كتاب المكاسب

الشيخ الأنصاري ج 4

العودة الى مكتبة المرتضى


[ 1 ]

كتاب المكاسب

[ 3 ]

كتاب المكاسب للشيخ الاعظم استاذ الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى الانصاري (قدس سره) 1214 - 1281 ه‍ الجزء الرابع اعداد لجنة تحقيق تراثنا الشيخ الاعظم

[ 4 ]

أنصاري، مرتضى بن محمد أمين 1214 - 1281 ق. المكاسب / المؤلف مرتضى الأنصاري: إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم. - قم: مجمع الفكر الإسلامي 1420 ق = 1378. فهرستنويسي بر اساس اطلاعات فيپا (فهرستنويسي پيش از انتشار). عربي. فهرست نويسي بر اساس جلد چهارم، 1420 ق = 1378. اين كتاب به مناسبت دويستمين سالگر تولد شيخ انصاري منتشر شده است. كتابنامه: 1 - معاملات (فقه). الف: مجمع الفكر الاسلامي. لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم ب. مجمع الفكر الاسلامي. ج. كنگره جهاني بزرگداشت دويستمين سالگر تولد شيخ انصاري. د. عنوان. 7 م 8 الف / 1 / 1901 273 792 - BP الف ى 1300 كتابخانه ملي ايران - 1937 - 78 م قم - ص. ب 3654 - 37185 - ت: 744810 الكتاب: كتاب المكاسب / ج 4 المؤلف: الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره تحقيق: مجمع الفكر الإسلامي / لجنة تحقيق التراث الطبعة: الاولى / شعبان المعظم 1419 ه‍. ق صف الحروف: مجمع الفكر الإسلامي الليتوغراف: نگارش - قم المطبعة: مؤسسة الهادي - قم الكمية المطبوعة: 3000 نسخة جميع الحقوق محفوظة للأمانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري قدس سره

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 7 ]

القول في شرائط العوضين

[ 9 ]

[ مسألة ] [ من شروط العوضين: المالية ] (1) يشترط في كل منهما كونه متمولا، لأن البيع - لغة -: مبادلة مال بمال (2)، وقد احترزوا بهذا الشرط عما لا ينتفع به منفعة مقصودة للعقلاء، محللة في الشرع، لأن الأول ليس بمال عرفا كالخنافس والديدان، فإنه يصح عرفا سلب المصرف لها ونفي الفائدة عنها، والثاني ليس بمال شرعا كالخمر والخنزير. ثم قسموا عدم الانتفاع إلى ما يستند إلى خسة الشئ كالحشرات، وإلى ما يستند إلى قلته كحبة حنطة، وذكروا: أنه ليس مالا وإن كان يصدق عليه الملك (3)، ولذا يحرم غصبه إجماعا، وعن


(1) العنوان منا. (2) المصباح المنير: 69، ذيل مادة " بيع ". (3) ذكر ذلك المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 90، والسيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 220.

[ 10 ]

التذكرة: أنه لو تلف لم يضمن أصلا (1)، واعترضه غير واحد ممن تأخر عنه (2) بوجوب رد المثل. والأولى أن يقال: إن ما تحقق أنه ليس بمال عرفا، فلا إشكال ولا خلاف في عدم جواز وقوعه أحد العوضين، إذ لا بيع إلا في ملك. وما لم يتحقق فيه ذلك: فإن كان أكل المال في مقابله أكلا بالباطل عرفا، فالظاهر فساد المقابلة. وما لم يتحقق فيه ذلك: فإن ثبت دليل من نص أو إجماع على عدم جواز بيعه فهو، وإلا فلا يخفى وجوب الرجوع إلى عمومات صحة البيع والتجارة، وخصوص قوله عليه السلام في المروي عن تحف العقول: " وكل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فكل ذلك حلال بيعه... إلى آخر الرواية " (3)، وقد تقدمت في أول الكتاب (4).


(1) حكاه عنه المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 90، وراجع التذكرة 1: 465. (2) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 90، والسيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 220، وصاحب الجواهر في الجواهر 22: 347. (3) تقدمت الرواية في المجلد الأول من طبعتنا: 5 - 13، وانظر تحف العقول: 333. (4) في " ف " زيادة: " وحيث جرى ذكر بعض هذه الرواية الشريفة، فلا بأس بذكرها بتمامها لاشتمالها على فوائد جليلة، خصوصا في تميز ما يجوز الاكتساب به وما لا يجوز، فنقول: روى في الوسائل عن كتاب تحف العقول للحسن بن علي ابن شعبة عن الصادق عليه السلام: " أن معايش العباد كلها... " فذكر أكثر الرواية باختلاف كثير عما ورد في أول الكتاب. هذا، وقد وردت هذه الزيادة في " ن " و " خ " من قوله: فنقول: " روى في الوسائل... الخ " لكن كتب عليها فيهما: زائد.

[ 11 ]

ثم إنهم احترزوا باعتبار الملكية في العوضين من بيع ما يشترك فيه الناس: كالماء، والكلأ، والسموك (1) والوحوش قبل اصطيادها، لكون (2) هذه كلها غير مملوكة بالفعل. واحترزوا أيضا به عن الأرض المفتوحة عنوة، ووجه الاحتراز عنها: أنها غير مملوكة لملاكها على نحو سائر الأملاك بحيث يكون لكل منهم جزء معين من عين الأرض وإن قل، ولذا لا يورث، بل ولا من قبيل الوقف الخاص على معينين، لعدم تملكهم للمنفعة مشاعا، ولا كالوقف على غير معينين كالعلماء والمؤمنين، ولا من قبيل تملك الفقراء للزكاة والسادة للخمس - بمعنى كونهم مصارف له (3) - لعدم تملكهم لمنافعها (4) بالقبض، لأن مصرفه (5) منحصر في مصالح المسلمين، فلا يجوز تقسيمه عليهم من دون ملاحظة مصالحهم، فهذه الملكية نحو مستقل من الملكية قد دل عليه (6) الدليل، ومعناها: صرف حاصل الملك في مصالح الملاك. ثم إن كون هذه الأرض للمسلمين مما ادعي عليه الإجماع (7)


(1) في " م "، " ع " و " ص ": السماك. (2) كذا في مصححة " ن "، وفي " ف ": " يكون "، وفي سائر النسخ: بكون. (3) كذا، والمناسب تثنية الضمير. (4) في غير " ش ": لمنافعه. (5) كذا في النسخ، والمناسب تأنيث الضمير، وكذا في قوله: تقسيمه. (6) في " ف ": عليها. (7) ادعاه الشيخ في الخلاف 2: 67 - 70، كتاب الزكاة، المسألة 80، والعلامة في المنتهى 2: 934، والتذكرة 1: 427، وراجع الجواهر 21: 157. (*

[ 12 ]

ودل عليه النص كمرسلة حماد الطويلة (1) وغيرها (2). [ أقسام الأرضين وأحكامها ] (3) وحيث جرى الكلام في ذكر بعض أقسام الأرضين، فلا بأس بالإشارة إجمالا إلى جميع أقسام الأرضين وأحكامها، فنقول ومن الله الإستعانة: الأرض إما موات وإما عامرة، وكل منهما إما أن يكون كذلك أصلية أو عرض لها ذلك، فالأقسام أربعة لا خامس لها: الأول: ما يكون مواتا بالأصالة، بأن لم تكن مسبوقة بعمارة (4) ولا إشكال ولا خلاف منا في كونها للإمام عليه السلام، والإجماع عليه محكي عن الخلاف (5) والغنية (6) وجامع المقاصد (7) والمسالك (8) وظاهر


(1) الوسائل 11: 84 - 85، الباب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2. (2) راجع الوسائل 12: 274 - 275، الباب 21 من أبواب عقد البيع، الأحاديث 4، 5 و 9. (3) العنوان منا. (4) في غير " خ " و " ش ": بالعمارة. (5) الخلاف 3: 525، كتاب إحياء الموات، المسألة 3. (6) الغنية: 293. (7) جامع المقاصد 7: 9. (8) المسالك 12: 391، وفيه: عندنا موضع وفاق.

[ 13 ]

جماعة اخرى (1). والنصوص بذلك مستفيضة (2)، بل قيل: إنها متواترة (3). وهي من الأنفال، نعم ابيح التصرف فيها بالإحياء بلا عوض، وعليه يحمل ما في النبوي (4): " موتان الأرض لله ولرسوله (5) صلى الله عليه وآله، ثم هي لكم مني أيها المسلمون " (6). ونحوه الآخر: " عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني " (7). وربما يكون في بعض الأخبار وجوب أداء خراجها إلى الإمام عليه السلام كما في صحيحة الكابلي، قال (8): " وجدنا في كتاب


(1) حكاه السيد العاملي وصاحب الجواهر عن المصادر المذكورة وعن ظاهر المبسوط والتذكرة والتنقيح والكفاية، انظر مفتاح الكرامة 7: 4، والجواهر 38: 11. (2) راجع الوسائل 6: 364، الباب الأول من أبواب الأنفال، والمستدرك 7: 295، نفس الباب. (3) راجع الجواهر 38: 11، وفيه: يمكن دعوى تواترها. (4) كذا في " ف "، " خ " و " ش "، وفي غيرها: النبويين. (5) في " ش ": ورسوله. (6) لم نقف على هذا النص بعينه في المجاميع الحديثية، بل الموجود: " موتان الأرض لله ولرسوله، فمن أحيا منها شيئا فهو له "، انظر عوالي اللآلي 3: 480، الحديث الأول، وعنه في المستدرك 17: 111، الباب الأول من أبواب إحياء الموات، الحديث الأول. نعم نقل الرواية كما في المتن العلامة في التذكرة 2: 400. (7) عوالي اللآلي 3: 481، الحديث 5، وعنه في المستدرك 17: 112، الباب الأول من أبواب إحياء الموات، الحديث 5. (8) في " ف ": قال لي.

[ 14 ]

علي عليه السلام: * (أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) *، أنا (1) وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض، ونحن المتقون، والأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضا (2) من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها... الخبر " (3). ومصححة عمر بن يزيد: " أنه سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أخذ أرضا مواتا تركها أهلها، فعمرها وأجرى أنهارها وبنى فيها بيوتا، وغرس فيها نخلا وشجرا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له، وعليه طسقها يؤديه (4) إلى الإمام عليه السلام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه " (5). ويمكن حملها على بيان الاستحقاق ووجوب إيصال الطسق إذا طلبه (6) الإمام عليه السلام.


(1) كذا في " ف " و " ص " والمصدر، وفي غيرها: قال أنا. (2) كذا في " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: من الأرض. (3) الوسائل 17: 329، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2، والآية من سورة الأعراف: 128. (4) كذا في " ن " و " ص " والمصدر، وفي " ف " و " خ ": " يؤتى به "، وفي " م " و " ع ": " يؤتيه به "، وفي " ش ": يؤديه به. (5) في النسخ زيادة: " الخبر "، ولا وجه لها ظاهرا، لأن الحديث مذكور بتمامه، انظر الوسائل 6: 383، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 13. (6) في " م "، " ع "، " ص " و " ن ": " طلب "، وصحح في " ن " كما أثبتناه.

[ 15 ]

لكن الأئمة عليهم السلام بعد أمير المؤمنين عليه السلام حللوا شيعتهم، وأسقطوا ذلك عنهم، كما يدل عليه قوله عليه السلام: " ما كان لنا فهو لشيعتنا " (1)، وقوله عليه السلام في رواية مسمع بن عبد الملك: " كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، يحل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا، فيجبيهم طسق (2) ما كان في أيدي سواهم، فإن كسبهم في الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا ويأخذ الأرض من أيديهم، ويخرجهم عنها صغرة... الخبر " (3). نعم، ذكر في التذكرة: أنه لو تصرف في الموات أحد بغير إذن الإمام كان عليه طسقها (4). ويحتمل حمل هذه الأخبار المذكورة على حال الحضور، وإلا فالظاهر عدم الخلاف في عدم وجوب مال للإمام (5) في الأراضي في حال الغيبة، بل الأخبار متفقة على أنها لمن أحياها (6)، وسيأتي حكاية إجماع المسلمين على صيرورتها ملكا بالإحياء (7).


(1) الوسائل 6: 384، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 17. (2) في " ش " زيادة: " ما كان في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم، وأما "، وهذه الزيادة قد وردت في الكافي ولم ترد في التهذيب والوسائل، انظر الكافي 1: 408، الحديث 3، والتهذيب 4: 144، الحديث 403. (3) الوسائل 6: 382، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12. (4) التذكرة 2: 402. (5) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: الإمام. (6) راجع الوسائل 17: 326، الباب الأول من أبواب إحياء الموات. (7) يأتي في الصفحة 17.

[ 16 ]

الثاني: ما كانت عامرة بالأصالة، أي لا من معمر والظاهر أنها أيضا للإمام عليه السلام وكونها من الأنفال، وهو ظاهر إطلاق قولهم: " وكل أرض لم يجر عليها ملك مسلم فهي للإمام عليه السلام " (1)، وعن التذكرة: الإجماع عليه (2). وفي غيرها نفي الخلاف عنه (3)، لموثقة أبان بن عثمان عن إسحاق بن عمار المحكية عن تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام، حيث عد من الأنفال: " كل أرض لا رب لها " (4)، ونحوها المحكي عن تفسير العياشي، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام (5). ولا يخصص عموم ذلك بخصوص بعض الأخبار، حيث جعل فيها من الأنفال " كل أرض ميتة لا رب لها " (6)، بناء على ثبوت المفهوم للوصف المسوق للاحتراز، لأن الظاهر ورود الوصف مورد الغالب، لأن


(1) كما في الشرائع 3: 272، والقواعد 1: 220، وفي مفتاح الكرامة (7: 9) في ذيل العبارة هكذا: كما طفحت بذلك عباراتهم بلا خلاف من أحد. (2) حكاه عن العلامة في التذكرة، السيد العاملي في مفتاح الكرامة 7: 9، وصاحب الجواهر في الجواهر 38: 19، وانظر التذكرة 2: 402. (3) كما في مفتاح الكرامة 7: 9، والجواهر 38: 19. (4) تفسير القمي 1: 254، في تفسير الآية الاولى من سورة الأنفال، وعنه الوسائل 6: 371، الباب الأول من أبواب الأنفال، الحديث 20. (5) تفسير العياشي 2: 48، الحديث 11، وعنه الوسائل 6: 372، الباب الأول من أبواب الأنفال، الحديث 28. (6) الوسائل 6: 365، الباب الأول من أبواب الأنفال، الحديث 4.

[ 17 ]

الغالب في الأرض التي لا مالك لها كونها مواتا. وهل تملك هذه بالحيازة؟ وجهان: من كونه مال الإمام، ومن عدم منافاته للتملك بالحيازة، كما يملك الموات بالإحياء مع كونه مال الإمام، فدخل في عموم النبوي: " من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به " (1). الثالث: ما عرض له الحياة بعد الموت وهو ملك للمحيي، فيصير ملكا له بالشروط المذكورة في باب الإحياء بإجماع الامة كما عن المهذب (2)، وبإجماع المسلمين كما عن التنقيح (3)، وعليه عامة فقهاء الأمصار كما عن التذكرة (4)، لكن ببالي من المبسوط كلام يشعر بأنه يملك التصرف، لا نفس الرقبة (5)، فلا بد من الملاحظة. الرابع: ما عرض له الموت بعد العمارة فإن كانت العمارة أصلية، فهي مال الإمام عليه السلام. وإن كانت


(1) عوالي اللآلي 3: 480، الحديث 4، والمستدرك 17: 112، الباب الأول من أبواب إحياء الموات، الحديث 4. (2) المهذب البارع 4: 285. (3) التنقيح الرائع 4: 98. (4) التذكرة 2: 400. (5) انظر المبسوط 2: 29.

[ 18 ]

العمارة من معمر، ففي بقائها على ملك معمرها، أو خروجها عنه وصيرورتها ملكا لمن عمرها ثانيا، خلاف معروف في كتاب إحياء الموات (1)، منشؤه اختلاف الأخبار (2). ثم القسم الثالث، إما أن تكون العمارة فيه (3) من المسلمين، أو من الكفار. فإن كان (4) من المسلمين فملكهم لا يزول إلا بناقل أو بطرو الخراب على أحد القولين. وإن كان من الكفار، فكذلك إن كان في دار الإسلام وقلنا بعدم اعتبار الإسلام، وإن اعتبرنا الإسلام، كان باقيا على ملك الإمام عليه السلام. وإن كان في دار الكفر، فملكها يزول بما يزول به ملك المسلم، وبالاغتنام، كسائر أموالهم. ثم ما ملكه الكافر (5) من الأرض: إما أن يسلم عليه طوعا، فيبقى على ملكه كسائر أملاكه. وإما أن لا يسلم عليه طوعا. فإن بقي يده عليه كافرا، فهو (6) أيضا كسائر أملاكه تحت يده.


(1) راجع المسالك 12: 396 - 397، فنسب الأول إلى المحقق والشيخ وجماعة، والثاني إلى العلامة في بعض فتاويه، ومال إليه في التذكرة وقواه هو نفسه، وانظر الجواهر 38: 21. (2) راجع الوسائل 17: 326 - 328، الباب 1 و 3 من أبواب إحياء الموات. (3) كلمة " فيه " من " ش " ومصححة " ن ". (4) كذا، والمناسب: كانت. (5) في غير " ف " و " ش ": الكفار، ولكن صحح في " ن " بما أثبتناه. (6) في غير " ف ": فهي.

[ 19 ]

وإن ارتفعت يده عنها (1): فإما أن يكون بانجلاء المالك عنها وتخليتها للمسلمين. أو بموت أهلها وعدم الوارث، فيصير ملكا للإمام عليه السلام، ويكون من الأنفال التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وإن رفعت يده عنها قهرا وعنوة، فهي كسائر ما لا ينقل (2) من الغنيمة - كالنخل والأشجار والبنيان - للمسلمين كافة إجماعا، على ما حكاه غير واحد، كالخلاف (3) والتذكرة (4) وغيرهما (5)، والنصوص به مستفيضة: ففي رواية أبي بردة - المسؤول فيها عن بيع أرض الخراج - قال عليه السلام: " من يبيعها؟! هي أرض المسلمين! قلت: يبيعها الذي في يده. قال: يصنع بخراج المسلمين ماذا؟! ثم قال: لا بأس، اشتر (6) حقه منها، ويحول حق المسلمين عليه، ولعله يكون أقوى عليها وأملى بخراجهم منه " (7).


(1) تأنيث الضمير باعتبار " الأرض ". (2) في غير " ش " ومصححة " ن ": ما لا ينتقل، وفي " ص " كتب عليه: لا ينقل - ظ. (3) الخلاف 2: 67 - 70، كتاب الزكاة، المسألة 80. (4) التذكرة 1: 427. (5) كالغنية: 204 - 205، والمنتهى 2: 934، والجواهر 21: 157. (6) كذا في أكثر النسخ والاستبصار، وفي " ص " و " ش " ومصححة " ن ": " أن يشتري "، وفي التهذيب والوسائل: اشترى. (7) الوسائل 11: 118، الباب 71 من أبواب جهاد العدو، الحديث الأول.

[ 20 ]

وفي مرسلة حماد الطويلة: " ليس لمن قاتل شئ من الأرضين وما غلبوا عليه (1)، إلا ما حوى (2) العسكر... إلى أن قال: والأرض التي اخذت بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها ويقوم عليها، على ما صالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج: النصف أو الثلث أو الثلثين، على قدر ما يكون لهم صالحا ولا يضر بهم (3) إلى أن قال: فيؤخذ ما بقي بعد (4) العشر، فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الأرض وأكرتها، فيدفع إليهم أنصباءهم على قدر ما صالحهم عليه ويأخذ الباقي فيكون ذلك أرزاق أعوانه على دين الله، وفي مصلحة ما ينوبه، من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد، وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير... الخبر " (5). وفي صحيحة الحلبي، قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن السواد ما منزلته؟ قال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل (6) في


(1) كلمة " عليه " من " ش "، والعبارة في المصادر: ولا ما غلبوا عليه. (2) في الكافي والوسائل: ما احتوى عليه. (3) في " ش " وهامش " ن " زيادة: فإذا أخرج منها ما أخرج، بدأ فأخرج منه العشر من الجميع مما سقت السماء أو سقي سيحا، ونصف العشر مما سقي بالدوالي والنواضح. (4) في الكافي والوسائل بدل " فيؤخذ ما بقي بعد ": ويؤخذ بعد. (5) الوسائل 11: 84 - 85، الباب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2. (6) في غير " ص ": دخل.

[ 21 ]

الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد. فقلنا: أنشتريه من الدهاقين؟ قال: لا يصلح، إلا أن تشتريها منهم على أن تصيرها للمسلمين، فإن شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها. قلت: فإن أخذها منه؟ قال: يرد عليه رأس ماله، وله ما أكل من غلتها بما عمل " (1). ورواية ابن شريح: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شراء الأرض من أرض الخراج، فكرهه و (2) قال: إنما أرض الخراج للمسلمين. فقالوا له: فإنه يشتريها الرجل وعليه خراجها؟ فقال: لا بأس، إلا أن يستحيي من عيب ذلك " (3). ورواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي، ففيها: " وسألته عن رجل اشترى أرضا من أرض الخراج، فبنى بها أو لم يبن، غير أن اناسا من أهل الذمة نزلوها، له أن يأخذ منهم اجرة البيوت إذا أدوا جزية رؤوسهم؟ قال: يشارطهم، فما أخذ بعد الشرط فهو حلال (4) " (5). وفي خبر أبي الربيع: " لا تشتر من أرض السواد شيئا، إلا من (6) كانت له ذمة فإنما هي فئ للمسلمين " (7).


(1) الوسائل 12: 274، الباب 21 من أبواب عقد البيع، الحديث 4. (2) " الواو " من " ص " والمصدر. (3) الوسائل 12: 275، الباب 21 من أبواب عقد البيع، الحديث 9. (4) في غير " ش " زيادة: " أخذها "، ولم ترد في المصادر الحديثية. (5) الوسائل 12: 275، الباب 21 من أبواب عقد البيع، الحديث 10. (6) في مصححة " ن ": ممن. (7) الوسائل 12: 274، الباب 21 من أبواب عقد البيع، الحديث 5.

