كتاب المكاسب

الشيخ الأنصاري ج 5

العودة الى مكتبة المرتضى


[ 1 ]

كتاب المكاسب

[ 3 ]

كتاب المكاسب الجزء الخامس

[ 4 ]

أنصاري، مرتضى بن محمد أمين، 1214 - 1281 ق. المكاسب / المؤلف مرتضى الأنصاري، اعداد لجنه تحقيق تراث الشيخ الاعظم. - قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1420 ق = 1378. 6 ج.) 6 - 17 - 5662 - 964 ISBN دوره () ISBN 469 - 2665 - 51 - X ج 5 (فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا (فهرستنويسى پيش از انتشار). عربي. فهرستنويسى بر اساس جلد چهارم، 1419 = 1377. اين كتاب به مناسبت دويستمين سالگرد تولد شيخ انصاري منتشر شده است. كتابنامه. 1. معاملات (فقه). الف. مجمع الفكر الاسلامي، لجنه تحقيق تراث الشيخ الاعظم. ب. مجمع الفكر الاسلامي. ج. كنگره جهانى بزرگداشت دويستمين سالگرد تولد شيخ انصاري. د. عنوان. 7 م 8 الف / 1 / 372 1901 792 / BP الف ى 1300 كتابخانه ملى ايران 1937 - 78 م قم - ص. ب 3654 - 37185 - ت: 744810 المكاسب / ج 5 المؤلف: الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري قدس سره تحقيق: لجنة التحقيق الطبعة: الاولى / جمادى الاولى 1420 ه‍. ق تنضيد الحروف: مجمع الفكر الإسلامي الليتوغراف: نگارش - قم المطبعة: باقري - قم الكمية المطبوعة: 4000 نسخة جميع الحقوق محفوظة للأمانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري قدس سره

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى وأهل بيته الطاهرين. أما بعد: فقد تم بعون الله وفضله تحقيق القسم الثالث من كتاب المكاسب للشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره الذي تضمن مباحث الخيارات والنقد والنسيئة والقبض، بعد أن أكملنا القسمين الأولين منه، وهما: المكاسب المحرمة والبيع. وقد أشرنا في مقدمة الجزء الأول إلى حصولنا على مصورة النسخة الأصلية لقسم الخيارات من مكتبة الإمام الرضا عليه السلام بمشهد المقدسة. وذكرنا خصوصياتها وأنا رمزنا لها ب‍ " ق ". وبناء على ما تقدم كان عملنا في هذا القسم وفقا للآتي: أولا: اكتفينا في تحقيق هذا القسم - وهو قسم الخيارات ومباحث النقد والنسيئة والقبض - بالنسخة الأصلية " ق " ونسخة " ش "، أما سائر النسخ فلم نشر إليها إلا عند الضرورة. ثانيا: رجحنا نسخة الأصل على غيرها عند الاختلاف إلا إذا

[ 8 ]

ثبت خطؤها فرجحنا غيرها مع الإشارة إلى ذلك في الهامش. ثالثا: أثبتنا الزيادات الضرورية من نسخة " ش " أو غيرها في المتن بين معقوفتين، وجعلنا غيرها في الهامش. رابعا: لم نذكر الزيادات أو الاختلافات التي ثبت كونها مغلوطة أو كانت خالية من الفائدة. خامسا: افتقدت نسخة الأصل بعض الصفحات فأبدلناها بنسخة " ف "، لأنها كانت أقرب النسخ إلى الأصل. وبذلك جاء هذا القسم من كتاب المكاسب - بحمد الله - أقرب إلى الأصل، بل مطابقا معه. وأخيرا نود أن نوجه شكرنا لجميع الإخوة الذين بذلوا جهودهم في إصدار الكتاب - ضمن مجموعة تراث الشيخ الأعظم قدس سره - جامعا بين الدقة في التحقيق والجودة في الإخراج، سواء الذين ذكرناهم في مقدمة الجزء الأول ومن اشتركوا معهم بعد ذلك، سيما حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد حسين الأحمدي الشاهرودي. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. مسؤول لجنة التحقيق محمد علي الأنصاري

[ 9 ]

القول في الخيار وأقسامه وأحكامه

[ 10 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

[ 11 ]

القول في الخيار وأقسامه وأحكامه مقدمتان: الاولى الخيار لغة: اسم مصدر من " الاختيار "، غلب في كلمات جماعة من المتأخرين في " ملك فسخ العقد " (1) على ما فسره به في موضع من الإيضاح (2)، فيدخل ملك الفسخ في العقود الجائزة وفي عقد الفضولي، وملك الوارث رد العقد على ما زاد على الثلث، وملك العمة والخالة لفسخ العقد على بنت الأخ والاخت، وملك الأمة المزوجة من عبد فسخ العقد إذا اعتقت، وملك كل من الزوجين للفسخ بالعيوب. ولعل التعبير ب‍ " الملك " للتنبيه على أن الخيار من الحقوق لا من


(1) لم نعثر عليه إلا في كلام فخر المحققين قدس سره في الإيضاح، الذي ذكره المؤلف رحمه الله. (2) إيضاح الفوائد 1: 482.

[ 12 ]

الأحكام، فيخرج ما كان من قبيل الإجازة والرد لعقد الفضولي والتسلط على فسخ العقود الجائزة، فإن ذلك من الأحكام الشرعية لا من الحقوق، ولذا لا تورث ولا تسقط بالإسقاط. وقد يعرف بأنه: ملك إقرار العقد وإزالته (1). ويمكن الخدشة فيه بأنه: إن اريد من " إقرار العقد " إبقاؤه على حاله بترك الفسخ، فذكره مستدرك، لأن القدرة على الفسخ عين القدرة على تركه، إذ القدرة لا تتعلق بأحد الطرفين. وإن اريد منه إلزام العقد وجعله غير قابل لأن يفسخ، ففيه: أن مرجعه إلى إسقاط حق الخيار، فلا يؤخذ في تعريف نفس الخيار، مع أن ظاهر الإلزام في مقابل الفسخ جعله لازما مطلقا، فينتقض بالخيار المشترك، فإن لكل منهما إلزامه من طرفه لا مطلقا. ثم إن ما ذكرناه من معنى الخيار هو المتبادر منه (2) عند الإطلاق في كلمات المتأخرين، وإلا فإطلاقه في الأخبار (3) وكلمات الأصحاب على سلطنة الإجازة والرد لعقد الفضولي وسلطنة الرجوع في الهبة وغيرهما من أفراد السلطنة شائع.


(1) عرفه بذلك الفاضل المقداد في التنقيح 2: 43، والسيد الطباطبائي في الرياض 8: 177، وصاحب الجواهر في الجواهر 23: 3. (2) في " ش " زيادة: " عرفا ". (3) راجع الوسائل 17: 527، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1 و 2، و 13: 336، الباب 4 من أبواب أحكام الهبات، الحديث 6.

[ 13 ]

الثانية ذكر غير واحد (1) تبعا للعلامة في كتبه (2): أن الأصل في البيع اللزوم. قال في التذكرة: الأصل في البيع اللزوم، لأن الشارع وضعه [ مفيدا ] (3) لنقل الملك، والأصل الاستصحاب، والغرض تمكن كل من المتعاقدين من التصرف فيما صار إليه، وإنما يتم باللزوم ليأمن من نقض صاحبه عليه (4)، انتهى. أقول: المستفاد من كلمات جماعة أن الأصل هنا قابل لإرادة معان: الأول: الراجح، احتمله في جامع المقاصد مستندا في تصحيحه إلى الغلبة (5).


(1) منهم: الشهيد قدس سره في القواعد والفوائد 2: 242، القاعدة 243، والفاضل المقداد في التنقيح 2: 44، والمحقق السبزواري في كفاية الأحكام: 92 - بلفظ: " الأصل في العقود اللزوم " - وصاحب الجواهر في الجواهر 23: 3. (2) لم نقف عليه في كتبه، عدا القواعد 2: 64، والتذكرة التي ذكرها المؤلف قدس سره. (3) من " ش " والمصدر. (4) التذكرة 1: 515. (5) جامع المقاصد 4: 282.

[ 14 ]

وفيه: أنه إن أراد غلبة الأفراد، فغالبها ينعقد جائزا لأجل خيار المجلس أو الحيوان أو الشرط، وإن أراد غلبة الأزمان، فهي لا تنفع في الأفراد المشكوكة، مع أنه لا يناسب ما في القواعد من قوله: وإنما يخرج من الأصل لأمرين: ثبوت خيار أو ظهور عيب (1). الثاني: القاعدة المستفادة من العمومات التي يجب الرجوع إليها عند الشك في بعض الأفراد أو بعض الأحوال (2). وهذا حسن، لكن لا يناسب ما ذكره في التذكرة في توجيه الأصل. الثالث: الاستصحاب (3)، ومرجعه إلى أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرد فسخ أحدهما. وهذا حسن. الرابع: المعنى اللغوي، بمعنى أن وضع البيع وبناءه عرفا وشرعا على اللزوم وصيرورة المالك الأول كالأجنبي، وإنما جعل الخيار فيه حقا خارجيا لأحدهما أو لهما، يسقط بالإسقاط وبغيره. وليس البيع كالهبة التي حكم الشارع فيها بجواز رجوع الواهب، بمعنى كونه حكما شرعيا له أصلا وبالذات بحيث لا يقبل الإسقاط (4).


(1) القواعد 2: 64. (2) أشار إليه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 32، وصاحب الجواهر في الجواهر 23: 3 بلفظ: " ويمكن كونه بمعنى القاعدة ". (3) صرح بذلك العلامة قدس سره في عبارته المتقدمة عن التذكرة. (4) قال الشهيدي قدس سره: " قد حكي هذا الوجه عن السيد الصدر في مقام توجيه مراد الشهيد قدس سره من قوله: " الأصل في البيع اللزوم " كي يندفع عنه إيراد الفاضل التوني عليه بإنكاره الأصل، لأجل خيار المجلس "، (هداية الطالب: 406)، وراجع شرح الوافية (مخطوط): 323.

[ 15 ]

ومن هنا ظهر: أن ثبوت خيار المجلس في أول أزمنة انعقاد البيع لا ينافي كونه في حد ذاته مبنيا على اللزوم، لأن الخيار حق خارجي قابل للانفكاك. نعم، لو كان في أول انعقاده محكوما شرعا بجواز الرجوع بحيث يكون حكما فيه، لا حقا مجعولا قابلا للسقوط، كان منافيا لبنائه على اللزوم. فالأصل هنا - كما قيل (1) - نظير قولهم: إن الأصل في الجسم الاستدارة، فإنه لا ينافي كون أكثر الأجسام على غير الاستدارة لأجل القاسر الخارجي. ومما ذكرنا ظهر وجه النظر في كلام صاحب الوافية، حيث أنكر هذا الأصل لأجل خيار المجلس (2). إلا أن يريد أن الأصل بعد ثبوت خيار المجلس بقاء عدم اللزوم، وسيأتي ما فيه. بقي الكلام في معنى قول العلامة في القواعد والتذكرة: " إنه لا يخرج من هذا الأصل إلا بأمرين: ثبوت خيار، أو ظهور عيب ". فإن ظاهره أن ظهور العيب سبب لتزلزل البيع في مقابل الخيار، مع أنه من أسباب الخيار. وتوجيهه بعطف الخاص على العام - كما في جامع المقاصد (3) - غير ظاهر، إذ لم يعطف العيب على أسباب الخيار، بل عطف على نفسه، وهو مباين له لا أعم. نعم، قد يساعد عليه ما في التذكرة من قوله: وإنما يخرج عن


(1) نسبه الشهيدي إلى شارح الوافية، انظر شرح الوافية (مخطوط): 323. (2) الوافية: 198. (3) لم يصرح بذلك، نعم يستفاد من عبارته، انظر جامع المقاصد 4: 282.

[ 16 ]

الأصل بأمرين: أحدهما: ثبوت الخيار لهما أو لأحدهما من غير نقص في أحد العوضين، بل للتروي خاصة. والثاني: ظهور عيب في أحد العوضين (1)، انتهى. وحاصل التوجيه - على هذا -: أن الخروج عن اللزوم لا يكون إلا بتزلزل العقد لأجل الخيار، والمراد بالخيار في المعطوف عليه ما كان ثابتا بأصل الشرع أو بجعل المتعاقدين، لا لاقتضاء نقص في أحد العوضين، وبظهور العيب ما كان الخيار لنقص أحد العوضين. لكنه - مع عدم تمامه - تكلف في عبارة القواعد، مع أنه في التذكرة ذكر في الأمر الأول الذي هو الخيار فصولا سبعة بعدد أسباب الخيار، وجعل السابع منها خيار العيب، وتكلم فيه كثيرا (2). ومقتضى التوجيه: أن يتكلم في الأمر الأول فيما عدا خيار العيب. ويمكن توجيه ذلك: بأن العيب سبب مستقل لتزلزل العقد في مقابل الخيار، فإن نفس ثبوت الأرش بمقتضى العيب وإن لم يثبت خيار الفسخ، موجب لاسترداد جزء من الثمن، فالعقد بالنسبة إلى جزء من الثمن متزلزل قابل لإبقائه في ملك البائع وإخراجه عنه، ويكفي في تزلزل العقد ملك إخراج جزء مما ملكه البائع بالعقد عن ملكه. وإن شئت قلت: إن مرجع ذلك إلى ملك فسخ العقد الواقع على مجموع العوضين من حيث المجموع، ونقض مقتضاه من تملك كل من مجموع العوضين في مقابل الآخر.


(1) التذكرة 1: 515. (2) انظر التذكرة 1: 515 و 524.

[ 17 ]

لكنه مبني على كون الأرش جزءا حقيقيا من الثمن - كما عن بعض العامة (1) - ليتحقق انفساخ العقد بالنسبة إليه عند استرداده. وقد صرح العلامة في كتبه: بأنه لا يعتبر في الأرش كونه جزءا من الثمن، بل له إبداله، لأن الأرش غرامة (2). وحينئذ فثبوت الأرش لا يوجب تزلزلا في العقد. ثم إن " الأصل " بالمعنى الرابع إنما ينفع مع الشك في ثبوت خيار في خصوص البيع، لأن الخيار حق خارجي يحتاج ثبوته إلى الدليل. أما لو شك في عقد آخر من حيث اللزوم والجواز فلا يقتضي ذلك الأصل لزومه، لأن مرجع الشك حينئذ إلى الشك في الحكم الشرعي. وأما الأصل بالمعنى الأول فقد عرفت عدم تمامه. وأما بمعنى الاستصحاب فيجري في البيع وغيره إذا شك في لزومه وجوازه. وأما بمعنى القاعدة فيجري في البيع وغيره، لأن أكثر العمومات الدالة على هذا المطلب يعم غير البيع، وقد أشرنا في مسألة المعاطاة إليها، ونذكرها هنا تسهيلا على الطالب: فمنها: قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (3) دل على وجوب الوفاء بكل عقد. والمراد بالعقد: مطلق العهد - كما فسر به في صحيحة ابن سنان المروية في تفسير علي بن إبراهيم (4) - أو ما يسمى عقدا لغة


(1) حكاه العلامة في التذكرة 1: 528. (2) لم نقف عليه في غير التذكرة 1: 528. (3) المائدة: 1. (4) تفسير القمي 1: 160.

[ 18 ]

وعرفا. والمراد بوجوب الوفاء: العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب دلالته اللفظية، نظير الوفاء بالنذر، فإذا دل العقد مثلا على تمليك العاقد ماله من غيره وجب العمل بما يقتضيه التمليك (1) من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له، فأخذه من يده بغير رضاه والتصرف فيه كذلك نقض لمقتضى ذلك العهد، فهو حرام. فإذا حرم بإطلاق الآية جميع ما يكون نقضا لمضمون العقد - ومنها التصرفات الواقعة بعد فسخ المتصرف من دون رضا صاحبه - كان هذا لازما مساويا للزوم العقد وعدم انفساخه بمجرد فسخ أحدهما، فيستدل بالحكم التكليفي على الحكم الوضعي أعني فساد الفسخ من أحدهما بغير رضا الآخر، وهو معنى اللزوم (2). ومما ذكرنا ظهر ضعف ما قيل: من أن معنى وجوب الوفاء بالعقد: العمل بما يقتضيه من لزوم وجواز (3)، فلا يتم الاستدلال به على اللزوم. توضيح الضعف: أن اللزوم والجواز من الأحكام الشرعية للعقد، وليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع. نعم، هذا المعنى - أعني: وجوب الوفاء بما يقتضيه العقد في نفسه - يصير بدلالة الآية حكما شرعيا للعقد، مساويا للزوم. وأضعف من ذلك: ما نشأ من عدم التفطن لوجه دلالة الآية على


(1) في " ق " كتب على " التمليك ": " العقد ". (2) في " ش " وهامش " ف " زيادة: " بل قد حقق في الاصول: أن لا معنى للحكم الوضعي إلا ما انتزع من الحكم التكليفي ". (3) قاله العلامة قدس سره في المختلف 6: 255.

[ 19 ]

اللزوم - مع الاعتراف بأصل الدلالة لمتابعة المشهور - وهو (1): أن المفهوم من الآية عرفا حكمان: تكليفي ووضعي (2). وقد عرفت أن ليس المستفاد منها إلا حكم واحد تكليفي يستلزم حكما وضعيا (3). ومن ذلك يظهر لك الوجه في دلالة قوله تعالى: * (أحل الله البيع) * (4) على اللزوم، فإن حلية البيع التي لا يراد منها إلا حلية جميع التصرفات المترتبة عليه - التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الآخر - مستلزمة لعدم تأثير ذلك الفسخ وكونه لغوا غير مؤثر. ومنه يظهر وجه الاستدلال على اللزوم بإطلاق حلية أكل المال بالتجارة عن تراض (5)، فإنه يدل على أن التجارة سبب لحلية التصرف بقول مطلق حتى بعد فسخ أحدهما من دون رضا الآخر. فدلالة الآيات الثلاث على أصالة اللزوم على نهج واحد، لكن الإنصاف أن في دلالة الآيتين بأنفسهما على اللزوم نظرا (6).


(1) يعني: ما نشأ من عدم التفطن. (2) لم نقف على قائله. (3) راجع الصفحة المتقدمة. (4) البقرة: 275. (5) المستفاد من قوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض) * النساء: 29. (6) في " ش " بدل قوله " لكن الإنصاف... الخ " عبارة: " لكن يمكن أن يقال: إنه إذا كان المفروض الشك في تأثير الفسخ في رفع الآثار الثابتة بإطلاق الآيتين الأخيرتين لم يمكن التمسك في رفعه إلا بالاستصحاب، ولا ينفع الإطلاق ". وقد وردت هذه العبارة في " ف " في الهامش.

[ 20 ]

ومنها: قوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (1) دل على حرمة الأكل بكل وجه يسمى باطلا عرفا، وموارد ترخيص الشارع ليس من الباطل، فإن أكل المارة من ثمر (2) الأشجار التي يمر بها باطل لولا إذن الشارع الكاشف عن عدم بطلانه، وكذلك الأخذ بالشفعة والخيار، فإن رخصة الشارع في الأخذ بهما (3) يكشف عن ثبوت حق لذوي الخيار والشفعة، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن أخذ مال الغير وتملكه من دون إذن صاحبه باطل عرفا. نعم، لو دل الشارع على جوازه - كما في العقود الجائزة بالذات أو بالعارض - كشف ذلك عن حق للفاسخ متعلق بالعين. ومما ذكرنا يظهر وجه الاستدلال بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه " (4). ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الناس مسلطون على أموالهم " (5) فإن مقتضى السلطنة التي أمضاها الشارع: أن لا يجوز أخذه من يده وتملكه عليه من دون رضاه، ولذا استدل المحقق في الشرائع على عدم جواز رجوع المقرض فيما أقرضه: بأن فائدة الملك التسلط (6). ونحوه العلامة


(1) البقرة: 188. (2) في " ش ": " ثمرة ". (3) في ظاهر " ق ": " بها "، ولعله من سهو القلم. (4) عوالي اللآلي 2: 113، الحديث 309. (5) عوالي اللآلي 1: 222، الحديث 99، و 457، الحديث 198. (6) الشرائع 2: 68.

[ 21 ]

في بعض كتبه (1). والحاصل: أن جواز العقد - الراجع إلى تسلط الفاسخ على تملك ما انتقل عنه وصار مالا لغيره وأخذه منه بغير رضاه - مناف لهذا العموم. ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " المؤمنون عند شروطهم " (2). وقد استدل به على اللزوم غير واحد - منهم المحقق الأردبيلي قدس سره (3) - بناء على أن الشرط مطلق الإلزام والالتزام ولو ابتداء من غير ربط بعقد آخر، فإن العقد على هذا شرط، فيجب الوقوف عنده ويحرم التعدي عنه، فيدل على اللزوم بالتقريب المتقدم في * (أوفوا بالعقود) *. لكن لا يبعد منع صدق الشرط في الالتزامات الابتدائية، بل المتبادر عرفا هو الإلزام التابع، كما يشهد به موارد استعمال هذا اللفظ حتى في مثل قوله عليه السلام في دعاء التوبة: " ولك يا رب شرطي أن لا أعود في مكروهك، وعهدي أن أهجر جميع معاصيك " (4)، وقوله عليه السلام في أول دعاء الندبة: " بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا " (5) كما لا يخفى على من تأملها. مع أن كلام بعض أهل اللغة يساعد على ما ادعينا من الاختصاص،


(1) راجع التذكرة 2: 6، وفيه - بعد الحكم بعدم جواز رجوع المقرض بعد قبض المستقرض - هكذا: " صيانة لملكه ". (2) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4. (3) مجمع الفائدة 8: 383، ومنهم المحدث البحراني في الحدائق 19: 4. (4) الصحيفة السجادية: 166، من دعائه عليه السلام في ذكر التوبة وطلبها. (5) مصباح الزائر: 446، وعنه في البحار 102: 104.

