كتاب المكاسب

الشيخ الأنصاري ج 2

العودة الى مكتبة المرتضى


[ 1 ]

كتاب المكاسب

[ 3 ]

كتاب المكاسب للشيخ الاعظم استاذ الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى الانصاري (قدس سره) 1214 - 1281 ه‍ الجزء الثاني اعداد لجنة تحقيق تراثنا الشيخ الاعظم

[ 4 ]

أنصاري، مرتضى بن محمد أمين 1214 - 1281 ق. المكاسب / المؤلف مرتضى الأنصاري: إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم. - قم: مجمع الفكر الإسلامي 1420 ق = 1378. 6 ج. فهرستنويسي بر اساس اطلاعات فيپا (فهرستنويسي پيش از انتشار). عربي. فهرست نويسي بر اساس جلد اول، 1420 ق = 1378. اين كتاب به مناسبت دويستمين سالگر تولد شيخ انصاري منتشر شده است. كتابنامه: 1 - معاملات (فقه). الف: مجمع الفكر الاسلامي. لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم ب. مجمع الفكر الاسلامي. ج. كنگره جهاني بزرگداشت دويستمين سالگر تولد شيخ انصاري. د. عنوان. 7 م 8 الف / 1 / 1901 792 / 273 - BP الف ى 1300 كتابخانه ملي ايران - 1937 - 78 م قم - ص. ب 3654 - 37185 - ت: 744810 كتاب المكاسب / ج 2 المؤلف: الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره تحقيق: لجنة التحقيق الطبعة: الثالثة / ربيع الأول 1420 ه‍. ق صف الحروف: مجمع الفكر الإسلامي الليتوغراف: نگارش - قم المطبعة: باقري - قم الكمية المطبوعة: 2000 نسخة جميع الحقوق محفوظة للأمانة العامة لمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري قدس سره.

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 7 ]

[ المسألة ] السابعة عشر القيافة حرام في الجملة، نسبه في الحدائق إلى الأصحاب (1)، وفي الكفاية: لا أعرف خلافا (2)، وعن المنتهى: الإجماع (3). والقائف - كما عن الصحاح والقاموس والمصباح -: هو الذي يعرف الآثار (4). وعن النهاية ومجمع البحرين زيادة: أنه يعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه (5). وفي جامع المقاصد والمسالك - كما عن إيضاح النافع والميسية -:


(1) الحدائق 18: 182. (2) الكفاية: 87. (3) المنتهى 2: 1014، وفيه: نفي الخلاف. وحكى الاجماع عنه المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 8: 80. (4) الصحاح 4: 1419، مادة: " قوف "، القاموس المحيط 3: 188، مادة: " قوف "، ولم نقف في المصباح على التعبير المذكور، انظر المصباح المنير: 519. (5) النهاية، لابن الأثير 4: 121، مجمع البحرين 5: 110، والعبارة للأول.

[ 8 ]

أنها إلحاق الناس بعضهم ببعض (1). وقيد في الدروس وجامع المقاصد - كما عن (2) التنقيح - حرمتها بما إذا ترتب عليها محرم (3)، والظاهر أنه مراد الكل، وإلا فمجرد حصول الاعتقاد العلمي أو الظني بنسب شخص لا دليل على تحريمه، ولذا نهي في بعض الأخبار عن إتيان القائف والأخذ بقوله. ففي المحكي عن الخصال: " ما احب أن تأتيهم " (4). وعن مجمع البحرين: أن في الحديث: " لا آخذ بقول قائف " (5). وقد افترى بعض العامة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أنه قضى بقول القافة (6). وقد انكر ذلك عليهم في الأخبار، كما يشهد به ما عن الكافي


(1) جامع المقاصد 4: 33، المسالك 3: 129، والعبارة للثاني مع اختلاف يسير، وأما إيضاح الفوائد والميسية: فلا يوجدان عندنا، نعم حكاه عنهما السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 82. (2) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: في. (3) الدروس 3: 165، جامع المقاصد 4: 33، ولم نقف على التقييد المذكور في التنقيح. نعم، حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 82، وانظر التنقيح 2: 13. (4) الخصال 1: 20، باب الواحد، الحديث 68، وعنه الوسائل 12: 109، الباب 26 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. (5) مجمع البحرين 5: 110. (6) صحيح البخاري 8: 195.

[ 9 ]

عن زكريا بن يحيى بن نعمان المصري (1)، قال: " سمعت علي بن جعفر يحدث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين، فقال: والله لقد نصر الله أبا الحسن الرضا عليه السلام. فقال الحسن: إي والله جعلت فداك! لقد بغى عليه إخوته. فقال علي بن جعفر: إي والله! ونحن عمومته بغينا عليه. فقال له الحسن: جعلت فداك! كيف صنعتم، فإني لم أحضركم؟ قال: فقال له إخوته - ونحن أيضا -: ما كان فينا إمام قط حائل اللون! فقال لهم الرضا عليه السلام: هو ابني. فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالقافة، فبيننا وبينك القافة. فقال: ابعثوا أنتم إليهم، وأما أنا فلا، ولا تعلموهم لما دعوتموهم إليه، وليكونوا في بيوتكم. فلما جاءوا وقعدنا في البستان واصطف عمومته وإخوته وأخواته وأخذوا الرضا عليه السلام وألبسوه جبة من صوف وقلنسوة [ منها ] (2)،


(1) كذا في " ش "، وفي سائر النسخ: " زكريا بن يحيى العري "، إلا أنه صحح في " ن " و " ص " بما في " ش "، وفي " خ " و " ع " كتب فوق كلمة " العري ": " الصيرفي (خ ل) ". هذا حال النسخ، وأما المصدر: ففي الطبعة الحديثة من الكافي: " زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفي "، وفي معجم رجال الحديث (7: 289) ما يلي: في الطبعة القديمة " المصرفي " بدل " الصيرفي "، وفي الوافي: " المصري ". (2) من المصدر.

[ 10 ]

ووضعوا على عنقه مسحاة، وقالوا له: ادخل البستان كأنك تعمل فيه. ثم جاءوا بأبي جعفر عليه السلام وقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه. فقالوا: ما له هنا أب، ولكن هذا عم أبيه، وهذا عمه، وهذه عمته، وإن يكن له هنا أب فهو صاحب البستان، فإن قدميه وقدميه واحدة. فلما رجع أبو الحسن عليه السلام قالوا: هذا أبوه. فقال علي بن جعفر: فقمت فمصصت ريق أبي جعفر عليه السلام وقلت: أشهد أنك إمامي " (1). الخبر نقلناه بطوله تيمنا.


(1) أوردنا هذا الحديث طبقا لنسخة " ش "، لكونها أقرب إلى المصدر، وهناك اختلافات عديدة وردت في النسخ لم نتعرض لها، انظر الكافي 1: 322، الحديث 14.

[ 11 ]

[ المسألة ] الثامنة عشر الكذب حرام بضرورة العقول والأديان، ويدل عليه الأدلة الأربعة، إلا أن الذي ينبغي الكلام فيه مقامان: أحدهما - في أنه من الكبائر. الثاني (1) - في مسوغاته. [ الكلام في المقام الأول ] أما الأول - فالظاهر من غير واحد من الأخبار - كالمروي في العيون بسند (2) عن الفضل بن شاذان لا يقصر عن الصحيح (3)، والمروي عن الأعمش في حديث شرائع الدين (4) - عده من الكبائر.


(1) في " خ "، " ع "، " ص " و " ش ": والثاني. (2) في " ش ": بسنده. (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 127، والوسائل 11: 261، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 33. (4) الوسائل 11: 262، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 36.

[ 12 ]

وفي الموثقة بعثمان بن عيسى: " إن الله تعالى جعل للشر أقفالا، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شر من الشراب " (1). وارسل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ألا اخبركم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور " (2) أي الكذب. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: أن " المؤمن إذا كذب بغير عذر لعنه سبعون ألف ملك، وخرج من قلبه نتن حتى يبلغ العرش، وكتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية، أهونها كمن يزني مع امه " (3). ويؤيده ما عن العسكري صلوات الله عليه: " جعلت الخبائث كلها في بيت واحد، وجعل مفتاحها الكذب... الحديث " (4)، فإن مفتاح الخبائث كلها كبيرة لا محالة. ويمكن الاستدلال على كونه من الكبائر بقوله تعالى: * (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) * (5)، فجعل الكاذب غير مؤمن بآيات الله، كافرا بها.


(1) الوسائل 8: 572، الباب 138 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 3. (2) المحجة البيضاء 5: 242. (3) البحار 72: 263، الحديث 48، ومستدرك الوسائل 9: 86، الباب 120 من أبواب تحريم الكذب، الحديث 15. (4) البحار 72: 263، الحديث 46. (5) النحل: 105.

[ 13 ]

ولذلك كله أطلق جماعة كالفاضلين (1) والشهيد الثاني (2) - في ظاهر كلماتهم - كونه من الكبائر، من غير فرق بين أن يترتب على الخبر الكاذب مفسدة أو لا يترتب عليه شئ أصلا. ويؤيده ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لأبي ذر رضوان الله عليه: " ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك القوم، ويل له، ويل له، ويل له (3) " (4)، فإن الأكاذيب المضحكة لا يترتب عليها غالبا إيقاع في المفسدة. نعم، في الأخبار ما يظهر منه عدم كونه على الإطلاق كبيرة، مثل رواية أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام: إن " الكذب على الله تعالى ورسوله من الكبائر " (5). فإنها ظاهرة في اختصاص (6) الكبيرة بهذا الكذب الخاص، لكن يمكن حملها على كون هذا (7) الكذب الخاص من الكبائر الشديدة العظيمة، ولعل هذا أولى من تقييد المطلقات المتقدمة. وفي مرسلة سيف بن عميرة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " كان


(1) لم نقف عليه في كتب المحقق والعلامة قدس سرهما، نعم في القواعد (2: 236): أن الكبيرة ما توعد الله فيها بالنار. ومثله التحرير (2: 208). (2) الروضة البهية 3: 129. (3) محل " ويل له " الثالث بياض في " ش ". وفي سائر النسخ: ويل له، وويل له، وويل له. (4) الوسائل 8: 577، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، ذيل الحديث 4. (5) الوسائل 8: 575، الباب 139 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 3. (6) كذا في " ش "، وفي سائر النسخ: باختصاص. (7) لم ترد " هذا " في " ف ".

[ 14 ]

يقول علي بن الحسين عليهما السلام لولده: اتقوا الكذب، الصغير منه والكبير، في كل جد وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير... الخبر " (1). ويستفاد منه: أن عظم الكذب باعتبار ما يترتب عليه من المفاسد. وفي صحيحة ابن الحجاج: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الكذاب هو الذي يكذب في الشئ؟ قال: لا، ما من أحد إلا ويكون منه ذلك، ولكن المطبوع (2) على الكذب " (3)، فإن قوله: " ما من أحد... الخبر " يدل على أن الكذب من اللمم الذي يصدر من كل أحد، لا من الكبائر. وعن الحارث الأعور، عن علي عليه السلام، قال: " لا يصلح من الكذب جد و [ لا ] (4) هزل، ولا يعدن (5) أحدكم صبيه ثم لا يفي له، إن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما زال أحدكم يكذب حتى يقال: كذب وفجر... الخبر " (6). وفيه أيضا إشعار بأن مجرد الكذب ليس فجورا. وقوله: " لا يعدن أحدكم صبيه ثم لا يفي له "، لا بد أن يراد به


(1) الوسائل 8: 577، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، الحديث الأول. (2) كذا في " ص "، وفي سائر النسخ: المطوع. (3) الوسائل 8: 573، الباب 138 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 9. (4) من الوسائل. (5) في الوسائل: ولا أن يعد. (6) الوسائل 8: 577، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 3.

[ 15 ]

النهي عن الوعد مع إضمار عدم الوفاء، وهو المراد ظاهرا بقوله تعالى: * (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) * (1)، بل الظاهر عدم كونه كذبا حقيقيا، وأن إطلاق الكذب عليه في الرواية لكونه في حكمه من حيث الحرمة، أو لأن الوعد مستلزم للإخبار بوقوع الفعل، كما أن سائر الإنشاءات كذلك، ولذا ذكر بعض الأساطين: أن الكذب وإن كان من صفات الخبر، إلا أن حكمه يجري في الإنشاء المنبئ عنه، كمدح المذموم، وذم الممدوح، وتمني المكاره (2)، وترجي غير المتوقع، وإيجاب غير الموجب، وندب غير النادب، ووعد غير العازم (3). وكيف كان، فالظاهر عدم دخول خلف الوعد في الكذب، لعدم كونه من مقولة الكلام، نعم، هو كذب للوعد، بمعنى جعله مخالفا للواقع، كما أن إنجاز الوعد صدق له، بمعنى جعله مطابقا للواقع، فيقال: " صادق الوعد " و " وعد غير مكذوب ". والكذب بهذا المعنى ليس محرما على المشهور وإن كان غير واحد من الأخبار ظاهرا في حرمته (4)، وفي بعضها الاستشهاد بالآية المتقدمة. ثم إن ظاهر الخبرين الأخيرين - خصوصا المرسلة - حرمة الكذب حتى في الهزل، ويمكن أن يراد به: الكذب في مقام الهزل، وأما نفس


(1) الصف: 3. (2) في " ف ": وتمني ما يكره الكاره. (3) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 20. (4) انظر الوسائل 8: 515، الباب 109 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2 و 3، وأيضا 11: 270، الباب 49 من أبواب جهاد النفس، الحديث 6 و 11.

[ 16 ]

الهزل - وهو الكلام الفاقد للقصد إلى تحقق مدلوله - فلا يبعد أنه غير محرم مع نصب القرينة على إرادة الهزل كما صرح به بعض (1)، ولعله (2) لانصراف الكذب إلى الخبر المقصود، وللسيرة. ويمكن حمل الخبرين على مطلق المرجوحية، ويحتمل غير بعيد حرمته، لعموم ما تقدم، خصوصا الخبرين الأخيرين، والنبوي في وصية أبي ذر رضي الله عنه (3)، لأن الأكاذيب المضحكة أكثرها من قبيل الهزل. وعن الخصال بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا زعيم بيت في أعلى الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في رياض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، ولمن ترك الكذب وإن كان هازلا، ولمن حسن خلقه " (4). وقال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: " لا يجد الرجل طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده " (5). ثم إنه لا ينبغي الإشكال في أن المبالغة في الادعاء وإن بلغت ما بلغت، ليست من الكذب.


(1) لم نعثر على من صرح بذلك، انظر مفتاح الكرامة 4: 67، والجواهر 22: 72. (2) لم ترد: " كما صرح به بعض، ولعله " في " ف ". (3) تقدم في الصفحة 13. (4) الخصال 1: 144، الحديث 170، والوسائل 8: 568، الباب 135 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 8. (5) الوسائل 8: 577، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2.

[ 17 ]

وربما يدخل فيه إذا كانت في غير محلها، كما لو مدح إنسانا (1) قبيح المنظر وشبه وجهه بالقمر، إلا إذا بنى على كونه كذلك في نظر المادح، فإن الأنظار تختلف في التحسين والتقبيح كالذوائق في المطعومات. وأما التورية، وهي (2): أن يريد بلفظ معنى مطابقا للواقع وقصد من إلقائه أن يفهم المخاطب منه خلاف ذلك، مما هو ظاهر فيه عند مطلق المخاطب، أو المخاطب الخاص - كما لو قلت في مقام إنكار ما قلته في حق أحد: " علم الله ما قلته "، وأردت بكلمة " ما " الموصولة، وفهم المخاطب النافية، وكما لو استأذن رجل بالباب فقال الخادم له: " ما هو ها هنا " وأشار إلى موضع خال في البيت (3)، وكما لو قلت: " اليوم ما أكلت الخبز "، تعني بذلك حالة النوم أو حالة الصلاة، إلى غير ذلك - فلا ينبغي الإشكال في عدم كونها من الكذب. ولذا صرح الأصحاب فيما سيأتي من وجوب التورية عند الضرورة (4)، بأنه يوري (5) بما يخرجه من الكذب، بل اعترض جامع المقاصد على قول العلامة في القواعد - في مسألة الوديعة إذا طالبها ظالم، بأنه " يجوز الحلف كاذبا، وتجب التورية على العارف بها " -: بأن


(1) في " ش ": إنسان. (2) كذا في نسخة بدل " ص "، وفي النسخ: وهو. (3) في ظاهر " ف ": في البيت خال. (4) ستأتي تصريحاتهم في الصفحة 22 و 23. (5) في " ش ": يؤدي.

[ 18 ]

العبارة لا تخلو من (1) مناقشة، حيث تقتضي ثبوت الكذب مع التورية، ومعلوم أن لا كذب معها (2)، انتهى. ووجه ذلك: أن الخبر باعتبار معناه - وهو المستعمل فيه كلامه - ليس مخالفا للواقع، وإنما فهم المخاطب من كلامه أمرا مخالفا للواقع لم يقصده المتكلم من اللفظ. نعم، لو ترتب عليها مفسدة حرمت من تلك الجهة، اللهم إلا أن يدعى أن مفسدة الكذب - وهي الإغراء - موجودة فيها، وهو ممنوع، لأن الكذب محرم، لا لمجرد الإغراء. وذكر بعض الأفاضل (3): أن المعتبر في اتصاف الخبر بالصدق والكذب هو ما يفهم من ظاهر الكلام، لا ما هو المراد منه، فلو قال: " رأيت حمارا " وأراد منه " البليد " من دون نصب قرينة، فهو متصف بالكذب وإن لم يكن المراد مخالفا للواقع، انتهى موضع الحاجة. فإن أراد اتصاف الخبر في الواقع، فقد تقدم أنه دائر مدار موافقة مراد المخبر ومخالفته للواقع، لأنه معنى الخبر والمقصود منه، دون ظاهره الذي لم يقصد. وإن أراد اتصافه عند الواصف، فهو حق مع فرض جهله بإرادة خلاف الظاهر. لكن توصيفه - حينئذ - باعتقاد أن هذا هو مراد المخبر ومقصوده،


(1) في غير " ش ": عن. (2) جامع المقاصد 6: 38. (3) هو المحقق القمي في قوانين الاصول 1: 419.

[ 19 ]

فيرجع الأمر إلى إناطة الاتصاف بمراد المتكلم وإن كان الطريق إليه اعتقاد المخاطب. ومما يدل على سلب الكذب عن التورية ما روي في الاحتجاج: " أنه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل - في قصة ابراهيم على نبينا وآله وعليه السلام -: * (بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون) * (1)، قال: ما فعله (2) كبيرهم وما كذب ابراهيم، قيل: وكيف ذلك؟ فقال: إنما قال ابراهيم: * (إن كانوا ينطقون) *، أي: إن نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا، فما نطقوا وما كذب ابراهيم. وسئل عليه السلام عن قوله تعالى: * (أيتها العير إنكم لسارقون) * (3). قال: إنهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى أنهم قالوا: * (نفقد صواع الملك) * (4) ولم يقولوا: سرقتم صواع الملك. وسئل عن قول الله عز وجل حكاية عن ابراهيم عليه السلام: * (إني سقيم) * (5) قال: ما كان ابراهيم سقيما وما كذب، إنما عنى سقيما في دينه، أي: مرتادا " (6).


(1) الأنبياء: 63. (2) في " خ ": ما فعل. (3) يوسف: 70. (4) يوسف: 72. (5) الصافات: 89. (6) الاحتجاج 2: 105 مع اختلاف يسير، والمرتاد: الطالب للشئ. (*

[ 20 ]

وفي مستطرفات السرائر من كتاب ابن بكير، قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يستأذن عليه، فيقول (1) للجارية: قولي: ليس هو ها هنا، فقال: لا بأس، ليس بكذب " (2)، فإن سلب الكذب مبني على أن المشار إليه بقوله: " ها هنا " موضع خال من الدار، إذ لا وجه له سوى ذلك. وروي في باب الحيل من كتاب الطلاق للمبسوط: أن واحدا من الصحابة صحب واحدا آخر، فاعترضهما في الطريق أعداء المصحوب، فأنكر الصاحب أنه هو، فأحلفوه، فحلف لهم أنه أخوه، فلما أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: " صدقت، المسلم أخو المسلم " (3). إلى غير ذلك مما يظهر منه ذلك (4).