[ 22 ]

إلى غير ذلك... (1). وظاهره (2) - كما ترى - عدم جواز بيعها حتى تبعا للآثار المملوكة فيها على أن تكون جزءا من المبيع، فيدخل في ملك المشتري. نعم، يكون للمشتري على وجه كان للبائع، أعني مجرد الأولوية وعدم جواز مزاحمته إذا كان التصرف وإحداث تلك الآثار بإذن الإمام عليه السلام أو بإجازته ولو لعموم الشيعة، كما إذا كان التصرف بتقبيل السلطان الجائر أو بإذن الحاكم الشرعي، بناء على عموم ولايته لامور المسلمين ونيابته عن الإمام عليه السلام. لكن ظاهر عبارة المبسوط إطلاق المنع عن التصرف فيها، قال: لا يجوز التصرف فيها (3) ببيع ولا شراء ولا هبة ولا معاوضة، ولا يصح أن يبني دورا ومنازل ومساجد وسقايات، ولا (4) غير ذلك من أنواع التصرف الذي يتبع الملك، ومتى فعل شيئا من ذلك كان التصرف باطلا، وهو على حكم الأصل (5). ويمكن حمل كلامه على صورة عدم الإذن من الإمام عليه السلام حال


(1) راجع الوسائل 12: 273، الباب 21 من أبواب عقد البيع، و 17: 330، الباب 4 من أبواب إحياء الموات. (2) كذا في النسخ، والمناسب: " ظاهرها "، لأن الضمير يرجع إلى جميع الأخبار المتقدمة كما هو ظاهر. (3) عبارة " قال: لا يجوز التصرف فيها " لم ترد في " ش ". (4) لم ترد " لا " في " ع " و " ش ". (5) المبسوط 2: 34.

[ 23 ]

حضوره. ويحتمل إرادة التصرف بالبناء على وجه الحيازة والتملك. وقال في الدروس: لا يجوز التصرف في المفتوحة عنوة إلا بإذن الإمام، سواء كان بالبيع أو الوقف أو غيرهما. نعم في حال الغيبة ينفذ ذلك، وأطلق في المبسوط: أن التصرف فيها لا ينفذ. وقال ابن إدريس: إنما نبيع ونوقف تحجيرنا (1) وبناءنا وتصرفنا، لا نفس الأرض (2)، انتهى. وقد ينسب إلى الدروس التفصيل بين زماني الغيبة والحضور، فيجوز التصرف في الأول ولو بالبيع والوقف، لا في الثاني إلا بإذن الإمام عليه السلام (3)، وكذا إلى جامع المقاصد (4). وفي النسبة نظر، بل الظاهر موافقتهما لفتوى جماعة (5): من جواز التصرف فيه في زمان الغيبة بإحداث الآثار وجواز نقل الأرض تبعا للآثار، فيفعل ذلك بالأرض تبعا للآثار، والمعنى: أنها مملوكة ما دام الآثار موجودة. قال في المسالك - في شرح قول المحقق: " ولا يجوز بيعها ولا


(1) في " ف "، " م "، " ع " و " ص ": بحجرنا. (2) الدروس 2: 41. (3) نسبه إليه المحقق الثاني في رسالة قاطعة اللجاج (رسائل المحقق الكركي) 1: 253، وانظر الدروس 2: 41. (4) نسبه إليه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 241، وانظر جامع المقاصد 7: 10. (5) منهم الحلي في السرائر 1: 478، والعلامة في التذكرة 1: 465، وراجع تفصيل الأقوال في مفتاح الكرامة 4: 240، والجواهر 22: 349.

[ 24 ]

هبتها ولا وقفها " -: إن المراد: لا يصح ذلك في رقبة الأرض مستقلة، أما (1) فعل ذلك بها تبعا لآثار التصرف - من بناء وغرس وزرع ونحوها - فجائز على الأقوى. قال: فإذا باعها بائع مع شئ من هذه الآثار دخل في المبيع (2) على سبيل التبع، وكذا الوقف وغيره، ويستمر كذلك ما دام شئ من الآثار باقيا، فإذا ذهبت أجمع انقطع حق المشتري والموقوف عليه وغيرهما عنها، هكذا ذكره جمع، وعليه العمل (3)، انتهى. نعم، ربما يظهر من عبارة الشيخ في التهذيب جواز البيع والشراء في نفس الرقبة، حيث قال: إن قال قائل: إن ما ذكرتموه إنما دل على إباحة التصرف في هذه الأرضين، ولا يدل على صحة تملكها بالشراء والبيع، ومع عدم صحتها (4) لا يصح ما يتفرع عليها (5). قلنا: إنا قد قسمنا الأرضين على ثلاثة أقسام: أرض أسلم أهلها عليها فهي ملك لهم يتصرفون فيها، وأرض تؤخذ عنوة أو يصالح أهلها عليها، فقد ابحنا شراءها وبيعها، لأن لنا في ذلك قسما، لأ نها


(1) في " ص " والمصدر زيادة: لو. (2) كذا في النسخ، والصواب: " دخلت في البيع "، كما في المصدر. (3) المسالك 3: 56. (4) في مصححة " ن ": " عدم صحتهما "، والصواب: " عدم صحته "، لرجوع الضمير إلى " التملك ". (5) في " ش " ومصححة " ن ": عليهما، والصواب: " عليه "، للسبب المتقدم.

[ 25 ]

أراضي المسلمين، وهذا القسم أيضا يصح الشراء والبيع فيه على هذا الوجه. وأما الأنفال وما يجري مجراها فلا يصح تملكها بالشراء وإنما ابيح لنا التصرف فيها حسب (1). ثم استدل على أراضي الخراج برواية أبي بردة السابقة (2) الدالة على جواز بيع آثار التصرف دون رقبة الأرض. ودليله قرينة على توجيه كلامه. وكيف كان، فما ذكروه من حصول الملك تبعا للآثار مما لا دليل عليه إن أرادوا الانتقال. نعم، المتيقن هو ثبوت حق الاختصاص للمتصرف ما دام شئ من الآثار موجودا. فالذي ينبغي أن يصرف الكلام إليه هو بيان الوجه الذي يجوز التصرف معه حتى يثبت حق الاختصاص، فنقول: أما في زمان الحضور والتمكن من الاستئذان، فلا ينبغي الإشكال في توقف التصرف على إذن الإمام عليه السلام، لأنه ولي المسلمين فله نقلها عينا ومنفعة. ومن الظاهر أن كلام الشيخ (3) - المطلق في المنع عن التصرف - محمول على صورة عدم إذن الإمام عليه السلام مع حضوره. وأما في زمان الغيبة، ففي: عدم جواز التصرف إلا فيما أعطاه السلطان الذي حل قبول الخراج والمقاسمة منه.


(1) التهذيب 4: 145 - 146، ذيل الحديث 405. (2) راجع التهذيب 4: 146، الحديث 406، والوسائل 11: 118، الباب 71 من أبواب جهاد العدو، الحديث الأول، وتقدمت في الصفحة 19. (3) تقدم نقله عن المبسوط في الصفحة 22.

[ 26 ]

أو جوازه مطلقا، نظرا إلى عموم ما دل على تحليل مطلق الأرض للشيعة (1)، لا خصوص الموات التي هي مال الإمام عليه السلام، وربما يؤيده جواز قبول الخراج الذي هو كاجرة الأرض، فيجوز التصرف في عينها مجانا. أو عدم جوازه إلا بإذن الحاكم الذي هو نائب الإمام عليه السلام. أو التفصيل بين من يستحق اجرة هذه الأرض، فيجوز له التصرف فيها، لما (2) يظهر من قوله عليه السلام للمخاطب في بعض أخبار حل الخراج: " وإن لك نصيبا في بيت المال " (3)، وبين غيره الذي يجب عليه حق الأرض، ولذا أفتى غير واحد - على ما حكي (4) - بأنه لا يجوز حبس الخراج وسرقته عن (5) السلطان الجائر والامتناع عنه، واستثنى بعضهم (6) ما إذا دفعه إلى نائب الإمام عليه السلام.


(1) يدل عليه خصوصا ما في الوسائل 6: 382، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12 وغيره. (2) في " ن " و " خ " ونسخة بدل " ع ": كما. (3) الوسائل 12: 157، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6. (4) حكاه المحقق الكركي عن كثير ممن عاصره، في قاطعة اللجاج (رسائل المحقق الكركي) 1: 285، والشهيد الثاني في المسالك 3: 55 - 56 عن الأصحاب، وانظر المناهل: 312، التنبيه السادس عشر، وراجع تفصيل ذلك في المكاسب 2: 214 وما بعدها. (5) كذا في " ف " و " خ " ونسخة بدل " ش "، وفي سائر النسخ: على. (6) راجع الرياض (الطبعة الحجرية) 1: 496، ومفتاح الكرامة 4: 245، والمناهل: 313، والجواهر 22: 194 - 195.

[ 27 ]

أو بين ما عرض له الموت من الأرض المحياة حال الفتح، وبين الباقية على عمارتها من حين الفتح فيجوز إحياء الأول، لعموم أدلة الإحياء (1) وخصوص رواية سليمان بن خالد (2) ونحوها. وجوه، أوفقها بالقواعد الاحتمال الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس. ومما ذكرنا يعلم حال ما ينفصل من المفتوح عنوة، كأوراق الأشجار وأثمارها، وأخشاب الأبنية والسقوف الواقعة، والطين المأخوذ من سطح الأرض، والجص والحجارة ونحو ذلك، فإن مقتضى القاعدة كون ما يحدث بعد الفتح من الامور المنقولة ملكا للمسلمين، ولذا صرح جماعة، كالعلامة (3) والشهيد (4) والمحقق الثاني (5) وغيرهم (6) - على ما حكي عنهم - بتقييد جواز رهن أبنية الأرض المفتوحة عنوة بما (7) إذا لم تكن الآلات من تراب الأرض. نعم الموجودة فيها حال الفتح للمقاتلين، لأنه مما ينقل. وحينئذ، فمقتضى القاعدة: عدم صحة أخذها إلا من السلطان الجائر أو من حاكم الشرع، مع إمكان أن يقال: لا مدخل لسلطان


(1) الوسائل 17: 326، الباب الأول من أبواب إحياء الموات. (2) الوسائل 17: 326، الباب الأول من أبواب إحياء الموات، الحديث 2. (3) التذكرة 2: 17. (4) و (5) حكاه عن الدروس وجامع المقاصد السيد العاملي في مفتاح الكرامة 5: 82، لكن لم نعثر عليه فيهما. (6) كالمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 9: 145. (7) لم ترد " بما " في غير " ش "، ولكنها استدركت في أكثر النسخ.

[ 28 ]

الجور، لأن القدر المأذون في تناوله منه منفعة الأرض، لا أجزاؤها، إلا أن يكون الأخذ على وجه الانتفاع لا التملك، فيجوز. ويحتمل كون ذلك بحكم المباحات، لعموم " من سبق إلى ما لم يسبقه (1) إليه مسلم فهو أحق به " (2). ويؤيده، بل يدل عليه: استمرار السيرة خلفا عن سلف على بيع الامور المعمولة (3) من تربة أرض العراق من الآجر والكوز والأواني وما عمل (4) من التربة الحسينية، ويقوى هذا الاحتمال بعد انفصال هذه الأجزاء من الأرض.


(1) كذا في " ف " والمصدر، وفي سائر النسخ: لم يسبق. (2) عوالي اللآلي 3: 480، الحديث 4، وعنه المستدرك 17: 112، الباب الأول من أبواب إحياء الموات، الحديث 4. (3) في " ف ": المنقولة. (4) في " ف ": نقل.

[ 29 ]

[ مسألة ] [ من شروط العوضين: كونه طلقا ] (1) واعلم أنه ذكر الفاضلان (2) وجمع ممن تأخر عنهما (3) في شروط العوضين بعد الملكية: كونه طلقا. وفرعوا عليه: عدم جواز بيع الوقف إلا فيما استثني، ولا الرهن إلا بإذن المرتهن أو إجازته، ولا ام الولد إلا في المواضع المستثناة. والمراد ب‍ " الطلق " تمام السلطنة على الملك بحيث يكون للمالك أن يفعل بملكه ما شاء، ويكون مطلق العنان في ذلك. لكن هذا المعنى في الحقيقة راجع إلى كون الملك مما يستقل المالك بنقله ويكون نقله ماضيا فيه، لعدم تعلق حق به مانع عن نقله


(1) العنوان منا. (2) الشرائع 2: 17، القواعد 1: 126، وفيه: ويشترط في الملك التمامية. (3) منهم الشهيدان في اللمعة وشرحها (الروضة البهية) 3: 253، والمحقق السبزواري في الكفاية: 89، والمحدث البحراني في الحدائق 18: 438.

[ 30 ]

بدون إذن ذي الحق، فمرجعه (1) إلى: أن من شرط البيع أن يكون متعلقه مما يصح للمالك بيعه مستقلا، وهذا مما (2) لا محصل له، فالظاهر أن هذا العنوان ليس في نفسه شرطا ليتفرع عليه عدم جواز بيع الوقف والمرهون وام الولد، بل الشرط في الحقيقة انتفاء كل من تلك الحقوق الخاصة وغيرها مما ثبت منعه عن تصرف المالك - كالنذر والخيار ونحوهما - وهذا العنوان منتزع من انتفاء تلك الحقوق. فمعنى " الطلق ": أن يكون المالك مطلق العنان في نقله غير محبوس عليه لأحد الحقوق التي ثبت منعها للمالك عن التصرف في ملكه، فالتعبير بهذا المفهوم (3) المنتزع تمهيد لذكر الحقوق المانعة عن التصرف، لا تأسيس لشرط ليكون ما بعده فروعا، بل الأمر في الفرعية والأصالة بالعكس. ثم إن أكثر من تعرض لهذا الشرط لم يذكر من الحقوق إلا الثلاثة المذكورة، ثم عنونوا حق الجاني (4) واختلفوا في حكم بيعه. وظاهر أن الحقوق المانعة أكثر من هذه الثلاثة أو الأربعة، وقد أنهاها بعض من عاصرناه (5) إلى أزيد من عشرين، فذكر - بعد الأربعة


(1) في غير " ف ": " لمرجعه "، وفي مصححة " ص ": " ومرجعه "، وصححت في " ن " بما أثبتناه. (2) كلمة " مما " من " ف ". (3) في " ف ": العموم. (4) أي الحق المتعلق بالعبد الجاني، وقد اضيف الحق إلى من عليه الحق. (5) هو المحقق التستري في مقابس الأنوار: 139 - 212.

[ 31 ]

المذكورة في عبارة الأكثر -: النذر المتعلق بالعين قبل البيع، والخيار المتعلق به، والارتداد، والحلف على عدم بيعه، وتعيين الهدي للذبح، واشتراط عتق العبد في عقد لازم، والكتابة المشروطة أو المطلقة بالنسبة إلى ما لم يتحرر منه، حيث إن المولى ممنوع عن التصرف بإخراجه عن ملكه قبل الأداء، والتدبير المعلق على موت غير المولى، بناء على جواز ذلك، فإذا مات المولى ولم يمت من علق عليه العتق كان مملوكا للورثة ممنوعا من التصرف فيه، وتعلق حق الموصى له بالموصى به بعد موت الموصي وقبل قبوله، بناء على منع الوارث من التصرف قبله (1)، وتعلق حق الشفعة بالمال، فإنه مانع من لزوم التصرفات الواقعة من المالك، فللشفيع بعد الأخذ بالشفعة إبطالها، وتغذية الولد المملوك بنطفة سيده فيما إذا اشترى أمة حبلى فوطأها فأتت بالولد، بناء على عدم (2) جواز بيعها (3)، وكونه مملوكا ولد (4) من حر شريك في امه (5) حال الوط ء، فإنه مملوك له، لكن ليس له التصرف فيه إلا بتقويمه وأخذ قيمته،


(1) كذا في " ف " و " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: فيه، والأولى الجمع بينهما كما في المصدر. (2) كلمة " عدم " من " ش "، ولم ترد في سائر النسخ، ولم يثبتها المامقاني في شرحه غاية الآمال، انظر غاية الآمال: 430. (3) كذا في النسخ، والظاهر: " بيعه "، كما في مصححة " خ ". (4) كذا صحح في " ن "، وفي أكثر النسخ: ولو. (5) عبارة " في امه " من " ش ".

[ 32 ]

وتعارض السبب المملك والمزيل للملك، كما (1) لو قهر حربي أباه (2)، والغنيمة قبل القسمة، بناء على حصول الملك بمجرد الاستيلاء دون القسمة، لاستحالة بقاء الملك بلا مالك. وغير ذلك مما سيقف عليه المتتبع، لكنا نقتصر على ما اقتصر عليه الأصحاب من ذكر الوقف، ثم ام الولد، ثم الرهن، ثم الجناية، إن شاء الله.


(1) في " ف ": فيما. (2) في بعض النسخ: " إياه "، وهو تصحيف.

[ 33 ]

مسألة لا يجوز بيع الوقف إجماعا محققا في الجملة ومحكيا (1). ولعموم قوله عليه السلام: " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها " (2). ورواية أبي علي بن راشد، قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام، قلت: جعلت فداك إني اشتريت أرضا إلى جنب ضيعتي فلما عمرتها خبرت أنها (3) وقف. فقال: لا يجوز شراء الوقف، ولا تدخل الغلة في ملكك، إدفعها إلى من (4) اوقفت عليه. قلت: لا أعرف لها ربا. قال: تصدق بغلتها " (5).


(1) راجع الانتصار: 226، والسرائر 3: 153، والمسالك 5: 399، والمستند 2: 371. (2) الوسائل 13: 295، الباب 2 من أبواب أحكام الوقوف، الحديث 2، بتفاوت يسير. (3) كذا في النسخ، والموجود في الكافي والوسائل: " اشتريت أرضا إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلما وفيت المال خبرت أن الأرض... ". (4) كذا في الكافي والوسائل و " ف " و " ص " ونسخة بدل " ن "، وفي سائر النسخ: ما. (5) الوسائل 13: 303، الباب 6 من أحكام الوقوف والصدقات، الحديث الأول، وانظر الكافي 7: 37.

[ 34 ]

وما ورد من حكاية وقف أمير المؤمنين عليه السلام وغيره من الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، مثل: ما عن ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام - في صورة وقف أمير المؤمنين عليه السلام -: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب وهو حي سوي: تصدق بداره التي في بني زريق، صدقة لا تباع ولا توهب حتى يرثها الله الذي يرث السماوات والأرض، وأسكن فلانا هذه الصدقة ما عاش وعاش عقبه (1)، فإذا انقرضوا فهي لذوي الحاجة من المسلمين... الخبر (2) " (3). فإن الظاهر من الوصف كونها صفة لنوع الصدقة لا لشخصها، ويبعد كونها شرطا خارجا عن (4) النوع مأخوذا في الشخص، مع أن سياق الاشتراط يقتضي تأخره عن ركن العقد، أعني الموقوف عليهم، خصوصا مع كونه اشتراطا عليهم. مع أنه لو جاز البيع في بعض الأحيان كان اشتراط عدمه على الإطلاق فاسدا، بل مفسدا، لمخالفته للمشروع من جواز بيعه في بعض


(1) في الفقيه والتهذيب والوسائل: " وأسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن وعاش عقبهن "، وكلمة " فلانا " إنما وردت في الاستبصار، ولفظه ما يلي: وأنه قد أسكن صدقته هذه فلانا وعقبه، فإذا انقرضوا.... (2) في الفقيه زيادة: " وشهد الله... "، ولعل كلمة: " الخبر " بالنظر إلى تتمة في الحديث على بعض النسخ. (3) الوسائل 13: 304، الباب 6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 4، وانظر الكافي 7: 39، الحديث 40، والفقيه 4: 248، الحديث 5588، والتهذيب 9: 131، الحديث 558، والاستبصار 4: 98، الحديث 380. (4) في " ف ": من.

[ 35 ]

الموارد: كدفع الفساد بين الموقوف عليهم أو رفعه، أو طروء الحاجة، أو صيرورته مما لا ينتفع به أصلا. إلا أن يقال: إن هذا الإطلاق نظير الإطلاق المتقدم في رواية ابن راشد في انصرافه إلى البيع لا لعذر، مع أن هذا التقييد مما لا بد منه على تقدير كون الصفة فصلا للنوع أو شرطا خارجيا. مع احتمال علم الإمام عليه السلام بعدم طروء هذه الامور المبيحة، وحينئذ يصح أن يستغنى بذلك عن التقييد على تقدير كون الصفة شرطا، بخلاف ما لو جعل وصفا داخلا في النوع، فإن العلم بعدم طروء مسوغات البيع في الشخص لا يغني عن تقييد إطلاق الوصف في النوع، كما لا يخفى. فظهر: أن التمسك بإطلاق المنع عن البيع على كون الوصف داخلا في أصل الوقف - كما صدر عن بعض من عاصرناه (1) - لا يخلو عن نظر، وإن كان الإنصاف ما ذكرنا: من ظهور سياق الأوصاف في كونها أوصافا للنوع. ومما ذكرنا ظهر: أن المانع عن بيع الوقف امور ثلاثة: حق الواقف، حيث جعلها بمقتضى صيغة الوقف صدقة جارية ينتفع بها. وحق البطون المتأخرة عن بطن البائع (2).


(1) هو المحقق التستري في مقابس الأنوار: 144. (2) كذا في أكثر النسخ، وفي " ف " و " خ ": " البطن السابق "، والصواب: البطن البائع.

[ 36 ]

والتعبد الشرعي المكشوف عنه بالروايات، فإن الوقف متعلق لحق الله، حيث يعتبر فيه التقرب ويكون لله تعالى عمله وعليه عوضه. وقد يرتفع بعض هذه الموانع فيبقى الباقي، وقد يرتفع كلها، وسيجئ التفصيل. ثم إن جواز البيع لا ينافي بقاء الوقف إلى أن يباع، فالوقف يبطل بنفس البيع لا بجوازه، فمعنى جواز بيع العين الموقوفة: جواز إبطال وقفها إلى بدل أو لا إليه، فإن مدلول صيغة الوقف وإن اخذ فيه الدوام والمنع عن المعاوضة عليه، إلا أنه قد يعرض ما يجوز مخالفة هذا الإنشاء، كما أن مقتضى العقد الجائز كالهبة تمليك المتهب المقتضي لتسلطه المنافي لجواز انتزاعه من يده، ومع ذلك يجوز مخالفته وقطع سلطنته عنه، فتأمل. إلا أنه ذكر بعض في هذا المقام: أن الذي يقوى في النظر بعد إمعانه: أن الوقف ما دام وقفا لا يجوز بيعه، بل لعل جواز بيعه مع كونه وقفا من التضاد. نعم، إذا بطل الوقف اتجه حينئذ جواز بيعه، ثم ذكر بعض مبطلات الوقف المسوغة لبيعه (1). وقد سبقه إلى ذلك بعض الأساطين في شرحه على القواعد، حيث استدل على المنع عن بيع الوقف - بعد النص والإجماع، بل الضرورة -: بأن البيع وأضرابه ينافي حقيقة الوقف، لأخذ الدوام فيه، وأن نفي المعاوضات مأخوذ فيه ابتداء (2).