[ 22 ]

ففي القاموس: الشرط إلزام الشئ والتزامه في البيع ونحوه (1). ومنها: الأخبار المستفيضة في أن " البيعان (2) بالخيار ما لم يفترقا " (3)، وأنه " إذا افترقا وجب البيع " (4)، وأنه " لا خيار لهما بعد الرضا " (5). فهذه جملة من العمومات الدالة على لزوم البيع عموما أو خصوصا. وقد عرفت أن ذلك مقتضى الاستصحاب أيضا (6). وربما يقال: إن مقتضى الاستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك (7)، فإن الظاهر من كلماتهم عدم انقطاع علاقة المالك عن العين التي له فيها الرجوع، وهذا الاستصحاب حاكم على الاستصحاب المتقدم المقتضي للزوم. ورد بأنه: إن اريد بقاء علاقة الملك أو علاقة تتفرع على الملك، فلا ريب


(1) القاموس 2: 368، مادة (الشرط). (2) كذا في " ق "، والوجه فيه الحكاية، وفي " ش " ومصححة بعض النسخ " ن ": " البيعين ". (3) الوسائل 12: 345 - 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 1، 2 و 3، و 350، الباب 3 من الأبواب، الحديث 6، والمستدرك 13: 297 - 298، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 4، 6 و 8، و 299، الباب 2 من الأبواب، الحديث 3. (4) الوسائل 12: 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 4، و 348، الباب 2 من الأبواب، الحديث 5. (5) الوسائل 12: 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 3. (6) تقدم في الصفحة 14 (المعنى الثالث من معاني الأصل). (7) في " ش " زيادة: " عن العين ".

[ 23 ]

في زوالها بزوال الملك. وإن اريد بها سلطنة إعادة العين في ملكه، فهذه علاقة يستحيل اجتماعها مع الملك، وإنما تحدث بعد زوال الملك لدلالة دليل، فإذا فقد الدليل فالأصل عدمها. وإن اريد بها العلاقة التي كانت في مجلس البيع، فإنها تستصحب عند الشك، فيصير الأصل في البيع بقاء الخيار، كما يقال: الأصل في الهبة بقاء جوازها بعد التصرف، في مقابل من جعلها لازمة بالتصرف، ففيه - مع عدم جريانه فيما لا خيار فيه في المجلس، بل مطلقا بناء على أن الواجب هنا الرجوع في زمان الشك إلى عموم: * (أوفوا) * (1) لا الاستصحاب -: أنه لا يجدي بعد تواتر الأخبار بانقطاع الخيار مع الافتراق، فيبقى ذلك الاستصحاب سليما عن الحاكم (2). ثم إنه يظهر من المختلف - في مسألة أن المسابقة لازمة أو جائزة -: أن الأصل عدم اللزوم (3)، ولم يرده من تأخر عنه (4) إلا بعموم قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (5)، ولم يعلم (6) وجه صحيح لتقرير هذا الأصل. نعم، هو حسن في خصوص عقد المسابقة وشبهه مما لا يتضمن


(1) في " ش ": " أوفوا بالعقود ". (2) في " ش " وهامش " ف " زيادة: " فتأمل ". (3) المختلف 6: 255. (4) راجع جامع المقاصد 8: 326، والجواهر 28: 223. (5) المائدة: 1. (6) في " ش ": " ولم يكن ".

[ 24 ]

تمليكا أو تسليطا، ليكون الأصل بقاء ذلك الأثر وعدم زواله بدون رضا الطرفين. ثم إن ما ذكرنا من العمومات المثبتة لأصالة اللزوم إنما هو في الشك في حكم الشارع باللزوم، ويجري أيضا فيما إذا شك في عقد خارجي أنه من مصاديق العقد اللازم أو الجائز (1)، بناء على أن المرجع في الفرد المردد بين عنواني العام والمخصص إلى العموم. وأما بناء على خلاف ذلك، فالواجب الرجوع عند الشك في اللزوم إلى الأصل، بمعنى استصحاب الأثر وعدم زواله بمجرد فسخ أحد المتعاقدين، إلا أن يكون هنا أصل موضوعي يثبت العقد الجائز، كما إذا شك في أن الواقع هبة أو صدقة، فإن الأصل عدم قصد القربة، فيحكم بالهبة الجائزة. لكن الاستصحاب المذكور إنما ينفع في إثبات صفة اللزوم، وأما تعيين العقد اللازم حتى يترتب عليه سائر آثار العقد اللازم كما إذا اريد تعيين البيع عند الشك فيه وفي الهبة فلا، بل يرجع في أثر كل عقد إلى ما يقتضيه الأصل بالنسبة إليه، فإذا شك في اشتغال الذمة بالعوض حكم بالبراءة التي هي من آثار الهبة، وإذا شك في الضمان مع فساد العقد حكم بالضمان، لعموم " على اليد " إن كان هو المستند في الضمان بالعقود الفاسدة، وإن كان المستند دخوله في " ضمان العين " أو قلنا بأن خروج الهبة من ذلك العموم مانع عن الرجوع إليه فيما احتمل كونه مصداقا لها، كان الأصل البراءة أيضا.


(1) " أو الجائز " مشطوب عليها في " ق ".

[ 25 ]

في أقسام الخيار وهي كثيرة إلا أن أكثرها متفرقة، والمجتمع منها في كل كتاب سبعة، وقد أنهاها بعضهم إلى أزيد من ذلك، حتى أن المذكور في اللمعة مجتمعا أربعة عشر (1)، مع عدم ذكره لبعضها، ونحن نقتفي أثر المقتصر على السبعة - كالمحقق (2) والعلامة (3) قدس سرهما - لأن ما عداها لا يستحق عنوانا مستقلا، إذ ليس له أحكام مغايرة لسائر أنواع الخيار، فنقول وبالله التوفيق:


(1) اللمعة الدمشقية: 127. (2) قال في الشرائع (2: 21): " أما أقسامه فخمسة "، وقال في المختصر النافع (121): " وأقسامه ستة ". ولم نقف على قول له بالسبعة. (3) القواعد 2: 64، التذكرة 1: 515، والإرشاد 1: 374.

[ 27 ]

الأول في خيار المجلس والمراد ب‍ " المجلس " مطلق مكان المتبايعين حين البيع، وإنما عبر بفرده الغالب، وإضافة الخيار إليه لاختصاصه به وارتفاعه بانقضائه الذي هو الافتراق. ولا خلاف بين الإمامية في ثبوت هذا الخيار، والنصوص به مستفيضة (1). والموثق الحاكي لقول علي عليه السلام: " إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب " (2) مطروح أو مؤول. ولا فرق بين أقسام البيع وأنواع المبيع. نعم، سيجئ استثناء بعض أشخاص المبيع كالمنعتق على المشتري. وتنقيح مباحث هذا الخيار ومسقطاته يحصل برسم مسائل:


(1) راجع الوسائل 12: 345، الباب الأول من أبواب الخيار. (2) الوسائل 12: 347، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 7.

[ 28 ]

مسألة لا إشكال في ثبوته للمتبايعين إذا كانا أصيلين، ولا في ثبوته للوكيلين في الجملة. وهل يثبت لهما مطلقا؟ خلاف. قال في التذكرة: لو اشترى الوكيل أو باع أو تعاقد الوكيلان تعلق الخيار بهما وبالموكلين مع حضورهما في المجلس، وإلا فبالوكيلين، فلو مات الوكيل في المجلس والموكل غائب انتقل الخيار إليه، لأن ملكه أقوى من ملك الوارث. وللشافعية قولان: أحدهما: أنه يتعلق بالموكل، والآخر: أنه يتعلق بالوكيل (1)، انتهى. أقول: والأولى أن يقال: إن الوكيل إن كان وكيلا في مجرد إجراء العقد، فالظاهر عدم ثبوت الخيار لهما وفاقا لجماعة - منهم المحقق والشهيد الثانيان (2) - لأن المتبادر من النص غيرهما وإن عممناه لبعض أفراد الوكيل (3) ولم نقل بما قيل (4) - تبعا لجامع المقاصد (5) - بانصرافه


(1) التذكرة 1: 518. (2) جامع المقاصد 4: 285، والمسالك 3: 194 - 195. (3) المراد بهذا " البعض " هو الوكيل في التصرف المالي، غاية الآمال: 488. (4) قاله المحقق التستري في مقابس الأنوار: 241. (5) جامع المقاصد 4: 286.

[ 29 ]

بحكم الغلبة إلى خصوص العاقد المالك، مضافا إلى أن مفاد أدلة الخيار إثبات حق وسلطنة لكل من المتعاقدين على ما انتقل إلى الآخر بعد الفراغ عن تسلطه على ما انتقل إليه، فلا يثبت بها هذا التسلط لو لم يكن مفروغا عنه في الخارج. ألا ترى: أنه لو شك المشتري في كون المبيع ممن ينعتق عليه لقرابة أو يجب صرفه لنفقة أو إعتاقه لنذر، فلا يمكن الحكم بعدم وجوبه لأدلة الخيار، بزعم إثباتها للخيار المستلزم لجواز رده على البائع وعدم وجوب عتقه. هذا مضافا إلى ملاحظة بعض أخبار هذا الخيار المقرون فيه بينه وبين خيار الحيوان (1)، الذي لا يرضى الفقيه بالتزام ثبوته للوكيل في إجراء الصيغة، فإن المقام وإن لم يكن من تعارض المطلق والمقيد إلا أن سياق الجميع يشهد باتحاد المراد من لفظ " المتبايعين "، مع أن ملاحظة حكمة الخيار تبعد ثبوته للوكيل المذكور، مضافا إلى أدلة سائر الخيارات، فإن القول بثبوتها لموقع الصيغة لا ينبغي من الفقيه. والظاهر عدم دخوله في إطلاق العبارة المتقدمة عن التذكرة (2)، فإن الظاهر من قوله: " اشترى الوكيل أو باع " تصرف الوكيل بالبيع والشراء، لا مجرد إيقاع الصيغة. ومن جميع ذلك يظهر ضعف القول بثبوته للوكيلين المذكورين، كما


(1) الوسائل 12: 345، الباب الأول من أبواب الخيار، الأحاديث 1، 5 و 350، الباب 3 من الأبواب نفسها، الحديث 6. (2) تقدمت في الصفحة 28.

[ 30 ]

هو ظاهر الحدائق (1). وأضعف منه تعميم الحكم لصورة منع الموكل من الفسخ بزعم: أن الخيار حق ثبت للعاقد بمجرد إجرائه للعقد، فلا يبطل بمنع الموكل. وعلى المختار، فهل يثبت للموكلين؟ فيه إشكال: من أن الظاهر من " البيعين " في النص المتعاقدان، فلا يعم الموكلين، وذكروا: أنه لو حلف على عدم البيع لم يحنث ببيع وكيله. ومن أن الوكيلين فيما نحن فيه كالآلة للمالكين، ونسبة الفعل إليهما شائعة، ولذا لا يتبادر من قوله: " باع فلان ملكه الكذائي " كونه مباشرا للصيغة. وعدم الحنث بمجرد التوكيل في إجراء الصيغة ممنوع. فالأقوى ثبوته لهما ولكن مع حضورهما في مجلس العقد، والمراد به مجلسهما المضاف عرفا إلى العقد، فلو جلس هذا في مكان وذاك في مكان آخر فاطلعا على عقد الوكيلين، فمجرد ذلك لا يوجب الخيار لهما، إلا إذا صدق كون مكانيهما مجلسا لذلك العقد، بحيث يكون الوكيلان ك‍: لساني الموكلين، والعبرة بافتراق الموكلين عن هذا المجلس لا بالوكيلين. هذا كله إن كان وكيلا في مجرد إيقاع العقد. وإن كان وكيلا في التصرف المالي كأكثر الوكلاء، فإن كان مستقلا في التصرف في مال الموكل بحيث يشمل فسخ المعاوضة بعد تحققها - نظير العامل في القراض وأولياء القاصرين - فالظاهر ثبوت الخيار له،


(1) الحدائق 19: 7.

[ 31 ]

لعموم النص. ودعوى تبادر المالكين ممنوعة، خصوصا إذا استندت إلى الغلبة، فإن معاملة الوكلاء والأولياء لا تحصى. وهل يثبت للموكلين أيضا مع حضورهما كما تقدم عن التذكرة (1)؟ إشكال: من تبادر المتعاقدين من النص، وقد تقدم عدم حنث الحالف على ترك البيع ببيع وكيله. ومن أن المستفاد من أدلة سائر الخيارات وخيار الحيوان المقرون بهذا الخيار في بعض النصوص (2): كون الخيار حقا لصاحب المال، شرع (3) إرفاقا له، وأن ثبوته للوكيل لكونه نائبا عنه يستلزم ثبوته للمنوب عنه، إلا أن يدعى مدخلية المباشرة للعقد، فلا يثبت لغير المباشر. ولكن الوجه الأخير لا يخلو عن قوة. وحينئذ فقد يتحقق في عقد واحد الخيار لأشخاص كثيرة من طرف واحد أو من الطرفين، فكل من سبق من أهل الطرف الواحد إلى إعماله نفذ وسقط خيار الباقين بلزوم العقد أو بانفساخه، وليس المقام من تقديم الفاسخ على المجيز (4).


(1) تقدم في الصفحة 28. (2) راجع الصفحة 29، الهامش الأول. (3) في " ش ": " شرعا ". (4) في " ش " زيادة: " فإن تلك المسألة فيما إذا ثبت للجانبين، وهذا فرض من جانب واحد ".

[ 32 ]

ثم على المختار من ثبوته للموكلين، فهل العبرة فيه بتفرقهما عن مجلسهما حال العقد، أو عن مجلس العقد، أو بتفرق المتعاقدين، أو بتفرق الكل، فيكفي بقاء أصيل مع وكيل الآخر (1) في مجلس العقد؟ وجوه، أقواها الأخير. وإن لم يكن مستقلا في التصرف في مال الموكل قبل العقد وبعده، بل كان وكيلا في التصرف على وجه المعاوضة - كما إذا قال له: اشتر لي عبدا - فالظاهر حينئذ عدم الخيار للوكيل، لا لانصراف الإطلاق إلى غير ذلك، بل لما ذكرنا في القسم الأول (2): من أن إطلاق أدلة الخيار مسوق لإفادة سلطنة كل من العاقدين على ما نقله عنه بعد الفراغ عن تمكنه من رد ما انتقل إليه، فلا تنهض لإثبات هذا التمكن عند الشك فيه، ولا لتخصيص ما دل على سلطنة الموكل على ما انتقل إليه المستلزمة لعدم جواز تصرف الوكيل فيه برده إلى مالكه الأصلي. وفي ثبوته للموكلين ما تقدم (3). والأقوى اعتبار الافتراق عن مجلس العقد كما عرفت في سابقه (4). ثم هل للموكل بناء على ثبوت الخيار له تفويض الأمر إلى الوكيل بحيث يصير ذا حق خياري؟ الأقوى العدم، لأن المتيقن من


(1) في " ش ": " آخر ". (2) وهو الوكيل في إجراء لفظ العقد فقط، راجع الصفحة 28 - 29. (3) راجع الصفحة المتقدمة. (4) آنفا.

[ 33 ]

الدليل ثبوت الخيار للعاقد في صورة القول به عند العقد لا لحوقه له بعده. نعم، يمكن توكيله في الفسخ أو في مطلق التصرف فسخا أو التزاما. ومما ذكرنا اتضح عدم ثبوت الخيار للفضوليين وإن جعلنا الإجازة كاشفة، لا لعدم صدق " المتبايعين "، لأن البيع النقل ولا نقل هنا - كما قيل (1) - لاندفاعه بأن البيع النقل العرفي، وهو موجود هنا. نعم، ربما كان ظاهر الأخبار حصول الملك شرعا بالبيع، وهذا المعنى منتف في الفضولي قبل الإجازة. ويندفع أيضا: بأن مقتضى ذلك عدم الخيار في الصرف والسلم قبل القبض، مع أن هذا المعنى لا يصح على مذهب الشيخ القائل بتوقف الملك على انقضاء الخيار (2). فالوجه في عدم ثبوته للفضوليين فحوى ما تقدم: من عدم ثبوته للوكيلين الغير المستقلين (3). نعم، في ثبوته للمالكين بعد الإجازة مع حضورهما في مجلس العقد وجه. واعتبار مجلس الإجازة على القول بالنقل، له وجه. خصوصا على القول بأن الإجازة عقد مستأنف، على ما تقدم توضيحه في مسألة عقد الفضولي (4). ويكفي حينئذ الإنشاء أصالة من أحدهما، والإجازة من الآخر إذا جمعهما مجلس


(1) قاله صاحب الجواهر 23: 9. (2) الخلاف 3: 22، المسألة 29 من كتاب البيوع. (3) راجع الصفحة المتقدمة. (4) راجع الجزء الثالث: 399.

[ 34 ]

عرفا. نعم، يحتمل في أصل [ المسألة ] (1) أن تكون الإجازة من المجيز التزاما بالعقد، فلا خيار بعدها خصوصا إذا كانت بلفظ " التزمت "، فتأمل. ولا فرق في الفضوليين بين الغاصب وغيره، فلو تبايع غاصبان ثم تفاسخا لم يزل العقد عن قابلية لحوق الإجازة، بخلاف ما لو رد الموجب منهما قبل قبول الآخر، لاختلال صورة المعاقدة، والله العالم.


(1) لم ترد في " ق ".

[ 35 ]

مسألة لو كان العاقد واحدا لنفسه أو غيره عن نفسه أو غيره ولاية أو وكالة على وجه يثبت له الخيار مع التعدد - بأن كان وليا أو وكيلا مستقلا في التصرف - فالمحكي عن ظاهر الخلاف والقاضي والمحقق (1) والعلامة (2) والشهيدين (3) والمحقق الثاني (4) والمحقق الميسي (5) والصيمري (6) وغيرهم، ثبوت هذا الخيار له عن الإثنين، لأنه بائع ومشتر، فله ما لكل منهما كسائر أحكامهما الثابتة لهما من حيث كونهما متبايعين.


(1) حكاه عن ظاهرهم المحقق التستري في المقابس: 240. (2) التذكرة 1: 515 - 516. (3) الدروس 3: 265، والمسالك 3: 197 - 198. (4) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 545، والمحقق التستري في المقابس: 241، وراجع تعليقة المحقق على الإرشاد (مخطوط): 253 - 254. (5) لا يوجد لدينا كتابه، نعم حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 545، والمحقق التستري في المقابس: 241. (6) حكى عنه ذلك في مفتاح الكرامة 4: 545، والمقابس: 241. وراجع غاية المرام (مخطوط): 288.

[ 36 ]

واحتمال كون الخيار لكل منهما بشرط انفراده بإنشائه فلا يثبت مع قيام العنوانين بشخص واحد، مندفع باستقرار سائر أحكام المتبايعين، وجعل الغاية التفرق المستلزم للتعدد مبني على الغالب. خلافا للمحكي في التحرير من القول بالعدم (1)، واستقربه فخر الدين قدس الله سره (2)، ومال إليه المحقق الأردبيلي (3) والفاضل الخراساني (4) والمحدث البحراني (5)، واستظهره بعض الأفاضل ممن عاصرناهم (6). ولا يخلو عن قوة بالنظر إلى ظاهر النص، لأن الموضوع فيه صورة التعدد، والغاية فيه الافتراق المستلزم للتعدد، ولولاها لأمكن استظهار كون التعدد في الموضوع لبيان حكم كل من البائع والمشتري كسائر أحكامهما، إذ لا يفرق العرف بين قوله: " المتبايعان كذا " وقوله: " لكل من البائع والمشتري "، إلا أن التقييد بقوله: " حتى يفترقا " ظاهر في اختصاص الحكم بصورة إمكان فرض الغاية، ولا يمكن فرض التفرق في غير المتعدد. ومنه يظهر سقوط القول بأن كلمة " حتى " تدخل على الممكن والمستحيل، إلا أن يدعى أن التفرق غاية مختصة بصورة التعدد، لا


(1) التحرير 1: 165. (2) إيضاح الفوائد 1: 481، وفيه: " والأولى عدم الخيار هنا ". (3) مجمع الفائدة 8: 389. (4) كفاية الأحكام: 91، وفيه: " لا يخلو عن قوة ". (5) الحدائق 19: 13 و 16. (6) وهو المحقق التستري في المقابس: 241، وفيه: " ولعل القول الثاني أقوى ".