(1) كذا في " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: يقول. (2) مستطرفات السرائر (السرائر) 3: 632، والوسائل 8: 580، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 8. (3) المبسوط 5: 95. (4) راجع الوسائل 8: 578، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة. (*

[ 21 ]

أما الكلام في المقام الثاني وهو مسوغات الكذب فاعلم أنه يسوغ الكذب لوجهين: أحدهما - الضرورة إليه: فيسوغ معها بالأدلة الأربعة، قال الله تعالى: * (إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان) * (1). وقال تعالى: * (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقية) * (2). وقوله عليه السلام: " ما من شئ إلا وقد أحله الله لمن اضطر إليه " (3). وقد اشتهر أن الضرورات تبيح المحظورات. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وقد استفاضت أو تواترت بجواز الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو أخيه (4). والإجماع أظهر من أن يدعى أو يحكى. والعقل مستقل بوجوب ارتكاب أقل القبيحين مع بقائه على قبحه، أو انتفاء قبحه، لغلبة الآخر عليه، على القولين (5) في كون القبح العقلي


(1) النحل: 106. (2) آل عمران: 28. (3) الوسائل 4: 690، الباب الأول من أبواب القيام، الحديث 6 و 7، مع اختلاف في بعض الألفاظ. (4) الوسائل 16: 134، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان. (5) تعرض لهما القوشجي في شرح التجريد: 338.

[ 22 ]

- مطلقا، أو في خصوص الكذب - لأجل الذات، أو بالوجوه والاعتبارات. ولا إشكال في ذلك كله، إنما الإشكال والخلاف في أنه هل يجب حينئذ التورية لمن يقدر عليها، أم لا؟ ظاهر المشهور هو الأول، كما يظهر من المقنعة (1) والمبسوط (2) والغنية (3) والسرائر (4) والشرائع (5) والقواعد (6) واللمعة وشرحها (7) والتحرير (8) وجامع المقاصد (9) والرياض (10) ومحكي مجمع البرهان (11) في مسألة جواز الحلف لدفع الظالم عن الوديعة. قال في المقنعة: من كانت عنده أمانة فطالبه ظالم فليجحد، وإن استحلفه ظالم على ذلك فليحلف، ويوري في نفسه بما يخرجه عن الكذب - إلى أن قال (12) -: فإن لم يحسن التورية وكان نيته حفظ


(1) المقنعة: 556. (2) لم نقف عليه فيه. (3) الغنية (الجوامع الفقهية): 538. (4) السرائر 3: 43. (5) الشرائع 2: 163 و 3: 32. (6) القواعد 1: 190. (7) اللمعة الدمشقية وشرحها (الروضة البهية) 4: 235. (8) التحرير 1: 266. (9) جامع المقاصد 4: 27. (10) الرياض 1: 622. (11) مجمع الفائدة 10: 300. (12) وردت هذه العبارة في " ش " مضطربة.

[ 23 ]

الأمانة أجزأته النية وكان مأجورا (1)، انتهى. وقال في السرائر في هذه المسألة - أعني مطالبة الظالم الوديعة -: فإن قنع الظالم منه بيمينه، فله أن يحلف ويوري في ذلك (2)، انتهى. وفي الغنية - في هذه المسألة -: ويجوز له أن يحلف أنه ليس عنده وديعة ويوري في يمينه بما يسلم به من الكذب، بدليل إجماع الشيعة (3)، انتهى. وفي النافع: حلف موريا (4). وفي القواعد: ويجب التورية على العارف بها (5)، انتهى. وفي التحرير - في باب الحيل من كتاب الطلاق -: لو أنكر الاستدانة خوفا من الإقرار بالإبراء، أو القضاء جاز الحلف مع صدقه، بشرط التورية بما يخرجه عن الكذب (6)، انتهى. وفي اللمعة: يحلف عليه فيوري (7). وقريب منه في شرحها (8). وفي جامع المقاصد - في باب المكاسب -: يجب التورية بما يخرجه عن (9) الكذب (10)، انتهى.


(1 - 3) تقدم التخريج عنها في الصفحة السابقة. (4) المختصر النافع 1: 150. (5 - 8) تقدم التخريج عنها في الصفحة السابقة. (9) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: من. (10) لم نقف في باب المكاسب من جامع المقاصد (4: 27) إلا على ما يلي: " ولو اقتضت المصلحة الكذب وجبت التورية "، نعم في باب الوديعة (6: 38) ما يلي: " وتجب التورية على العارف بها بأن يقصد ما يخرجه عن الكذب ".

[ 24 ]

ووجه ما ذكروه: أن الكذب حرام، ولم يحصل الاضطرار إليه مع القدرة على التورية، فيدخل تحت العمومات (1)، مع أن قبح الكذب عقلي، فلا يسوغ إلا مع تحقق عنوان حسن في ضمنه يغلب حسنه على قبحه، ويتوقف تحققه على تحققه، ولا يكون التوقف إلا مع العجز عن التورية. وهذا الحكم جيد، إلا أن مقتضى إطلاقات أدلة الترخيص في الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو أخيه، عدم اعتبار ذلك. ففي رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام: " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إحلف بالله كاذبا ونج أخاك من القتل " (2). وصحيحة اسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: " سألته عن رجل يخاف على ماله من السلطان، فيحلف له لينجو به منه. قال: لا بأس. وسألته: هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على مال نفسه (3)؟ قال: نعم " (4). وعن الفقيه، قال: " قال الصادق عليه السلام: اليمين على وجهين - إلى أن قال -: فأما اليمين التي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا


(1) المتقدمة في أول البحث. (2) الوسائل 16: 134، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 4. (3) في الوسائل ونسخة بدل " ش ": ماله. (4) الوسائل 16: 134، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث الأول.

[ 25 ]

و (1) لم تلزمه الكفارة، فهو أن يحلف الرجل في خلاص امرئ مسلم، أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص، أو غيره " (2). وفي موثقة زرارة بابن بكير: " إنا نمر على هؤلاء القوم، فيستحلفونا على أموالنا وقد أدينا زكاتها؟ فقال: يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم بما شاؤا " (3). ورواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام: " إذا حلف الرجل تقية (4) لم يضره إذا هو (5) اكره، أو اضطر (6) إليه. وقال: ليس شئ مما (7) حرم الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه " (8). إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا الباب (9) وفيما يأتي (10)،


(1) " الواو " غير موجودة في " خ "، " م " و " ع ". (2) الفقيه 3: 366 - 367، الحديث 4297، وفيه: ولا تلزمه الكفارة، والوسائل 16: 135، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 9. (3) الوسائل 16: 136، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 14، وفيه: " ما شاؤا "، نعم وردت عبارة " بما شاؤا " في جواب السؤال عن الحلف بالطلاق والعتاق. (4) لم ترد " تقية " في غير " ص " و " ش ". (5) لم ترد " هو " في " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع ". (6) في الوسائل: واضطر. (7) في " ف "، " ن "، " م " و " ص ": فيما. (8) الوسائل 16: 137، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 18. (9) الوسائل 16: 137، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان. (10) يأتي في الصفحة 31، (الثاني من مسوغات الكذب).

[ 26 ]

من جواز الكذب في الإصلاح، التي يصعب على الفقيه التزام تقييدها بصورة عدم القدرة على التورية. وأما حكم العقل بقبح الكذب في غير مقام توقف تحقق المصلحة الراجحة عليه، فهو وإن كان مسلما إلا أنه يمكن القول بالعفو عنه شرعا، للأخبار المذكورة، كما عفي عن الكذب في الإصلاح، وعن السب والتبري مع الإكراه، مع أنه قبيح عقلا أيضا، مع أن إيجاب التورية على القادر لا يخلو عن التزام ما يعسر (1) كما لا يخفى، فلو قيل بتوسعة الشارع على العباد بعدم ترتيب الآثار على الكذب في ما نحن فيه وإن قدر على التورية، كان حسنا، إلا أن الاحتياط في خلافه، بل هو المطابق للقواعد لولا استبعاد التقييد في هذه المطلقات، لأن النسبة بين هذه المطلقات، وبين ما دل - كالرواية الأخيرة وغيرها - على اختصاص الجواز بصورة الاضطرار المستلزم للمنع مع عدمه مطلقا، عموم من وجه، فيرجع إلى عمومات حرمة الكذب، فتأمل. هذا، مع إمكان منع الاستبعاد المذكور، لأن مورد الأخبار عدم الالتفات إلى التورية في مقام الضرورة إلى الكذب، إذ مع الالتفات فالغالب اختيارها، إذ لا داعي إلى العدول عنها إلى الكذب. ثم إن أكثر الأصحاب مع تقييدهم جواز الكذب بعدم القدرة (2) على التورية (3)، أطلقوا القول بلغوية ما اكره عليه، من العقود


(1) كذا في " ف " ومصححة " م " ونسخة بدل " ش "، وفي النسخ: بالعسر. (2) في " ف ": " بالقدرة " بدل " بعدم القدرة ". (3) راجع الصفحة 22.

[ 27 ]

والإيقاعات والأقوال المحرمة كالسب والتبري، من دون تقييد بصورة عدم التمكن من التورية (1)، بل صرح (2) بعض هؤلاء كالشهيد في الروضة (3) والمسالك (4) - في باب الطلاق (5) - بعدم اعتبار العجز عنها، بل في كلام بعض ما يشعر بالاتفاق عليه (6)، مع أنه يمكن أن يقال: إن المكره على البيع إنما اكره على التلفظ بالصيغة، وأما إرادة المعنى فمما لا تقبل الإكراه، فإذا أراده مع القدرة على عدم إرادته (7) فقد اختاره، فالإكراه على البيع الواقعي يختص بغير القادر على التورية، لعدم المعرفة بها، أو عدم الالتفات إليها، كما أن الاضطرار إلى الكذب يختص بغير القادر عليها. ويمكن أن يفرق بين المقامين: بأن الإكراه إنما يتعلق بالبيع الحقيقي، أو الطلاق الحقيقي، غاية الأمر قدرة المكره على التفصي عنه بإيقاع الصورة من دون إرادة المعنى، لكنه غير المكره عليه. وحيث إن الأخبار خالية عن اعتبار العجز عن التفصي بهذا الوجه، لم يعتبر ذلك


(1) انظر النهاية: 510، والسرائر 2: 665، والشرائع 2: 14، و 3: 12، والمختصر 1: 197، والتنقيح 3: 294، والكفاية: 198، والرياض 2: 169، وغيرها. (2) في " ف ": " وبعض هؤلاء "، بدل: " بل صرح بعض هؤلاء ". (3) الروضة البهية 6: 21. (4) المسالك (الطبعة الحجرية) 2: 3. (5) في " ف ": بل صرح في باب الطلاق. (6) راجع الجواهر 32: 15. (7) في " ف ": على العدم.

[ 28 ]

في حكم الإكراه. وهذا بخلاف الكذب، فإنه لم يسوغ إلا عند الاضطرار إليه، ولا اضطرار مع القدرة. نعم، لو كان الإكراه من أفراد الاضطرار - بأن كان المعتبر في تحقق موضوعه عرفا أو لغة العجز عن التفصي كما ادعاه بعض (1)، أو قلنا باختصاص رفع حكمه بصورة الاضطرار، بأن كان عدم ترتب الأثر على المكره عليه من حيث إنه مضطر إليه لدفع الضرر المتوعد عليه به عن النفس والمال - كان ينبغي فيه اعتبار العجز عن (2) التورية، لعدم الاضطرار مع القدرة عليها. والحاصل: أن المكره إذا قصد المعنى مع التمكن من التورية، صدق على ما أوقع أنه مكره عليه، فيدخل في عموم " رفع ما اكرهوا عليه " (3). وأما المضطر، فإذا كذب مع القدرة على التورية، لم يصدق أنه مضطر إليه، فلا يدخل في عموم " رفع ما اضطروا إليه " (4). هذا كله على مذاق المشهور من انحصار جواز الكذب بصورة الاضطرار إليه حتى من جهة العجز عن التورية، وأما على ما استظهرناه


(1) لم نعثر عليه، نعم في الحدائق (25: 159)، من شرائط الإكراه: عجز المكره عن دفع ما توعد به. (2) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: من. (3) راجع الوسائل 11: 295، الباب 56 من أبواب جهاد النفس. (4) راجع الوسائل 11: 295، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1 و 3.

[ 29 ]

من الأخبار (1) - كما اعترف به جماعة (2) - من جوازه مع الاضطرار إليه من غير جهة العجز عن التورية، فلا فرق بينه وبين الإكراه. كما أن الظاهر أن أدلة نفي الإكراه راجعة إلى الاضطرار، لكن (3) من غير جهة التورية، فالشارع رخص في ترك التورية في كل كلام مضطر إليه للإكراه عليه أو دفع الضرر به. هذا، ولكن الأحوط التورية في البابين. ثم إن الضرر المسوغ للكذب هو المسوغ لسائر المحرمات. نعم، يستحب تحمل الضرر المالي الذي لا يجحف، وعليه يحمل قول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: " علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك، على الكذب حيث ينفعك " (4). ثم إن الأقوال الصادرة عن أئمتنا صلوات الله عليهم في مقام التقية في بيان الأحكام، مثل قولهم: " لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر " (5) ونحو ذلك، وإن أمكن حمله على الكذب لمصلحة - بناء على ما استظهرنا


(1) كما تقدم في الصفحة 24 عند قوله: إلا أن مقتضى إطلاقات أدلة الترخيص... (2) لم نقف عليه. (3) كلمة " لكن " مشطوب عليها في " ف ". (4) نهج البلاغة - الحكمة: 458، وانظر الوسائل 8: 580، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 11، لكن لم ترد كلمة " علامة " في نهج البلاغة. (5) الوسائل 2: 1055، الباب 38 من أبواب النجاسات، الاحاديث 2 و 10 - 13 وغيرها.

[ 30 ]

جوازه من الأخبار - (1)، إلا أن الأليق بشأنهم عليهم السلام هو الحمل على إرادة خلاف ظواهرها من دون نصب قرينة، بأن يريد من جواز الصلاة في الثوب المذكور جوازها عند تعذر الغسل والاضطرار إلى اللبس، وقد صرحوا بإرادة المحامل البعيدة في بعض الموارد، مثل أنه ذكر عليه السلام: " أن النافلة فريضة "، ففزع المخاطب، ثم قال: " إنما أردت صلاة الوتر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم " (2). ومن هنا يعلم أنه إذا دار الأمر في بعض المواضع بين الحمل على التقية والحمل على الاستحباب، كما في الأمر بالوضوء عقيب بعض ما قال العامة بكونه حدثا (3)، تعين الثاني، لأن التقية تتأدى بإرادة المجاز وإخفاء القرينة.


(1) في الصفحة 24 عند قوله: إلا أن مقتضى إطلاقات أدلة الترخيص... (2) الوسائل 3: 49، الباب 16 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 6. (3) راجع الوسائل 1: 189، الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 12 و 13، والصفحة 198، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الأحاديث 12 و 14 و 16 و 17 وغيرها.

[ 31 ]

الثاني من مسوغات الكذب - إرادة الاصلاح: وقد استفاضت الأخبار بجواز الكذب عند إرادة الإصلاح، ففي صحيحة معاوية بن عمار: " المصلح ليس بكذاب " (1). ونحوها رواية معاوية بن حكم (2)، عن أبيه، عن جده، عن أبي عبد الله عليه السلام (3). وفي رواية عيسى بن حنان (4)، عن الصادق عليه السلام: " كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوما، إلا كذبا في ثلاثة: رجل كايد (5) في حربه فهو موضوع عنه، و (6) رجل أصلح بين إثنين، يلقى هذا بغير ما يلقى (7) هذا، يريد بذلك الإصلاح، و (8) رجل وعد أهله (9) وهو لا يريد أن يتم لهم " (10). وبمضمون هذه الرواية في استثناء هذه الثلاثة، روايات (11). وفي مرسلة الواسطي، عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: الكلام


(1) الوسائل 8: 578، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 3. (2) كذا في النسخ، وفي المصادر: معاوية بن حكيم. (3) الوسائل 8: 580، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 9. (4) في المصادر الحديثية: عيسى بن حسان. (5) في الوسائل: كائد. (6) و (8) في الوسائل وهامش " ص ": أو. (7) في الوسائل: يلقى به. (9) في الوسائل وهامش " ص " زيادة: شيئا. (10) الوسائل 8: 579، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 5. (11) نفس المصدر، الأحاديث 1 و 2 و 5.

[ 32 ]

ثلاثة: صدق، وكذب، وإصلاح بين الناس (1). قيل له: جعلت فداك وما (2) الإصلاح بين الناس؟ قال: تسمع من الرجل كلاما يبلغه فتخبث (3) نفسه، فتقول: سمعت فلانا قال فيك من الخير كذا وكذا، خلاف ما سمعته " (4). وعن الصدوق - في كتاب الإخوان - بسنده عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: " قال: إن الرجل ليصدق على أخيه فيصيبه عنت من صدقه فيكون كذابا عند الله، وإن الرجل ليكذب على أخيه يريد به نفعه فيكون عند الله صادقا " (5). ثم إن ظاهر الأخبار المذكورة عدم وجوب التورية، ولم أر من اعتبر العجز عنها في جواز الكذب في هذا المقام. وتقييد الأخبار المذكورة بصورة العجز عنها في غاية البعد، وإن كان مراعاته مقتضى الاحتياط. ثم (6) إنه قد ورد في أخبار كثيرة جواز الوعد الكاذب مع الزوجة، بل مطلق الأهل (7)، والله العالم.


(1) في الوسائل وهامش " ص " زيادة: قال. (2) في الوسائل: ما. (3) في " ن "، " خ "، " م " و " ع ": فتخبت. (4) الوسائل 8: 579، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 6. (5) الوسائل 8: 580، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 10 مع اختلاف. (6) العبارة من هنا إلى كلمة " الأهل " لم ترد في " ف ". (7) راجع الوسائل 8: 578، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، الأحاديث 1 و 2 و 5.

[ 33 ]

[ المسألة ] التاسعة عشر الكهانة حرام، وهي (1): من كهن يكهن ككتب يكتب كتابة - كما في الصحاح - إذا تكهن، قال: ويقال كهن - بالضم -، كهانة - بالفتح -: إذا صار كاهنا (2). وعن القاموس أيضا: الكهانة - بالكسر (3) -، لكن عن المصباح: كهن يكهن - كقتل - كهانة - بالفتح - (4). وكيف كان، فعن النهاية: أن الكاهن من يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان. وقد كان في العرب كهنة، فمنهم: من كان يزعم أن له تابعا من الجن يلقي إليه الأخبار. ومنهم: من كان يزعم أنه يعرف الامور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من سأله، أو فعله،


(1) عبارة " حرام وهي " من " ش ". (2) الصحاح 6: 2191، مادة: " كهن ". (3) القاموس 4: 264، مادة: " كهن ". (4) المصباح المنير: 543، مادة: " كهن ".

[ 34 ]

أو حاله، وهذا يخصونه باسم " العراف " (1). والمحكي (2) عن الأكثر في تعريف الكاهن ما في القواعد، من أنه: من كان له رئي من الجن يأتيه الأخبار (3). وعن التنقيح: أنه المشهور (4)، ونسبه في التحرير (5) إلى القيل (6). ورئي - على فعيل - من رأى، يقال: فلان رئي القوم، أي صاحب رأيهم، قيل: وقد يكسر راؤه إتباعا (7). وعن القاموس: والرئي (8) كغني: جني يرى فيحب (9). وعن النهاية: يقال للتابع من الجن رئي بوزن كمي (10). أقول: روى الطبرسي في الاحتجاج في جملة الأسئلة التي سأل


(1) النهاية، لابن الأثير 4: 214، مادة: " كهن ". (2) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 74. (3) القواعد 1: 121، وفيه: بالأخبار. (4) التنقيح الرائع 2: 13. (5) كذا في " ف "، وفي غيره: ئر، وهو سهو، لأنه لم يتعرض في السرائر لتعريف الكهانة. (6) انظر التحرير 1: 161، وليس فيه النسبة إلى القيل، نعم حكى السيد العاملي في مفتاح الكرامة (4: 74) النسبة إلى القيل عن التحرير. (7) قاله ابن الأثير في النهاية 2: 178، مادة: " رأى ". (8) كذا في " ص "، وفي سائر النسخ: رأي. (9) كذا في " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: فيخبر. انظر القاموس المحيط 4: 331، مادة: " الرؤية " (10) النهاية، لابن الأثير 2: 178.

[ 35 ]

الزنديق عنها أبا عبد الله عليه السلام: قال الزنديق: فمن أين أصل الكهانة، ومن أين يخبر الناس بما يحدث؟ قال عليه السلام: " إن الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الامور بينهم، فيخبرهم بأشياء (1) تحدث، وذلك في (2) وجوه شتى: فراسة العين، وذكاء القلب، ووسوسة النفس، وفطنة الروح، مع قذف في قلبه، لأن ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم (3) الشيطان ويؤديه إلى الكاهن، ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف. وأما أخبار السماء، فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك، وهي لا تحجب ولا ترجم بالنجوم، وإنما منعت من استراق السمع لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل (4) الوحي من خبر السماء، فيلبس (5) على أهل الأرض ما جاءهم عن الله تعالى لإثبات الحجة ونفي الشبهة، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر


(1) في " ف " وهامش " ن " و " م ": بأسباب، وفي المصدر ونسخة بدل " ش " و " خ ": عن أشياء. (2) في المصدر ونسخة بدل " ش ": من. (3) في مصححة " ن ": يعلمه. (4) في " ش " والمصدر: سبب تشاكل. (5) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: ويلبس.