(1) الجواهر 22: 358. (2) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 85.

[ 37 ]

وفيه: أنه إن اريد من بطلانه انتفاء بعض آثاره - وهو جواز البيع المسبب عن سقوط حق الموقوف عليهم عن شخص العين أو عنها وعن بدلها، حيث قلنا بكون الثمن للبطن الذي يبيع - فهذا لا محصل له، فضلا عن أن يحتاج إلى نظر، فضلا عن إمعانه. وإن اريد به انتفاء أصل الوقف - كما هو ظاهر كلامه - حيث جعل المنع من البيع من مقومات مفهوم الوقف، ففيه - مع كونه خلاف الإجماع، إذ لم يقل أحد ممن أجاز بيع الوقف في بعض الموارد ببطلان الوقف وخروج الموقوف عن ملك الموقوف عليه إلى ملك الواقف -: أن المنع عن البيع ليس مأخوذا في مفهومه، بل هو في غير المساجد وشبهها قسم من التمليك، ولذا يطلق عليه الصدقة (1)، ويجوز إيجابه بلفظ " تصدقت "، إلا أن المالك له بطون متلاحقة، فإذا جاز بيعه مع الإبدال كان البائع وليا عن جميع الملاك في إبدال مالهم بمال آخر، وإذا جاز لا معه كما إذا بيع لضرورة البطن الموجود - على القول بجوازه - فقد جعل الشارع لهم حق إبطال الوقف ببيعه لأنفسهم، فإذا لم يبيعوا لم يبطل، ولذا (2) لو فرض اندفاع الضرورة بعد الحكم بجواز البيع أو لم يتفق البيع، كان الوقف على حاله، ولذا صرح في جامع المقاصد بعدم جواز رهن الوقف وإن بلغ حدا يجوز بيعه، معللا باحتمال طرو اليسار للموقوف عليهم عند إرادة بيعه في دين المرتهن (3).


(1) انظر الوسائل 13: 292، الباب الأول من أبواب أحكام الوقوف. (2) في " خ "، " ع " و " ص " ومصححة " م ": وكذا. (3) جامع المقاصد 5: 51.

[ 38 ]

[ الأقوال في الخروج عن عموم منع بيع الوقف ] (1) إذا عرفت (2) أن مقتضى العمومات (3) في الوقف عدم جواز البيع، فاعلم أن لأصحابنا في الخروج عن عموم المنع في الجملة أقوالا: أحدها: عدم الخروج عنه أصلا، وهو الظاهر من كلام الحلي، حيث قال في السرائر - بعد نقل كلام المفيد قدس سره -: والذي يقتضيه مذهبنا أنه بعد وقفه وتقبيضه (4) لا يجوز الرجوع فيه، ولا تغييره عن وجوهه وسبله، ولا بيعه، سواء كان بيعه أدر (5) عليهم أم لا، وسواء خرب الوقف ولا يوجد من يراعيه بعمارة من سلطان وغيره، أو يحصل بحيث لا يجدي نفعا، أم لا (6). قال الشهيد رحمه الله - بعد نقل أقوال المجوزين -: وابن إدريس سد الباب، وهو نادر مع قوته (7).


(1) العنوان منا. (2) وقع تقديم وتأخير في نسخة " ف " بين " إذا عرفت... " هنا، وقوله: " إذا عرفت " الآتي في الصفحة 53. (3) المتقدمة في الصفحة 33 - 34. (4) كذا في المصدر و " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: قبضه. (5) كذا في المصدر و " ش " ومصححة " ن "، وفي " ص " ونسخة بدل اكثر النسخ: " أعود "، وفي سائر النسخ: أرد. (6) السرائر 3: 153. (7) الدروس 2: 279.

[ 39 ]

وقد ادعى في السرائر عدم الخلاف في المؤبد، قال: إن الخلاف الذي حكيناه بين أصحابنا إنما هو إذا كان الوقف على قوم مخصوصين وليس فيه شرط يقتضي رجوعه إلى غيرهم، وأما إذا كان الوقف على قوم ومن بعدهم على غيرهم وكان الواقف قد اشترط رجوعه إلى غيره إلى أن يرث الله الأرض، لم يجز بيعه على وجه، بغير خلاف بين أصحابنا (1)، انتهى. وفيه نظر يظهر مما سيأتي من ظهور أقوال كثير من المجوزين في المؤبد. وحكي المنع مطلقا عن الإسكافي (2) وفخر الإسلام (3) أيضا إلا في آلات الموقوف (4) وأجزائه التي انحصر طريق الانتفاع بها في البيع. قال الإسكافي - فيما (5) حكى عنه في المختلف -: إن الموقوف (6) رقيقا أو غيره لو بلغ حاله إلى زوال ما سبله من منفعته فلا بأس ببيعه وإبدال مكانه بثمنه إن أمكن، أو صرفه فيما كان يصرف (7) إليه منفعته، أو رد ثمنه على منافع ما بقي من أصل ما حبس معه إذا كان


(1) السرائر 3: 153. (2) حكاه عنه العلامة في المختلف 6: 287. (3) حكاه عنه وعن الإسكافي بهذه العبارة المحقق التستري في مقابس الأنوار: 140. (4) كذا في مصححة " ن "، وفي " ش ": " لموقوف "، وفي سائر النسخ: الوقوف. (5) في " ش " ومصححة " ن ": على ما. (6) في غير " ش " زيادة: " عليه "، وشطب عليها في " خ " و " ص "، واستظهر مصحح " ن " أن تكون تصحيفا عن: " عينه ". (7) في غير " ش ": " ينصرف "، لكن صححت في " ن " و " ص " بما أثبتناه.

[ 40 ]

في ذلك صلاح (1)، انتهى. وقال فخر الدين في الإيضاح في شرح قول والده قدس سرهما: " ولو خلق حصير المسجد، وخرج عن الانتفاع به، أو انكسر الجذع بحيث لا ينتفع به في غير الإحراق، فالأقرب جواز بيعه "، قال - بعد احتمال المنع، بعموم النص في المنع -: والأصح عندي جواز بيعه وصرف ثمنه في المماثل إن أمكن، وإلا ففي غيره (2)، انتهى. ونسبة المنع إليهما على الإطلاق لا بد أن تبنى على خروج مثل هذا عن محل الخلاف، وسيظهر هذا من عبارة الحلبي في الكافي أيضا، فلاحظ (3). الثاني: الخروج عن عموم المنع في المنقطع في الجملة (4) خاصة دون المؤبد، وهو المحكي عن القاضي، حيث قال في محكي المهذب: إذا كان الشئ وقفا على قوم ومن بعدهم على (5) غيرهم وكان الواقف قد


(1) المختلف 6: 316. (2) إيضاح الفوائد 2: 407. (3) قال المامقاني قدس سره: " ظاهر هذا الكلام هو أنه يذكر عبارته فيما يأتي، ولكن لم يذكرها، والظاهر أنه بدا له حيث وصل إلى محل ذكرها " (غاية الآمال: 438)، وقال الشهيدي قدس سره أيضا: " ولم يذكرها المصنف فيما بعد " (هداية الطالب: 348). (4) كذا في النسخ، والأولى تقديم " في الجملة " على " في المنقطع " كما في مصححة " خ ". (5) كذا في المصدر ومصححة " ص "، وفي النسخ: إلى.

[ 41 ]

اشترط رجوعه إلى غير ذلك إلى أن يرث الله تعالى (1) الأرض ومن عليها، لم يجز بيعه على وجه من الوجوه، فإن كان وقفا على قوم مخصوصين وليس فيه شرط يقتضي رجوعه إلى غيرهم حسب ما قدمناه، وحصل الخوف من هلاكه أو فساده، أو كان بأربابه حاجة ضرورية يكون بيعه أصلح لهم من بقائه عليهم، أو يخاف من وقوع خلف بينهم يؤدي إلى فساده، فإنه حينئذ يجوز بيعه وصرف ثمنه في مصالحهم على حسب استحقاقهم، فإن لم يحصل شئ من ذلك لم يجز بيعه على وجه من الوجوه. ولا يجوز هبة الوقف، ولا الصدقة به أيضا (2). وحكي عن المختلف وجماعة (3) نسبة التفصيل إلى الحلبي، لكن العبارة المحكية عن كافيه لا تساعده، بل ربما استظهر (4) منه المنع على الإطلاق، فراجع. وحكي التفصيل المذكور عن الصدوق (5). والمحكي عن الفقيه: أنه قال - بعد رواية علي بن مهزيار الآتية (6) -: إن هذا وقف كان عليهم


(1) في غير " ص "، و " ش " بدل " تعالى ": " ولي "، وصححت في " ن " بما أثبتناه. (2) المهذب 2: 92. (3) حكاه المحقق التستري عنهم في مقابس الأنوار: 142، وانظر المختلف 6: 287، وغاية المراد: 82، والتنقيح الرائع 2: 329، والمهذب البارع 3: 65. (4) استظهره المحقق التستري في مقابس الأنوار: 142، وانظر الكافي في الفقه: 324 - 325. (5) حكاه عنه الفاضل في التنقيح 2: 329، وابن فهد الحلي في المهذب البارع 3: 65، وغيرهما. (6) تأتي في الصفحة 93 و 94.

[ 42 ]

دون من بعدهم، ولو كان عليهم وعلى أولادهم ما تناسلوا ومن بعد (1) على فقراء المسلمين إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، لم يجز بيعه أبدا (2). ثم إن جواز بيع ما عدا الطبقة الأخيرة في المنقطع لا يظهر من كلام الصدوق والقاضي، كما لا يخفى. ثم إن هؤلاء إن كانوا ممن يقول (3) برجوع الوقف المنقطع إلى ورثة الموقوف عليه، فللقول بجواز بيعه وجه. أما إذا كان فيهم (4) من يقول برجوعه بعد انقراض الموقوف عليه إلى الواقف أو ورثته، فلا وجه للحكم بجواز بيعه وصرف الموقوف عليهم ثمنه في مصالحهم. وقد حكي القول بهذين (5) عن القاضي (6). إلا أن يوجه بأنه لا يقول ببقائه على ملك الواقف حين الوقف (7) حتى يكون حبسا، بل هو وقف حقيقي وتمليك للموقوف عليهم مدة وجودهم، وحينئذ فبيعهم له مع تعلق حق الواقف نظير بيع البطن الأول مع تعلق حق سائر البطون في الوقف المؤبد.


(1) في " ف " بدل " ومن بعد ": ثم. (2) الفقيه 4: 241 - 242، ذيل الحديث 5575. (3) في " ف ": يقولون. (4) في " ف ": منهم. (5) يعني بهما الرجوع إلى الواقف وجواز بيع الموقوف عليه (هداية الطالب: 348). (6) حكاه عنه المحقق التستري في مقابس الأنوار: 142، ولم نعثر عليه في المهذب والجواهر. (7) لم ترد " حين الوقف " في " ش ".

[ 43 ]

لكن هذا الوجه لا يدفع الإشكال عن الحلبي، المحكي عنه القول المتقدم (1)، حيث إنه يقول ببقاء (2) الوقف مطلقا على ملك الواقف (3). الثالث: الخروج عن عموم المنع والحكم بالجواز في المؤبد (4) في الجملة، وأما المنقطع فلم ينصوا عليه وإن ظهر من بعضهم التعميم ومن بعضهم التخصيص بناء على قوله برجوع المنقطع إلى ورثة الواقف، كالشيخ (5) وسلار (6) قدس سرهما. ومن حكم برجوعه بعد انقراض الموقوف عليه إلى وجوه البر - كالسيد أبي المكارم ابن زهرة (7) - فلازمه جعله كالمؤبد. وكيف كان، فالمناسب أولا نقل عبائر هؤلاء، فنقول: قال المفيد في المقنعة: الوقوف في الأصل صدقات لا يجوز


(1) تقدم عنه في الصفحة السابقة. (2) كذا في " ف " و " ش "، والعبارة في سائر النسخ هكذا: " حيث إن المحكي عنه بقاء " مع زيادة: إنه يقول - خ ل. (3) في غير " ف " و " ش " زيادة: " وجواز بيع الوقف حينئذ مع عدم مزاحمة حق الموقوف عليه مما لا إشكال فيه "، ولكن شطب عليها في " ن " و " خ "، وكتب عليها في " م " و " ع ": نسخة. (4) راجع المقنعة: 652، والانتصار: 226، والنهاية: 595، والمبسوط 3: 300، والمراسم: 197، والوسيلة: 370، وغيرهم وراجع تفصيله في مفتاح الكرامة 4: 258، ومقابس الأنوار: 142 و 154. (5) قاله الشيخ في النهاية: 599. (6) راجع المراسم: 197، ومقابس الأنوار: 142، أيضا. (7) الغنية: 299.

[ 44 ]

الرجوع فيها، إلا أن يحدث الموقوف عليهم ما يمنع الشرع من معونتهم والتقرب إلى الله بصلتهم، أو يكون تغيير الشرط في الموقوف أدر (1) عليهم وأنفع لهم من تركه على حاله. وإذا أخرج الواقف الوقف عن يده إلى من وقف عليه، لم يجز له الرجوع في شئ منه، ولا تغيير شرائطه، ولا نقله عن وجوهه وسبله. ومتى اشترط الواقف في الوقف: أنه متى احتاج إليه في حياته لفقر كان له بيعه وصرف ثمنه في مصالحه، جاز له فعل ذلك. وليس لأرباب الوقف بعد وفاة الواقف أن يتصرفوا فيه ببيع أو هبة أو يغيروا شيئا من شروطه، إلا أن يخرب الوقف ولا يوجد من يراعيه بعمارة من سلطان أو غيره، أو يحصل بحيث لا يجدي نفعا (2)، فلهم حينئذ بيعه والانتفاع بثمنه. وكذلك إن حصلت لهم (3) ضرورة إلى ثمنه كان لهم حله، ولا يجوز ذلك مع عدم ما ذكرناه من الأسباب والضرورات (4). انتهى كلامه رحمه الله. وقد استفاد من هذا الكلام في غاية المراد جواز (5) بيع الوقف في خمسة مواضع، وضم صورة جواز الرجوع وجواز تغير (6) الشرط إلى المواضع الثلاثة المذكورة بعد وصول الموقوف إلى الموقوف عليهم ووفاة


(1) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي " ص " ونسخة بدل أكثر النسخ: " أعود "، وفي سائر النسخ: أرد. (2) في " ف " زيادة: لهم. (3) في " ص " والمصدر: بهم. (4) المقنعة: 652 - 653. (5) في " ن " و " ش ": تجويز. (6) في مصححة " ن ": تغيير.

[ 45 ]

الواقف (1)، فلاحظ وتأمل. ثم إن العلامة ذكر في التحرير: أن قول المفيد بأنه: " لا يجوز الرجوع في الوقف إلا أن يحدث - إلى قوله: - أنفع لهم من تركه على حاله "، متأول (2). ولعله من شدة مخالفته للقواعد لم يرتض بظاهره للمفيد. وقال في الانتصار - على ما حكي عنه -: ومما انفردت الإمامية به: القول بأن الوقف متى حصل له الخراب بحيث لا يجدي نفعا جاز لمن هو وقف عليه بيعه والانتفاع بثمنه، وأن أرباب الوقف متى دعتهم ضرورة شديدة إلى ثمنه جاز لهم بيعه، ولا يجوز لهم ذلك مع فقد الضرورة. ثم احتج باتفاق الإمامية، ثم ذكر خلاف ابن الجنيد، ورده بكونه مسبوقا وملحوقا بالإجماع، وأنه إنما عول في ذلك على ظنون له وحسبان وأخبار شاذة لا يلتفت إلى مثلها (3). ثم قال: وأما إذا صار الوقف (4) بحيث لا يجدي نفعا، أو دعت أربابه الضرورة إلى ثمنه، لشدة فقرهم، فالأحوط ما ذكرناه: من جواز بيعه، لأنه إنما جعل لمنافعهم، فإذا بطلت منافعهم منه فقد انتقض الغرض منه (5)


(1) غاية المراد: 82. (2) التحرير 1: 284. (3) في النسخ زيادة: " انتهى "، والظاهر أن موضعها بعد قوله: " مع فقد الضرورة " المتقدم آنفا. (4) كلمة " الوقف " من " ش " والمصدر ومصححة " ن ". (5) كذا في مصححة " ن "، وفي المصدر: " فيه "، وفي النسخ: " عنه ".

[ 46 ]

ولم يبق منفعة فيه (1) إلا من الوجه الذي ذكرناه (2)، انتهى. وقال في المبسوط: وإنما يملك الموقوف عليه بيعه على وجه عندنا، وهو أنه (3) إذا خيف على الوقف الخراب، أو كان بأربابه حاجة شديدة ولا يقدرون على القيام به، فحينئذ يجوز لهم بيعه، ومع عدم ذلك لا يجوز بيعه (4)، انتهى. ثم احتج على ذلك بالأخبار (5). وقال سلار - فيما حكي عنه -: ولا يخلو الحال في الوقف والموقوف عليهم: من أن يبقى ويبقوا على الحال التي وقف فيها، أو يتغير الحال، فإن لم يتغير الحال فلا يجوز بيع الموقوف عليهم الوقف ولا هبته ولا تغيير شئ من أحواله، وإن تغير الحال في الوقف حتى لا ينتفع به على أي وجه كان، أو لحق الموقوف عليهم حاجة شديدة جاز بيعه وصرف ثمنه فيما هو أنفع لهم (6)، انتهى. وقال في الغنية - على ما حكي عنه -: ويجوز عندنا بيع الوقف


(1) في " ف " بدل " منفعة فيه ": " منفعته ". (2) الانتصار: 226 و 227. (3) لم ترد " أنه " في المصدر، والظاهر أنها زائدة. (4) المبسوط 3: 287. (5) لم نعثر في المبسوط على الاحتجاج بالأخبار، والظاهر أنه سهو من قلمه الشريف، ومنشأ السهو قول صاحب الجواهر - بعد نقل العبارة المتقدمة من المبسوط، ونقل عبارة الخلاف -: " واحتج على ذلك بالأخبار "، أي احتج الشيخ في الخلاف على ذلك بالأخبار. انظر الجواهر 22: 362، والخلاف 3: 551، المسألة 22 من كتاب الوقف. (6) المراسم: 197.

[ 47 ]

للموقوف عليه (1) إذا صار بحيث لا يجدي نفعا وخيف خرابه، أو كانت بأربابه حاجة شديدة دعتهم الضرورة إلى بيعه، بدليل إجماع الطائفة، ولأن غرض الواقف انتفاع الموقوف عليه، فإذا لم يبق له منفعة إلا على الوجه الذي ذكرنا جاز (2)، انتهى. وقال في الوسيلة: ولا يجوز بيعه - يعني الوقف - إلا بأحد شرطين: الخوف من خرابه، أو حاجة بالموقوف عليه شديدة لا يمكنه معها القيام به (3)، انتهى. وقال الراوندي في فقه القرآن - على ما حكي عنه -: وإنما يملك بيعه على وجه عندنا، وهو إذا خيف على الوقف الخراب، أو كان بأربابه حاجة شديدة (4)، انتهى (5). وقال في الجامع - على ما حكي عنه -: فإن خيف خرابه، أو كان بهم حاجة شديدة، أو خيف وقوع فتنة بينهم تستباح بها الأنفس، جاز بيعه (6)، انتهى. وعن النزهة: لا يجوز بيع الوقف إلا أن يخاف هلاكه، أو يؤدي المنازعة فيه بين أربابه إلى ضرر عظيم، أو يكون فيهم حاجة عظيمة


(1) في " ف ": عليهم. (2) الغنية: 298. (3) الوسيلة: 370. (4) فقه القرآن 2: 293. (5) كلمة " انتهى " من " ف ". (6) الجامع للشرائع: 372.

[ 48 ]

شديدة ويكون بيع الوقف أصلح لهم (1)، انتهى. وقال في الشرائع: ولا يصح بيع الوقف ما لم يؤد بقاؤه إلى خرابه لخلف بين أربابه ويكون البيع أعود. وقال في كتاب الوقف: ولو وقع بين الموقوف عليهم (2) خلف بحيث يخشى خرابه جاز بيعه، ولو لم يقع خلف ولا خشي خرابه، بل كان البيع أنفع لهم، قيل: يجوز بيعه، والوجه المنع (3)، انتهى. ومثل عبارة الشرائع في كتابي البيع والوقف عبارة القواعد في الكتابين (4). وقال في التحرير: لا يجوز بيع الوقف بحال، ولو انهدمت الدار لم تخرج العرصة عن الوقف، ولم يجز بيعها. ولو وقع خلف بين أرباب الوقف بحيث يخشى خرابه جاز بيعه على ما رواه أصحابنا. ثم ذكر كلام ابن إدريس وفتواه على المنع مطلقا وتنزيله قول بعض الأصحاب بالجواز على المنقطع، ونفيه الخلاف على المنع في المؤبد. ثم قال: ولو قيل بجواز البيع إذا ذهبت منافعه بالكلية - كدار انهدمت وعادت مواتا ولم يتمكن من عمارتها - ويشترى بثمنه ما يكون وقفا، كان وجها (5)، انتهى. وقال في بيع التحرير: ولا يجوز بيع الوقف ما دام عامرا، ولو أدى بقاؤه إلى خرابه جاز، وكذا يباع لو خشي وقوع فتنة بين أربابه


(1) نزهة الناظر: 74. (2) كذا في المصدر ومصححة " ص "، وفي سائر النسخ: الموقوف عليه. (3) الشرائع 2: 17 و 220. (4) القواعد 1: 126 و 269. (5) التحرير 1: 290، وانظر السرائر 3: 153.

