[ 1 ]
كتاب المكاسب
[ 3 ]
كتاب المكاسب للشيخ الاعظم استاذ الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى الانصاري (قدس
سره) 1214 - 1281 ه الجزء الثالث اعداد لجنة تحقيق تراثنا الشيخ الاعظم
[ 4 ]
أنصاري، مرتضى بن محمد أمين 1214 - 1281 ق. المكاسب / المؤلف مرتضى الأنصاري:
إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم. - قم: مجمع الفكر الإسلامي 1420 ق = 1378.
فهرستنويسي بر اساس اطلاعات فيپا (فهرستنويسي پيش از انتشار). عربي. فهرست نويسي بر
اساس جلد سوم، 1420 ق = 1378. اين كتاب به مناسبت دويستمين سالگر تولد شيخ انصاري
منتشر شده است. كتابنامه: 1 - معاملات (فقه). الف: مجمع الفكر الاسلامي. لجنة تحقيق
تراث الشيخ الأعظم ب. مجمع الفكر الاسلامي. ج. كنگره جهاني بزرگداشت دويستمين سالگر
تولد شيخ انصاري. د. عنوان. 7 م 8 الف / 1 / 1901 273 792 - BP الف ى 1300 كتابخانه
ملي ايران - 1937 - 78 م قم - ص. ب 3654 - 37185 - ت: 744810 الكتاب: كتاب المكاسب
/ ج 3 المؤلف: الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره تحقيق: مجمع الفكر
الإسلامي / لجنة تحقيق التراث الطبعة: الاولى / ربيع الثاني 1418 ه. ق صف الحروف:
مجمع الفكر الإسلامي الليتوغراف: نگارش - قم المطبعة: مؤسسة الهادي - قم الكمية
المطبوعة: 3000 نسخة جميع الحقوق محفوظة للأمانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة
الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري قدس سره
[ 5 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ 6 ]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله
على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
[ 7 ]
كتاب البيع وهو في الأصل - كما عن المصباح (1) -: مبادلة مال بمال. والظاهر
اختصاص المعوض بالعين، فلا يعم إبدال المنافع بغيرها، وعليه استقر اصطلاح الفقهاء
(2) في البيع (3). نعم، ربما يستعمل في كلمات بعضهم (4) في نقل غيرها، بل يظهر ذلك
من كثير من الأخبار، كالخبر الدال على جواز بيع خدمة المدبر (5)، وبيع سكنى الدار
التي لا يعلم صاحبها (6)، وكأخبار بيع الأرض الخراجية وشرائها (7)، والظاهر أنها
مسامحة في التعبير، كما أن
(1) المصباح المنير: 69، مادة: " بيع ". (2) في " ص " ونسخة بدل " ن "، " خ "، " م
" و " ع " زيادة: في تعين العوض والمعوض. (3) لم ترد " في البيع " في " ف ". (4)
كالشيخ قدس سره في المبسوط 6: 172. (5) الوسائل 16: 74، الباب 3 من أبواب التدبير،
الأحاديث 1، 3 و 4. (6) الوسائل 12: 250، الباب الأول من أبواب عقد البيع وشروطه،
الحديث 5. (7) الوسائل 11: 118، الباب 71 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1 و 6، و 12:
275، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 9 و 10.
[ 8 ]
لفظ الإجارة يستعمل عرفا في نقل بعض الأعيان، كالثمرة على الشجرة. وأما العوض،
فلا إشكال في جواز كونها منفعة، كما في غير موضع من القواعد (1)، وعن التذكرة (2)
وجامع المقاصد (3)، ولا يبعد عدم الخلاف فيه. نعم، نسب (4) إلى بعض الأعيان (5)
الخلاف فيه، ولعله لما اشتهر في كلامهم: من أن البيع لنقل (6) الأعيان، والظاهر
إرادتهم بيان المبيع (7)، نظير قولهم: إن الإجارة لنقل المنافع. وأما عمل الحر، فإن
قلنا: إنه قبل المعاوضة عليه من الأموال، فلا إشكال، وإلا ففيه إشكال، من حيث
احتمال اعتبار كون العوضين في البيع " مالا " قبل المعاوضة، كما يدل عليه ما تقدم
عن المصباح. وأما الحقوق (8)، فإن لم (9) تقبل المعاوضة بالمال - كحق الحضانة
(1) القواعد 1: 136 و 225. (2) التذكرة 1: 556 - 557 و 2: 292. (3) جامع المقاصد 7:
103. (4) نسبه الشيخ الكبير قدس سره في شرحه على القواعد (مخطوط): الورقة 48. (5)
هو الوحيد البهبهاني قدس سره في رسالته العملية الموسومة ب " آداب التجارة " (انظر
هداية الطالب: 149). (6) في غير " ف ": نقل. (7) في " ش ": البيع. (8) في غير " ش "
زيادة: " الاخر ". قال الشهيدي في شرحه (الصفحة 149): الظاهر زيادة كلمة " الاخر ".
(9) في " ف ": فلو لم.
[ 9 ]
والولاية (1) - فلا إشكال، وكذا لو لم تقبل النقل (2)، كحق الشفعة، وحق الخيار،
لأن البيع تمليك الغير. ولا ينتقض (3) ببيع الدين على من هو عليه، لأنه لا مانع من
كونه تمليكا فيسقط، ولذا جعل الشهيد في قواعده " الإبراء " مرددا بين الإسقاط
والتمليك (4). والحاصل: أنه يعقل أن يكون مالكا لما (5) في ذمته فيؤثر تمليكه
السقوط، ولا يعقل أن يتسلط على نفسه. والسر: أن هذا (6) الحق سلطنة فعلية لا يعقل
قيام طرفيها بشخص واحد، بخلاف الملك، فإنها نسبة بين المالك والمملوك، ولا يحتاج
إلى من يملك عليه حتى يستحيل اتحاد المالك والمملوك عليه، فافهم. وأما الحقوق
القابلة للانتقال - كحق التحجير ونحوه - فهي وإن قبلت النقل وقوبلت بالمال في
الصلح، إلا أن في جواز وقوعها عوضا للبيع إشكالا، من أخذ المال في عوضي المبايعة
لغة وعرفا، مع ظهور كلمات الفقهاء - عند التعرض لشروط العوضين ولما يصح أن يكون
اجرة في الإجارة - في حصر الثمن في المال.
(1) عبارة " كحق الحضانة والولاية " من " ش ". (2) كذا في " ف " و " ش " ونسخة بدل
" ن "، " خ "، " م " و " ع "، وفي غيرها: الانتقال. (3) النقض من صاحب الجواهر،
انظر الجواهر 22: 209. (4) القواعد والفوائد 1: 291. (5) لم ترد " لما " في " ش ".
(6) في " ش " وهامش " ن ": مثل هذا.
[ 10 ]
ثم الظاهر: أن لفظ " البيع " ليس له حقيقة شرعية ولا متشرعية (1)، بل هو باق
على معناه العرفي، كما سنوضحه إن شاء الله، إلا أن الفقهاء قد اختلفوا في تعريفه،
ففي المبسوط (2) والسرائر (3) والتذكرة (4) وغيرها (5): " انتقال عين من شخص إلى
غيره بعوض مقدر على وجه التراضي ". وحيث إن في هذا التعريف مسامحة واضحة، عدل آخرون
(6) إلى تعريفه ب: " الإيجاب والقبول الدالين على الانتقال "، وحيث إن البيع من
مقولة المعنى دون اللفظ - مجردا أو بشرط قصد المعنى، وإلا لم يعقل إنشاؤه باللفظ -
عدل جامع المقاصد إلى تعريفه ب: " نقل العين بالصيغة المخصوصة " (7). ويرد عليه -
مع أن النقل ليس مرادفا للبيع، ولذا صرح في التذكرة: بأن إيجاب البيع لا يقع بلفظ "
نقلت "، وجعله من الكنايات (8)،
(1) في " ف ": متشرعة. (2) المبسوط 2: 76. (3) لم ترد " السرائر " في غير " ف "،
انظر السرائر 2: 240. (4) التذكرة 1: 462. (5) في " ن "، " ع "، " ص " و " ش ":
غيرهما، انظر القواعد 1: 123، والتحرير 1: 164. (6) منهم: المحقق في المختصر
النافع: 118، والشهيد في الدروس 3: 191، والفاضل المقداد في التنقيح 2: 24. (7)
جامع المقاصد 4: 55. (8) لم نعثر عليه بعينه، نعم فيه - بعد ذكر شرط التصريح -: "
عدم انعقاده بمثل: أدخلته في ملكك أو جعلته لك "، انظر التذكرة 1: 462.
[ 11 ]
وأن المعاطاة عنده (1) بيع مع خلوها عن الصيغة -: أن النقل بالصيغة أيضا لا
يعقل إنشاؤه بالصيغة. ولا يندفع هذا: بأن المراد أن البيع نفس النقل الذي هو مدلول
الصيغة، فجعله مدلول الصيغة إشارة إلى تعيين ذلك الفرد من النقل، لا أنه (2) مأخوذ
في مفهومه حتى يكون مدلول " بعت ": نقلت بالصيغة، لأنه إن اريد بالصيغة خصوص " بعت
" لزم الدور، لأن المقصود معرفة مادة " بعت "، وإن اريد بها ما يشمل (3) " ملكت "
وجب الاقتصار على مجرد التمليك والنقل. فالأولى تعريفه بأنه: " إنشاء تمليك عين
بمال "، ولا يلزم عليه شئ مما تقدم. نعم، يبقى عليه امور: منها: أنه موقوف على جواز
الإيجاب بلفظ " ملكت " وإلا لم يكن مرادفا له (4). ويرده: أنه الحق كما سيجئ (5).
ومنها: أنه لا يشمل بيع الدين على من هو عليه، لأن الإنسان لا يملك مالا على نفسه.
(1) أي عند المحقق الثاني، راجع جامع المقاصد 4: 58. (2) في " ف ": لا لأنه. (3) في
" ف ": يشتمل. (4) في غير " ش " ومصححة " ن ": لها. (5) يجئ في الصفحة 15 و 120.
[ 12 ]
وفيه - مع ما عرفت (1) وستعرف من تعقل تملك ما على نفسه (2) ورجوعه إلى سقوطه
عنه، نظير تملك ما هو مساو لما في ذمته، وسقوطه بالتهاتر -: أنه لو لم يعقل التمليك
لم يعقل البيع، إذ ليس للبيع - لغة وعرفا - معنى غير المبادلة والنقل والتمليك وما
يساويها من الألفاظ، ولذا قال فخر الدين: إن معنى " بعت " في لغة العرب: " ملكت
غيري " (3)، فإذا لم يعقل ملكية (4) ما في ذمة نفسه لم يعقل شئ مما يساويها، فلا
يعقل البيع. ومنها: أنه يشمل التمليك بالمعاطاة، مع حكم المشهور، بل دعوى الإجماع
على أنها ليست بيعا (5). وفيه: ما سيجئ من كون المعاطاة بيعا (6)، وأن (7) مراد
النافين نفي صحته. ومنها: صدقه على الشراء، فإن المشتري بقبوله للبيع يملك ماله
بعوض المبيع.
(1) راجع الصفحة 9، قوله: " والحاصل: أنه يعقل... ". (2) في " ف ": " ما في ذمة
نفسه ". وفي مصححة " ن " ونسخة بدل " ش ": ما في ذمته. (3) قاله في شرح الإرشاد،
على ما حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 152. (4) في " ف ": ملكيته. (5)
كما ادعاه ابن زهرة في الغنية: 214. (6) يأتي في الصفحة 40. (7) في " ش ": لأن.
[ 13 ]
وفيه: أن التمليك فيه ضمني، وإنما حقيقته التملك بعوض، ولذا لا يجوز الشراء
بلفظ " ملكت "، تقدم على الإيجاب أو تأخر. وبه يظهر اندفاع الإيراد بانتقاضه
بمستأجر العين بعين (1)، حيث إن الاستئجار يتضمن تمليك العين بمال، أعني: المنفعة.
ومنها: انتقاض طرده بالصلح على العين بمال، وبالهبة المعوضة. وفيه: أن حقيقة الصلح
- ولو تعلق بالعين - ليس هو التمليك على وجه المقابلة والمعاوضة، بل معناه الأصلي
هو التسالم، ولذا لا يتعدى بنفسه إلى المال. نعم، هو متضمن للتمليك إذا تعلق بعين،
لا أنه نفسه. والذي يدلك على هذا: أن الصلح قد يتعلق بالمال عينا أو منفعة، فيفيد
التمليك. وقد يتعلق بالانتفاع به (2)، فيفيد فائدة العارية، وهو مجرد التسليط (3)،
وقد يتعلق بالحقوق، فيفيد الإسقاط أو الانتقال، وقد يتعلق بتقرير أمر بين
المتصالحين - كما في قول أحد الشريكين لصاحبه: " صالحتك على أن يكون الربح لك
والخسران عليك " - فيفيد مجرد التقرير. فلو كانت (4) حقيقة الصلح هي عين كل من (5)
هذه المفادات الخمسة لزم كونه مشتركا لفظيا، وهو واضح البطلان، فلم يبق إلا أن يكون
مفهومه معنى آخر، وهو التسالم، فيفيد في كل موضع (6) فائدة من
(1) لم ترد " بعين " في " ف ". (2) لم ترد " به " في غير " ف ". (3) في " ف ":
التسلط. (4) في غير " ش ": كان. (5) لم ترد " كل من " في " ف ". (6) في هامش " ف "
زيادة: من المواضع.
[ 14 ]
الفوائد المذكورة بحسب ما يقتضيه متعلقه. فالصلح على العين بعوض: تسالم عليه
(1)، وهو يتضمن التمليك، لا أن مفهوم الصلح في خصوص هذا المقام وحقيقته هو إنشاء
التمليك، ومن هنا لم يكن طلبه من الخصم إقرارا (2)، بخلاف طلب التمليك. وأما الهبة
المعوضة - والمراد بها هنا: ما اشترط فيها (3) العوض - فليست إنشاء تمليك بعوض على
جهة المقابلة، وإلا لم يعقل تملك أحدهما لأحد العوضين من دون تملك الآخر للآخر (4)،
مع أن ظاهرهم عدم تملك العوض بمجرد تملك الموهوب الهبة (5)، بل غاية الأمر أن
المتهب لو لم يؤد العوض كان للواهب الرجوع في هبته، فالظاهر أن التعويض المشترط في
الهبة كالتعويض الغير المشترط فيها في كونه تمليكا (6) مستقلا يقصد به وقوعه عوضا،
لا أن حقيقة المعاوضة والمقابلة مقصودة في كل من العوضين، كما يتضح ذلك بملاحظة
التعويض الغير المشترط في ضمن (7) الهبة الاولى (8).
(1) في " ف " زيادة: به. (2) في " ش " زيادة: له. (3) في " ص ": فيه. (4) لم ترد "
للآخر " في " ف ". (5) في " ش " و " م " ونسخة بدل " ن "، " خ " و " ع ": بالهبة.
(6) في " ف ": تملكا. (7) في " ف " بدل " ضمن ": إنشاء. (8) في غير " ف " و " ش "
زيادة ما يلي: " ومما ذكرنا تقدر على إخراج القرض من التعريف، إذ ليس المقصود
الأصلي منه المعاوضة والمقابلة، فتأمل "، لكن شطب عليها في " م " وكتب عليها في " ن
": زائد.
[ 15 ]
فقد تحقق مما ذكرنا: أن حقيقة تمليك العين بالعوض ليست إلا البيع، فلو قال: "
ملكتك كذا بكذا " كان بيعا، ولا يصح صلحا ولا هبة معوضة وإن قصدهما، إذ التمليك على
جهة المقابلة الحقيقية ليس صلحا، ولا هبة، فلا يقعان به. نعم، لو قلنا بوقوعهما
بغير الألفاظ الصريحة توجه تحققهما مع قصدهما، فما قيل من أن البيع هو الأصل في
تمليك الأعيان بالعوض، فيقدم على الصلح والهبة المعوضة (1)، محل تأمل، بل منع، لما
عرفت من أن تمليك الأعيان بالعوض هو البيع لا غير. نعم، لو اتي بلفظ " التمليك
بالعوض " واحتمل إرادة غير حقيقته كان [ مقتضى ] (2) الأصل اللفظي حمله على المعنى
الحقيقي، فيحكم بالبيع، لكن الظاهر أن الأصل بهذا المعنى ليس مراد القائل المتقدم،
وسيجئ توضيحه في مسألة المعاطاة في غير البيع إن شاء الله (3). بقي (4) القرض داخلا
في ظاهر الحد، ويمكن إخراجه بأن مفهومه ليس نفس المعاوضة، بل هو تمليك على وجه ضمان
المثل (5) أو القيمة، لا معاوضة للعين بهما، ولذا لا يجري فيه ربا المعاوضة (6)،
ولا الغرر
(1) انظر الجواهر 22: 246. (2) لم ترد " مقتضى " في النسخ، إلا أنها زيدت في " ن "،
" ص " و " ش " تصحيحا أو استظهارا. (3) يجئ في الصفحة 91 عند قوله: الخامس في حكم
جريان المعاطاة.... (4) في " ف " و " ن ": وبقي. (5) في " ف ": الضمان للمثل. (6)
في " ف ": المعاوضات.
[ 16 ]
المنفي فيها، ولا ذكر العوض، ولا العلم به، فتأمل (1). ثم إن ما ذكرنا، تعريف
للبيع المأخوذ في صيغة " بعت " وغيره (2) من المشتقات، ويظهر من بعض من قارب عصرنا
(3) استعماله في معان اخر غير ما ذكر (4): أحدها: التمليك المذكور، لكن (5) بشرط
تعقبه بتملك المشتري، وإليه نظر بعض مشايخنا (6)، حيث أخذ قيد التعقب (7) بالقبول
(8) في تعريف البيع المصطلح، ولعله لتبادر التمليك المقرون بالقبول من اللفظ، بل
وصحة السلب عن المجرد، ولهذا لا يقال: " باع فلان ماله "، إلا بعد أن يكون قد
اشتراه غيره، ويستفاد من قول القائل: " بعت مالي "، أنه اشتراه غيره، لا أنه أوجب
(9) البيع فقط.
(1) عبارة " بقي القرض - إلى - فتأمل " لم ترد في " خ "، وكتب عليها في غير " ف " و
" ش ": " زائد "، وقد تقدم (في الصفحة 14، الهامش 8) زيادة عبارة عن بعض النسخ
ترتبط بإخراج القرض، والظاهر أن المؤلف قدس سره كتب أولا تلك العبارة ثم أعرض عنها
وبينها هنا بلفظ أوفى، فصار ذلك منشأ لاختلاف النسخ. (2) في " ف ": غيرها. (3) انظر
مقابس الأنوار: 107 (كتاب البيع)، و 275 (كتاب النكاح). (4) عبارة " غير ما ذكر "
من " ف " و " ش " ومصححة " ن ". (5) في " ف ": لكنه. (6) لم نعثر عليه، ولعله
المحقق النراقي، انظر المستند 2: 360. (7) في " ف ": التعقيب. (8) في غير " ش "
زيادة: " مأخوذا "، وشطب عليها في " ن ". (9) في " ف ": وجب.
[ 17 ]
الثاني: الأثر الحاصل من الإيجاب والقبول، وهو الانتقال، كما يظهر من المبسوط
(1) وغيره (2). الثالث: نفس العقد المركب من الإيجاب والقبول، وإليه ينظر من عرف
البيع بالعقد (3). قال (4): بل الظاهر اتفاقهم على إرادة هذا المعنى في عناوين
أبواب المعاملات، حتى الإجارة وشبهها التي ليست هي في الأصل (5) اسما لأحد طرفي
العقد (6). أقول: أما البيع بمعنى الإيجاب المتعقب للقبول، فالظاهر أنه ليس مقابلا
للأول، وإنما هو فرد انصرف إليه اللفظ في مقام قيام القرينة على إرادة الإيجاب
المثمر، إذ لا ثمرة في الإيجاب المجرد، فقول المخبر: " بعت "، إنما أراد الإيجاب
المقيد، فالقيد مستفاد من الخارج، لا أن البيع مستعمل في الإيجاب المتعقب للقبول،
وكذلك لفظ " النقل " و " الإبدال " و " التمليك " وشبهها، مع أنه لم يقل (7) أحد
بأن تعقب القبول له دخل في معناها. نعم، تحقق القبول شرط للانتقال في الخارج، لا في
نظر الناقل، إذ
(1) المبسوط 2: 76. (2) السرائر 2: 240. (3) مثل الحلبي في الكافي: 352، وابن حمزة
في الوسيلة: 236، واختاره العلامة في المختلف 5: 51. (4) أي بعض من قارب عصر المؤلف
قدس سره، المشار إليه آنفا. (5) لم ترد " هي في الأصل " في " ف ". (6) انظر مقابس
الأنوار: 107 و 275. (7) في " ف ": لم ينقل.
[ 18 ]
لا ينفك التأثير عن الأثر (1)، فالبيع وما يساويه معنى من قبيل الإيجاب
والوجوب، لا الكسر والانكسار - كما تخيله بعض (2) - فتأمل. ومنه يظهر ضعف أخذ القيد
المذكور في معنى البيع المصطلح، فضلا عن أن يجعل أحد معانيها (3). وأما البيع بمعنى
الأثر وهو الانتقال، فلم يوجد في اللغة ولا في العرف (4)، وإنما وقع في تعريف جماعة
تبعا للمبسوط (5). وقد يوجه (6): بأن المراد بالبيع المحدود المصدر من المبني
للمفعول، أعني: " المبيعية "، وهو تكلف حسن. وأما البيع بمعنى العقد، فقد صرح
الشهيد الثاني رحمه الله: بأن إطلاقه عليه مجاز، لعلاقة السببية (7). والظاهر أن
المسبب هو الأثر الحاصل في نظر الشارع، لأنه المسبب عن العقد، لا النقل الحاصل من
فعل الموجب، لما عرفت من أنه حاصل بنفس إنشاء الموجب من دون توقف على شئ، كحصول
وجوب الضرب في نظر الآمر (8) بمجرد الأمر وإن لم يصر واجبا في
(1) كذا في " ف " ومصححة " ن "، وقد وردت العبارة في سائر النسخ مع اختلاف - غير
مخل - في التقديم والتأخير. (2) المراد به - ظاهرا - الشيخ أسد الله التستري، راجع
مقابس الأنوار: 107. (3) كذا في النسخ، والمناسب: معانيه. (4) العبارة في " ف "
هكذا: فلم يوجد له أثر في اللغة ولا العرف. (5) راجع الصفحة 10. (6) وجهه المحقق
التستري في مقابس الأنوار: 274. (7) المسالك 3: 144. (8) في " ف ": في نفس الآمر.