[ 37 ]

مخصصة للحكم بها. وبالجملة، فحكم المشهور بالنظر إلى ظاهر اللفظ مشكل. نعم، لا يبعد بعد تنقيح المناط، لكن الإشكال فيه. والأولى التوقف، تبعا للتحرير وجامع المقاصد (1). ثم لو قلنا بالخيار، فالظاهر بقاؤه إلى أن يسقط بأحد المسقطات غير التفرق.


(1) التحرير 1: 165، وجامع المقاصد 4: 287.

[ 38 ]

مسألة قد يستثنى بعض أشخاص المبيع عن عموم ثبوت هذا الخيار: منها: من ينعتق على أحد المتبايعين، والمشهور - كما قيل (1) -: عدم الخيار مطلقا، بل عن ظاهر المسالك أنه محل وفاق (2). واحتمل في الدروس ثبوت الخيار للبائع (3). والكلام فيه مبني على قول المشهور: من عدم توقف الملك على انقضاء الخيار، وإلا فلا إشكال في ثبوت الخيار. والظاهر أنه لا إشكال في عدم ثبوت الخيار بالنسبة إلى نفس العين، لأن مقتضى الأدلة الانعتاق بمجرد الملك، والفسخ بالخيار من حينه لا من أصله، ولا دليل على زواله بالفسخ مع قيام الدليل على عدم


(1) قاله المحدث البحراني في الحدائق 19: 16. (2) نسبه إلى ظاهر المسالك المحقق التستري في المقابس: 240، وانظر المسالك 3: 212. (3) الدروس 3: 266.

[ 39 ]

زوال الحرية بعد تحققها إلا على احتمال - ضعفه في التحرير فيما لو ظهر من ينعتق عليه معيبا (1) - مبني على تزلزل العتق. وأما الخيار بالنسبة إلى أخذ القيمة، فقد يقال (2): [ إنه ] (3) مقتضى الجمع بين أدلة الخيار ودليل عدم عود الحر إلى الرقية، فيفرض المنعتق كالتالف، فلمن انتقل إليه أن يدفع القيمة ويسترد الثمن. وما في التذكرة: من أنه وطن نفسه على الغبن المالي، والمقصود من الخيار أن ينظر ويتروى لدفع الغبن عن نفسه ممنوع، لأن التوطين على شرائه عالما بانعتاقه عليه ليس توطينا على الغبن من حيث المعاملة، وكذا لمن انتقل عنه أن يدفع الثمن ويأخذ القيمة. وما في التذكرة: من تغليب جانب العتق (4) إنما يجدي مانعا عن دفع العين. لكن الإنصاف: أنه لا وجه للخيار لمن انتقل إليه، لأن شراءه إتلاف له في الحقيقة وإخراج له عن المالية، وسيجئ سقوط الخيار بالإتلاف بل بأدنى تصرف (5)، فعدم ثبوته به أولى. ومنه يظهر عدم ثبوت الخيار لمن انتقل عنه، لأن بيعه ممن ينعتق عليه إقدام على إتلافه وإخراجه عن المالية.


(1) لم نعثر فيه إلا على هذه العبارة: " ولو اشترى من يعتق عليه ثم ظهر على عيب سابق فالوجه أن له الأرش خاصة " انظر التحرير 1: 184. (2) احتمله الشهيد في الدروس 3: 266. (3) الزيادة اقتضاها السياق. (4) التذكرة 1: 516، وفيه: " لكن النظر إلى جانب العتق أقوى ". (5) يجئ في الصفحة 81 و 97.

[ 40 ]

والحاصل: أنا إذا قلنا: إن الملك في من ينعتق عليه تقديري لا تحقيقي، فالمعاملة عليه من المتبايعين مواطاة على إخراجه عن المالية، وسلكه في سلك ما لا يتمول. لكنه حسن مع علمهما، فتأمل. وقد يقال (1): إن ثبوت الخيار لمن انتقل عنه مبني على أن الخيار والانعتاق هل يحصلان بمجرد البيع أو بعد ثبوت الملك آنا ما، أو الأول بالأول والثاني بالثاني، أو العكس؟ فعلى الأولين والأخير يقوى القول بالعدم، لأنصية أخبار العتق وكون القيمة بدل العين، فيمتنع استحقاقها من دون المبدل، ولسبق تعلقه على الأخير. ويحتمل قريبا الثبوت، جمعا بين الحقين ودفعا للمنافاة من البين، وعملا بالنصين وبالإجماع على عدم إمكان زوال يد البائع عن العوضين، وتنزيلا للفسخ منزلة الأرش مع ظهور عيب في أحدهما، وللعتق منزلة تلف العين، ولأنهم حكموا بجواز الفسخ والرجوع إلى القيمة فيما إذا باع بشرط العتق فظهر كونه ممن ينعتق على المشتري، أو تعيب بما يوجب ذلك. والظاهر عدم الفرق بينه وبين المقام. وعلى الثالث يتجه الثاني، لما مر، ولسبق تعلق حق الخيار وعروض العتق. ثم قال: وحيث كان المختار في الخيار: أنه بمجرد العقد، وفي العتق: أنه بعد الملك، ودل ظاهر الأخبار وكلام الأصحاب على أن أحكام العقود والإيقاعات تتبعها بمجرد حصولها إذا لم يمنع عنها مانع، من غير فرق بين الخيار وغيره، بل قد صرحوا بأن الخيار يثبت بعد


(1) القائل هو صاحب المقابس قدس سره، كما سيأتي.

[ 41 ]

العقد وأنه علة والمعلول لا يتخلف عن علته، كما أن الانعتاق لا يتخلف عن الملك، فالأقرب هو الأخير، كما هو ظاهر المختلف والتحرير (1) ومال إليه الشهيد (2) إن لم يثبت الإجماع على خلافه، ويؤيده إطلاق الأكثر ودعوى ابن زهرة الإجماع على ثبوت خيار المجلس في جميع ضروب البيع (3) من غير استثناء (4). انتهى كلامه (5)، رفع مقامه. أقول: إن قلنا: إنه يعتبر في فسخ العقد بالخيار أو بالتقايل خروج الملك عن ملك من انتقل إليه إلى ملك من انتقل عنه - نظرا إلى أن خروج أحد العوضين عن ملك أحدهما يستلزم دخول الآخر فيه ولو تقديرا - لم يكن وجه للخيار فيما نحن فيه ولو قلنا بكون الخيار بمجرد العقد والانعتاق عقيب الملك آنا ما، إذ برفع العقد لا يقبل المنعتق عليه لأن يخرج من ملك المشتري إلى ملك البائع ولو تقديرا، إذ ملكية المشتري لمن ينعتق عليه ليس على وجه يترتب عليه سوى الانعتاق، ولا يجوز تقديره بعد الفسخ قبل الانعتاق خارجا عن ملك المشتري إلى ملك البائع ثم انعتاقه مضمونا على المشتري، كما لو فرض بيع المشتري للمبيع في زمن الخيار ثم فسخ البائع. والحاصل: أن الفاسخ يتلقى الملك من المفسوخ عليه، وهذا غير


(1) راجع المختلف 8: 23 - 25، والتحرير 1: 165، و 2: 77. (2) انظر الدروس 3: 266، والقواعد والفوائد 2: 247، القاعدة 244. (3) كذا في ظاهر " ق "، ولعل الأصح: " المبيع "، كما في " ش ". (4) راجع الغنية: 217. (5) يعني: كلام المحقق التستري في المقابس: 240.

[ 42 ]

حاصل فيما نحن فيه. وإن قلنا: إن الفسخ لا يقتضي أزيد من رد العين إن كان موجودا وبدله إن كان تالفا أو كالتالف، ولا يعتبر في صورة التلف إمكان تقدير تلقي الفاسخ الملك من المفسوخ عليه وتملكه منه، بل يكفي أن تكون العين المضمونة قبل الفسخ بثمنها مضمونة بعد الفسخ بقيمتها مع التلف - كما يشهد به الحكم بجواز الفسخ والرجوع إلى القيمة فيما (1) تقدم من (2) مسألة البيع بشرط العتق ثم ظهور المبيع منعتقا على المشتري (3)، وحكمهم برجوع الفاسخ إلى القيمة لو وجد العين منتقلة بعقد لازم مع عدم إمكان تقدير عود الملك قبل الانتقال الذي هو بمنزلة التلف إلى الفاسخ - كان الأوفق بعمومات الخيار القول به هنا والرجوع إلى القيمة، إلا مع إقدام المتبايعين على المعاملة مع العلم بكونه ممن ينعتق عليه، فالأقوى العدم، لأنهما قد تواطأ على إخراجه عن المالية الذي هو بمنزلة إتلافه. وبالجملة، فإن الخيار حق في العين، وإنما يتعلق بالبدل بعد تعذره لا ابتداء، فإذا كان نقل العين إبطالا لماليته وتفويتا لمحل الخيار و (4) كان كتفويت نفس الخيار باشتراط سقوطه، فلم يحدث حق في العين حتى يتعلق ببدله.


(1) في ظاهر " ق ": " فما "، ولعله من سهو القلم. (2) في " ش ": " في ". (3) تقدم في كلام صاحب المقابس، راجع الصفحة 40. (4) لم ترد " و " في " ش ".

[ 43 ]

وقد صرح بعضهم بارتفاع خيار البائع بإتلاف المبيع (1) ونقله إلى من ينعتق عليه كالإتلاف له من حيث المالية، فدفع الخيار به أولى وأهون من رفعه، فتأمل. ومنها: العبد المسلم المشترى من الكافر بناء على عدم تملك الكافر للمسلم اختيارا، فإنه قد يقال بعدم ثبوت الخيار لأحدهما. أما بالنسبة إلى العين فلفرض عدم جواز تملك الكافر للمسلم وتمليكه إياه، وأما بالنسبة إلى القيمة فلما تقدم: من أن الفسخ يتوقف على رجوع العين إلى مالكه الأصلي ولو تقديرا (2) لتكون مضمونة له بقيمته على من انتقل إليه، ورجوع المسلم إلى الكافر غير جائز، وهذا هو المحكي عن حواشي الشهيد رحمه الله حيث قال: إنه يباع ولا يثبت له خيار المجلس ولا الشرط (3). ويمكن أن يريد بذلك عدم ثبوت الخيار للكافر فقط وإن ثبت للمشتري، فيوافق مقتضى كلام فخر الدين قدس سره في الإيضاح: من أن البيع بالنسبة إلى الكافر استنقاذ، وبالنسبة إلى المشتري كالبيع (4)، بناء منه على عدم تملك السيد الكافر له، لأن الملك سبيل، وإنما له حق استيفاء


(1) لم نظفر على مصرح بذلك بعد التتبع في الكتب الفقهية المتداولة، انظر مفتاح الكرامة 4: 599. (2) تقدم في الصفحة 41. (3) لا يوجد لدينا " حواشي الشهيد " لكن حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 180. (4) إيضاح الفوائد 1: 414.

[ 44 ]

ثمنه منه. لكن الإنصاف: أنه على هذا التقدير لا دليل على ثبوت الخيار للمشتري أيضا، لأن الظاهر من قوله: " البيعان بالخيار " (1) اختصاص الخيار بصورة تحقق البيع من الطرفين، مع أنه لا معنى لتحقق العقد البيعي من طرف واحد، فإن شروط البيع إن كانت موجودة تحقق من الطرفين وإلا لم يتحقق أصلا، كما اعترف به بعضهم (2) في مسألة بيع الكافر الحربي من ينعتق عليه. والأقوى في المسألة - وفاقا لظاهر الأكثر (3) وصريح كثير (4) - ثبوت الخيار في المقام، وإن تردد في القواعد بين استرداد العين و (5) القيمة (6). وما ذكرنا: من أن الرجوع بالقيمة مبني على إمكان تقدير الملك في ملك المالك الأصلي، لو أغمضنا عن منعه - كما تقدم في المسألة السابقة (7) - غير قادح هنا، لأن تقدير المسلم في ملك الكافر بمقدار يثبت عليه بدله ليس سبيلا للكافر على المسلم، ولذا جوزنا له شراء من


(1) الوسائل 12: 345، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 1، 2 و 3. (2) راجع جامع المقاصد 4: 133، ومفتاح الكرامة 4: 319 و 549. (3) ثبوت الخيار ظاهر من أطلق عليه البيع ولم يصرح بعدم سقوط الخيار. (4) ممن صرح بثبوت الخيار في المسألة الشهيد في الدروس 3: 199، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 65. (5) في " ش ": " أو ". (6) القواعد 2: 18. (7) تقدم في الصفحة 41.

[ 45 ]

ينعتق عليه. وقد مر بعض الكلام في ذلك في شروط المتعاقدين (1). ومنها: شراء العبد نفسه - بناء على جوازه - فإن الظاهر عدم الخيار فيه ولو بالنسبة إلى القيمة، لعدم شمول أدلة الخيار له، واختاره في التذكرة (2). وفيها أيضا: أنه لو اشترى جمدا في شدة الحر ففي الخيار إشكال (3). ولعله من جهة احتمال اعتبار قابلية العين للبقاء بعد العقد ليتعلق بها الخيار، فلا يندفع الإشكال بما في جامع المقاصد: من أن الخيار لا يسقط بالتلف (4) لأنه لا يسقط به إذا ثبت قبله، فتأمل.


(1) راجع الجزء الثالث: 598. (2) التذكرة 1: 516. (3) التذكرة 1: 516. (4) جامع المقاصد 4: 287.

[ 46 ]

مسألة لا يثبت خيار المجلس في شئ من العقود سوى البيع عند علمائنا، كما في التذكرة (1)، وعن تعليق الإرشاد (2) وغيرهما (3). وعن الغنية: الإجماع عليه (4). وصرح الشيخ في غير موضع من المبسوط بذلك أيضا (5)، بل عن الخلاف: الإجماع على عدم دخوله في الوكالة والعارية والقراض والحوالة والوديعة (6). إلا أنه في المبسوط - بعد ذكر جملة من العقود التي يدخلها الخيار والتي لا يدخلها - قال: وأما الوكالة والوديعة والعارية


(1) التذكرة 1: 516. (2) حاشية الإرشاد (مخطوط): 254، ذيل قول المصنف: " ويثبت في البيع خاصة ". (3) مثل مجمع الفائدة 8: 388، بلفظ " عند الأصحاب "، والمسالك 3: 211، بلفظ " لا خلاف فيه بين علمائنا ". (4) الغنية: 220. (5) راجع المبسوط 2: 80 - 82، وفيه - بعد الحكم بعدم دخوله في الحوالة والإجارة والعتق - هكذا: " لأنه يختص البيع " و " لأنه ليس ببيع " و " لأن خيار المجلس يختص البيع ". (6) الخلاف 3: 13 - 14، المسألة 12 من البيوع، وفيه بدل " الحوالة ": الجعالة.

[ 47 ]

والقراض والجعالة فلا يمنع من دخول الخيارين فيها مانع (1)، انتهى. ومراده خيار المجلس والشرط. وحكي نحوه عن القاضي (2). ولم يعلم معنى الخيار في هذه العقود (3)، بل جزم في التذكرة: بأنه لا معنى للخيار فيها، لأن الخيار فيها أبدا (4). واحتمل في الدروس: أن يراد بذلك عدم جواز التصرف قبل انقضاء الخيار (5). ولعل مراده التصرف المرخص فيه شرعا للقابل في هذه العقود، لا الموجب، إذ لا معنى لتوقف جواز تصرف المالك في هذه العقود على انقضاء الخيار، و (6) لأن أثر هذه العقود تمكن غير المالك من التصرف، فهو الذي يمكن توقفه على انقضاء الخيار الذي جعل الشيخ قدس سره أثر البيع متوقفا عليه (7). لكن الإنصاف: أن تتبع كلام الشيخ في المبسوط في هذا المقام يشهد بعدم إرادته هذا المعنى، فإنه صرح في مواضع قبل هذا الكلام وبعده باختصاص خيار المجلس بالبيع (8).


(1) المبسوط 2: 82. (2) المهذب 1: 356. (3) يعني العقود المذكورة في كلام الشيخ بقوله: " وأما الوكالة والوديعة و... ". (4) التذكرة 1: 516. (5) الدروس 3: 268. (6) لم ترد " و " في " ش ". (7) راجع الخلاف 3: 22، المسألة 29 من كتاب البيوع. (8) انظر المبسوط 2: 80، 81 و 82.

[ 48 ]

والذي يخطر بالبال: أن مراده دخول الخيارين في هذه العقود إذا وقعت في ضمن عقد البيع، فتنفسخ بفسخه في المجلس، وهذا المعنى وإن كان بعيدا في نفسه، إلا أن ملاحظة كلام الشيخ في المقام يقربه إلى الذهن، وقد ذكر نظير ذلك في جريان الخيارين في الرهن والضمان (1) (2). وكيف كان، فلا إشكال في أصل هذه المسألة.


(1) راجع المبسوط 2: 79 و 80. (2) في " ش " زيادة: " وصرح في السرائر بدخول الخيارين في هذه العقود، لأنها جائزة فيجوز الفسخ في كل وقت، وهو محتمل كلام الشيخ، فتأمل ". وقد وردت هذه الزيادة في " ف " في الهامش. وانظر السرائر 2: 246. (*

[ 49 ]

مسألة مبدأ هذا الخيار من حين العقد، لأن ظاهر النص (1) كون البيع علة تامة، ومقتضاه - كظاهر الفتاوى - شمول الحكم للصرف والسلم قبل القبض. ولا إشكال فيه لو قلنا بوجوب التقابض في المجلس في الصرف والسلم وجوبا تكليفيا، إما للزوم الربا - كما صرح به في صرف التذكرة (2) - وإما لوجوب الوفاء بالعقد وإن لم يكن بنفسه مملكا، لأن ثمرة الخيار حينئذ جواز الفسخ، فلا يجب التقابض. أما لو قلنا بعدم وجوب التقابض وجواز تركه إلى التفرق المبطل للعقد، ففي أثر الخيار خفاء، لأن المفروض بقاء سلطنة كل من المتعاقدين على ملكه وعدم حق لأحدهما في مال الآخر. ويمكن أن يكون أثر الخيار خروج العقد بفسخ ذي الخيار عن قابلية لحوق القبض المملك، فلو فرض اشتراط سقوط الخيار في العقد لم يخرج العقد بفسخ المشروط


(1) يعني: " البيعان بالخيار حتى يفترقا "، الوسائل 12: 345، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 1 - 3. (2) التذكرة 1: 511.

[ 50 ]

عليه عن قابلية التأثير. قال في التذكرة: لو تقابضا في عقد الصرف ثم أجازا في المجلس لزم العقد، وإن أجازا قبل التقابض فكذلك، وعليهما التقابض، فإن تفرقا قبله انفسخ العقد، ثم إن تفرقا عن تراض لم يحكم بعصيانهما، فإن انفرد أحدهما بالمفارقة عصى (1)، انتهى. وفي الدروس: يثبت - يعني خيار المجلس - في الصرف، تقابضا أو لا، فإن التزما به قبل القبض وجب التقابض، فلو هرب أحدهما عصى وانفسخ العقد، ولو هرب قبل الالتزام فلا معصية. ويحتمل قويا عدم العصيان مطلقا، لأن للقبض مدخلا في اللزوم فله تركه (2)، انتهى. وصرح الشيخ أيضا في المبسوط بثبوت التخاير في الصرف قبل التقابض (3). ومما ذكرنا يظهر الوجه في كون مبدأ الخيار للمالكين الحاضرين في مجلس عقد الفضوليين - على القول بثبوت الخيار لهما - من زمان إجازتهما على القول بالنقل، وكذا على الكشف، مع احتمال كونه من زمان العقد.


(1) التذكرة 1: 518 - 519. (2) الدروس 3: 267. (3) راجع المبسوط 2: 79، ولكن لم يصرح به. وفيه: " وأما الصرف فيدخله خيار المجلس ".

[ 51 ]

القول في مسقطات الخيار وهي أربعة - على ما ذكرها في التذكرة (1) -: اشتراط سقوطه في ضمن العقد، وإسقاطه بعد العقد، والتفرق، والتصرف. فيقع الكلام في مسائل: مسألة لا خلاف ظاهرا في سقوط هذا الخيار باشتراط سقوطه في ضمن العقد، وعن الغنية: الإجماع عليه (2). ويدل عليه قبل ذلك عموم المستفيض: " المؤمنون (3) - أو المسلمون (4) - عند شروطهم ". وقد يتخيل معارضته لعموم (5) أدلة الخيار، ويرجح على تلك الأدلة


(1) التذكرة 1: 517. (2) الغنية: 217. (3) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، ذيل الحديث 4. (4) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1، 2 و 5. (5) في " ش ": " بعموم ".