[ 49 ]

مع بقائه على الوقف (1)، انتهى. وعن بيع (2) الإرشاد: لا يصح بيع الوقف إلا أن يخرب، أو يؤدي إلى الخلف بين أربابه على رأي (3). وعنه في باب الوقف: لا يصح بيع الوقف، إلا أن يقع بين الموقوف عليهم (4) خلف يخشى (5) به الخراب (6). وقال في التذكرة في كتاب الوقف - على ما حكي عنه -: والوجه أن يقال: يجوز بيع الوقف مع خرابه وعدم التمكن من عمارته، أو خوف فتنة بين أربابه يحصل باعتبارها فساد (7)، انتهى. وقال في كتاب البيع: لا يصح بيع الوقف، لنقص (8) الملك فيه، إذ القصد منه التأبيد. نعم، لو كان بيعه أعود عليهم، لوقوع خلف بين أربابه وخشي تلفه أو ظهور فتنة بسببه جوز أكثر علمائنا بيعه (9)، انتهى. وقال في غاية المراد: يجوز بيعه في موضعين: خوف الفساد


(1) التحرير 1: 165، وفيه: مع بقائه على خلاف. (2) وردت العبارة في " ف " مختصرة هكذا: وعن الإرشاد: لا يصح بيع الوقف إلا أن يقع بين الموقوف عليهم خلف يخشى به الخراب. (3) الإرشاد 1: 361. (4) كذا في " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: الموقوف عليه. (5) في غير " ف " و " ص ": ويخشى. (6) الإرشاد 1: 455، وفيه: لا يجوز بيع الوقف... (7) التذكرة 2: 444. (8) في " ف " و " خ " وهامش " ع ": لتبعض. (9) التذكرة 1: 465.

[ 50 ]

بالاختلاف، وإذا كان البيع أعود مع الحاجة (1). وقال في الدروس: لا يجوز بيع الوقف إلا إذا خيف من خرابه أو خلف أربابه المؤدي إلى فساده (2). وقال في اللمعة: لو أدى بقاؤه إلى خرابه لخلف أربابه، فالمشهور الجواز (3)، انتهى. وقال في تلخيص الخلاف - على ما حكي عنه -: إن لأصحابنا في بيع الوقف أقوالا متعددة، أشهرها: جوازه إذا وقع بين أربابه خلف وفتنة وخشي خرابه ولا يمكن سد الفتنة بدون بيعه، وهو قول الشيخين، واختاره نجم الدين والعلامة (4)، انتهى. وقال في التنقيح - على ما حكي عنه -: إذا آل إلى الخراب لأجل الاختلاف بحيث لا ينتفع به أصلا، جاز بيعه (5). وعن تعليق الإرشاد: يجوز بيعه إذا كان فساد يستباح فيه الأنفس (6). وعن إيضاح النافع: أنه جوز بيعه إذا اختلف أربابه اختلافا


(1) لم نعثر على العبارة في غاية المراد، ولعل المؤلف قدس سره أخذها من الجواهر 22: 364، راجع غاية المراد: 82 - 84 و 146. (2) الدروس 2: 279. (3) اللمعة الدمشقية: 112. (4) تلخيص الخلاف 2: 221. (5) التنقيح الرائع 2: 330. (6) حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 256، وراجع الحاشية على الإرشاد (مخطوط): 220.

[ 51 ]

يخاف معه (1) القتال ونهب الأموال ولم يندفع إلا بالبيع. قال: فلو أمكن زواله ولو بحاكم الجور لم يجز، ولا اعتبار بخشية الخراب وعدمه (2)، انتهى. ومثله كلامه (3) المحكي عن تعليقه على الشرائع (4). وقال في جامع المقاصد - بعد نسبة ما في عبارة القواعد إلى موافقة الأكثر -: إن المعتمد جواز بيعه في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا خرب واضمحل بحيث لا ينتفع به، كحصر (5) المسجد إذا اندرست وجذوعه إذا انكسرت (6). ثانيها: إذا حصل خلف بين أربابه يخاف منه تلف الأموال، ومستنده صحيحة علي بن مهزيار (7). ويشترى بثمنه في الموضعين ما يكون وقفا على وجه يندفع به الخلف، تحصيلا لمطلوب الواقف بحسب الإمكان. ويتولى ذلك الناظر الخاص إن كان، وإلا فالحاكم. ثالثها: إذا لحق بالموقوف عليه (8) حاجة شديدة ولم يكن ما يكفيهم


(1) في " ف ": منه. (2) إيضاح النافع (مخطوط)، ولا يوجد لدينا، نعم حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 256. (3) في غير " ف " ومصححة " ن ": الكلام. (4) حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 256. (5) في غير " ش ": كحصير. (6) في غير " ش ": جذعه إذا انكسر. (7) الوسائل 13: 305، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف، الحديث 6. (8) كذا في النسخ، وفي المصدر: إذا لحق الموقوف عليهم.

[ 52 ]

من غلة وغيرها، لرواية جعفر بن حنان (1) عن الصادق عليه السلام (2). انتهى كلامه، رفع مقامه. وقال في الروضة: والأقوى في المسألة ما دل عليه صحيحة علي ابن مهزيار عن أبي جعفر الجواد عليه السلام: من جواز بيعه إذا وقع بين أربابه خلف شديد، وعلله عليه السلام بأنه: " ربما جاء فيه تلف الأموال والنفوس " (3)، وظاهره (4) أن خوف أدائه إليهما وإلى أحدهما ليس بشرط، بل هو مظنة لذلك. قال: ولا يجوز بيعه في غير ما ذكرناه وإن احتاج إليه أرباب الوقف ولم يكفهم غلته، أو كان أعود، أو غير ذلك مما قيل، لعدم دليل صالح عليه (5)، انتهى. ونحوه ما عن الكفاية (6). هذه جملة من كلماتهم المرئية أو المحكية. والظاهر أن المراد بتأدية بقاء الوقف إلى خرابه: حصول الظن بذلك، الموجب لصدق الخوف، لا التأدية على وجه القطع، فيكون عنوان " التأدية " في بعض تلك العبارات متحدا مع عنوان " خوفها " و " خشيتها " في بعضها الآخر، ولذلك عبر فقيه واحد تارة بهذا، واخرى بذاك كما اتفق للفاضلين (7)


(1) في " ص " والكافي: " حيان "، انظر الكافي 7: 35، الحديث 29. (2) جامع المقاصد 4: 97 - 98، والرواية وردت في الوسائل 13: 306، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف، الحديث 8. (3) الوسائل 13: 305، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف، الحديث 6. (4) كذا في المصدر ومصححة " ن "، وفي النسخ: وظاهر. (5) الروضة البهية 3: 255. (6) الكفاية: 142. (7) راجع الشرائع 1: 17 و 220، والقواعد 1: 126 و 269، وتقدمت العبارة عنهما في الصفحة 48.

[ 53 ]

والشهيد (1). ونسب بعضهم عنوان الخوف إلى الأكثر كالعلامة في التذكرة (2)، وإلى الأشهر كما عن إيضاح النافع (3)، وآخر عنوان التأدية إلى الأكثر كجامع المقاصد (4)، أو إلى المشهور كاللمعة (5). فظهر من ذلك: أن جواز البيع بظن تأدية بقائه إلى خرابه مما تحققت فيه الشهرة بين المجوزين، لكن المتيقن من فتوى المشهور: ما كان من أجل اختلاف أربابه. اللهم إلا أن يستظهر من كلماتهم - كالنص - كون الاختلاف من باب المقدمة وأن الغاية المجوزة هي مظنة الخراب. إذا (6) عرفت ما ذكرنا، فيقع الكلام تارة في الوقف المؤبد، واخرى في المنقطع. [ الوقف المؤبد ] (7) أما الأول: فالذي ينبغي أن يقال فيه: إن الوقف على قسمين: أحدهما: ما يكون ملكا للموقوف عليهم، فيملكون منفعته، فلهم


(1) راجع الدروس 2: 279، واللمعة الدمشقية: 112، وتقدمت في الصفحة 50. (2) راجع التذكرة 1: 465. (3) إيضاح النافع (مخطوط)، ولا يوجد لدينا، ولم نعثر على الحاكي أيضا. (4) جامع المقاصد 4: 97. (5) اللمعة الدمشقية: 112. (6) من هنا إلى قوله: " وقواه بعض " الآتي في الصفحة 60 ورد في " ف " بعد قوله: دين المرتهن " المتقدم في الصفحة 37. (7) العنوان منا.

[ 54 ]

استئجاره وأخذ اجرته ممن انتفع به بغير حق. والثاني: ما لا يكون ملكا لأحد، بل يكون فك ملك نظير التحرير، كما في المساجد والمدارس والربط، بناء على القول بعدم دخولها في ملك المسلمين كما هو مذهب جماعة (1)، فإن الموقوف عليهم إنما يملكون الانتفاع دون المنفعة، فلو سكنه أحد بغير حق فالظاهر أنه ليس عليه اجرة المثل. والظاهر أن محل الكلام في بيع الوقف إنما هو القسم الأول، وأما الثاني فالظاهر عدم الخلاف في عدم جواز بيعه، لعدم الملك (2). وبالجملة، فكلامهم هنا فيما كان ملكا غير طلق، لا فيما لم يكن ملكا، وحينئذ فلو خرب المسجد وخربت القرية وانقطعت المارة عن الطريق الذي فيه المسجد، لم يجز بيعه وصرف ثمنه في إحداث مسجد آخر أو تعميره، والظاهر عدم الخلاف في ذلك كما اعترف به غير واحد (3). نعم، ذكر بعض الأساطين - بعد ما ذكر: أنه لا يصح بيع الوقف العام مطلقا، لا (4) لعدم تمامية الملك، بل لعدم أصل الملك، لرجوعها إلى الله ودخولها في مشاعره -:


(1) منهم العلامة في القواعد 1: 269، والشهيد في الدروس 2: 277، والفاضل المقداد في التنقيح 2: 311، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 9: 62، والشهيد الثاني في المسالك 5: 377، والسيد الطباطبائي في الرياض (الحجرية) 2: 28. (2) في " ف ": الملكية. (3) اعترف به السيد العاملي في مفتاح الكرامة 9: 100، والسيد المجاهد في المناهل: 508، وصاحب الجواهر في الجواهر 28: 107. (4) عبارة " مطلقا لا " من " ش "، واستدركت " لا " في مصححة " ن ".

[ 55 ]

أنه مع اليأس عن الانتفاع به في الجهة المقصودة تؤجر للزراعة ونحوها، مع المحافظة على الآداب اللازمة لها إن كان مسجدا - مثلا - وإحكام السجلات، لئلا يغلب اليد فيقضى بالملك، وتصرف فائدتها فيما يماثلها من الأوقاف مقدما للأقرب والأحوج والأفضل احتياطا، ومع التعارض فالمدار على الراجح، وإن تعذر صرف إلى غير المماثل كذلك، فإن تعذر صرف في مصالح المسلمين. وأما غير الأرض من الآلات والفرش والحيوانات وثياب الضرائح ونحوها، فإن بقيت على حالها وأمكن الانتفاع بها في خصوص المحل الذي اعدت له، كانت على حالها، وإلا جعلت في المماثل، وإلا في غيره، وإلا ففي المصالح، على نحو ما مر، وإن تعذر الانتفاع بها باقية على حالها بالوجه المقصود منها أو ما قام مقامه، أشبهت الملك بعد إعراض المالك، فيقوم فيها احتمال الرجوع إلى حكم الإباحة، والعود ملكا للمسلمين لتصرف في مصالحهم، والعود إلى المالك، ومع اليأس عن معرفته تدخل في مجهول المالك، ويحتمل بقاؤه على الوقف ويباع، احترازا عن التلف والضرر ولزوم الحرج، وتصرف مرتبا على النحو السابق. وهذا هو الأقوى كما صرح به بعضهم (1)، انتهى. وفيه: أن إجارة الأرض وبيع الآلات حسن لو ثبت دليل على كونها (2) ملكا (3) للمسلمين ولو على نحو الأرض المفتوحة عنوة، لكنه


(1) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 84 - 85. (2) في غير " ف ": كونه. (3) لم ترد " ملكا " في " ف ".

[ 56 ]

غير ثابت، والمتيقن خروجه عن ملك مالكه، أما (1) دخوله في ملك المسلمين فمنفي بالأصل. نعم، يمكن الحكم بإباحة الانتفاع للمسلمين، لأصالة الإباحة، ولا يتعلق عليهم اجرة. ثم إنه ربما ينافي ما ذكرنا من عدم جواز بيع القسم الثاني من الوقف ما ورد في بيع ثوب الكعبة وهبته، مثل رواية مروان بن عبد الملك (2): " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل اشترى من كسوة الكعبة ما قضى ببعضه حاجته وبقي بعضه في يده، هل يصلح له أن يبيع ما أراد؟ قال: يبيع ما أراد، ويهب ما لم يرد، وينتفع به ويطلب بركته. قلت: أيكفن به الميت؟ قال: لا " (3). قيل: وفي رواية اخرى: " يجوز استعماله، وبيع نفسه (4) " (5) وكذلك ما ذكروه في بعض حصر (6) المسجد إذا خلقت، وجذوعه إذا خرجت عن الانتفاع، اللهم إلا أن يقال: إن ثوب الكعبة وحصير المسجد ليسا


(1) في " ش ": وأما. (2) في الكافي والتهذيب: " مروان عن عبد الملك "، انظر الكافي 3: 148، الحديث 5، والتهذيب 1: 434، الحديث 1391. (3) الوسائل 2: 752، الباب 22 من أبواب التكفين، الحديث الأول. (4) في " ص " والمصدر: " بقيته "، وفي " خ ": بعضه. (5) قاله الشيخ الكليني قدس سره على ما في الوسائل 9: 359، الباب 26 من أبواب مقدمات الطواف، ذيل الحديث الأول، ولم نقف عليه في الكافي المطبوع. (6) في غير " ش ": حصير.

[ 57 ]

من قبيل المسجد، بل هما مبذولان للبيت والمسجد، فيكون (1) كسائر أموالهما، ومعلوم أن وقفية أموال المساجد والكعبة من قبيل القسم الأول وليس (2) من قبيل نفس المسجد، فهي ملك للمسلمين، فللناظر العام التصرف فيها (3) بالبيع. نعم، فرق بين ما يكون ملكا طلقا كالحصير المشترى من مال المسجد، فهذا يجوز للناظر بيعه مع المصلحة ولو لم يخرج عن حيز الانتفاع، بل كان جديدا غير مستعمل، وبين ما يكون من الأموال وقفا على المسجد كالحصير الذي يشتريه الرجل ويضعه في المسجد، والثوب الذي يلبس البيت، فمثل هذا يكون ملكا للمسلمين لا يجوز لهم تغييره عن وضعه إلا في مواضع يسوغ فيها بيع الوقف. ثم الفرق بين ثوب الكعبة وحصير المسجد: أن الحصير يتصور فيه كونه وقفا على المسلمين، لكن (4) يضعه في المسجد، لأنه أحد وجوه انتفاعهم، كالماء المسبل الموضوع في المسجد، فإذا خرب المسجد أو استغني عنه جاز الانتفاع به ولو في مسجد آخر، بل يمكن الانتفاع به في غيره ولو مع حاجته. لكن يبقى الكلام في مورد الشك، مثل ما إذا فرش حصيرا في المسجد أو وضع حب ماء فيه، وإن كان الظاهر في الأول الاختصاص - وأوضح من ذلك الترب الموضوعة فيه - وفي الثاني العموم، فيجوز


(1) كذا، والمناسب: فيكونان. (2) كذا، والمناسب: ليست. (3) في غير " ف ": فيه. (4) في " ش ": ولكن.

[ 58 ]

التوضؤ منه وإن لم يرد الصلاة في المسجد. والحاصل: أن الحصير (1) وشبهها - الموضوعة في المساجد وشبهها - يتصور فيها (2) أقسام كثيرة يكون الملك فيها للمسلمين، وليست من قبيل نفس المسجد وأضرابه، فتعرض الأصحاب لبيعها لا ينافي ما ذكرنا. نعم، ما ذكرنا لا يجري في الجذع المنكسر من جذوع المسجد التي هي من أجزاء البنيان، مع أن المحكي عن العلامة (3) وولده (4) والشهيدين (5) والمحقق الثاني (6) جواز بيعه وإن اختلفوا في تقييد الحكم وإطلاقه كما سيجئ (7)، إلا أن (8) نلتزم (9) بالفرق بين أرض المسجد، فإن وقفها وجعلها مسجدا فك ملك، بخلاف ما عداها من أجزاء البنيان كالأخشاب والأحجار، فإنها تصير ملكا للمسلمين، فتأمل. وكيف كان، فالحكم في أرض المسجد مع خروجها عن الانتفاع بها رأسا هو إبقاؤها مع التصرف في منافعها - كما تقدم عن بعض


(1) كذا، والظاهر: " الحصر " بصيغة الجمع. (2) في غير " ف ": فيه. (3) القواعد 1: 272. (4) الإيضاح 2: 407. (5) الدروس 2: 280، والروضة البهية 3: 254، والمسالك 3: 170. (6) جامع المقاصد 4: 97 و 9: 116، وحكى ذلك عنهم المحقق التستري في مقابس الأنوار: 156. (7) يجئ في الصفحة الآتية. (8) في غير " ف " و " ش ": أنه. (9) في " ف " و " ص ": يلتزم.

[ 59 ]

الأساطين (1) - أو بدونه. وأما أجزاؤه - كجذوع سقفه وآجره من حائطه المنهدم - فمع المصلحة في صرف عينه (2) فيه تعين (3)، لأن مقتضى وجوب إبقاء الوقوف وأجزائها (4) على حسب ما يوقفها أهلها وجوب إبقائه جزءا للمسجد، لكن لا يجب صرف المال من المكلف لمؤونته، بل يصرف من مال المسجد أو بيت المال. وإن لم يكن مصلحة في رده جزءا للمسجد، فبناء (5) على ما تقدم من أن الوقف في المسجد وأضرابه فك ملك، لم يجز بيعه، لفرض عدم الملك. وحينئذ فإن قلنا بوجوب مراعاة الأقرب إلى مقصود الواقف فالأقرب، تعين (6) صرفه في مصالح ذلك، كإحراقه لآجر المسجد ونحو ذلك - كما عن الروضة (7) - وإلا صرف في مسجد آخر - كما في الدروس (8) - وإلا صرف في سائر مصالح المسلمين.


(1) تقدم في الصفحة 54 - 55. (2) كذا في النسخ، والمناسب تأنيث الضمير، وهكذا حال الضمائر الآتية الراجعة إلى كلمة " أجزاؤه ". (3) العبارة في غير " ف " هكذا: فمع المصلحة في صرف عينه يجب صرف عينه فيه. (4) في " ش ": وإجرائها. (5) في غير " ش ": بناء. (6) في غير " ش ": " فتعين "، لكن صحح في " ن " بما أثبتناه، وفي " ص " ب‍ " يتعين ". (7) الروضة البهية 3: 254. (8) الدروس 2: 280، وحكاه عنه وعن الروضة المحقق التستري في مقابس الأنوار: 156.

[ 60 ]

قيل: بل لكل أحد حيازته وتملكه (1)، وفيه نظر. وقد الحق (2) بالمساجد المشاهد والمقابر والخانات والمدارس والقناطر الموقوفة على الطريقة المعروفة، والكتب الموقوفة على المشتغلين، والعبد المحبوس في خدمة الكعبة ونحوها، والأشجار الموقوفة لانتفاع المارة، والبواري الموضوعة لصلاة المصلين، وغير ذلك مما قصد بوقفه الانتفاع العام لجميع الناس أو للمسلمين ونحوهم من غير المحصورين، لا لتحصيل المنافع بالإجارة ونحوها وصرفها في مصارفها كما في الحمامات والدكاكين ونحوها (3)، لأن جميع ذلك صار بالوقف كالمباحات بالأصل، اللازم إبقاؤها على الإباحة كالطرق العامة والأسواق. وهذا كله حسن على تقدير كون الوقف فيها فك ملك، لا تمليكا. ولو أتلف شيئا من هذه الموقوفات أو أجزائها متلف، ففي الضمان وجهان: من عموم " على اليد " فيجب صرف قيمته في بدله. ومن أن ما يطلب بقيمته يطلب بمنافعه، والمفروض عدم المطالبة باجرة منافع هذه لو استوفاها ظالم كما لو جعل المدرسة بيت المسكن أو محرزا، وأن الظاهر من التأدية في حديث " اليد " الإيصال إلى المالك فيختص بأملاك الناس، والأول أحوط، وقواه بعض (4).


(1) قاله المحقق التستري في مقابس الأنوار: 156. (2) ألحقها المحقق التستري في مقابس الأنوار: 156. (3) في " ف ": ونحو ذلك. (4) وهو المحقق التستري في مقابس الأنوار: 156، وفيه: وهذا هو الأصح.

[ 61 ]

[ صور جواز بيع الوقف ] (1) إذا عرفت جميع ما ذكرنا، فاعلم أن الكلام في جواز بيع الوقف يقع في صور: الاولى: أن يخرب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالحيوان المذبوح والجذع البالي والحصير الخلق. والأقوى جواز بيعه، وفاقا لمن عرفت ممن تقدم نقل كلماتهم، لعدم جريان أدلة المنع. أما الإجماع، فواضح. وأما قوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقف " (2) فلانصرافه إلى غير هذه الحالة. وأما قوله عليه السلام: " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها " (3) فلا يدل على المنع هنا، لأنه مسوق لبيان وجوب مراعاة الكيفية المرسومة في إنشاء الوقف، وليس منها عدم بيعه، بل عدم جواز البيع من أحكام الوقف وإن ذكر في متن العقد، للاتفاق على أنه لا فرق بين ذكره فيه وتركه، وقد تقدم ذلك (4) وتضعيف (5) قول من قال ببطلان العقد إذا


(1) العنوان منا. (2) الوسائل 13: 303، الباب 6 من أبواب الوقوف، الحديث الأول. (3) الوسائل 13: 295، الباب 2 من أبواب الوقوف، الحديث 1 و 2. (4) يعني كون عدم جواز البيع من أحكام الوقف، وتقدم في الصفحة 29 و 30. (5) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي مصححة " خ ": " ضعف "، وفي سائر النسخ: يضعف.