[ 36 ]

السماء بما يحدث الله (1) في خلقه فيختطفها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فيقذفها إلى الكاهن، فإذا قد زاد كلمات من عنده، فيخلط الحق بالباطل، فما أصاب الكاهن من خبر مما كان (2) يخبر به (3) فهو (4) ما أداه إليه شيطانه مما سمعه، وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه، فمنذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة. واليوم إنما تؤدي الشياطين إلى كهانها أخبارا للناس (5) مما (6) يتحدثون به وما يحدثونه (7)، والشياطين تؤدي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث، من سارق سرق، ومن (8) قاتل قتل، ومن (9) غائب غاب، وهم أيضا بمنزلة الناس (10) صدوق وكذوب... الخبر " (11). وقوله عليه السلام: " مع قذف في قلبه " يمكن أن يكون قيدا للأخير، وهو " فطنة الروح "، فتكون الكهانة بغير قذف الشياطين، كما هو ظاهر


(1) في المصدر وهامش " ص " و " خ ": من الله. (2) عبارة: " مما كان " من " ص " والمصدر وهامشي " م " و " ش ". (3) لم ترد " به " في " ف "، " ن " و " م ". (4) في " ن "، " م " و " ش ": هو. (5) كذا في " ف "، " ن "، " خ " و " ع " والمصدر، وفي " ص ": أخبار الناس، وفي " ش ": أخبار للناس. (6) في " ش ": بما. (7) لم ترد " وما يحدثونه " في " ن " و " ص "، وشطب عليها في " ف ". (8) و (9) لم ترد " من " في " ف "، " ن "، " م " و " ص ". (10) في " ص " والمصدر: وهم بمنزلة الناس أيضا. (11) الاحتجاج 2: 81.

[ 37 ]

ما تقدم عن النهاية (1). ويحتمل أن يكون قيدا لجميع الوجوه المذكورة، فيكون المراد تركب أخبار الكاهن مما يقذفه الشيطان، وما يحدث (2) في نفسه، لتلك الوجوه وغيرها، كما يدل عليه قوله عليه السلام بعد ذلك: " زاد كلمات من عنده فيخلط الحق بالباطل ". وكيف كان، ففي قوله: " انقطعت الكهانة " دلالة على ما عن المغرب من أن الكهانة في العرب كانت قبل المبعث (3)، قبل منع الشياطين (4) عن استراق السمع (5). لكن (6) قوله عليه السلام: " إنما تؤدي الشياطين إلى كهانها أخبارا للناس " (7)، وقوله عليه السلام قبل ذلك: " مع قذف في قلبه... الخ " دلالة على صدق الكاهن على من لا يخبر إلا بأخبار الأرض، فيكون المراد من الكهانة المنقطعة: الكهانة الكاملة التي يكون الكاهن بها حاكما في جميع ما يتحاكمون إليه من المشتبهات، كما ذكر في أول الرواية. وكيف كان، فلا خلاف في حرمة الكهانة.


(1) تقدم في الصفحة 33 - 34. (2) كذا في " ش "، وفي " ف ": ومما يحدثه، وفي سائر النسخ: وما يحدثه. (3) في " ش ": البعث. (4) في " ع " و " ص ": الشيطان. (5) المغرب 2: 237، ونقله عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 74. (6) كذا في النسخ، والظاهر سقوط كلمة " في ". (7) في " م "، " ص " و " ش ": أخبار الناس.

[ 38 ]

وفي المروي عن الخصال: " من تكهن، أو تكهن له فقد برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم " (1). وقد تقدم رواية: " أن الكاهن كالساحر "، و " أن تعلم النجوم يدعو إلى الكهانة " (2). وروي في مستطرفات السرائر، عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب، عن الهيثم، قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن عندنا بالجزيرة رجلا ربما أخبر من يأتيه يسأله عن الشئ يسرق، أو شبه ذلك، فنسأله؟ (3) فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه فيما يقول (4)، فقد كفر بما أنزل الله من كتاب، الخبر (5) " (6). وظاهر هذه الصحيحة أن الإخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرم مطلقا، سواء كان بالكهانة أو بغيرها، لأنه عليه السلام جعل المخبر بالشئ الغائب بين الساحر والكاهن والكذاب، وجعل الكل حراما.


(1) الخصال: 19، الحديث 68، والوسائل 12: 108، الباب 26 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. (2) راجع المكاسب 1: 205 - 206. (3) لم ترد " فنسأله " في " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع "، وفي المصدر: أفنسأله؟ (4) في المصدر: بما يقول. (5) كذا في النسخ، والظاهر زيادة " الخبر " إذ الحديث مذكور بتمامه. (6) مستطرفات السرائر (السرائر) 3: 593، والوسائل 12: 109، الباب 26 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.

[ 39 ]

ويؤيده النهي في النبوي المروي في الفقيه في حديث المناهي أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن إتيان العراف، وقال: " من أتاه وصدقه فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم " (1). وقد عرفت من النهاية أن المخبر عن الغائبات في المستقبل كاهن ويخص باسم العراف (2). ويؤيد ذلك: ما تقدم في رواية الاحتجاج من قوله عليه السلام: " لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي... الخ " (3)، فإن ظاهره كون ذلك مبغوضا للشارع من أي سبب كان، فتبين من ذلك أن الإخبار عن الغائبات بمجرد السؤال عنها من غير النظر (4) في بعض ما صح اعتباره - كبعض الجفر والرمل - محرم. ولعله لذا عد صاحب المفاتيح من المحرمات المنصوصة: الإخبار عن الغائبات على سبيل الجزم لغير نبي، أو وصي نبي، سواء كان بالتنجيم، أو الكهانة، أو القيافة، أو غير ذلك (5).


(1) الفقيه 4: 6، ضمن حديث المناهي، والوسائل 12: 108، الباب 26 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول. (2) راجع الصفحة 33 - 34. (3) راجع الصفحة 35. (4) كذا في " ف " و " خ "، وفي غيرهما: نظر. (5) مفاتيح الشرائع 2: 23.

[ 41 ]

[ المسألة ] العشرون اللهو حرام، على ما يظهر من المبسوط (1) والسرائر (2) والمعتبر (3) والقواعد (4) والذكرى (5) والجعفرية (6) وغيرها، حيث عللوا لزوم الإتمام في سفر الصيد بكونه محرما من حيث اللهو. قال في المبسوط: السفر على أربعة أقسام - وذكر الواجب والندب، والمباح -، ثم قال: الرابع سفر المعصية، وعد من أمثلتها من طلب الصيد للهو والبطر (7)، ونحوه بعينه عبارة السرائر (8). وقال في المعتبر: قال علماؤنا: اللاهي بسفره كالمتنزه بصيده بطرا،


(1) المبسوط 1: 136. (2) السرائر 1: 327. (3) المعتبر 2: 471. (4) القواعد (الطبعة الجديدة) 1: 325. (5) الذكرى: 258. (6) الرسالة الجعفرية (رسائل المحقق الكركي) 1: 123. (7) و (8) تقدم التخريج عنهما.

[ 42 ]

لا يترخص، لنا أن اللهو حرام فالسفر له معصية (1)، انتهى. وقال في القواعد: الخامس من شروط القصر: إباحة السفر، فلا يرخص العاصي بسفره كتابع الجائر والمتصيد لهوا (2)، انتهى. وقال في المختلف في كتاب المتاجر: حرم الحلبي الرمي عن (3) قوس الجلاهق (4)، قال: وهذا الاطلاق ليس بجيد، بل ينبغي تقييده باللهو والبطر (5). وقد صرح الحلي - في مسألة اللعب بالحمام بغير رهان - بحرمته، وقال: إن اللعب بجميع الأشياء قبيح (6). ورده بعض: بمنع حرمة مطلق اللعب (7). وانتصر في الرياض للحلي بأن ما دل على قبح اللعب، وورد بذمه من الآيات والروايات، أظهر من أن يخفى، فإذا ثبت القبح (8) ثبت النهي، ثم قال: ولولا شذوذه بحيث كاد أن يكون مخالفا للإجماع لكان المصير إلى قوله ليس بذلك البعيد (9)، انتهى. ولا يبعد أن يكون القول بجواز خصوص هذا اللعب، وشذوذ


(1) و (2) تقدم التخريج عنهما. (3) كذا في " ف " والمصدر، وفي سائر النسخ: من. (4) راجع الكافي في الفقه: 282. (5) المختلف 5: 18. (6) السرائر 2: 124. (7) راجع المسالك (الطبعة الحجرية) 2: 323، والمستند 2: 636. (8) في " ش " والمصدر: القبح والذم. (9) الرياض 2: 430.

[ 43 ]

القول بحرمته مع دعوى كثرة الروايات، بل الآيات على حرمة مطلق اللهو، لأجل النص على الجواز فيه في قوله عليه السلام: " لا بأس بشهادة من يلعب بالحمام " (1). واستدل في الرياض أيضا - تبعا للمهذب (2) - على حرمة المسابقة بغير المنصوص على (3) جوازه بغير عوض، بما دل على تحريم اللهو واللعب، قال: لكونها منه بلا تأمل (4)، انتهى. والأخبار الظاهرة في حرمة اللهو كثيرة جدا. منها: ما تقدم من قوله (5) في رواية تحف العقول: " وما يكون منه وفيه الفساد محضا، ولا يكون منه ولا فيه (6) شئ من وجوه الصلاح، فحرام تعليمه وتعلمه والعمل به وأخذ الاجرة عليه " (7). ومنها: ما تقدم من رواية الأعمش، حيث عد في الكبائر الاشتغال بالملاهي التي تصد عن ذكر الله كالغناء وضرب الأوتار (8)،


(1) الوسائل 13: 349، الباب 3 من أبواب السبق، الحديث 3. (2) لم يتعرض القاضي للاستدلال في المهذب، نعم تعرض له الحلي في المهذب البارع 3: 82. (3) في " ن " بدل " على ": " وعدم ". (4) الرياض 2: 41. (5) لم ترد " من قوله " في " ف ". (6) كذا في " ش "، وفي " م ": وفي، وفي غيرهما: وفيه. (7) تحف العقول: 335 - 336، وراجع المكاسب 1: 11. (8) الوسائل 11: 262، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 36، وراجع المكاسب 1: 290.

[ 44 ]

فإن الملاهي جمع " الملهى " مصدرا، أو " الملهي " (1) وصفا، لا " الملهاة " آلة، لأنه لا يناسب التمثيل بالغناء. ونحوها - في عد الاشتغال بالملاهي من الكبائر - رواية العيون الواردة في الكبائر (2)، وهي حسنة كالصحيحة بل صحيحة. ومنها: ما تقدم في روايات القمار في قوله عليه السلام: " كل ما ألهى عن ذكر الله فهو الميسر " (3). ومنها: قوله عليه السلام في جواب من خرج في السفر يطلب (4) الصيد بالبزاة والصقور: " إنما خرج في لهو، لا يقصر " (5). ومنها: ما تقدم في رواية الغناء في حديث الرضا عليه السلام في جواب من سأله عن السماع، فقال (6): " إن لأهل الحجاز فيه رأيا وهو في حيز اللهو " (7).


(1) في " خ " و " ع ": والملهى. ووردت العبارة في " ف " هكذا: جمع " الملهى " مصدرا، أو " الملهى " و " الملهى " وصفا. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 127، ذيل الحديث الأول، والوسائل 11: 261، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 33. (3) الوسائل 12: 235، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 15، وراجع المكاسب 1: 373. (4) في " ف " و " ن ": لطلب. (5) الوسائل 5: 511، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث الأول. (6) في ما عدا " ف " زيادة: قال. (7) الوسائل 12: 229، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 19، وراجع المكاسب 1: 289.

[ 45 ]

وقوله عليه السلام - في رد من زعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص في أن يقال: جئناكم جئناكم (1)... الخ -: " كذبوا، إن الله يقول: * (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا...) * إلى آخر الآيتين " (2). ومنها: ما دل على أن اللهو من الباطل (3) بضميمة ما يظهر منه حرمة الباطل، كما تقدم في روايات الغناء (4). ففي بعض الروايات: " كل لهو المؤمن من الباطل (5) ما خلا ثلاثة: المسابقة، وملاعبة الرجل أهله... الخ " (6). وفي رواية علي بن جعفر عليه السلام، عن أخيه، قال: " سألته عن اللعب بالأربعة عشر وشبهها، قال: لا نستحب (7) شيئا من اللعب غير الرهان والرمي " (8).


(1) في " خ "، " م "، " ع " و " ص ": حياكم حياكم. (2) الوسائل 12: 228، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 15، وتقدم في المكاسب 1: 288، والآيتان من سورة الأنبياء: 17 - 18. (3) كرواية عبد الأعلى وغيرها المؤمى إليها في أول البحث عن الغناء، راجع المكاسب 1: 288 - 290. (4) راجع المكاسب 1: 288 - 289. (5) في " ف " و " خ " ونسخة بدل " ع " و " ش ": باطل. (6) الوسائل 13: 347، الباب الأول من أبواب السبق، الحديث 5، وفيه: كل لهو المؤمن باطل إلا في ثلاث: في تأديبه الفرس، ورميه عن قوسه، وملاعبته امرأته. (7) في " ف " و " ص ": لا تستحب. (8) مسائل علي بن جعفر: 162، الحديث 252، والوسائل 12: 235، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 14، وتقدم في المكاسب 1: 383.

[ 46 ]

إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع. ويؤيده أن حرمة اللعب بآلات اللهو الظاهر أنه من حيث اللهو، لا من حيث خصوص الآلة. ففي رواية سماعة: " قال أبو عبد الله عليه السلام: لما مات آدم شمت به إبليس وقابيل، فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس وقابيل المعازف والملاهي شماتة بآدم على نبينا وآله وعليه السلام، فكل ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذلك (1) " (2) فإن فيه إشارة إلى أن المناط هو مطلق التلهي والتلذذ. ويؤيده ما تقدم (3) من أن المشهور حرمة المسابقة على ما عدا المنصوص بغير عوض، فإن الظاهر أنه لا وجه له عدا كونه لهوا وإن لم يصرحوا بذلك عدا القليل منهم، كما تقدم (4). نعم، صرح العلامة في التذكرة بحرمة المسابقة على جميع الملاعب كما تقدم نقل كلامه في مسألة القمار (5).


(1) في " خ "، " م "، " ع " و " ص " بدل " فإنما هو من ذلك " ما يلي: " من الزفن والمزمار والكوبات والكبرات "، وفي هامش " ن " بعد كلمة " الكبرات ": فإنما هو من ذلك - صح، والظاهر أن ما ورد في هذه النسخ مأخوذ من رواية اخرى وردت ذيل هذا الحديث في الوسائل. (2) الوسائل 12: 233، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5. (3) راجع المكاسب 1: 380. (4) راجع المكاسب 1: 383. (5) التذكرة 2: 354، وراجع المكاسب 1: 381.

[ 47 ]

هذا، ولكن الإشكال في معنى اللهو، فإنه إن اريد به مطلق اللعب كما يظهر من الصحاح (1) والقاموس (2)، فالظاهر أن القول بحرمته شاذ مخالف للمشهور والسيرة، فإن اللعب هي (3) الحركة لا لغرض عقلائي (4)، و (5) لا خلاف ظاهرا في عدم حرمته على الاطلاق. نعم، لو خص اللهو بما يكون عن (6) بطر - وفسر بشدة الفرح - كان الأقوى تحريمه، ويدخل في ذلك الرقص والتصفيق، والضرب بالطشت بدل الدف، وكل ما يفيد فائدة آلات اللهو. ولو جعل مطلق الحركات التي لا يتعلق بها غرض عقلائي (7) مع انبعاثها عن القوى الشهوية، ففي حرمته تردد. واعلم أن هنا عنوانين آخرين: " اللعب " و " اللغو ". أما اللعب، فقد عرفت أن ظاهر بعض ترادفهما (8)، ولكن مقتضى (9)


(1) صحاح اللغة 6: 2487، مادة: " لها ". (2) القاموس المحيط 4: 388، مادة: " لها ". (3) في غير " ش ": وهي. (4) في " خ "، " م "، " ع " و " ص ": عقلاني، وفي " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع " زيادة: لعب. (5) " الواو " مشطوب عليها في " ص ". (6) في غير " ف ": من. (7) في " خ "، " م "، " ع "، و " ص ": عقلاني. (8) كما تقدم عن الصحاح والقاموس. (9) في " خ ": يقتضي، وفي " ن "، " م "، " ع " و " ص ": يقضي.

[ 48 ]

تعاطفهما في غير موضع من الكتاب العزيز (1) تغايرهما. ولعلهما من قبيل الفقير والمسكين (2) إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. ولعل اللعب يشمل مثل حركات الأطفال الغير المنبعثة عن القوى الشهوية. واللهو ما تلتذ به النفس، وينبعث عن القوى الشهوية. وقد ذكر غير واحد أن قوله تعالى: * (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة) * (3) الآية، بيان ملاذ الدنيا على ترتيب تدرجه في العمر، وقد جعلوا لكل واحد منها ثمان سنين (4). وكيف كان، فلم أجد من أفتى بحرمة اللعب عدا الحلي على ما عرفت من كلامه (5)، ولعله يريد اللهو، وإلا فالأقوى الكراهة. وأما اللغو، فإن جعل مرادف اللهو - كما يظهر من بعض الأخبار - كان في حكمه. ففي رواية محمد بن أبي عباد المتقدمة (6) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: " أن السماع في حيز اللهو والباطل، أما سمعت قول الله


(1) كما في سورة الأنعام: 32، والعنكبوت: 64، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم: 36، والحديد: 20 وغيرها. (2) من هنا إلى أول بحث النميمة ساقط من " ف ". (3) الحديد: 20. (4) لم نعثر عليه بعينه، انظر تفسير الصافي 5: 137، والتفسير الكبير 30: 233، ذيل الآية المذكورة. (5) في الصفحة 42. (6) تقدمت في المكاسب 1: 289.

[ 49 ]

تعالى: * (وإذا مروا باللغو مروا كراما) * (1) " (2). ونحوها رواية أبي أيوب (3)، حيث أراد باللغو الغناء مستشهدا بالآية. وإن اريد به مطلق الحركات اللاغية، فالأقوى فيها الكراهة. وفي رواية أبي خالد الكابلي، عن سيد الساجدين، تفسير الذنوب التي تهتك العصم ب‍: شرب الخمر، واللعب بالقمار، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح، وذكر عيوب الناس (4). وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة فيضحك الناس فيهوي ما بين السماء والأرض " (5).


(1) الفرقان: 72. (2) الوسائل 12: 229، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 19. (3) الوسائل 12: 236، الباب 101 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. (4) الوسائل 11: 520، الباب 41 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 8. (5) الوسائل 8: 577، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 4، وفيه: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس ليضحكهم بها فيهوي في جهنم ما بين السماء والأرض ".

[ 51 ]

[ المسألة ] الحادية والعشرون مدح من لا يستحق المدح، أو يستحق الذم. ذكره العلامة في المكاسب المحرمة (1)، والوجه فيه واضح من جهة قبحه عقلا. ويدل عليه من الشرع قوله تعالى: * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) * (2). وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - فيما رواه الصدوق -: " من عظم صاحب دنيا (3) وأحبه طمعا في دنياه، سخط الله عليه، وكان في درجته مع قارون في التابوت الأسفل من النار " (4). وفي النبوي الآخر الوارد في حديث المناهي: " من مدح سلطانا


(1) التذكرة 1: 582، والقواعد 1: 121، والتحرير 1: 161. (2) هود: 113. (3) في " ش ": الدنيا. (4) عقاب الأعمال: 331، والوسائل 12: 131، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 14 مع اختلاف.

[ 52 ]

جائرا، أو تخفف و (1) تضعضع له طمعا فيه، كان قرينه في النار " (2). ومقتضى هذه الأدلة حرمة المدح طمعا في الممدوح، وأما لدفع شره فهو واجب، وقد ورد في عدة أخبار: " أن شرار الناس الذين يكرمون اتقاء شرهم " (3).


(1) كذا في " ن " والمصدر، وفي سائر النسخ: أو. (2) الوسائل 12: 133، الباب 43 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول، وانظر الفقيه 4: 11 " حديث المناهي ". (3) راجع الوسائل 11: 326، الباب 70 من أبواب جهاد النفس، الحديث 7 و 8، والخصال 1: 14، الحديث 49، والمستدرك 12: 77، الباب 70 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1، 2، 4 و 6.