[ 19 ]
الخارج (1) في نظر غيره. وإلى هذا نظر جميع ما ورد في النصوص والفتاوى من
قولهم: " لزم البيع "، أو " وجب "، أو " لا بيع بينهما "، أو " أقاله في البيع "
ونحو ذلك. والحاصل: أن البيع الذي يجعلونه من العقود يراد به النقل بمعنى اسم
المصدر مع اعتبار تحققه في نظر الشارع، المتوقف على تحقق الإيجاب والقبول، فإضافة
العقد إلى البيع بهذا المعنى ليست بيانية، ولذا يقال: " انعقد البيع "، و " لا
ينعقد البيع ". ثم إن الشهيد الثاني نص في " كتاب اليمين " من المسالك على أن عقد
البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح، مجاز في الفاسد، لوجود خواص الحقيقة
والمجاز، كالتبادر وصحة السلب. قال: ومن ثم حمل (2) الإقرار به عليه، حتى لو ادعى
إرادة الفاسد لم يسمع إجماعا، ولو كان مشتركا بين الصحيح والفاسد لقبل تفسيره
بأحدهما كغيره من الألفاظ المشتركة، وانقسامه إلى الصحيح والفاسد أعم من الحقيقة
(3)، انتهى. وقال الشهيد الأول (4) في قواعده: الماهيات الجعلية كالصلاة والصوم
وسائر العقود لا تطلق على الفاسد إلا الحج، لوجوب المضي فيه (5)، انتهى. وظاهره
إرادة الإطلاق الحقيقي. ويشكل ما ذكراه بأن وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسك
(1) لم ترد " في الخارج " في " ف "، وشطب عليها في " ن ". (2) في غير " ش ": " قبل
"، وصحح في أكثر النسخ بما في المتن. (3) المسالك (الطبعة الحجرية) 2: 159. (4) لم
ترد " الأول " في " ف ". (5) القواعد والفوائد 1: 158.
[ 20 ]
بإطلاق نحو * (وأحل الله البيع) * (1)، وإطلاقات (2) أدلة سائر العقود في مقام
الشك في اعتبار شئ فيها، مع أن سيرة علماء الإسلام التمسك بها في هذه المقامات.
نعم، يمكن أن يقال: إن البيع وشبهه في العرف إذا استعمل في الحاصل من المصدر الذي
يراد من قول القائل (3): " بعت " عند الإنشاء، لا يستعمل حقيقة إلا في ما كان صحيحا
مؤثرا ولو في نظر القائل (4)، ثم إذا كان مؤثرا في نظر الشارع كان بيعا عنده، وإلا
كان صورة بيع، نظير بيع الهازل عند العرف. فالبيع الذي يراد منه ما حصل عقيب قول
القائل: " بعت " عند العرف والشرع حقيقة في الصحيح المفيد للأثر، ومجاز في غيره،
إلا أن الإفادة وثبوت الفائدة مختلف في نظر العرف والشرع. وأما وجه تمسك العلماء
بإطلاق أدلة البيع ونحوه، فلأن الخطابات لما وردت على طبق العرف، حمل لفظ " البيع "
وشبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف، أو على المصدر الذي
يراد من لفظ " بعت "، فيستدل بإطلاق الحكم بحله أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثرا في
نظر الشارع أيضا، فتأمل فإن للكلام محلا آخر.
(1) البقرة: 275. (2) في " ف ": إطلاق. (3) كلمة " القائل " من " ش " ومصححة " ن ".
(4) في " ف ": " نظر الفاعل "، وفي " ش ": " نظرهم "، وفي سائر النسخ جمع بين ما
أثبتناه وما في " ش ".
[ 21 ]
[ الكلام في المعاطاة ]
[ 23 ]
الكلام في المعاطاة إعلم أن المعاطاة - على ما فسره جماعة (1) -: أن يعطي كل من
اثنين عوضا عما يأخذه من الآخر، وهو يتصور على وجهين: أحدهما: أن يبيح كل منهما
للآخر التصرف فيما يعطيه، من دون نظر إلى تمليكه. الثاني: أن يتعاطيا على وجه
التمليك. وربما يذكر وجهان آخران (2): أحدهما: أن يقع النقل (3) من غير قصد البيع
ولا تصريح بالإباحة المزبورة، بل يعطي شيئا ليتناول شيئا فدفعه (4) الآخر إليه.
الثاني: أن يقصد الملك المطلق، دون خصوص البيع.
(1) منهم المحقق الثاني في حاشية الإرشاد (مخطوط): 215، والشهيد الثاني في الروضة
البهية 3: 222، والسيد الطباطبائي في الرياض 1: 510. (2) ذكره صاحب الجواهر في
الجواهر 22: 226 و 227. (3) في " ن ": الفعل. (4) كذا في النسخ، والمناسب: " فيدفعه
"، كما في مصححة " ع ". (
[ 24 ]
ويرد الأول: بامتناع خلو الدافع (1) عن قصد عنوان من عناوين البيع، أو الإباحة،
أو العارية، أو الوديعة، أو القرض، أو غير ذلك من العنوانات الخاصة. والثاني: بما
تقدم في تعريف البيع (2): من أن التمليك بالعوض على وجه المبادلة هو مفهوم البيع،
لا غير. نعم، يظهر من غير واحد منهم (3) في بعض (4) العقود - كبيع لبن الشاة مدة،
وغير ذلك -: كون التمليك المطلق أعم من البيع. ثم إن المعروف بين علمائنا في حكمها:
أنها مفيدة لإباحة التصرف (5)، ويحصل الملك بتلف إحدى العينين، وعن المفيد (6) وبعض
العامة (7): القول بكونها لازمة كالبيع، وعن العلامة رحمه الله في النهاية:
(1) في نسخة بدل " ن "، " خ "، " م "، " ع " و " ش ": الواقع. (2) تقدم في الصفحة
15. (3) انظر المختلف 5: 249، والدروس 3: 197، وجامع المقاصد 4: 110. (4) كذا في "
ش "، وفي سائر النسخ بدل " في بعض ": كون بعض. (5) كما سيأتي عن الحلبي، والشيخ،
وابن زهرة، وابن إدريس، والعلامة في التذكرة. (6) نقله عنه المحقق الثاني في حاشية
الإرشاد (مخطوط): 216، وفيه: " خلافا للمفيد رحمه الله فإنه جعلها كالعقد "، ونسبه
في جامع المقاصد (4: 58) إلى ظاهر عبارة المفيد، ونحوه في مجمع الفائدة (8: 142).
وفي الجواهر (22: 210): " اشتهر نقل هذا عن المفيد "، ولكن قال بعد أسطر: " وليس
فيما وصل إلينا من كلام المفيد تصريح بما نسب إليه ". (7) حكاه صاحب الجواهر في
الجواهر (22: 210) عن أحمد ومالك، وانظر المغني لابن قدامة 3: 561، والمجموع 9:
191.
[ 25 ]
احتمال كونها بيعا فاسدا في عدم إفادتها لإباحة التصرف (1). ولا بد - أولا - من
ملاحظة أن النزاع في المعاطاة المقصود بها الإباحة، أو في المقصود بها التمليك؟
الظاهر من الخاصة والعامة هو المعنى الثاني. وحيث إن الحكم بالإباحة بدون الملك قبل
التلف وحصوله بعده لا يجامع ظاهرا قصد التمليك من المتعاطيين، نزل المحقق الكركي
الإباحة في كلامهم على الملك الجائز المتزلزل، وأنه يلزم بذهاب إحدى العينين، وحقق
ذلك في شرحه على القواعد وتعليقه على الإرشاد بما لا مزيد عليه (2). لكن بعض
المعاصرين لما استبعد هذا الوجه التجأ إلى جعل محل النزاع هي المعاطاة المقصود بها
مجرد الإباحة، ورجح بقاء الإباحة في كلامهم على ظاهرها المقابل للملك، ونزل مورد
حكم قدماء الأصحاب بالإباحة على هذا الوجه، وطعن على من جعل محل النزاع في المعاطاة
بقصد التمليك، قائلا: إن القول بالإباحة الخالية عن الملك مع قصد الملك مما لا ينسب
إلى أصاغر الطلبة، فضلا عن أعاظم الأصحاب وكبرائهم (3). والإنصاف: أن ما ارتكبه
المحقق الثاني في توجيه الإباحة بالملك المتزلزل، بعيد في الغاية عن مساق كلمات
الأصحاب، مثل: الشيخ في
(1) نهاية الإحكام 2: 449. (2) جامع المقاصد 4: 58، حاشية الإرشاد (مخطوط): 216.
(3) الجواهر 22: 224 - 225.
[ 26 ]
المبسوط، والخلاف (1)، والحلي في السرائر (2)، وابن زهرة في الغنية (3)،
والحلبي في الكافي (4)، والعلامة في التذكرة وغيرها (5)، بل كلمات بعضهم صريحة في
عدم الملك - كما ستعرف - إلا أن جعل محل النزاع ما إذا قصد الإباحة دون التمليك
أبعد منه، بل لا يكاد يوجد في كلام أحد منهم ما يقبل (6) الحمل على هذا المعنى.
ولننقل - أولا - كلمات جماعة ممن ظفرنا على كلماتهم، ليظهر منه بعد تنزيل الإباحة
على الملك المتزلزل - كما صنعه المحقق الكركي (7) - وأبعدية جعل محل الكلام في
كلمات قدمائنا الأعلام ما لو قصد المتعاطيان مجرد إباحة التصرفات دون التمليك (8)،
فنقول وبالله التوفيق: قال (9) في الخلاف: إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب،
فقال: أعطني بها بقلا أو ماء، فأعطاه، فإنه لا يكون بيعا - وكذلك سائر المحقرات -
وإنما يكون إباحة له، فيتصرف كل منهما في ما أخذه تصرفا
(1) المبسوط 2: 87، الخلاف 3: 41، كتاب البيوع، المسألة 59. (2) السرائر 2: 250.
(3) الغنية: 214. (4) الكافي في الفقه: 352 - 353. (5) التذكرة 1: 462. وانظر
المختلف 5: 51، والإرشاد 1: 359، والقواعد 1: 123. (6) العبارة في " ف " هكذا: بل
لا يكاد يوجد كلام منهم يقبل.... (7) تقدم عنه في الصفحة السابقة. (8) في " ف "
زيادة: كما صنعه بعض المعاصرين. (9) في " ف ": قال الشيخ.
[ 27 ]
مباحا من دون أن يكون ملكه، وفائدة ذلك: أن البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل أو
أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته كان لهما ذلك، لأن الملك لم يحصل لهما، وبه قال
الشافعي. وقال أبو حنيفة: يكون بيعا صحيحا وإن لم يحصل (1) الإيجاب والقبول. وقال
ذلك في المحقرات، دون غيرها. دليلنا: إن العقد حكم شرعي، ولا دلالة في الشرع على
وجوده هنا (2)، فيجب أن لا يثبت، وأما الإباحة بذلك، فهو مجمع عليه لا يختلف
العلماء فيها (3)، انتهى. ولا يخفى صراحة (4) هذا الكلام في عدم حصول الملك، وفي أن
محل الخلاف بينه وبين أبي حنيفة ما لو قصد البيع، لا الإباحة المجردة، كما يظهر
أيضا من بعض كتب الحنفية، حيث إنه - بعد تفسير البيع ب: " مبادلة مال بمال " -
قال: وينعقد بالإيجاب والقبول، وبالتعاطي (5)، (6) وأيضا، فتمسكه بأن العقد حكم
شرعي، يدل على عدم انتفاء قصد البيعية، وإلا لكان الأولى، بل المتعين: التعليل به،
إذ مع انتفاء حقيقة
(1) في " ش " والمصدر: لم يوجد. (2) في " ف " والمصدر: ها هنا. (3) الخلاف 3: 41،
كتاب البيوع، المسألة 59. (4) في " ن "، " خ "، " م " و " ع ": " ظهور "، وفي نسخة
بدلها: صراحة. (5) في " ف ": والتعاطي. (6) انظر الفتاوى الهندية 3: 2، وفيه - بعد
التعريف المذكور -: وأما ركنه، فنوعان: أحدهما الإيجاب والقبول، والثاني التعاطي
وهو الأخذ والإعطاء.
[ 28 ]
البيع لغة وعرفا لا معنى للتمسك بتوقيفية (1) الأسباب الشرعية، كما لا يخفى.
وقال في السرائر - بعد ذكر اعتبار الإيجاب والقبول واعتبار تقدم الأول على الثاني -
ما لفظه: فإذا دفع قطعة إلى البقلي أو إلى الشارب، فقال: " أعطني "، فإنه لا يكون
بيعا ولا عقدا، لأن الإيجاب والقبول ما حصلا، وكذلك سائر المحقرات، وسائر الأشياء
محقرا كان أو غير محقر، من الثياب والحيوان أو غير ذلك، وإنما يكون إباحة له،
فيتصرف كل منهما في ما أخذه تصرفا مباحا، من غير أن يكون ملكه أو دخل في ملكه، ولكل
منهما أن يرجع في ما بذله، لأن الملك لم يحصل لهما، وليس ذلك من العقود الفاسدة،
لأنه لو كان عقدا فاسدا لم يصح التصرف فيما صار إلى كل واحد منهما، وإنما ذلك على
جهة الإباحة (2)، انتهى. فإن تعليله (3) عدم الملك بعدم حصول الإيجاب والقبول يدل
على أن ليس المفروض (4) ما لو لم يقصد التمليك، مع أن ذكره في حيز شروط العقد يدل
على ما ذكرنا، ولا ينافي ذلك (5) قوله: " وليس هذا من العقود الفاسدة... الخ (6) "
كما لا يخفى.
(1) كذا في " ف " و " ش "، وفي سائر النسخ: " بتوقفه على "، إلا أنه صحح في " ن " و
" ع " بما في المتن. (2) السرائر 2: 250. (3) في " ف ": تعليل. (4) في ظاهر " ف ":
المقصود. (5) لم ترد " ذلك " في " ف ". (6) لم ترد " الخ " في " ف ".
[ 29 ]
وقال في الغنية - بعد ذكر الإيجاب والقبول في عداد شروط صحة انعقاد البيع،
كالتراضي ومعلومية العوضين، وبعد بيان الاحتراز بكل (1) من الشروط عن المعاملة
الفاقدة له - ما هذا لفظه: واعتبرنا حصول الإيجاب والقبول، تحرزا عن القول بانعقاده
بالاستدعاء من المشتري، والإيجاب من البائع، بأن يقول: " بعنيه بألف "، فيقول: "
بعتك بألف "، فإنه لا ينعقد بذلك، بل لا بد أن يقول المشتري بعد ذلك: " اشتريت " أو
" قبلت " حتى ينعقد، واحترازا أيضا عن القول بانعقاده بالمعاطاة، نحو أن يدفع إلى
البقلي قطعة ويقول: " اعطني بقلا "، فيعطيه، فإن ذلك ليس ببيع، وإنما هو إباحة
للتصرف. يدل على ما قلناه: الإجماع المشار إليه، وأيضا فما اعتبرناه مجمع على صحة
العقد به، وليس على صحته بما عداه دليل، ولما ذكرنا نهى (2) صلى الله عليه وآله
وسلم عن بيع " المنابذة " و " الملامسة "، وعن بيع " الحصاة " على التأويل الآخر،
ومعنى ذلك: أن يجعل اللمس بشئ (3)، والنبذ له، وإلقاء الحصاة بيعا موجبا (4)،
انتهى. فإن دلالة هذا الكلام على أن المفروض قصد المتعاطيين التمليك (5)، من وجوه
متعددة:
(1) في غير " ش ": لكل. (2) في " ف ": نهى النبي. (3) كذا في النسخ، والأصح: " للشئ
"، كما في المصدر. (4) الغنية: 214. (5) في " ف ": التملك.
[ 30 ]
منها: ظهور أدلته (1) الثلاثة في ذلك. ومنها: احترازه عن المعاطاة والمعاملة
بالاستدعاء بنحو واحد. وقال في الكافي - بعد ذكر أنه يشترط في صحة (2) البيع امور
ثمانية - ما لفظه: واشتراط (3) الإيجاب والقبول، لخروجه من دونهما عن حكم البيع -
إلى أن قال -: فإن اختل شرط من هذه لم ينعقد البيع، ولم يستحق التسليم وإن جاز
التصرف مع إخلال بعضها، للتراضي، دون عقد البيع، ويصح معه الرجوع (4)، انتهى. وهو
في الظهور قريب من عبارة الغنية. وقال المحقق رحمه الله في الشرائع: ولا يكفي
التقابض من غير لفظ وإن حصل من الأمارات ما دل على إرادة البيع (5)، انتهى. وذكر
كلمة الوصل ليس لتعميم المعاطاة لما لم يقصد (6) به البيع، بل للتنبيه على أنه لا
عبرة بقصد البيع من الفعل. وقال في التذكرة في حكم الصيغة: الأشهر عندنا أنه لا بد
منها، فلا يكفي التعاطي في الجليل والحقير، مثل " أعطني بهذا الدينار ثوبا "
(1) كذا في " خ "، " ش " ونسخة بدل " ع " وظاهر " ف "، وفي سائر النسخ: أدلة. (2)
لم ترد " صحة " في " ف ". (3) في غير " ف ": واشترط. (4) الكافي في الفقه: 352 -
353. (5) الشرائع 2: 13. (6) في " ف ": لما يقصد.
[ 31 ]
فيعطيه ما يرضيه، أو يقول (1): " خذ هذا الثوب بدينار " فيأخذه. وبه قال
الشافعي مطلقا، لأصالة بقاء الملك، وقصور الأفعال عن الدلالة على المقاصد. وعن (2)
بعض الحنفية وابن شريح في الجليل. وقال أحمد: ينعقد مطلقا. ونحوه قال مالك، فإنه
قال: ينعقد (3) بما يعتقده (4) الناس بيعا (5)، انتهى (6). ودلالته على قصد
المتعاطيين للملك لا يخفى من وجوه، أدونها: جعل مالك موافقا لأحمد في الانعقاد من
جهة أنه قال: ينعقد بما يعتقده (7) الناس بيعا. وقال الشهيد في قواعده - بعد قوله:
قد يقوم السبب الفعلي مقام السبب القولي، وذكر أمثلة لذلك - ما لفظه: وأما المعاطاة
في المبايعات، فهي تفيد الإباحة لا الملك وإن كان في الحقير عندنا (8)، انتهى (9).
ودلالتها على قصد المتعاطيين للملك مما لا يخفى.
(1) كذا في " ش " و " ص " والمصدر، وفي " ف ": " وبقوله "، وفي سائر النسخ: أو
بقوله. (2) لم ترد " عن " في " ف " والمصدر. (3) في " ف " ونسخة بدل " م " و " ع ":
يبيع. (4) في غير " ش ": يقصده. (5) لم ترد " بيعا " في " ف ". (6) التذكرة 1: 462.
(7) تقدم آنفا اختلاف النسخ في هذه العبارة، انظر الهامش 3 و 4. (8) القواعد
والفوائد 1: 178، القاعدة 47. (9) كلمة " انتهى " من " ف ".
[ 32 ]
هذا كله، مع أن الواقع في أيدي الناس هي المعاطاة بقصد التمليك، ويبعد فرض
الفقهاء - من العامة والخاصة - الكلام في غير ما هو الشائع بين الناس، مع أنهم
صرحوا بإرادة المعاملة المتعارفة بين الناس. ثم إنك قد عرفت ظهور أكثر العبارات
المتقدمة في عدم حصول الملك، بل صراحة بعضها، كالخلاف والسرائر والتذكرة والقواعد.
ومع ذلك كله فقد قال المحقق الثاني في جامع المقاصد: إنهم أرادوا بالإباحة الملك
المتزلزل، فقال: المعروف بين الأصحاب أن المعاطاة بيع وإن لم تكن كالعقد في اللزوم،
خلافا لظاهر عبارة المفيد، ولا يقول أحد (1) بأنها بيع فاسد سوى المصنف في النهاية،
وقد رجع عنه في كتبه المتأخرة عنها (2). وقوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض
منكم) * (3) عام إلا ما أخرجه الدليل. وما يوجد في عبارة جمع من متأخري الأصحاب: من
أنها تفيد الإباحة وتلزم بذهاب إحدى العينين، يريدون به عدم اللزوم في أول الأمر
وبالذهاب يتحقق اللزوم، لامتناع إرادة الإباحة المجردة عن (4)
(1) في " ش " والمصدر زيادة: من الأصحاب. (2) في " ش " والمصدر زيادة: وقوله تعالى
* (أحل الله البيع) * يتناولها، لأنها بيع بالاتفاق حتى من القائلين بفسادها، لأنهم
يقولون: هي بيع فاسد. (3) النساء: 29. (4) في غير " ف " و " ص ": من.
[ 33 ]
أصل الملك، إذ المقصود للمتعاطيين (1) الملك، فإذا لم يحصل كان بيعا فاسدا (2)
ولم يجز التصرف (3)، وكافة الأصحاب على خلافه. وأيضا، فإن الإباحة المحضة لا تقتضي
الملك أصلا ورأسا، فكيف يتحقق ملك شخص بذهاب مال آخر في يده؟ وإنما الأفعال لما لم
تكن دلالتها على المراد بالصراحة كالقول - لأنها (4) تدل بالقرائن - منعوا من لزوم
العقد بها، فيجوز التراد ما دام ممكنا، ومع (5) تلف إحدى العينين يمتنع التراد
فيتحقق (6) اللزوم (7)، ويكفي تلف بعض إحدى العينين، لامتناع التراد في الباقي، إذ
هو موجب لتبعض الصفقة والضرر (8)، انتهى (9). ونحوه المحكي عنه في تعليقه على
الإرشاد، وزاد فيه: أن مقصود المتعاطيين إباحة مترتبة على ملك الرقبة كسائر البيوع،
فإن حصل مقصودهما ثبت ما قلنا، وإلا لوجب أن لا تحصل إباحة بالكلية، بل يتعين الحكم
بالفساد، إذ المقصود غير واقع، فلو وقع غيره لوقع بغير
(1) في " ش " والمصدر زيادة: إنما هو. (2) في " ش " والمصدر: كانت فاسدة. (3) في "
ش " والمصدر زيادة: في العين. (4) العبارة في " ش " والمصدر هكذا: في الصراحة
كالأقوال، وإنما. (5) في " ش " والمصدر: فمع. (6) في " ش ": ويتحقق. (7) في " ش "
والمصدر زيادة: لأن إحداهما في مقابل الاخرى. (8) جامع المقاصد 4: 58. (9) لم ترد "
انتهى " في " ف ".