[ 62 ]

حكم بجواز بيعه. ولو سلم أن المأخوذ في الوقف إبقاء العين، فإنما هو مأخوذ فيه من حيث كون المقصود انتفاع البطون به مع بقاء العين، والمفروض تعذره هنا. والحاصل: أن جواز بيعه هنا غير مناف لما قصده الواقف في وقفه، فهو ملك للبطون يجوز لهم البيع إذا اجتمع إذن البطن الموجود مع أولياء سائر البطون، وهو الحاكم أو المتولي. والحاصل: أن الأمر دائر بين تعطيله (1) حتى يتلف بنفسه، وبين انتفاع البطن الموجود به بالإتلاف، وبين تبديله بما يبقى وينتفع به الكل. والأول تضييع مناف لحق الله وحق الواقف وحق الموقوف عليه، وبه يندفع استصحاب المنع، مضافا إلى كون المنع السابق في ضمن وجوب العمل بمقتضى الوقف، وهو انتفاع جميع البطون بعينه، وقد ارتفع قطعا، فلا يبقى ما كان في ضمنه. وأما الثاني - فمع منافاته لحق (2) سائر البطون - يستلزم جواز بيع البطن الأول، إذ لا فرق بين إتلافه ونقله. والثالث هو المطلوب. نعم، يمكن أن يقال: إذا كان الوقف مما لا يبقى بحسب استعداده العادي إلى آخر البطون، فلا وجه لمراعاتهم بتبديله بما يبقى لهم، فينتهي


(1) في " ف ": تعطله. (2) في " ف " ونسخة بدل " ن ": لتعلق حق.

[ 63 ]

ملكه إلى من أدرك آخر أزمنة بقائه، فتأمل. وكيف كان، فمع فرض ثبوت الحق للبطون اللاحقة، فلا وجه (1) لترخيص البطن الموجود في إتلافه. ومما ذكرنا يظهر: أن الثمن على تقدير البيع لا يخص به البطن الموجود، وفاقا لمن تقدم ممن يظهر منه ذلك - كالإسكافي (2) والعلامة (3) وولده (4) والشهيدين (5) والمحقق الثاني (6)، وحكي عن التنقيح (7) والمقتصر (8) ومجمع الفائدة (9) - لاقتضاء البدلية ذلك، فإن المبيع إذا كان ملكا للموجودين بالفعل وللمعدومين بالقوة كان الثمن كذلك، فإن الملكية اعتبار عرفي أو شرعي يلاحظها المعتبر عند تحقق أسبابها، فكما أن الموجود مالك له فعلا ما دام موجودا بتمليك الواقف، فكذلك المعدوم مالك له شأنا بمقتضى تمليك الواقف. وعدم تعقل الملك للمعدوم إنما هو في الملك الفعلي، لا الشأني.


(1) في مصححة " ن ": لا وجه. (2) راجع الصفحة 39. (3) راجع كلام العلامة في الصفحة 48. (4) راجع الصفحة 40. (5) راجع كلامهما في الصفحة 49، 50 و 52. (6) راجع الصفحة 51. (7) التنقيح الرائع 2: 330. (8) المقتصر: 212. (9) مجمع الفائدة 8: 169، وراجع مفتاح الكرامة 4: 259 و 9: 88 - 89، ومقابس الأنوار: 158.

[ 64 ]

ودعوى: أن الملك الشأني ليس شيئا محققا موجودا، يكذبها إنشاء الواقف له كإنشائه لملك الموجود. فلو جاز أن تخرج العين الموقوفة إلى ملك الغير بعوض لا يدخل في ملك المعدوم على نهج دخول المعوض، جاز أن تخرج بعوض لا يدخل في ملك الموجود. وإليه أشار الشهيد قدس سره في الفرع الآتي، حيث قال: إنه - يعني الثمن - صار مملوكا على حد الملك الأول، إذ يستحيل أن يملك لا على حده (1). خلافا لظاهر بعض العبائر المتقدمة (2)، واختاره المحقق في الشرائع في دية العبد الموقوف المقتول (3). ولعل وجهه: أن الوقف ملك للبطن الموجود، غاية الأمر تعلق حق البطون اللاحقة به، فإذا فرض جواز بيعه انتقل الثمن إلى من هو مالك له فعلا، ولا يلزم من تعلق الحق بعين المبيع تعلقه بالثمن، ولا دليل عليه. ومجرد البدلية لا يوجب ترتب جميع اللوازم، إذ لا عموم لفظي يقتضي البدلية والتنزيل، بل هو بدل له في الملكية وما يتبعها من حيث هو ملك. وفيه: أن ما ينقل (4) إلى المشتري إن كان هو الاختصاص الموقت الثابت للبطن الموجود، لزم منه رجوع المبيع بعد انعدام البطن السابق (5)


(1) غاية المراد: 143، ويأتي في الصفحة 66. (2) يعني به عبارة المفيد والسيد المتقدمتين في الصفحة 43 - 45. (3) الشرائع 2: 219. (4) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: أن النقل. (5) في " ف ": البطن البائع.

[ 65 ]

إلى البطن اللاحق، فلا يملكه المشتري ملكا مستمرا. وإن كان هو مطلق الاختصاص المستقر الذي لا يزول إلا بالناقل، فهو لا يكون إلا بثبوت (1) جميع الاختصاصات الحاصلة للبطون له، فالثمن لهم على نحو المثمن. ومما ذكرنا تعرف أن اشتراك البطون في الثمن أولى من اشتراكهم في دية العبد المقتول، حيث إنه بدل شرعي يكون الحكم به متأخرا عن تلف الوقف، فجاز عقلا منع سراية حق البطون اللاحقة إليه، بخلاف الثمن، فإنه يملكه من يملكه بنفس خروج الوقف عن ملكهم على وجه المعاوضة (2) الحقيقية، فلا يعقل اختصاص العوض بمن لم يختص بالمعوض. ومن هنا اتضح أيضا أن هذا أولى بالحكم من بدل الرهن الذي حكموا بكونه رهنا، لأن حق الرهنية متعلق بالعين من حيث إنه ملك لمالكه الأول، فجاز أن يرتفع، لا (3) إلى بدل بارتفاع ملكية المالك الأول، بخلاف الاختصاص الثابت للبطن المعدوم، فإنه ليس قائما بالعين من حيث إنه ملك البطن الموجود، بل اختصاص موقت نظير اختصاص البطن الموجود، منشأ بإنشائه، مقارن له بحسب الجعل، متأخر عنه في الوجود.


(1) في غير " ش " ومصححة " ن ": ثبوت. (2) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: " المعاوضية "، لكن صححت في أكثرها بما أثبتناه. (3) كلمة " لا " ساقطة من " ش ".

[ 66 ]

وقد تبين مما ذكرنا: أن الثمن حكمه حكم الوقف في كونه ملكا لجميع البطون على ترتيبهم، فإن كان مما يمكن أن يبقى وينتفع به البطون على نحو المبدل وكانت مصلحة البطون في بقائه ابقي، وإلا ابدل مكانه ما هو أصلح. ومن هنا ظهر عدم الحاجة إلى صيغة الوقف في البدل، بل نفس البدلية تقتضي (1) كونه كالمبدل، ولذا علله الشهيد قدس سره في غاية المراد بقوله: لأنه صار مملوكا على حد الملك الأول، إذ يستحيل أن يملك لا على حده (2). ثم إن هذه (3) العين حيث صارت ملكا للبطون، فلهم أو لوليهم أن ينظر فيه ويتصرف فيه بحسب مصلحة جميع البطون ولو بالإبدال بعين اخرى أصلح لهم، بل قد يجب إذا كان تركه يعد تضييعا للحقوق (4). وليس مثل الأصل ممنوعا عن بيعه إلا لعذر، لأن ذلك كان حكما من أحكام الوقف الابتدائي، وبدل الوقف إنما هو بدل له في كونه ملكا للبطون، فلا يترتب عليه جميع أحكام الوقف الابتدائي. ومما ذكرنا أيضا يظهر عدم وجوب شراء المماثل للوقف - كما هو


(1) في النسخ: " يقضي "، والمناسب ما أثبتناه كما في مصححة " ص ". (2) غاية المراد: 143. (3) في غير " ص ": هذا. (4) في " ف " زيادة: وليس حكمه حكمه.

[ 67 ]

ظاهر التذكرة (1) والإرشاد (2) وجامع المقاصد (3) والتنقيح (4) والمقتصر (5) ومجمع الفائدة (6) - بل قد لا يجوز إذا كان غيره أصلح، لأن الثمن إذا صار ملكا للموقوف عليهم الموجودين والمعدومين فاللازم ملاحظة مصلحتهم، خلافا للعلامة (7) وولده (8) والشهيد (9) وجماعة (10) فأوجبوا المماثلة مع الإمكان، لكون المثل أقرب إلى مقصود الواقف. وفيه - مع عدم انضباط غرض الواقف، إذ قد يتعلق غرضه بكون الموقوف عينا خاصة، وقد يتعلق بكون منفعة الوقف مقدارا معينا من دون تعلق غرض بالعين، وقد يكون الغرض خصوص الانتفاع بثمرته، كما لو وقف بستانا لينتفعوا بثمرته فبيع، فدار الأمر بين أن يشترى بثمنه بستان (11) في موضع لا يصل إليهم إلا قيمة الثمرة، وبين أن


(1) راجع التذكرة 2: 444. (2) إرشاد الأذهان 1: 455. (3) جامع المقاصد 4: 97، و 9: 71. (4) التنقيح الرائع 2: 330. (5) المقتصر: 212. (6) مجمع الفائدة 8: 169. (7) راجع المختلف 6: 289. (8) إيضاح الفوائد 2: 407. (9) غاية المراد: 143. (10) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 97 و 9: 71، والشهيد الثاني في المسالك 3: 170، والروضة البهية 3: 255. (11) كذا في " ف "، " ن " و " خ "، وفي سائر النسخ: بستانا.

[ 68 ]

يشترى ملك (1) آخر يصل إليهم اجرة منفعته، فإن الأول وإن كان مماثلا إلا أنه ليس أقرب إلى غرض الواقف -: أنه (2) لا دليل على وجوب ملاحظة الأقرب إلى مقصوده، إنما اللازم ملاحظة مدلول كلامه في إنشاء الوقف، ليجري الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها. فالحاصل: أن الوقف ما دام موجودا بشخصه لا يلاحظ فيه إلا مدلول كلام الواقف، وإذا بيع وانتقل الثمن إلى الموقوف عليهم لم يلاحظ فيه إلا مصلحتهم. هذا [ و ] قال العلامة في محكي التذكرة: كل مورد جوزنا بيع الوقف فإنه يباع ويصرف الثمن إلى جهة الوقف، فإن أمكن شراء مثل تلك العين مما ينتفع به كان أولى، وإلا جاز شراء كل ما يصح وقفه، وإلا صرف الثمن إلى الموقوف عليه يعمل به (3) ما شاء، لأن فيه جمعا بين التوصل إلى غرض الواقف من نفع الموقوف عليه على الدوام، وبين النص الدال على عدم جواز مخالفة الواقف، حيث (4) شرط التأبيد، فإذا لم يمكن التأبيد بحسب الشخص وأمكن بحسب النوع وجب، لأنه موافق لغرض الواقف وداخل تحت الأول الذي وقع العقد عليه، ومراعاة الخصوصية الكلية تفضي إلى فوات الغرض بأجمعه، ولأن قصر الثمن على البائعين يقتضي خروج باقي البطون عن الاستحقاق بغير وجه، مع


(1) كذا في " ف "، " ن " و " خ "، وفي سائر النسخ: ملكا. (2) في غير " ش ": " إذ "، إلا أنها صححت في " ن " و " ص " بما أثبتناه. (3) كذا في " ف "، " ن " و " خ "، وفي سائر النسخ: فيه. (4) في " ف " بدل " حيث ": من.

[ 69 ]

أنه يستحقون من الوقف (1) كما يستحق البطن الأول، ويقدر (2) وجودهم حال الوقف. وقال بعض علمائنا والشافعية: إن ثمن الوقف كقيمة الموقوف إذا تلف فيصرف الثمن على الموقوف عليهم (3) على رأي (4)، انتهى. ولا يخفى عليك مواقع الرد والقبول في كلامه قدس سره. ثم إن المتولي للبيع هو البطن الموجود بضميمة الحاكم القيم من قبل سائر البطون. ويحتمل أن يكون هذا إلى الناظر إن كان، لأنه المنصوب لمعظم الامور الراجعة إلى الوقف، إلا أن يقال بعدم انصراف وظيفته المجعولة من قبل الواقف إلى التصرف في نفس العين. والظاهر سقوط نظارته عن بدل الوقف. ويحتمل بقاؤه، لتعلق حقه بالعين الموقوفة، فيتعلق ببدلها (5). ثم إنه لو لم يمكن شراء بدله، ولم يكن الثمن مما ينتفع به مع بقاء عينه - كالنقدين - فلا يجوز دفعه إلى البطن الموجود، لما عرفت من كونه كالمبيع مشتركا بين جميع البطون، وحينئذ فيوضع عند أمين حتى يتمكن من شراء ما ينتفع به ولو مع الخيار إلى مدة. ولو طلب ذلك البطن الموجود فلا يبعد وجوب إجابته، ولا يعطل الثمن حتى يوجد (6)


(1) في " ن "، " خ " و " م " والمصدر: الواقف. (2) كذا في مصححة " ن " والمصدر، وفي النسخ: تعذر. (3) في " ش " والمصدر زيادة: ملكا. (4) التذكرة 2: 444، مع تفاوت واختلاف في الألفاظ. (5) في غير " ن " و " ش ": بمبدلها. (6) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي غيرهما: يؤخذ.

[ 70 ]

ما يشترى به من غير خيار. نعم، لو رضي الموجود بالاتجار به وكانت المصلحة في التجارة، جاز مع المصلحة إلى أن يوجد البدل. والربح تابع للأصل ولا يملكه الموجودون، لأنه جزء من المبيع، وليس كالنماء الحقيقي. ثم لا فرق في جميع ما ذكرنا من جواز البيع مع خراب الوقف بين عروض الخراب لكله أو بعضه، فيباع البعض المخروب ويجعل بدله ما يكون وقفا. ولو كان صرف ثمنه في باقيه بحيث يوجب زيادة منفعة (1) جاز مع رضا الكل، لما عرفت من كون الثمن ملكا للبطون، فلهم التصرف فيه على ظن المصلحة. ومنه يعلم جواز صرفه في وقف آخر عليهم على نحو هذا الوقف، فيجوز صرف ثمن ملك مخروب في تعمير وقف آخر عليهم. ولو خرب بعض الوقف وخرج عن الانتفاع وبقي بعضه محتاجا إلى عمارة لا يمكن بدونها انتفاع البطون اللاحقة، فهل يصرف ثمن المخروب إلى عمارة الباقي وإن لم يرض البطن الموجود؟ وجهان آتيان فيما إذا احتاج إصلاح الوقف بحيث لا يخرج عن قابلية انتفاع البطون اللاحقة إلى صرف منفعته الحاضرة التي يستحقها البطن الموجود إذا لم يشترط الواقف إخراج مؤونة الوقف عن منفعته قبل قسمته (2) في الموقوف عليهم. وهنا فروع اخر يستخرجها الماهر بعد التأمل.


(1) في " ش ": منفعته. (2) كذا، والمناسب: قسمتها.

[ 71 ]

الصورة الثانية: أن يخرب بحيث يسقط عن الانتفاع المعتد به، بحيث يصدق عرفا أنه لا منفعة فيه، كدار انهدمت فصارت عرصة تؤجر للانتفاع بها باجرة لا تبلغ شيئا معتدا به. فإن كان ثمنه على تقدير البيع لا يعطى به إلا ما كان منفعته كمنفعة العرصة، فلا ينبغي الإشكال في عدم الجواز. وإن كان يعطى بثمنه ما يكون منفعته أكثر من منفعة (1) العرصة، بل يساوي (2) منفعة الدار، ففي جواز البيع وجهان: من عدم دليل على الجواز مع قيام المقتضي للمنع، وهو ظاهر المشهور، حيث قيدوا الخراب المسوغ للبيع بكونه بحيث لا يجدي نفعا، وقد تقدم التصريح من العلامة في التحرير بأنه: لو انهدمت الدار لم تخرج العرصة من الوقف، ولم يجز بيعها (3). اللهم إلا أن يحمل النفع المنفي في كلام المشهور على النفع المعتد به بحسب حال العين، فإن الحمام الذي يستأجر كل سنة مائة دينار إذا صارت عرصة تؤجر كل سنة خمسة دراهم أو عشرة لغرض جزئي - كجمع الزبائل ونحوه - يصدق عليه أنه لا يجدي نفعا، وكذا القرية


(1) لم ترد " منفعة " في " ف ". (2) في غير " ن " و " ش ": ساوى. (3) تقدم في الصفحة 48، ثم إن المؤلف لم يبين الوجه الثاني الذي هو عدل لقوله: " من عدم الدليل " ولعله لوضوحه، ويشير إليه قوله: " اللهم إلا أن يحمل... ".

[ 72 ]

الموقوفة، فإن خرابها بغور أنهارها وهلاك أهلها، ولا تكون بسلب (1) منافع أراضيها رأسا، ويشهد لهذا ما تقدم عن التحرير: من جعل عرصة الدار المنهدمة مواتا لا ينتفع بها بالكلية (2) مع أنها كثيرا ما تستأجر للأغراض الجزئية. فالظاهر دخول الصورة المذكورة في إطلاق كلام كل من سوغ البيع عند خرابه بحيث لا يجدي نفعا، ويشمله الإجماع المدعى في الانتصار (3) والغنية (4)، لكن الخروج بذلك عن عموم أدلة وجوب العمل بمقتضى وقف الواقف (5) الذي هو حبس العين، وعموم قوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقف " (6) مشكل. ويؤيد المنع (7) حكم أكثر من تأخر عن الشيخ بالمنع عن بيع النخلة المنقلعة (8)، بناء على جواز الانتفاع بها في وجوه اخر، كالتسقيف


(1) في غير " ف ": تسلب. (2) تقدم في الصفحة 48. (3) الانتصار: 226 - 227. (4) الغنية: 298. (5) راجع الصفحة 27. (6) الوسائل 13: 303، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث الأول. (7) في " ف ": البيع. (8) منهم المحقق في الشرائع 2: 221، والعلامة في القواعد 1: 269، والتحرير 1: 290، والشهيد في الدروس 2: 279، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 9: 72، وراجع تفصيل ذلك في مفتاح الكرامة 9: 92.

[ 73 ]

وجعلها جسرا ونحو ذلك. بل ظاهر المختلف - حيث جعل النزاع بين الشيخ والحلي رحمهما الله لفظيا، حيث نزل تجويز الشيخ على صورة عدم إمكان الانتفاع به في منفعة اخرى - الاتفاق على المنع إذا حصل فيه انتفاع ولو قليلا، كما يظهر من التمثيل بجعله جسرا (1). نعم، لو كان قليلا في الغاية بحيث يلحق بالمعدوم أمكن الحكم بالجواز، لانصراف قوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقف " إلى غير هذه الحالة. وكذا حبس العين وتسبيل المنفعة، إنما يجب الوفاء به ما دام المنفعة المعتد بها موجودة، وإلا فمجرد حبس العين وإمساكه ولو من دون منفعة، لو وجب الوفاء به لمنع عن البيع في الصورة الاولى. ثم إن الحكم المذكور جار فيما إذا صارت منفعة الموقوف (2) قليلة لعارض آخر غير الخراب، لجريان ما ذكرنا فيه. ثم إنك قد عرفت فيما سبق أنه ذكر بعض (3): أن جواز بيع الوقف لا يكون إلا مع بطلان الوقف - وعرفت وجه النظر فيه - ثم وجه بطلان الوقف في الصورة الاولى بفوات (4) شرط الوقف المراعى في


(1) راجع المختلف 6: 316، والخلاف 3: 551، كتاب الوقف، المسألة 23، والسرائر 3: 167. (2) في " ف ": الموقوفة. (3) هو صاحب الجواهر، وتقدم كلامه في الصفحة 36. (4) في " ف ": " بعنوان "، وهي مصحفة " بفقدان " كما في الجواهر. (

[ 74 ]

الابتداء والاستدامة، وهو كون العين مما ينتفع بها مع بقاء عينها. وفيه: ما عرفت سابقا (1) من أن بطلان الوقف بعد انعقاده صحيحا لا وجه له في الوقف المؤبد، مع أنه لا دليل عليه. مضافا إلى أنه لا دليل على اشتراط الشرط المذكور في الاستدامة، فإن الشروط في العقود الناقلة يكفي وجودها حين النقل، فإنه قد يخرج المبيع عن المالية ولا يخرج بذلك عن ملك المشتري. مع أن جواز بيعه لا يوجب الحكم بالبطلان، بل يوجب خروج الوقف عن اللزوم إلى الجواز، كما تقدم. ثم ذكر (2): أنه قد يقال بالبطلان أيضا بانعدام عنوان الوقف فيما إذا وقف بستانا - مثلا - ملاحظا في عنوان وقفه البستانية، فخربت حتى خرجت عن قابلية ذلك، فإنه وإن لم تبطل منفعتها أصلا لإمكان الانتفاع بها دارا - مثلا - لكن ليس من عنوان الوقف. واحتمال بقاء العرصة على الوقف باعتبار أنها جزء من الوقف وهي باقية، وخراب غيرها وإن اقتضى بطلانه فيه (3) لا يقتضي بطلانه فيها، يدفعه: أن العرصة كانت جزءا من الموقوف من حيث كونه بستانا، لا مطلقا، فهي حينئذ جزء عنوان الوقف الذي فرض خرابه، ولو فرض إرادة وقفها لتكون بستانا أو غيره لم يكن إشكال في بقائها، لعدم ذهاب عنوان الوقف. وربما يؤيد ذلك في الجملة ما ذكروه في باب الوصية: من أنه


(1) راجع الصفحة 37. (2) أي: صاحب الجواهر. (3) كلمة " فيه " لم ترد في غير " ش "، لكنها استدركت في بعض النسخ.

[ 75 ]

لو أوصى بدار فانهدمت قبل موت الموصي بطلت الوصية لانتفاء موضوعها. نعم، لو لم تكن " الدارية " و " البستانية " ونحو ذلك - مثلا - عنوانا للوقف وإن قارنت وقفه، بل كان المراد به الانتفاع به في كل وقت على حسب ما يقبله، لم يبطل الوقف بتغير أحواله. ثم ذكر: أن في عود الوقف إلى ملك الواقف أو وارثه بعد البطلان أو الموقوف عليه وجهين (1). أقول: يرد على (2) ما قد يقال (3) - بعد الإجماع على أن انعدام العنوان لا يوجب بطلان الوقف، بل ولا جواز البيع وإن اختلفوا فيه عند الخراب أو خوفه، لكنه غير تغير العنوان كما لا يخفى -: أنه لا وجه للبطلان بانعدام العنوان، لأنه: إن اريد ب‍ " العنوان " ما جعل مفعولا في قوله: " وقفت هذا البستان "، فلا شك في (4) أنه ليس إلا كقوله: " بعت هذا البستان " أو " وهبته "، فإن التمليك المعلق بعنوان، لا يقتضي دوران الملك مدار العنوان، فالبستان إذا صار ملكا فقد ملك منه كل جزء خارجي وإن لم يكن في ضمن عنوان " البستان "، وليس التمليك من قبيل الأحكام الجعلية المتعلقة بالعنوانات.