[ 53 ]

[ المسألة ] الثانية والعشرون معونة الظالمين في ظلمهم حرام بالأدلة الأربعة، وهو (1) من الكبائر، فعن كتاب الشيخ ورام بن أبي فراس، قال: " قال عليه السلام: من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج عن الإسلام ". قال: " وقال عليه السلام: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين الظلمة، أين أعوان الظلمة، أين أشباه الظلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة، فيجتمعون في تابوت من حديد، ثم يرمى بهم في جهنم " (2). وفي النبوي صلى الله عليه وآله وسلم: " من علق سوطا بين يدي سلطان جائر جعلها (3) الله حية طولها سبعون (4) ألف ذراع، فيسلطها (5) الله عليه


(1) في " ن ": وهي. (2) تنبيه الخواطر (مجموعة ورام) 1: 62، والوسائل 12: 131، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 15 و 16. (3) في عقاب الأعمال: جعله الله. (4) في عقاب الأعمال: ستون. (5) في " ن "، " خ "، " م "، " ع " و " ص ": فيسلط. وفي الوسائل ونسخة بدل " ش ": فيسلطه.

[ 54 ]

في نار جهنم خالدا فيها مخلدا " (1). وأما معونتهم في غير المحرمات، فظاهر كثير من الأخبار حرمتها أيضا كبعض ما تقدم، وقول الصادق عليه السلام - في رواية يونس بن يعقوب -: " لا تعنهم على بناء مسجد " (2)، وقوله عليه السلام: " ما احب أني عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء وأن لي ما بين لابتيها، لا (3) ولا مدة بقلم، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يفرغ الله من الحساب (4) " (5). لكن المشهور عدم الحرمة، حيث قيدوا المعونة المحرمة بكونها في الظلم. والأقوى التحريم مع عد الشخص من الأعوان، فإن مجرد إعانتهم على بناء المسجد ليست محرمة، إلا أنه إذا عد الشخص معمارا للظالم أو بناء له ولو في خصوص المساجد - بحيث صار هذا العمل منصبا له في باب السلطان - كان محرما. ويدل على ذلك: جميع ما ورد في ذم أعوان الظلمة (6)، وقول


(1) الوسائل 12: 131، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 14، وراجع عقاب الأعمال: 284. (2) الوسائل 12: 129، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8. (3) لم ترد " لا " في " ن "، " خ " و " ع ". (4) في المصدر ونسخة بدل " ش ": حتى يحكم الله بين العباد. (5) الوسائل 12: 129، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6. (6) راجع الوسائل 12: 127، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به.

[ 55 ]

أبي عبد الله عليه السلام - في رواية الكاهلي -: " من سود اسمه في ديوان ولد سابع (1) حشره الله يوم القيامة خنزيرا " (2). وقوله عليه السلام: " ما اقترب عبد من سلطان جائر (3) إلا تباعد من الله " (4). وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إياكم وأبواب السلطان وحواشيها فإن أقربكم من أبواب السلطان وحواشيها أبعدكم عن الله تعالى " (5). وأما العمل له في المباحات لاجرة أو تبرعا، من غير أن يعد معينا له في ذلك، فضلا من أن يعد من أعوانه، فالأولى عدم الحرمة، للأصل وعدم الدليل عدا ظاهر بعض الأخبار، مثل رواية ابن أبي يعفور، قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من أصحابنا (6) فقال له: جعلت فداك (7)، ربما أصاب الرجل منا الضيق والشدة فيدعى إلى البناء يبنيه، أو النهر يكريه، أو المسناة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما احب أني عقدت


(1) مقلوب " عباس ". (2) الوسائل 12: 130، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 9. (3) لم ترد " جائر " في " ن "، " خ "، " م " و " ع "، ووردت في " ص " في الهامش. (4) الوسائل 12: 130، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 12. (5) الوسائل 12: 130، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 13. (6) لم ترد " من أصحابنا " في " خ "، " م "، " ن "، " ع " و " ص ". (7) لم ترد " جعلت فداك " في " خ "، " م "، " ن "، " ع " و " ص ".

[ 56 ]

لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء وأن لي ما بين لابتيها... إلى آخر ما تقدم (1) ". ورواية محمد بن عذافر عن أبيه، قال: " قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا عذافر بلغني أنك تعامل أبا أيوب وأبا الربيع، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟ قال: فوجم (2) أبي، فقال له (3) أبو عبد الله عليه السلام - لما رأى ما أصابه -: أي عذافر إنما خوفتك بما خوفني الله عزوجل به. قال محمد: فقدم أبي فما زال مغموما مكروبا حتى مات " (4). ورواية صفوان بن مهران الجمال، قال: " دخلت على أبي الحسن الأول (5) عليه السلام، فقال لي: يا صفوان كل شئ منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا، فقلت: جعلت فداك، أي شئ؟ قال عليه السلام: إكراؤك جمالك من هذا الرجل - يعني هارون (6) -، قلت: والله ما أكريته أشرا ولا بطرا ولا لصيد (7) ولا للهو (8)، ولكن أكريته لهذا الطريق - يعني طريق مكة - ولا أتولاه بنفسي ولكن أبعث معه غلماني.


(1) في الصفحة 54. (2) في " خ "، " م "، " ع " و " ص ": ففزع. (3) لم ترد " له " في " ن "، " خ "، " م " و " ع ". (4) الوسائل 12: 128، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3. (5) لم ترد " الأول " في " خ "، " م " و " ع ". (6) في " ش " زيادة: الرشيد. (7) في الوسائل: للصيد. (8) في " ع " و " ص ": ولا لهو.

[ 57 ]

فقال لي: يا صفوان، أيقع كراؤك عليهم؟ قلت: نعم، جعلت فداك. قال: أتحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم. قال: من (1) أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان وروده إلى النار. قال صفوان: فذهبت وبعت (2) جمالي عن آخرها، فبلغ ذلك إلى (3) هارون، فدعاني فقال لي: يا صفوان، بلغني أنك بعت جمالك؟ قلت: نعم. قال: ولم؟ قلت: أنا شيخ كبير، وأن الغلمان لا يقومون (4) بالأعمال. فقال: هيهات هيهات، إني لأعلم من أشار عليك بهذا (5)، إنما أشار عليك (6) بهذا موسى بن جعفر. قلت: ما لي (7) ولموسى بن جعفر. قال: دع هذا عنك، والله لولا (8) حسن صحبتك لقتلتك " (9). وما ورد في تفسير الركون إلى الظالم: من أن الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى أن يدخل يده في كيسه فيعطيه (10)، وغير ذلك مما ظاهره وجوب التجنب عنهم.


(1) في " ص ": فمن. (2) في " ش " والوسائل: فبعت. (3) لم ترد " إلى " في " ن "، " خ "، " م " و " ع ". (4) في الوسائل ونسخة بدل " ص " و " ش ": لا يفون. (5) عبارة: " إني لأعلم من أشار إليك بهذا " من " ش " والمصدر. (6) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: إليك. (7) في " خ ": فمالي. (8) في " ص " والوسائل: فوالله لولا، وفي " خ "، " ن "، " م " و " ع ": فلولا. (9) الوسائل 12: 131، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 17. (10) راجع الوسائل 12: 133، الباب 44 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

[ 58 ]

ومن هنا لما قيل لبعض: إني رجل أخيط للسلطان ثيابه، فهل تراني بذلك داخلا في أعوان الظلمة؟ قال له: المعين من يبيعك الإبر والخيوط، وأما أنت فمن (1) الظلمة أنفسهم (2). وفي رواية سليمان الجعفري - المروية عن تفسير العياشي -: " أن الدخول في أعمالهم، والعون لهم، والسعي في حوائجهم عديل الكفر، والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق (3) بها النار " (4). لكن الإنصاف: أن شيئا مما ذكر لا ينهض دليلا لتحريم العمل لهم على غير جهة المعونة. أما الرواية الاولى (5)، فلأن التعبير فيها - في الجواب بقوله: " ما احب " - ظاهر في الكراهة. وأما قوله عليه السلام: " إن أعوان الظلمة... الخ "، فهو من باب التنبيه على أن القرب إلى الظلمة والمخالطة معهم مرجوح، وإلا فليس من يعمل لهم الأعمال المذكورة في السؤال - خصوصا مرة أو مرتين، خصوصا مع الاضطرار - معدودا من أعوانهم.


(1) في " ن "، " خ "، " م " و " ع ": من. (2) حكاه الشيخ البهائي في الأربعين حديثا: 239. (3) كذا في " ن " والوسائل، وفي سائر النسخ: تستحق. (4) الوسائل 12: 138، الباب 45 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 12. وانظر تفسير العياشي 1: 238، الحديث 110. (5) لم ترد " الاولى " في " خ "، " م "، " ع " و " ص "، ووردت في " ن " تصحيحا.

[ 59 ]

وكذلك يقال في رواية عذافر، مع احتمال أن تكون (1) معاملة عذافر مع أبي أيوب وأبي الربيع على وجه يكون معدودا من أعوانهم وعمالهم. وأما رواية صفوان، فالظاهر منها أن نفس المعاملة معهم ليست محرمة، بل من حيث محبة بقائهم وإن لم تكن معهم معاملة، ولا يخفى على الفطن العارف بأساليب الكلام أن قوله عليه السلام: " ومن أحب بقاءهم كان منهم " لا يراد به من أحبهم مثل محبة صفوان بقاءهم حتى يخرج كراؤه، بل هذا من باب المبالغة في الاجتناب عن مخالطتهم حتى لا يفضي ذلك إلى صيرورتهم من أعوانهم، وأن يشرب القلب حبهم، لأن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها. وقد تبين مما ذكرنا: أن المحرم من العمل للظلمة قسمان: أحدهما - الإعانة لهم على الظلم. والثاني - ما يعد معه (2) من أعوانهم، والمنسوبين إليهم، بأن يقال: هذا خياط السلطان، وهذا معماره. وأما ما عدا ذلك فلا دليل معتبر على تحريمه.


(1) كذا في " ص "، وفي سائر النسخ: يكون. (2) في " ش ": معهم.

[ 61 ]

[ المسألة ] الثالثة والعشرون النجش - بالنون المفتوحة والجيم الساكنة، أو المفتوحة - حرام، لما في النبوي (1) - المنجبر بالاجماع المنقول عن جامع المقاصد (2) والمنتهى (3) - من لعن الناجش والمنجوش له (4)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ولا تناجشوا " (5). ويدل على قبحه: العقل، لأنه غش وتلبيس وإضرار. وهو كما عن جماعة (6): أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، ليسمعه غيره فيزيد لزيادته، بشرط المواطاة مع


(1) الوسائل 12: 337، الباب 49 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2. (2) جامع المقاصد 4: 39. (3) منتهى المطلب 2: 1004. (4) لم ترد " له " في " خ "، " م "، " ع " و " ص ". (5) الوسائل 12: 338، الباب 49 من أبواب آداب التجارة، الحديث 4. (6) انظر: جامع المقاصد 4: 39، ومجمع الفائدة 8: 136، والجواهر 22: 476.

[ 62 ]

البائع، أو لا بشرطها، كما حكي عن بعض (1). وحكي (2) تفسيره - أيضا - بأن يمدح السلعة في البيع لينفقها ويروجها، لمواطاة بينه وبين البائع، أو لا معها. وحرمته بالتفسير الثاني - خصوصا لا مع المواطاة - يحتاج إلى دليل، وحكي الكراهة عن بعض (3).


(1) جامع المقاصد 4: 39. (2) حكاه كاشف الغطاء في شرح القواعد (مخطوط): الورقة 31، وفيه: وفسر أيضا بأن يمدح السلعة في البيع.... (3) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة (4: 106) عن المحقق والعلامة وغيرهما، انظر الشرائع 2: 21، والمختصر النافع 1: 120، والإرشاد 1: 359، والتنقيح 2: 40 - 41.

[ 63 ]

[ المسألة ] الرابعة والعشرون النميمة محرمة بالأدلة الأربعة. وهي نقل قول الغير إلى المقول فيه، كأن يقول: تكلم فلان فيك بكذا وكذا. قيل: هي من نم الحديث، من باب قتل وضرب، أي سعى به لإيقاع فتنة أو وحشة (1). وهي من الكبائر، قال الله تعالى: * (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) * (2)، والنمام قاطع لما أمر الله بصلته ومفسد. قيل (3): وهي المرادة (4) بقوله تعالى: * (والفتنة أكبر من القتل) * (5).


(1) راجع المصباح المنير 2: 626، مادة: " نم "، ومجمع البحرين 6: 180، مادة: " نمم ". (2) الرعد: 25. (3) قاله كاشف الغطاء في شرح القواعد (مخطوط): الورقة 20، وفيه: " وهي المعنية بقوله تعالى: * (والفتنة أكبر من القتل) * ". وانظر الجواهر 22: 73. (4) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: المراد. (5) البقرة: 217.

[ 64 ]

وقد تقدم في باب السحر (1) قوله عليه السلام - في ما رواه في الاحتجاج في وجوه السحر -: " وإن من أكبر السحر النميمة، يفرق بها بين المتحابين " (2). وعن عقاب الأعمال، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " من مشى في نميمة بين اثنين (3) سلط الله عليه في قبره نارا تحرقه، وإذا خرج من قبره سلط الله عليه تنينا أسود ينهش لحمه حتى يدخل النار " (4). وقد استفاضت الأخبار بعدم دخول النمام الجنة (5). ويدل على حرمتها - مع كراهة المقول عنه لإظهار القول عند المقول فيه - جميع ما دل على حرمة الغيبة، ويتفاوت عقوبته بتفاوت ما يترتب عليها من المفاسد. وقيل: إن حد النميمة بالمعنى الأعم كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أم المنقول إليه، أم كرهه ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أم بغيره من الكتابة والرمز والإيماء، وسواء كان المنقول من الأعمال أم من الأقوال، وسواء كان ذلك عيبا ونقصانا على المنقول عنه


(1) راجع المكاسب 1: 265. (2) الاحتجاج 2: 82. (3) في " ش ": الاثنين. (4) عقاب الأعمال: 335، (باب مجمع عقوبات الأعمال)، والوسائل 8: 618، الباب 164 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 6. (5) الوسائل 8: 616، الباب 164 من أبواب أحكام العشرة، والمستدرك 9: 149 الباب 44 من أبواب أحكام العشرة.

[ 65 ]

أم لا، بل حقيقة النميمة إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره كشفه (1)، انتهى موضع الحاجة. ثم إنه قد يباح ذلك (2) لبعض المصالح التي هي آكد من مفسدة إفشاء السر، كما تقدم في الغيبة (3)، بل قيل: إنها قد تجب لإيقاع الفتنة بين المشركين (4)، لكن الكلام في النميمة على المؤمنين.


(1) راجع المحجة البيضاء 5: 277. (2) في " ف ": بعض ذلك. (3) راجع المكاسب 1: 351 (الصور التي رخص فيها الغيبة لمصلحة أقوى). (4) قاله صاحب الجواهر في الجواهر 22: 73، والسيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 68.

[ 67 ]

[ المسألة ] الخامسة والعشرون النوح بالباطل، ذكره في المكاسب المحرمة الشيخان (1) وسلار (2) والحلي (3) والمحقق (4) ومن تأخر عنه (5). والظاهر حرمته من حيث الباطل، يعني الكذب، وإلا فهو في نفسه ليس بمحرم، وعلى هذا التفصيل دل غير واحد من الأخبار (6).


(1) المقنعة: 588، والنهاية: 365. (2) المراسم: 170. (3) السرائر 2: 222. (4) الشرائع 2: 10. (5) كالعلامة في الإرشاد 1: 357، والقواعد: 121 وغيرهما، والشهيد في الدروس 3: 162 - 163. (6) راجع الوسائل 12: 90، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6 و 9، والمستدرك 13: 93، الباب 15 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

[ 68 ]

وظاهر المبسوط (1) وابن حمزة (2) التحريم مطلقا كبعض الأخبار (3)، وكلاهما محمولان على المقيد، جمعا.


(1) المبسوط 1: 189. (2) الوسيلة: 69. (3) راجع الوسائل 12: 91، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 12.

[ 69 ]

المسألة السادسة والعشرون الولاية من قبل الجائر - وهي صيرورته واليا على قوم منصوبا من قبله - محرمة، لأن الوالي من أعظم الأعوان. ولما تقدم (1) في رواية تحف العقول، من قوله: " وأما وجه الحرام من الولاية: فولاية الوالي الجائر، وولاية ولاته، فالعمل (2) لهم والكسب لهم بجهة الولاية معهم حرام محرم، معذب فاعل ذلك على قليل من فعله أو كثير، لأن كل شئ من جهة المعونة له (3) معصية كبيرة من الكبائر، وذلك أن في ولاية الوالي الجائر دروس الحق كله، وإحياء الباطل كله، وإظهار الظلم والجور والفساد، وإبطال الكتب، وقتل الأنبياء، وهدم المساجد، وتبديل سنة الله وشرائعه، فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم، والكسب معهم إلا بجهة الضرورة، نظير الضرورة إلى الدم


(1) راجع المكاسب 1: 6 و 7. (2) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي غيرهما: والعمل. (3) في هامش " م ": لهم.

[ 70 ]

والميتة... الخبر " (1). وفي رواية زياد بن أبي سلمة: " أهون ما يصنع الله عزوجل بمن تولى لهم عملا، أن يضرب عليه (2) سرادق (3) من نار إلى أن يفرغ الله من حساب الخلائق (4) " (5). ثم إن ظاهر الروايات كون الولاية محرمة بنفسها مع قطع النظر عن ترتب معصية عليها (6) من ظلم الغير، مع أن الولاية عن الجائر لا تنفك عن المعصية. وربما كان في بعض الأخبار إشارة إلى كونه من جهة الحرام الخارجي، ففي صحيحة داود بن زربي، قال: " أخبرني (7) مولى لعلي ابن الحسين عليه السلام، قال: كنت بالكوفة فقدم أبو عبد الله عليه السلام الحيرة، فأتيته، فقلت له: جعلت فداك لو كلمت داود بن علي أو بعض هؤلاء، فأدخل (8) في بعض هذه الولايات، فقال: ما كنت لأفعل، فانصرفت إلى منزلي فتفكرت (9): ما أحسبه أنه منعني إلا مخافة أن


(1) تحف العقول: 331، والوسائل 12: 55 الباب 2 من أبواب ما يكتسب به. (2) في غير " ش ": أن يضرب الله عليه. (3) ما أثبتناه من المصادر الحديثية، وفي النسخ: سرادقا. (4) في نسخة بدل " ش ": الخلق. (5) الوسائل 12: 140، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 9. (6) في النسخ: عليه. (7) في " ف ": خبرني. (8) في غير " ن " و " ش ": فادخلت. (9) في " ص " والمصدر زيادة: فقلت.

[ 71 ]

أظلم أو أجور، والله لآتينه وأعطينه (1) الطلاق والعتاق والأيمان المغلظة (2) أن لا أجورن على أحد، ولا أظلمن، ولأعدلن. قال: فأتيته، فقلت: جعلت فداك إني فكرت في إبائك علي، وظننت أنك إنما منعتني (3) مخافة أن أظلم أو أجور، وإن كل امرأة لي طالق، وكل مملوك لي حر (4) إن ظلمت أحدا، أو جرت على أحد (5)، وإن (6) لم أعدل. قال: فكيف (7) قلت؟ فأعدت عليه الأيمان، فنظر (8) إلى السماء، وقال: تنال هذه (9) السماء أيسر عليك من ذلك (10) " (11)، بناء على أن المشار إليه هو العدل، وترك الظلم، ويحتمل أن يكون هو الترخص في الدخول.


(1) في " ص " والمصدر: ولاعطينه. (2) في " ف ": الغليظة. (3) في هامش " ص " والمصدر زيادة: وكرهت ذلك. (4) في " ش " زيادة: وعلي، وفي الوسائل: وعلي وعلي، وفي الكافي: علي وعلي. (5) في المصدر ونسخة بدل " ش ": عليه. (6) كذا في " ف " والمصدر، وفي سائر النسخ: بل إن. (7) في المصدر: كيف. (8) في المصدر ونسخة بدل " ش ": فرفع رأسه. (9) في المصدر ونسخة بدل " ش ": تناول، ولم ترد " هذه " في المصدر. (10) في غير " ش " زيادة: الخبر. (11) الكافي 5: 107، الحديث 9، وعنه الوسائل 12: 136، الباب 45 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4، مع حذف بعض فقراته.