[ 52 ]

بالمرجحات (1) وهو ضعيف، لأن الترجيح من حيث الدلالة والسند مفقود، وموافقة عمل الأصحاب لا يصير مرجحا بعد العلم بانحصار مستندهم في عموم أدلة الشروط، كما يظهر من كتبهم. ونحوه في الضعف التمسك بعموم * (أوفوا بالعقود) * (2) بناء على صيرورة شرط عدم الخيار كالجزء من العقد الذي يجب الوفاء به، إذ فيه: أن أدلة الخيار أخص، فيخصص بها العموم. بل الوجه - مع انحصار المستند في عموم دليل الشروط - عدم نهوض أدلة الخيار للمعارضة، لأنها مسوقة لبيان ثبوت الخيار بأصل الشرع، فلا ينافي سقوطه بالمسقط الخارجي وهو الشرط، لوجوب العمل به شرعا. بل التأمل في دليل الشرط يقضي بأن المقصود منه رفع اليد عن الأحكام الأصلية الثابتة للمشروطات قبل وقوعها في حيز الاشتراط، فلا تعارضه أدلة تلك الأحكام، فحاله حال أدلة وجوب الوفاء بالنذر والعهد في عدم مزاحمتها بأدلة أحكام الأفعال المنذورة لولا النذر. ويشهد لما ذكرنا - من حكومة أدلة الشرط وعدم معارضتها للأحكام الأصلية حتى يحتاج إلى المرجح - استشهاد الإمام في كثير من الأخبار بهذا العموم على مخالفة كثير من الأحكام الأصلية.


(1) قال المامقاني قدس سره: " هذا الكلام وما بعده من تضعيف التمسك بعموم: * (أوفوا بالعقود) * إشارة إلى دفع ما ذكره صاحب الجواهر رحمه الله ". غاية الآمال: 490، وراجع الجواهر 23: 12. (2) تمسك به صاحب الجواهر، انظر الجواهر 23: 12، والآية من سورة المائدة: 1.

[ 53 ]

منها: صحيحة مالك بن عطية، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كان له أب مملوك وكان تحت أبيه جارية مكاتبة قد أدت بعض ما عليها، فقال لها ابن العبد: هل لك أن اعينك في مكاتبتك حتى تؤدي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار (1) على أبي إذا أنت ملكت نفسك؟ قالت: نعم، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار بعد ذلك. قال عليه السلام: لا يكون لها الخيار، المسلمون عند شروطهم " (2). والرواية محمولة - بقرينة الإجماع على عدم لزوم الشروط الابتدائية - على صورة وقوع الاشتراط في ضمن عقد لازم، أو المصالحة على إسقاط الخيار المتحقق سببه بالمكاتبة بذلك المال. وكيف كان، فالاستدلال فيها بقاعدة الشروط على نفي الخيار الثابت بالعمومات دليل على حكومتها عليها، لا معارضتها المحوجة إلى التماس المرجح. نعم، قد يستشكل التمسك بدليل الشروط في المقام من وجوه: الأول: أن الشرط يجب الوفاء به إذا كان العقد المشروط فيه لازما، لأن الشرط (3) في ضمن العقد الجائز لا يزيد حكمه على أصل العقد، بل هو كالوعد، فلزوم الشرط يتوقف على لزوم العقد، فلو ثبت لزوم العقد بلزوم الشرط لزم الدور.


(1) في " ش " زيادة: " بعد ذلك ". (2) الوسائل 16: 95، الباب 11 من أبواب المكاتبة، الحديث الأول. (3) في " ق ": " الشروط ".

[ 54 ]

الثاني: أن هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد على ما هو ظاهر قوله: " البيعان بالخيار " فاشتراط عدم كونهما بالخيار اشتراط لعدم بعض مقتضيات العقد. الثالث: ما استدل به بعض الشافعية على عدم جواز اشتراط السقوط: من أن إسقاط الخيار في ضمن العقد إسقاط لما لم يجب، لأن الخيار لا يحدث إلا بعد البيع، فإسقاطه فيه كإسقاطه قبله (1). هذا، ولكن شئ من هذه الوجوه لا يصلح للاستشكال. أما الأول، فلأن الخارج من عموم الشروط (2): الشروط الابتدائية، لأنها كالوعد، والواقعة في ضمن العقود الجائزة بالذات أو بالخيار مع بقائها على الجواز، لأن الحكم بلزوم الشرط مع فرض جواز العقد المشروط به مما لا يجتمعان، لأن الشرط تابع وكالتقييد للعقد المشروط به. أما إذا كان نفس مؤدى الشرط لزوم ذلك العقد المشروط به - كما فيما نحن فيه - لا التزاما آخر مغايرا لالتزام أصل العقد، فلزومه الثابت بمقتضى عموم وجوب الوفاء بالشرط عين لزوم العقد، فلا يلزم تفكيك بين التابع والمتبوع في اللزوم والجواز. وأما الثاني، فلأن الخيار حق للمتعاقدين اقتضاه العقد لو خلي ونفسه، فلا ينافي سقوطه بالشرط. وبعبارة اخرى: المقتضي للخيار العقد بشرط لا، لا طبيعة العقد من حيث هي حتى لا يوجد بدونه. وقوله: " البيعان بالخيار " وإن كان


(1) حكاه في التذكرة 1: 517، وراجع المغني لابن قدامة 3: 568. (2) في " ش ": " الشرط ".

[ 55 ]

له ظهور في العلية التامة، إلا أن المتبادر من إطلاقه صورة الخلو عن شرط السقوط، مع أن مقتضى الجمع بينه وبين دليل الشرط كون العقد مقتضيا، لا تمام العلة ليكون التخلف ممتنعا شرعا. نعم، يبقى الكلام في دفع توهم: أنه لو بني على الجمع بهذا الوجه بين دليل الشرط وعمومات الكتاب والسنة لم يبق شرط مخالف للكتاب والسنة، بل ولا لمقتضى العقد. ومحل ذلك وإن كان في باب الشروط، إلا أن مجمل القول في دفع ذلك فيما نحن فيه: أنا حيث علمنا بالنص والإجماع أن الخيار حق مالي قابل للإسقاط والإرث، لم يكن سقوطه منافيا للمشروع (1)، فلم يكن اشتراطه اشتراط المنافي، كما لو اشترطا في هذا العقد سقوط الخيار [ في عقد آخر ] (2). و (3) عن الثالث بما عرفت: من أن المتبادر من النص المثبت للخيار صورة الخلو عن الاشتراط وإقدام المتبايعين على عدم الخيار، ففائدة الشرط إبطال المقتضي لا إثبات المانع. ويمكن أن يستأنس لدفع الإشكال من هذا الوجه الثالث ومن سابقه بصحيحة مالك بن عطية المتقدمة (4). ثم إن هذا الشرط يتصور على وجوه: أحدها: أن يشترط عدم الخيار - وهذا هو مراد المشهور من


(1) كذا في " ق "، وفي نسخة بدل " ش ": " للمشروط ". (2) لم يرد في " ق ". (3) في " ش " زيادة: " أما ". (4) تقدمت في الصفحة 53.

[ 56 ]

اشتراط السقوط - فيقول: " بعت بشرط أن لا يثبت بيننا خيار المجلس " كما مثل به في الخلاف والمبسوط والغنية والتذكرة (1)، لأن المراد بالسقوط هنا عدم الثبوت، لا الارتفاع. الثاني: أن يشترط عدم الفسخ فيقول: " بعت بشرط أن لا أفسخ في المجلس " فيرجع إلى التزام ترك حقه، فلو خالف الشرط وفسخ فيحتمل قويا عدم نفوذ الفسخ، لأن وجوب الوفاء بالشرط مستلزم لوجوب إجباره عليه وعدم سلطنته على تركه، كما لو باع منذور التصدق به - على ما ذهب إليه (2) غير واحد (3) - فمخالفة الشرط وهو الفسخ غير نافذة في حقه. ويحتمل النفوذ، لعموم دليل الخيار، والالتزام بترك الفسخ لا يوجب فساد الفسخ على ما قاله بعضهم: من أن بيع منذور التصدق حنث موجب للكفارة، لا فاسد (4). وحينئذ فلا فائدة في هذا غير الإثم على مخالفته، إذ ما يترتب


(1) لم نعثر على المثال في الخلاف والتذكرة، راجع الخلاف 3: 9 و 21، والمبسوط 2: 83، والغنية: 217، والتذكرة 1: 516. (2) الظاهر رجوع الضمير إلى " بطلان البيع " المستفاد من فحوى الكلام. (3) لم نقف على موضع بحثهم عن المسألة بخصوصها، نعم عد المحقق التستري قدس سره السبب السادس من منقصات الملك: تعلق حق النذر وشبهه، ونقل جملة مما وقف عليه من كلمات الأصحاب في كتاب الزكاة والحج والعتق والنذر والصيد والذباحة وغير ذلك مما يرتبط بالمسألة، لكن لم ينقل عن أحد القول ببطلان بيع منذور التصدق، راجع المقابس: 190. (4) حكاه المحقق التستري في المقابس: 194 عن الشهيد الثاني قدس سره في مسألتي منذور التدبير ومنذور الحرية، ولكن لم نعثر عليه في كتبه قدس سره.

[ 57 ]

على مخالفة الشرط في غير هذا المقام - من تسلط المشروط له على الفسخ لو خولف الشرط - غير مترتب هنا. والاحتمال الأول أوفق بعموم وجوب الوفاء بالشرط الدال على وجوب ترتب آثار الشرط، وهو عدم الفسخ في جميع الأحوال حتى بعد الفسخ، فيستلزم ذلك كون الفسخ الواقع لغوا، كما تقدم نظيره في الاستدلال بعموم وجوب الوفاء بالعقد على كون فسخ أحدهما منفردا لغوا لا يرفع وجوب الوفاء (1). الثالث: أن يشترط إسقاط الخيار، ومقتضى ظاهره: وجوب الإسقاط بعد العقد، فلو أخل به وفسخ العقد، ففي تأثير الفسخ الوجهان المتقدمان، والأقوى عدم التأثير. وهل للمشروط له الفسخ بمجرد عدم إسقاط المشترط الخيار بعد العقد وإن لم يفسخ؟ وجهان: من عدم حصول الشرط، ومن أن المقصود منه إبقاء العقد، فلا يحصل التخلف إلا إذا فسخ. والأولى: بناء على القول بعدم تأثير الفسخ هو عدم الخيار، لعدم تخلف الشرط. وعلى القول بتأثيره ثبوت الخيار، لأنه قد يكون الغرض من الشرط عدم تزلزل العقد ويكون بقاء المشترط على سلطنة الفسخ مخالفا لمصلحة المشروط له، وقد يموت ذو الخيار وينتقل إلى وارثه. بقي الكلام في أن المشهور: أن تأثير الشرط إنما هو مع ذكره في متن العقد، فلو ذكراه قبله لم يفد، لعدم الدليل على وجوب الوفاء به. وصدق الشرط على غير المذكور في العقد غير ثابت، لأن المتبادر عرفا


(1) راجع الصفحة 18.

[ 58 ]

هو الإلزام والالتزام المرتبط بمطلب آخر، وقد تقدم عن القاموس: أنه الإلزام والالتزام في البيع ونحوه (1). وعن الشيخ والقاضي تأثير الشرط المتقدم. قال في محكي الخلاف: لو شرطا قبل العقد أن لا يثبت بينهما خيار بعد العقد صح الشرط ولزم العقد بنفس الإيجاب والقبول. ثم نقل الخلاف عن بعض أصحاب الشافعي. ثم قال: دليلنا: أنه لا مانع من هذا الشرط والأصل جوازه وعموم الأخبار في جواز الشرط يشمل هذا الموضع (2)، انتهى. ونحوه المحكي عن جواهر القاضي (3). وقال في المختلف - على ما حكي عنه - بعد ذلك: وعندي في ذلك نظر، فإن الشرط إنما يعتبر حكمه لو وقع في متن العقد، نعم لو شرطا قبل العقد وتبايعا على ذلك الشرط صح ما شرطاه (4)، انتهى. أقول: التبايع على ذلك الشرط إن كان بالإشارة إليه في العقد بأن يقول مثلا: " بعت على ما ذكر " فهو من المذكور في متن العقد، وإن كان بالقصد إليه والبناء عليه عند الإنشاء، فهذا هو ظاهر كلام الشيخ. نعم، يحتمل أن يريد الصورة الاولى (5)، وهذا هو المناسب للاستدلال


(1) تقدم في الصفحة 22. (2) الخلاف 3: 21، المسألة 28 من كتاب البيوع. (3) جواهر الفقه: 54، المسألة 195. (4) المختلف 5: 63. (5) في " ش " زيادة: " وأراد بقوله: قبل العقد، قبل تمامه "، ووردت هذه العبارة في هامش " ف " بلفظ: " ويراد بقوله... الخ ".

[ 59 ]

له بعدم المانع من هذا الاشتراط. ويؤيده أيضا، بل يعينه: أن بعض أصحاب الشافعي إنما يخالف في صحة هذا الاشتراط في متن العقد، وقد صرح في التذكرة بذكر خلاف بعض الشافعية في اشتراط عدم الخيار في متن العقد، واستدل عنهم بأن الخيار بعد تمام العقد، فلا يصح إسقاطه قبل تمامه (1). والحاصل: أن ملاحظة عنوان المسألة في الخلاف والتذكرة واستدلال الشيخ على الجواز واستدلال (2) بعض الشافعية على المنع يكاد يوجب القطع بعدم إرادة الشيخ صورة ترك الشرط في متن العقد. وكيف كان، فالأقوى أن الشرط الغير المذكور في متن العقد غير مؤثر، لأنه لا يلزم بنفس اشتراطه السابق، لأن المتحقق في السابق إما وعد بالتزام، أو التزام تبرعي لا يجب الوفاء به، والعقد اللاحق وإن وقع مبنيا عليه لا يلزمه، لأن الشرط إلزام مستقل لا يرتبط بالتزام العقد إلا بجعل المتكلم، وإلا فهو بنفسه ليس من متعلقات الكلام العقدي مثل العوضين وقيودهما حتى يقدر (3) منويا، فيكون كالمحذوف النحوي بعد نصب القرينة، فإن من باع داره في حال بنائه - في الواقع - على عدم الخيار له لم يحصل له في ضمن بيعه إنشاء التزام بعدم الخيار ولم يقيد إنشاءه بشئ. بخلاف قوله: " بعتك على أن لا خيار [ لي ] (4) "


(1) التذكرة 1: 517، وراجع المغني لابن قدامة 3: 568. (2) لم ترد " استدلال " في " ش "، وشطب عليها في " ف ". (3) في " ش " زيادة: " شرطا ". (4) لم يرد في " ق ".

[ 60 ]

الذي مؤداه بعتك ملتزما على نفسي وبانيا على أن لا خيار لي، فإن إنشاءه للبيع قد اعتبر مقيدا بإنشائه التزام عدم الخيار. فحاصل الشرط: إلزام في التزام مع اعتبار تقييد الثاني بالأول، وتمام الكلام في باب الشروط إن شاء الله تعالى. فرع: ذكر العلامة في التذكرة موردا لعدم جواز اشتراط [ نفي ] (1) خيار المجلس وغيره في متن العقد، وهو ما إذا نذر المولى أن يعتق عبده إذا باعه، بأن قال: " لله علي أن اعتقك إذا بعتك "، قال: لو باعه بشرط نفي الخيار لم يصح البيع، لصحة النذر، فيجب الوفاء به، ولا يتم برفع الخيار. وعلى قول بعض علمائنا: من صحة البيع مع بطلان الشرط، يلغو الشرط ويصح [ البيع ويعتق ] (2)، انتهى (3). أقول: هذا مبني على أن النذر المعلق بالعين يوجب عدم تسلط الناذر على التصرفات المنافية له، وقد مر أن الأقوى في الشرط [ أيضا ] (4) كونه كذلك (5).


(1) لم يرد في " ق ". (2) من " ش " والمصدر. (3) التذكرة 1: 495. (4) لم يرد في " ق ". (5) مر في الصفحة 56.

[ 61 ]

مسألة ومن المسقطات: إسقاط هذا الخيار بعد العقد، بل هذا هو المسقط الحقيقي. ولا خلاف ظاهرا في سقوطه بالإسقاط، ويدل عليه - بعد الإجماع - فحوى ما سيجئ (1): من النص الدال على سقوط الخيار بالتصرف، معللا بأنه رضي بالبيع، مضافا إلى القاعدة المسلمة: من أن لكل ذي حق إسقاط حقه، ولعله لفحوى تسلط الناس على أموالهم، فهم أولى بالتسلط على حقوقهم المتعلقة بالأموال، ولا معنى لتسلطهم على مثل هذه الحقوق الغير القابلة للنقل، إلا نفوذ تصرفهم فيها بما يشمل الإسقاط. ويمكن الاستدلال له بدليل الشرط لو فرض شموله للالتزام الابتدائي. ثم إن الظاهر سقوط الخيار بكل لفظ يدل عليه بإحدى الدلالات العرفية، للفحوى المتقدمة (2)، وفحوى ما دل على كفاية بعض الأفعال


(1) يجئ في الصفحة 82 و 97. (2) يعني: ما ذكره آنفا من فحوى سقوط الخيار بالتصرف.

[ 62 ]

في إجازة عقد الفضولي (1)، وصدق " الإسقاط " النافذ بمقتضى ما تقدم من التسلط على إسقاط الحقوق، وعلى هذا فلو قال أحدهما: " أسقطت الخيار من الطرفين " فرضي الآخر سقط خيار الراضي أيضا، لكون رضاه بإسقاط الآخر خياره إسقاطا أيضا.


(1) مثل: ما دل على أن سكوت البكر إجازة لنكاحها الفضولي، وسكوت المولى إجازة لنكاح العبد، راجع الوسائل 14: 206، الباب 5 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، و 525، الباب 26 من أبواب نكاح العبيد والإماء. (*

[ 63 ]

مسألة لو قال أحدهما لصاحبه: " اختر "، فإن اختار المأمور الفسخ، فلا إشكال في انفساخ العقد. وإن اختار الإمضاء، ففي سقوط خيار الآمر أيضا مطلقا - كما عن ظاهر الأكثر (1)، بل عن الخلاف: الإجماع عليه (2) - أو بشرط إرادته تمليك الخيار لصاحبه، وإلا فهو باق مطلقا (3) كما هو ظاهر التذكرة (4) أو مع قيد إرادة الاستكشاف دون التفويض ويكون حكم التفويض كالتمليك، أقوال. ولو سكت، فخيار الساكت باق إجماعا، ووجهه واضح. وأما


(1) لم نقف على من نسبه إلى ظاهر الأكثر، نعم قال في مفتاح الكرامة 4: 544: " كما في المبسوط والخلاف والغنية والتحرير والتذكرة والدروس وغيرها، وفي الغنية وظاهر الخلاف الإجماع عليه ". (2) حكاه السيد العاملي عن ظاهر الخلاف، وهو الحق، لأن عبارته ليست صريحة في دعوى الإجماع، انظر الخلاف 3: 21، المسألة 27 من كتاب البيوع. (3) كتب في " ق " فوق " مطلقا ": " على الإطلاق ". (4) التذكرة 1: 518.

[ 64 ]

خيار الآمر، ففي بقائه مطلقا، أو بشرط عدم إرادته (1) تمليك الخيار كما هو ظاهر التذكرة (2)، أو سقوط خياره مطلقا كما عن الشيخ (3)؟ أقوال. والأولى أن يقال: إن كلمة " اختر " بحسب وضعه لطلب اختيار المخاطب أحد طرفي العقد من الفسخ والإمضاء، وليس فيه دلالة على ما ذكروه: من تمليك الخيار أو تفويض الأمر أو استكشاف الحال. نعم، الظاهر عرفا من حال الآمر أن داعيه استكشاف حال المخاطب، وكأنه في العرف السابق كان ظاهرا في تمليك المخاطب أمر الشئ، كما يظهر من باب الطلاق (4)، فإن تم دلالته حينئذ على إسقاط الآمر خياره بذلك، وإلا فلا مزيل لخياره. وعليه يحمل - على تقدير الصحة - ما ورد في ذيل بعض أخبار خيار المجلس: " أنهما بالخيار ما لم يفترقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: [ اختر ] (5) " (6).


(1) في " ش ": " إرادة ". (2) التذكرة 1: 518. (3) قال السيد العاملي قدس سره في هذا المقام: " ومن الغريب! أن المحقق الثاني والشهيد الثاني نسبا هذا القول إلى الشيخ وتبعهما شيخنا صاحب الرياض، وهو خلاف ما صرح به في المبسوط والخلاف وخلاف ما حكي عنهما في المختلف والإيضاح " مفتاح الكرامة 4: 544. ومثله قال المحقق التستري في المقابس: 243، راجع المبسوط 2: 82 - 83، والخلاف 3: 21، المسألة 27 من كتاب البيوع، وانظر جامع المقاصد 4: 285، والمسالك 3: 197. (4) انظر الوسائل 15: 335، الباب 41 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه. (5) لم يرد في " ق ". (6) المستدرك 13: 299، الباب 2 من أبواب الخيار، الحديث 3. (*

[ 65 ]

ثم إنه لا إشكال في أن إسقاط أحدهما خياره لا يوجب سقوط خيار الآخر. ومنه يظهر: أنه لو أجاز أحدهما وفسخ الآخر انفسخ العقد، لأنه مقتضى ثبوت الخيار، فكان العقد بعد إجازة أحدهما جائزا من طرف الفاسخ دون المجيز، كما لو جعل الخيار من أول الأمر لأحدهما. وهذا ليس تعارضا بين الإجازة والفسخ وترجيحا له عليها. نعم، لو اقتضت الإجازة لزوم العقد من الطرفين - كما لو فرض ثبوت الخيار من طرف أحد المتعاقدين أو من طرفهما لمتعدد (كالأصيل والوكيل) فأجاز أحدهما وفسخ الآخر دفعة واحدة، أو تصرف ذو الخيار في العوضين دفعة واحدة (كما لو باع عبدا بجارية، ثم أعتقهما جميعا، حيث إن إعتاق العبد فسخ، وإعتاق الجارية إجازة) أو اختلف الورثة في الفسخ والإجازة - تحقق التعارض. وظاهر العلامة في جميع هذه الصور تقديم الفسخ (1) ولم يظهر له وجه تام، وسيجئ الإشارة إلى ذلك في موضعه (2).