(1) إلى هنا تم ما أفاده صاحب الجواهر قدس سره، انظر الجواهر 22: 358 - 359. (2) في " ش " ومصححة " ن " زيادة: " ذلك "، ولا حاجة إليها كما لا يخفى. (3) يعني: يرد على ما تقدم في الصفحة السابقة من قوله: ثم ذكر أنه قد يقال.... (4) كلمة " في " من " ف " فقط.

[ 76 ]

وإن اريد ب‍ " العنوان " شئ آخر، فهو خارج عن مصطلح أهل العرف والعلم، ولا بد من بيان المراد منه، هل يراد ما اشترط لفظا، أو قصدا في الموضوع زيادة على عنوانه؟ وأما تأييد ما ذكر بالوصية (1)، فالمناسب أن يقايس ما نحن فيه بالوصية بالبستان بعد تمامها وخروج البستان عن ملك الموصي بموته وقبول الموصى له، فهل يرضى أحد بالتزام بطلان الوصية بصيرورة البستان عرصة؟ نعم، الوصية قبل تمامها يقع الكلام في بقائها وبطلانها من جهات اخر. ثم ما ذكره من الوجهين، مما لا يعرف له وجه بعد إطباق كل من قال بخروج الوقف المؤبد عن ملك الواقف على عدم عوده إليه أبدا. الصورة الثالثة: أن يخرب بحيث يقل منفعته، لكن لا إلى حد يلحق بالمعدوم. والأقوى هنا المنع، وهو الظاهر من الأكثر في مسألة النخلة المنقلعة، حيث جوز الشيخ رحمه الله في محكي الخلاف بيعها، محتجا بأنه لا يمكن الانتفاع بها إلا على هذا الوجه، لأن الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل ولا يرجى عوده (2)، ومنعه الحلي قائلا: ولا يجوز بيعها، بل


(1) المتقدم في الصفحة 74 بقوله: وربما يؤيد ذلك في الجملة. (2) الخلاف 3: 551 - 552، كتاب الوقف، المسألة 23.

[ 77 ]

ينتفع بها بغير البيع، مستندا إلى وجوب إبقاء الوقف على حاله مع إمكان الانتفاع، وزوال بعض المنافع لا يستلزم زوال جميعها، لإمكان التسقيف بها ونحوه (1)، وحكي موافقته عن الفاضلين (2) والشهيدين (3)، والمحقق الثاني (4) وأكثر المتأخرين (5). وحكى في الإيضاح عن والده قدس سرهما: أن النزاع بين الشيخ والحلي لفظي، واستحسنه (6)، لأن في تعليل الشيخ اعترافا بسلب جميع منافعها، والحلي فرض وجود منفعة ومنع لذلك بيعها. قيل: ويمكن (7) بناء نزاعهما على رعاية المنفعة المعد لها الوقف كما هو الظاهر من تعليل الشيخ (8)، ولا يخلو عن تأمل. وكيف كان، فالأقوى هنا المنع، وأولى منه بالمنع ما لو قلت منفعة الوقف من دون خراب، فلا يجوز بذلك البيع إلا إذا قلنا بجواز بيعه إذا كان أعود، وسيجئ تفصيله (9).


(1) السرائر 3: 167. (2) الشرائع 2: 221، والقواعد 1: 269، والتحرير 1: 290. (3) الدروس 2: 279، والمسالك 5: 400. (4) جامع المقاصد 9: 72. (5) حكاه عنهم وعن قبلهم جميعا المحقق التستري في المقابس: 155. (6) إيضاح الفوائد 2: 393. (7) في " ش ": وقيل يمكن. (8) قاله المحقق التستري في مقابس الأنوار: 155، ذيل الصورة الخامسة. (9) يجئ في الصورة الرابعة - الآتية -.

[ 78 ]

الصورة الرابعة: أن يكون بيع الوقف أنفع وأعود للموقوف عليه. وظاهر المراد منه: أن يكون ثمن الوقف أزيد نفعا من المنفعة الحاصلة تدريجا مدة وجود الموقوف عليه. وقد نسب جواز البيع هنا إلى المفيد، وقد تقدم عبارته، فراجع (1). وزيادة النفع قد تلاحظ بالنسبة إلى البطن الموجود، وقد تلاحظ بالنسبة إلى جميع البطون إذا قيل بوجوب شراء بدل الوقف بثمنه. والأقوى المنع مطلقا، وفاقا للأكثر، بل الكل، بناء على ما تقدم: من عدم دلالة قول المفيد على ذلك، وعلى تقديره فقد تقدم عن التحرير: أن كلام المفيد متأول (2). وكيف كان، فلا إشكال في المنع، لوجود مقتضي المنع، وهو وجوب العمل على طبق إنشاء الواقف، وقوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقف " (3)، وغير ذلك. وعدم ما يصلح للمنع عدا رواية ابن محبوب عن علي بن رئاب عن جعفر بن حنان (4)، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وقف غلة له على قرابته (5) من أبيه، وقرابته (6) من امه،


(1) نسبه إليه الشهيد في الدروس 2: 279، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 9: 68، وانظر المقنعة: 652، وراجع الصفحة 43 - 44. (2) تقدم في الصفحة 45. (3) الوسائل 13: 303، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث الأول. (4) في " ف " و " ص " والكافي: جعفر بن حيان. (5) و (6) في " ص ": قرابة.

[ 79 ]

وأوصى لرجل ولعقبه من تلك الغلة (1) - ليس بينه وبينه قرابة - بثلاثمائة درهم في كل سنة، ويقسم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من امه، فقال عليه السلام: جائز للذي اوصي له بذلك. قلت: أرأيت إن لم يخرج من غلة تلك (2) الأرض التي أوقفها (3) إلا خمسمائة درهم؟ فقال: أليس في وصيته أن يعطى الذي اوصي له من الغلة ثلاثمائة درهم، ويقسم الباقي على قرابته من أبيه وامه؟ قلت: نعم. قال: ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلة شيئا حتى يوفى الموصى له ثلاثمائة درهم، ثم لهم ما يبقى بعد ذلك. قلت: أرأيت إن مات الذي اوصي له؟ قال: إن مات كانت (4) الثلاثمائة (5) درهم لورثته يتوارثونها ما بقي أحد منهم، فإن انقطع ورثته ولم يبق منهم أحد كانت الثلاثمائة درهم لقرابة الميت، يرد إلى ما يخرج من الوقف، ثم يقسم بينهم، يتوارثون ذلك ما بقوا وبقيت الغلة. قلت: فللورثة من قرابة الميت أن يبيعوا الأرض إذا احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلة؟ قال: نعم، إذا رضوا كلهم وكان البيع خيرا لهم، باعوا " (6). والخبر المروي عن الاحتجاج: أن الحميري كتب إلى صاحب الزمان - جعلني الله فداه -: " أنه روي عن الصادق عليه السلام خبر مأثور:


(1) عبارة " من تلك الغلة " لم ترد في غير " ص " و " ش ". (2) لم ترد " تلك " في " ص ". (3) في " ص ": وقفها. (4) في " ش " زيادة: له. (5) كذا في المصادر الحديثية ومصححة " ن "، وفي النسخ: ثلاثمائة. (6) الوسائل 13: 306، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 8.

[ 80 ]

أن الوقف إذا كان (1) على قوم بأعيانهم وأعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك أصلح، لهم أن يبيعوه. فهل يجوز أن يشترى من (2) بعضهم إن لم يجتمعوا كلهم على البيع، أم لا يجوز إلا أن يجتمعوا كلهم على ذلك؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه؟ فأجاب عليه السلام: إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، وإذا كان على قوم من المسلمين فليبع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين، إن شاء الله " (3). دلت على جواز البيع، إما في خصوص ما ذكره الراوي - وهو كون البيع أصلح - وإما مطلقا، بناء على عموم الجواب، لكنه مقيد بالأصلح، لمفهوم رواية جعفر (4). كما أنه يمكن حمل اعتبار رضا الكل في رواية جعفر على صورة بيع تمام الوقف، لا اعتباره (5) في بيع كل واحد، بقرينة رواية الاحتجاج. ويؤيد المطلب صدر رواية ابن مهزيار الآتية (6) لبيع حصة ضيعة


(1) في " ص " والمصدر: إذا كان الوقف. (2) كذا في المصدر ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: عن. (3) الاحتجاج 2: 312 - 313، والوسائل 13: 306 - 307، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 9. (4) في " ش ": الجعفري، والصواب ما أثبتناه، والمراد به جعفر بن حنان الراوي للخبر السابق. (5) في غير " ف " زيادة: " بما "، وشطب عليها في " ن ". (6) ستأتي في الصفحة 93 - 94.

[ 81 ]

الإمام عليه السلام من الوقف. والجواب: أما عن رواية جعفر، فبأنها (1) إنما تدل على الجواز مع حاجة الموقوف عليهم، لا لمجرد كون البيع أنفع، فالجواز مشروط بالأمرين كما تقدم عن ظاهر النزهة (2). وسيجئ الكلام في هذا القول. بل يمكن أن يقال: إن المراد بكون البيع خيرا لهم: مطلق النفع الذي يلاحظه الفاعل ليكون منشأ لإرادته، فليس مراد الإمام عليه السلام بيان اعتبار ذلك تعبدا، بل المراد بيان الواقع الذي فرضه السائل، يعني: إذا كان الأمر على ما ذكرت من المصلحة في بيعه جاز، كما يقال: إذا أردت البيع ورأيته أصلح من تركه فبع، وهذا مما لا يقول به أحد. ويحتمل أيضا أن يراد من " الخير " خصوص (3) رفع الحاجة التي فرضها السائل. وعن المختلف (4) وجماعة (5) الجواب عنه (6) بعدم ظهوره في المؤبد،


(1) في " ف ": " أنها "، وفي " ص ": بأنها. (2) تقدمت عبارة النزهة في الصفحة 47. (3) في غير " ف ": هو خصوص. (4) المختلف 6: 289. (5) منهم الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 2: 329، وابن فهد في المهذب البارع 3: 67، والصيمري في غاية المرام (مخطوط) 1: 487، والمحقق التستري في مقابس الأنوار: 145. (6) كذا، والمناسب تأنيث الضمير، لرجوعه إلى " رواية جعفر "، وهكذا الكلام في الضميرين الآتيين.

[ 82 ]

لاقتصاره على ذكر الأعقاب. وفيه نظر، لأن الاقتصار في مقام الحكاية لا يدل على الاختصاص، إذ يصح أن يقال في الوقف المؤبد: إنه وقف على الأولاد مثلا، وحينئذ فعلى الإمام عليه السلام أن يستفصل إذا كان بين المؤبد وغيره فرق في الحكم، فافهم. وكيف كان، ففي الاستدلال بالرواية - مع ما فيها من الإشكال - على جواز البيع بمجرد الأنفعية إشكال، مع عدم الظفر بالقائل به (1)، عدا ما يوهمه ظاهر عبارة المفيد المتقدمة (2). ومما ذكرنا يظهر الجواب عن رواية الحميري. ثم لو قلنا في هذه الصورة بالجواز كان الثمن للبطن الأول البائع يتصرف فيه على ما شاء. ومنه يظهر وجه آخر لمخالفة الروايتين للقواعد، فإن مقتضى كون العين مشتركة بين البطون كون بدله كذلك، كما تقدم من استحالة كون بدله ملكا لخصوص البائع (3)، فيكون تجويز البيع في هذه الصورة والتصرف في الثمن رخصة من الشارع للبائع في إسقاط حق اللاحقين آنا ما قبل البيع - نظير الرجوع في الهبة المتحقق ببيع الواهب - لئلا يقع البيع على المال المشترك، فيستحيل كون بدله مختصا.


(1) " به " من " ف ". (2) تقدمت في الصفحة 43 - 44. (3) تقدمت في الصفحة 65.

[ 83 ]

الصورة الخامسة: أن يلحق الموقوف عليهم ضرورة شديدة. وقد تقدم عن جماعة تجويز البيع في هذه الصورة (1)، بل عن الانتصار والغنية: الإجماع عليه (2). ويدل عليه رواية جعفر المتقدمة (3). ويرده: أن ظاهر الرواية أنه يكفي في البيع عدم كفاية غلة الأرض لمؤونة سنة الموقوف عليهم، كما لا يخفى. وهذا أقل مراتب الفقر الشرعي. والمأخوذ في (4) عبائر من تقدم من المجوزين اعتبار الضرورة والحاجة الشديدة، وبينها وبين مطلق الفقر عموم من وجه، إذ قد يكون فقيرا ولا يتفق له حاجة شديدة، بل مطلق الحاجة، لوجدانه من مال الفقراء ما يوجب التوسعة عليه. وقد يتفق الحاجة والضرورة الشديدة في بعض الأوقات لمن يقدر على مؤونة سنته، فالرواية بظاهرها غير معمول بها. مع أنه قد يقال: إن ظاهر الجواب جواز البيع بمجرد رضا الكل وكون البيع أنفع ولو لم يكن حاجة. وكيف كان، فلا يبقى للجواز عند الضرورة الشديدة إلا الإجماعان المعتضدان بفتوى جماعة، وفي الخروج بهما عن قاعدة عدم جواز البيع


(1) راجع عباراتهم في الصفحة 43 - 52. (2) الانتصار: 226 - 227، والغنية: 298، وتقدمت عبارتهما في الصفحة 45 - 47. (3) وهي رواية جعفر بن حنان، المتقدمة في الصفحة 78. (4) في غير " ف ": من.

[ 84 ]

وعن قاعدة وجوب كون الثمن على تقدير البيع غير مختص بالبطن الموجود - مع وهنه (1) بمصير جمهور المتأخرين وجماعة من القدماء (2) إلى الخلاف، بل معارضته (3) بالإجماع المدعى في السرائر (4) - إشكال. الصورة السادسة: أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة، أو إذا كان فيه مصلحة البطن الموجود أو جميع البطون، أو عند مصلحة خاصة على حسب ما يشترط. فقد اختلف كلمات العلامة ومن تأخر عنه في ذلك. فقال في الإرشاد: ولو شرط بيع الوقف عند حصول الضرر - كالخراج والمؤن من قبل الظالم - وشراء غيره بثمنه، فالوجه الجواز (5)، انتهى. وفي القواعد: ولو شرط بيعه عند الضرورة - كزيادة خراج وشبهه - وشراء غيره بثمنه، أو عند خرابه وعطلته، أو خروجه عن حد الانتفاع، أو قلة نفعه، ففي صحة الشرط إشكال. ومع البطلان، ففي إبطال الوقف نظر (6)، انتهى.


(1) كذا، والمناسب تثنية الضمير، كما استظهره مصحح " ص ". (2) تقدم عن الإسكافي في الصفحة 39، وعن القاضي في الصفحة 40، وعن الحلبي والصدوق في الصفحة 41. (3) كذا، والمناسب تثنية الضمير، كما استظهره مصحح " ص ". (4) تقدم كلامه في الصفحة 39. (5) الإرشاد 1: 455. (6) القواعد 1: 269 - 270.

[ 85 ]

وذكر في الإيضاح في وجه الجواز رواية جعفر بن حنان المتقدمة (1)، قال: فإذا جاز بغير شرط فمع الشرط أولى. وفي وجه المنع: أن الوقف للتأبيد، والبيع ينافيه، قال: والأصح أنه لا يجوز بيع الوقف بحال (2)، انتهى. وقال الشهيد في الدروس: ولو شرط الواقف بيعه عند حاجتهم أو وقوع الفتنة بينهم فأولى بالجواز (3)، انتهى. ويظهر منه: أن للشرط تأثيرا، وأنه يحتمل المنع من دون الشرط، والتجويز معه. وعن المحقق الكركي أنه قال: التحقيق أن كل موضع قلنا بجواز بيع الوقف يجوز اشتراط البيع في الوقف إذا بلغ تلك الحالة، لأنه شرط مؤكد، وليس بمناف للتأبيد المعتبر في الوقف، لأنه مقيد واقعا بعدم حصول أحد أسباب البيع (4)، وما لا (5)، فلا، للمنافاة، فلا يصح حينئذ حبسا (6)، لأن اشتراط شراء شئ بثمنه يكون وقفا مناف لذلك، لاقتضائه الخروج عن المالك فلا يكون وقفا ولا حبسا (7)، انتهى.


(1) تقدمت في الصفحة 78. (2) إيضاح الفوائد 2: 393. (3) الدروس 2: 279. (4) في غير " ش ": المنع، والعبارة " للتأبيد - إلى - البيع " لم ترد في جامع المقاصد. (5) كذا في " ف " والمصدر، وفي سائر النسخ: وإلا. (6) كذا في " ف " و " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: حبسها. (7) كذا، والعبارة في جامع المقاصد هكذا: " واشتراط الشراء بثمنه ما يكون وقفا يقتضيه فلا يكون وقفا ولا حبسا "، انظر جامع المقاصد 9: 73. (*

[ 86 ]

أقول: يمكن (1) أن يقال - بعد التمسك في الجواز بعموم " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها " (2) و " المؤمنون عند شروطهم " (3) - بعدم ثبوت كون جواز البيع منافيا لمقتضى الوقف، فلعله مناف لإطلاقه، ولذا يجتمع الوقف مع جواز البيع عند طرو مسوغاته، فإن التحقيق - كما عرفت سابقا (4) - أن جواز البيع لا يبطل الوقف، بل هو وقف يجوز بيعه، فإذا بيع خرج عن كونه وقفا. ثم إنه لو سلم المنافاة فإنما هو بيعه للبطن الموجود وأكل ثمنه، وأما تبديله بوقف آخر فلا تنافي بينه وبين مفهوم الوقف. فمعنى كونه حبسا: كونه محبوسا من أن يتصرف فيه بعض طبقات الملاك على نحو الملك المطلق، وأما حبس شخص الوقف فهو لازم، لإطلاقه وتجرده عن مسوغات الإبدال، شرعية كانت كخوف الخراب، أو بجعل الواقف كالاشتراط في متن العقد، فتأمل. ثم إنه روى صحيحا في الكافي ما ذكره أمير المؤمنين عليه السلام في كيفية وقف ماله في عين ينبع، وفيه: " فإن أراد - يعني الحسن عليه السلام - أن يبيع نصيبا من المال ليقضي (5) به الدين فليفعل إن شاء، لا حرج عليه فيه، وإن شاء جعله


(1) في غير " ف " و " ش ": ويمكن. (2) تقدم في الصفحة 33. (3) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4. (4) في الصفحة 36. (5) في " ص " والمصدر: فيقضي.

[ 87 ]

سري (1) الملك. وإن ولد علي ومواليهم وأموالهم إلى الحسن بن علي. وإن كانت دار الحسن بن علي غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها فليبعها إن شاء، و (2) لا حرج عليه فيه. فإن باع فإنه يقسم ثمنها ثلاثة أثلاث، فيجعل ثلثا في سبيل الله، ويجعل ثلثا في بني هاشم وبني المطلب، وثلثا في آل أبي طالب، وإنه يضعه فيهم حيث يراه الله (3). ثم قال: وإن حدث في الحسن أو في الحسين حدث (4)، فإن الآخر منهما ينظر في بني علي - إلى أن قال: - فإنه يجعله في رجل يرضاه من بني هاشم، وإنه يشترط على الذي يجعله إليه أن يترك هذا (5) المال على اصوله وينفق الثمرة حيث أمره به (6) من سبيل الله ووجهه، وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد، لا يباع شئ منه ولا يوهب ولا يورث... الرواية " (7).


(1) كذا في أكثر النسخ والكافي - وهو على وزن " نفيس " لفظا ومعنى - وفي " ن " و " خ " والوسائل: " شروى " - وفي مجمع البحرين: وشروى الشئ: مثله (انظر مجمع البحرين 1: 245، مادة: " شرا ") - وفي " ص ": شراء. (2) لم ترد " و " في " ص " والمصدر. (3) للحديث تتمة بمقدار أربعة أسطر لم ترد في النسخ. (4) العبارة في المصدر هكذا: وإن حدث بحسن أو حسين حدث. (5) لم ترد " هذا " في " ص " والمصدر. (6) كذا في " ص " والوسائل، وفي " ف ": " أمره الله به "، وفي الكافي: " أمرته به "، وفي سائر النسخ: " أمره ". (7) الكافي 7: 49، الحديث 7، والوسائل 13: 312، الباب 10 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 4.

[ 88 ]

وظاهرها جواز اشتراط البيع في الوقف لنفس البطن الموجود، فضلا عن البيع لجميع البطون وصرف ثمنه فيما ينتفعون به. والسند صحيح، والتأويل مشكل، والعمل أشكل. الصورة السابعة: أن يؤدي بقاؤه إلى خرابه علما أو ظنا، وهو المعبر عنه ب‍ " خوف الخراب " في كثير من العبائر المتقدمة. والأداء إلى الخراب قد يكون للخلف بين أربابه، وقد يكون لا له. والخراب المعلوم أو (1) المخوف، قد يكون على حد سقوطه من الانتفاع نفعا معتدا به، وقد يكون على وجه نقص المنفعة. وأما إذا فرض جواز الانتفاع به بعد الخراب بوجه آخر كانتفاعه السابق أو أزيد، فلا يجوز بيعه إلا على ما استظهره بعض من تقدم كلامه سابقا: من أن تغير عنوان الوقف يسوغ بيعه وقد عرفت ضعفه (2). وقد عرفت من عبائر جماعة تجويز البيع في صورة التأدية إلى الخراب ولو لغير الاختلاف، ومن اخرى تقييدهم به (3). الصورة الثامنة: أن يقع بين الموقوف عليهم اختلاف لا يؤمن معه تلف المال أو (4) النفس وإن لم يعلم أو يظن بذلك.


(1) في " ش " بدل " أو ": و. (2) راجع الصفحة 74 - 76. (3) راجع الصفحة 43 - 52. (4) في " ش " ومصححة " ن " بدل " أو ": و.