[ 72 ]

ثم إنه يسوغ الولاية المذكورة أمران: أحدهما - القيام بمصالح العباد، بلا خلاف، على الظاهر المصرح به في المحكي (1) عن بعض، حيث قال: إن تقلد الأمر من قبل الجائر جائز إذا تمكن معه من إيصال الحق لمستحقه، بالاجماع والسنة الصحيحة، وقوله تعالى: * (اجعلني على خزائن الأرض) * (2). ويدل عليه - قبل الاجماع -: أن الولاية إن كانت محرمة لذاتها، كان (3) ارتكابها لأجل المصالح ودفع المفاسد التي هي أهم من مفسدة انسلاك الشخص في أعوان الظلمة بحسب الظاهر، وإن كانت لاستلزامها الظلم على الغير، فالمفروض عدم تحققه هنا. ويدل عليه: النبوي الذي رواه الصدوق في حديث المناهي، قال: " من تولى عرافة قوم اتي به يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه، فإن قام فيهم بأمر الله تعالى أطلقه الله، وإن كان ظالما يهوى به في نار جهنم، وبئس المصير " (4). وعن عقاب الأعمال: " ومن تولى عرافة قوم ولم يحسن فيهم


(1) في " م ": والمحكي. (2) فقه القرآن، للراوندي 2: 24، (باب المكاسب المحظورة والمكروهة)، والآية من سورة يوسف: 55. (3) كذا في النسخ، وفي هامش " ش ": جاز - ظ. (4) الفقيه 4: 18، ذيل الحديث 4968، والوسائل 12: 136 الباب 45 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6، وفيهما: هوي به.

[ 73 ]

حبس على شفير جهنم بكل (1) يوم ألف سنة، وحشر ويداه مغلولتان (2) إلى عنقه، فإن كان (3) قام فيهم بأمر الله أطلقه الله، وإن كان ظالما هوي به في نار جهنم سبعين خريفا " (4). ولا يخفى أن العريف - سيما في ذلك الزمان - لا يكون إلا من قبل الجائر. وصحيحة زيد الشحام، المحكية عن الأمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام: " من تولى أمرا من امور الناس فعدل فيهم، وفتح بابه ورفع ستره، ونظر في امور الناس، كان حقا على الله أن يؤمن روعته يوم القيامة ويدخله الجنة " (5). ورواية زياد بن أبي سلمة عن موسى بن جعفر (6) عليه السلام: " يا زياد لئن اسقط من شاهق (7) فأتقطع (8) قطعة قطعة أحب إلي من


(1) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: لكل. (2) كذا في النسخ، وفي المصدر: ويده مغلولة. (3) لم ترد " كان " في " م " و " ش ". (4) عقاب الأعمال: 288 (باب مجمع عقوبات الأعمال)، والوسائل 12: 137، الباب 45 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 7. (5) أمالي الصدوق: 203، المجلس 43، وعنه الوسائل 12: 140، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 7. (6) كذا في " ش "، وفي غيره: عن الصادق. (7) كذا في النسخ، وفي الوسائل ونسخة بدل " ش ": حالق، وفي الكافي: جالق. (8) كذا في " ن "، " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: فانقطع.

[ 74 ]

أن أتولى لأحد منهم (1) عملا أو أطأ بساط رجل منهم، إلا لماذا؟ قلت: لا أدري، جعلت فداك. قال: إلا لتفريج كربة عن مؤمن (2)، أو فك أسره، أو قضاء دينه " (3). ورواية علي بن يقطين: " إن لله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع (4) بهم عن أوليائه " (5). قال الصدوق (6): وفي خبر آخر: " اولئك عتقاء الله من النار " (7). قال: وقال الصادق عليه السلام: " كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان " (8). وعن المقنع (9): " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل يحب آل محمد وهو في ديوان هؤلاء، فيقتل (10) تحت رايتهم، قال: يحشره الله على


(1) كذا في " ف " والمصدر ونسخة بدل " ص "، وفي سائر النسخ: أتولى لهم. (2) كذا في مصححة " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: كربة مؤمن. (3) الوسائل 12: 140، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 9. (4) كذا في " ف " ونسخة بدل " م " والمصدر، وفي سائر النسخ: من يدفع. (5) الوسائل 12: 139، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول، وانظر الفقيه 3: 176، الحديث 3664. (6) لم ترد " الصدوق " في غير " ن " و " ش ". (7) الفقيه 3: 176، الحديث 3665، والوسائل 12: 139، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. (8) المصدران السابقان، الفقيه: الحديث 3666، والوسائل: الحديث 3. (9) في " ف " زيادة: قال. (10) كذا في " ن " والمصدر، وفي سائر النسخ: يقتل.

[ 75 ]

نيته " (1)... إلى غير ذلك. وظاهرها إباحة الولاية من حيث هي مع المواساة والإحسان بالإخوان، فيكون نظير الكذب في الإصلاح. وربما يظهر من بعضها (2) الاستحباب، وربما يظهر من بعضها أن الدخول أولا غير جائز إلا أن الإحسان إلى الإخوان كفارة له، كمرسلة الصدوق المتقدمة. وفي ذيل رواية زياد بن أبي سلمة المتقدمة: " فإن (3) وليت شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك يكون (4) واحدة (5) بواحدة " (6). والأولى أن يقال: إن الولاية الغير المحرمة: منها: ما يكون (7) مرجوحة، وهي ولاية من (8) تولى لهم لنظام معاشه قاصدا الإحسان في خلال ذلك إلى المؤمنين ودفع الضر عنهم، ففي رواية أبي بصير: " ما من جبار إلا ومعه مؤمن يدفع الله به عن


(1) المقنع (الجوامع الفقهية): 31، والوسائل 12: 139، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6. (2) كصحيحة زيد الشحام، ورواية علي بن يقطين المتقدمتين. (3) في " ش ": وإن. (4) كلمة " يكون " مشطوب عليها في " ص "، ولم ترد في المصدر. (5) في " ص " والمصدر: فواحدة. (6) الوسائل 12: 140، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 9. (7) كذا في النسخ، وهكذا في ما يليه. (8) كذا في " ش "، وفي سائر النسخ: وهو من.

[ 76 ]

المؤمنين، وهو أقلهم حظا في الآخرة، لصحبة الجبار " (1). ومنها: ما يكون مستحبة، وهي ولاية من (2) لم يقصد بدخوله إلا الإحسان إلى المؤمنين، فعن رجال الكشي في ترجمة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: " قال: إن لله تعالى في أبواب الظلمة من نور الله به البرهان، ومكن له في البلاد، ليدفع (3) بهم عن أوليائه، ويصلح الله (4) بهم امور المسلمين، إليهم (5) ملجأ المؤمنين من الضر (6)، وإليهم مرجع ذوي الحاجة (7) من شيعتنا، بهم يؤمن الله روعة المؤمنين في دار الظلمة (8)، اولئك المؤمنون حقا، اولئك امناء (9) الله في أرضه، اولئك نور الله في رعيته يوم القيامة، ويزهر (10) نورهم لأهل


(1) الوسائل 12: 134، الباب 44 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4. (2) كذا في " ش "، وفي سائر النسخ: وهو من. (3) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: فيدفع. (4) من " ش " والمصدر. (5) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: لأنهم. (6) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: الضرر. (7) في " ف ": يرجع ذو الحاجة، وفي نسخة بدل " ش " والمصدر: يفزع ذو الحاجة. (8) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: الظلم. (9) كذا في " ف " و " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: منار. (10) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: اولئك نور الله في رعيتهم ويزهر.

[ 77 ]

السماوات كما يزهر نور الكواكب الدرية (1) لأهل الأرض، اولئك من (2) نورهم يوم القيامة (3) تضئ القيامة (4)، خلقوا - والله - للجنة، وخلقت (5) الجنة لهم فهنيئا لهم (6)، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله. قلت: بماذا، جعلت فداك؟ قال: يكون معهم فيسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا (7)، فكن منهم (8) يا محمد " (9). ومنها: ما يكون واجبة، وهي ما توقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبان عليه، فإن ما لا يتم الواجب إلا به واجب مع القدرة. وربما يظهر من كلمات جماعة عدم الوجوب في هذه الصورة أيضا: قال في النهاية: تولي الأمر من قبل السلطان العادل جائز


(1) لم ترد " الدرية " في غير " ش " والمصدر، وفي " ف ": يزهر الكواكب الزهر. (2) لم ترد " من " في " ش ". (3) كذا في النسخ، وفي المصدر: نور القيامة. (4) في " ش ": منه القيامة، وفي المصدر: يضئ منهم يوم القيامة. (5) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: وخلق. (6) عبارة " فهنيئا لهم " من " ش " والمصدر. (7) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: بإدخال السرور على شيعتنا. (8) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: معهم. (9) لم نقف عليه في رجال الكشي، ونسبه إليه في الجواهر (22: 161) أيضا، نعم ورد الحديث في رجال النجاشي: 331، ذيل ترجمة محمد بن اسماعيل ابن بزيع (رقم 893)، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

[ 78 ]

مرغب فيه، وربما بلغ حد الوجوب، لما في ذلك من التمكن من الأمر (1) بالمعروف والنهي عن المنكر، ووضع الأشياء مواقعها، وأما سلطان الجور، فمتى علم الإنسان أو غلب على ظنه أنه متى تولى الأمر من قبله، أمكنه (2) التوصل إلى إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقسمة الأخماس والصدقات في أربابها وصلة الإخوان، ولا يكون [ في ] (3) جميع ذلك (4) مخلا بواجب، ولا فاعلا لقبيح، فإنه يستحب (5) له أن يتعرض لتولي الأمر من قبله (6)، انتهى. وقال في السرائر: وأما السلطان الجائر، فلا يجوز لأحد أن يتولى شيئا من الامور مختارا من قبله إلا أن يعلم أو يغلب على ظنه... إلى آخر عبارة النهاية بعينها (7). وفي الشرائع: ولو أمن من ذلك - أي اعتماد ما يحرم - وقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (8) استحبت (9).


(1) كذا في " ف " و " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: من التمكن بالأمر. (2) كذا في " ف " والمصدر ومصححة " م "، وفي سائر النسخ: أمكن. (3) من المصدر. (4) في " ش ": مع ذلك. وكتب في " ص " فوق " جميع ": " مع ". (5) كذا في المصدر، وفي " ف ": المستحب، وفي " ن "، " خ "، " م "، " ع " و " ص ": استحب، وفي " ش ": ليستحب. (6) النهاية: 356. (7) السرائر 2: 202. (8) عبارة " والنهي عن المنكر " من " ش " والمصدر. (9) الشرائع 2: 12.

[ 79 ]

قال في المسالك - بعد أن اعترف أن مقتضى ذلك وجوبها -: ولعل وجه عدم الوجوب كونه بصورة النائب عن الظالم (1)، وعموم النهي عن الدخول معهم، وتسويد الاسم في ديوانهم، فإذا لم يبلغ حد المنع فلا أقل من عدم الوجوب (2). ولا يخفى ما في ظاهره من الضعف كما اعترف به غير واحد (3)، لأن الأمر بالمعروف واجب، فإذا لم يبلغ ما ذكره - من كونه بصورة النائب... إلى آخر ما ذكره - حد المنع، فلا مانع من (4) الوجوب المقدمي للواجب. ويمكن توجيهه بأن نفس الولاية قبيح محرم، لأنها توجب إعلاء كلمة الباطل وتقوية شوكته، فإذا عارضها قبيح آخر وهو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس أحدهما أقل قبحا من الآخر، فللمكلف فعلها، تحصيلا لمصلحة الأمر بالمعروف، وتركها دفعا لمفسدة تسويد الاسم في ديوانهم الموجب لإعلاء كلمتهم وقوة شوكتهم. نعم، يمكن الحكم باستحباب اختيار أحدهما لمصلحة لم تبلغ حد الإلزام حتى يجعل أحدهما أقل قبحا، ليصير واجبا. والحاصل: أن جواز الفعل والترك هنا ليس من باب عدم جريان


(1) لم ترد " عن الظالم " في " ف ". (2) المسالك 3: 138 - 139. (3) منهم صاحب المسالك نفسه، حيث قال بعد التوجيه المذكور: " ولا يخفى ما في هذا التوجيه "، والسيد المجاهد في المناهل: 316. (4) في " ف ": عن.

[ 80 ]

دليل قبح الولاية، وتخصيص دليله بغير هذه الصورة (1)، بل من باب مزاحمة قبحها بقبح ترك الأمر بالمعروف، فللمكلف ملاحظة كل منهما والعمل بمقتضاه، نظير تزاحم الحقين في غير هذا (2) المقام. هذا ما (3) أشار إليه الشهيد بقوله: لعموم النهي... الخ (4). وفي الكفاية: أن الوجوب في ما نحن فيه حسن لو ثبت كون وجوب الأمر بالمعروف مطلقا غير مشروط بالقدرة، فيجب عليه تحصيلها من باب المقدمة، وليس بثابت (5). وهو ضعيف، لأن عدم ثبوت اشتراط الوجوب بالقدرة الحالية العرفية كاف، مع إطلاق أدلة الأمر بالمعروف السالم عن التقييد بما عدا القدرة العقلية المفروضة في المقام. نعم، ربما يتوهم انصراف الإطلاقات الواردة (6) إلى القدرة العرفية الغير المحققة في المقام، لكنه تشكيك ابتدائي لا يضر بالإطلاقات. وأضعف منه ما ذكره بعض (7) - بعد الاعتراض على ما في المسالك


(1) في " ش " زيادة: الخ. (2) لم ترد " هذا " في " ف ". (3) في " ف ": كما. (4) تقدم في الصفحة السابقة بلفظ: " وعموم النهي ". (5) الكفاية: 88. (6) لم ترد " الواردة " في " ف ". (7) هو صاحب الجواهر.

[ 81 ]

بقوله: ولا يخفى ما فيه - قال: ويمكن توجيه (1) عدم الوجوب بتعارض ما دل على وجوب الأمر بالمعروف، وما دل على حرمة الولاية عن الجائر، بناء على حرمتها في ذاتها، والنسبة عموم من وجه، فيجمع بينهما (2) بالتخيير المقتضي للجواز، رفعا (3) لقيد المنع من الترك من أدلة الوجوب، وقيد المنع من (4) الفعل من أدلة الحرمة. وأما الاستحباب فيستفاد حينئذ من ظهور الترغيب فيه في (5) خبر محمد بن إسماعيل (6) وغيره (7)، الذي هو أيضا شاهد للجمع، خصوصا بعد الاعتضاد بفتوى المشهور، وبذلك يرتفع إشكال عدم معقولية الجواز بالمعنى الأخص في مقدمة الواجب، ضرورة ارتفاع (8) الوجوب للمعارضة، إذ عدم (9) المعقولية مسلم في ما لم يعارض فيه


(1) كذا في " ف " و " ش "، وفي سائر النسخ: تقوية، وفي نسخة بدلها: توجيه. (2) في غير " ف " و " ن ": ما بينهما. (3) كذا في " ف " و " خ " والمصدر ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: دفعا. (4) في " ف ": عن. (5) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: فيستفاد من خبر... الخ. (6) المتقدم في الصفحة 76. (7) كصحيحة زيد الشحام، المتقدمة في الصفحة 73، ورواية علي بن يقطين، المتقدمة في الصفحة 74. (8) في " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع ": ضرورة أن ارتفاع. (9) كذا في " ش " ومصححة " ص " و " ن "، وفي سائر النسخ: أو عدم.

[ 82 ]

مقتضى الوجوب (1)، انتهى. وفيه: أن الحكم في التعارض بالعموم من وجه هو التوقف والرجوع إلى الاصول لا التخيير، كما قرر في محله (2)، ومقتضاها إباحة الولاية، للأصل، ووجوب الأمر بالمعروف، لاستقلال العقل به كما ثبت في بابه. ثم على تقدير الحكم بالتخيير، فالتخيير الذي يصار إليه عند تعارض الوجوب والتحريم هو التخيير الظاهري، وهو الأخذ بأحدهما بالتزام الفعل أو الترك، لا التخيير الواقعي. ثم المتعارضان بالعموم من وجه، لا يمكن إلغاء ظاهر كل منهما مطلقا، بل (3) بالنسبة إلى مادة الاجتماع، لوجوب إبقائهما على ظاهرهما في مادتي الافتراق، فيلزم (4) استعمال كل من الأمر والنهي في أدلة الأمر بالمعروف، والنهي عن الولاية (5)، في الإلزام والإباحة. ثم دليل الاستحباب أخص - لا محالة - من أدلة التحريم، فتخصص به، فلا ينظر بعد ذلك في أدلة (6) التحريم، بل لا بد بعد ذلك


(1) راجع الجواهر 22: 164. (2) انظر فرائد الاصول: 757 و 762. (3) عبارة " مطلقا، بل " من " ش " فقط، ولم ترد في سائر النسخ. (4) كذا في " ف "، وفي غيره: فيلزمك. (5) كذا في " ف "، " ن " و " ش " ومصححة " ع " ونسخة بدل " خ " و " ص "، وفي سائر النسخ: عن المنكر. (6) في " ف ": فلا ينظر إلى أدلة.

[ 83 ]

من ملاحظة النسبة بينه وبين أدلة وجوب الأمر بالمعروف. ومن المعلوم المقرر في غير مقام (1) أن دليل استحباب الشئ الذي قد يكون مقدمة لواجب (2) لا يعارض (3) أدلة وجوب ذلك الواجب، فلاوجه لجعله شاهدا على الخروج عن مقتضاها، لأن دليل الاستحباب مسوق لبيان حكم الشئ في نفسه، مع قطع النظر عن الملزمات (4) العرضية، كصيرورته مقدمة لواجب أو مأمورا به لمن يجب إطاعته، أومنذورا وشبهه. فالأحسن في توجيه كلام من عبر بالجواز (5) مع التمكن من الأمر بالمعروف (6): إرادة الجواز بالمعنى الأعم. وأما من عبر بالاستحباب (7)، فظاهره إرادة الاستحباب العيني الذي لا ينافي الوجوب الكفائي، لأجل الأمر بالمعروف الواجب كفاية، نظير قولهم: يستحب تولي القضاء لمن يثق من نفسه (8)، مع أنه واجب


(1) في " ص ": المقام. (2) في " م "، " ع " و " ص ": الواجب. (3) كذا في " ن "، وفي غيره: لا تعارض. (4) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: الملزومات. (5) كذا في " ص " و " ش "، وفي سائر النسخ: الجواز. (6) كالعلامة في القواعد 1: 122. (7) كالمحقق في الشرائع 2: 12. (8) قاله المحقق في الشرائع 4: 68، والعلامة في التحرير 2: 179، والقواعد 2: 201، والمحقق السبزواري في الكفاية: 262، وغيرهم.

[ 84 ]

كفائي (1)، أو يقال: إن مورد كلامهم ما إذا لم يكن هنا معروف متروك يجب فعلا الأمر به، أو منكر مفعول يجب النهي عنه كذلك، بل يعلم بحسب العادة تحقق مورد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد ذلك، ومن المعلوم أنه لا يجب تحصيل مقدمتهما قبل تحقق موردهما، خصوصا مع عدم العلم بزمان تحققه. وكيف كان، فلا إشكال في وجوب تحصيل الولاية إذا كان هناك معروف متروك، أو منكر مركوب، يجب فعلا الأمر بالأول، والنهي عن الثاني.


(1) وردت هذه العبارة في النسخ بصور مختلفة، وما أثبتناه مطابق ل‍ " ف " ومصححة " م ". ووردت العبارة في " ش " هكذا: ومن عبر بالاستحباب فظاهره إرادة الاستحباب العيني الذي لا ينافي الوجوب الكفائي، نظير قولهم: يستحب تولي القضاء لمن يثق من نفسه، مع أنه واجب كفائي، لأجل الأمر بالمعروف الواجب كفاية. وفي " م "، " خ "، " ع " و " ص " كما يلي: وأما من عبر بالاستحباب - نظير قولهم: يستحب تولي القضاء لمن يثق من نفسه، مع أنه واجب كفائي - إرادة الاستحباب العيني الذي لا ينافي الوجوب الكفائي، لأجل الأمر بالمعروف الواجب كفاية. ووردت في " ن " نفس هذه العبارة بزيادة كلمة: " فظاهره " قبل كلمة: " إرادة ".

[ 85 ]

الثاني مما يسوغ الولاية - الإكراه عليه بالتوعيد (1) على تركها من الجائر بما يوجب ضررا بدنيا أو ماليا عليه، أو على من يتعلق به بحيث يعد الإضرار به إضرارا به، ويكون تحمل الضرر عليه شاقا على النفس كالأب والولد ومن جرى مجراهما. وهذا مما لا إشكال في تسويغه ارتكاب الولاية المحرمة في نفسها، لعموم قوله تعالى: * (إلا أن تتقوا منهم تقية) * في الاستثناء عن عموم * (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) * (2). والنبوي: " رفع عن امتي ما اكرهوا عليه " (3). وقولهم عليهم السلام: " التقية في كل ضرورة " (4). و " ما من شئ إلا وقد أحله الله لمن اضطر إليه " (5). إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة من العمومات وما يختص بالمقام (6).