(1) انظر التذكرة 1: 518. (2) انظر الجزء السادس، الصفحة 117 وما بعدها.

[ 66 ]

مسألة من جملة مسقطات الخيار افتراق المتبايعين، ولا إشكال في سقوط الخيار به، ولا في عدم اعتبار ظهوره في رضاهما بالبيع، وإن كان ظاهر بعض الأخبار ذلك، مثل قوله عليه السلام: " فإذا افترقا فلا خيار لهما بعد الرضا " (1). ومعنى حدوث افتراقهما المسقط مع كونهما متفرقين حين العقد: افتراقهما بالنسبة إلى الهيئة الاجتماعية الحاصلة لهما حين العقد، فإذا حصل الافتراق الإضافي - ولو بمسماه - ارتفع الخيار، فلا يعتبر الخطوة، ولذا حكي عن جماعة التعبير بأدنى الانتقال (2). والظاهر: أن ذكره في بعض العبارات لبيان أقل الأفراد، خصوصا مثل قول الشيخ في الخلاف: " أقل ما ينقطع به خيار المجلس خطوة " (3)،


(1) الوسائل 12: 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 3. (2) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة (4: 543) عن التحرير وجامع المقاصد والمسالك، راجع التحرير 1: 165، وجامع المقاصد 4: 284، والمسالك 3: 196. لكن ليس في الأخيرين تصريح بذلك، نعم فيهما ما يفيده. (3) الخلاف 3: 21، المسألة 26 من كتاب البيوع.

[ 67 ]

مبني على الغالب في الخارج أو في التمثيل لأقل الافتراق، فلو تبايعا في سفينتين متلاصقتين كفى مجرد افتراقهما. ويظهر من بعض (1): اعتبار الخطوة، اغترارا بتمثيل كثير من الأصحاب. وعن صريح آخر (2): التأمل في كفاية الخطوة، لانصراف الإطلاق إلى أزيد منها (3)، فيستصحب الخيار. ويؤيده قوله عليه السلام في بعض الروايات: " فلما استوجبتها قمت فمشيت خطى ليجب البيع حين افترقنا " (4)، وفيه: منع الانصراف ودلالة الرواية. ثم اعلم أن الافتراق - على ما عرفت من معناه - يحصل بحركة أحدهما وبقاء الآخر في مكانه، فلا يعتبر الحركة من الطرفين في صدق افتراقهما، فالحركة من أحدهما لا يسمى افتراقا حتى يحصل عدم المصاحبة من الآخر، فذات الافتراق الخارجي (5) من المتحرك، واتصافها بكونها افتراقا من الساكن. ولو تحرك كل منهما كان حركة كل منهما افتراقا بملاحظة عدم مصاحبة الآخر. وكيف كان، فلا يعتبر في الافتراق المسقط حركة كل منهما إلى غير جانب الآخر، كما تدل عليه الروايات الحاكية لشراء الإمام عليه السلام


(1) ولعل المراد به السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 542 - 543. (2) وهو السيد الطباطبائي في الرياض كما في الجواهر 23: 13، وراجع الرياض 8: 180. (3) في " ق ": " منه ". (4) الوسائل 12: 348، الباب 2 من أبواب خيار المجلس، الحديث 2. (5) لم ترد " الخارجي " في " ش "، وشطب عليها في " ف ".

[ 68 ]

أرضا وأنه عليه السلام قال: " فلما استوجبتها قمت فمشيت خطى ليجب البيع حين افترقنا " (1)، فأثبت افتراق الطرفين بمشيه عليه السلام فقط.


(1) تقدم في الصفحة السابقة.

[ 69 ]

مسألة المعروف أنه لا اعتبار بالافتراق عن إكراه إذا منع من التخاير أيضا، سواء بلغ حد سلب الاختيار أم لا، لأصالة بقاء الخيار بعد تبادر الاختيار من الفعل المسند إلى الفاعل المختار، مضافا إلى حديث " رفع ما استكرهوا عليه " (1)، وقد تقدم في مسألة اشتراط الاختيار في المتبايعين (2) ما يظهر منه عموم الرفع للحكم الوضعي المحمول على المكلف، فلا يختص برفع التكليف. هذا، ولكن يمكن منع التبادر، فإن المتبادر هو الاختياري في مقابل الاضطراري الذي لم يعد فعلا حقيقيا قائما بنفس الفاعل، بل يكون صورة فعل قائمة بجسم المضطر، لا في مقابل المكره الفاعل بالاختيار لدفع الضرر المتوعد على تركه، فإن التبادر ممنوع، فإذا دخل


(1) الوسائل 11: 296، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3، و 16: 144، الباب 16 من أبواب الأيمان، الحديث 3 و 5، وفيها: " وضع " بدل " رفع ". (2) راجع الجزء الثالث: 308 و 331.

[ 70 ]

الاختياري المكره عليه دخل الاضطراري لعدم القول بالفصل، مع أن المعروف بين الأصحاب: أن الافتراق ولو اضطرارا مسقط للخيار إذا كان الشخص متمكنا من الفسخ والإمضاء، مستدلين عليه بحصول التفرق المسقط للخيار. قال في المبسوط في تعليل الحكم المذكور: لأنه إذا كان متمكنا من الإمضاء والفسخ فلم يفعل حتى وقع التفرق، كان ذلك دليلا على الرضا والإمضاء (1)، انتهى. وفي جامع المقاصد تعليل الحكم المذكور بقوله: لتحقق الافتراق مع التمكن من الاختيار (2)، انتهى. ومنه يظهر: أنه لا وجه للاستدلال بحديث " رفع الحكم عن المكره "، للاعتراف بدخول المكره والمضطر إذا تمكنا من التخاير. والحاصل: أن فتوى الأصحاب هي: أن التفرق عن إكراه عليه وعلى ترك التخاير غير مسقط للخيار، وأنه لو حصل أحدهما باختياره سقط خياره، وهذه لا يصح الاستدلال عليها (3) باختصاص الأدلة بالتفرق الاختياري، ولا بأن مقتضى حديث الرفع جعل التفرق المكره عليه كلا تفرق، لأن المفروض أن التفرق الاضطراري أيضا مسقط مع وقوعه في حال التمكن من التخاير. فالأولى الاستدلال عليه - مضافا إلى الشهرة المحققة الجابرة


(1) المبسوط 2: 84. (2) جامع المقاصد 4: 283. (3) في " ش ": " وهذا لا يصح الاستدلال عليه ".

[ 71 ]

للإجماع المحكي (1)، وإلى أن المتبادر من التفرق ما كان عن رضا بالعقد، سواء وقع اختيارا أو اضطرارا - بقوله عليه السلام في صحيحة الفضيل: " فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما " (2). دل على أن الشرط في السقوط الافتراق والرضا منهما، ولا ريب أن الرضا المعتبر ليس إلا المتصل بالتفرق بحيث يكون التفرق عنه، إذ لا يعتبر الرضا في زمان آخر إجماعا. أو يقال: إن قوله: " بعد الرضا " إشارة إلى إناطة السقوط بالرضا بالعقد المستكشف عن افتراقهما (3) فيكون الافتراق مسقطا، لكونه كاشفا نوعا عن رضاهما بالعقد وإعراضهما عن الفسخ. وعلى كل تقدير، فيدل على أن المتفرقين - ولو اضطرارا - إذا كانا متمكنين من الفسخ ولم يفسخا كشف ذلك نوعا عن رضاهما بالعقد فسقط (4) خيارهما. وهذا هو الذي استفاده الشيخ قدس سره كما صرح به في عبارة المبسوط المتقدمة (5).


(1) كما في الغنية: 217، وحكاه السيد بحر العلوم في المصابيح عنه وعن تعليق الشرائع، انظر المصابيح (مخطوط): 121. (2) الوسائل 12: 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 3. (3) كذا في " ق "، وفي " ش ": " المستكشف عنه عن افتراقهما ". والأولى في العبارة: المستكشف عنه بافتراقهما. (4) كذا في ظاهر " ق " أيضا، والمناسب: " فيسقط ". (5) تقدمت في الصفحة المتقدمة.

[ 72 ]

مسألة لو اكره أحدهما على التفرق ومنع عن التخاير وبقي الآخر في المجلس، فإن منع من المصاحبة والتخاير لم يسقط خيار أحدهما، لأنهما مكرهان على الافتراق وترك التخاير، فدخل في المسألة السابقة. وإن لم يمنع من المصاحبة، ففيه أقوال. وتوضيح ذلك: أن افتراقهما المستند إلى اختيارهما - كما عرفت - يحصل بحركة أحدهما اختيارا وعدم مصاحبة الآخر [ له ] (1) كذلك، وأن الإكراه على التفرق لا يسقط حكمه ما لم ينضم معه الإكراه على ترك التخاير. فحينئذ نقول: تحقق الإكراه المسقط في أحدهما دون الآخر يحصل تارة بإكراه أحدهما على التفرق وترك التخاير وبقاء الآخر في المجلس مختارا في المصاحبة أو التخاير. واخرى بالعكس بإبقاء أحدهما في المجلس كرها مع المنع عن التخاير وذهاب الآخر اختيارا. ومحل الكلام هو الأول، وسيتضح به [ حكم ] (2) الثاني. والأقوال


(1) الزيادة اقتضاها السياق. (2) لم يرد في " ق "، وكتب في " ف " في الهامش.

[ 73 ]

فيه أربعة: سقوط خيارهما، كما عن ظاهر المحقق والعلامة وولده السعيد والسيد العميد وشيخنا الشهيد (1) قدس الله أسرارهم. وثبوته لهما، كما عن ظاهر المبسوط والمحقق والشهيد الثانيين ومحتمل الإرشاد (2). وسقوطه في حق المختار خاصة. وفصل في التحرير بين بقاء المختار في المجلس فالثبوت لهما، وبين مفارقته فالسقوط عنهما (3). ومبنى الأقوال على أن افتراقهما المجعول غاية لخيارهما هل يتوقف على حصوله عن اختيارهما، أو يكفي فيه حصوله عن اختيار أحدهما؟ وعلى الأول، هل يكون اختيار كل منهما مسقطا لخياره، أو يتوقف سقوط خيار كل واحد على مجموع اختيارهما؟ فعلى الأول:


(1) حكاه المحقق التستري في المقابس (242) عن العلامة وولده والسيد عميد الدين وعن ظاهر المحقق والشهيد، انظر الشرائع 2: 21، والقواعد 2: 65، وإيضاح الفوائد 1: 483، وكنز الفوائد 1: 447، والدروس 3: 266، وحكى عنهم ذلك في المصابيح (مخطوط): 122، ومفتاح الكرامة 4: 551، أيضا. (2) حكى عنهم ذلك في المصابيح (مخطوط): 122، ومفتاح الكرامة 4: 551، والمقابس: 242، مع تفاوت في النسبة من حيث التصريح في بعض والظهور في آخر، انظر المبسوط 2: 84، وجامع المقاصد 4: 289، والروضة 3: 449، والمسالك 3: 196، والإرشاد 1: 374. (3) التحرير 1: 166.

[ 74 ]

يسقط خيار المختار خاصة، كما عن الخلاف (1) وجواهر القاضي (2). وعلى الثاني يثبت الخياران، كما عن ظاهر المبسوط والمحقق والشهيد الثانيين (3). وعلى الثاني: فهل يعتبر في المسقط لخيارهما كونه فعلا وجوديا وحركة صادرة باختيار أحدهما، أو يكفي كونه تركا اختياريا، كالبقاء في مجلس العقد مختارا؟ فعلى الأول: يتوجه التفصيل المصرح به في التحرير بين بقاء الآخر في مجلس العقد وذهابه (4). وعلى الثاني: يسقط الخياران، كما عن ظاهر المحقق والعلامة وولده السعيد والسيد العميد وشيخنا الشهيد (5). واعلم أن ظاهر الإيضاح: أن قول التحرير ليس قولا مغايرا للثبوت لهما، وأن محل الخلاف ما إذا لم يفارق الآخر المجلس اختيارا، وإلا سقط خيارهما اتفاقا، حيث قال في شرح قول والده قدس سره: " لو حمل أحدهما ومنع من التخاير لم يسقط خياره على إشكال. وأما الثابت، فإن منع من المصاحبة والتخاير لم يسقط خياره، وإلا فالأقرب سقوطه، فيسقط خيار الأول " (6) انتهى، قال: إن هذا مبني على بقاء


(1) الخلاف 3: 26، المسألة 35 من كتاب البيوع. (2) جواهر الفقه: 55، المسألة 197، وحكاه عن ظاهره وظاهر قبله السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 551، والتستري في المقابس: 242. (3) تقدم عنهم في الصفحة المتقدمة. (4) تقدم عنه في الصفحة المتقدمة. (5) تقدم عنهم في الصفحة المتقدمة. (6) القواعد 2: 65.

[ 75 ]

الأكوان وعدمه وافتقار الباقي إلى المؤثر وعدمه وأن الافتراق ثبوتي أو عدمي، فعلى عدم البقاء أو افتقار الباقي إلى المؤثر يسقط، لأنه فعل المفارقة، وعلى القول ببقائها واستغناء الباقي عن المؤثر وثبوتية الافتراق لم يسقط خياره، لأنه لم يفعل شيئا. وإن قلنا بعدمية الافتراق والعدم ليس بمعلل فكذلك. وإن قلنا: إنه يعلل سقط أيضا. والأقرب عندي السقوط، لأنه مختار في المفارقة (1)، انتهى. وهذا الكلام وإن نوقش فيه بمنع بناء الأحكام على هذه التدقيقات، إلا أنه على كل حال صريح في أن الباقي لو ذهب اختيارا فلا خلاف في سقوط خياره، وظاهره - كظاهر عبارة القواعد -: أن سقوط خياره لا ينفك عن سقوط خيار الآخر، فينتفي القول المحكي عن الخلاف والجواهر. لكن العبارة المحكية عن الخلاف ظاهرة في هذا القول، قال: " لو اكرها أو أحدهما على التفرق بالأبدان على وجه يتمكنان من الفسخ والتخاير فلم يفعلا بطل خيارهما أو خيار من تمكن من ذلك " (2) ونحوه المحكي عن القاضي (3)، فإنه لولا جواز التفكيك بين الخيارين لاقتصر على قوله: " بطل خيارهما " فتأمل. بل حكي هذا القول عن ظاهر التذكرة أو صريحها (4). وفيه تأمل. وكيف كان، فالأظهر في بادئ النظر ثبوت الخيارين، للأصل


(1) إيضاح الفوائد 1: 482 - 483. (2) الخلاف 3: 26، المسألة 35 من كتاب البيوع. (3) جواهر الفقه: 55، المسألة 197. (4) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 551، وراجع التذكرة 1: 518.

[ 76 ]

وما تقدم: من تبادر تفرقهما عن رضا منهما، فإن التفرق وإن لم يعتبر كونه اختياريا من الطرفين ولا من أحدهما، إلا أن المتبادر رضاهما بالبيع حين التفرق، فرضا أحدهما في المقام - وهو الماكث - لا دليل على كفايته في سقوط خيارهما، ولا في سقوط خيار خصوص الراضي، إذ الغاية غاية للخيارين، فإن تحققت سقطا وإلا ثبتا. ويدل عليه ما تقدم من صحيحة الفضيل (1) المصرحة بإناطة سقوط الخيار بالرضا منهما المنفي بانتفاء رضا أحدهما. ولكن يمكن التفصي عن الأصل بصدق تفرقهما، وتبادر تقيده بكونه عن رضا كليهما ممنوع، بل المتيقن اعتبار رضا أحدهما. وظاهر الصحيحة وإن كان اعتبار ذلك، إلا أنه معارض بإطلاق ما يستفاد من الرواية السابقة الحاكية لفعل الإمام عليه السلام وأنه قال: " فمشيت خطى ليجب البيع حين افترقنا " (2)، جعل مجرد مشيه عليه السلام سببا لصدق الافتراق المجعول غاية للخيار، وجعل وجوب البيع علة غائية له من دون اعتبار رضا الآخر أو شعوره بمشي الإمام عليه السلام. ودعوى: انصرافه إلى صورة شعور الآخر وتركه المصاحبة اختيارا، ممنوعة. وظاهر الصحيحة وإن كان أخص، إلا أن ظهور الرواية في عدم مدخلية شئ آخر زائدا على مفارقة أحدهما صاحبه مؤيد بالتزام مقتضاه في غير واحد من المقامات، مثل ما إذا مات أحدهما وفارق


(1) تقدمت في الصفحة 71. (2) تقدمت في الصفحة 67.

[ 77 ]

الآخر اختيارا، فإن الظاهر منهم عدم الخلاف في سقوط الخيارين، وقد قطع به في جامع المقاصد مستدلا بأنه قد تحقق الافتراق، فسقط الخياران (1) مع أن المنسوب إليه ثبوت الخيار لهما فيما نحن فيه (2). وكذا لو فارق أحدهما في حال نوم الآخر أو غفلته عن مفارقة صاحبه مع تأيد ذلك بنقل الإجماع عن السيد عميد الدين (3). وظاهر المبنى المتقدم عن الإيضاح (4) - أيضا -: عدم الخلاف في عدم اعتبار الرضا من الطرفين، وإنما الخلاف في أن البقاء اختيارا مفارقة اختيارية أم لا. بل ظاهر القواعد (5) - أيضا -: أن سقوط خيار المكره متفرع على سقوط خيار الماكث، من غير إشارة إلى وجود خلاف في هذا التفريع، وهو الذي ينبغي، لأن الغاية إن حصلت سقط الخياران، وإلا بقيا، فتأمل. وعبارة الخلاف المتقدمة (6) وإن كانت ظاهرة في التفكيك بين المتبايعين في الخيار، إلا أنها ليست بتلك الظهور، لاحتمال إرادة سقوط خيار المتمكن من التخاير من حيث تمكنه مع قطع النظر عن حال


(1) جامع المقاصد 4: 288. (2) كما تقدم في الصفحة 73. (3) نقله في المقابس: 242 عن ظاهره، وراجع كنز الفوائد 1: 447، وفيه: اتفاقا. (4) تقدم في الصفحة 74 - 75. (5) تقدمت عبارته في الصفحة 74. (6) تقدمت في الصفحة 75.

[ 78 ]

الآخر، فلا ينافي سقوط خيار الآخر، [ لأجل التلازم بين الخيارين من حيث اتحادهما في الغاية ] (1)، مع أن شمول عبارته لبعض الصور التي لا يختص بطلان الخيار فيها بالمتمكن مما لا بد منه، كما لا يخفى على المتأمل. وحملها على ما ذكرنا: من إرادة المتمكن لا بشرط، لا إرادة خصوصه فقط، أولى من تخصيصها ببعض الصور. ولعل نظر الشيخ والقاضي (2) إلى أن الافتراق المستند إلى اختيارهما جعل غاية لسقوط خيار كل منهما، فالمستند إلى اختيار أحدهما مسقط لخياره خاصة. وهو استنباط حسن. لكن لا يساعد عليه ظاهر النص (3). ثم إنه يظهر مما ذكرنا حكم عكس المسألة - وهي ما إذا اكره أحدهما على البقاء ممنوعا من التخاير وفارق الآخر اختيارا - فإن مقتضى ما تقدم من الإيضاح من مبنى الخلاف (4) عدم الخلاف في سقوط الخيارين هنا، ومقتضى ما ذكرنا من مبنى الأقوال (5) جريان الخلاف هنا أيضا. وكيف كان، فالحكم بسقوط الخيار، عليهما (6) هنا أقوى كما لا يخفى.


(1) لم يرد ما بين المعقوفتين في " ق "، نعم ورد في هامش " ف ". (2) وهو سقوط خيار المختار خاصة، راجع الصفحة 74. (3) يعني قوله صلى الله عليه وآله: " البيعان بالخيار حتى يفترقا ". (4) تقدم في الصفحة 74 - 75. (5) تقدم ذكره في الصفحة 73. (6) كذا في " ق "، وفي " ش ": " عنهما ".