[ 34 ]
قصد، وهو باطل. وعليه يتفرع النماء، وجواز وط ء الجارية، ومن منع فقد أغرب (1)،
انتهى. والذي يقوى في النفس: إبقاء ظواهر كلماتهم على حالها، وأنهم يحكمون بالإباحة
المجردة عن الملك في المعاطاة مع فرض قصد المتعاطيين التمليك، وأن الإباحة لم تحصل
بإنشائها ابتداء، بل إنما حصلت - كما اعترف به في المسالك (2) - من استلزام إعطاء
كل منهما سلعته مسلطا عليها الإذن في التصرف فيه بوجوه التصرفات، فلا يرد عليهم عدا
ما ذكره المحقق المتقدم في عبارته المتقدمة، وحاصله: أن المقصود هو الملك، فإذا لم
يحصل فلا منشأ لإباحة التصرف، إذ الإباحة إن كانت من المالك فالمفروض أنه لم يصدر
منه إلا التمليك، وإن كانت من الشارع فليس عليها دليل، ولم يشعر كلامهم بالاستناد
إلى نص في ذلك، مع أن إلغاء الشارع للأثر المقصود وترتيب غيره بعيد جدا، مع أن
التأمل في كلامهم يعطي إرادة الإباحة المالكية لا الشرعية. ويؤيد إرادة الملك: أن
ظاهر إطلاقهم " إباحة التصرف " شمولها للتصرفات التي لا تصح إلا من المالك، كالوط ء
والعتق والبيع لنفسه. والتزامهم حصول الملك مقارنا لهذه التصرفات - كما إذا وقعت
هذه التصرفات من ذي الخيار، أو من (3) الواهب الذي يجوز له الرجوع - بعيد.
(1) حاشية الإرشاد (مخطوط): 216. (2) المسالك 3: 148. (3) في " ف ": ومن.
[ 35 ]
وسيجئ (1) ما ذكره بعض الأساطين: من أن هذا القول مستلزم لتأسيس قواعد جديدة.
لكن الإنصاف: أن القول بالتزامهم لهذه الامور (2) أهون من توجيه كلماتهم، فإن هذه
الامور لا استبعاد في التزامها إذا اقتضى الأصل عدم الملكية، ولم يساعد عليها دليل
معتبر، واقتضى الدليل صحة التصرفات المذكورة، مع أن المحكي (3) عن حواشي الشهيد على
القواعد (4): المنع عما يتوقف على الملك، كإخراجه في خمس، أو زكاة (5)، وكوط ء
الجارية (6). ومما يشهد على نفي البعد عما ذكرنا - من إرادتهم الإباحة المجردة مع
قصد المتعاطيين التمليك -: أنه قد صرح الشيخ في المبسوط (7)، والحلي في السرائر
(8)، كظاهر العلامة في القواعد (9) بعدم حصول الملك
(1) يجئ في الصفحة 44. (2) في " ف ": لهذه الوجوه. (3) حكاه السيد العاملي في مفتاح
الكرامة 4: 158. (4) لم ترد " على القواعد " في " ف ". (5) في " ف ": وزكاة. (6) في
غير " ف " و " ش " زيادة ما يلي: " وصرح الشيخ في المبسوط: بأن الجارية لا تملك
بالهدية العارية عن الإيجاب والقبول، ولا يحل وطؤها "، لكن شطب عليها في " ن "،
وقال المامقاني رحمه الله: وهذه العبارة بتمامها قد خط - أي شطب - عليها المصنف قدس
سره في نسخته. انظر غاية الآمال: 178. (7) المبسوط 3: 315. (8) السرائر 3: 177. (9)
القواعد 1: 274.
[ 36 ]
بإهداء الهدية بدون الإيجاب والقبول ولو من الرسول، نعم يفيد ذلك إباحة التصرف،
لكن الشيخ استثنى وط ء الجارية. ثم إن المعروف بين المتأخرين: أن من قال بالإباحة
المجردة في المعاطاة، قال بأنها ليست بيعا حقيقة كما هو ظاهر بعض العبائر المتقدمة
(1) ومعقد إجماع الغنية (2)، وما أبعد ما بينه وبين توجيه المحقق الثاني من إرادة
نفي اللزوم (3)! وكلاهما خلاف الظاهر. ويدفع الثاني (4): تصريح بعضهم (5) بأن شرط
لزوم البيع منحصر في مسقطات الخيار، فكل بيع عنده لازم من غير جهة الخيارات، وتصريح
غير واحد (6) بأن الإيجاب والقبول من شرائط صحة انعقاد البيع بالصيغة (7). وأما
الأول (8)، فإن قلنا بأن البيع عند المتشرعة حقيقة في الصحيح
(1) تقدم في الصفحة 26 عبارة الشيخ قدس سره في الخلاف: " فإنه لا يكون بيعا "، وفي
الصفحة 28 عبارة الحلي في السرائر: " فإنه لا يكون بيعا ولا عقدا ". (2) تقدم في
الصفحة 29. (3) تقدم كلامه في الصفحة 32. (4) أي توجيه المحقق الثاني. (5) لم نقف
على مصرح بذلك، نعم قال العلامة قدس سره في القواعد (1: 141 - 142): الأصل في البيع
اللزوم، وإنما يخرج عن أصله بأمرين: ثبوت خيار، وظهور عيب. (6) كالحلبي في الكافي:
353، وابن زهرة في الغنية: 214، وتقدم كلامهما في الصفحة 29 و 30، فراجع. (7) قال
الشهيدي في شرحه بعد ذكر توجيه للعبارة: فالظاهر بل المتعين أن كلمة " بالصيغة " من
غلط النسخة. (هداية الطالب: 160). (8) أي ما هو المعروف بين المتأخرين من أن
المعاطاة ليست بيعا حقيقة.
[ 37 ]
- ولو بناء على ما قدمناه في آخر تعريف البيع (1): من أن البيع في العرف اسم
للمؤثر منه في النقل، فإن كان في نظر الشارع أو المتشرعة، من حيث إنهم متشرعة
ومتدينون بالشرع، صحيحا مؤثرا في الانتقال كان بيعا حقيقيا، وإلا كان (2) صوريا،
نظير بيع الهازل في نظر العرف - فيصح على ذلك نفي البيعية على وجه الحقيقة في كلام
كل من اعتبر في صحته الصيغة، أو فسره بالعقد، لأ نهم في مقام تعريف البيع بصدد بيان
ما هو المؤثر في النقل في نظر الشارع. إذا عرفت ما ذكرنا، فالأقوال في المعاطاة -
على ما يساعده ظواهر كلماتهم - ستة: اللزوم مطلقا، كما عن ظاهر (3) المفيد (4)،
ويكفي في وجود القائل به قول العلامة رحمه الله في التذكرة: الأشهر عندنا أنه لا بد
من الصيغة (5). واللزوم بشرط كون الدال على التراضي أو المعاملة لفظا، حكي عن بعض
معاصري الشهيد الثاني (6)، وبعض متأخري المحدثين (7)، لكن
(1) تقدم في الصفحة 20. (2) في " ف " زيادة: بيعا. (3) كذا في " ف " و " ن "، وفي "
م " و " ص ": " كما هو ظاهر المفيد "، وفي " خ " ومصححة " ع ": " كما هو عن ظاهر
المفيد "، وفي " ش ": " كما هو ظاهر عن المفيد ". (4) راجع الصفحة 24، الهامش 6.
(5) التذكرة 1: 462. (6) هو السيد حسن بن السيد جعفر، على ما في مفتاح الكرامة 4:
156، وقد حكاه الشهيد الثاني عنه بلفظ: وقد كان بعض مشايخنا المعاصرين يذهب إلى
ذلك، المسالك 3: 147. (7) وهو المحدث البحراني في الحدائق 18: 355.
[ 38 ]
في عد هذا من الأقوال في المعاطاة تأمل (1). والملك الغير اللازم، ذهب إليه
المحقق الثاني، ونسبه إلى كل من قال بالإباحة (2). وفي النسبة ما عرفت (3). وعدم
الملك مع إباحة جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك، كما هو ظاهر عبائر كثير (4)،
بل ذكر في المسالك: أن كل من قال بالإباحة يسوغ جميع التصرفات (5). وإباحة ما لا
يتوقف على الملك، وهو الظاهر من الكلام المتقدم عن حواشي الشهيد على القواعد (6)،
وهو المناسب لما حكيناه عن الشيخ في إهداء الجارية من دون إيجاب وقبول (7). والقول
بعدم إباحة التصرف مطلقا، نسب إلى ظاهر النهاية (8)، لكن ثبت رجوعه عنه في غيرها
(9). والمشهور بين علمائنا: عدم ثبوت الملك بالمعاطاة وإن قصد
(1) كتب في " ش " على قوله: " لكن - إلى - تأمل ": هذه حاشية منه قدس سره. (2) جامع
المقاصد 4: 58. (3) راجع الصفحة 25 - 26 و 34. (4) تقدمت عباراتهم في الصفحة 26 -
31. (5) المسالك 3: 149، ولفظه: لأن من أجاز المعاطاة سوغ أنواع التصرفات. (6) تقدم
في الصفحة 35. (7) راجع الصفحة 35 - 36. (8) نهاية الإحكام 2: 449، حيث قرب فيها
كون حكم المعاطاة حكم المقبوض بالعقود الفاسدة. (9) كما سيأتي عن التحرير.
[ 39 ]
المتعاطيان بها التمليك (1)، بل لم نجد قائلا به إلى زمان المحقق الثاني الذي
قال به، ولم يقتصر على ذلك حتى نسبه إلى الأصحاب (2). نعم، ربما يوهمه ظاهر عبارة
التحرير، حيث قال فيه: الأقوى أن المعاطاة غير لازمة، بل لكل منهما فسخ المعاوضة ما
دامت العين باقية، فإن تلفت لزمت، انتهى. ولذا نسب ذلك إليه في المسالك (3)، لكن
قوله بعد ذلك: " ولا يحرم على كل منهما الانتفاع بما قبضه، بخلاف البيع الفاسد "
(4) ظاهر في أن مراده مجرد الانتفاع، إذ لا معنى لهذه العبارة بعد الحكم بالملك.
وأما قوله: " والأقوى... الخ "، فهو إشارة إلى خلاف المفيد رحمه الله والعامة
القائلين باللزوم. وإطلاق " المعاوضة " عليها باعتبار ما قصده المتعاطيان، وإطلاق "
الفسخ " على " الرد " (5) بهذا الاعتبار أيضا، وكذا " اللزوم ". ويؤيد ما ذكرنا -
بل يدل عليه -: أن الظاهر من عبارة التحرير في باب الهبة توقفها على الإيجاب
والقبول، ثم قال (6): وهل يستغنى عن
(1) عبارة " وإن قصد - إلى - التمليك " لم ترد في " ف " و " ش "، وشطب عليها في " خ
"، وكتب عليها في " ن ": زائد. (2) راجع الصفحة 32. (3) المسالك 3: 148. (4)
التحرير 1: 164. (5) في " ف ": التراد. (6) كذا في النسخ، والعبارة لا تخلو من
تأمل، والمعنى واضح.
[ 40 ]
الإيجاب والقبول في هدية الأطعمة؟ الأقرب عدمه، نعم يباح التصرف بشاهد الحال
(1)، انتهى. وصرح بذلك أيضا في الهدية (2)، فإذا لم يقل في الهبة بصحة المعاطاة
فكيف يقول بها في البيع؟ وذهب جماعة (3) - تبعا للمحقق الثاني - إلى حصول الملك،
ولا يخلو عن قوة، للسيرة المستمرة على معاملة المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملك في
التصرف فيه بالعتق، والبيع، والوط ء، والإيصاء، وتوريثه، وغير ذلك من آثار الملك.
ويدل عليه أيضا: عموم قوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (4)، حيث إنه يدل على حلية
جميع التصرفات المترتبة على البيع، بل قد يقال: بأن الآية دالة عرفا بالمطابقة (5)
على صحة البيع، لا مجرد الحكم التكليفي. لكنه محل تأمل. وأما منع صدق البيع عليه
عرفا فمكابرة. وأما دعوى الإجماع في كلام بعضهم على عدم كون المعاطاة بيعا
(1) التحرير 1: 281. (2) التحرير 1: 284. (3) منهم: المحقق الأردبيلي في مجمع
الفائدة 8: 139 - 141، والمحدث الكاشاني في المفاتيح 3: 48، والمحدث البحراني في
الحدائق 18: 350 و 361، والمحقق النراقي في المستند 2: 361 - 362، ونفى عنه البعد
المحقق السبزواري في الكفاية: 88. (4) البقرة: 275. (5) في " ف ": دالة بالمطابقة
عرفا.
[ 41 ]
- كابن زهرة في الغنية (1) - فمرادهم بالبيع: المعاملة اللازمة التي هي إحدى
(2) العقود، ولذا صرح في الغنية بكون الإيجاب والقبول من شرائط صحة البيع. ودعوى:
أن البيع الفاسد عندهم ليس بيعا، قد عرفت الحال فيها (3). ومما ذكر يظهر وجه التمسك
بقوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض) * (4). وأما قوله صلى الله عليه وآله
وسلم: " الناس مسلطون على أموالهم " (5) فلا دلالة فيه على المدعى، لأن عمومه
باعتبار أنواع السلطنة، فهو إنما يجدي فيما إذا شك في أن هذا النوع من السلطنة
ثابتة للمالك، وماضية شرعا في حقه، أم لا؟ أما إذا قطعنا بأن (6) سلطنة خاصة -
كتمليك ماله للغير - نافذة في حقه، ماضية شرعا، لكن شك في أن هذا التمليك الخاص هل
يحصل بمجرد التعاطي مع القصد، أم لا بد من القول الدال عليه (7)؟ فلا يجوز
الاستدلال على سببية المعاطاة في الشريعة للتمليك
(1) تقدم كلامه في الصفحة 29. (2) في " ف " و " ش ": أحد. (3) راجع الصفحة 19
وغيرها. (4) النساء: 29. (5) عوالي اللآلي 1: 222، الحديث 99. (6) في " ف ": بأنه.
(7) في " ع " و " ش " زيادة: " فلا " استدراكا.
[ 42 ]
بعموم تسلط الناس على أموالهم، ومنه يظهر - أيضا -: عدم جواز التمسك به (1) لما
سيجئ من شروط الصيغة. وكيف كان، ففي الآيتين مع السيرة كفاية. اللهم إلا أن يقال:
إنهما لا تدلان على الملك، وإنما تدلان على إباحة جميع التصرفات حتى المتوقفة على
الملك، كالبيع والوط ء والعتق والإيصاء، وإباحة هذه التصرفات إنما تستلزم الملك
بالملازمة الشرعية الحاصلة في سائر المقامات من الإجماع وعدم القول بالانفكاك، دون
المقام الذي لا يعلم ذلك منهم، حيث أطلق القائلون بعدم الملك إباحة التصرفات. وصرح
في المسالك: بأن من أجاز المعاطاة سوغ جميع التصرفات (2)، غاية الأمر أنه لا بد من
التزامهم بأن التصرف المتوقف على الملك يكشف عن سبق الملك عليه آنا ما، فإن الجمع
بين إباحة هذه التصرفات وبين توقفها على الملك يحصل بالتزام هذا المقدار. ولا يتوقف
على الإلتزام بالملك من أول الأمر (3) ليقال (4): إن مرجع هذه الإباحة أيضا إلى
التمليك. وأما ثبوت (5) السيرة واستمرارها على التوريث، فهي كسائر سيراتهم الناشئة
عن المسامحة وقلة المبالاة في الدين مما لا يحصى في عباداتهم ومعاملاتهم وسياساتهم،
كما لا يخفى.
(1) لم ترد " به " في " خ "، " م " و " ع ". (2) المسالك 3: 149. (3) في هامش " ف "
زيادة: كما التزمه المحقق الثاني - صح. (4) في غير " ف " و " ش ": فيقال. (5) في "
ف ": وأما ترتب.
[ 43 ]
ودعوى: أنه لم يعلم من القائل بالإباحة جواز مثل هذه التصرفات المتوقفة على
الملك - كما يظهر من المحكي عن حواشي الشهيد على القواعد من منع إخراج المأخوذ
بالمعاطاة في الخمس والزكاة وثمن الهدي، وعدم جواز وط ء الجارية المأخوذة بها (1)،
وقد صرح الشيخ رحمه الله بالأخير في معاطاة الهدايا (2) - فيتوجه (3) التمسك حينئذ
بعموم الآية على جوازها، فيثبت الملك، مدفوعة: بأنه وإن لم يثبت ذلك، إلا أنه لم
يثبت أن كل من قال بإباحة جميع هذه التصرفات قال بالملك من أول الأمر، فيجوز للفقيه
حينئذ التزام إباحة جميع التصرفات مع التزام حصول الملك عند التصرف المتوقف على
الملك، لا من أول الأمر. فالأولى حينئذ: التمسك في المطلب بأن المتبادر عرفا من "
حل البيع " صحته شرعا. هذا، مع إمكان إثبات صحة المعاطاة في الهبة والإجارة ببعض
إطلاقاتهما، وتتميمه في البيع بالإجماع المركب. هذا، مع أن (4) ما ذكر: من أن
للفقيه (5) التزام حدوث الملك عند التصرف المتوقف عليه، لا يليق بالمتفقه فضلا عن
الفقيه! ولذا ذكر
(1) تقدم في الصفحة 35. (2) المبسوط 3: 315. (3) في " ف ": فيوجه. (4) في " ن " شطب
على كلمة: أن. (5) في " ن " شطب على كلمة: للفقيه.
[ 44 ]
بعض الأساطين - في شرحه على القواعد في مقام الاستبعاد -: أن القول بالإباحة
المجردة، مع فرض (1) قصد المتعاطيين التمليك والبيع، مستلزم لتأسيس قواعد جديدة:
منها: أن العقود وما قام مقامها لا تتبع القصود. ومنها: أن يكون إرادة التصرف من
المملكات، فتملك (2) العين أو المنفعة بإرادة التصرف بهما (3)، أو معه (4) دفعة وإن
لم يخطر ببال المالك الأول الإذن في شئ من هذه التصرفات، لأنه قاصد للنقل من حين
الدفع، وأنه (5) لا سلطان له بعد ذلك، بخلاف من قال: اعتق عبدك عني، وتصدق بمالي
عنك. ومنها: أن الأخماس والزكوات والاستطاعة والديون والنفقات وحق المقاسمة (6)
والشفعة والمواريث والربا والوصايا تتعلق بما (7) في اليد، مع العلم ببقاء مقابله،
وعدم التصرف فيه، أو عدم العلم به، فينفي بالأصل، فتكون متعلقة بغير الأملاك، وأن
صفة الغنى والفقر تترتب
(1) لم ترد " فرض " في " ف ". (2) كذا في " ص " ومصححة " ن "، وفي غيرهما: فيملك.
(3) كذا في " ش " و " ص " والمصدر ومصححة " ن "، وفي " خ ": " فيها "، وفي سائر
النسخ: بها. (4) في أكثر النسخ: " بيعه "، إلا أنه صحح بعضها طبقا لما أثبتناه. (5)
في " ش ": لأنه. (6) في " ش " ومصححتي " ن " و " ع ": المقاصة. (7) كذا في " ش "
والمصدر، وفي سائر النسخ: " بما يتعلق "، لكنه صحح بعضها طبقا لما أثبتناه.
[ 45 ]
عليه كذلك، فيصير ما ليس من الأملاك بحكم الأملاك. ومنها: كون التصرف من جانب
مملكا للجانب الآخر، مضافا إلى غرابة استناد الملك إلى التصرف. ومنها: جعل التلف
السماوي من جانب مملكا للجانب الآخر، والتلف من الجانبين (1) معينا للمسمى من
الطرفين، ولا رجوع إلى قيمة المثل حتى يكون له الرجوع بالتفاوت. ومع حصوله في يد
الغاصب أو تلفه فيها، فالقول بأنه المطالب، لأنه تملك (2) بالغصب أو التلف في يد
الغاصب، غريب! والقول بعدم الملك بعيد جدا، مع أن في التلف القهري إن ملك التالف
قبل التلف فهو عجيب (3)! ومعه بعيد، لعدم قابليته (4)، وبعده ملك معدوم، ومع عدم
الدخول في الملك يكون ملك الآخر بغير عوض، ونفي الملك مخالف للسيرة وبناء
المتعاطيين. ومنها: أن التصرف إن جعلناه من النواقل القهرية فلا يتوقف على النية،
فهو بعيد، وإن أوقفناه عليها كان الواطئ للجارية من غيرها (5) واطئا بالشبهة،
والجاني عليه والمتلف (6) جانيا على مال الغير ومتلفا له.
(1) في " ش " وهامش " ن " زيادة: مع التفريط. (2) في " ص " والمصدر: يملك. (3) كذا
في " ف " والمصدر، وفي سائر النسخ: فعجيب. (4) في " ص " والمصدر زيادة: حينئذ. (5)
في المصدر: من غير علم. (6) في " ش " زيادة: له.
[ 46 ]
ومنها: أن النماء الحادث قبل التصرف، إن جعلنا حدوثه مملكا له دون العين فبعيد،
أو معها فكذلك، وكلاهما مناف لظاهر الأكثر، وشمول الإذن له خفي (1). ومنها: قصر
التمليك (2) على التصرف مع الاستناد فيه إلى أن (3) إذن المالك فيه إذن في التمليك،
فيرجع إلى كون المتصرف في تمليكه (4) نفسه موجبا قابلا، وذلك جار في القبض، بل هو
أولى منه، لاقترانه بقصد التمليك، دونه (5)، انتهى. والمقصود من ذلك كله استبعاد
هذا القول، لا أن الوجوه المذكورة تنهض (6) في مقابل الاصول والعمومات، إذ ليس فيها
تأسيس قواعد جديدة لتخالف القواعد المتداولة بين الفقهاء. أما حكاية تبعية العقود
وما قام مقامها للقصود، ففيها: أولا: أن المعاطاة ليست عند القائل بالإباحة المجردة
من العقود، ولا من القائم مقامها شرعا، فإن تبعية العقد للقصد وعدم انفكاكه عنه
إنما هو لأجل دليل صحة ذلك العقد، بمعنى ترتب الأثر المقصود عليه، فلا يعقل حينئذ
الحكم بالصحة مع عدم ترتب الأثر المقصود عليه،
(1) في " ف ": وشمول العين له غير خفي. (2) في المصدر: التملك. (3) لم ترد " أن "
في " ش ". (4) كذا في " ف " و " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: في تمليك. (5)
شرح القواعد للشيخ الكبير كاشف الغطاء (مخطوط): الورقة: 50. (6) في " ف ": لأن
الوجوه المذكورة لا تنهض.