(1) في " ف " و " ن ": بالوعيد. (2) آل عمران: 28. (3) الوسائل 11: 295، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1 و 2. (4) الوسائل 11: 468 و 469، الباب 25 من أبواب النهي والأمر، الحديث 1 و 8. (5) الوسائل 4: 690، الباب الأول من أبواب القيام، الأحاديث 6 و 7. (6) راجع الوسائل 12: 145، الباب 48 من أبواب ما يكتسب به.

[ 86 ]

وينبغي التنبيه على امور: الأول أنه كما يباح بالإكراه نفس الولاية المحرمة، كذلك يباح به ما يلزمها من المحرمات الاخر وما يتفق في خلالها، مما يصدر الأمر به من السلطان الجائر، ما عدا إراقة الدم إذا لم يمكن التفصي عنه، ولا إشكال في ذلك، إنما الإشكال في أن ما يرجع إلى الإضرار بالغير - من نهب الأموال وهتك الأعراض، وغير ذلك من العظائم - هل يباح (1) كل ذلك بالإكراه ولو كان الضرر المتوعد به على ترك المكره عليه أقل بمراتب من الضرر المكره عليه (2)، كما إذا خاف على عرضه من كلمة خشنة لا تليق به (3)، فهل يباح بذلك أعراض الناس وأموالهم ولو بلغت ما بلغت كثرة وعظمة، أم لا بد من ملاحظة الضررين والترجيح بينهما؟ وجهان: من إطلاق أدلة الإكراه، وأن الضرورات تبيح المحظورات (4). ومن أن المستفاد من أدلة الإكراه تشريعه لدفع الضرر، فلا يجوز (5) دفع الضرر بالإضرار بالغير ولو كان ضرر الغير أدون، فضلا عن أن


(1) في النسخ: تباح. (2) شطب في " ف " على كلمة: " عليه ". (3) كذا في " ن "، وفي سائر النسخ: لا يليق به. (4) المتقدمة في الصفحة 85. (5) في " ف ": ولا يجوز.

[ 87 ]

يكون أعظم. وإن شئت قلت: إن حديث رفع الإكراه ورفع الاضطرار، مسوق للامتنان على جنس الامة، ولا حسن في الامتنان على بعضهم بترخيصه في الإضرار بالبعض الآخر، فإذا توقف دفع الضرر عن نفسه على الإضرار (1) بالغير لم يجز ووجب تحمل الضرر. هذا، ولكن الأقوى هو الأول، لعموم دليل نفي الإكراه لجميع المحرمات حتى الإضرار بالغير ما لم يبلغ الدم، وعموم نفي الحرج (2)، فإن إلزام الغير تحمل الضرر وترك ما اكره عليه حرج. وقوله عليه السلام: " إنما جعلت التقية لتحقن بها (3) الدماء، فإذا بلغ الدم فلا تقية " (4)، حيث إنه دل على أن حد التقية بلوغ الدم، فتشرع لما عداه. وأما ما ذكر من استفادة كون نفي الإكراه لدفع الضرر، فهو مسلم، بمعنى دفع توجه الضرر وحدوث مقتضيه، لا بمعنى دفع الضرر المتوجه بعد حصول مقتضيه. بيان ذلك: أنه إذا توجه الضرر إلى شخص بمعنى حصول مقتضيه، فدفعه عنه بالإضرار بغيره غير لازم، بل غير جائز في الجملة، فإذا توجه ضرر على المكلف بإجباره على مال (5) وفرض أن نهب


(1) في غير " ش ": بالاضرار. (2) المستفاد من قوله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * الحج: 78. (3) في النسخ: به. (4) الوسائل 11: 483، الباب 31 من أبواب الأمر والنهي. (5) لم ترد " بإجباره على مال " في " ف ".

[ 88 ]

مال الغير دافع له، فلا يجوز للمجبور نهب مال غيره لدفع الجبر (1) عن نفسه، وكذلك إذا اكره على نهب مال غيره، فلا يجب تحمل الضرر بترك النهب لدفع الضرر المتوجه إلى الغير. وتوهم أنه كما يسوغ النهب في الثاني لكونه مكرها عليه فيرتفع حرمته، كذلك يسوغ في الأول لكونه مضطرا إليه، ألا ترى أنه لو توقف دفع الضرر على محرم آخر غير الإضرار بالغير كالإفطار في شهر رمضان أو ترك الصلاة أو غيرهما، ساغ له ذلك المحرم، وبعبارة اخرى: الإضرار بالغير من المحرمات، فكما يرتفع حرمته بالإكراه كذلك ترتفع بالاضطرار، لأن نسبة الرفع إلى " ما اكرهوا عليه " و " ما اضطروا إليه " على حد سواء، مدفوع: بالفرق بين المثالين في الصغرى بعد اشتراكهما في الكبرى المتقدمة - وهي أن الضرر المتوجه إلى شخص لا يجب دفعه بالإضرار بغيره - بأن الضرر في الأول متوجه إلى نفس الشخص، فدفعه عن نفسه بالإضرار بالغير غير جائز، وعموم رفع ما اضطروا إليه لا يشمل الإضرار بالغير المضطر إليه، لأنه مسوق للامتنان على الامة، فترخيص بعضهم في الإضرار بالآخر لدفع الضرر عن نفسه وصرف الضرر (2) إلى غيره، مناف للامتنان، بل يشبه الترجيح بلا مرجح، فعموم " ما اضطروا إليه " في حديث الرفع مختص بغير الإضرار بالغير من المحرمات. وأما الثاني: فالضرر فيه أولا وبالذات متوجه إلى الغير بحسب


(1) في نسخة بدل " ش ": الضرر. (2) في غير " ش " زيادة: عن نفسه.

[ 89 ]

إلزام المكره - بالكسر - وإرادته (1) الحتمية، والمكره - بالفتح - وإن كان مباشرا إلا أنه ضعيف لا ينسب إليه توجيه الضرر إلى الغير حتى يقال: إنه أضر بالغير لئلا يتضرر نفسه. نعم، لو تحمل الضرر ولم يضر بالغير فقد صرف الضرر عن الغير إلى نفسه عرفا، لكن الشارع لم يوجب هذا، والامتنان بهذا على بعض الامة لا قبح فيه، كما أنه لو أراد ثالث الإضرار بالغير لم يجب على الغير تحمل الضرر وصرفه عنه إلى نفسه. هذا كله، مع أن أدلة نفي الحرج (2) كافية في الفرق بين المقامين، فإنه لا حرج في أن لا يرخص الشارع دفع (3) الضرر عن أحد بالإضرار بغيره، بخلاف ما لو ألزم الشارع الإضرار على نفسه لدفع الضرر المتوجه إلى الغير، فإنه حرج قطعا.


(1) في " ن "، " م " و " ع ": وإرادة. (2) من الكتاب قوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * الحج: 78، ومن السنة ما ورد في الوسائل 10: 14، الباب 39 من أبواب الذبح، الحديث 4 و 6، وغير ذلك. (3) في " ش ": في دفع.

[ 90 ]

الثاني أن الإكراه يتحقق بالتوعد بالضرر على ترك المكره عليه، ضررا متعلقا بنفسه أو ماله أو عرضه أو بأهله، ممن يكون ضرره راجعا إلى تضرره وتألمه، وأما إذا لم يترتب على ترك المكره عليه إلا الضرر على بعض المؤمنين ممن يعد أجنبيا من المكره - بالفتح - فالظاهر أنه لا يعد ذلك إكراها عرفا، إذ لا خوف له يحمله على فعل ما امر به. وبما ذكرنا - من اختصاص الإكراه بصورة خوف لحوق الضرر بالمكره نفسه، أو بمن يجري مجراه كالأب والولد - صرح في الشرائع (1) والتحرير (2) والروضة (3) وغيرها (4). نعم، لو خاف على بعض المؤمنين جاز له قبول الولاية المحرمة، بل غيرها من المحرمات الإلهية التي أعظمها التبري من أئمة الدين صلوات الله عليهم أجمعين، لقيام الدليل على وجوب مراعاة المؤمنين وعدم تعريضهم للضرر، مثل ما في الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام: قال: " ولئن تبرأ (5) منا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها (6)


(1) الشرائع 3: 13. (2) التحرير 2: 51. (3) الروضة البهية 6: 19. (4) كنهاية المرام 2: 11، والحدائق 25: 159، والرياض 2: 169. (5) في المصدر: ولئن تبرأت. (6) كذا في " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: الذي هو.

[ 91 ]

قوامها، ومالها الذي بها قيامها (1)، وجاهها الذي به تمسكها (2)، وتصون من عرف بذلك من أوليائنا وإخوانك (3)، فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عملك في الدين (4) وصلاح إخوانك المؤمنين. وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها، فإنك شائط بدمك ودماء إخوانك، معرض بنعمتك ونعمهم (5) للزوال، مذل لهم في أيدي أعداء دين الله، وقد أمرك الله (6) بإعزازهم، فإنك إن خالفت وصيتي كان ضررك على إخوانك ونفسك (7) أشد من ضرر الناصب لنا، الكافر بنا... الحديث " (8). لكن لا يخفى أنه لا يباح بهذا النحو من التقية الإضرار بالغير، لعدم شمول أدلة الإكراه لهذا، لما عرفت من عدم تحققه مع عدم لحوق ضرر بالمكره ولا بمن يتعلق به، وعدم جريان أدلة نفي الحرج، إذ لاحرج على المأمور، لأن المفروض تساوي من امر بالإضرار به ومن


(1) كذا في " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: نظامها. (2) في المصدر: تماسكها. (3) في المصدر ونسخة بدل " ص ": إخواننا. (4) في المصدر: عمل الدين. (5) كذا في " ن " والمصدر، وفي سائر النسخ: نعمتهم. (6) لفظة الجلالة من " ص " والمصدر. (7) في " ص " والمصدر: نفسك وإخوانك. (8) الاحتجاج 1: 355، ضمن حديث طويل، وعنه الوسائل 11: 479، الباب 29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 11.

[ 92 ]

يتضرر بترك هذا الأمر، من حيث النسبة إلى المأمور (1)، مثلا لو امر الشخص بنهب مال مؤمن، ولا يترتب على مخالفة المأمور به إلا نهب مال مؤمن آخر، فلا حرج حينئذ في تحريم نهب مال الأول، بل تسويغه لدفع النهب عن الثاني قبيح، بملاحظة ما علم من الرواية المتقدمة من الغرض في التقية، خصوصا مع كون المال المنهوب للأول أعظم بمراتب، فإنه يشبه بمن فر من المطر إلى الميزاب، بل اللازم في هذا المقام عدم جواز الإضرار بمؤمن ولو لدفع الضرر الأعظم عن (2) غيره. نعم، إلا لدفع ضرر النفس في وجه، مع ضمان ذلك الضرر. وبما ذكرنا ظهر: أن إطلاق جماعة (3) لتسويغ ما عدا الدم من المحرمات بترتب ضرر مخالفة المكره عليه على نفس المكره وعلى أهله أو على الأجانب من المؤمنين، لا يخلو من (4) بحث، إلا أن يريدوا الخوف على خصوص نفس بعض المؤمنين، فلا إشكال في تسويغه لماعدا الدم من المحرمات، إذ لا يعادل (5) نفس المؤمن شئ، فتأمل. قال في القواعد: وتحرم الولاية من الجائر إلا مع (6) التمكن من


(1) في " ف ": المأمور به. (2) في غير " ف ": من. (3) راجع التحرير 1: 163، والشرائع 2: 12، والدروس 3: 174، والرياض 1: 510. (4) في " ف ": عن. (5) في النسخ: تعادل. (6) في " خ "، " ع "، " ص " و " ش " زيادة: عدم.

[ 93 ]

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو مع الإكراه بالخوف على النفس أو المال أو الأهل، أو على بعض المؤمنين، فيجوز (1) ائتمار (2) ما يأمره إلاالقتل (3)، انتهى. ولو أراد ب‍ " الخوف على بعض المؤمنين " الخوف على أنفسهم دون أموالهم وأعراضهم، لم يخالف ما ذكرنا، وقد شرح العبارة بذلك بعض الأساطين، فقال: إلا مع الإكراه بالخوف على النفس من تلف أو ضرر في البدن، أو المال المضر بالحال من تلف أو حجب، أو العرض من جهة النفس أو الأهل، أو الخوف فيما عدا الوسط على بعض المؤمنين، فيجوز حينئذ ائتمار ما يأمره (4)، انتهى. ومراده ب‍ " ما عدا الوسط " الخوف على نفس بعض المؤمنين وأهله. وكيف كان، فهنا عنوانان: الإكراه، ودفع الضرر المخوف عن نفسه وعن غيره من المؤمنين من دون إكراه. والأول يباح به كل محرم (5). والثاني إن كان متعلقا بالنفس جاز له كل محرم حتى الإضرار المالي بالغير، لكن الأقوى استقرار (6) الضمان عليه إذا تحقق سببه، لعدم


(1) لم ترد " فيجوز " في " ف ". (2) في " ف " والمصدر: اعتماد. (3) القواعد 1: 122. (4) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 36. (5) في " ن " زيادة: إلا القتل. (6) لم ترد " استقرار " في " ف ".

[ 94 ]

الإكراه المانع عن الضمان، أو استقراره. وأما الإضرار بالعرض بالزنا ونحوه، ففيه تأمل، ولا يبعد ترجيح النفس عليه. وإن كان متعلقا بالمال، فلا يسوغ معه الإضرار بالغير أصلا حتى في اليسير من المال، فإذا توقف دفع السبع عن فرسه بتعريض حمار غيره للافتراس لم يجز. وإن كان متعلقا بالعرض، ففي جواز الإضرار بالمال مع الضمان أو العرض الأخف من العرض المدفوع عنه، تأمل. وأما الإضرار بالنفس، أو العرض الأعظم، فلا يجوز بلا إشكال. هذا، وقد وقع في كلام بعض تفسير الإكراه بما يعم لحوق الضرر. قال في المسالك: ضابط الإكراه المسوغ للولاية: الخوف على النفس أو المال أو العرض عليه، أو على بعض المؤمنين (1)، انتهى. ويمكن أن يريد بالإكراه مطلق المسوغ للولاية، لكن صار هذا التعبير منه رحمه الله منشأ لتخيل غير واحد (2) أن الإكراه المجوز لجميع المحرمات هو بهذا المعنى.


(1) المسالك 3: 139. (2) انظر الرياض 1: 510، والمستند 2: 351، والجواهر 22: 168 وغيرها.

[ 95 ]

الثالث أنه قد ذكر بعض مشايخنا المعاصرين (1): أنه يظهر من الأصحاب أن (2) في اعتبار عدم القدرة على التفصي من المكره عليه وعدمه، أقوالا، ثالثها: التفصيل بين الإكراه على نفس الولاية المحرمة فلا يعتبر، وبين غيرها من المحرمات فيعتبر فيه العجز عن التفصي. والذي يظهر من ملاحظة كلماتهم في باب الإكراه: عدم الخلاف في اعتبار العجز عن التفصي إذا لم يكن حرجا ولم يتوقف على ضرر، كما إذا اكره على أخذ المال من مؤمن، فيظهر أنه أخذ المال وجعله في بيت المال، مع عدم أخذه واقعا، أو أخذه جهرا ثم رده إليه سرا كما كان يفعله ابن يقطين، وكما إذا أمره بحبس مؤمن فيدخله في دار واسعة من دون قيد، ويحسن ضيافته ويظهر أنه حبسه وشدد عليه. وكذا لا خلاف في أنه لا يعتبر العجز عن التفصي إذا كان فيه ضرر كثير، وكأن منشأ زعم الخلاف ما ذكره في المسالك في شرح عبارة الشرائع مستظهرا منه خلاف ما اعتمد عليه (3).


(1) لعل المراد به السيد المجاهد، لكنه لم يسند الأقوال الثلاثة إلى ظاهر الأصحاب، بل قال - بعد طرح المسألة -: " فيه أقوال - إلى أن قال: - الثاني: ما استظهره في المصابيح من كلام بعض الأصحاب من التفرقة بين التولية وفعل المحرم... " انظر المناهل: 318، وانظر المصابيح (مخطوط): 53. (2) لم ترد " أن " في " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع ". (3) راجع المسالك 3: 139.

[ 96 ]

قال في الشرائع - بعد الحكم بجواز الدخول في الولاية، دفعا للضرر اليسير مع الكراهة والكثير بدونها -: إذا أكرهه الجائر على الولاية جاز له الدخول والعمل بما يأمره (1) مع عدم القدرة على التفصي منه (2) (3)، انتهى. قال في المسالك ما ملخصه: إن المصنف قدس سره ذكر في هذه المسألة شرطين: الإكراه، والعجز عن التفصي، وهما متغايران، والثاني أخص. والظاهر أن مشروطهما (4) مختلف، فالأول شرط لأصل قبول الولاية، والثاني شرط للعمل بما يأمره. ثم فرع عليه: أن الولاية إن اخذت مجردة عن الأمر بالمحرم فلا يشترط في جوازه الإكراه، وأما العمل بما يأمره من المحرمات فمشروط بالإكراه خاصة (5)، ولا يشترط فيه الإلجاء إليه (6) بحيث لا يقدر على خلافه، وقد صرح به الأصحاب في كتبهم، فاشتراط (7) العجز عن التفصي غير واضح، إلا أن يريد به أصل الاكراه - إلى أن قال: - إن


(1) كذا في " ش " والمصدر ومصححة " م "، وفي " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع ": واعتماد ما يأمره، وفي " ص ": وائتمار ما يأمره. (2) في " ش " زيادة ما يلي: إلا في الدماء المحرمة، فإنه لا تقية فيها. (3) الشرائع 2: 12. (4) في " ع " و " ص " وظاهر " م ": شروطهما. (5) في " ف " ومصححة " م " ونسخة بدل " ع ": بإكراه صاحبه. (6) في " ف "، " خ "، " م "، " ع " و " ص ": فيه. (7) في " ف "، " م "، " ع " و " ص ": واشتراط.

[ 97 ]

الإكراه مسوغ لامتثال ما يؤمر به وإن قدر على المخالفة مع خوف الضرر (1)، انتهى موضع الحاجة من كلامه. أقول: لا يخفى على المتأمل أن المحقق رحمه الله لم يعتبر شرطا زائدا على الإكراه، إلا أن الجائر إذا أمر الوالي بأعمال محرمة في ولايته - كما هو الغالب - وأمكن في بعضها المخالفة واقعا ودعوى الامتثال ظاهرا كما مثلنا لك سابقا (2)، قيد امتثال ما يؤمر به بصورة العجز عن التفصي. وكيف كان، فعبارة الشرائع واقعة على طبق المتعارف من تولية الولاة وأمرهم في ولايتهم بأوامر كثيرة يمكنهم التفصي عن بعضها، وليس المراد بالتفصي المخالفة مع تحمل الضرر، كما لا يخفى. ومما ذكرنا يظهر فساد ما ذكره (3) من نسبة الخلاف (4) المتقدم إلى الأصحاب من أنه على القول باعتبار العجز عن التفصي لو توقف المخالفة على بذل مال كثير لزم على هذا القول، ثم قال: وهو أحوط، بل وأقرب (5).


(1) راجع المسالك 3: 139 - 140. (2) في الصفحة 95. (3) أي صاحب المناهل في أول هذا التنبيه، فإنه وإن لم يصرح بوجود الخلاف، لكن مجرد ذكر أقوال ثلاثة في المسألة دال عليه. (4) في " ش ": من نسب عدم الخلاف. (5) المناهل: 318.

[ 98 ]

الرابع أن قبول الولاية مع الضرر المالي الذي لا يضر بالحال رخصة، لا عزيمة، فيجوز تحمل الضرر المذكور، لأن الناس مسلطون على أموالهم، بل ربما يستحب تحمل ذلك الضرر للفرار عن تقوية شوكتهم. الخامس لا يباح بالإكراه قتل المؤمن ولو توعد على تركه بالقتل إجماعا، على الظاهر المصرح به في بعض الكتب (1)، وإن كان مقتضى عموم نفي الإكراه والحرج الجواز، إلا أنه قد صح عن (2) الصادقين صلوات الله عليهما أنه: " إنما شرعت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت الدم فلا تقية " (3). ومقتضى العموم أنه (4) لا فرق بين أفراد المؤمنين من حيث الصغر والكبر، والذكورة والانوثة، والعلم والجهل، والحر والعبد وغير ذلك. ولو كان المؤمن مستحقا للقتل لحد ففي العموم وجهان: من إطلاق قولهم: " لا تقية في الدماء "، ومن أن المستفاد من قوله عليه السلام: " ليحقن بها الدم (5) فإذا بلغ الدم فلا تقية " أن المراد الدم المحقون دون


(1) صرح به في: الرياض 1: 510، والجواهر 22: 169. (2) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: من. (3) الوسائل 11: 483، الباب 31 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 1 و 2. (4) في غير " ش ": أن. (5) في غير " ش ": به الدماء.