[ 89 ]

فإن الظاهر من بعض العبارات السابقة جوازه لذلك، خصوصا من عبر بالاختلاف الموجب لخوف الخراب. الصورة التاسعة: أن يؤدي الاختلاف بينهم (1) إلى ضرر عظيم من غير تقييد بتلف المال، فضلا عن خصوص الوقف. الصورة العاشرة: أن يلزم فساد يستباح منه الأنفس. والأقوى: الجواز مع تأدية البقاء إلى الخراب على وجه لا ينتفع به نفعا يعتد به عرفا، سواء كان لأجل الاختلاف أو غيره، والمنع في غيره من جميع الصور. أما الجواز في الأول، فلما مر من الدليل على جواز بيع ما سقط عن الانتفاع، فإن الغرض من عدم البيع عدم انقطاع شخصه، فإذا فرض العلم أو الظن بانقطاع شخصه، فدار الأمر بين انقطاع شخصه ونوعه، وبين انقطاع شخصه لا نوعه، كان الثاني (2) أولى، فليس فيه منافاة لغرض الواقف أصلا. وأما الأدلة الشرعية (3)، فغير ناهضة، لاختصاص الإجماع،


(1) في غير " ش ": " منهم "، وصححت في " ن " بما أثبتناه. (2) كذا في " ش " ومصححة " ص "، وفي سائر النسخ: " الأول "، قال المحقق المامقاني قدس سره - بعد أن أثبت ما أثبتناه -: هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها: " كان الأول أولى " وهو سهو من قلم الناسخ. (غاية الآمال: 453). (3) يعني الناهية عن بيع الوقف، المتقدمة في الصفحة 33 وما بعدها.

[ 90 ]

وانصراف النصوص إلى غير هذه الصورة. وأما الموقوف عليهم، فالمفروض إذن الموجود منهم، وقيام الناظر العام أو (1) الخاص مقام غير الموجود. نعم، قد يشكل الأمر فيما لو فرض تضرر البطن الموجود من بيعه، للزوم تعطيل (2) الانتفاع إلى زمان وجدان البدل، أو كون البدل قليل المنفعة بالنسبة إلى الباقي. ومما ذكر يظهر أنه يجب تأخير البيع إلى آخر أزمنة إمكان البقاء، مع عدم فوات الاستبدال فيه، ومع فوته ففي تقديم البيع إشكال. ولو دار الأمر بين بيعه والإبدال به، وبين صرف منفعته الحاصلة مدة من الزمان لتعميره، ففي ترجيح حق البطن الذي يفوته المنفعة أو حق الواقف وسائر البطون المتأخرة المتعلق بشخص الوقف (3) وجهان، لا يخلو أولهما عن قوة إذا لم يشترط الواقف إصلاح الوقف من منفعته مقدما على الموقوف عليه. وقد يستدل على الجواز فيما ذكرنا، بما عن (4) التنقيح: من أن بقاء الوقف على حاله والحال هذه إضاعة وإتلاف للمال، وهو منهي عنه شرعا، فيكون البيع جائزا (5).


(1) في " م " و " ش " بدل " أو ": و. (2) في نسخة بدل " ص ": تعطل. (3) في أكثر النسخ: لشخص الواقف. (4) في " ف ": في. (5) استدل به المحقق التستري في المقابس: 155، وانظر التنقيح الرائع 2: 330.

[ 91 ]

ولعله أراد الجواز بالمعنى الأعم، فلا يرد عليه: أنه يدل على وجوب البيع (1). وفيه: أن المحرم هو إضاعة المال المسلط عليه، لا ترك المال الذي لا سلطان عليه إلى أن يخرب بنفسه، وإلا لزم وجوب تعمير الأوقاف المشرفة على الخراب بغير البيع مهما أمكن مقدما على البيع، أو إذا لم يمكن البيع. والحاصل: أن ضعف هذا الدليل بظاهره واضح، ويتضح فساده على القول بكون الثمن للبطن الموجود لا غير. ويتلوه في الضعف ما عن المختلف (2) والتذكرة (3) والمهذب (4) وغاية المرام (5): من أن الغرض من الوقف استيفاء منافعه وقد تعذرت، فيجوز إخراجه عن حده، تحصيلا للغرض منه، والجمود على العين مع تعطيلها تضييع للغرض، كما أنه لو تعطل (6) الهدي ذبح في الحال وإن اختص بموضع، فلما تعذر مراعاة المحل ترك مراعاة الخاص المتعذر (7).


(1) كما أورده المحقق التستري في مقابس الأنوار: 152. (2) المختلف 6: 288. (3) التذكرة 2: 444. (4) المهذب البارع 3: 66. (5) لم نعثر عليه في غاية المرام، وحكاه عنهم المحقق التستري في مقابس الأنوار: 153. (6) في النسخ: " تعطلت "، وفي المقابس: " عطلت "، وما أثبتناه من مصححتي " ن " و " خ "، والصحيح: " عطب " كما في المختلف. (7) كذا في " ف " ونسخة بدل " ن " والمختلف والتذكرة، وفي سائر النسخ: ترك مراعاته لتخلص المعتذر.

[ 92 ]

وفيه: أن الغرض من الوقف استيفاء المنافع من شخص الموقوف، لأنه الذي دل عليه صيغة الوقف، والمفروض تعذره فيسقط. وقيام الانتفاع بالنوع مقام الانتفاع بالشخص - لكونه (1) أقرب إلى مقصود الواقف - فرع الدليل على وجوب اعتبار ما هو الأقرب إلى غرض الواقف بعد تعذر أصل الغرض. فالأولى منع جريان أدلة المنع مع خوف الخراب المسقط للمنفعة رأسا، وجعل ذلك مؤيدا (2). وأما المنع في غير هذا القسم من الصورة السابعة (3) وفيما عداها من الصور اللاحقة لها، فلعموم قوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك " (4)، فإن ترك الاستفصال فيه عن (5) علم المشتري بعدم وقوع بيع الوقف على بعض الوجوه المجوزة وعدمه - الموجب لحمل فعل البائع على الصحة - يدل على أن الوقف ما دام له غلة لا يجوز بيعه. وكذا قوله عليه السلام: " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله " (6)، وما دل على أنه: يترك حتى يرثها وارث


(1) في " ف ": لأنه. (2) عبارة " وجعل ذلك مؤيدا " لم ترد في " ف ". (3) في أكثر النسخ: السابقة. (4) الوسائل 13: 303، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث الأول. (5) في غير " ش " ومصححة " ن " بدل " عن ": بين. (6) الوسائل 13: 295، الباب 2 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 1 و 2، وفي " ف " زيادة " تعالى " في آخر الحديث.

[ 93 ]

السماوات والأرض (1). هذا كله، مضافا إلى الاستصحاب في جميع هذه الصور وعدم الدليل الوارد عليه، عدا المكاتبة المشهورة التي انحصر تمسك كل من جوزه في هذه الصور فيها، وهي مكاتبة ابن مهزيار، قال: " كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: أن فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها، وجعل لك في الوقف الخمس، ويسأل (2) عن رأيك في بيع حصتك من الأرض، أو تقويمها (3) على نفسه بما اشتراها (4)، أو يدعها موقوفة؟ فكتب إلي: أعلم فلانا أني آمره ببيع حصتي من الضيعة، وإيصال ثمن ذلك إلي، إن (5) ذلك رأيي إن شاء الله تعالى، أو يقومها على نفسه إن كان ذلك أوفق (6) له. قال: وكتبت (7) إليه: أن الرجل ذكر أن بين من وقف عليهم بقية هذه الضيعة اختلافا شديدا، وأنه (8) ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده، فإن كان ترى أن يبيع هذا الوقف، ويدفع إلى كل إنسان منهم


(1) يدل عليه ما في الوسائل 13: 304، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 4. (2) كذا في " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: يسألك. (3) كذا في " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: تقويمه. (4) في " ص " والكافي زيادة: به. (5) في " ص " والمصدر: وإن. (6) في بعض النسخ: أرفق. (7) كذا في المصدر ومصححة " ص "، وفي النسخ: فكتب. (8) لم ترد " أنه " في غير " ص " و " ش ".

[ 94 ]

ما وقف له من ذلك، أمرته (1). فكتب بخطه: وأعلمه أن رأيي: إن كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف أن بيع الوقف أمثل فليبع (2)، فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس " (3). حيث إنه يمكن الاستدلال للجواز بها في القسم الثاني من الصورة السابعة (4)، بناء على أن قوله: " فإنه... الخ " تعليل لجواز البيع في صورة الاختلاف، وأن المراد بالمال هو الوقف، فإن ضم النفوس إنما هو لبيان الضرر الآخر (5) المترتب على الاختلاف، لا أن المناط في الحكم هو اجتماع الأمرين كما لا يخفى، فيكون حاصل التعليل: أنه كلما كان الوقف في معرض الخراب جاز بيعه. وفيه: أن المقصود جواز بيعه إذا أدى بقاؤه إلى الخراب علما أو ظنا، لا مجرد كونه ربما يؤدي إليه - المجامع للاحتمال المساوي أو المرجوح، على ما هو الظاهر من لفظة " ربما " كما لا يخفى على المتتبع لموارد استعمالاته - ولا أظن أحدا يلتزم بجواز البيع بمجرد احتمال أداء


(1) لم ترد " أمرته " في أكثر النسخ. (2) لم ترد " فليبع " في غير " ص "، " ش " و " م ". (3) في غير " ص " زيادة: " الخبر "، والظاهر أنه لا وجه لها، فإن الحديث مذكور بتمامه، انظر الوسائل 13: 305، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 6، وانظر الكافي 7: 36، الحديث 3. (4) في أكثر النسخ: السابقة. (5) لم ترد " الآخر " في " ف ".

[ 95 ]

بقائه إلى الخراب، لأن كلمات من عبر بهذا العنوان - كما عرفت - بين قولهم: " أدى بقاؤه إلى خرابه "، وبين قولهم: " يخشى أو يخاف خرابه ". والخوف عند المشهور، كما يعلم من سائر موارد إطلاقاتهم - مثل قولهم: " يجب الإفطار والتيمم مع خوف الضرر "، " ويحرم السفر مع خوف الهلاك " - لا يتحقق إلا بعد قيام أمارة الخوف (1). هذا، مع أن مناط الجواز - على ما ذكر - تلف الوقف رأسا، وهو القسم الأول من الصورة السابعة (2) الذي جوزنا فيه (3) البيع، فلا يشمل الخراب الذي لا يصدق معه التلف. مع أنه لا وجه - بناء على عموم التعليل - للاقتصار على خوف خراب خصوص الوقف، بل كلما خيف تلف مال جاز بيع الوقف. وأما تقريب الاستدلال بالمكاتبة على جواز البيع في الصورة الثامنة - وهي صورة وقوع الاختلاف الذي ربما أوجب تلف الأموال والنفوس - فهو: أن الحكم بالجواز معلق على الاختلاف، إلا أن قوله: " فإنه ربما... الخ " مقيد بالاختلاف الخاص - وهو الذي لا يؤمن معه من التلف -، لأن العلة تقيد المعلول، كما في قولك: لا تأكل الرمان لأنه حامض. وفيه: أن اللازم على هذا، تعميم الجواز في كل مورد لا يؤمن


(1) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي غيرهما: المخوف. (2) في غير " ش ": " الثانية "، لكن صححت في بعضها بما أثبتناه. (3) في غير " ش ": " التي جوزنا فيها "، وصححت في هامش " ن " بما أثبتناه.

[ 96 ]

معه من تلف الأموال والنفوس وإن لم يكن من جهة اختلاف الموقوف عليهم، فيجوز بيع الوقف لإصلاح كل فتنة وإن لم يكن لها دخل في الوقف. اللهم إلا أن يدعى سوق العلة مساق التقريب، لا التعليل الحقيقي حتى يتعدى إلى جميع موارده. لكن تقييد الاختلاف حينئذ بكونه مما لا يؤمن، ممنوع. وهو الذي فهمه الشهيد رحمه الله في الروضة - كما تقدم كلامه (1) - لكن الحكم على هذا الوجه مخالف للمشهور. فلا يبقى حينئذ وثوق بالرواية بحيث يرفع اليد بها عن العمومات والقواعد، مع ما فيها من ضعف الدلالة، كما سيجئ إليه الإشارة. ومما ذكرنا يظهر تقريب الاستدلال على الصورة التاسعة ورده. وأما تقريب الاستدلال على الصورة العاشرة فهو: أن ضم تلف النفس إلى تلف الأموال - مع أن خوف تلف الأنفس يتبعه خوف تلف المال غالبا - يدل على اعتبار بلوغ الفتنة في الشدة إلى حيث يخاف منه تلف النفس، ولا يكفي بلوغه إلى ما دون ذلك بحيث يخاف منه تلف المال فقط. وفيه: أن اللازم على هذا عدم اختصاص موجب الفساد بوقوع الفتنة بين الموقوف عليهم، بل يجوز حينئذ بيع الوقف لرفع كل فتنة، مع أن ظاهر الرواية كفاية كون الاختلاف بحيث ربما جاء فيه تلف الأموال والنفوس، والمقصود - كما يظهر من عبارة الجامع المتقدمة (2) - هو اعتبار


(1) تقدم في الصفحة 52. (2) تقدمت في الصفحة 47.

[ 97 ]

الفتنة التي يستباح بها الأنفس. والحاصل: أن جميع الفتاوى المتقدمة في جواز بيع الوقف - الراجعة إلى اعتبار أداء بقاء الوقف علما أو ظنا أو احتمالا إلى مطلق الفساد، أو فساد خاص، أو اعتبار الاختلاف مطلقا، أو اختلاف خاص - مستندة إلى ما فهم أربابها من المكاتبة المذكورة. والأظهر في مدلولها: هو إناطة الجواز بالاختلاف الذي ربما جاء فيه تلف الأموال والنفوس، لا مطلق الاختلاف، لأن الذيل مقيد، ولا خصوص المؤدي علما أو ظنا، لأن موارد استعمال لفظة " ربما " أعم من ذلك، ولا مطلق ما يؤدي إلى المحذور المذكور، لعدم ظهور الذيل في التعليل بحيث يتعدى عن مورد النص وإن كان فيه إشارة إلى التعليل. وعلى ما ذكرنا، فالمكاتبة غير مفتى بها عند المشهور، لأن الظاهر اعتبارهم العلم أو الظن بأداء بقائه إلى الخراب الغير الملازم للفتنة الموجبة لاستباحة الأموال والأنفس، فيكون النسبة بين فتوى المشهور ومضمون الرواية عموما من وجه. لكن الإنصاف: أن هذا لا يمنع من جبر ضعف دلالة الرواية وقصور مقاومتها للعمومات المانعة، بالشهرة، لأن اختلاف فتاوى المشهور إنما هو من حيث الاختلاف في فهم المناط الذي انيط به الجواز من قوله عليه السلام: " إن كان قد علم الاختلاف... " المنضم إلى قوله: " فإنه ربما جاء في الاختلاف... ". وأما دلالة المكاتبة على كون مورد السؤال هو الوقف المؤبد التام، فهي - على تقدير قصورها - منجبرة بالشهرة، فيندفع بها ما يدعى

[ 98 ]

من قصور دلالتها من جهات، مثل: عدم ظهورها في المؤبد، لعدم ذكر البطن اللاحق، وظهورها في عدم إقباض الموقوف عليهم وعدم تمام الوقف، كما عن الإيضاح (1)، وأوضحه الفاضل المحدث المجلسي، وجزم به المحدث البحراني (2)، ومال إليه في الرياض (3). قال الأول - في بعض حواشيه على بعض كتب الأخبار -: إنه يخطر بالبال أنه يمكن حمل الخبر على ما إذا لم يقبضهم الضيعة الموقوفة عليهم، ولم يدفعها إليهم، وحاصل السؤال: أن الواقف يعلم أنه إذا دفعها إليهم يحصل بينهم الاختلاف ويشتد، لحصول الاختلاف بينهم (4) قبل الدفع إليهم في تلك الضيعة أو في أمر آخر، فهل يدعها موقوفة ويدفعها إليهم، أو يرجع عن الوقف لعدم لزومه بعد ويدفع إليهم ثمنها؟ أيهما أفضل؟ (5) انتهى موضع الحاجة. والإنصاف: أنه توجيه حسن، لكن ليس في السؤال ما يوجب ظهوره في ذلك، فلا يجوز رفع اليد عن مقتضى ترك الاستفصال في الجواب. كما أن عدم ذكر البطن اللاحق لا يوجب ظهور السؤال في الوقف المنقطع، إذ كثيرا ما يقتصر في مقام حكاية وقف مؤبد على


(1) إيضاح الفوائد 2: 392. (2) الحدائق 18: 442 - 443. (3) الرياض 2: 31. (4) في غير " ش ": " منهم "، وصححت في " ن " بما أثبتناه. (5) ملاذ الأخيار 14: 400، باب الوقوف والصدقات، ذيل الحديث 4، ومرآة العقول 23: 61 كتاب الوصايا، ذيل الحديث 30.

[ 99 ]

ذكر بعض البطون، فترك الاستفصال عن ذلك يوجب ثبوت الحكم للمؤبد. والحاصل: أن المحتاج إلى الانجبار بالشهرة ثبوت حكم الرواية للوقف التام المؤبد، لا تعيين ما انيط به الجواز من كونه مجرد الفتنة أو ما يؤدي الفتنة إليه، أو غير ذلك مما تقدم من الاحتمالات في الفقرتين المذكورتين. نعم، يحتاج إلى الاعتضاد بالشهرة من جهة اخرى، وهي: أن مقتضى القاعدة - كما عرفت (1) - لزوم كون بدل الوقف كنفسه مشتركا بين جميع البطون، وظاهر الرواية تقريره عليه السلام للسائل في تقسيم ثمن الوقف على الموجودين، فلا بد: إما من رفع اليد عن مقتضى المعاوضة إلا بتكلف سقوط حق سائر البطون عن الوقف آنا ما قبل البيع، لتقع المعاوضة في مالهم. وإما من حمل السؤال على الوقف المنقطع، أعني: الحبس الذي لا إشكال في بقائه على ملك الواقف، أو على الوقف الغير التام، لعدم القبض، أو لعدم تحقق صيغة الوقف وإن تحقق التوطين عليه. وتسميته وقفا بهذا الاعتبار. ويؤيده: تصدي الواقف بنفسه للبيع، إلا أن يحمل على كونه ناظرا، أو يقال: إنه أجنبي استأذن الإمام عليه السلام في بيعه عليهم حسبة. بل يمكن أن يكون قد فهم الإمام عليه السلام من جعل السائل قسمة الثمن بين الموجودين مفروغا عنها - مع أن المركوز في الأذهان اشتراك جميع البطون في الوقف وبدله - أن مورد السؤال هو الوقف الباقي على


(1) في الصفحة 63.

[ 100 ]

ملك الواقف، لانقطاعه أو لعدم تمامه. ويؤيده: أن ظاهر صدره المتضمن لجعل الخمس من الوقف للإمام عليه السلام هو هذا النحو أيضا. إلا أن يصلح هذا الخلل وأمثاله بفهم الأصحاب الوقف المؤبد التام، ويقال: إنه لا بأس بجعل الخبر المعتضد بالشهرة مخصصا لقاعدة المنع عن بيع الوقف، وموجبا لتكلف الالتزام بسقوط حق اللاحقين عن الوقف عند إرادة البيع، أو نمنع (1) تقرير الإمام عليه السلام للسائل في قسمة الثمن إلى الموجودين. ويبقى الكلام في تعيين المحتملات في مناط جواز البيع، وقد عرفت (2) الأظهر منها، لكن في النفس شئ من الجزم بظهوره، فلو اقتصر على المتيقن من بين المحتملات - وهو الاختلاف المؤدي علما أو ظنا إلى تلف خصوص مال الوقف ونفوس الموقوف عليهم - كان أولى. والفرق بين هذا والقسم الأول من الصورة السابعة الذي جوزنا فيه البيع: أن المناط في ذلك القسم: العلم أو الظن بتلف الوقف رأسا. والمناط هنا: خراب الوقف، الذي يتحقق به تلف المال وإن لم يتلف الوقف، فإن الزائد من المقدار الباقي مال قد تلف. وليس المراد من التلف في الرواية تلف الوقف رأسا حتى يتحد مع ذلك القسم المتقدم، إذ لا يناسب هذا ما هو الغالب في تلف الضيعة


(1) في " ص ": بمنع. (2) في الصفحة 89.

[ 101 ]

التي هي مورد الرواية، فإن تلفها غالبا لسقوطها عن المنفعة المطلوبة منها بحسب شأنها. ثم إن الظاهر من بعض العبائر المتقدمة، بل المحكي عن الأكثر (1): أن الثمن في هذا البيع للبطن الموجود. إلا أن ظاهر كلام جماعة، بل صريح بعضهم - كجامع المقاصد (2) - هو: أنه يشترى بثمنه ما يكون وقفا على وجه يندفع به الخلف، تحصيلا لمطلوب الواقف بحسب الإمكان. وهذا منه قدس سره مبني على منع (3) ظهور الرواية في تقرير السائل في قسمة الثمن على الموجودين، أو على منع العمل بهذا التقرير في مخالفة مقتضى قاعدة المعاوضة من اشتراك جميع البطون في البدل كالمبدل، لكن الوجه الثاني ينافي قوله باختصاص الموجودين بثمن ما يباع، للحاجة الشديدة، تمسكا برواية جعفر (4)، فتعين الأول، وهو منع التقرير. لكنه خلاف مقتضى التأمل في الرواية. [ الوقف المنقطع ] (5) وأما الوقف المنقطع، وهو: ما إذا وقف على من ينقرض - بناء


(1) لم نقف عليه. (2) جامع المقاصد 4: 97. (3) في " ش " بدل " منع ": وجه. (4) تقدمت في الصفحة 78. (5) العنوان منا.