[ 47 ]
أما المعاملات الفعلية التي لم يدل على صحتها دليل، فلا يحكم بترتب الأثر
المقصود عليها، كما نبه عليه الشهيد في كلامه المتقدم (1) من أن السبب الفعلي لا
يقوم مقام السبب القولي في المبايعات (2)، نعم إذا دل الدليل على ترتب أثر عليه حكم
به (3) وإن لم يكن مقصودا. وثانيا: أن تخلف العقد عن مقصود المتبايعين كثير، فإنهم
أطبقوا على أن عقد المعاوضة إذا كان فاسدا يؤثر في ضمان كل من العوضين القيمة (4)،
لإفادة العقد الفاسد الضمان عندهم فيما يقتضيه صحيحه، مع أنهما لم يقصدا إلا ضمان
كل منهما بالآخر. وتوهم: أن دليلهم على ذلك " قاعدة اليد "، مدفوع: بأنه لم يذكر
هذا الوجه إلا بعضهم معطوفا على الوجه الأول، وهو إقدامهما على الضمان، فلاحظ
المسالك (5). وكذا الشرط الفاسد (6) لم يقصد المعاملة إلا (7) مقرونة به غير مفسد
عند أكثر القدماء.
(1) تقدم في الصفحة 31. (2) في " ن "، " خ "، " م " و " ع ": " المعاملات "، وفي
نسخة بدلها: المبايعات. (3) العبارة في " ف " هكذا: على عدم ترتب الأثر عليه يحكم
به. (4) في مصححة " ن ": بالقيمة. (5) المسالك 3: 154. (6) كذا في النسخ، وصححت
العبارة في " ص " بزيادة: مع أنه. (7) لم ترد " إلا " في " ف ".
[ 48 ]
وبيع ما يملك وما لا يملك صحيح عند الكل. وبيع الغاصب لنفسه يقع للمالك مع
إجازته على قول كثير (1). وترك ذكر الأجل في العقد المقصود به الانقطاع يجعله
دائما، على قول نسبه في المسالك وكشف اللثام إلى المشهور (2). نعم، الفرق بين
العقود وما نحن فيه: أن التخلف عن القصود (3) يحتاج إلى الدليل المخرج عن أدلة صحة
العقود، وفيما نحن فيه عدم الترتب مطابق للأصل. وأما ما ذكره من لزوم كون إرادة
التصرف مملكا، فلا بأس بالتزامه إذا كان مقتضى الجمع بين الأصل ودليل جواز التصرف
المطلق، وأدلة توقف بعض التصرفات على الملك، فيكون كتصرف ذي الخيار والواهب فيما
انتقل عنهما بالوط ء والبيع والعتق وشبهها (4). وأما ما ذكره من تعلق الأخماس
والزكوات - إلى آخر ما ذكره - فهو استبعاد محض، ودفعه بمخالفته (5) للسيرة رجوع
إليها، مع أن تعلق الاستطاعة الموجبة للحج، وتحقق الغنى المانع عن استحقاق الزكاة،
لا يتوقفان على الملك.
(1) منهم العلامة في المختلف 5: 55، والتحرير 2: 142، والقواعد 1: 124 وغيرها،
والمحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 69، والفاضل المقداد في التنقيح 2: 27، وانظر
مقابس الأنوار: 130. (2) المسالك 7: 447. كشف اللثام 2: 55. (3) في بعض النسخ:
المقصود. (4) في " ف ": وشبههما. (5) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ:
ودفعها بمخالفتها.
[ 49 ]
وأما كون التصرف مملكا للجانب الآخر، فقد ظهر جوابه. وأما كون التلف مملكا
للجانبين، فإن ثبت بإجماع أو سيرة - كما هو الظاهر - كان كل من المالين مضمونا
بعوضه، فيكون تلفه في يد كل منهما من ماله مضمونا بعوضه، نظير تلف المبيع قبل قبضه
في يد البائع، لأن هذا هو مقتضى الجمع بين هذا الإجماع وبين عموم " على اليد ما
أخذت " (1) وبين أصالة عدم الملك إلا في الزمان المتيقن وقوعه (2) فيه. توضيحه: أن
الإجماع لما دل على عدم ضمانه بمثله أو قيمته، حكم بكون التلف (3) من مال ذي اليد،
رعاية لعموم " على اليد ما أخذت "، فذلك الاجماع مع العموم المذكور بمنزلة الرواية
الواردة في أن: تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه (4)، فإذا قدر التلف (5) من مال
ذي اليد (6)، فلا بد من أن يقدر في آخر أزمنة إمكان تقديره، رعاية لأصالة عدم حدوث
الملكية قبله، كما يقدر ملكية المبيع للبائع وفسخ البيع من حين التلف، استصحابا
لأثر العقد. وأما ما ذكره من صورة غصب المأخوذ بالمعاطاة، فالظاهر على
(1) مستدرك الوسائل 14: 8، الباب الأول من كتاب الوديعة، الحديث 12. (2) كذا في " ص
"، وفي سائر النسخ: بوقوعه. (3) في مصححة " ن ": التالف. (4) مستدرك الوسائل 13:
303، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث الأول، وانظر الوسائل 12: 358، الباب 10 من
أبواب الخيار. (5) في مصححة " ن ": التالف. (6) في غير " ش ": البائع، إلا أنه صحح
في " ن "، " ع " و " ص " بما في المتن.
[ 50 ]
القول بالإباحة أن لكل منهما المطالبة ما دام باقيا، وإذا تلف، فظاهر إطلاقهم "
التملك (1) بالتلف ": تلفه من مال المغصوب منه. نعم، لو [ لا ] (2) قام إجماع كان
تلفه من مال المالك لو لم يتلف عوضه قبله. وأما ما ذكره من حكم النماء، فظاهر
المحكي عن بعض أن القائل بالإباحة لا يقول بانتقال النماء إلى الآخذ (3)، بل حكمه
حكم أصله، ويحتمل أن يحدث النماء في ملكه بمجرد الإباحة. ثم إنك بملاحظة ما ذكرنا
(4) تقدر على التخلص عن سائر ما ذكره، مع أنه رحمه الله لم يذكرها للاعتماد،
والإنصاف: أنها استبعادات في محلها. وبالجملة، فالخروج عن أصالة عدم الملك المعتضد
بالشهرة المحققة إلى زمان المحقق الثاني، وبالاتفاق المدعى في الغنية (5) والقواعد
(6) - هنا - وفي المسالك - في مسألة توقف الهبة على الإيجاب والقبول (7) - مشكل،
ورفع اليد عن عموم أدلة البيع والهبة ونحوهما المعتضدة بالسيرة
(1) في " ف "، " م "، " ع " و " ص ": التمليك. (2) الزيادة من " ش " ومصححة " ن "،
وفي شرح الشهيدي: حكي أن نسخة المصنف رحمه الله صححت هكذا (هداية الطالب: 169). (3)
في " ش ": بالأخذ. (4) كذا في " ف " و " ص " ومصححتي " خ " و " ع "، وفي " ن " و "
م ": " ثم إن مما ذكرنا "، وفي " ش ": ثم إنك مما ذكرنا. (5) تقدم في الصفحة 29.
(6) أي قواعد الشهيد، كما تقدم في الصفحة 31. (7) المسالك 6: 10.
[ 51 ]
القطعية المستمرة، وبدعوى الاتفاق المتقدم عن المحقق الثاني (1) - بناء على
تأويله لكلمات القائلين بالإباحة - أشكل. فالقول الثاني لا يخلو عن قوة. وعليه، فهل
هي لازمة ابتداء مطلقا؟ كما حكي عن ظاهر المفيد رحمه الله (2)، أو بشرط كون الدال
على التراضي لفظا؟ كما حكي عن بعض معاصري الشهيد الثاني (3)، وقواه جماعة من متأخري
المحدثين (4)، أو هي غير لازمة مطلقا فيجوز لكل منهما الرجوع في ماله؟ كما عليه
أكثر القائلين بالملك، بل كلهم عدا من عرفت، وجوه: أوفقها بالقواعد هو الأول، بناء
على أصالة اللزوم في الملك، للشك في زواله بمجرد رجوع مالكه الأصلي. ودعوى: أن
الثابت هو الملك المشترك بين المتزلزل والمستقر، والمفروض انتفاء الفرد الأول بعد
الرجوع، والفرد الثاني كان مشكوك الحدوث من أول الأمر، فلا ينفع الاستصحاب، بل ربما
يزاد استصحاب بقاء علقة المالك الأول، مدفوعة - مضافا إلى إمكان دعوى كفاية تحقق
القدر المشترك في الاستصحاب، فتأمل -: بأن انقسام الملك إلى المتزلزل والمستقر ليس
باعتبار اختلاف في حقيقته، وإنما هو باعتبار حكم الشارع عليه في
(1) تقدم في الصفحة 32. (2) راجع الصفحة 24 و 37. (3) راجع الصفحة 37. (4) كالمحدث
البحراني في الحدائق 18: 355، ولم نعثر على غيره، وقد تقدم في الصفحة 37 عن بعض
متأخري المحدثين.
[ 52 ]
بعض المقامات بالزوال برجوع المالك الأصلي. ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف حقيقة
السبب المملك، لا اختلاف حقيقة الملك. فجواز الرجوع وعدمه من الأحكام الشرعية
للسبب، لا من الخصوصيات المأخوذة في المسبب. ويدل عليه - مع أنه يكفي في الاستصحاب
الشك في أن اللزوم من خصوصيات الملك. أو من لوازم السبب المملك، ومع أن المحسوس
بالوجدان أن إنشاء الملك في الهبة اللازمة وغيرها على نهج (1) واحد -: أن اللزوم
والجواز لو كانا (2) من خصوصيات الملك، فإما أن يكون تخصيص القدر المشترك بإحدى
الخصوصيتين بجعل المالك، أو بحكم الشارع. فإن كان الأول، كان اللازم التفصيل بين
أقسام التمليك المختلفة بحسب (3) قصد الرجوع، وقصد عدمه، أو عدم قصده، وهو بديهي
البطلان، إذ لا تأثير لقصد المالك في الرجوع وعدمه. وإن كان الثاني، لزم إمضاء
الشارع العقد على غير ما قصده المنشئ، وهو باطل في العقود، لما تقدم أن العقود
المصححة (4) عند الشارع تتبع القصود، وإن أمكن القول بالتخلف هنا في مسألة
المعاطاة، بناء على ما ذكرنا سابقا انتصارا للقائل بعدم الملك: من منع وجوب
(1) في " ف ": منهج. (2) كذا في " ش " ومصححة " ص "، وفي غيرهما: لو كان. (3)
العبارة في " ف " هكذا: التفصيل في أقسام التمليك بين. (4) في " ف ": الصحيحة.
[ 53 ]
إمضاء المعاملات الفعلية على طبق قصود المتعاطيين (1)، لكن الكلام في قاعدة
اللزوم في الملك يشمل (2) العقود أيضا. وبالجملة، فلا إشكال في أصالة اللزوم في كل
عقد شك في لزومه شرعا، وكذا لو شك في أن الواقع في الخارج هو العقد اللازم أو
الجائز، كالصلح من دون عوض، والهبة. نعم، لو تداعيا احتمل التحالف في الجملة. ويدل
على اللزوم - مضافا إلى ما ذكر - عموم قوله (3) صلى الله عليه وآله وسلم: " الناس
مسلطون على أموالهم " (4) فإن مقتضى السلطنة أن لا يخرج عن ملكيته (5) بغير
اختياره، فجواز تملكه عنه بالرجوع فيه من دون رضاه مناف للسلطنة المطلقة. فاندفع ما
ربما يتوهم: من أن غاية مدلول الرواية سلطنة الشخص على ملكه، ولا نسلم ملكيته (6)
له بعد رجوع المالك الأصلي. ولما (7) ذكرنا تمسك المحقق رحمه الله - في الشرائع -
على لزوم القرض
(1) راجع الصفحة 47. (2) كذا في " ف " و " ن "، وفي غيرهما: تشمل. (3) كذا في " ف
"، وفي سائر النسخ: قولهم. (4) عوالي اللآلي 3: 208، الحديث 49. (5) في " ف ": " عن
الملكية "، وفي نسخة بدل " ش ": عن ملكه. (6) كذا في " ص "، وفي سائر النسخ: ملكية.
(7) في أكثر النسخ: بما.
[ 54 ]
بعد القبض: بأن فائدة الملك السلطنة (1)، ونحوه العلامة رحمه الله في موضع (2)
آخر (3). ومنه يظهر جواز التمسك بقوله عليه السلام: " لا يحل مال امرئ إلا عن طيب
نفسه " (4)، حيث دل على انحصار سبب حل مال الغير أو جزء سببه في رضا المالك، فلا
يحل بغير رضاه. وتوهم: تعلق الحل بمال الغير، وكونه مال الغير بعد الرجوع أول
الكلام، مدفوع: بما تقدم (5)، مع أن (6) تعلق الحل بالمال يفيد العموم، بحيث يشمل
التملك أيضا، فلا يحل التصرف فيه ولا تملكه إلا بطيب نفس المالك. ويمكن الاستدلال
أيضا بقوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض)
* (7)، ولا ريب أن الرجوع
(1) الشرائع 2: 68. (2) في " ف ": مواضع. (3) لعله أشار بذلك إلى ما أفاده في
التذكرة (1: 464) بقوله: " يجوز بيع كل ما فيه منفعة، لأن الملك سبب لإطلاق التصرف
"، أو إلى ما أفاده في (1: 595) بقوله: " وفائدة الملك استباحة وجوه الانتفاعات ".
(4) عوالي اللآلي 2: 113، الحديث 309، وفيه: " لا يحل مال امرئ مسلم... "، وجاء في
تحف العقول مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا
عن طيب نفس منه "، تحف العقول: 34. (5) تقدم في الصفحة السابقة عند دفع التوهم عن
الاستدلال بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الناس مسلطون... ". (6) في " ش "
ومصححة " ن ": من أن. (7) النساء: 29.
[ 55 ]
ليست (1) تجارة، ولا عن تراض، فلا يجوز أكل المال. والتوهم المتقدم في السابق [
غير ] (2) جار هنا، لأن حصر مجوز أكل المال في التجارة إنما يراد به أكله على أن
يكون ملكا للآكل لا لغيره. ويمكن التمسك أيضا بالجملة المستثنى منها، حيث إن أكل
المال ونقله عن مالكه بغير رضا المالك، أكل وتصرف بالباطل عرفا. نعم، بعد إذن
المالك الحقيقي - وهو الشارع - وحكمه بالتسلط (3) على فسخ المعاملة من دون رضا
المالك يخرج عن (4) البطلان، ولذا كان أكل المارة من الثمرة الممرور بها أكلا
بالباطل لولا إذن المالك الحقيقي، وكذا الأخذ بالشفعة، والفسخ بالخيار، وغير ذلك من
الأسباب (5) القهرية. هذا كله، مضافا إلى ما دل على لزوم خصوص البيع، مثل قوله صلى
الله عليه وآله وسلم: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (6).
(1) في " ص " ومصححة " ن ": ليس. (2) لم ترد " غير " في النسخ، ووردت في هامش نسخ "
ن "، " ع " و " ش " استظهارا، وقد أيد الشهيدي قدس سره ضرورة هذه الزيادة، انظر
هداية الطالب: 170. (3) كذا في " ف " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: التسلط. (4) في
" ف ": من. (5) كذا في " ف " و " ش "، وفي غيرهما: النواقل. (6) عوالي اللآلي 3:
209، الحديث 51، وانظر الوسائل 12: 345، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 1 و
2.
[ 56 ]
وقد يستدل أيضا بعموم قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (1)، بناء على أن العقد
هو مطلق العهد، كما في صحيحة عبد الله بن سنان (2)، أو العهد المشدد، كما عن بعض
أهل اللغة (3)، وكيف كان، فلا يختص باللفظ فيشمل المعاطاة. وكذلك قوله صلى الله
عليه وآله وسلم: " المؤمنون عند شروطهم " (4)، فإن الشرط لغة مطلق الإلتزام (5)،
فيشمل ما كان بغير اللفظ. والحاصل: أن الحكم باللزوم في مطلق الملك وفي خصوص البيع
مما لا ينكر، إلا أن الظاهر فيما نحن فيه قيام الإجماع على عدم لزوم المعاطاة، بل
ادعاه صريحا بعض الأساطين في شرح القواعد (6)، ويعضده الشهرة المحققة، بل لم يوجد
به قائل إلى زمان بعض متأخري المتأخرين (7)، فإن العبارة المحكية عن المفيد رحمه
الله (8) في المقنعة لا تدل
(1) المائدة: 1. (2) تفسير القمي 1: 160، وتفسير العياشي 1: 289، الحديث 5. وعنه
الوسائل 16: 206، الباب 25 من كتاب النذر والعهد، الحديث 3. (3) انظر لسان العرب 9:
309، والقاموس 1: 315، مادة: " عقد "، ومجمع البحرين 3: 103. (4) الوسائل 15: 30،
الباب 20 من أبواب المهور، ذيل الحديث 4. (5) قال الفيروزآبادي في القاموس (2:
368): الشرط إلزام الشئ والتزامه في البيع ونحوه. (6) شرح القواعد (مخطوط): الورقة:
49. (7) كالمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 8: 144، والمحدث الكاشاني في مفاتيح
الشرائع 3: 48. (8) عبارة " المحكية عن المفيد " لم ترد في " ف "، وشطب عليها في "
ن ".
[ 57 ]
على هذا القول - كما عن المختلف الاعتراف به (1) - فإنه قال (2): ينعقد البيع
على تراض بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعا، وتراضيا بالبيع،
وتقابضا، وافترقا بالأبدان (3)، انتهى. ويقوى إرادة بيان شروط صحة العقد الواقع بين
اثنين وتأثيره في اللزوم، وكأنه لذلك (4) حكى كاشف الرموز عن المفيد والشيخ رحمهما
الله: أنه لا بد في البيع عندهما من لفظ مخصوص (5). وقد تقدم دعوى الإجماع من
الغنية على عدم كونها بيعا (6)، وهو نص في عدم اللزوم، ولا يقدح كونه ظاهرا في عدم
الملكية الذي لا نقول به. وعن جامع المقاصد: يعتبر اللفظ في العقود اللازمة
بالإجماع (7). نعم، قول العلامة رحمه الله في التذكرة: " إن الأشهر عندنا أنه لا بد
(1) المختلف 5: 51، وفيه - بعد نقل عبارة المقنعة -: وليس في هذا تصريح بصحته إلا
أنه موهم. (2) كذا في " ف "، " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: فإن المحكي عنه
أنه قال. (3) المقنعة: 591. (4) في " ف ": لذا. (5) كشف الرموز 1: 445 - 446. (6)
تقدم في الصفحة 29. (7) جامع المقاصد 5: 309، وفيه: " لأن النطق معتبر في العقود
اللازمة بالإجماع "، وحكاه عنه المحقق التستري في مقابس الأنوار: 276.
[ 58 ]
من الصيغة " (1) يدل على وجود الخلاف المعتد به في المسألة، ولو كان المخالف
شاذا لعبر بالمشهور، وكذلك نسبته في المختلف إلى الأكثر (2)، وفي التحرير: أن
الأقوى أن المعاطاة غير لازمة (3). ثم لو فرضنا الاتفاق من العلماء على عدم لزومها
- مع ذهاب كثيرهم أو أكثرهم إلى أنها ليست مملكة، وإنما تفيد الإباحة - لم يكن هذا
الاتفاق كاشفا، إذ القول باللزوم فرع الملكية، ولم يقل بها إلا بعض من تأخر عن
المحقق الثاني (4) تبعا له، وهذا مما يوهن حصول القطع - بل الظن - من الاتفاق
المذكور، لأن قول الأكثر بعدم اللزوم سالبة بانتفاء (5) الموضوع. نعم، يمكن أن يقال
- بعد ثبوت الاتفاق المذكور -: إن أصحابنا بين قائل بالملك الجائز، وبين قائل بعدم
الملك رأسا، فالقول بالملك اللازم قول ثالث، فتأمل. وكيف كان، فتحصيل الإجماع على
وجه استكشاف قول الإمام عن قول غيره من العلماء - كما هو طريق (6) المتأخرين -
مشكل،
(1) التذكرة 1: 462. (2) المختلف 5: 51. (3) التحرير 1: 164. (4) مثل المحقق
الأردبيلي في مجمع الفائدة 8: 139، وغيره، راجع الصفحة 40، الهامش 3. (5) في " ف ":
منتفية. (6) في " ف ": طريقة.
[ 59 ]
لما ذكرنا (1) وإن كان هذا لا يقدح في الإجماع على طريق القدماء، كما بين في
الاصول (2). وبالجملة، فما ذكره في المسالك من قوله - بعد ذكر قول من اعتبر (3)
مطلق اللفظ في اللزوم -: " ما أحسنه وأمتن (4) دليله إن لم يكن إجماع (5) على خلافه
" (6) في غاية الحسن والمتانة. والإجماع وإن لم يكن محققا على وجه يوجب القطع، إلا
أن المظنون قويا تحققه على عدم اللزوم، مع عدم لفظ دال على إنشاء التمليك، سواء لم
يوجد لفظ أصلا أم وجد ولكن لم ينشأ التمليك به (7)، بل كان من جملة القرائن على قصد
التمليك بالتقابض. وقد يظهر ذلك من غير واحد من الأخبار (8)، بل يظهر (9) منها أن
إيجاب البيع باللفظ دون مجرد التعاطي كان متعارفا بين أهل السوق والتجار.