[ 79 ]

مسألة لو زال الإكراه، فالمحكي عن الشيخ وجماعة: امتداد الخيار بامتداد مجلس الزوال (1). ولعله لأن الافتراق الحاصل بينهما في حال الإكراه كالمعدوم، فكأنهما بعد مجتمعان في مجلس العقد، فالخيار باق. وفيه: أن الهيئة الاجتماعية الحاصلة حين العقد قد ارتفعت حسا، غاية الأمر عدم ارتفاع حكمها - وهو الخيار - بسبب الإكراه، ولم يجعل مجلس زوال الإكراه بمنزلة مجلس العقد. والحاصل: أن الباقي بحكم الشرع هو الخيار، لا مجلس العقد، فالنص ساكت عن غاية هذا الخيار، فلا بد إما من القول بالفور كما عن التذكرة (2) - ولعله لأنه المقدار الثابت يقينا لاستدراك حق المتبايعين -


(1) المبسوط 2: 84، ونسبه المحقق التستري قدس سره إلى ظاهر ابن زهرة والفاضلين في الشرائع والإرشاد وفتوى الأخير في التحرير والشهيد الثاني في الروضة، انظر المقابس: 243. (2) حكاه عنها المحقق التستري في المقابس: 243، والموجود في التذكرة هكذا: " وإذا وجد التمكن، هل هو على الفور؟ فيه ما سبق من الخلاف "، انظر التذكرة 1: 518.

[ 80 ]

وإما من القول بالتراخي إلى أن يحصل المسقطات، لاستصحاب الخيار. والوجهان جاريان في كل خيار لم يظهر حاله من الأدلة.

[ 81 ]

مسألة ومن مسقطات هذا الخيار: التصرف - على وجه يأتي في خياري الحيوان والشرط - ذكره الشيخ في المبسوط في خيار المجلس وفي الصرف (1)، والعلامة قدس سره في التذكرة (2)، ونسب إلى جميع من تأخر عنه (3)، بل ربما يدعى إطباقهم (4) عليه، وحكي عن الخلاف والجواهر والكافي والسرائر (5). ولعله لدلالة التعليل في بعض أخبار [ خيار ] (6) الحيوان. وهو


(1) المبسوط 2: 83 - 84 و 96. (2) التذكرة 1: 517. (3) لم نعثر عليه، ولعله يستفاد من عبارات المصابيح (المخطوط): 123، ومفتاح الكرامة 4: 547 - 548، والمقابس: 243، والمناهل: 337 - 338. (4) راجع مفتاح الكرامة 4: 548. (5) الخلاف 3: 24، المسألة 31 من كتاب البيوع، وجواهر الفقه: 54 - 55، المسألة 196، والكافي في الفقه: 353، والسرائر 2: 247 - 248. (6) لم يرد في " ق ".

[ 82 ]

الوجه أيضا في اتفاقهم على سقوط خيار الشرط، وإلا فلم يرد فيه نص بالخصوص، بل سقوط خيار المشتري بتصرفه مستفاد من نفس تلك الرواية المعللة، حيث قال: " فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة أيام فذلك رضا منه، فلا شرط " (1)، فإن المنفي يشمل شرط المجلس والحيوان، فتأمل. وتفصيل التصرف المسقط سيجئ (2) إن شاء الله تعالى.


(1) الوسائل 12: 351، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث الأول. (2) انظر الصفحة 97، الثالث من مسقطات خيار الحيوان.

[ 83 ]

الثاني خيار الحيوان لا خلاف بين الإمامية في ثبوت الخيار في الحيوان المشترى (1)، وظاهر النص (2) والفتوى: العموم لكل ذي حياة، فيشمل مثل الجراد والزنبور والسمك والعلق ودود القز، ولا يبعد اختصاصه بالحيوان المقصود حياته في الجملة، فمثل السمك المخرج من الماء والجراد المحرز في الإناء - وشبه ذلك - خارج، لأنه لا يباع من حيث إنه حيوان، بل من حيث إنه لحم مثلا (3)، ويشكل فيما صار كذلك لعارض، كالصيد المشرف على الموت بإصابة السهم أو بجرح الكلب المعلم. وعلى كل حال، فلا يعد زهاق روحه تلفا من البائع قبل القبض، أو في زمان الخيار. وفي منتهى خياره مع عدم بقائه إلى الثلاثة وجوه. ثم إنه هل يختص هذا الخيار بالبيع المعين - كما هو المنساق في


(1) في " ش ": " للمشتري ". (2) راجع الوسائل 12: 348، الباب 3 من أبواب الخيار. (3) لم ترد " مثلا " في " ش ".

[ 84 ]

النظر من الإطلاقات، ومع (1) الاستدلال له في بعض معاقد الإجماع " كما في التذكرة " (2) بالحكمة الغير الجارية في الكلي الثابت في الذمة - أو يعم الكلي كما هو المتراءى من النص والفتوى؟ لم أجد مصرحا بأحد الأمرين. نعم، يظهر من بعض المعاصرين قدس سره الأول. ولعله الأقوى. وكيف كان، فالكلام في من له هذا الخيار، وفي مدته من حيث المبدأ والمنتهى، ومسقطاته يتم برسم مسائل:


(1) كذا في " ق "، ولم ترد " و " في " ش "، وشطب على " مع " في " ف ". (2) التذكرة 1: 519.

[ 85 ]

مسألة المشهور اختصاص هذا الخيار بالمشتري، حكي (1) عن الشيخين (2) والصدوقين (3) والإسكافي (4) وابن حمزة (5) والشاميين الخمسة (6) والحليين الستة (7) ومعظم المتأخرين (8)، وعن الغنية وظاهر الدروس: الإجماع


(1) حكاه في المختلف 5: 64، والرياض 8: 181، ومفتاح الكرامة 4: 553 - 554، والمستند 14: 375 وغيرها. (2) راجع المقنعة: 592، والمبسوط 2: 78، والنهاية: 386. (3) المقنع: 365. (4) حكاه عنه في المختلف 5: 64. (5) الوسيلة: 248. (6) راجع الكافي في الفقه: 353، والمهذب 1: 353، والدروس 3: 272، والروضة 3: 450، وجامع المقاصد 4: 291. (7) السرائر 2: 243 - 244، والشرائع 2: 22، والجامع للشرائع: 247 و 261، والنزهة: 86، والمختلف 5: 64، والإيضاح 1: 483، والتنقيح الرائع 2: 45. (8) لم نعثر عليه بعينه، نعم في الرياض 8: 181، والمستند 14: 375: عليه عامة المتأخرين.

[ 86 ]

عليه (1)، لعموم قوله عليه السلام: " إذا افترقا وجب البيع " (2) خرج المشتري وبقي البائع، بل لعموم * (أوفوا بالعقود) * (3) بالنسبة إلى ما ليس فيه خيار المجلس بالأصل أو بالاشتراط، ويثبت الباقي بعدم القول بالفصل. ويدل عليه أيضا ظاهر غير واحد من الأخبار: منها: صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري. قلت: وما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا [ منهما ] (4) " (5)، وظهوره في اختصاص الخيار بالمشتري وإطلاق نفي الخيار لهما في بيع غير الحيوان بعد الافتراق يشمل ما إذا كان الثمن حيوانا. ويتلوها في الظهور رواية علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: " الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري " (6) فإن ذكر القيد مع إطلاق الحكم قبيح إلا لنكتة جلية.


(1) حكاه صاحب الجواهر في الجواهر 23: 24، وراجع الغنية: 219، والدروس 3: 272. (2) الوسائل 12: 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 4. (3) المائدة: 1. (4) من " ش " والمصدر. (5) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 5، و 346، الباب الأول منها، الحديث 3. (6) الوسائل 12: 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 5.

[ 87 ]

ونحوها صحيحة الحلبي في الفقيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري " (1)، وصحيحة ابن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الشرط (2) في الحيوانات ثلاثة أيام للمشتري " (3). وأظهر من الكل صحيحة ابن رئاب المحكية عن قرب الإسناد، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى جارية، لمن الخيار؟ للمشتري أو للبائع أو لهما (4) كليهما؟ قال: الخيار لمن اشترى نظرة ثلاثة أيام، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء " (5). وعن سيدنا المرتضى قدس سره وابن طاووس: ثبوته للبائع أيضا (6)، وحكي عن الانتصار: دعوى الإجماع عليه (7)، لأصالة جواز العقد من الطرفين بعد ثبوت خيار المجلس، ولصحيحة محمد بن مسلم: " المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا " (8)، وبها تخصص عمومات اللزوم مطلقا أو بعد الافتراق، وهي أرجح


(1) الفقيه 3: 201، الحديث 3761، والوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث الأول. (2) في " ق ": " الشروط "، والظاهر أنه سهو. (3) الوسائل 12: 351، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث الأول. (4) في " ق " زيادة " أو "، ولعلها من سهو القلم. (5) الوسائل 12: 350، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 9. (6) حكاه عنهما الشهيد في غاية المراد 2: 97. (7) الانتصار: 433، المسألة 245. (8) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 3.

[ 88 ]

بحسب السند من صحيحة ابن رئاب المحكية عن قرب الإسناد. وقد صرحوا بترجيح رواية مثل محمد بن مسلم وزرارة وأضرابهما على غيرهم من الثقات، مضافا إلى ورودها في الكتب الأربعة المرجحة على مثل قرب الإسناد من الكتب التي لم يلتفت إليها أكثر أصحابنا مع بعد غفلتهم عنها أو عن مراجعتها. وأما الصحاح الاخر المكافئة سندا لصحيحة ابن مسلم، فالإنصاف أن دلالتها بالمفهوم لا تبلغ في الظهور مرتبة منطوق الصحيحة، فيمكن حملها على بيان الفرد الشديد الحاجة، لأن الغالب في المعاملة، خصوصا معاملة الحيوان، كون إرادة الفسخ في طرف المشتري لاطلاعه على خفايا الحيوان، ولا ريب أن الأظهرية في الدلالة مقدمة (1) في باب الترجيح على الأكثرية. وأما ما ذكر في تأويل صحيحة ابن مسلم: من أن خيار الحيوان للمشتري على البائع فكان بين المجموع (2)، ففي غاية السقوط. وأما الشهرة المحققة، فلا تصير حجة على السيد، بل مطلقا، بعد العلم بمستند المشهور وعدم احتمال وجود مرجح لم يذكروه. وإجماع الغنية لو سلم رجوعه إلى اختصاص الخيار بالمشتري - لا مجرد ثبوته له - معارض بإجماع الانتصار الصريح في ثبوته للبائع، ولعله لذا قوى في المسالك (3) قول السيد مع قطع النظر عن الشهرة، بل


(1) في " ش ": " متقدمة ". (2) ذكره المحقق التستري في المقابس: 244، واحتمله في الجواهر 23: 27. (3) المسالك 3: 200.

[ 89 ]

الاتفاق، على خلافه. وتبعه على ذلك في المفاتيح (1) وتوقف في غاية المراد (2) وحواشي القواعد (3) وتبعه في المقتصر (4). هذا، ولكن الإنصاف: أن أخبار المشهور من حيث المجموع لا يقصر ظهورها عن الصحيحة مع اشتهارها بين الرواة حتى محمد بن مسلم الراوي للصحيحة، مع أن المرجع بعد التكافؤ عموم أدلة لزوم العقد بالافتراق والمتيقن خروج المشتري، فلا ريب في ضعف هذا القول. نعم، هنا قول ثالث لعله أقوى منه، وهو ثبوت الخيار لمن انتقل إليه الحيوان ثمنا أو مثمنا، نسب إلى جماعة من المتأخرين (5)، منهم الشهيد في المسالك (6)، لعموم صحيحة ابن مسلم " المتبائعان بالخيار ما لم يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام " (7) ولا ينافيه تقييد الحيوان ب‍ " المشترى " في موثقة ابن فضال (8)، لاحتمال ورود التقييد مورد الغالب،


(1) مفاتيح الشرائع 3: 68. (2) غاية المراد 2: 96 - 97. (3) لا يوجد لدينا، لكن حكاه عنها السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 555. (4) المقتصر: 168 - 169. (5) منهم المحقق الأردبيلي 8: 392، والمحدث البحراني في الحدائق 19: 25 و 26، والمحقق النراقي في المستند 14: 377، وقواه الشهيد الثاني في الروضة 3: 450. (6) المسالك 3: 200. (7) الوسائل 12: 345، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث الأول. (8) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 2.

[ 90 ]

لأن الغالب كون صاحب الحيوان مشتريا. ولا ينافي هذه الدعوى التمسك بإطلاق صحيحة ابن مسلم، لأن الغلبة قد تكون بحيث توجب تنزيل التقييد عليها، ولا توجب تنزيل الإطلاق. ولا ينافيها أيضا ما دل على اختصاص الخيار بالمشتري (1)، لورودها مورد الغالب من كون الثمن غير حيوان. ولا صحيحة محمد بن مسلم المثبتة للخيار للمتبايعين، لإمكان تقييدها - وإن بعد - بما إذا كان العوضان حيوانين. لكن الإشكال في إطلاق الصحيحة الاولى (2) من جهة قوة انصرافه إلى المشتري، فلا مخصص يعتد به، لعمومات اللزوم مطلقا أو بعد المجلس، فلا محيص عن المشهور.


(1) راجع الوسائل 12: 349 - 350، الباب 3 من أبواب الخيار، الأحاديث 1، 4، 5، 8 و 9. (2) وهي صحيحة الفضيل المتقدمة في الصفحة 86.

[ 91 ]

مسألة لا فرق بين الأمة وغيرها في مدة الخيار، وفي الغنية - كما عن الحلبي -: أن مدة خيار الأمة مدة استبرائها (1)، بل عن الأول دعوى الإجماع عليه، وربما ينسب (2) هذا إلى المقنعة (3) والنهاية (4) والمراسم (5) من جهة حكمهم بضمان البائع لها مدة الاستبراء. ولم أقف لهم على دليل.


(1) الغنية: 219، والكافي في الفقه: 353. (2) نسبه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 558، وصاحب الجواهر في الجواهر 23: 24 إلى ظاهرها. (3) المقنعة: 592 - 593. (4) العبارة ساقطة من النهاية المتداولة بين أيدينا. نعم، هي موجودة في النهاية المطبوعة مع نكت النهاية 2: 144 - 145، والمطبوعة ضمن الجوامع الفقهية: 336، ونقلها العلامة بلفظها في المختلف 5: 223. (5) المراسم: 175.

[ 92 ]

مسألة مبدأ هذا الخيار من حين العقد، فلو لم يفترقا ثلاثة أيام انقضى خيار الحيوان وبقي خيار المجلس، لظاهر قوله عليه السلام: " إن الشرط في الحيوان ثلاثة أيام، وفي غيره حتى يتفرقا " (1). خلافا للمحكي عن ابن زهرة فجعله من حين التفرق (2)، وكذا الشيخ والحلي في خيار الشرط المتحد مع هذا الخيار في هذا الحكم من جهة الدليل الذي ذكراه. قال في المبسوط: الأولى أن يقال: إنه - يعني خيار الشرط - يثبت من حين التفرق، لأن الخيار يدخل إذا ثبت العقد، والعقد لم يثبت قبل التفرق (3)، انتهى. ونحوه المحكي عن السرائر (4).


(1) راجع الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 5، و 346، الباب الأول من الأبواب، الحديث 3 و 5. (2) الغنية: 220. (3) المبسوط 2: 85. (4) السرائر 2: 247.

[ 93 ]

وهذه الدعوى لم نعرفها. نعم، ربما يستدل (1) عليه (2) بأصالة عدم ارتفاعه بانقضاء ثلاثة من حين العقد، بل أصالة عدم حدوثه قبل انقضاء المجلس، وبلزوم (3) اجتماع السببين على مسبب واحد، وما دل على أن تلف الحيوان في الثلاثة من البائع (4) مع أن التلف في الخيار المشترك من المشتري. ويرد الأصل بظاهر (5) الدليل، مع أنه بالتقرير الثاني، مثبت. وأدلة " التلف من البايع " محمول (6) على الغالب من كونه بعد المجلس. ويرد التداخل بأن الخيارين إن اختلفا من حيث الماهية فلا بأس بالتعدد. وإن اتحدا فكذلك، إما لأن الأسباب معرفات، وإما لأنها علل ومؤثرات يتوقف استقلال كل واحد [ منها ] (7) في التأثير على عدم مقارنة الآخر أو سبقه، فهي علل تامة إلا من هذه الجهة، وهو المراد مما في التذكرة - في الجواب عن أن الخيارين مثلان فلا يجتمعان -: من أن الخيار واحد والجهة متعددة (8).


(1) راجع الاستدلال ورده في مفتاح الكرامة 4: 553، والجواهر 23: 28. (2) كذا، والمناسب: " عليها ". (3) في " ق ": للزوم، ولعله من سهو القلم. (4) الوسائل 12: 352، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2 و 5. (5) في " ش ": " ظاهر ". (6) كذا، والمناسب: محمولة. (7) لم يرد في " ق ". (8) التذكرة 1: 520.

[ 94 ]

ثم إن المراد بزمان العقد [ هل ] (1) زمان مجرد الصيغة - كعقد الفضولي على القول بكون الإجازة ناقلة - أو زمان الملك، عبر بذلك للغلبة؟ الظاهر هو الثاني، كما استظهره بعض المعاصرين (2)، قال: فعلى هذا لو أسلم حيوانا في طعام وقلنا بثبوت الخيار لصاحب الحيوان وإن كان بائعا، كان مبدؤه بعد القبض. وتمثيله بما ذكر مبني على اختصاص (3) الخيار بالحيوان المعين، وقد تقدم التردد في ذلك (4). ثم إن ما ذكروه في خيار المجلس من جريانه في الصرف ولو قبل القبض يدل على أنه لا يعتبر في الخيار الملك، لكن لا بد له من أثر. وقد تقدم الإشكال في ثبوته في الصرف قبل القبض لو لم نقل بوجوب التقابض (5).


(1) لم يرد في " ق ". (2) لم نعثر عليه في ما بأيدينا من كتب معاصريه، نعم في بعض الشروح: أنه المحقق الشيخ علي كاشف الغطاء قدس سره في تعليقته على اللمعة. (3) كذا في " ق " أيضا، لكن ذكر الشهيدي - بعد توجيه العبارة بصيغة الإثبات -: أن في بعض النسخ المصححة " عدم اختصاص "، ووجهه أيضا بتوجيه، راجع هداية الطالب: 433. (4) تقدم في الصفحة 83 - 84. (5) تقدم في الصفحة 49.

[ 95 ]

مسألة لا إشكال في دخول الليلتين المتوسطتين في الثلاثة أيام، لا لدخول الليل في مفهوم اليوم، بل للاستمرار المستفاد من الخارج، ولا في دخول الليالي الثلاث عند التلفيق مع الانكسار. ولو عقد في الليل، فالظاهر بقاء الخيار إلى آخر اليوم الثالث، ويحتمل النقص عن اليوم الثالث بمقدار ما بقي من ليلة العقد. لكن فيه: أنه يصدق حينئذ الأقل من ثلاثة أيام، والإطلاق على المقدار المساوي للنهار ولو من الليل خلاف الظاهر. قيل: والمراد بالأيام الثلاثة ما كانت مع الليالي الثلاث لدخول الليلتين أصالة، فتدخل الثالثة، وإلا لاختلفت مفردات الجمع في استعمال واحد (1)، انتهى. فإن أراد الليلة السابقة على الأيام فهو حسن، إلا أنه لا يعلل بما ذكر. وإن أراد الليلة الأخيرة فلا يلزم من خروجها اختلاف مفردات الجمع في استعمال واحد، إذ لا نقول باستعمال اليومين الأولين


(1) قاله السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 558.

[ 96 ]

في اليوم والليلة واستعمال اليوم الثالث في خصوص النهار، بل نقول: إن اليوم مستعمل في خصوص النهار أو مقداره من نهارين، لا في مجموع النهار والليل أو مقدارهما، ولا في مقدار (1) النهار ولو ملفقا من الليل. والمراد من " الثلاثة أيام " هي بلياليها أي ليالي مجموعها، لا كل واحد منها، فالليالي لم ترد من نفس اللفظ، وإنما اريدت من جهة الإجماع وظهور اللفظ الحاكمين في المقام باستمرار الخيار، فكأنه قال: الخيار يستمر إلى أن يمضي ست وثلاثون ساعة من النهار.


(1) في " ش " بدل " مقدار ": " باقي ".

[ 97 ]

مسألة يسقط هذا الخيار بامور: أحدها: اشتراط سقوطه في العقد. ولو شرط سقوط بعضه، فقد صرح بعض (1) بالصحة. ولا بأس به. والثاني: إسقاطه بعد العقد، وقد تقدم الأمران (2). [ و ] (3) الثالث: التصرف ولا خلاف في إسقاطه في الجملة لهذا الخيار. ويدل عليه قبل الإجماع النصوص: ففي صحيحة ابن رئاب: " فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة أيام فذلك رضى منه ولا شرط له، قيل له: وما الحدث؟ قال: إن لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان محرما عليه قبل الشراء " (4).


(1) صرح به السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 559. (2) تقدما في الصفحة 51 و 61. (3) لم يرد في " ق ". (4) الوسائل 12: 351، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث الأول.