[ 99 ]

المأمور بإهراقه، وظاهر المشهور الأول. وأما المستحق للقتل قصاصا فهو محقون الدم بالنسبة إلى غير ولي الدم. ومما ذكرنا يظهر سكوت الروايتين عن حكم دماء أهل الخلاف، لأن التقية إنما شرعت لحقن دماء الشيعة، فحدها بلوغ دمهم، لا دم غيرهم. وبعبارة اخرى: محصل (1) الرواية لزوم نقض الغرض من تشريع التقية في إهراق الدماء، لأنها شرعت لحقنها فلا يشرع لأجلها إهراقها. ومن المعلوم أنه إذا اكره المؤمن على قتل مخالف فلا يلزم من شرعية التقية في قتله إهراق ما شرع التقية لحقنه. هذا كله في غير الناصب، وأما الناصب فليس محقون الدم، وإنما منع منه حدوث الفتنة، فلا إشكال في مشروعية قتله للتقية. ومما ذكرنا يعلم حكم دم الذمي وشرعية التقية في إهراقه. وبالجملة، فكل دم غير محترم (2) بالذات عند الشارع خارج عن مورد الروايتين، فحكم إهراقه حكم سائر المحرمات التي شرعت التقية فيها. بقي الكلام في أن الدم يشمل (3) الجرح وقطع الأعضاء، أو يختص


(1) كذا في " ف "، " خ "، " ص "، " ش " ونسخة بدل " ع " و " ن " ومصححة " م "، وفي " ن "، " م " و " ع " ونسخة بدل " خ ": محل. (2) في " ن "، " خ " و " ع " وظاهر " ف ": محرم. (3) في " ف ": يشتمل.

[ 100 ]

بالقتل؟ وجهان: من إطلاق الدم، وهو المحكي عن الشيخ (1). ومن عمومات التقية ونفي الحرج والإكراه، وظهور الدم المتصف بالحقن في الدم المبقي للروح، وهو المحكي (2) عن الروضة (3) والمصابيح (4) والرياض (5)، ولا يخلو عن قوة.


(1) حكاه الشهيد الثاني في المسالك 3: 141، فقال: " وبه صرح الشيخ رحمه الله في الكلام "، انظر كتاب الاقتصاد: 240. (2) حكاه السيد المجاهد في المناهل: 317. (3) الروضة البهية 2: 420. (4) المصابيح (مخطوط): 52. (5) الرياض 1: 510.

[ 101 ]

خاتمة في ما ينبغي للوالي العمل به في نفسه وفي رعيته روى شيخنا الشهيد الثاني رحمه الله في رسالته المسماة بكشف الريبة عن أحكام الغيبة، بإسناده عن شيخ الطائفة، عن مفيدها (1)، عن جعفر ابن محمد (2) بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه محمد بن عيسى (3) الأشعري، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فإذا بمولى لعبد الله النجاشي قد (4) ورد عليه فسلم (5) وأوصل إليه كتابا، ففضه وقرأه، فإذا أول سطر فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله تعالى (6) بقاء سيدي، وجعلني


(1) كذا في " ف " ومصححة " ن "، وفي " ش ": المفيد، وفي سائر النسخ: مفيد. (2) عبارة " جعفر بن محمد " من " ش " والمصدر. (3) عبارة " عن أبيه محمد بن عيسى " من " ش " والمصدر ومصححة " ص ". (4) كلمة " قد " من " ش " والمصدر ومصححة " ص ". (5) في " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع ": وسلم. (6) كلمة " تعالى " من " ص " والمصدر.

[ 102 ]

من كل سوء فداه، ولا أراني فيه مكروها، فإنه ولي ذلك والقادر عليه. اعلم سيدي ومولاي (1)، أني بليت بولاية الأهواز، فإن رأى سيدي ومولاي أن يحد لي حدا، ويمثل (2) لي مثالا لأستدل (3) به على ما يقربني إلى الله عزوجل وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويلخص (4) في كتابه ما يرى لي العمل به، وفي ما أبذله (5)، وأين أضع زكاتي، وفي من أصرفها (6)، وبمن آنس، وإلى من أستريح، وبمن أثق وآمن وألجأ إليه في سري، فعسى أن يخلصني الله تعالى بهدايتك وولايتك (7)، فإنك حجة الله على خلقه وأمينه في بلاده، لا (8) زالت نعمته عليك. قال عبد الله بن سليمان، فأجابه أبو عبد الله عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم (9)، حاطك (10) الله بصنعه، ولطف بك بمنه، وكلأك برعايته، فإنه ولي ذلك.


(1) كلمة " ومولاي " من " ش " والمصدر. (2) في " خ " و " ص " والوسائل: أو يمثل. (3) كذا في " ش " وهامش " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: استدل. (4) في " خ " و " ش " زيادة: لي. (5) في نسخة بدل " ش ": ابتذله، وفي المصدر: ابتدله وابتذله. (6) كذا في " ص " و " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: أصرف. (7) في المصدر: بهدايتك ودلالتك وولايتك. (8) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: ولا. (9) التسمية من " ش " والمصدر وهامش " ن "، " خ " و " ص " في الهامش. (10) في نسخة بدل " ص ": صالحك.

[ 103 ]

أما بعد، فقد جاءني (1) رسولك بكتابك، فقرأته وفهمت جميع ما ذكرته وسألت عنه، وذكرت أنك بليت بولاية الأهواز، فسرني (2) ذلك وساءني، وساخبرك بما ساءني من ذلك وما سرني إن شاء الله تعالى. فأما (3) سروري بولايتك (4)، فقلت: عسى أن يغيث الله بك ملهوفا خائفا (5) من أولياء آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويعز بك ذليلهم، ويكسو بك عاريهم، ويقوي بك ضعيفهم، ويطفئ بك نار المخالفين عنهم. وأما الذي ساءني من ذلك، فإن أدنى ما أخاف عليك أن تعثر بولي لنا فلا تشم رائحة (6) حظيرة القدس، فإني ملخص لك جميع ما سألت عنه، فإن (7) أنت عملت به ولم تجاوزه، رجوت أن تسلم إن شاء الله تعالى. أخبرني - يا عبد الله - أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: " من استشاره أخوه المؤمن (8)


(1) في " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع ": جاء إلي. (2) في " ش ": وسرني. (3) في " ش ": وأما. (4) لم ترد " بولايتك " في " ف "، " خ "، " م " و " ع ". (5) لم ترد " خائفا " في " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع ". (6) لم ترد " رائحة " في " ف "، " ن "، " م " و " ع ". (7) في " ص " والمصدر: إن. (8) في نسخة بدل " ن "، " خ "، " م " و " ع ": المسلم، وفي " ش ": المؤمن المسلم.

[ 104 ]

فلم يمحضه النصيحة، سلب (1) الله لبه (2) ". واعلم، أني سأشير عليك برأي (3) إن أنت عملت به تخلصت مما أنت تخافه (4)، واعلم أن خلاصك، ونجاتك في حقن الدماء، وكف الأذى عن أولياء الله، والرفق بالرعية، والتأني وحسن المعاشرة، مع لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، ومداراة صاحبك ومن يرد عليك من رسله. وارفق برعيتك (5) بأن توقفهم على ما وافق الحق والعدل إن شاء الله تعالى، وإياك والسعاة وأهل النمائم، فلا يلزقن (6) بك منهم أحد، ولا يراك (7) الله يوما وليلة وأنت تقبل منهم صرفا ولا عدلا فيسخط الله عليك ويهتك سترك، واحذر مكر خوزي (8) الأهواز، فإن أبي أخبرني (9) عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال (10): " إن الإيمان


(1) في " ص " والمصدر ونسخة بدل " ش ": سلبه. (2) في " ش " ومصححتي " م " و " ع ": لبه عنه، وفي " خ ": عنه لبه. (3) كذا في الوسائل، وفي " ف "، " خ "، " م " و " ع ": رأيي، وفي " ن " و " ش " والمصدر: برأيي. (4) في المصدر: متخوفه، وفي " ف ": تخوفه. (5) في " خ " والمصدر، ونسخة بدل " ص " و " ش ": وارتق فتق رعيتك. (6) في المصدر ونسخة بدل " ش ": يلتزقن. (7) في " ف ": ولا رآك، وفي " م " و " ع ": ولا أراك. (8) في " ف ": خوازي، وفي المصدر: خوز. (9) في غير " ش " زيادة: عن أبيه. (10) في " ص " والمصدر: أنه قال.

[ 105 ]

لا يثبت (1) في قلب يهودي ولا خوزي أبدا ". وأما (2) من تأنس به وتستريح إليه وتلجئ امورك إليه، فذلك الرجل الممتحن المستبصر الأمين الموافق لك على دينك. وميز أعوانك، وجرب الفريقين، فإن رأيت هنالك رشدا فشأنك وإياه. وإياك أن تعطي درهما أو تخلع (3) ثوبا أو تحمل على دابة في غير ذات الله، لشاعر أو مضحك أو ممتزح (4)، إلا أعطيت مثله في ذات الله. ولتكن (5) جوائزك وعطاياك وخلعك للقواد والرسل والأحفاد وأصحاب الرسائل وأصحاب الشرط والأخماس، وما أردت أن تصرف في وجوه البر والنجاح والصدقة والفطرة (6) والحج والشرب (7) والكسوة التي تصلي فيها وتصل بها، والهدية التي تهديها إلى الله عزوجل وإلى رسوله (8) من أطيب كسبك.


(1) في " ف "، " ن " ونسخة بدل " خ ": لا ينبت. (2) في " ص " والمصدر: فأما. (3) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: وتخلع. (4) كذا في " ف "، " ص " والمصدر ومصححة " خ "، وفي سائر النسخ: ممزح. (5) كذا في " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: وليكن. (6) لم ترد " والفطرة " في " ف "، " خ "، " م "، " ع " و " ص ". وكتب في " ص " فوق " الصدقة ": والعتق والفتوة. ووردت العبارة في المصدر هكذا: "... والنجاح والفتوة والصدقة والحج ". (7) في " ص " والمصدر ومصححة " ن ": والمشرب. (8) كذا في " ص " والمصدر، وفي سائر النسخ: ورسوله.

[ 106 ]

وانظر (1) يا عبد الله أن لا تكنز ذهبا ولا فضة فتكون من أهل هذه الآية: * (الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) * (2) ولا تستصغرن من حلو أو فضل طعام (3) تصرفه في بطون خالية تسكن بها غضب الله رب العالمين. واعلم، أني سمعت أبي يحدث عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (4) قال يوما لأصحابه: ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره جائع، فقلنا: هلكنا يا رسول الله، فقال: من فضل طعامكم، ومن فضل تمركم ورزقكم وخلقكم وخرقكم تطفئون بها غضب الرب تعالى. وسانبئك بهوان (5) الدنيا وهوان شرفها على من مضى من السلف والتابعين، فقد حدثني أبي (6)، محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، قال: " لما تجهز الحسين عليه السلام إلى الكوفة (7) أتاه ابن عباس فناشده الله والرحم أن يكون هو المقتول بالطف، فقال: أنا أعرف (8) بمصرعي منك،


(1) في المصدر ومصححة " ص ": يا عبد الله اجهد. (2) التوبة: 34. (3) في " ص ": ولا فضل طعام. (4) في المصدر ونسخة بدل " ش ": أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بدل: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (5) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: على هوان. (6) لم ترد " أبي " في المصدر. (7) عبارة " إلى الكوفة " من " ص "، " ش " والمصدر. (8) عبارة " أنا أعرف " من " ش " والمصدر.

[ 107 ]

وما وكدي من الدنيا إلا فراقها، ألا اخبرك يا بن عباس بحديث أمير المؤمنين عليه السلام والدنيا؟ فقال له (1): بلى لعمري إني احب أن تحدثني بأمرها. فقال أبي: قال علي بن الحسين عليه السلام: سمعت أبا عبد الله الحسين عليه السلام يقول: حدثني أمير المؤمنين عليه السلام، قال: إني كنت بفدك (2) في بعض حيطانها وقد صارت لفاطمة عليها السلام، فإذا أنا بامرأة قد قحمت علي وفي يدي مسحاة وأنا أعمل بها، فلما نظرت إليها طار قلبي مما تداخلني من جمالها، فشبهتها ببثينة (3) بنت عامر الجمحي (4) وكانت من أجمل نساء قريش. فقالت: يا بن أبي طالب، هل لك أن تتزوج بي فاغنيك (5) عن هذه المسحاة، وأدلك على خزائن الأرض فيكون لك [ الملك ] (6) ما بقيت ولعقبك من بعدك؟ فقال لها: من أنت حتى أخطبك من أهلك؟ فقالت: أنا الدنيا.


(1) كلمة " له " من " ش " والمصدر. (2) في " ش ": إني بفدك. (3) كذا في المصدر، واختلفت النسخ في ضبط الكلمة من حيث تقديم بعض الحروف وتأخيرها. (4) كذا في " ف " والمصدر، واختلفت سائر النسخ في ضبط الكلمة كسابقتها. (5) في " ن "، " خ "، " م " و " ع ": فأغنيتك. (6) من المصدر.

[ 108 ]

قال: [ قلت ] (1) لها: فارجعي واطلبي زوجا غيري فلست من شأني (2)، فأقبلت على مسحاتي وأنشأت أقول: لقد خاب من غرته دنيا دنية * وما هي أن غرت قرونا بنائل (3) أتتنا على زي العزيز بثينة (4) * وزينتها في مثل تلك الشمائل فقلت لها: غري سواي فإنني * عزوف عن (5) الدنيا ولست بجاهل وما أنا والدنيا فإن محمدا * أحل صريعا بين تلك الجنادل وهيهات امني بالكنوز وودها (6) * وأموال قارون وملك القبائل أليس جميعا للفناء مصيرنا (7) * ويطلب من خزانها بالطوائل؟ فغري سواي إنني غير راغب * بما فيك من ملك وعز (8) ونائل فقد قنعت نفسي بما قد رزقته * فشأنك يا دنيا وأهل الغوائل فإني أخاف الله يوم لقائه * وأخشى عذابا دائما غير زائل فخرج من الدنيا وليس في عنقه تبعة (9) لأحد، حتى لقى الله


(1) من المصدر. (2) عبارة " فلست من شأني " من " ش " والمصدر. (3) في المصدر ونسخة بدل " ش " و " م ": بطائل. (4) اختلفت النسخ في ضبط الكلمة هنا أيضا كما تقدم. (5) في " ن "، " خ "، " م "، " ع " و " ش ": من. (6) في المصدر: وهبها أتتنا بالكنوز ودرها، وكذا في مصححة " ص " إلا أن فيها: أتتني. (7) في مصححة " ص ": مصيرها. (8) كذا في " ف " والمصدر، وفي سائر النسخ: من عز وملك. (9) في " ف "، " خ "، " م " و " ع ": بيعة.

[ 109 ]

تعالى محمودا غير ملوم ولا مذموم، ثم اقتدت به الأئمة من بعده بما قد بلغكم، لم يتلطخوا بشئ من بوائقها ". وقد وجهت إليك بمكارم الدنيا والآخرة عن (1) الصادق (2) المصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أنت عملت بما نصحت لك في كتابي هذا، ثم كانت عليك من الذنوب و (3) الخطايا كمثل أوزان الجبال وأمواج البحار، رجوت الله أن يتجافى (4) عنك جل وعز بقدرته. يا عبد الله، إياك (5) أن تخيف مؤمنا، فإن أبي (6) حدثني عن أبيه، عن جده (7) علي بن أبي طالب عليه وعليهم السلام، أنه كان يقول: " من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها، أخافه الله يوم لا ظل إلا ظله، وحشره على (8) صورة الذر لحمه وجسده وجميع أعضائه، حتى يورده مورده ". وحدثني أبي (9)، عن آبائه، عن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: " من أغاث لهفانا من المؤمنين (10) أغاثه الله يوم لا ظل إلا ظله،


(1) كذا في مصححتي " ن " و " خ "، وفي سائر النسخ والمصدر: وعن. (2) لم ترد " الصادق " في " ف ". (3) عبارة " الذنوب و " من " ص "، " ش " والمصدر. (4) في نسخة بدل " م ": يتجاوز، وفي نسخة بدل " ش ": يتحامى. (5) كذا في " ص "، " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: وإياك. (6) في " ص " والمصدر: فإن أبي، محمد بن علي. (7) في غير " ش " زيادة: عن. (8) في " ش " والمصدر: في. (9) في غير " ش " زيادة: عن أبيه. (10) عبارة " من المؤمنين " من " ص " و " ش " والمصدر.

[ 110 ]

وآمنه من الفزع الأكبر، وآمنه من سوء المنقلب. ومن قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله له حوائج كثيرة، إحداها (1) الجنة. ومن كسا أخاه المؤمن (2) جبة (3) عن (4) عري، كساه الله من سندس الجنة واستبرقها وحريرها، ولم يزل يخوض في رضوان الله ما دام على المكسو منها سلك. ومن أطعم أخاه من جوع، أطعمه الله من طيبات الجنة، ومن سقاه من ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم. ومن أخدم أخاه، أخدمه الله من الولدان المخلدين، وأسكنه مع أوليائه الطاهرين. ومن حمل أخاه المؤمن على راحلة (5)، حمله الله على ناقة من نوق الجنة، وباهى به الملائكة المقربين يوم القيامة. ومن زوج أخاه [ المؤمن ] (6) امرأة يأنس بها وتشد (7) عضده


(1) في " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع ": أحدها. (2) كلمة " المؤمن " من " ش " والمصدر ومصححة " ص ". (3) لم ترد " جبة " في المصدر، وكتب فوقها في " ن "، " خ " و " ع ": خ ل. (4) في " ف " و " ن " وهامش " ص ": من. (5) في نسخة بدل " ش ": رحله. (6) من المصدر. (7) في " ف "، " خ "، " م "، " ع " و " ش ": ويشد.

[ 111 ]

ويستريح إليها، زوجه الله من الحور العين وآنسه بمن أحبه (1) من الصديقين من أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وإخوانه، وآنسهم به. ومن أعان أخاه المؤمن (2) على سلطان جائر، أعانه الله على إجازة (3) الصراط عند (4) زلة الأقدام. ومن زار أخاه المؤمن في منزله لا لحاجة منه إليه، كتب (5) من زوار الله، وكان حقيقا على الله أن يكرم زائره ". يا عبد الله، وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأصحابه يوما: " معاشر الناس إنه ليس بمؤمن من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، فلا تتبعوا عثرات المؤمنين، فإنه من تتبع (6) عثرة مؤمن يتبع (7) الله عثرته (8) يوم القيامة، وفضحه في جوف بيته ". وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنه (9) قال: " أخذ الله


(1) في " ف " والمصدر: أحب. (2) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: المسلم. (3) في " ف ": إجادة. (4) كذا في " ش " والمصدر ومصححة " ص "، وفي سائر النسخ: يوم. (5) كذا في " ش " والمصدر ومصححة " ص "، وفي سائر النسخ: كتبه. (6) في " ص ": يتبع، وفي المصدر: اتبع. (7) في " ف " و " م ": تتبع، وفي " ص " والمصدر ونسخة بدل " ش ": اتبع. (8) في " ص " والمصدر: عثراته. (9) " أنه " من " ص " والمصدر.

[ 112 ]

ميثاق المؤمن على (1) أن لا يصدق في مقالته، ولا ينتصف من عدوه، وعلى أن لا يشفى غيظه إلا بفضيحة نفسه، لأن المؤمن (2) ملجم، وذلك لغاية قصيرة وراحة طويلة، أخذ (3) الله ميثاق المؤمن على أشياء أيسرها عليه (4) مؤمن مثله يقول بمقالة (5) يبغيه ويحسده، وشيطان (6) يغويه ويمقته، وسلطان (7) يقفو إثره ويتبع عثراته، وكافر بالذي هو مؤمن به يرى سفك دمه دينا، وإباحة حريمه غنما، فما بقاء المؤمن بعد هذا؟ ". يا عبد الله، وحدثني أبي، عن آبائه عن علي عليه السلام (8) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: " نزل جبرئيل عليه السلام، فقال: يا محمد إن الله يقرؤك (9) السلام ويقول: اشتققت (10) للمؤمن اسما من أسمائي، سميته مؤمنا، فالمؤمن مني وأنا منه، من استهان بمؤمن (11) فقد استقبلني


(1) " على " من " ف " و " ش ". (2) في " ص " والمصدر ونسخة بدل " ش ": لأن كل مؤمن. (3) في " ف " و " ص ": وأخذ. (4) كلمة " عليه " من المصدر ومصححة " ص ". (5) في المصدر ومصححة " ص ": بمقالته. (6) في " ص " والمصدر ومصححة " خ " ونسخة بدل " ش ": والشيطان. (7) كذا في " ش " و " ن "، وفي سائر النسخ والمصدر: والسلطان. (8) عبارة " عن علي عليه السلام " من " ش " والمصدر ونسخة بدل " ص ". (9) في المصدر ونسخة بدل " ش ": يقرأ عليك. (10) كذا في " خ "، " ص "، " ش " والمصدر، واختلفت سائر النسخ فيها. (11) في نسخة بدل " ش ": مؤمنا.