(1) في الصفحة السابقة. (2) راجع فرائد الاصول: 79 - 83. (3) في " ش ": من لم
يعتبر. (4) كذا في " ف "، وفي غيره: وما أمتن. (5) في " ش " والمصدر: إن لم ينعقد
الإجماع. (6) المسالك 3: 152. (7) في " ف ": به التمليك. (8) انظر الوسائل 12: 114،
الباب 31 من أبواب ما يكتسب به، والصفحة 375 و 385، الباب 8 و 14 من أبواب أحكام
العقود. (9) في " ف ": بل قد يظهر.
[ 60 ]
بل يمكن دعوى السيرة على عدم الاكتفاء في البيوع الخطيرة التي يراد بها عدم
الرجوع بمجرد التراضي. نعم، ربما يكتفون بالمصافقة، فيقول البائع: بارك الله لك، أو
ما أدى هذا المعنى بالفارسية (1). نعم، يكتفون بالتعاطي في المحقرات ولا يلتزمون
بعدم جواز الرجوع فيها، بل ينكرون على الممتنع عن الرجوع مع بقاء العينين. نعم،
الاكتفاء في اللزوم (2) بمطلق الإنشاء القولي غير بعيد، للسيرة ولغير واحد من
الأخبار، كما سيجئ إن شاء الله تعالى في شروط الصيغة. بقي الكلام في الخبر الذي
تمسك به في باب المعاطاة، تارة على عدم إفادة المعاطاة إباحة التصرف، واخرى على عدم
إفادتها اللزوم، جمعا بينه وبين ما دل على صحة مطلق البيع - كما صنعه في الرياض (3)
- وهو قوله عليه السلام: " إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام ". وتوضيح المراد منه
يتوقف على بيان تمام الخبر، وهو ما رواه ثقة الإسلام في باب " بيع ما ليس عنده "،
والشيخ في باب " النقد والنسيئة " عن ابن أبي عمير، عن يحيى بن الحجاج، عن خالد بن
الحجاج (4) - أو ابن نجيح (5) - قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل
(1) وردت عبارة: " نعم - إلى - بالفارسية " في أكثر النسخ في المتن وفي بعضها في
الهامش، لكن شطب عليها في " ف "، وكتب عليها في " ن ": زائد. (2) في " ف ":
باللزوم. (3) الرياض 1: 511. (4) كما في التهذيب. (5) كما في الكافي.
[ 61 ]
يجيئني ويقول: اشتر لي هذا الثوب واربحك كذا وكذا. فقال: أليس إن شاء أخذ وإن
شاء ترك؟ قلت: بلى. قال: لا بأس، إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام (1) " (2). وقد ورد
بمضمون هذا الخبر روايات اخر مجردة عن قوله عليه السلام: " إنما يحلل... الخ " (3)،
كلها تدل على أنه لا بأس بهذه المواعدة والمقاولة ما لم يوجب بيع المتاع قبل أن
يشتريه من صاحبه. ونقول: إن هذه الفقرة - مع قطع النظر عن صدر الرواية - تحتمل
وجوها: الأول: أن يراد من " الكلام " في المقامين اللفظ الدال على التحليل والتحريم
(4)، بمعنى أن تحريم شئ وتحليله لا يكون إلا بالنطق بهما، فلا يتحقق بالقصد المجرد
عن الكلام، ولا بالقصد المدلول عليه بالأفعال دون الأقوال. الثاني: أن يراد ب "
الكلام " اللفظ مع مضمونه، كما في قولك: " هذا الكلام صحيح " أو " فاسد "، لا مجرد
اللفظ - أعني الصوت - ويكون المراد: أن المطلب الواحد يختلف حكمه الشرعي حلا وحرمة
(5)
(1) في " ن "، " خ "، " م " و " ع " زيادة: " الخبر "، والظاهر أنه لا وجه له، لأن
الخبر مذكور بتمامه. (2) انظر الكافي 5: 201، الحديث 6، والتهذيب 7: 50، الحديث
216، والوسائل 12: 376، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 4. (3) انظر الوسائل
12: 375، الباب 8 من أبواب العقود. (4) كذا في " ف "، وفي غيره: التحريم والتحليل.
(5) في " ف ": أو حرمة.
[ 62 ]
باختلاف المضامين المؤداة بالكلام، مثلا (1): المقصود الواحد، وهو التسليط على
البضع مدة معينة يتأتى بقولها: " ملكتك بضعي " أو " سلطتك عليه " أو " آجرتك نفسي "
أو " أحللتها لك "، وبقولها: " متعتك (2) نفسي بكذا "، فما عدا الأخير موجب
لتحريمه، والأخير محلل، وبهذا (3) المعنى ورد قوله عليه السلام: " إنما يحرم الكلام
" في عدة من روايات المزارعة (4). منها: ما في التهذيب عن ابن محبوب، عن خالد بن
جرير (5)، عن أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن الرجل
يزرع أرض رجل آخر فيشترط عليه ثلثا للبذر، وثلثا للبقر، فقال: " لا ينبغي له أن
يسمي بذرا ولا بقرا، ولكن يقول لصاحب الأرض: أزرع في أرضك ولك منها كذا وكذا: نصف،
أو ثلث، أو ما كان من شرط، ولا يسمي بذرا ولا بقرا، فإنما يحرم الكلام " (6).
(1) كلمة " مثلا " ساقطة من " خ "، " م "، " ع " و " ص ". (2) كذا في " ف "، وفي
غيره: متعت. (3) كذا في " ف "، وفي غيره: على هذا. (4) راجع الوسائل 13: 200 - 201،
الباب 8 من أبواب المزارعة والمساقاة، الحديث 4، 6 و 10. (5) عبارة " عن خالد بن
جرير " من " ش " والمصدر. (6) التهذيب 7: 194، الحديث 857، وعنه الوسائل 13: 201،
الباب 8 من أبواب المزارعة، الحديث 10. وبما أن الحديث ورد مختلفا في النسخ، ومع
تقديم وتأخير في بعضها، فلذلك أثبتناه طبقا لنسخة " ش " التي هي مطابقة مع المصدر.
[ 63 ]
الثالث: أن يراد ب " الكلام " في الفقرتين الكلام الواحد، ويكون تحليله
وتحريمه (1) باعتبار (2) وجوده وعدمه، فيكون وجوده محللا وعدمه محرما، أو بالعكس،
أو باعتبار محله وغير محله، فيحل في محله ويحرم في غيره، ويحتمل هذا الوجه الروايات
الواردة في المزارعة. الرابع: أن يراد من الكلام المحلل خصوص المقاولة والمواعدة،
ومن الكلام المحرم إيجاب البيع وإيقاعه. ثم إن الظاهر عدم إرادة المعنى الأول، لأنه
مع لزوم تخصيص الأكثر - حيث إن ظاهره حصر أسباب التحليل والتحريم في الشريعة في
اللفظ - يوجب عدم ارتباطه بالحكم المذكور في الخبر جوابا عن السؤال، مع كونه
كالتعليل له، لأن ظاهر الحكم - كما يستفاد من عدة روايات اخر (3) - تخصيص الجواز
بما إذا لم يوجب البيع على الرجل قبل شراء (4) المتاع من مالكه، ولا دخل لاشتراط
النطق في التحليل والتحريم في هذا الحكم أصلا، فكيف يعلل به؟ وكذا المعنى الثاني،
إذ ليس هنا مطلب واحد حتى يكون تأديته بمضمون محللا، وبآخر محرما.
(1) كذا في " ف "، وفي غيرها: تحريمه وتحليله. (2) كذا في " م "، " ص " ومصححة " ن
"، وفي غيرها: اعتبار. (3) انظر الوسائل 12: 370، الباب 5 من أبواب العقود، الحديث
4، والصفحة 374، الباب 7 من الأبواب، الحديث 3، والصفحة 378، الباب 8 من الأبواب،
الحديث 11 و 13. (4) في " ف ": اشتراء.
[ 64 ]
فتعين: المعنى الثالث، وهو: أن الكلام الدال على الالتزام بالبيع لا يحرم هذه
المعاملة إلا وجوده قبل شراء العين التي يريدها الرجل، لأنه بيع ما ليس عنده، ولا
يحلل إلا عدمه، إذ مع عدم الكلام الموجب لالتزام البيع لم يحصل إلا التواعد
بالمبايعة، وهو غير مؤثر. فحاصل الرواية: أن سبب التحليل والتحريم في هذه المعاملة
منحصر في الكلام عدما ووجودا (1). أو المعنى الرابع، وهو: أن المقاولة والمراضاة مع
المشتري الثاني قبل اشتراء العين محلل للمعاملة، وإيجاب البيع معه محرم لها. وعلى
كلا المعنيين يسقط الخبر عن الدلالة على اعتبار الكلام في التحليل، كما هو المقصود
في مسألة المعاطاة. نعم، يمكن استظهار اعتبار الكلام في إيجاب البيع بوجه آخر - بعد
ما عرفت من أن (2) المراد ب " الكلام " هو إيجاب البيع - بأن يقال: إن حصر المحلل
والمحرم في الكلام لا يتأتى إلا مع انحصار إيجاب البيع في الكلام، إذ لو وقع بغير
الكلام لم ينحصر المحلل والمحرم في الكلام، إلا أن يقال: إن وجه انحصار إيجاب البيع
في الكلام في مورد الرواية هو عدم إمكان المعاطاة في خصوص المورد، إذ المفروض أن
المبيع عند مالكه الأول، فتأمل. وكيف كان، فلا تخلو الرواية عن إشعار أو ظهور. كما
يشعر به قوله عليه السلام في رواية اخرى واردة في هذا الحكم أيضا، وهي رواية
(1) في " ف ": أو وجودا. (2) في " خ "، " م "، " ع "، " ص " ومصححة " ن ": بأن.
[ 65 ]
يحيى بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام: " عن رجل قال لي: اشتر لي هذا
الثوب أو هذه الدابة، وبعنيها اربحك (1) فيها كذا وكذا؟ قال: لا بأس بذلك، اشترها،
ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها " (2)، فإن الظاهر أن المراد من
مواجبة البيع ليس مجرد إعطاء العين للمشتري (3). ويشعر به أيضا رواية العلاء
الواردة في نسبة الربح إلى أصل المال، قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل
يريد أن يبيع بيعا فيقول: أبيعك بده دوازده، [ أو ده يازده ] (4)؟ فقال: لا بأس،
إنما هذه " المراوضة " فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة " (5)، فإن ظاهره - على ما
فهمه بعض الشراح (6) -: أنه لا يكره ذلك في المقاولة التي قبل العقد، وإنما يكره
حين العقد. وفي صحيحة ابن سنان: " لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك، تساومه
ثم تشتري له نحو الذي طلب، ثم توجبه على نفسك، ثم تبيعه منه بعد " (7).
(1) في " ش ": ارابحك. (2) الوسائل 12: 378، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث
13. (3) لم ترد عبارة: " فإن الظاهر - إلى - للمشتري " في " ف ". (4) من " ش "
والمصدر. (5) الوسائل 12: 386، الباب 14 من أبواب أحكام العقود، الحديث 5. (6) وهو
المحدث الكاشاني قدس سره في الوافي 18: 693، الحديث 18131. (7) الوسائل 12: 375،
الباب 8 من أبواب العقود، الحديث الأول.
[ 66 ]
وينبغي التنبيه على امور: الأول الظاهر (1): أن المعاطاة قبل اللزوم - على
القول بإفادتها الملك - بيع، بل الظاهر من كلام المحقق الثاني في جامع المقاصد (2):
أنه مما لا كلام فيه حتى عند القائلين بكونها فاسدة، كالعلامة في النهاية (3). ودل
على ذلك تمسكهم له بقوله تعالى: * (أحل الله البيع) * (4). وأما على القول بإفادتها
للإباحة (5)، فالظاهر: أنها (6) بيع عرفي لم يؤثر شرعا إلا الإباحة، فنفي البيع
عنها في كلامهم (7) ومعاقد إجماعاتهم (8) هو البيع المفيد شرعا اللزوم زيادة على
الملك. هذا على ما اخترناه سابقا (9): من أن مقصود المتعاطيين في
(1) في " ف ": أن الظاهر. (2) جامع المقاصد 4: 58. (3) نهاية الإحكام 2: 449. (4)
البقرة: 275. (5) في " ف " زيادة: دون الملك. (6) كذا في " ف " ومصححة " م " و " ص
"، وفي غيرها: أنه. (7) مثل ما تقدم عن الخلاف في الصفحة 26، وعن السرائر والغنية
في الصفحة 28 و 29. (8) كذا في " ف "، وفي غيرها: إجماعهم. (9) في الصفحتين 25 و
32.
[ 67 ]
المعاطاة التملك (1) والبيع (2)، وأما على ما احتمله بعضهم (3) - بل استظهره
(4) -: من أن محل الكلام هو ما إذا قصدا (5) مجرد الإباحة، فلا إشكال في عدم كونها
بيعا عرفا، ولا شرعا. وعلى هذا فلا بد عند الشك في اعتبار شرط فيها من الرجوع إلى
الأدلة الدالة على صحة هذه الإباحة العوضية من خصوص أو عموم، وحيث إن المناسب لهذا
القول التمسك في مشروعيته بعموم: " الناس مسلطون على أموالهم " (6) كان مقتضى
القاعدة هو نفي شرطية غير ما ثبت شرطيته، كما أنه لو تمسك لها بالسيرة كان مقتضى
القاعدة العكس. والحاصل: أن المرجع - على هذا - عند الشك في شروطها، هي أدلة هذه
المعاملة، سواء اعتبرت في البيع أم لا. وأما على المختار: من أن الكلام فيما قصد
(7) به البيع، فهل (8)
(1) في هامش " ص ": التمليك - ظ، وهكذا أثبته المامقاني قدس سره في حاشيته، انظر
غاية الآمال: 187. (2) لم ترد " والبيع " في " ف ". (3) وهو صاحب الجواهر قدس سره،
انظر الجواهر 22: 224. (4) في " ف ": استظهر. (5) في " ف ": قصد. (6) عوالي اللآلي
1: 222، الحديث 99. (7) في " ف ": يقصد. (8) كذا في " ص " و " ش "، وفي غيرهما: هل.
[ 68 ]
يشترط فيه شروط البيع مطلقا، أم لا كذلك، أم يبتني (1) على القول بإفادتها
للملك، والقول بعدم إفادتها إلا الإباحة (2)؟ وجوه: يشهد للأول: كونها بيعا عرفا،
فيشترط (3) فيها جميع ما دل على اشتراطه في البيع. ويؤيده: أن محل النزاع بين
العامة والخاصة في المعاطاة هو: أن الصيغة معتبرة في البيع كسائر الشرائط، أم لا؟ -
كما يفصح عنه عنوان المسألة في كتب كثير من الخاصة والعامة (4) - فما انتفى فيه غير
الصيغة من شروط البيع، خارج عن هذا العنوان وإن فرض مشاركا له في الحكم، ولذا ادعى
(5) في الحدائق: أن المشهور بين القائلين بعدم لزوم المعاطاة: صحة المعاطاة
المذكورة إذا استكملت (6) شروط البيع غير الصيغة المخصوصة، وأنها تفيد إباحة تصرف
كل منهما فيما صار إليه من العوض (7). ومقابل المشهور في كلامه، قول العلامة رحمه
الله في النهاية بفساد المعاطاة (8) - كما صرح به بعد ذلك - فلا يكون كلامه موهما
لثبوت
(1) في " ف ": مبني. (2) في " ف ": إلا للإباحة. (3) في " ف ": ليشترط. (4) كذا في
" ف "، وفي غيرها: العامة والخاصة. (5) كذا في " ش "، وفي " ف " غير مقروءة، وفي
غيرهما: أفتى. (6) كذا في " ف "، وفي غيرها: استكمل. (7) الحدائق 18: 356. (8)
نهاية الإحكام 2: 449.
[ 69 ]
الخلاف في اشتراط صحة المعاطاة باستجماع شرائط البيع. ويشهد للثاني: أن البيع
في النص والفتوى ظاهر فيما حكم فيه باللزوم، وثبت له الخيار في قولهم: " البيعان
بالخيار ما لم يفترقا "، ونحوه. أما على القول بالإباحة، فواضح، لأن المعاطاة ليست
على هذا القول بيعا في نظر الشارع والمتشرعة، إذ لا نقل فيه عند الشارع، فإذا ثبت
إطلاق الشارع عليه في مقام (1)، فنحمله على الجري على ما هو بيع باعتقاد العرف،
لاشتماله على النقل في نظرهم، وقد تقدم سابقا - في تصحيح دعوى الإجماع على عدم كون
المعاطاة بيعا (2) - بيان ذلك. وأما على القول بالملك، فلأن المطلق ينصرف إلى الفرد
المحكوم باللزوم في قولهم: " البيعان بالخيار "، وقولهم: " إن الأصل في البيع
اللزوم، والخيار إنما ثبت لدليل "، و " أن البيع بقول مطلق (3) من العقود اللازمة
"، وقولهم: " البيع هو العقد الدال على كذا "، ونحو ذلك. وبالجملة، فلا يبقى
للمتأمل شك في أن إطلاق البيع في النص والفتوى يراد به ما لا يجوز فسخه إلا بفسخ
عقده بخيار أو بتقايل (4). ووجه الثالث: ما تقدم للثاني على القول بالإباحة، من سلب
(1) لم ترد " في مقام " في " ف ". (2) في الصفحة 41 وغيرها. (3) في " ف ": وأن
البيع مطلقا. (4) في " ف ": لخيار أو لتقايل.
[ 70 ]
البيع عنه، وللأول على القول بالملك، من صدق البيع عليه حينئذ وإن لم يكن
لازما. ويمكن الفرق بين الشرط الذي ثبت اعتباره في البيع من النص، فيحمل على البيع
العرفي وإن لم يفد عند الشارع إلا الإباحة، وبين ما ثبت بالإجماع على اعتباره في
البيع بناء على انصراف " البيع " في كلمات المجمعين إلى العقد اللازم. والاحتمال
الأول لا يخلو عن قوة، لكونها بيعا ظاهرا على القول بالملك - كما عرفت من جامع
المقاصد (1) -، وأما على القول بالإباحة، فلأنها لم تثبت إلا في المعاملة الفاقدة
للصيغة فقط، فلا تشمل الفاقدة للشرط الآخر أيضا. ثم إنه حكي عن الشهيد رحمه الله في
حواشيه على القواعد أنه - بعد ما منع من إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الخمس والزكاة
وثمن الهدي إلا بعد تلف العين، يعني العين الاخرى - ذكر: أنه يجوز أن يكون الثمن
والمثمن في المعاطاة مجهولين، لأنها ليست عقدا، وكذا جهالة الأجل، وأنه لو اشترى
أمة بالمعاطاة لم يجز له (2) نكاحها قبل تلف الثمن (3)، انتهى. وحكي عنه في باب
الصرف أيضا: أنه لا يعتبر التقابض في المجلس في معاطاة النقدين (4).
(1) راجع الصفحة 32 وغيرها. (2) لم ترد " له " في " ف ". (3) حكاه السيد العاملي في
مفتاح الكرامة 4: 158. (4) نفس المصدر، الصفحة 397.
[ 71 ]
أقول: حكمه قدس سره بعدم جواز إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الصدقات الواجبة وعدم
جواز نكاح المأخوذ بها، صريح في عدم (1) إفادتها للملك، إلا أن حكمه رحمه الله بعدم
اعتبار الشروط المذكورة (2) للبيع والصرف معللا بأن المعاطاة ليست عقدا، يحتمل أن
يكون باعتبار عدم الملك، حيث إن المفيد للملك منحصر في العقد، وأن يكون باعتبار عدم
اللزوم، حيث إن الشروط المذكورة شرائط للبيع العقدي اللازم. والأقوى: اعتبارها وإن
قلنا بالإباحة، لأنها بيع عرفي وإن لم يفد شرعا إلا الإباحة، ومورد الأدلة الدالة
على اعتبار تلك الشروط هو البيع العرفي لا خصوص العقدي، بل تقييدها بالبيع العقدي
تقييد بغير الغالب، ولما عرفت من أن الأصل في المعاطاة بعد القول بعدم الملك،
الفساد وعدم تأثيره شيئا، خرج ما هو محل الخلاف بين العلماء من حيث اللزوم والعدم،
وهو المعاملة الجامعة للشروط عدا الصيغة، وبقي الباقي. وبما ذكرنا يظهر وجه تحريم
الربا فيها (3) أيضا وإن خصصنا الحكم بالبيع، بل الظاهر التحريم حتى عند من لا
يراها (4) مفيدة للملك، لأنها معاوضة عرفية وإن لم تفد الملك، بل معاوضة شرعية، كما
(5) اعترف بها
(1) في " ف ": صريح في قوله بعدم. (2) في " ف ": باعتبار الشرط المذكور. (3) كذا في
" ف " و " م "، وفي غيرهما: فيه. (4) في " ف ": عند من يراها. (5) " كما " ساقطة من
" ش ".
[ 72 ]
الشهيد رحمه الله في موضع من الحواشي، حيث قال: إن المعاطاة معاوضة مستقلة
جائزة أو لازمة (1)، انتهى. ولو قلنا بأن المقصود للمتعاطيين (2) الإباحة لا الملك،
فلا يبعد أيضا جريان الربا، لكونها معاوضة عرفا، فتأمل (3). وأما حكم جريان الخيار
فيها قبل اللزوم، فيمكن نفيه على المشهور، لأنها إباحة (4) عندهم، فلا معنى للخيار
(5). وإن قلنا بإفادة الملك، فيمكن القول بثبوت الخيار فيه (6) مطلقا، بناء على
صيرورتها بيعا بعد اللزوم - كما سيأتي عند تعرض الملزمات - فالخيار موجود من زمان
المعاطاة، إلا أن أثره يظهر بعد اللزوم، وعلى هذا فيصح إسقاطه والمصالحة عليه قبل
اللزوم. ويحتمل أن يفصل بين الخيارات المختصة بالبيع، فلا تجري، لاختصاص أدلتها بما
وضع على اللزوم من غير جهة الخيار (7)، وبين
(1) حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 158. (2) في " ف " زيادة: إنشاء.
(3) وردت عبارة " ولو قلنا - إلى - فتأمل " في " ف " وهامش " ن "، " خ " و " م "،
وكتب بعدها في " ن ": " إلحاق منه دام ظله "، وفي " خ " و " م ": " إلحاق منه رحمه
الله ". (4) كذا في " ف " و " ش "، وفي غيرهما: " جائزة " بدل " إباحة "، لكن صححت
في " ع " بما أثبتناه. (5) في " ف " زيادة: مطلقا. (6) لم ترد " فيه " في " ف ".