[ 98 ]

وصحيحة الصفار: " كتبت إلى أبي محمد عليه السلام في الرجل اشترى دابة من رجل فأحدث فيها [ حدثا ] (1) من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ، أله أن يردها في الثلاثة أيام (2) التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها (3) أو الركوب الذي ركبها (4) فراسخ؟ فوقع عليه السلام إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء إن شاء الله تعالى " (5). وفي ذيل الصحيحة المتقدمة عن قرب الإسناد: " قلت [ له ] (6) أرأيت إن قبلها المشتري أو لامس؟ فقال: إذا قبل أو لامس أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط ولزم البيع " (7). واستدل عليه في التذكرة - بعد الإجماع -: بأن التصرف دليل الرضا (8). وفي موضع آخر منها: أنه دليل الرضا بلزوم العقد (9). وفي موضع آخر منها - كما في الغنية (10) -: أن التصرف إجازة (11).


(1) لم يرد في " ق ". (2) كذا في " ق " وفاقا للتهذيب، وفي " ش ": " الثلاثة الأيام "، وفاقا للوسائل. (3) في " ق ": " يحدثها "، وهو سهو. (4) في " ش ": يركبها. (5) الوسائل 12: 351، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 2. (6) من " ش " والمصدر. (7) الوسائل 12: 351، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 3. (8) التذكرة 1: 519. (9) التذكرة 1: 528. (10) الغنية: 219. (11) التذكرة 1: 538.

[ 99 ]

أقول: المراد بالحدث إن كان مطلق التصرف الذي لا يجوز لغير المالك إلا برضاه كما يشير إليه قوله عليه السلام: " أو نظر إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء "، فلازمه كون مطلق استخدام المملوك، بل مطلق التصرف فيه مسقطا، كما صرح به في التذكرة - في بيان التصرف المسقط للرد بالعيب -: من أنه لو استخدمه بشئ خفيف مثل " اسقني " أو " ناولني الثوب " أو " اغلق الباب " سقط الرد. ثم استضعف قول بعض الشافعية بعدم السقوط، معللا بأن مثل هذه الامور قد يؤمر به غير المملوك: بأن المسقط مطلق التصرف. وقال أيضا: لو كان له على الدابة سرج أو ركاب فتركهما عليها بطل الرد، لأنه استعمال وانتفاع (1)، انتهى. وقال في موضع من التذكرة: عندنا أن الاستخدام بل كل تصرف يصدر من المشتري قبل علمه بالعيب أو بعده يمنع الرد (2)، انتهى. وهو في غاية الإشكال، لعدم تبادر ما يعم ذلك من لفظ " الحدث " وعدم دلالة ذلك على الرضا بلزوم العقد، مع أن من المعلوم عدم انفكاك المملوك المشترى عن ذلك في أثناء الثلاثة، فيلزم جعل الخيار فيه كاللغو، مع أنهم ذكروا أن الحكمة في هذا الخيار الاطلاع على امور خفية في الحيوان توجب زهادة (3) المشتري، وكيف يطلع الإنسان على ذلك بدون النظر إلى الجارية ولمسها وأمرها بغلق الباب والسقي وشبه ذلك؟


(1) التذكرة 1: 530. (2) التذكرة 1: 531. (3) في " ق ": " زهاد ".

[ 100 ]

وإن كان المراد مطلق التصرف بشرط دلالته على الرضا بلزوم العقد - كما يرشد إليه وقوعه في معرض التعليل في صحيحة ابن رئاب (1)، ويظهر من استدلال العلامة وغيره على المسألة بأن التصرف دليل الرضا بلزوم العقد - فهو لا يناسب إطلاقهم الحكم بإسقاط التصرفات التي ذكروها. ودعوى: أن جميعها مما يدل - لو خلي وطبعه - على الالتزام بالعقد، فيكون إجازة فعلية، كما ترى! ثم إن قوله عليه السلام في الصحيحة: " فذلك رضى منه " يراد منه الرضا بالعقد في مقابلة كراهة ضده أعني الفسخ، وإلا فالرضا بأصل الملك مستمر من زمان العقد إلى حين الفسخ، ويشهد لهذا المعنى رواية عبد الله بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام عن أبيه عن جعفر عن أبيه عليهم السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله في رجل اشترى عبدا بشرط إلى ثلاثة أيام فمات العبد في الشرط، قال: يستحلف بالله تعالى ما رضيه، ثم هو برئ من الضمان " (2) فإن المراد بالرضا الالتزام بالعقد، والاستحلاف في الرواية محمولة على سماع دعوى التهمة أو على صورة حصول القطع للبائع بذلك. إذا عرفت هذا فقوله عليه السلام: " فذلك رضى منه ولا شرط [ له ] " (3) يحتمل وجوها:


(1) المتقدمة في الصفحة 97. (2) الوسائل 12: 352، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 4. (3) لم يرد في " ق ".

[ 101 ]

أحدها: أن تكون الجملة جوابا للشرط، فيكون حكما شرعيا بأن التصرف التزام بالعقد وإن لم يكن التزاما عرفا. الثاني: أن تكون توطئة للجواب، وهو قوله: " ولا شرط [ له ] (1) " لكنه توطئة لحكمة الحكم وتمهيد لها لا علة حقيقية (2) فيكون إشارة إلى أن الحكمة في سقوط الخيار بالتصرف دلالته غالبا على الرضا، نظير كون الرضا حكمة في سقوط خيار المجلس بالتفرق في قوله عليه السلام: " فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما " فإنه لا يعتبر في الافتراق دلالته (3) على الرضا. وعلى هذين المعنيين، فكل تصرف مسقط وإن علم عدم دلالته على الرضا. الثالث: أن تكون الجملة إخبارا عن الواقع، نظرا إلى الغالب وملاحظة نوع التصرف لو خلي وطبعه، ويكون علة للجواب، فيكون نفي الخيار معللا بكون التصرف غالبا دالا على الرضا بلزوم العقد، وبعد ملاحظة وجوب تقييد إطلاق الحكم بمؤدى علته - كما في قوله: " [ لا تأكل ] (4) الرمان لأنه حامض " - دل على اختصاص الحكم بالتصرف الذي يكون كذلك، أي: دالا بالنوع غالبا على التزام العقد وإن لم يدل في شخص المقام، فيكون المسقط من التصرف ما كان له ظهور نوعي


(1) لم يرد في " ق ". (2) في " ش ": " حقيقة ". (3) في " ش ": " دلالة ". (4) في " ق ": " لا تشرب ".

[ 102 ]

في الرضا، نظير ظهور الألفاظ في معانيها مقيدا بعدم قرينة توجب صرفه عن الدلالة، كما إذا دل الحال أو المقال على وقوع التصرف للاختبار، أو اشتباها بعين اخرى مملوكة له، ويدخل فيه كل ما يدل نوعا على الرضا وإن لم يعد تصرفا عرفا كالتعريض للبيع والإذن للبائع في التصرف فيه. الرابع: أن تكون إخبارا عن الواقع ويكون العلة هي نفس الرضا الفعلي الشخصي، ويكون إطلاق الحكم مقيدا بتلك العلة، فيكون موضوع الحكم في الحقيقة هو نفس الرضا الفعلي، فلو لم يثبت الرضا الفعلي لم يسقط الخيار. ثم إن الاحتمالين الأولين وإن كانا موافقين لإطلاق سائر الأخبار وإطلاقات بعض كلماتهم - مثل ما تقدم من التذكرة: من أن مطلق التصرف لمصلحة نفسه مسقط (1)، وكذا غيره كالمحقق والشهيد الثانيين (2) - بل لإطلاق بعض معاقد الإجماع، إلا أنهما بعيدان عن ظاهر الخبر، مع مخالفتهما لأكثر كلماتهم، فإن الظاهر منها عدم السقوط بالتصرف للاختبار والحفظ، بل ظاهرها اعتبار الدلالة في الجملة على الرضا، كما سيجئ (3)، ويؤيده حكم بعضهم بكفاية الدال على الرضا وإن لم يعد تصرفا، كتقبيل الجارية للمشتري، على ما صرح به في التحرير


(1) تقدم في الصفحة 99. (2) راجع جامع المقاصد 4: 283 و 291، والمسالك 3: 197 و 201. (3) يجئ في الصفحة 104 وما بعدها.

[ 103 ]

والدروس (1). فعلم أن العبرة بالرضا، وإنما اعتبر التصرف للدلالة، وورد النص أيضا بأن العرض على البيع إجازة (2)، مع أنه ليس حدثا عرفا. ومما يؤيد عدم إرادة الأصحاب كون التصرف مسقطا إلا من جهة دلالته على الرضا: حكمهم بأن كل تصرف يكون إجازة من المشتري في المبيع يكون فسخا من البائع، فلو كان التصرف (3) مسقطا تعبديا عندهم من جهة النص لم يكن وجه للتعدي عن كونه إجازة إلى كونه فسخا. وقد صرح في التذكرة: بأن الفسخ كالإجازة يكون بالقول وبالفعل (4)، وذكر التصرف [ مثالا ] (5) للفسخ والإجازة الفعليين (6). فاندفع ما يقال في تقريب كون التصرف مسقطا لا للدلالة على الرضا: بأن الأصحاب يعدونه في مقابل الإجازة (7). وأما المعنى الرابع: فهو وإن كان أظهر الاحتمالات من حيث


(1) التحرير 1: 168، والدروس 3: 272. (2) راجع الوسائل 12: 359، الباب 12 من أبواب الخيار، الحديث الأول. (3) في " ق " زيادة: " عندهم "، ولعل التكرار من سهو القلم. (4) التذكرة 1: 537. (5) لم يرد في " ق ". (6) كذا في " ش "، وفي " ق " و " ف ": " فعلا "، لكن شطب عليه في " ف "، وكتب أعلاه ما أثبتناه. (7) راجع الجواهر 23: 66.

[ 104 ]

اللفظ، بل جزم به في الدروس (1)، ويؤيده ما تقدم من رواية عبد الله [ بن الحسن ] (2) بن زيد، الحاكية للنبوي الدال - كما في الدروس أيضا (3) - على الاعتبار بنفس الرضا، وظاهر بعض كلماتهم الآتية. إلا أن المستفاد من تتبع الفتاوى الإجماع على عدم إناطة الحكم بالرضا الفعلي بلزوم العقد، مع أن أظهريته بالنسبة إلى المعنى الثالث غير واضحة. فتعين إرادة المعنى الثالث، ومحصله: دلالة التصرف لو خلي وطبعه على الالتزام وإن لم يفد في خصوص المقام، فيكون التصرف إجازة فعلية في مقابل الإجازة القولية، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه. قال في المقنعة: إن هلاك الحيوان في الثلاثة من البائع، إلا أن يحدث فيه المبتاع حدثا يدل على الرضا بالابتياع (4)، انتهى. ومثل للتصرف في مقام آخر بأن ينظر من الأمة إلى ما يحرم لغير المالك (5). وقال في المبسوط في أحكام العيوب: إذا كان المبيع بهيمة وأصاب بها عيبا فله ردها، وإذا كان في طريق الرد جاز له ركوبها


(1) الدروس 3: 227. (2) لم يرد في " ق "، لكنه موجود في " ش " والمصدر، وفيما تقدم في الصفحة 100. (3) الدروس 3: 227 - 228. (4) المقنعة: 599، وانظر 592 أيضا. (5) المقنعة: 593.

[ 105 ]

وسقيها وعلفها وحلبها وأخذ لبنها، وإن نتجت كان له نتاجها. ثم قال: ولا يسقط الرد، لأنه إنما يسقط بالرضا بالعيب أو بترك الرد بعد العلم بالعيب أو بأن يحدث فيه عيب عنده، وليس هنا شئ من ذلك (1)، انتهى. وفي الغنية: لو هلك المبيع في مدة الخيار فهو من مال بائعه، إلا أن يكون المبتاع قد أحدث فيه حدثا يدل على الرضا (2)، انتهى. وقال الحلبي قدس سره - في الكافي في خيار الحيوان -: فإن هلك في مدة الخيار فهو من مال البائع، إلا أن يحدث فيه حدثا يدل على الرضا (3)، انتهى. وفي السرائر - بعد حكمه بالخيار في الحيوان إلى ثلاثة أيام - قال: هذا إذا لم يحدث في هذه المدة حدثا يدل على الرضا أو يتصرف فيه تصرفا ينقص قيمته، أو يكون لمثل ذلك التصرف اجرة، بأن يركب الدابة أو يستعمل الحمار أو يقبل الجارية أو يلامسها أو يدبرها تدبيرا ليس له الرجوع فيه كالمنذور (4)، انتهى. وقال في موضع آخر: إذا لم يتصرف فيه تصرفا يؤذن بالرضا في العادة (5).


(1) المبسوط 2: 139. (2) الغنية: 221. (3) الكافي في الفقه: 353. (4) السرائر 2: 280. (5) السرائر 2: 277.

[ 106 ]

وأما العلامة: فقد عرفت أنه استدل على أصل الحكم بأن التصرف دليل الرضا باللزوم (1). وقال في موضع آخر: لو ركب الدابة ليردها - سواء قصرت المسافة أو طالت - لم يكن ذلك رضا بها. ثم قال: ولو سقاها الماء أو ركبها ليسقيها ثم يردها لم يكن ذلك رضا منه بإمساكه، ولو حلبها في طريقه فالأقرب أنه تصرف يؤذن بالرضا (2). وفي التحرير - في مسألة سقوط رد المعيب بالتصرف - قال: وكذا لو استعمل المبيع أو تصرف فيه بما يدل على الرضا (3). وقال في الدروس: استثنى بعضهم من التصرف ركوب الدابة والطحن عليها وحلبها، إذ بها يعرف حالها ليختبر (4)، وليس ببعيد (5). وقال المحقق الكركي: لو تصرف ذو الخيار غير عالم، كأن ظنها جاريته المختصة فتبينت ذات الخيار أو ذهل عن كونها المشتراة (6) ففي الحكم تردد، ينشأ: من إطلاق الخبر بسقوط الخيار بالتصرف، ومن أنه غير قاصد إلى لزوم البيع، إذ لو علم لم يفعل، والتصرف إنما عد


(1) راجع الصفحة 98. (2) التذكرة: 529. (3) التحرير 1: 184. (4) كذا في النسخ، وفي الدروس: " للمختبر ". (5) الدروس 3: 272. (6) في المصدر: أو ذهل عن كون المشتراة ذات خيار.

[ 107 ]

مسقطا لدلالته على الرضا باللزوم (1). وقال في موضع آخر: ولا يعد ركوب الدابة للاستخبار أو لدفع جموحها أو للخوف من ظالم أو ليردها تصرفا. ثم قال: وهل يعد حملها للاستخبار تصرفا؟ ليس ببعيد أن لا يعد. وكذا لو أراد ردها وحلبها لأخذ اللبن، على إشكال ينشأ من أنه ملكه، فله استخلاصه (2)، انتهى. وحكي عنه في موضع آخر أنه قال: والمراد بالتصرف المسقط ما كان المقصود منه التملك، لا الاختبار ولا حفظ المبيع كركوب الدابة للسقي (3)، انتهى. ومراده من التملك: البقاء عليه والالتزام به، ويحتمل أن يراد به الاستعمال للانتفاع بالملك، لا للاختبار أو الحفظ. هذا ما حضرني من كلماتهم في هذا المقام، الظاهرة في المعنى الثالث، وحاصله: التصرف على وجه يدل عرفا لو خلي وطبعه على الالتزام بالعقد، ليكون إسقاطا فعليا للخيار، فيخرج منه ما دلت القرينة على وقوعه لا عن الالتزام. لكن يبقى الإشكال المتقدم سابقا (4): من أن أكثر أمثلة


(1) جامع المقاصد 4: 305. (2) جامع المقاصد 4: 304. (3) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 560، وانظر جامع المقاصد 4: 291 و 304. (4) راجع الصفحة 99.

[ 108 ]

التصرف المذكورة في النصوص والفتاوى ليست كذلك، بل هي واقعة غالبا مع الغفلة أو التردد أو العزم على الفسخ مطلقا، أو إذا اطلع على ما يوجب زهده فيه، فهي غير دالة في نفسها عرفا على الرضا. ومنه يظهر وجه النظر في دفع الاستبعاد الذي ذكرناه سابقا (1) - من عدم انفكاك اشتراء الحيوان من التصرف فيه في الثلاثة فيكون مورد الخيار في غاية الندرة - بأن الغالب في التصرفات وقوعها مع عدم الرضا باللزوم، فلا يسقط بها الخيار (2)، إذ فيه: أن هذا يوجب استهجان تعليل السقوط بمطلق الحدث بأنه رضا، لأن المصحح لهذا التعليل مع العلم بعدم كون بعض أفراده رضا هو ظهوره فيه عرفا من أجل الغلبة، فإذا فرض أن الغالب في مثل هذه التصرفات وقوعها لا عن التزام للعقد بل مع العزم على الفسخ أو التردد فيه أو الغفلة، كان تعليل الحكم على المطلق بهذه العلة الغير الموجودة إلا في قليل من أفراده مستهجنا. وأما الاستشهاد لذلك بما سيجئ: من أن تصرف البائع في ثمن بيع الخيار غير مسقط لخياره اتفاقا، وليس ذلك إلا من جهة صدوره لا عن التزام بالعقد، بل مع العزم على الفسخ برد مثل الثمن، ففيه: ما سيجئ. ومما ذكرنا - من استهجان التعليل على تقدير كون غالب التصرفات


(1) راجع الصفحة 99. (2) راجع الرياض 8: 202، ومفتاح الكرامة 4: 560.

[ 109 ]

واقعة لا عن التزام - يظهر فساد الجمع بهذا الوجه، يعني حمل الأخبار المتقدمة (1) على صورة دلالة التصرفات المذكورة على الرضا بلزوم العقد، جمعا بينها وبين ما دل من الأخبار على عدم سقوطه بمجرد التصرف، مثل رواية عبد الله بن الحسن المتقدمة (2) التي لم يستفصل في جوابها بين تصرف المشتري في العبد المتوفى في زمان الخيار وعدمه، وإنما انيط سقوط الخيار فيها بالرضا الفعلي، ومثل الخبر المصحح: في رجل اشترى شاة فأمسكها ثلاثة أيام ثم ردها؟ قال: " إن كان تلك الثلاثة أيام شرب لبنها يرد معها ثلاثة أمداد، وإن لم يكن لها لبن فليس عليه شئ " (3). ونحوه الآخر (4). وما فيهما من " رد ثلاثة أمداد " لعله محمول على الاستحباب، مع أن ترك العمل به لا يوجب رد الرواية، فتأمل. وقد أفتى بذلك في المبسوط فيما لو باع شاة غير مصراة وحلبها أياما ثم وجد المشتري بها عيبا. ثم قال: وقيل: ليس له ردها، لأنه تصرف بالحلب (5). وبالجملة، فالجمع بين النص والفتوى الظاهرين في كون التصرف


(1) المتقدمة في الصفحة 97 - 98. (2) المتقدمة في الصفحة 100. (3) الوسائل 12: 360، الباب 13 من أبواب الخيار، الحديث الأول. (4) التهذيب 7: 25، الحديث 107، وعنه في الوسائل 12: 360، الباب 13 من أبواب الخيار، ذيل الحديث الأول. (5) المبسوط 2: 125 - 126.

[ 110 ]

مسقطا لدلالته على الرضا بلزوم العقد، وبين ما تقدم من التصرفات المذكورة في كثير من الفتاوى - خصوصا ما ذكره غير واحد (1) من الجزم بسقوط الخيار بالركوب في طريق الرد، أو التردد فيه وفي التصرف للاستخبار مع العلم بعدم اقترانهما بالرضا بلزوم العقد - في غاية الإشكال، والله العالم بحقيقة الحال.


(1) منهم الشهيد الثاني في الروضة 3: 451، وقال السيد المجاهد في المناهل: 340 - بعد نقل القولين في التصرفات المراد منها مجرد الاختبار -: " والمسألة محل إشكال ". وراجع الأقوال في التصرف للاستخبار، المقابس: 247 أيضا. (

[ 111 ]

الثالث خيار الشرط أعني الثابت بسبب اشتراطه في العقد، ولا خلاف في صحة هذا الشرط، ولا في أنه لا يتقدر بحد عندنا، ونقل الإجماع عليه مستفيض (1). والأصل فيه قبل ذلك: الأخبار العامة المسوغة لاشتراط كل شرط إلا ما استثني، والأخبار الخاصة الواردة في بعض أفراد المسألة. فمن الاولى: الخبر المستفيض الذي لا يبعد دعوى تواتره: " إن المسلمين عند شروطهم " (2) وزيد في صحيحة ابن سنان: " إلا كل شرط خالف كتاب الله فلا يجوز " (3). وفي موثقة إسحاق بن عمار: " إلا شرطا حرم حلالا أو حلل حراما " (4).


(1) نقله السيد المرتضى في الانتصار: 434، المسألة 246، والشيخ في الخلاف 3: 11 و 20، ذيل المسألة 7 و 25 من كتاب البيوع، وابن زهرة في الغنية: 218، وانظر مفتاح الكرامة 4: 560. (2) راجع الوسائل 12: 353 - 354، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1، 2 و 5، والمستدرك 13: 300، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 3. (3) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 2. (4) الوسائل 12: 354، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 5.