[ 102 ]

على صحته كما هو المعروف - فإما أن نقول ببقائه على ملك الواقف، وإما أن نقول بانتقاله إلى الموقوف عليهم. وعلى الثاني: فإما أن يملكوه ملكا مستقرا بحيث ينتقل منهم إلى ورثتهم عند انقراضهم، وإما أن يقال بعوده إلى ملك الواقف، وإما أن يقال بصيرورته في سبيل الله. فعلى الأول: لا يجوز للموقوف عليهم البيع، لعدم الملك. وفي جوازه للواقف مع جهالة مدة استحقاق الموقوف عليهم إشكال، من حيث لزوم الغرر بجهالة وقت استحقاق التسليم التام على وجه ينتفع به، ولذا منع الأصحاب - كما في الإيضاح (1) - بيع مسكن المطلقة المعتدة بالأقراء، لجهالة مدة العدة، مع عدم كثرة التفاوت. نعم، المحكي عن جماعة - كالمحقق (2) والشهيدين في المسالك (3) والدروس (4) وغيرهم (5) -: صحة البيع في السكنى الموقتة بعمر أحدهما، بل ربما يظهر من محكي التنقيح: الإجماع عليه. ولعله إما لمنع الغرر، وإما للنص، وهو ما رواه المشايخ الثلاثة - في الصحيح أو الحسن - عن


(1) إيضاح الفوائد 2: 409، وفي غير " ف " زيادة: " على ما حكي عنهم "، وشطب عليها في " ن ". (2) المختصر النافع: 159، والشرائع 2: 225. (3) المسالك 5: 427 - 429. (4) الدروس 2: 282. (5) مثل المحقق السبزواري في الكفاية: 143، والمحدث الكاشاني في المفاتيح 3: 220، والسيد الطباطبائي في الرياض 2: 34، وانظر مقابس الأنوار: 157.

[ 103 ]

الحسين بن نعيم، قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل جعل داره سكنى لرجل زمان حياته ولعقبه من بعده، قال: هي له ولعقبه من بعده كما شرط. قلت: فإن احتاج إلى بيعها؟ قال: نعم. قلت: فينقض البيع السكنى؟ قال: لا ينقض البيع السكنى، كذلك سمعت أبي يقول: قال أبو جعفر عليه السلام: لا ينقض البيع الإجارة ولا السكنى، ولكن يبيعه على أن الذي يشتريه لا يملك ما اشتراه حتى ينقضي السكنى على ما شرط... الخبر " (1). ومع ذلك فقد توقف في المسألة العلامة (2) وولده (3) والمحقق الثاني (4). ولو باعه من الموقوف عليه المختص بمنفعة الوقف، فالظاهر جوازه، لعدم الغرر. ويحتمل العدم، لأن معرفة المجموع المركب من ملك البائع وحق المشتري لا توجب معرفة المبيع. وكذا لو باعه ممن انتقل إليه حق الموقوف عليه. نعم، لو انتقل إلى الواقف ثم باع صح جزما. وأما مجرد رضا الموقوف عليهم، فلا يجوز البيع من الأجنبي،


(1) الكافي 7: 38، الحديث 38، والفقيه 4: 251، الحديث 5595، والتهذيب 9: 141، الحديث 593، وعنها الوسائل 13: 267، الباب 24 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 3. (2) القواعد 1: 273، والمختلف 6: 336. (3) إيضاح الفوائد 2: 409. (4) جامع المقاصد 9: 125.

[ 104 ]

لأن المنفعة مال لهم فلا تنتقل إلى المشتري بلا عوض. اللهم إلا أن يكون على وجه الإسقاط لو صححناه منهم، أو يكون المعاملة مركبة من نقل العين من طرف الواقف ونقل المنفعة من قبل الموقوف عليهم، فيكون العوض موزعا عليهما. ولا بد أن يكون ذلك على وجه الصلح، لأن غيره لا يتضمن نقل العين والمنفعة كليهما، خصوصا مع جهالة المنفعة. ومما ذكرنا يظهر وجه التأمل فيما حكي عن التنقيح: من أنه لو اتفق الواقف والموقوف عليه على البيع في المنقطع جاز (1)، سواء أراد بيع الواقف أو بيع الموقوف عليه، كما يدل عليه كلامه المحكي عنه في مسألة السكنى (2)، حيث أجاز استقلال مالك العين بالبيع ولو من دون رضا مالك الانتفاع أو المنفعة. نعم، لو كان للموقوف عليه حق الانتفاع من دون تملك للمنفعة - كما في السكنى على قول - صح ما ذكره، لإمكان سقوط الحق بالإسقاط، بخلاف المال، فتأمل. وتمام الكلام في هذه المسائل في باب السكنى والحبس إن شاء الله تعالى. وعلى الثاني (3): فلا يجوز البيع للواقف، لعدم الملك، ولا للموقوف


(1) التنقيح الرائع 2: 329 - 330، وحكاه عنه المحقق التستري في مقابس الأنوار: 157. (2) راجع التنقيح الرائع 2: 336 - 337. (3) عطف على قوله: " فعلى الأول " المتقدم في الصفحة 102.

[ 105 ]

عليه، لاعتبار الواقف بقاءه في يدهم إلى انقراضهم. وعلى الثالث: فلا يجوز البيع للموقوف عليه وإن أجاز الواقف، لمنافاته لاعتبار الواقف في الوقف بقاء العين، كما لا يجوز أيضا للواقف الغير المالك فعلا وإن أجاز الموقوف عليه، إلا إذا جوزنا بيع ملك الغير مع عدم اعتبار مجيز له في الحال، بناء على أن الموقوف عليه الذي هو المالك فعلا ليس له الإجازة، لعدم تسلطه على النقل، فإذا انقرض الموقوف عليه وملكه الواقف لزم البيع. ثم إنه قد اورد (1) على القاضي قدس سره حيث جوز للموقوف عليه بيع الوقف المنقطع مع قوله ببقاء الوقف المنقطع على ملك الواقف (2). ويمكن دفع التنافي بكونه قائلا بالوجه الثالث من الوجوه المتقدمة - وهو ملك الموقوف عليهم ثم عوده إلى الواقف - إلا أن الكلام في ثبوت هذا القول بين من اختلف في مالك الموقوف في الوقف المنقطع، ويتضح ذلك بمراجعة المسألة في كتاب الوقف. وعلى الرابع: فالظاهر أن حكمه حكم الوقف المؤبد - كما صرح به المحقق الثاني (3) على ما حكي عنه - لأنه حقيقة وقف مؤبد كما لو صرح بكونه في سبيل الله بعد انقراض الموقوف عليه الخاص. ثم إن ما ذكرنا في حكم الوقف المنقطع فإنما هو بالنسبة إلى البطن الذي لا بطن بعده يتلقى الملك من الواقف.


(1) أورده المحقق التستري في مقابس الأنوار: 157. (2) المهذب 2: 92. (3) جامع المقاصد 9: 70.

[ 106 ]

وأما حكم بيع بعض البطون مع وجود من بعدهم، فإن قلنا بعدم تملكهم للمنقطع فهو كما تقدم. وأما على تقدير القول بملكهم، فحكم بيع غير الأخير من البطون حكم بيع بعض البطون في الوقف المؤبد، فيشترك معه في المنع في الصور التي منعنا، وفي الجواز في الصور (1) التي جوزنا، لاشتراك دليل المنع، ويتشاركان أيضا في حكم الثمن بعد البيع.


(1) كذا في " ف " و " ن " ومصححة " خ "، وفي سائر النسخ: الصورة.

[ 107 ]

مسألة ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقا: صيرورة المملوكة ام ولد لسيدها، فإن ذلك يوجب منع المالك عن بيعها، بلا خلاف بين المسلمين، على الظاهر المحكي عن مجمع الفائدة (1). وفي بعض الأخبار دلالة على كونه من المنكرات في صدر الإسلام، مثل ما روي من قول أمير المؤمنين عليه السلام لمن (2) سأله عن بيع أمة أرضعت ولده، قال له: " خذ بيدها، وقل: من يشتري ام ولدي؟ " (3). وفي حكم البيع كل تصرف ناقل للملك الغير المستعقب بالعتق، أو مستلزم للنقل كالرهن، كما يظهر من تضاعيف كلماتهم في جملة من الموارد: منها (4): جعل ام الولد (5) ملكا غير طلق، كالوقف والرهن. وقد


(1) مجمع الفائدة 8: 169. (2) لم ترد " لمن " في غير " ش " و " ن ". (3) الوسائل 14: 309، الباب 19 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأول. (4) في غير " ف " زيادة: " ما "، وشطب عليها في " ن "، " خ " و " ع ". (5) في غير " ف " و " ش ": " ام ولد "، وصححت في " ن " بما أثبتناه.

[ 108 ]

عرفت أن المراد من الطلق: تمامية الملك والاستقلال في التصرف، فلو جاز الصلح عنها وهبتها لم تخرج عن كونها طلقا بمجرد عدم جواز إيقاع عقد البيع عليها، كما أن المجهول الذي يجوز (1) الصلح عنه وهبته والإبراء عنه ولا يجوز بيعه، لا يخرج عن كونه طلقا. ومنها: كلماتهم في رهن ام الولد، فلاحظها (2). ومنها: كلماتهم في استيلاد المشتري في زمان خيار البائع، فإن المصرح به في كلام الشهيدين في خيار الغبن: أن البائع لو فسخ يرجع إلى القيمة، لامتناع انتقال ام الولد (3). و (4) كذا في كلام العلامة (5) وولده (6) وجامع المقاصد (7) ذلك أيضا في زمان مطلق الخيار. ومنها: كلماتهم في مستثنيات بيع ام الولد ردا وقبولا (8)، فإنها كالصريحة في أن الممنوع مطلق نقلها، لا خصوص البيع. وبالجملة، فلا يبقى للمتأمل شك في ثبوت حكم البيع لغيره من النواقل.


(1) في غير " ف ": يصح. (2) راجع القواعد 1: 159، والمختلف 5: 426، والإيضاح 2: 12، والدروس 3: 393، وجامع المقاصد 5: 52، والجواهر 25: 139. (3) راجع الروضة البهية 3: 466، والمسالك 3: 206. (4) " الواو " من " ش " ومصححة " ن ". (5) القواعد 1: 144. (6) إيضاح الفوائد 1: 489. (7) جامع المقاصد 4: 313. (8) ستأتي كلماتهم في المستثنيات في الصفحة 118 وما بعدها.

[ 109 ]

ومع ذلك كله، فقد جزم بعض سادة مشايخنا (1) بجواز غير البيع من النواقل، للاصول وخلو كلام المعظم عن حكم غير البيع. وقد عرفت ظهوره من تضاعيف كلمات المعظم في الموارد المختلفة، ومع ذلك فهو الظاهر من المبسوط والسرائر، حيث قالا (2): إذا مات ولدها جاز بيعها وهبتها والتصرف فيها بسائر أنواع التصرف (3). وقد ادعى في الإيضاح الإجماع صريحا على المنع عن كل ناقل (4)، وأرسله بعضهم - كصاحب الرياض (5) وجماعة (6) - إرسال المسلمات، بل عبارة بعضهم ظاهرة في دعوى الاتفاق، حيث قال: إن الاستيلاد مانع من صحة التصرفات الناقلة من ملك المولى إلى ملك غيره، أو المعرضة لها للدخول في ملك غيره كالرهن، على خلاف في ذلك (7). ثم إن عموم المنع لكل ناقل وعدم اختصاصه بالبيع قول جميع المسلمين، والوجه فيه: ظهور أدلة المنع المعنونة بالبيع (8) في إرادة مطلق النقل، فإن مثل قول أمير المؤمنين عليه السلام في الرواية السابقة: " خذ


(1) المناهل: 320 (التنبيه السادس). (2) في " م " و " ش ": قال. (3) المبسوط 6: 185، والسرائر 3: 21. (4) إيضاح الفوائد 3: 631. (5) الرياض 2: 237. (6) منهم الشهيدان في غاية المراد: 249، والروضة البهية 6: 369، وصاحب الجواهر في الجواهر 22: 374. (7) قاله المحقق التستري في مقابس الأنوار: 160. (8) ستأتي في الصفحات التالية.

[ 110 ]

بيدها، وقل: من يشتري ام ولدي؟ " (1)، يدل على أن مطلق نقل ام الولد إلى الغير كان من المنكرات، وهو مقتضى التأمل فيما سيجئ من أخبار بيع ام الولد في ثمن رقبتها (2) وعدم جوازه فيما سوى ذلك. هذا مضافا إلى ما اشتهر - وإن لم نجد نصا عليه -: من أن الوجه في المنع هو بقاؤها رجاء لانعتاقها من نصيب ولدها بعد موت سيدها. والحاصل: أنه لا إشكال في عموم المنع لجميع النواقل. ثم إن المنع مختص بعدم هلاك الولد، فلو هلك جاز اتفاقا فتوى ونصا. ولو مات الولد وخلف ولدا: ففي إجراء حكم الولد عليه، لأصالة بقاء المنع، ولصدق الاسم فيندرج في إطلاق الأدلة، وتغليبا للحرية (3). أو العدم، لكونه حقيقة في ولد الصلب، وظهور إرادته من جملة من الأخبار، وإطلاق ما دل من النصوص والإجماع على الجواز بعد موت ولدها. أو التفصيل بين كونه وارثا، لعدم ولد الصلب للمولى، وعدمه، لمساواة الأول مع ولد الصلب في الجهة المقتضية للمنع، وجوه: حكي أولها عن الإيضاح (4)، وثالثها عن المهذب البارع (5) ونهاية المرام (6).


(1) تقدمت في الصفحة 107. (2) يجئ في الصفحة 119 - 120. (3) كذا في مصححة " ن " و " ص "، وفي النسخ: للحرمة. (4) إيضاح الفوائد 3: 636. (5) المهذب البارع 4: 106. (6) نهاية المرام 2: 318.

[ 111 ]

وعن القواعد (1) والدروس (2) وغيرهما (3): التردد. بقي الكلام في معنى " ام الولد "، فإن ظاهر اللفظ اعتبار انفصال الحمل، إذ لا يصدق الولد إلا بالولادة. لكن المراد هنا - مجازا - ولدها (4) ولو حملا (5)، للمشارفة. ويحتمل أن يراد الولادة من الوالد دون الوالدة. وكيف كان، فلا إشكال، بل لا خلاف في تحقق الموضوع بمجرد الحمل. ويدل عليه: الصحيح عن محمد بن مارد، عن أبي عبد الله عليه السلام: " في الرجل يتزوج أمة، فتلد منه (6) أولادا، ثم يشتريها فتمكث عنده ما شاء الله لم تلد منه شيئا بعد ما ملكها، ثم يبدو له في بيعها، قال: هي أمته إن شاء باع ما لم يحدث عنده حمل [ بعد ذلك ] (7) وإن شاء أعتق " (8). وفي رواية السكوني، عن جعفر بن محمد، قال: " قال علي بن


(1) القواعد 2: 128. (2) الدروس 2: 223، وحكى عنهم جميعا المحقق التستري في مقابس الأنوار: 160 - 161. (3) راجع مفتاح الكرامة 4: 264. (4) العبارة في مصححة " ن " وغاية الآمال: 456: ولدها مجازا. (5) عبارة " ولو حملا " من " ش ". (6) كذا في " ص " والمصدر، وفي " ش " ومصححة " ن ": " يتزوج الجارية تلد منه "، وفي سائر النسخ: يزوج الجارية يلد منه. (7) من " ص " والمصدر. (8) الوسائل 16: 105، الباب 4 من كتاب الاستيلاد.

[ 112 ]

الحسين - صلوات الله عليهم أجمعين (1) - في مكاتبة يطؤها مولاها فتحبل، فقال: يرد عليها مهر مثلها، وتسعى في رقبتها (2)، فإن عجزت فهي من امهات الأولاد " (3). لكن في دلالتها على ثبوت الحكم بمجرد الحمل نظر، لأن زمان الحكم بعد تحقق السعي والعجز عقيب الحمل، والغالب ولوج الروح حينئذ. ثم الحمل يصدق بالمضغة اتفاقا، على ما صرح في الرياض (4)، واستظهره بعض آخر (5) وحكاه عن جماعة هنا وفي باب انقضاء عدة الحامل. وفي صحيحة ابن الحجاج، قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الحبلى يطلقها زوجها ثم تضع سقطا - تم أو لم يتم - أو وضعته مضغة، أتنقضي عدتها (6)؟ فقال عليه السلام: كل شئ وضعته يستبين أنه حمل - تم


(1) كذا في الفقيه، وفي الكافي والتهذيب والوسائل: عن أبي عبد الله عليه السلام: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال. (2) في " ص " والمصادر الحديثية: قيمتها. (3) الوسائل 16: 97، الباب 14 من كتاب المكاتبة، الحديث 2، وانظر الكافي 6: 188، الحديث 16، والفقيه 3: 154، الحديث 3563، والتهذيب 8: 269، الحديث 981. (4) الرياض 2: 237. (5) وهو المحقق التستري في مقابس الأنوار: 159. (6) في غير " ص " زيادة: عنها.

[ 113 ]

أو لم يتم - فقد انقضت عدتها وإن كان مضغة " (1). ثم الظاهر صدق " الحمل " على العلقة، وقوله عليه السلام: " وإن كانت مضغة " تقرير لكلام السائل، لا بيان لأقل مراتب الحمل - كما عن الإسكافي (2) - وحينئذ فيتجه الحكم بتحقق الموضوع بالعلقة كما عن بعض (3)، بل عن الإيضاح (4) والمهذب البارع (5): الإجماع عليه. وفي المبسوط - فيما إذا ألقت جسدا ليس فيه تخطيط لا ظاهر ولا خفي، لكن قالت القوابل: إنه مبدأ خلق آدمي، وإنه لو بقي لتخلق (6) وتصور -: قال قوم: إنها لا تصير ام ولد بذلك. وقال بعضهم: تصير ام ولد. وهو مذهبنا (7)، انتهى. ولا يخلو عن قوة، لصدق الحمل. وأما النطفة: فهي بمجردها لا عبرة بها ما لم تستقر في الرحم، لعدم صدق كونها حاملا، وعلى هذا الفرد ينزل إجماع الفاضل المقداد على عدم العبرة بها في العدة (8).


(1) الوسائل 15: 421، الباب 11 من أبواب العدد. (2) حكاه عنه العلامة في المختلف 7: 528. (3) مثل المحقق في الشرائع 3: 138، وصاحب المدارك في نهاية المرام 2: 315، والسيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 262، وغيرهم. (4) إيضاح الفوائد 3: 631. (5) المهذب البارع 4: 100. (6) في النسخ: " لخلق "، والصواب ما أثبتناه من المصدر. (7) المبسوط 6: 186. (8) التنقيح الرائع 3: 342.

[ 114 ]

وأما (1) مع استقرارها في الرحم، فالمحكي عن نهاية الشيخ: تحقق الاستيلاد بها (2)، وهو الذي قواه في المبسوط في باب العدة - بعد أن نقل عن المخالفين عدم انقضاء العدة به - مستدلا بعموم الآية والأخبار (3)، ومرجعه إلى صدق الحمل. ودعوى: أن إطلاق " الحامل " حينئذ مجاز بالمشارفة، يكذبها التأمل في الاستعمالات. وربما يحكى (4) عن التحرير موافقة الشيخ، مع أنه لم يزد فيه على حكاية الحكم عن الشيخ (5). نعم، في بعض نسخ التحرير لفظ يوهم ذلك (6). نعم، قوى التحرير موافقته فيما تقدم عن الشيخ في مسألة الجسد الذي ليس فيه تخطيط (7). ونسب القول المذكور إلى الجامع أيضا (8). واعلم أن ثمرة تحقق الموضوع فيما إذا ألقت المملوكة ما في بطنها، إنما تظهر في بيعها الواقع قبل الإلقاء، فيحكم ببطلانه إذا كان الملقى


(1) لم ترد " أما " في " ف " و " خ "، وشطب عليها في " ن ". (2) حكاه عنه المحقق التستري في مقابس الأنوار: 160، وراجع النهاية: 546. (3) المبسوط 5: 240. (4) حكاه الفاضل في كشف اللثام 2: 138، والمحقق التستري في مقابس الأنوار: 160. (5) انظر التحرير 2: 71. (6) كتب في " ف " على عبارة " نعم - الى - ذلك ": نسخة. (7) كذا في " ف " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: التخطيط. (8) نسب ذلك الى الجامع، الفاضل الإصفهاني في كشف اللثام 2: 138، وراجع الجامع للشرائع: 471.

[ 115 ]

حملا، وأما بيعها بعد الإلقاء فيصح بلا إشكال. وحينئذ فلو وطأها المولى ثم جاءت بولد تام أو غير تام، فيحكم ببطلان البيع الواقع بين أول زمان العلوق وزمان الإلقاء. وعن المسالك: الإجماع على ذلك (1). فذكر صور الإلقاء - المضغة، والعلقة، والنطفة - في باب العدة إنما هو لبيان انقضاء العدة بالإلقاء، وفي باب الاستيلاد لبيان كشفها عن أن المملوكة بعد الوط ء صارت ام ولد، لا أن البيع الواقع قبل تحقق العلقة صحيح إلى (2) أن تصير النطفة علقة، ولذا عبر الأصحاب عن سبب الاستيلاد بالعلوق الذي هو اللقاح (3). نعم، لو فرض عدم علوقها بعد الوط ء إلى زمان، صح البيع قبل العلوق. ثم إن المصرح به في كلام بعض (4) - حاكيا له عن غيره (5) -: أنه لا يعتبر في العلوق أن يكون بالوط ء، فيتحقق بالمساحقة، لأن المناط هو الحمل، وكون ما يولد منها ولدا للمولى شرعا، فلا عبرة بعد ذلك


(1) المسالك 3: 288، وحكاه عنه المحقق التستري في مقابس الأنوار: 160. (2) في " ع "، " ص " و " ش " بدل " إلى ": إلا. (3) كما في الشرائع 3: 138، والروضة البهية 6: 370، ونهاية المرام 2: 315، والحدائق 18: 448، ومفتاح الكرامة 4: 262، وغيرها. (4) وهو السيد الطباطبائي في الرياض 2: 237، وقد حكاه عن جملة من الأصحاب. (5) كلمة " غيره " من " ش " ومصححة " ن ".

[ 116 ]

بانصراف الإطلاقات إلى الغالب من كون الحمل بالوط ء. نعم، يشترط في العلوق بالوط ء أن يكون الوط ء على وجه يلحق الولد بالواطئ وإن كان محرما، كما إذا كانت في حيض، أو ممنوعة الوط ء شرعا لعارض آخر، أما الأمة المزوجة فوطؤها زنا لا يوجب لحوق الولد. ثم إن المشهور اعتبار الحمل في زمان الملك، فلو ملكها بعد الحمل لم تصر ام ولد. خلافا للمحكي عن الشيخ (1) وابن حمزة (2) فاكتفيا بكونها ام ولد قبل الملك، ولعله لإطلاق العنوان، ووجود العلة، وهي كونها في معرض الانعتاق من نصيب ولدها. ويرد الأول: منع إطلاق يقتضي ذلك، فإن المتبادر من " ام الولد " صنف من أصناف الجواري باعتبار الحالات العارضة لها بوصف المملوكية، كالمدبر والمكاتب. والعلة المذكورة غير مطرد