(7) عبارة " لاختصاص - إلى - الخيار " ساقطة من " ف ".
[ 73 ]
غيرها - كخيار الغبن والعيب بالنسبة إلى الرد دون الأرش - فتجري (1)، لعموم
أدلتها. وأما حكم الخيار بعد اللزوم، فسيأتي (2) بعد ذكر الملزمات إن شاء الله (3).
(1) كذا في " ص " ومصححة " ن "، وفي غيرهما: فيجري. (2) سيأتي في الأمر السابع،
الصفحة 103. (3) التعليق على المشيئة من " ف ".
[ 74 ]
الأمر الثاني إن المتيقن من مورد المعاطاة: هو حصول التعاطي فعلا من الطرفين،
فالملك أو الإباحة في كل منهما بالإعطاء، فلو حصل الإعطاء من جانب واحد لم يحصل ما
يوجب إباحة الآخر أو ملكيته، فلا يتحقق المعاوضة ولا الإباحة رأسا، لأن كلا منهما
ملك أو مباح في مقابل ملكية (1) الآخر أو إباحته، إلا أن الظاهر من جماعة من متأخري
المتأخرين (2) - تبعا للشهيد في الدروس (3) - جعله (4) من المعاطاة، ولا ريب أنه لا
يصدق معنى المعاطاة، لكن هذا لا يقدح في جريان حكمها عليه، بناء على عموم الحكم لكل
بيع فعلي، فيكون إقباض أحد العوضين من مالكه تمليكا له بعوض، أو مبيحا (5) له به،
وأخذ الآخر له تملكا له بالعوض، أو إباحة له بإزائه، فلو كان المعطى هو الثمن كان
(1) كذا في " ش "، وفي " ف ": " الملك "، وفي " ن ": " ملك "، وفي غيرها: ملكه. (2)
منهم: المحقق الثاني في حاشية الإرشاد (مخطوط): 217، والسيد المجاهد في المناهل:
270، والشيخ الكبير في شرحه على القواعد (مخطوط): الورقة: 51، وصاحب الجواهر في
الجواهر 22: 238، ويظهر من المحدث البحراني والسيد العاملي أيضا، انظر الحدائق 18:
364، ومفتاح الكرامة 4: 158. (3) الدروس 3: 192. (4) كذا في " ش "، وفي غيرها: "
جعلوه "، إلا أنه صحح في " خ "، " ع " و " ص " بما في المتن. (5) في " ص ": إباحة.
[ 75 ]
دفعه على القول بالملك والبيع (1) اشتراء، وأخذه بيعا للمثمن به، فيحصل الإيجاب
والقبول الفعليان (2) بفعل واحد في زمان واحد. ثم صحة هذا على القول بكون المعاطاة
بيعا مملكا واضحة، إذ يدل عليها ما دل على صحة المعاطاة من الطرفين، وأما على القول
بالإباحة، فيشكل بأنه بعد عدم حصول الملك بها لا دليل على تأثيرها في الإباحة،
اللهم إلا أن يدعى قيام السيرة عليها، كقيامها على المعاطاة الحقيقية. وربما يدعى
انعقاد المعاطاة بمجرد إيصال الثمن وأخذ المثمن من غير صدق إعطاء أصلا، فضلا عن
التعاطي، كما تعارف أخذ الماء مع غيبة السقاء، ووضع الفلس في المكان المعد له إذا
علم من حال السقاء الرضا بذلك، وكذا غير الماء من المحقرات كالخضروات (3) ونحوها،
ومن هذا القبيل الدخول في الحمام ووضع الاجرة في كوز صاحب الحمام مع غيبته.
فالمعيار في المعاطاة: وصول العوضين، أو أحدهما (4) مع الرضا بالتصرف، ويظهر ذلك من
المحقق الأردبيلي رحمه الله أيضا في مسألة المعاطاة (5)، وسيأتي توضيح ذلك في مقامه
(6) إن شاء الله.
(1) في " ف ": أو البيع. (2) كذا في " ف "، وفي غيرها: الفعليين. (3) كذا في " ف "،
وفي غيرها: كالخضريات. (4) في " ف " زيادة: مقامه. (5) انظر مجمع الفائدة 8: 141.
(6) سيأتي في الصفحة 112 - 113.
[ 76 ]
ثم إنه لو قلنا بأن اللفظ الغير المعتبر في العقد كالفعل في انعقاد المعاطاة،
أمكن خلو المعاطاة من الإعطاء والإيصال رأسا، فيتقاولان على مبادلة شئ بشئ من غير
إيصال، ولا يبعد صحته مع صدق البيع عليه بناء على الملك، وأما على القول بالإباحة،
فالإشكال المتقدم هنا آكد.
[ 77 ]
[ الأمر ] (1) الثالث تميز البائع من المشتري في المعاطاة الفعلية مع كون أحد
العوضين مما تعارف جعله ثمنا - كالدراهم والدنانير والفلوس المسكوكة - واضح، فإن
صاحب الثمن هو المشتري ما لم يصرح بالخلاف. وأما مع كون العوضين من غيرها، فالثمن
ما قصدا (2) قيامه مقام الثمن (3) في العوضية، فإذا أعطى الحنطة في مقابل اللحم
قاصدا إن هذا المقدار (4) من الحنطة يسوي درهما هو ثمن اللحم، فيصدق عرفا (5) أنه
اشترى اللحم بالحنطة، وإذا انعكس انعكس الصدق، فيكون المدفوع بنية البدلية عن
الدرهم والدينار هو الثمن، وصاحبه هو (6) المشتري. ولو لم يلاحظ إلا كون أحدهما
بدلا عن الآخر من دون نية قيام أحدهما مقام الثمن في العوضية، أو لوحظ القيمة في
كليهما، بأن لوحظ كون المقدار من اللحم بدرهم، وذلك المقدار (7) من الحنطة بدرهم،
(1) من " ص ". (2) في " ف ": ما قصد. (3) في " ف "، " خ "، " ع " و " ص ": المثمن.
(4) في " ف ": القدر. (5) لم ترد " عرفا " في " ف ". (6) لم ترد " هو " في " ف ".
(7) في " ف ": القدر.
[ 78 ]
فتعاطيا من غير سبق مقاولة تدل على كون أحدهما بالخصوص بائعا: ففي كونه بيعا
وشراء بالنسبة إلى كل منهما، بناء على أن البيع لغة - كما عرفت - مبادلة مال بمال،
والاشتراء: ترك شئ والأخذ بغيره - كما عن بعض أهل اللغة (1) - فيصدق على صاحب اللحم
أنه باعه بحنطة، وأنه اشترى الحنطة، فيحنث لو حلف على عدم بيع اللحم وعدم شراء
الحنطة. نعم، لا يترتب عليهما أحكام البائع ولا المشتري، لانصرافهما في أدلة تلك
الأحكام إلى من اختص بصفة (2) البيع أو الشراء، فلا يعم من كان في معاملة واحدة
مصداقا لهما باعتبارين. أو كونه بيعا بالنسبة إلى من يعطي أولا، لصدق الموجب عليه،
وشراء بالنسبة إلى الآخذ، لكونه قابلا عرفا. أو كونها (3) معاطاة مصالحة، لأنها
بمعنى التسالم على شئ، ولذا حملوا الرواية الواردة في قول أحد الشريكين لصاحبه: "
لك ما عندك، ولي ما عندي " (4) على الصلح (5).
(1) انظر لسان العرب 7: 103، والقاموس 4: 348، مادة: " شرى ". (2) في " خ "، " ع "
و " ص ": " بصيغة "، وفي نسخة بدلها: بصفة. (3) كذا في " ف "، " ش " ومصححة " ن "،
وفي غيرها: " كونهما "، وتأنيث الضمير باعتبار الخبر، كما هي طريقة المصنف قدس سره.
(4) الوسائل 13: 166، الباب 5 من أبواب أحكام الصلح، الحديث الأول. (5) فإنهم
استدلوا بالرواية المذكورة على صحة المصالحة مع جهالة المصطلحين بما وقعت فيه
المنازعة، انظر المسالك 4: 263، والحدائق 21: 92، والجواهر 26: 216.
[ 79 ]
أو كونها معاوضة مستقلة لا يدخل تحت العناوين المتعارفة، وجوه. لا يخلو ثانيها
عن قوة، لصدق تعريف " البائع " لغة وعرفا على الدافع أولا، دون الآخر، وصدق "
المشتري " على الآخذ أولا، دون الآخر، فتدبر.
[ 80 ]
[ الأمر ] (1) الرابع أن أصل المعاطاة - وهي إعطاء كل منهما الآخر (2) ماله -
يتصور بحسب قصد المتعاطيين على وجوه: أحدها: أن يقصد كل منهما تمليك ماله بمال
الآخر، فيكون الآخر (3) في أخذه قابلا ومتملكا (4) بإزاء ما يدفعه، فلا يكون في
دفعه العوض إنشاء تمليك، بل دفع لما التزمه على نفسه بإزاء ما تملكه، فيكون الإيجاب
والقبول (5) بدفع العين الاولى وقبضها، فدفع العين الثاني (6) خارج عن حقيقة
المعاطاة، فلو مات الآخذ قبل دفع ماله مات بعد تمام المعاطاة، وبهذا الوجه صححنا
سابقا (7) عدم توقف المعاطاة على قبض كلا العوضين، فيكون إطلاق المعاطاة عليه من
حيث حصول المعاملة فيه بالعطاء دون القول، لا من حيث كونها متقومة
(1) من " ص ". (2) في " ف ": لآخر. (3) عبارة " فيكون الآخر " ساقطة من " ش ". (4)
كذا في " ش "، ومصححتي " ن " و " ص "، وفي " ف ": " أو مملكا "، وفي سائر النسخ:
ومملكا. (5) وردت عبارة " إنشاء تمليك - إلى - الإيجاب والقبول " في " ف " هكذا:
أنشأ نفسه بإزاء ما تملكه، فيكون تمليك، بل دفع لما التزمه على الإيجاب والقبول.
(6) كذا في النسخ، والصواب: الثانية، كما في مصححة " ص ". (7) راجع الصفحة 74 - 75.
[ 81 ]
بالعطاء من الطرفين. ومثله في هذا الإطلاق: لفظ " المصالحة " و " المساقاة " و
" المزارعة " و " المؤاجرة " وغيرها، وبهذا الإطلاق يستعمل المعاطاة في الرهن
والقرض والهبة، وربما يستعمل في المعاملة الحاصلة بالفعل ولو لم يكن عطاء، وفي صحته
تأمل. ثانيها (1): أن يقصد كل منهما تمليك الآخر ماله بإزاء تمليك ماله إياه، فيكون
تمليكا (2) بإزاء تمليك، فالمقاولة بين التمليكين لا الملكين، والمعاملة متقومة
بالعطاء من الطرفين (3)، فلو مات الثاني قبل الدفع لم يتحقق المعاطاة. وهذا بعيد عن
معنى البيع وقريب إلى الهبة المعوضة، لكون كل من المالين خاليا عن العوض، لكن إجراء
حكم الهبة المعوضة عليه مشكل، إذ لو لم يملكه الثاني هنا لم يتحقق التمليك من
الأول، لأ نه إنما ملكه بإزاء تمليكه، فما لم يتحقق تمليك الثاني لم يتحقق تمليكه
(4)، إلا أن يكون تمليك الآخر له ملحوظا عند تمليك الأول على نحو الداعي، لا العوض،
فلا يقدح تخلفه. فالأولى أن يقال: إنها مصالحة وتسالم على أمر معين أو معاوضة
مستقلة.
(1) في " ف ": الثاني. (2) كذا في " ف "، وفي غيرها: تمليك. (3) عبارة " من الطرفين
" ساقطة من " ف ". (4) كذا في " ف "، وفي " ص " و " ش ": " تملكه "، وفي " ن " و "
م ": " تملكا "، وفي " خ " و " ع ": تملك.
[ 82 ]
ثالثها: أن يقصد الأول إباحة ماله بعوض، فيقبل الآخر بأخذه إياه، فيكون الصادر
من الأول الإباحة بالعوض، ومن الثاني - بقبوله لها - التمليك، كما لو صرح بقوله:
أبحت لك كذا بدرهم. رابعها: أن يقصد كل منهما الإباحة بإزاء إباحة الآخر (1)، فيكون
إباحة بإزاء إباحة، أو إباحة بداعي (2) إباحة، على ما تقدم نظيره في الوجه الثاني
من إمكان تصوره على نحو الداعي، وعلى نحو العوضية. وكيف كان، فالإشكال في حكم
القسمين الأخيرين على فرض قصد المتعاطيين لهما، ومنشأ الإشكال: أولا - الإشكال في
صحة إباحة (3) جميع التصرفات حتى المتوقفة على ملكية المتصرف، بأن يقول: أبحت لك كل
تصرف، من دون أن يملكه العين. وثانيا - الإشكال في صحة الإباحة بالعوض، الراجعة إلى
عقد مركب من إباحة وتمليك. فنقول: أما إباحة جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك،
فالظاهر (4) أنها (5) لا تجوز، إذ التصرف الموقوف على الملك لا يسوغ
(1) كذا في " ف "، وفي سائر النسخ: " آخر "، وفي مصححة " ع " ونسخة بدل " ش ":
اخرى. (2) كذا في " ص "، وفي غيرها: لداعي. (3) لم ترد " إباحة " في " ف ". (4) لم
ترد " فالظاهر " في " ف ". (5) كذا في " ش "، وفي غيرها: أنه.
[ 83 ]
لغير المالك بمجرد إذن المالك، فإن إذن المالك ليس مشرعا، وإنما يمضي فيما يجوز
شرعا، فإذا كان بيع الإنسان مال غيره لنفسه - بأن يملك الثمن مع خروج المبيع عن ملك
غيره - غير معقول - كما صرح به العلامة في القواعد (1) - فكيف يجوز للمالك أن يأذن
فيه؟ نعم، يصح ذلك بأحد وجهين، كلاهما في المقام مفقود (2): أحدهما: أن يقصد المبيح
بقوله: " أبحت لك أن تبيع مالي لنفسك " أن ينشأ (3) توكيلا له في بيع ماله له، ثم
نقل الثمن إلى نفسه بالهبة، أو في نقله أولا إلى نفسه ثم بيعه، أو تمليكا له بنفس
هذه الإباحة، فيكون إنشاء تمليك له، ويكون بيع المخاطب بمنزلة قبوله، كما صرح في
التذكرة: بأن قول الرجل (4) لمالك العبد: " أعتق عبدك عني بكذا " استدعاء لتمليكه،
وإعتاق المولى عنه جواب لذلك الاستدعاء (5)، فيحصل النقل والانتقال بهذا الاستدعاء
والجواب، ويقدر وقوعه قبل العتق آنا ما، فيكون هذا بيعا ضمنيا لا يحتاج إلى الشروط
المقررة
(1) انظر القواعد 1: 166، وفيه: " لأنه لا يتصور أن يبيع ملك غيره لنفسه "، (2) في
مصححة " ن ": مفقودان. (3) كذا في " ف "، " ش " ومصححة " ن "، وفي " ع "، " ص "
ونسخة بدل " ش ": " إنشاء توكيل "، ونسبه الشهيدي - في شرحه - إلى بعض النسخ
المصححة، انظر هداية الطالب: 180. (4) وردت عبارة " بمنزلة قبوله - إلى - قول الرجل
" في " ف " هكذا: بمنزلة قبول له، كما صرح به في التذكرة بأن يقول الرجل. (5)
التذكرة 1: 462.
[ 84 ]
لعقد البيع، ولا شك أن المقصود فيما نحن فيه ليس الإذن في نقل المال إلى نفسه
أولا، ولا في نقل الثمن إليه ثانيا، ولا قصد التمليك بالإباحة المذكورة، ولا قصد
المخاطب التملك (1) عند البيع حتى يتحقق تمليك (2) ضمني مقصود للمتكلم والمخاطب،
كما كان مقصودا ولو إجمالا في مسألة " اعتق عبدك عني "، ولذا عد (3) العامة والخاصة
من الاصوليين دلالة هذا الكلام على التمليك من دلالة الاقتضاء التي عرفوها: بأنها
دلالة مقصودة للمتكلم يتوقف صحة الكلام عقلا أو شرعا عليه، فمثلوا للعقلي (4) بقوله
تعالى: * (واسأل القرية) * (5)، وللشرعي (6) بهذا المثال (7)، ومن المعلوم - بحكم
الفرض - أن المقصود فيما نحن فيه ليس إلا مجرد الإباحة. الثاني: أن يدل دليل شرعي
على حصول الملكية للمباح له بمجرد الإباحة، فيكون كاشفا عن ثبوت الملك له عند إرادة
البيع آنا ما، فيقع البيع في ملكه (8)، أو يدل دليل شرعي على انتقال الثمن عن
المبيح
(1) في " ف ": التمليك. (2) في " ف " بدل " تمليك ": قصد. (3) في " ف "، " خ "، " م
" و " ع ": عده. (4) في " ف ": العقلي. (5) يوسف: 82. (6) في " ف ": والشرعي. (7)
انظر: الإحكام في اصول الأحكام، للآمدي 3: 72 (طبعة دار الكتاب العربي)، والوافية
في اصول الفقه: 228. (8) كذا في " ش "، وفي " ف " و " خ ": " يقع المبيع في ملكه له
"، وهكذا في سائر النسخ مع اختلاف يسير، إلا أنه صحح في بعضها بما في المتن. (*
[ 85 ]
بلا فصل بعد البيع، فيكون ذلك شبه دخول العمودين في ملك الشخص آنا ما لا يقبل
غير العتق، فإنه حينئذ يقال بالملك المقدر آنا ما، للجمع بين الأدلة. وهذا الوجه
مفقود فيما نحن فيه، إذ المفروض أنه لم يدل دليل بالخصوص على صحة هذه الإباحة
العامة، وإثبات صحته بعموم مثل " الناس مسلطون على أموالهم " (1) يتوقف على عدم
مخالفة مؤداها لقواعد اخر مثل: توقف انتقال الثمن إلى الشخص على كون المثمن مالا
له، وتوقف صحة العتق على الملك، وصحة الوط ء على التحليل بصيغة خاصة، لا بمجرد
الإذن في مطلق التصرف. ولأجل ما ذكرنا صرح المشهور، بل قيل: لم يوجد خلاف (2)، في
أنه لو دفع إلى غيره مالا وقال: اشتر به لنفسك طعاما - من غير قصد الإذن في اقتراض
المال قبل الشراء، أو اقتراض الطعام، أو استيفاء الدين منه بعد الشراء - لم يصح،
كما صرح به في مواضع من القواعد (3)، وعلله في بعضها (4) بأنه لا يعقل شراء شئ
لنفسه
(1) عوالي اللآلي 1: 222، الحديث 99. (2) قاله صاحب الجواهر قدس سره، انظر الجواهر
23: 174. (3) لم نظفر على التصريح بذلك إلا في مورد واحد، وهو حكم التسليم والقبض،
انظر القواعد 1: 151. (4) لا يوجد هذا التعليل في المورد المتقدم، نعم قال في كتاب
الرهن: " ولو قال: بعه لنفسك بطل الإذن، لأنه لا يتصور أن يبيع ملك غيره لنفسه "،
القواعد 1: 166. وسيأتي نقل المؤلف لهذا المطلب بعينه من كتب العلامة لا خصوص
القواعد، في الصفحة 386.
[ 86 ]
بمال الغير (1). وهو كذلك، فإن مقتضى مفهوم المعاوضة والمبادلة دخول العوض في
ملك من خرج المعوض (2) عن ملكه، وإلا لم يكن عوضا وبدلا، ولما ذكرنا حكم الشيخ (3)
وغيره (4) بأن الهبة الخالية عن الصيغة تفيد إباحة التصرف، لكن لا يجوز وط ء
الجارية مع أن الإباحة المتحققة من الواهب تعم جميع التصرفات. وعرفت أيضا: أن
الشهيد في الحواشي لم يجوز إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الخمس والزكاة وثمن الهدي،
ولا وط ء الجارية (5)، مع أن مقصود المتعاطيين الإباحة المطلقة. ودعوى: أن الملك
التقديري هنا أيضا لا يتوقف على دلالة دليل خاص، بل يكفي الدلالة بمجرد (6) الجمع
بين عموم " الناس مسلطون على أموالهم " (7) الدال على جواز هذه الإباحة المطلقة،
وبين أدلة توقف مثل العتق والبيع على الملك (8)، نظير الجمع بين الأدلة في الملك
التقديري،
(1) في " ف ": بمال غيره. (2) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: العوض.
(3) المبسوط 3: 315. (4) الدروس 2: 291. (5) راجع الصفحة 35 و 70. (6) كذا في
النسخ، والمناسب: يكفي في الدلالة مجرد.... (7) عوالي اللآلي 1: 222، الحديث 99.
(8) راجع: الوسائل 16: 6، الباب 5 من أبواب العتق، و 12: 248 - 252، الباب 1 و 2 من
أبواب عقد البيع، وعوالي اللآلي 2: 299، الحديث 4، والصفحة 247، الحديث 16.
[ 87 ]
مدفوعة: بأن عموم " الناس مسلطون على أموالهم " إنما يدل على تسلط الناس على
أموالهم لا على أحكامهم، فمقتضاه إمضاء الشارع لإباحة المالك كل تصرف جائز شرعا،
فالإباحة وإن كانت مطلقة، إلا أنه لا يباح بتلك الإباحة المطلقة إلا ما هو جائز
بذاته في الشريعة. ومن المعلوم: أن بيع الإنسان مال غيره لنفسه غير جائز بمقتضى
العقل والنقل الدال على لزوم دخول العوض في ملك مالك المعوض، فلا يشمله العموم في "
الناس مسلطون على أموالهم " حتى يثبت التنافي بينه وبين الأدلة الدالة على توقف
البيع على الملك، فيجمع بينهما بالتزام الملك التقديري آنا ما. وبالجملة، دليل عدم
جواز بيع ملك الغير أو عتقه لنفسه حاكم على عموم " الناس مسلطون على أموالهم "
الدال على إمضاء الإباحة المطلقة من المالك على إطلاقها، نظير حكومة دليل عدم جواز
عتق مال الغير على عموم (1) وجوب الوفاء بالنذر والعهد إذا نذر عتق عبد غيره له أو
لنفسه، فلا يتوهم الجمع بينهما بالملك القهري للناذر. نعم، لو كان هناك تعارض
وتزاحم من (2) الطرفين، بحيث أمكن تخصيص كل منهما لأجل الآخر، أمكن الجمع بينهما
بالقول بحصول الملك القهري آنا ما، فتأمل.