[ 113 ]

بالمحاربة ". يا عبد الله، وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يوما (1): " يا علي، لا تناظر رجلا حتى تنظر في سريرته، فإن كانت سريرته حسنة فإن الله عزوجل لم يكن ليخذل وليه، وإن كانت (2) سريرته ردية فقد يكفيه مساويه، فلو جهدت أن تعمل به أكثر مما (3) عمل به من معاصي الله عزوجل ما قدرت عليه ". يا عبد الله، وحدثني أبي (4)، عن آبائه، عن علي (5) عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: " أدنى الكفر أن يسمع الرجل من (6) أخيه الكلمة فيحفظها عليه يريد أن يفضحه بها، اولئك لا خلاق لهم ". يا عبد الله، وحدثني أبي (7)، عن آبائه، عن علي عليه السلام، أنه قال: " من قال في مؤمن ما رأت عيناه وسمعت اذناه ما يشينه ويهدم مروته فهو من الذين قال الله عزوجل: * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) * (8) ".


(1) من " ش " والمصدر ومصححة " ص ". (2) كذا في " ف "، " ش " والمصدر ومصححة " ص "، وفي سائر النسخ: كان. (3) في " ف "، " ن "، " م "، " ع " و " ش ": ما. (4) في غير " ص " و " ش " زيادة: عن أبيه. (5) لم ترد " عن علي " في " ص ". (6) في " ص " والمصدر: عن. (7) في غير " ش " زيادة: عن أبيه. (8) النور: 19.

[ 114 ]

يا عبد الله، وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، أنه قال: " من روى عن (1) أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مروته وشينه (2)، أوثقه (3) الله بخطيئته يوم القيامة حتى يأتي بالمخرج (4) مما قال، ولن يأتي بالمخرج منه أبدا. ومن أدخل على أخيه المؤمن سرورا فقد أدخل على أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم (5) سرورا، ومن أدخل على أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم سرورا فقد أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرورا، ومن أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرورا فقد سر الله، ومن سر الله فحقيق على الله أن يدخله جنته ". ثم إني (6) اوصيك بتقوى الله، وإيثار طاعته، والاعتصام بحبله، فإنه من اعتصم بحبل الله فقد هدي إلى صراط مستقيم. فاتق الله ولا تؤثر أحدا على رضاه وهواه (7)، فإنه وصية الله عزوجل إلى خلقه لا يقبل منهم غيرها، ولا يعظم سواها.


(1) في " ف "، " ن "، " خ "، " م " و " ع ": على. (2) في " ص " والمصدر ونسخة بدل " ش ": ثلبه. (3) في " خ "، " ص " والمصدر ونسخة بدل " ش ": أوبقه. (4) في " ص " والوسائل ومصححة " ش ": بمخرج. (5) في المصدر ونسخة بدل " ش ": أهل البيت عليهم السلام. (6) من " ص "، " ش " والمصدر. (7) من " ف "، " ص "، " ش " والمصدر.

[ 115 ]

واعلم، أن الخلق (1) لم يوكلوا بشئ أعظم من تقوى الله (2)، فإنه وصيتنا أهل البيت، فإن استطعت أن لا تنال من الدنيا شيئا يسأل الله عنه (3) غدا فافعل. قال عبد الله بن سليمان: فلما وصل كتاب الصادق عليه السلام إلى النجاشي نظر فيه، فقال: صدق - والله الذي لا إله إلا هو - مولاي، فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إلا نجا. قال: فلم يزل عبد الله يعمل به أيام حياته (4) (5).


(1) في المصدر ونسخة بدل " ش ": الخلائق. (2) في المصدر ونسخة بدل " ش ": التقوى. (3) في المصدر: تسأل عنه. (4) في غير " ش " زيادة: الخبر. (5) كشف الريبة: 122 - 131، ورواه في الوسائل 12: 150، الباب 49 من أبواب ما يكتسب به.

[ 117 ]

المسألة السابعة والعشرون هجاء المؤمن حرام بالأدلة الأربعة، لأنه همز ولمز وأكل اللحم وتعيير وإذاعة سر، وكل ذلك كبيرة موبقة، فيدل (1) عليه فحوى جميع ما تقدم في الغيبة (2)، بل البهتان أيضا (3)، بناء على تفسير الهجاء بخلاف المدح كما عن الصحاح (4)، فيعم ما فيه من المعايب وما ليس فيه، كما عن القاموس (5) والنهاية (6) والمصباح (7)، لكن مع تخصيصه فيها بالشعر. وأما تخصيصه بذكر ما فيه بالشعر كما هو ظاهر جامع المقاصد (8)،


(1) في " ص ": ويدل. (2) راجع المكاسب 1: 315 - 318. (3) راجع المكاسب 1: 325. (4) صحاح اللغة 6: 2533، مادة: " هجا ". (5) القاموس المحيط 4: 402، مادة: " هجا ". (6) النهاية، لابن الأثير 5: 248، مادة: " هجا ". (7) المصباح المنير: 635، مادة: " هجا ". (8) جامع المقاصد 4: 26.

[ 118 ]

فلا يخلو عن تأمل، ولا فرق في المؤمن بين الفاسق وغيره. وأما الخبر: " محصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين " (1) فالمراد به الخارجون عن الإيمان أو المتجاهرون بالفسق. واحترز بالمؤمن عن المخالف، فإنه يجوز هجوه لعدم احترامه، وكذا يجوز هجاء الفاسق (2) المبدع، لئلا يؤخذ ببدعه (3)، لكن بشرط الاقتصار على المعائب الموجودة فيه، فلا يجوز بهته بما ليس فيه، لعموم حرمة الكذب، وما تقدم من الخبر في الغيبة من قوله عليه السلام في حق المبتدعة: " باهتوهم كيلا (4) يطمعوا في إضلالكم " (5) محمول على اتهامهم وسوء الظن بهم بما يحرم اتهام المؤمن به، بأن يقال: لعله زان، أو سارق (6). وكذا إذا زاده (7) ذكر ما ليس فيه من باب المبالغة. ويحتمل إبقاؤه على ظاهره بتجويز الكذب عليهم لأجل المصلحة،


(1) لم نقف عليه في المصادر الحديثية، لكن حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة (4: 64) عن حواشي الشهيد على القواعد، وفيه: " محصوا ذنوبكم بغيبة الفاسقين ". (2) لم ترد " الفاسق " في " ف ". (3) في نسخة بدل " ش ": ببدعته. (4) كذا في " ف " والمصدر، وفي سائر النسخ: لكيلا. (5) الوسائل 11: 508، الباب 39 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الحديث الأول. وقد تقدم في المكاسب 1: 353. (6) في " ف ": وسارق. (7) في " ف ": وكذا إرادة، وفي " ص ": وكذا إذا زاد.

[ 119 ]

فإن مصلحة تنفير (1) الخلق عنهم أقوى من مفسدة الكذب. وفي رواية أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " قلت له: إن بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم، فقال: الكف عنهم أجمل. ثم قال لي: والله يا أبا حمزة إن الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا. ثم قال: نحن أصحاب الخمس، وقد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا " (2). وفي صدرها دلالة على جواز الافتراء وهو القذف على كراهة، ثم أشار عليه السلام إلى أولوية قصد الصدق بإرادة الزنا من حيث استحلال حقوق الأئمة عليهم السلام.


(1) في " خ "، " م "، " ع " و " ص ": تنفر. (2) الوسائل 11: 331، الباب 73 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3.

[ 121 ]

المسألة الثامنة والعشرون الهجر - بالضم - وهو الفحش من القول وما استقبح التصريح به منه، ففي صحيحة أبي عبيدة: " البذاء من الجفاء، والجفاء في النار " (1). وفي النبوي: " إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذئ قليل الحياء، لا يبالي بما قال ولا ما قيل فيه " (2). وفي رواية سماعة: " إياك أن تكون فحاشا " (3). وفي النبوي: " إن من أشر (4) عباد الله من يكره مجالسته لفحشه " (5). وفي رواية: " من علامات شرك الشيطان الذي لا شك (6) فيه:


(1) الوسائل 11: 330، الباب 72 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3. (2) الوسائل 11: 329، الباب 72 من أبواب جهاد النفس، الحديث 2. (3) الوسائل 11: 328، الباب 71 من أبواب جهاد النفس، الحديث 7. (4) كذا في " ف "، " م " والمصدر، وفي سائر النسخ: شر. (5) الوسائل 11: 328، الباب 71 من أبواب جهاد النفس، الحديث 8. (6) في المصدر ونسخة بدل " ش ": لا يشك.

[ 122 ]

أن يكون فحاشا لا يبالي بما قال ولا ما قيل فيه " (1). إلى غير ذلك من الأخبار (2). هذا آخر ما تيسر تحريره من المكاسب المحرمة.


(1) الوسائل 11: 327، الباب 71 من أبواب جهاد النفس، الحديث الأول. (2) الوسائل 11: 327، الباب 71 من أبواب جهاد النفس، الأحاديث 3 و 4 وغيرهما.

[ 123 ]

النوع الخامس مما يحرم التكسب به (1)


(1) العنوان زيادة منا.

[ 125 ]

النوع الخامس (1) مما يحرم التكسب به ما يجب على الإنسان فعله عينا أو كفاية تعبدا أو توصلا على المشهور كما في المسالك (2)، بل عن مجمع البرهان: كأن دليله الإجماع (3). والظاهر أن نسبته إلى الشهرة في المسالك، في مقابل قول السيد (4) المخالف في وجوب تجهيز الميت على غير الولي، لا في حرمة أخذ الاجرة على تقدير الوجوب عليه. وفي جامع المقاصد: الاجماع على عدم جواز أخذ الاجرة على تعليم صيغة النكاح، أو إلقائها على المتعاقدين (5)، انتهى.


(1) كذا في " ص "، وفي سائر النسخ: الخامس. (2) المسالك 3: 130. (3) مجمع الفائدة 8: 89. (4) لم نقف عليه في ما بأيدينا من كتب السيد ورسائله، نعم حكاه عنه الشهيد في الدروس 3: 172. (5) جامع المقاصد 4: 37، ولم يذكر إلا إلقاء الصيغة على المتعاقدين.

[ 126 ]

وكأن لمثل هذا ونحوه (1) ذكر في الرياض: أن على هذا الحكم الاجماع في كلام جماعة، وهو الحجة (2)، انتهى. واعلم أن موضوع هذه المسألة: ما إذا كان للواجب (3) على العامل منفعة تعود إلى من يبذل بإزائه المال، كما لو كان كفائيا وأراد سقوطه منه فاستأجر غيره، أو كان عينيا على العامل ورجع نفع (4) منه إلى باذل المال، كالقضاء للمدعي إذا وجب عينا. وبعبارة اخرى: مورد الكلام ما لو فرض مستحبا لجاز الاستئجار عليه، لأن الكلام في كون مجرد الوجوب على الشخص مانعا عن أخذه (5) الاجرة عليه، فمثل فعل الشخص صلاة الظهر عن نفسه لا يجوز أخذ الاجرة عليه، لا لوجوبها، بل لعدم وصول عوض المال إلى باذله، فإن النافلة أيضا كذلك. ومن هنا يعلم فساد الاستدلال على هذا المطلب بمنافاة ذلك للإخلاص في العمل (6)، لانتقاضه طردا وعكسا بالمندوب والواجب التوصلي. وقد يرد ذلك (7) بأن تضاعف الوجوب بسبب الإجارة يؤكد


(1) في " م ": أو نحوه. (2) الرياض 1: 505. (3) كذا في " ف " و " ن "، وفي سائر النسخ: الواجب. (4) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: نفعه. (5) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: أخذ. (6) استدل عليه السيد الطباطبائي في الرياض 1: 505. (7) رده السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 92.

[ 127 ]

الإخلاص. وفيه - مضافا إلى اقتضاء ذلك، الفرق بين الإجارة والجعالة، حيث إن الجعالة لا توجب العمل على العامل - (1) أنه إن اريد أن تضاعف الوجوب يؤكد اشتراط الاخلاص، فلا ريب أن الوجوب الحاصل بالإجارة توصلي لا يشترط في حصول ما وجب به قصد القربة، مع أن غرض المستدل منافاة قصد أخذ المال لتحقق الاخلاص في العمل، لا لاعتباره في وجوبه. وإن اريد أنه يؤكد تحقق الاخلاص من العامل، فهو مخالف للواقع قطعا، لأن ما لا يترتب عليه أجر دنيوي أخلص مما يترتب عليه ذلك بحكم الوجدان. هذا، مع أن الوجوب الناشئ من الإجارة إنما يتعلق بالوفاء بعقد الإجارة، ومقتضى الاخلاص المعتبر في ترتب الثواب على موافقة هذا الأمر - ولو لم (2) يعتبر في سقوطه - هو إتيان الفعل من حيث استحقاق المستأجر له (3) بإزاء ماله، فهذا المعنى ينافي وجوب إتيان العبادة لأجل استحقاقه تعالى إياه، ولذا لو لم يكن هذا العقد واجب الوفاء - كما في الجعالة - لم يمكن قصد الإخلاص مع قصد استحقاق العوض، فلا إخلاص هنا حتى يؤكده وجوب الوفاء بعد الإيجاب بالإجارة، فالمانع حقيقة هو عدم القدرة على إيجاد الفعل الصحيح بإزاء العوض،


(1) لم يرد قوله " مضافا - إلى - العامل " في " ف ". (2) في " ف ": وإن لم. (3) في " م ": المستأجر به، وفي الهامش: المستأجر له.

[ 128 ]

سواء كانت المعاوضة لازمة أم جائزة. وأما تأتي القربة في العبادات المستأجرة، فلأن الإجارة إنما تقع على الفعل المأتي به تقربا إلى الله، نيابة عن فلان. توضيحه: أن الشخص يجعل نفسه نائبا عن فلان في العمل متقربا إلى الله، فالمنوب عنه يتقرب إليه تعالى بعمل نائبه وتقربه، وهذا الجعل في نفسه مستحب، لأنه إحسان إلى المنوب عنه وإيصال نفع إليه، وقد يستأجر الشخص عليه فيصير واجبا بالإجارة وجوبا توصليا لا يعتبر فيه التقرب. فالأجير إنما يجعل نفسه - لأجل استحقاق الاجرة - نائبا عن الغير في إتيان العمل الفلاني تقربا إلى الله، فالاجرة في مقابل النيابة في العمل المتقرب به إلى الله التي مرجع نفعها إلى المنوب عنه، وهذا بخلاف ما نحن فيه، لأن الاجرة هنا في مقابل العمل تقربا إلى الله لأن العمل بهذا الوجه لا يرجع نفعه إلا إلى العامل، لأن المفروض أنه يمتثل ما وجب على نفسه، بل في مقابل نفس العمل، فهو يستحق نفس العمل، والمفروض أن الإخلاص إتيان العمل لخصوص أمر الله تعالى (1)، والتقرب يقع للعامل دون الباذل، ووقوعه للعامل يتوقف على أن لا يقصد بالعبادة سوى امتثال أمر الله تعالى. فإن قلت: يمكن للأجير أن يأتي بالفعل مخلصا لله تعالى، بحيث لا يكون للإجارة دخل في إتيانه فيستحق الاجرة، فالإجارة غير مانعة


(1) شطب في " ف " على عبارة " لأن العمل - إلى - تعالى "، وكتب عليها في " ن "، " خ "، " م "، " ع " و " ش ": نسخة.

[ 129 ]

عن (1) قصد الإخلاص. قلت: الكلام في أن مورد الإجارة لا بد أن (2) يكون عملا قابلا لأن يوفى به بعقد (3) الإجارة، ويؤتى به لأجل استحقاق المستأجر إياه ومن باب تسليم مال الغير إليه، وما كان من قبيل العبادة غير قابل لذلك. فإن قلت: يمكن أن يكون غاية الفعل التقرب، والمقصود من إتيان هذا الفعل المتقرب به استحقاق الاجرة، كما يؤتى بالفعل تقربا إلى الله ويقصد منه حصول المطالب الدنيوية، كأداء الدين وسعة الرزق وغيرهما من الحاجات الدنيوية. قلت: فرق بين الغرض الدنيوي المطلوب من الخالق الذي يتقرب إليه بالعمل، وبين الغرض الحاصل من غيره وهو استحقاق الاجرة، فإن طلب الحاجة (4) من الله تعالى سبحانه ولو كانت دنيوية محبوب عند الله، فلا يقدح في العبادة، بل ربما يؤكدها (5). وكيف كان، فذلك الاستدلال حسن في بعض موارد المسألة وهو الواجب التعبدي في الجملة، إلا أن مقتضاه جواز أخذ الاجرة في


(1) كذا في " ف "، وفي غيرها: من. (2) في " ص ": وأن. (3) في " ص ": عقد. (4) كتب في " ش " على عبارة: " فإن طلب الحاجة ": نسخة. (5) لم ترد عبارة " فإن طلب الحاجة - إلى - يؤكدها " في " ف "، وكتب عليها في " ن "، " خ "، " م " و " ع ": نسخة.

[ 130 ]

التوصليات، وعدم جوازه في المندوبات التعبدية، فليس مطردا ولا منعكسا. نعم، قد استدل على المطلب بعض الأساطين في شرحه على القواعد بوجوه، أقواها: أن التنافي بين صفة الوجوب والتملك ذاتي، لأن المملوك والمستحق (1) لا يملك ولا يستحق ثانيا (2). توضيحه: أن الذي يقابل المال لا بد أن يكون كنفس المال مما يملكه المؤجر حتى يملكه المستأجر (3) في مقابل تمليكه المال إياه، فإذا فرض العمل واجبا لله ليس للمكلف تركه، فيصير نظير العمل المملوك للغير، ألا ترى أنه إذا آجر نفسه لدفن الميت لشخص لم يجز له أن يؤجر نفسه ثانيا من شخص آخر لذلك العمل، وليس إلا لأن الفعل صار مستحقا للأول ومملوكا له، فلا معنى لتمليكه ثانيا للآخر مع فرض بقائه على ملك الأول، وهذا المعنى موجود فيما أوجبه الله تعالى، خصوصا فيما يرجع إلى حقوق الغير، حيث إن حاصل الإيجاب هنا جعل الغير مستحقا لذلك العمل من هذا العامل، كأحكام تجهيز الميت التي جعل الشارع الميت مستحقا لها على الحي، فلا يستحقها غيره ثانيا. هذا، ولكن الإنصاف أن هذا الوجه أيضا لا يخلو عن الخدشة، لإمكان منع المنافاة بين الوجوب الذي هو طلب الشارع الفعل، وبين


(1) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: المملوك المستحق. (2) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 27. (3) في " ف ": للمستأجر.

[ 131 ]

استحقاق المستأجر له، وليس استحقاق الشارع للفعل وتملكه المنتزع من طلبه من قبيل استحقاق الآدمي وتملكه الذي ينافي تملك الغير واستحقاقه. ثم إن هذا الدليل باعتراف المستدل يختص بالواجب العيني، وأما الكفائي، فاستدل (1) على عدم جواز أخذ الاجرة عليه: بأن الفعل متعين له (2) فلا يدخل في ملك آخر، وبعدم (3) نفع المستأجر فيما يملكه أو يستحقه غيره، لأنه بمنزلة قولك: استأجرتك لتملك منفعتك المملوكة لك أو لغيرك. وفيه: منع وقوع الفعل له بعد إجارة نفسه للعمل للغير، فإن آثار الفعل حينئذ ترجع إلى الغير، فإذا وجب إنقاذ غريق كفاية أو إزالة النجاسة عن المسجد، فاستأجر واحد (4) غيره، فثواب الإنقاذ والإزالة يقع للمستأجر دون الأجير المباشر لهما. نعم، يسقط الفعل عنه، لقيام المستأجر به ولو بالاستنابة، ومن هذا القبيل الاستئجار للجهاد مع وجوبه كفاية على الأجير والمستأجر. وبالجملة، فلم أجد دليلا على هذا المطلب وافيا بجميع أفراده عدا الإجماع الذي لم يصرح به إلا المحقق الثاني (5)، لكنه موهون بوجود


(1) المستدل هو كاشف الغطاء في شرح القواعد (مخطوط): الورقة 27. (2) في " ف ": " بأن الفعل يتعين له "، وفي " ن ": " بأنه بالفعل يتعين له "، وفي المصدر: " فلأنه بفعله يتعين له ". (3) كذا في " ش " والمصدر، وفي سائر النسخ: ولعدم. (4) في " ف "، " خ "، " م " و " ع ": واحدا. (5) جامع المقاصد 4: 36 - 37.

[ 132 ]

القول بخلافه من أع