هو الثوب.
(1) حاشية الإرشاد (مخطوط): 204، مع اختلاف. (2) في " ف "، " خ ": عنه. (3) تقدم في
الصفحة: 91.
[ 97 ]
بقي الكلام في حكم نجس العين، من حيث أصالة حل الانتفاع به في غير ما ثبتت
حرمته، أو أصالة العكس. فاعلم أن ظاهر الأكثر أصالة حرمة الانتفاع بنجس العين، بل
ظاهر فخر الدين - في شرح الإرشاد - والفاضل المقداد: الإجماع على ذلك، حيث استدلا
على عدم جواز بيع الأعيان النجسة بأنها محرمة الانتفاع، وكل ما هو كذلك لا يجوز
بيعه، قالا: أما الصغرى فإجماعية (1). ويظهر من الحدائق - في مسألة الانتفاع بالدهن
المتنجس (2) في غير الاستصباح