(1) من الكتاب: الآية 29 من سورة الحج، والآية 91 من سورة النحل، والآية 34 من سورة
الإسراء، ومن السنة: ما ورد في الوسائل 16: 182، كتاب النذر والعهد. (2) في " ف ":
في.
[ 88 ]
وأما حصول الملك في الآن المتعقب بالبيع والعتق، فيما إذا باع الواهب عبده
الموهوب أو أعتقه، فليس ملكا تقديريا نظير الملك التقديري في الدية بالنسبة إلى
الميت، أو شراء العبد المعتق عليه، بل هو ملك حقيقي حاصل قبل البيع من جهة كشف
البيع عن الرجوع قبله في الآن المتصل، بناء على الاكتفاء بمثل هذا في الرجوع، وليس
كذلك فيما نحن فيه. وبالجملة، فما نحن فيه لا ينطبق على التمليك الضمني المذكور
أولا في " أعتق عبدك عني "، لتوقفه على القصد، ولا على الملك المذكور ثانيا في شراء
من ينعتق عليه، لتوقفه على التنافي بين دليل التسلط ودليل توقف العتق على الملك،
وعدم حكومة الثاني على الأول، ولا على التمليك الضمني المذكور (1) ثالثا في بيع
الواهب وذي الخيار، لعدم تحقق سبب الملك هنا سابقا بحيث يكشف البيع عنه، فلم يبق
إلا الحكم ببطلان الإذن في بيع ماله لغيره، سواء صرح بذلك كما لو قال: " بع مالي
لنفسك "، أو " اشتر بمالي لنفسك "، أم أدخله في عموم قوله: " أبحت لك كل تصرف "،
فإذا باع المباح له على هذا الوجه وقع البيع للمالك إما لازما، بناء على أن قصد (2)
البائع البيع (3) لنفسه غير مؤثر (4)، أو موقوفا على الإجازة، بناء على أن المالك
لم ينو تملك الثمن.
(1) لم ترد " المذكور " في " ف ". (2) في " خ " ونسخة بدل " ع " و " ص ": نية. (3)
لم ترد " البيع " في " خ "، " م "، " ع " و " ص ". (4) في " ف " و " خ ": غير
مؤثرة.
[ 89 ]
هذا، ولكن الذي يظهر من جماعة - منهم قطب الدين (1) والشهيد قدس سرهما - في باب
بيع الغاصب: أن تسليط المشتري للبائع الغاصب على الثمن والإذن في إتلافه يوجب جواز
شراء الغاصب به شيئا، وأنه يملك الثمن (2) بدفعه إليه، فليس للمالك إجازة هذا
الشراء (3). ويظهر أيضا من محكي المختلف، حيث استظهر من كلامه فيما لو اشترى جارية
بعين مغصوبة أن له وط ء الجارية مع علم البائع بغصبية الثمن، فراجع (4). ومقتضى
ذلك: أن يكون تسليط الشخص لغيره على ماله وإن لم يكن على وجه الملكية يوجب جواز
التصرفات المتوقفة على الملك، فتأمل. وسيأتي توضيحه في مسألة الفضولي إن شاء الله
تعالى. وأما الكلام في صحة الإباحة بالعوض - سواء صححنا إباحة التصرفات المتوقفة
على الملك أم خصصنا الإباحة بغيرها - فمحصله: أن هذا النحو من الإباحة المعوضة ليست
معاوضة مالية ليدخل كل من العوضين في ملك مالك العوض الآخر، بل كلاهما ملك للمبيح،
إلا أن
(1) وهو محمد بن محمد الرازي البويهي، من تلامذة العلامة الحلي قدس سره، وروى عنه
الشهيد قدس سره، وهو من أولاد أبي جعفر ابن بابويه، ذكره الشهيد الثاني - في بعض
إجازاته - وغيره. انظر رياض العلماء 5: 168. (2) في " ش ": المثمن. (3) يظهر ذلك
مما قالاه في حاشيتهما على القواعد، على ما حكاه عنهما السيد العاملي في مفتاح
الكرامة 4: 192. (4) راجع المختلف 5: 259.
[ 90 ]
المباح له يستحق التصرف، فيشكل الأمر فيه (1) من جهة خروجه عن المعاوضات
المعهودة شرعا وعرفا، مع التأمل في صدق التجارة عليها (2)، فضلا عن البيع، إلا أن
يكون نوعا من الصلح، لمناسبة (3) له لغة، لأنه في معنى التسالم على أمر بناء على
أنه لا يشترط فيه لفظ " الصلح "، كما يستفاد من بعض الأخبار الدالة على صحته بقول
المتصالحين: " لك ما عندك ولي ما عندي " (4)، ونحوه ما ورد في مصالحة الزوجين (5)،
ولو كانت معاملة مستقلة كفى فيها عموم " الناس مسلطون على أموالهم " (6)، و "
المؤمنون عند شروطهم " (7). وعلى تقدير الصحة، ففي لزومها مطلقا، لعموم " المؤمنون
عند شروطهم "، أو من طرف المباح له، حيث إنه يخرج ماله عن ملكه، دون المبيح، حيث إن
ماله باق على ملكه، فهو مسلط عليه، أو جوازها مطلقا، وجوه، أقواها أولها، ثم
أوسطها. وأما حكم الإباحة بالإباحة، فالإشكال فيه أيضا يظهر مما ذكرنا في سابقه،
والأقوى فيها أيضا الصحة واللزوم، للعموم، أو الجواز من الطرفين، لأصالة التسلط.
(1) كذا، ولعل تذكير الضمير باعتبار عوده إلى " هذا النحو ". (2) أي الإباحة
المعوضة. (3) في " ش ": لمناسبته. (4) الوسائل 13: 166، الباب 5 من أبواب أحكام
الصلح، الحديث الأول. (5) انظر الوسائل 15: 90 - 91، الباب 11 من أبواب القسم
والنشوز. (6) عوالي اللآلي 1: 222، الحديث 99. (7) الوسائل 15: 30، الباب 20 من
أبواب المهور، الحديث 4.
[ 91 ]
[ الأمر ] (1) الخامس في حكم جريان المعاطاة في غير البيع من العقود وعدمه إعلم
أنه ذكر المحقق الثاني رحمه الله في جامع المقاصد - على ما حكي عنه -: أن في كلام
بعضهم ما يقتضي اعتبار المعاطاة في الإجارة، وكذا في (2) الهبة، وذلك لأنه (3) إذا
أمره بعمل على عوض معين فعمله استحق (4) الاجرة، ولو كانت هذه إجارة فاسدة لم يجز
له العمل، ولم يستحق اجرة مع علمه بالفساد، وظاهرهم الجواز بذلك، وكذا لو وهب بغير
عقد، فإن ظاهرهم جواز الإتلاف، ولو كانت هبة فاسدة لم يجز، بل منع (5) من مطلق
التصرف، وهي ملحظ (6) وجيه (7)، انتهى. وفيه: أن معنى جريان المعاطاة في الإجارة
على مذهب المحقق الثاني: الحكم بملك المأمور (8) الأجر المعين على الآمر، وملك
الآمر العمل
(1) من " ص ". (2) عبارة " كذا في " من " ش " والمصدر وهامش " ص ". (3) في غير " ش
": أنه. (4) في " خ "، " م "، " ع "، " ص " والمصدر: " عمله، واستحق "، وفي " ف ":
وعمله استحق. (5) في " ص ": يمنع. (6) في المصدر: وهو ملخص. (7) جامع المقاصد 4:
59. (8) لم ترد " المأمور " في " ف ".
[ 92 ]
المعين على المأمور به، ولم نجد من صرح به في المعاطاة. وأما قوله: " لو كانت
إجارة فاسدة لم يجز له العمل " فموضع (1) نظر، لأن فساد المعاملة لا يوجب منعه عن
(2) العمل، سيما إذا لم يكن العمل تصرفا (3) في عين من أموال المستأجر. وقوله: " لم
يستحق اجرة مع علمه بالفساد "، ممنوع، لأن الظاهر ثبوت اجرة المثل، لأنه لم يقصد
التبرع وإنما قصد عوضا لم يسلم له. وأما مسألة الهبة، فالحكم فيها بجواز إتلاف
الموهوب لا يدل على جريان المعاطاة فيها (4)، إلا إذا قلنا في المعاطاة بالإباحة،
فإن جماعة - كالشيخ (5) والحلي (6) والعلامة (7) - صرحوا بأن إعطاء الهدية من دون
الصيغة يفيد الإباحة دون الملك، لكن المحقق الثاني رحمه الله ممن لا يرى (8) كون
(9) المعاطاة عند القائلين بها مفيدا للإباحة المجردة (10). وتوقف الملك في الهبة
على الإيجاب والقبول كاد أن يكون متفقا
(1) كذا في " ش "، وفي غيرها: موضع. (2) في " ف ": من. (3) لم ترد " تصرفا " في " ف
". (4) كذا في " ش "، وفي غيرها: فيه. (5) المبسوط 3: 315. (6) السرائر 3: 177. (7)
القواعد 1: 274. (8) في " ف " و " خ " ومصححة " ن ": لا يرضى. (9) كذا في " ص "،
وفي غيرها: بكون. (10) جامع المقاصد 4: 58.
[ 93 ]
عليه كما يظهر من المسالك (1). ومما ذكرنا يظهر المنع في قوله: " بل مطلق
التصرف ". هذا، ولكن الأظهر بناء على جريان المعاطاة في البيع جريانها في غيره من
الإجارة والهبة، لكون الفعل مفيدا للتمليك فيهما (2). وظاهر المحكي عن التذكرة: عدم
القول بالفصل بين البيع وغيره، حيث قال في باب الرهن: إن الخلاف في الاكتفاء فيه
بالمعاطاة والاستيجاب والإيجاب عليه المذكورة (3) في البيع آت هنا (4)، انتهى. لكن
استشكله في محكي جامع المقاصد: بأن البيع ثبت فيه حكم المعاطاة بالإجماع، بخلاف ما
هنا (5). ولعل وجه الإشكال: عدم تأتي المعاطاة بالإجماع في الرهن على النحو الذي
أجروها في البيع، لأنها هناك إما مفيدة للإباحة أو الملكية الجائزة - على الخلاف -
والأول غير متصور هنا، وأما الجواز (6) فكذلك، لأنه ينافي الوثوق الذي به قوام
مفهوم الرهن، خصوصا بملاحظة أنه لا يتصور هنا ما يوجب رجوعها إلى اللزوم، ليحصل به
الوثيقة في بعض الأحيان.
(1) المسالك 6: 10. (2) في " ف ": فيها. (3) في " ش " ومصححة " ن ": المذكور. (4)
التذكرة 2: 12. (5) جامع المقاصد 5: 45. (6) العبارة في " ف " هكذا: هناك أما
الجواز.
[ 94 ]
وإن جعلناها مفيدة للزوم، كان مخالفا لما أطبقوا عليه من توقف العقود اللازمة
على اللفظ، وكأن هذا هو الذي دعا المحقق الثاني إلى الجزم بجريان المعاطاة في مثل
الإجارة والهبة والقرض (1)، والاستشكال في الرهن. نعم، من لا يبالي مخالفة ما هو
المشهور، بل المتفق عليه بينهم، من توقف العقود اللازمة على اللفظ، أو حمل تلك
العقود على اللازمة من الطرفين، فلا يشمل الرهن - ولذا جوز بعضهم (2) الإيجاب بلفظ
الأمر ك " خذه "، والجملة الخبرية - أمكن أن يقول بإفادة المعاطاة في الرهن
اللزوم، لإطلاق بعض أدلة الرهن (3)، ولم يقم هنا إجماع على عدم اللزوم كما قام في
المعاوضات. ولأجل ما ذكرنا في الرهن يمنع من جريان المعاطاة في الوقف بأن يكتفى فيه
بالإقباض، لأن القول فيه باللزوم مناف لما اشتهر بينهم من توقف اللزوم على اللفظ،
والجواز غير معروف في الوقف من الشارع، فتأمل. نعم، احتمل (4) الاكتفاء بغير اللفظ
في باب وقف المساجد من
(1) تقدم - منه قدس سره - ما يرتبط بالأولين في الصفحة 91، وأما بالنسبة إلى القرض
فليراجع جامع المقاصد 5: 20. (2) كالشهيد قدس سره في كتاب الرهن من الدروس 3: 383.
(3) مثل قوله تعالى: * (فرهان مقبوضة) * البقرة: 283، ومثل ما ورد في الوسائل 13:
121، كتاب الرهن. (4) كذا في " ف " و " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: " يظهر
"، وفي نسخة بدل " خ "، " م " و " ع ": يحتمل.
[ 95 ]
الذكرى (1) تبعا للشيخ رحمه الله (2). ثم إن الملزم للمعاطاة فيما تجري فيه من
العقود الاخر هو الملزم في باب البيع، كما سننبه به بعد هذا الأمر.
(1) الذكرى: 158. (2) المبسوط 1: 162.
[ 96 ]
الأمر السادس في ملزمات المعاطاة على كل من القول بالملك والقول بالإباحة إعلم:
أن الأصل على القول بالملك اللزوم، لما عرفت من الوجوه الثمانية المتقدمة (1)، وأما
على القول بالإباحة فالأصل عدم اللزوم، لقاعدة تسلط الناس على أموالهم، وأصالة
سلطنة المالك الثابتة قبل المعاطاة، وهي حاكمة على أصالة بقاء الإباحة الثابتة قبل
رجوع المالك لو سلم جريانها. إذا عرفت هذا فاعلم: أن تلف العوضين ملزم إجماعا - على
الظاهر المصرح به في بعض العبائر (2) - أما على القول بالإباحة فواضح، لأن تلفه من
مال مالكه ولم يحصل ما يوجب ضمان كل منهما مال صاحبه، وتوهم جريان قاعدة الضمان
باليد هنا مندفع بما سيجئ (3). وأما على القول بالملك، فلما عرفت (4) من أصالة
اللزوم، والمتيقن
(1) المتقدمة في الصفحة 51 - 56. (2) صرح بعدم الخلاف: المحدث البحراني في الحدائق
18: 362، والشيخ الكبير - كاشف الغطاء - في شرحه على القواعد (مخطوط): الورقة: 50،
والسيد المجاهد في المناهل: 269، والسيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 157. (3) يجئ
في الصفحة 98 عند قوله: والتمسك بعموم على اليد هنا في غير محله. (4) في الصفحة 51.
[ 97 ]
من مخالفتها جواز تراد العينين (1)، وحيث ارتفع مورد التراد امتنع، ولم يثبت
قبل التلف جواز المعاملة على نحو جواز البيع الخياري حتى يستصحب بعد التلف، لأن ذلك
الجواز من عوارض العقد لا العوضين، فلا مانع من بقائه، بل لا دليل على ارتفاعه بعد
تلفهما (2)، بخلاف ما نحن فيه، فإن الجواز فيه هنا بمعنى جواز الرجوع في العين،
نظير جواز الرجوع في العين الموهوبة، فلا يبقى بعد التلف متعلق الجواز (3)، بل
الجواز هنا يتعلق (4) بموضوع التراد، لا مطلق الرجوع الثابت في الهبة. هذا، مع أن
الشك في أن متعلق الجواز هل هو أصل (5) المعاملة أو الرجوع في العين، أو تراد
العينين؟ يمنع من استصحابه، فإن المتيقن تعلقه بالتراد، إذ لا دليل في مقابلة أصالة
اللزوم على ثبوت أزيد من جواز تراد العينين الذي لا يتحقق إلا مع بقائهما. ومنه
يعلم حكم ما لو تلف إحدى العينين أو بعضها على القول بالملك. وأما على القول
بالإباحة، فقد استوجه بعض مشايخنا (6) - وفاقا
(1) كذا في " ف "، " ش " ونسخة بدل " م "، " ع "، " ص " ومصححة " ن "، وفي سائر
النسخ: العين. (2) كذا في " ف " و " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: تلفها. (3)
في " ف ": للجواز. (4) في " ف ": متعلق. (5) لم ترد " أصل " في " ف ". (6) وهو
السيد المجاهد في المناهل: 269.
[ 98 ]
لبعض معاصريه (1)، تبعا للمسالك (2) - أصالة عدم اللزوم، لأصالة بقاء سلطنة
مالك العين الموجودة، وملكه لها. وفيه: أنها معارضة بأصالة براءة ذمته عن مثل
التالف (3) أو قيمته، والتمسك بعموم " على اليد " هنا في غير محله، بعد القطع بأن
هذه اليد قبل تلف العين لم تكن يد ضمان، بل ولا بعده إذا بنى مالك العين الموجودة
على إمضاء المعاطاة ولم يرد الرجوع، إنما الكلام في الضمان إذا أراد الرجوع، وليس
هذا من مقتضى اليد قطعا. هذا، ولكن يمكن أن يقال: إن أصالة بقاء السلطنة حاكمة على
أصالة عدم الضمان بالمثل أو القيمة، مع أن ضمان (4) التالف ببدله معلوم، إلا أن
الكلام في أن البدل هو البدل الحقيقي، أعني المثل أو القيمة، أو البدل الجعلي، أعني
العين الموجودة، فلا أصل. هذا، مضافا إلى ما قد يقال: من أن عموم " الناس مسلطون
على أموالهم " يدل على السلطنة على المال الموجود بأخذه، وعلى المال التالف بأخذ
بدله الحقيقي، وهو المثل أو القيمة، فتدبر. ولو كان أحد العوضين دينا في ذمة أحد
المتعاطيين، فعلى القول بالملك يملكه من في ذمته، فيسقط عنه، والظاهر أنه في حكم
التلف،
(1) وهو الفاضل النراقي في المستند 2: 363. (2) المسالك 3: 149. (3) في " ش "
زيادة: عنده. (4) ورد في " ف " بدل عبارة " ولكن يمكن أن يقال - إلى - مع أن ضمان "
ما يلي: ولكن يمكن أن يمنع أصالة عدم الضمان بالمثل أو القيمة، لأن ضمان....
[ 99 ]
لأن الساقط لا يعود، ويحتمل العود، وهو ضعيف، والظاهر أن الحكم كذلك على القول
بالإباحة، فافهم. ولو نقل العينان (1) أو إحداهما (2) بعقد لازم، فهو كالتلف على
القول بالملك، لامتناع التراد، وكذا على القول بالإباحة إذا قلنا بإباحة التصرفات
الناقلة. ولو عادت العين بفسخ، ففي جواز التراد على القول بالملك، لإمكانه فيستصحب،
وعدمه، لأن المتيقن من التراد هو المحقق قبل خروج العين عن ملك مالكه، وجهان.
أجودهما ذلك، إذ لم يثبت في مقابلة أصالة اللزوم جواز التراد بقول مطلق، بل المتيقن
منه غير ذلك، فالموضوع غير محرز في الاستصحاب. وكذا على القول بالإباحة، لأن التصرف
الناقل يكشف عن سبق الملك للمتصرف، فيرجع بالفسخ إلى ملك الثاني، فلا دليل على
زواله، بل الحكم هنا أولى منه على القول بالملك، لعدم تحقق جواز التراد في السابق
هنا حتى يستصحب، بل المحقق أصالة بقاء سلطنة المالك الأول المقطوع بانتفائها. نعم،
لو قلنا: بأن الكاشف عن الملك هو العقد الناقل، فإذا فرضنا ارتفاعه بالفسخ عاد
الملك إلى المالك الأول وإن كان مباحا لغيره ما لم يسترد عوضه، كان مقتضى قاعدة
السلطنة جواز التراد لو فرض كون العوض الآخر باقيا على ملك مالكه الأول، أو عائدا
(3) إليه بفسخ.
(1) كذا في " ش "، وفي غيرها: العينين. (2) في " ف ": أحدهما. (3) في " خ "، " م "،
" ع " و " ص ": وعائدا.
[ 100 ]
وكذا لو قلنا: بأن (1) البيع لا يتوقف على سبق الملك، بل يكفي فيه إباحة التصرف
والإتلاف، ويملك الثمن بالبيع، كما تقدم استظهاره عن جماعة في الأمر الرابع (2).
لكن الوجهين (3) ضعيفان، بل الأقوى رجوعه بالفسخ إلى البائع. ولو كان الناقل عقدا
جائزا لم يكن لمالك العين الباقية إلزام الناقل بالرجوع فيه، ولا رجوعه بنفسه إلى
عينه، فالتراد غير متحقق، وتحصيله غير واجب، وكذا على القول بالإباحة، لكون
المعاوضة كاشفة عن سبق الملك. نعم، لو كان غير معاوضة كالهبة، وقلنا بأن التصرف في
مثله لا يكشف (4) عن سبق الملك - إذ لا عوض فيه حتى لا يعقل كون العوض مالا لواحد
وانتقال المعوض (5) إلى الآخر (6)، بل الهبة ناقلة للملك (7) عن ملك المالك إلى
المتهب فيتحقق حكم جواز الرجوع بالنسبة إلى المالك لا الواهب - اتجه الحكم بجواز
التراد مع بقاء العين
(1) في " ف ": أن. (2) تقدم استظهار ذلك عن قطب الدين والشهيد قدس سرهما في الصفحة
89. (3) كذا في " ش " ومصححة " ص "، وفي غيرهما: الوجهان. (4) كذا في " ش " ونسخة
بدل " م "، " ع "، " ص " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: للكشف. (5) كذا في " ف " و
" ش "، وأما سائر النسخ، ففي بعضها: " لانتقال العين "، وفي بعضها: وانتقال العين.
(6) في مصححة " ن " و " خ ": آخر. (7) لم ترد " للملك " في " ف ".
[ 101 ]
الاخرى أو عودها إلى مالكها (1) بهذا النحو من العود، إذ لو عادت (2) بوجه آخر
كان حكمه حكم التلف. ولو باع العين ثالث فضولا، فأجاز المالك الأول، على القول
بالملك، لم يبعد كون إجازته رجوعا كبيعه وسائر تصرفاته الناقلة. ولو أجاز المالك
الثاني، نفذ بغير إشكال. وينعكس الحكم إشكالا ووضوحا على القول بالإباحة، ولكل
منهما رده قبل إجازة الآخر. ولو رجع الأول فأجاز الثاني، فإن جعلنا الإجازة كاشفة
لغى الرجوع، ويحتمل عدمه، لأنه رجوع قبل تصرف الآخر فينفذ (3) ويلغو الإجازة، وإن
جعلناها ناقلة لغت الإجازة قطعا. ولو امتزجت العينان أو إحداهما، سقط الرجوع على
القول بالملك، لامتناع التراد، ويحتمل الشركة، وهو ضعيف. أما على القول بالإباحة،
فالأصل بقاء التسلط على ماله الممتزج بمال الغير، فيصير المالك شريكا مع مالك
الممتزج به، نعم لو كان المزج ملحقا له بالإتلاف جرى عليه حكم التلف. ولو تصرف في
العين تصرفا مغيرا للصورة - كطحن الحنطة وفصل الثوب - فلا لزوم على القول بالإباحة،
وعلى القول بالملك، ففي اللزوم
(1) كذا في " ش " ومصححة " ن "، وفي سائر النسخ: عوده إلى مالكه. (2) في غير " ش ":
لو عاد. (3) كذا في " ف "، " ش " ونسخة بدل " ن "، وفي " ص ": ويفسد، وفي سائر
النسخ: فيفسد.
[ 102 ]
وجهان مبنيان على جريان استصحاب جواز التراد، ومنشأ الإشكال: أن الموضوع في
الاستصحاب عرفي أو حقيقي. ثم إنك قد عرفت مما ذكرنا أنه ليس جواز الرجوع في مسألة
المعاطاة نظير الفسخ في العقود اللازمة حتى يورث بالموت ويسقط بالإسقاط ابتداء أو
في ضمن المعاملة، بل هو على القول بالملك نظير الرجوع في الهبة، وعلى القول
بالإباحة نظير الرجوع في إباحة الطعام، بحيث يناط الحكم فيه بالرضا الباطني، بحيث
لو علم كراهة المالك باطنا لم يجز له التصرف، فلو مات أحد المالكين لم يجز لوارثه
الرجوع على القول بالملك للأصل، لأن من له وإليه الرجوع هو المالك الأصلي، ولا يجري
الاستصحاب. ولو جن أحدهما، فالظاهر قيام وليه مقامه في الرجوع على القولين.
[ 103 ]
[ الأمر ] (1) السابع أن الشهيد الثاني ذكر في المسالك وجهين في صيرورة
المعاطاة بيعا بعد التلف أو معاوضة مستقلة، قال: يحتمل الأول، لأن المعاوضات محصورة
وليست إحداها، وكونها معاوضة برأسها يحتاج إلى دليل. ويحتمل الثاني، لإطباقهم على
أنها ليست بيعا حال وقوعها، فكيف تصير بيعا بعد التلف؟ وتظهر الفائدة في ترتب
الأحكام المختصة بالبيع عليها، كخيار الحيوان، لو كان التالف الثمن أو بعضه. وعلى
تقدير ثبوته، فهل الثلاثة من حين المعاطاة، أو من حين اللزوم؟ كل محتمل، ويشكل
الأول بقولهم: " إنها ليست بيعا "، والثاني بأن التصرف ليس معاوضة بنفسها (2)،
اللهم إلا أن يجعل المعاطاة جزء السبب والتلف تمامه. والأقوى عدم ثبوت خيار الحيوان
هنا، بناء على أنها ليست لازمة، وإنما يتم على قول المفيد ومن تبعه (3)، وأما خيار
العيب والغبن فيثبتان على التقديرين كما أن خيار المجلس منتف (4)، انتهى. والظاهر
أن هذا تفريع على القول بالإباحة في المعاطاة، وأما على
(1) من " ص ". (2) في المصدر ونسخة بدل " ن ": بنفسه. (3) من القائلين بلزوم
المعاطاة كما تقدم عنهم في الصفحة 37 وغيرها. (4) المسالك 3: 151.
[ 104 ]
القول بكونها (1) مفيدة للملك المتزلزل، فيلغى (2) الكلام في كونها معاوضة
مستقلة أو بيعا متزلزلا قبل اللزوم، حتى يتبعه حكمها (3) بعد اللزوم، إذ الظاهر أنه
(4) عند القائلين بالملك المتزلزل بيع بلا إشكال (5) في ذلك عندهم - على ما تقدم من
المحقق الثاني (6) - فإذا لزم صار بيعا لازما، فيلحقه أحكام البيع عدا ما استفيد من
دليله ثبوته للبيع العقدي الذي مبناه على اللزوم لولا الخيار، وقد تقدم (7) أن
الجواز هنا لا يراد به ثبوت الخيار. وكيف كان، فالأقوى أنها على القول بالإباحة بيع
عرفي لم يصححه الشارع ولم يمضه إلا بعد تلف إحدى العينين أو ما في حكمه، وبعد التلف
يترتب عليه أحكام البيع عدا ما اختص دليله بالبيع الواقع صحيحا من أول الأمر.
والمحكي عن حواشي الشهيد: أن المعاطاة معاوضة مستقلة جائزة
(1) في " ف ": بأنها. (2) في " ف " ومصححة " ن ": " فيبقى "، وفي " ص ": " فيلغو "،
وفي نسخة بدل " ش ": " فينبغي "، وجاء في هامش " ن ": " الظاهر أن يقال: فلا ينبغي
الكلام "، وفي شرح الشهيدي (187): الصحيح " ينبغي " بدل " يلغى ". (3) كذا في
النسخ، والمناسب: " حكمه "، كما في مصححة " ن ". (4) كذا في النسخ، والمناسب: "
أنها "، كما في مصححة " ن ". (5) كذا في " ف " و " ش "، وفي غيرهما: بل لا إشكال.
(6) تقدم في الصفحة 32. (7) تقدم في الصفحة 97.
[ 105 ]
أو لازمة (1). والظاهر أنه أراد التفريع على مذهبه من الإباحة وكونها معاوضة
قبل اللزوم، من جهة كون كل من العينين مباحا عوضا عن الاخرى، لكن لزوم (2) هذه
المعاوضة لا يقتضي حدوث الملك كما لا يخفى، فلا بد أن يقول بالإباحة اللازمة،
فافهم.
(1) حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 158. (2) في " ف " بدل " لزوم ":
رفع.
[ 106 ]
[ الأمر ] (1) الثامن لا إشكال في تحقق المعاطاة المصطلحة التي هي معركة الآراء
بين الخاصة والعامة بما إذا تحقق إنشاء التمليك أو الإباحة بالفعل، وهو قبض
العينين. أما إذا حصل بالقول الغير الجامع لشرائط اللزوم: فإن قلنا بعدم اشتراط
اللزوم بشئ زائد على الإنشاء اللفظي - كما قويناه سابقا (2) بناء على التخلص بذلك
عن اتفاقهم على توقف العقود اللازمة على اللفظ - فلا إشكال في صيرورة المعاملة بذلك
عقدا لازما. وإن قلنا بمقالة المشهور من اعتبار امور زائدة على اللفظ، فهل يرجع ذلك
الإنشاء القولي إلى حكم المعاطاة مطلقا، أو بشرط تحقق قبض العين معه، أو لا يتحقق
(3) به مطلقا؟ نعم، إذا حصل إنشاء آخر بالقبض المتحقق بعده تحقق المعاطاة، فالإنشاء
القولي السابق كالعدم، لا عبرة به ولا بوقوع القبض بعده خاليا عن قصد الإنشاء، بل
بانيا على كونه حقا لازما لكونه من آثار الإنشاء القولي السابق، نظير القبض في
العقد الجامع للشرائط.
(1) من " ص ". (2) في الصفحة 60. (3) لم ترد عبارة " أو لا يتحقق " في " ش ".
[ 107 ]
ظاهر كلام غير واحد من مشايخنا المعاصرين (1): الأول، تبعا لما يستفاد من ظاهر
كلام المحقق والشهيد الثانيين. قال المحقق في صيغ عقوده - على ما حكي عنه بعد ذكره
الشروط المعتبرة في الصيغة (2) -: إنه لو أوقع البيع بغير ما قلناه، وعلم التراضي
منهما كان معاطاة (3)، انتهى. وفي الروضة - في مقام عدم كفاية الإشارة مع القدرة
على النطق -: أنها تفيد المعاطاة مع الإفهام الصريح (4)، انتهى. وظاهر الكلامين:
صورة وقوع الإنشاء بغير القبض، بل يكون القبض من آثاره. وظاهر تصريح (5) جماعة -
منهم المحقق (6) والعلامة (7) -: بأنه لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملك وكان
مضمونا عليه، هو الوجه الأخير، لأن مرادهم بالعقد الفاسد إما خصوص ما كان فساده من
جهة مجرد (8) اختلال شروط الصيغة - كما ربما يشهد به ذكر هذا الكلام بعد شروط
(1) منهم: السيد المجاهد في المناهل: 270، والفاضل النراقي في المستند 2: 361 -
362، وصاحب الجواهر في الجواهر 22: 256 - 257. (2) عبارة " على ما حكي عنه - إلى -
في الصيغة " لم ترد في " ف " و " ش ". (3) رسائل المحقق الكركي 1: 178. (4) الروضة
البهية 3: 225. (5) في " ع " و " ص ": وظاهره كصريح جماعة. (6) الشرائع 2: 13. (7)
القواعد 1: 123. (8) لم ترد " مجرد " في " ف ".
[ 108 ]
الصيغة، وقبل شروط العوضين والمتعاقدين - وإما (1) ما يشمل هذا وغيره كما هو
الظاهر. وكيف كان، فالصورة الاولى داخلة قطعا، ولا يخفى أن الحكم فيها بالضمان مناف
لجريان حكم المعاطاة. وربما يجمع (2) بين هذا الكلام وما تقدم من المحقق والشهيد
الثانيين، فيقال: إن موضوع المسألة في عدم جواز التصرف بالعقد الفاسد ما إذا علم
عدم الرضا إلا بزعم صحة المعاملة، فإذا انتفت الصحة انتفى (3) الإذن، لترتبه (4)
على زعم الصحة، فكان التصرف تصرفا بغير إذن وأكلا للمال بالباطل، لانحصار وجه الحل
في كون المعاملة بيعا أو تجارة عن تراض أو هبة، أو نحوها من وجوه الرضا بأكل المال
من غير عوض. والأولان قد انتفيا بمقتضى الفرض، وكذا البواقي، للقطع - من جهة زعمهما
صحة المعاملة - بعدم الرضا بالتصرف مع عدم بذل شئ في المقابل، فالرضا المقدم
كالعدم. فإن تراضيا بالعوضين بعد العلم بالفساد واستمر رضاهما فلا كلام في صحة
المعاملة، ورجعت إلى المعاطاة، كما إذا علم الرضا من أول الأمر بإباحتهما التصرف
بأي وجه اتفق، سواء صحت المعاملة أم فسدت، فإن ذلك ليس من البيع الفاسد
(1) كذا في " ش "، وفي سائر النسخ: أو. (2) الجامع هو السيد العاملي في مفتاح
الكرامة. (3) في " ف "، " خ "، " م " و " ع ": انتفت. (4) في " ف "، " خ "، " ع " و
" ن ": لترتبها، وصحح في " ن " بما أثبتناه في المتن.
[ 109 ]
في شئ (1)، انتهى (2). أقول: المفروض أن الصيغة الفاقدة لبعض الشرائط لا تتضمن
إلا إنشاء واحدا هو التمليك، ومن المعلوم أن هذا المقدار لا يوجب بقاء الإذن الحاصل
في ضمن التمليك بعد فرض انتفاء التمليك، والموجود بعده إن كان إنشاء آخر في ضمن
التقابض خرج عن محل الكلام، لأن المعاطاة حينئذ إنما تحصل به، لا بالعقد الفاقد
للشرائط، مع أنك عرفت أن ظاهر كلام الشهيد والمحقق الثانيين حصول المعاوضة
والمراضاة بنفس الإشارة المفهمة بقصد البيع وبنفس الصيغة الخالية عن الشرائط، لا
بالتقابض الحاصل بعدهما. ومنه يعلم: فساد ما ذكره من حصول المعاطاة بتراض جديد بعد
العقد غير مبني على صحة العقد. ثم إن ما ذكره من التراضي الجديد بعد العلم بالفساد
- مع اختصاصه بما إذا علما بالفساد، دون غيره من الصور، مع أن كلام الجميع مطلق -
يرد عليه: أن هذا التراضي إن كان تراضيا آخر حادثا بعد العقد: فإن كان (3) لا على
وجه المعاطاة، بل كل منهما رضي بتصرف الآخر في ماله من دون ملاحظة رضا صاحبه بتصرفه
في ماله، فهذا ليس من المعاطاة، بل هي إباحة مجانية من الطرفين تبقى ما دام العلم
(1) مفتاح الكرامة 4: 168. (2) كلمة " انتهى " من " ف " و " خ ". (3) في " ف ": وإن
كان.
[ 110 ]
بالرضا، ولا يكفي فيه عدم العلم بالرجوع (1)، لأنه كالإذن الحاصل من شاهد
الحال، ولا يترتب عليه أثر المعاطاة: من اللزوم بتلف إحدى العينين، أو جواز التصرف
إلى حين العلم بالرجوع (2)، وإن كان على وجه المعاطاة فهذا ليس إلا التراضي السابق
على ملكية كل منهما لمالك الآخر (3)، وليس تراضيا جديدا، بناء (4) على أن المقصود
بالمعاطاة التمليك كما عرفته من كلام المشهور (5) - خصوصا المحقق الثاني (6) - فلا
يجوز له أن يريد بقوله - المتقدم عن صيغ العقود -: " إن الصيغة الفاقدة للشرائط مع
التراضي تدخل في المعاطاة " (7) التراضي (8) الجديد الحاصل بعد العقد، لا على وجه
المعاوضة. وتفصيل الكلام: أن المتعاملين بالعقد الفاقد لبعض الشرائط: إما أن يقع
تقابضهما بغير رضا من كل منهما في تصرف الآخر - بل حصل قهرا عليهما أو على أحدهما،
وإجبارا على العمل بمقتضى العقد - فلا إشكال في حرمة التصرف في المقبوض على هذا
الوجه.
(1) في مصححة " ن " و " ش ": عدم العلم به وبالرجوع. (2) في غير " ف " و " ش "
زيادة: " أو مع ثبوت أحدهما "، إلا أنه شطب عليها في " ن " و " م ". (3) في " ص ":
لمال الآخر. (4) لم ترد " بناء " في " ف ". (5) راجع الصفحة 25 وما بعدها. (6) تقدم
كلامه في الصفحة 32. (7) تقدم في الصفحة 107. (8) في " ف " و " ن ": " بالتراضي "،
ولكن صحح في الأخير بما أثبتناه في المتن.
[ 111 ]
وكذا إن وقع على وجه الرضا الناشئ عن بناء كل منهما على ملكية الآخر اعتقادا أو
تشريعا - كما في كل قبض وقع على هذا الوجه -، لأن حيثية كون القابض مالكا مستحقا
لما يقبضه (1) جهة تقييدية مأخوذة في الرضا ينتفي بانتفائها في الواقع، كما في
نظائره. وهذان الوجهان مما لا إشكال فيه (2) في حرمة التصرف في العوضين، كما أنه لا
إشكال في الجواز إذا أعرضا عن أثر العقد وتقابضا بقصد إنشاء التمليك ليكون معاطاة
صحيحة عقيب عقد فاسد. وأما إن وقع (3) الرضا بالتصرف بعد العقد من دون ابتنائه على
استحقاقه بالعقد السابق ولا قصد لإنشاء التمليك (4)، بل وقع مقارنا لاعتقاد (5)
الملكية الحاصلة، بحيث لولاها لكان الرضا أيضا موجودا، وكان المقصود الأصلي من
المعاملة التصرف، وأوقعا العقد الفاسد وسيلة له - ويكشف عنه أنه لو سئل كل منهما عن
رضاه (6) بتصرف صاحبه على تقدير عدم التمليك، أو بعد تنبيهه على عدم حصول الملك كان
راضيا - فإدخال هذا في المعاطاة يتوقف على أمرين:
(1) في " ف ": لما يستحقه. (2) كلمة " فيه " من " ش " فقط. (3) في " ف ": أن يقع.
(4) كذا في " ف " و " ش "، وفي غيرهما: تمليك. (5) في " ف ": لاعتقاده. (6) كذا في
" ف " و " ص "، وفي غيرهما: من رضاه.
[ 112 ]
الأول: كفاية هذا الرضا المركوز في النفس، بل الرضا الشأني، لأن الموجود بالفعل
هو رضاه من حيث كونه مالكا في نظره، وقد صرح بعض من قارب عصرنا بكفاية ذلك (1)، ولا
يبعد رجوع الكلام المتقدم ذكره (2) إلى هذا، ولعله لصدق طيب النفس على هذا الأمر
المركوز في النفس. الثاني: أنه لا يشترط في المعاطاة (3) إنشاء الإباحة أو التمليك
بالقبض، بل ولا بمطلق الفعل، بل يكفي وصول كل من العوضين إلى مالك (4) الآخر،
والرضا بالتصرف قبله أو بعده على الوجه المذكور. وفيه إشكال: من أن ظاهر محل النزاع
بين العامة والخاصة هو العقد الفعلي كما ينبئ عنه قول العلامة رحمه الله (5) - في
رد كفاية المعاطاة في البيع -: إن الأفعال قاصرة عن إفادة المقاصد (6)، وكذا
استدلال المحقق الثاني - على عدم لزومها -: بأن الأفعال ليست كالأقوال في صراحة
الدلالة (7)، وكذا
(1) الظاهر هو المحقق التستري، انظر مقابس الأنوار: 128. (2) يعني به ما أفاده
السيد العاملي بقوله: " كما إذا علم الرضا من أول الأمر... الخ " المتقدم في الصفحة
108. (3) في " ش ": المباحات. (4) كذا في " ف " و " ص "، وفي غيرهما: المالك. (5)
في " ف " زيادة: " في التذكرة "، ولم ترد فيها عبارة الترحيم. (6) التذكرة 1: 462.
(7) جامع المقاصد 4: 58.
[ 113 ]
ما تقدم من الشهيد رحمه الله في قواعده: من أن الفعل في المعاطاة لا يقوم مقام
القول، وإنما يفيد الإباحة (1)، إلى غير ذلك من كلماتهم الظاهرة في أن محل الكلام
هو الإنشاء الحاصل بالتقابض، وكذا كلمات العامة، فقد ذكر بعضهم أن البيع ينعقد
بالإيجاب والقبول وبالتعاطي (2). ومن أن الظاهر أن عنوان التعاطي (3) في كلماتهم
لمجرد الدلالة على الرضا، وأن عمدة الدليل على ذلك هي (4) السيرة، ولذا تعدوا إلى
ما إذا لم يحصل إلا قبض أحد العوضين، والسيرة موجودة في المقام - أيضا (5) - فإن
بناء الناس على أخذ الماء والبقل وغير ذلك من الجزئيات من دكاكين أربابها (6) مع
عدم حضورهم ووضعهم (7) الفلوس في الموضع المعد له (8)، وعلى دخول الحمام مع عدم
حضور صاحبه ووضع الفلوس في كوز الحمامي.
(1) القواعد والفوائد 1: 178، القاعدة 47. (2) راجع الصفحة 27. (3) في " ف " ونسخة
بدل " ن "، " خ "، " م "، " ع "، " ص " و " ش ": التقابض. (4) في " ف ": هو. (5)
كلمة " أيضا " من " ف " ومصححة " ن ". (6) في " ف "، " خ "، " م "، " ع "، " ص "
ونسخة بدل " ن ": " أربابهم "، وفي مصححة " ن " و " ص ": " أربابها ". (7) كذا في "
ش "، وفي سائر النسخ: " يضعون "، وفي نسخة بدل أكثرها ما أثبتناه في المتن. (8) في
مصححة " ص ": " لها ".
[ 114 ]
فالمعيار في المعاطاة: وصول (1) المالين أو أحدهما مع التراضي بالتصرف، وهذا
ليس ببعيد على القول بالإباحة.
(1) في " ف "، " خ " و " ع ": " دخول "، وفي نسخة بدل " ع ": وصول.
[ 115 ]
[ الكلام في عقد البيع ]
[ 117 ]
مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع (1) قد عرفت أن اعتبار اللفظ في البيع - بل في
جميع العقود - مما نقل عليه (2) الإجماع (3) وتحقق فيه الشهرة العظيمة، مع الإشارة
إليه في بعض النصوص (4)، لكن هذا يختص (5) بصورة القدرة، أما مع العجز عنه كالأخرس،
فمع عدم القدرة على التوكيل لا إشكال ولا خلاف في عدم اعتبار اللفظ وقيام الإشارة
مقامه، وكذا مع القدرة على التوكيل، لا لأصالة عدم وجوبه - كما قيل (6) - لأن
الوجوب بمعنى الاشتراط
(1) سيأتي ذكر ذي المقدمة في الصفحة 130، وهو قوله: " إذا عرفت هذا فلنذكر ألفاظ
الإيجاب والقبول... ". (2) في غير " ف " و " ش " زيادة: " عقد "، إلا أنه شطب عليه
في " ن ". (3) تقدم عن السيد ابن زهرة في الصفحة 29، وعن المحقق الكركي في الصفحة
57. (4) نحو قوله عليه السلام: " إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام "، الوسائل 12:
376، الباب 8 من أبواب العقود، الحديث 4، وغير ذلك، وراجع الصفحة 62 - 63. (5) في "
ف ": مختص. (6) قاله السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 164.
[ 118 ]
- كما فيما نحن فيه - هو الأصل، بل لفحوى ما ورد من عدم اعتبار اللفظ في طلاق
الأخرس (1)، فإن حمله على صورة عجزه عن التوكيل حمل المطلق على الفرد النادر، مع أن
الظاهر عدم الخلاف في عدم الوجوب. ثم لو قلنا: بأن الأصل في المعاطاة اللزوم بعد
القول بإفادتها الملكية (2)، فالقدر المخرج صورة قدرة المتبايعين على مباشرة اللفظ.
والظاهر أيضا: كفاية الكتابة مع العجز عن الإشارة، لفحوى ما ورد من النص على جوازها
في الطلاق (3)، مع أن الظاهر عدم الخلاف فيه. وأما مع القدرة على الإشارة فقد رجح
بعض (4) الإشارة، ولعله لأنها أصرح في الإنشاء من الكتابة. وفي بعض روايات الطلاق
ما يدل على العكس