[ 112 ]

نعم، في صحيحة اخرى لابن سنان: " من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم، فيما وافق كتاب الله " (1). لكن المراد منه - بقرينة المقابلة - عدم المخالفة، للإجماع على عدم اعتبار موافقة الشرط لظاهر الكتاب. وتمام الكلام في معنى هذه الأخبار وتوضيح المراد من الاستثناء الوارد فيها يأتي في باب الشرط في ضمن العقد إن شاء الله تعالى. والمقصود هنا بيان أحكام الخيار المشترط في العقد، وهي تظهر برسم مسائل:


(1) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث الأول.

[ 113 ]

مسألة لا فرق بين كون زمان الخيار متصلا بالعقد أو منفصلا عنه، لعموم أدلة الشرط. قال في التذكرة: لو شرط خيار الغد صح عندنا، خلافا للشافعي (1). واستدل له في موضع آخر بلزوم صيرورة العقد جائزا بعد اللزوم (2). ورد بعدم المانع من ذلك، مع أنه - كما في التذكرة (3) - منتقض بخيار التأخير وخيار الرؤية. نعم، يشترط تعيين المدة، فلو تراضيا على مدة مجهولة - كقدوم الحاج - بطل بلا خلاف، بل حكي الإجماع عليه صريحا (4)، لصيرورة المعاملة بذلك غررية. ولا عبرة بمسامحة العرف في بعض المقامات وإقدام العقلاء عليه أحيانا، فإن المستفاد من تتبع أحكام المعاملات


(1) التذكرة 1: 520. (2) التذكرة 1: 520. (3) التذكرة 1: 520. (4) حكاه في المقابس: 246، وراجع مفتاح الكرامة 4: 561 أيضا. (*

[ 114 ]

عدم رضا الشارع بذلك، إذ كثيرا ما يتفق التشاح في مثل الساعة والساعتين من زمان الخيار فضلا عن اليوم واليومين. وبالجملة، فالغرر لا ينتفي بمسامحة الناس في غير زمان الحاجة إلى المداقة، وإلا لم يكن بيع الجزاف وما تعذر تسليمه والثمن المحتمل للتفاوت القليل وغير ذلك من الجهالات غررا، لتسامح الناس في غير مقام الحاجة إلى المداقة في أكثر الجهالات. ولعل هذا مراد بعض الأساطين من قوله: " إن دائرة الغرر في الشرع أضيق من دائرته (1) في العرف " (2) وإلا فالغرر لفظ لا يرجع في معناه إلا إلى العرف. نعم الجهالة التي لا يرجع الأمر معها غالبا إلى التشاح بحيث يكون النادر كالمعدوم لا تعد غررا، كتفاوت المكاييل والموازين. ويشير إلى ما ذكرنا الأخبار الدالة على اعتبار كون السلم إلى أجل معلوم (3)، وخصوص موثقة غياث: " لا بأس بالسلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم، لا يسلم إلى دياس أو إلى حصاد " (4) مع أن التأجيل إلى الدياس والحصاد وشبههما فوق حد الإحصاء بين العقلاء الجاهلين بالشرع.


(1) في " ق ": " دائرتها "، والمناسب ما أثبتناه، كما في " ش ". (2) الظاهر أن المراد من " بعض الأساطين " هو كاشف الغطاء قدس سره، ولكن لم نعثر عليه في شرحه على القواعد. (3) راجع الوسائل 13: 57، الباب 3 من أبواب السلف. (4) الوسائل 13: 58، الباب 3 من أبواب السلف، الحديث 5.

[ 115 ]

وربما يستدل (1) على ذلك بأن اشتراط المدة المجهولة مخالف للكتاب والسنة، لأنه غرر. وفيه: أن كون البيع بواسطة الشرط مخالفا للكتاب والسنة غير كون نفس الشرط مخالفا للكتاب والسنة، ففي الثاني يفسد الشرط ويتبعه البيع، وفي الأول يفسد البيع فيلغو الشرط. اللهم إلا أن يراد أن نفس الالتزام بخيار في مدة مجهولة غرر وإن لم يكن بيعا، فيشمله دليل نفي الغرر، فيكون مخالفا للكتاب والسنة. لكن لا يخفى سراية الغرر إلى البيع، فيكون الاستناد في فساده إلى فساد شرطه المخالف للكتاب كالأكل من القفا.


(1) استدل به في الجواهر 23: 32، واستدل به في المصابيح (مخطوط): 131 أيضا.

[ 116 ]

مسألة لا فرق في بطلان العقد بين ذكر المدة المجهولة كقدوم الحاج، وبين عدم ذكر المدة أصلا، كأن يقول: " بعتك على أن يكون لي الخيار "، وبين ذكر المدة المطلقة، كأن يقول: " بعتك على أن يكون لي الخيار مدة "، لاستواء الكل في الغرر. خلافا للمحكي (1) عن المقنعة والانتصار والخلاف والجواهر والغنية والحلبي، فجعلوا مدة الخيار في الصورة الاولى (2) ثلاثة أيام. ويحتمل حمل الثانية عليها، وعن الانتصار والغنية والجواهر: الإجماع عليه (3).


(1) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 561، وراجع المقنعة: 592، والانتصار: 438، المسألة 250، والخلاف 3: 20، المسألة 25، والجواهر: 54، المسألة 194، والغنية: 219، والكافي في الفقه: 353. (2) في " ش ": " الثانية ". (3) حكاه أيضا السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 561، وراجع الانتصار: 439 ذيل المسألة 250، والغنية: 219، والجواهر: 54، المسألة 194.

[ 117 ]

وفي محكي الخلاف: وجود أخبار الفرقة به (1). ولا شك أن هذه الحكاية بمنزلة إرسال أخبار، فيكفي في انجبارها الإجماعات المنقولة، ولذا مال إليه في محكي الدروس (2). لكن العلامة في التذكرة لم يحك هذا القول إلا عن الشيخ قدس سره وأوله بإرادة خيار الحيوان (3). وعن العلامة الطباطبائي في مصابيحه: الجزم به (4)، وقواه بعض المعاصرين (5) منتصرا لهم بما في مفتاح الكرامة: من أنه ليس في الأدلة ما يخالفه، إذ الغرر مندفع بتحديد الشرع وإن لم يعلم به المتعاقدان كخيار الحيوان الذي لا إشكال في صحة العقد مع الجهل به أو بمدته. وزاد في مفتاح الكرامة (6): بأن الجهل يؤول إلى العلم الحاصل من الشرع (7). وفيه: ما تقدم في مسألة تعذر التسليم (8): من أن بيع الغرر


(1) حكاه أيضا السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 561، وراجع الخلاف 3: 20، ذيل المسألة 25. (2) حكاه السيد الطباطبائي في المصابيح (مخطوط): 132، وصاحب الجواهر في الجواهر 23: 34، وانظر الدروس 3: 269. (3) التذكرة 1: 520. (4) حكاه صاحب الجواهر في الجواهر 23: 34، وانظر المصابيح (مخطوط): 132، وقال - بعد نقل هذا القول -: " وهو الأقوى ". (5) قواه في الجواهر 23: 33 - 34. (6) في " ش " وهامش " ن " زيادة: " التعليل ". (7) مفتاح الكرامة 4: 562. (8) راجع الجزء الرابع، الصفحة 189.

[ 118 ]

موضوع عرفي حكم فيه الشارع بالفساد، والتحديد بالثلاثة تعبد شرعي لم يقصده المتعاقدان، فإن ثبت بالدليل كان مخصصا لعموم نفي الغرر وكان التحديد تعبديا، نظير التحديد الوارد في بعض الوصايا المبهمة (1)، أو يكون حكما شرعيا ثبت في موضوع خاص، وهو إهمال مدة الخيار. والحاصل: أن الدعوى في تخصيص أدلة نفي الغرر لا في تخصصها. والإنصاف: أن ما ذكرنا من حكاية الأخبار ونقل الإجماع لا ينهض لتخصيص قاعدة الغرر، لأن الظاهر بقرينة عدم تعرض الشيخ لذكر شئ من هذه الأخبار - في كتابيه الموضوعين لإيداع الأخبار - أنه عول في هذه الدعوى [ على ] (2) اجتهاده في دلالة الأخبار الواردة في شرط الحيوان (3). ولا ريب أن الإجماعات المحكية إنما تجبر قصور السند المرسل المتضح دلالته أو القاصر دلالته، لا المرسل المجهول العين المحتمل لعدم الدلالة رأسا، فالتعويل حينئذ على نفس الجابر ولا حاجة إلى ضم المنجبر، إذ نعلم إجمالا أن المجمعين اعتمدوا على دلالات اجتهادية استنبطوها من الأخبار، ولا ريب أن المستند غالبا في إجماعات القاضي وابن زهرة إجماع السيد في الانتصار. نعم، قد روي في كتب العامة: أن حنان بن منقذ كان يخدع في البيع لشجة أصابته في رأسه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " إذا بعت فقل:


(1) راجع الوسائل 13: 443 - 450، الباب 54 و 55 و 56 من أبواب الوصايا. (2) لم يرد في " ق ". (3) راجع الوسائل 12: 348 - 350، الباب 3 من أبواب الخيار.

[ 119 ]

لا خلابة " (1) وجعل له الخيار ثلاثا، وفي رواية: " ولك الخيار ثلاثا " (2). والخلابة: الخديعة. وفي دلالته فضلا عن سنده ما لا يخفى. وجبرهما (3) بالإجماعات كما ترى! إذ التعويل عليها مع ذهاب المتأخرين إلى خلافها (4) في الخروج عن قاعدة الغرر مشكل، بل غير صحيح، فالقول بالبطلان لا يخلو عن قوة. ثم إنه ربما يقال (5) ببطلان الشرط دون العقد، ولعله مبني على أن فساد الشرط لا يوجب فساد العقد. وفيه: إن هذا على القول به فيما إذا لم يوجب الشرط فسادا في أصل البيع كما فيما نحن فيه، حيث إن جهالة الشرط يوجب كون البيع غرريا، وإلا فالمتجه فساد البيع ولو لم نقل بسراية الفساد من الشرط إلى المشروط، وسيجئ تمام الكلام في مسألة الشروط (6).


(1) و (2) راجع السنن الكبرى للبيهقي 5: 273، وكنز العمال 4: 59، الحديث 9499، والصفحة 91، الحديث 9682. (3) في " ش ": " جبرها ". (4) ذهب إليه العلامة في التحرير 1: 166، والمختلف 5: 66، والشهيد الثاني في المسالك 3: 201، والسبزواري في الكفاية: 91، والسيد الطباطبائي في الرياض 8: 188، وقال السيد الطباطبائي في المصابيح (مخطوط): 132: " وربما لاح ذلك من ظاهر الوسيلة والسرائر والشرائع والنافع والجامع واللمعة، لتضمنها اعتبار التعيين في المدة ". (5) نقله الشهيد في المسالك 3: 202، بلفظ: " قيل "، ولكن لم نعثر على القائل. (6) انظر الجزء السادس، الصفحة 89 - 90.

[ 120 ]

مسألة مبدأ هذا الخيار عند الإطلاق (1) من حين العقد، لأنه المتبادر من الإطلاق. ولو كان زمان الخيار منفصلا كان مبدؤه أول جزء من ذلك الزمان، فلو شرط خيار الغد كان مبدؤه من طلوع فجر الغد. فيجوز جعل مبدئه من انقضاء خيار الحيوان، بناء على أن مبدأه من حين العقد، ولو جعل مبدؤه من حين التفرق بطل، لأدائه إلى جهالة مدة الخيار. وعن الشيخ والحلي: أن مبدأه من حين التفرق (2). وقد تقدم عن الشيخ وجهه (3) مع عدم تمامه (4).


(1) لم ترد " عند الإطلاق " في غير " ق ". (2) حكى عنهما ذلك الشهيد في الدروس 3: 269، وراجع الخلاف 3: 33، المسألة 44 من كتاب البيوع، والمبسوط 2: 85، والسرائر 2: 247. (3) تقدم في الصفحة 92 - 93. (4) كذا في " ق "، والأصح: " عدم تماميته "، كما في " ش ".

[ 121 ]

نعم، يمكن أن يقال هنا: إن المتبادر من جعل الخيار جعله في زمان لولا الخيار لزم العقد، كما أشار إليه في السرائر، لكن لو تم هذا لاقتضى كونه في الحيوان من حين انقضاء الثلاثة، مع أن هذا إنما يتم مع العلم بثبوت خيار المجلس، وإلا فمع الجهل به لا يقصد إلا الجعل من حين العقد، بل الحكم بثبوته من حين التفرق حكم على المتعاقدين بخلاف قصدهما.

[ 122 ]

مسألة يصح جعل الخيار لأجنبي. قال في التذكرة: لو باع العبد وشرط الخيار للعبد صح البيع والشرط عندنا (1) (2). وحكي عنه الإجماع في الأجنبي (3)، قال: لأن العبد بمنزلة الأجنبي (4). ولو جعل الخيار لمتعدد، كان كل منهم ذا خيار، فإن اختلفوا في الفسخ والإجازة قدم الفاسخ، لأن مرجع الإجازة إلى إسقاط خيار المجيز، بخلاف ما لو وكل جماعة في الخيار، فإن النافذ هو التصرف (5) السابق، لفوات محل الوكالة بعد ذلك. وعن الوسيلة: أنه إذا كان الخيار لهما واجتمعا على فسخ أو


(1) في " ش " زيادة: " معا ". (2) و (4) راجع التذكرة 1: 521. (3) حكى عنه ذلك السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 562، وراجع التذكرة 1: 521، وفيه: " عندنا ". (5) في " ش ": " تصرف ".

[ 123 ]

إمضاء نفذ، وإن لم يجتمعا بطل. وإن كان لغيرهما ورضي نفذ البيع، وإن لم يرض كان المبتاع بالخيار بين الفسخ والإمضاء (1)، انتهى. وفي الدروس: يجوز اشتراطه لأجنبي منفردا ولا اعتراض عليه، ومعهما أو مع أحدهما، ولو خولف أمكن اعتبار فعله، وإلا لم يكن لذكره فائدة (2)، انتهى. أقول (3): لو لم يمض فسخ الأجنبي مع إجازته والمفروض عدم مضي إجازته مع فسخه، لم يكن لذكر الأجنبي فائدة. ثم إنه ذكر غير واحد: أن الأجنبي يراعي المصلحة للجاعل (4). ولعله لتبادره من الإطلاق، وإلا فمقتضى التحكيم نفوذ حكمه على الجاعل من دون ملاحظة [ مصلحة ] (5)، فتعليل وجوب مراعاة الأصلح بكونه أمينا لا يخلو عن نظر. ثم إنه ربما يتخيل: أن اشتراط الخيار للأجنبي مخالف للمشروع، نظرا إلى أن الثابت في الشرع صحة الفسخ بالتفاسخ، أو بدخول الخيار بالأصل كخياري المجلس والشرط، أو بالعارض كخيار الفسخ برد الثمن لنفس المتعاقدين.


(1) حكاه في الجواهر 23: 34، وراجع الوسيلة: 238. (2) الدروس 3: 268. (3) في " ش " زيادة: " و ". (4) منهم السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 562، وصاحب الجواهر في الجواهر 23: 35. (5) لم يرد في " ق ".

[ 124 ]

وهو ضعيف بمنع (1) اعتبار كون الفسخ من أحد المتعاقدين شرعا ولا عقلا، بل المعتبر فيه تعلق حق الفاسخ بالعقد أو بالعين وإن كان أجنبيا، فحينئذ يجوز للمتبايعين اشتراط حق للأجنبي في العقد، وسيجئ نظيره في إرث الزوجة للخيار مع عدم إرثها من العين (2).


(1) في " ش ": " لمنع ". (2) انظر الجزء السادس، الصفحة 111 - 114.

[ 125 ]

مسألة يجوز لهما اشتراط الاستئمار، بأن يستأمر المشروط عليه الأجنبي في أمر العقد فيأتمر بأمره، أو بأن يأتمره إذا أمره ابتداء. وعلى الأول: فإن فسخ المشروط عليه من دون استئمار لم ينفذ. ولو استأمره، فإن أمره بالإجازة لم يكن له الفسخ قطعا، إذ الغرض من الشرط ليس مجرد الاستئمار، بل الالتزام بأمره، مع أنه لو كان الغرض مجرد ذلك لم يوجب ذلك أيضا ملك الفسخ. وإن أمره بالفسخ لم يجب عليه الفسخ، بل غاية الأمر ملك الفسخ حينئذ، إذ لا معنى لوجوب الفسخ عليه، أما مع عدم رضا الآخر بالفسخ فواضح، إذ المفروض أن الثالث لا سلطنة له على الفسخ والمتعاقدان لا يريدانه، وأما مع طلب الآخر للفسخ فلأن وجوب الفسخ حينئذ على المستأمر - بالكسر - راجع إلى حق لصاحبه عليه، فإن اقتضى اشتراط الاستئمار ذلك الحق [ على صاحبه ] (1) عرفا، فمعناه سلطنة صاحبه على الفسخ، فيرجع اشتراط الاستئمار إلى شرط لكل منهما على صاحبه.


(1) لم يرد في " ق ".

[ 126 ]

والحاصل: أن اشتراط الاستئمار من واحد منهما على صاحبه إنما يقتضي ملكه للفسخ إذا أذن له الثالث المستأمر، واشتراطه لكل منهما على صاحبه يقتضي ملك كل واحد منهما للفسخ عند الإذن. ومما ذكرنا يتضح حكم الشق الثاني، وهو الائتمار بأمره الابتدائي، فإنه إن كان شرطا لأحدهما ملك الفسخ لو أمره به، وإن كان لكل منهما ملكا كذلك. ثم في اعتبار مراعاة المستأمر للمصلحة وعدمه وجهان، [ أوجههما ] (1) العدم إن لم يستفد الاعتبار من إطلاق العقد بقرينة حالية أو مقالية.


(1) لم يرد في " ق ".

[ 127 ]

مسألة من أفراد خيار الشرط: ما يضاف البيع إليه، ويقال له: " بيع الخيار "، وهو جائز عندنا كما في التذكرة (1)، وعن غيرها: الإجماع عليه (2). وهو: أن يبيع شيئا ويشترط الخيار لنفسه مدة بأن يرد الثمن فيها ويرتجع المبيع. والأصل فيه - بعد العمومات المتقدمة في الشرط (3) - النصوص المستفيضة. منها: موثقة إسحاق بن عمار قال: " سمعت من يسأل أبا عبد الله عليه السلام يقول، وقد سأله: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره، فمشى إلى أخيه فقال له: أبيعك داري هذه ويكون لك أحب إلي من أن يكون لغيرك،


(1) التذكرة 1: 521. (2) كما في جامع المقاصد 4: 293، والمسالك 3: 202، ومفتاح الكرامة 4: 565. (3) تقدمت في الصفحة 111 - 112 وغيرها.

[ 128 ]

على أن تشترط لي أني إذا جئتك بثمنها إلى سنة تردها علي؟ قال: لا بأس بهذا، إن جاء بثمنها ردها عليه. قلت: أرأيت لو كان للدار غلة لمن تكون؟ قال: للمشتري، ألا ترى أنها لو احترقت كانت من ماله " (1). ورواية معاوية بن ميسرة، قال: " سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل باع دارا [ له ] (2) من رجل، وكان بينه وبين الذي اشترى [ منه ] (3) الدار خلطة، فشرط: أنك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله؟ قال: له شرطه. قال له أبو الجارود: فإن هذا الرجل قد أصاب في هذا المال في ثلاث سنين؟ قال: هو ماله، وقال عليه السلام: أرأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت؟ تكون الدار دار المشتري " (4). وعن سعيد بن يسار في الصحيح، قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نخالط اناسا من أهل السواد وغيرهم فنبيعهم ونربح عليهم في العشرة إثنى عشر وثلاثة عشر، ونؤخر ذلك فيما بيننا وبينهم السنة ونحوها، ويكتب لنا رجل منهم على داره أو أرضه بذلك المال الذي فيه الفضل الذي أخذ منا شراء بأنه باع وقبض الثمن منه، فنعده إن هو جاء بالمال إلى وقت بيننا وبينهم أن نرد عليه الشراء، فإن جاء الوقت


(1) الوسائل 12: 355، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث الأول. (2) لم يرد في " ق ". (3) لم يرد في " ق ". (4) الوسائل 12: 355 - 356، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 3.

[ 129 ]

ولم يأتنا بالدراهم فهو لنا، فما ترى في هذا الشراء؟ قال: أرى أنه لك إن لم يفعله، وإن جاء بالمال (1) فرد عليه " (2). وعن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إن بعت رجلا على شرط، فإن أتاك بمالك، وإلا فالبيع لك " (3). إذا عرفت هذا فتوضيح المسألة يتحقق بالكلام في امور: الأول أن اعتبار رد الثمن في هذا الخيار يتصور على وجوه: أحدها: أن يؤخذ قيدا للخيار على وجه التعليق أو التوقيت، فلا خيار قبله، ويكون مدة الخيار منفصلة دائما عن العقد ولو بقليل، ولا خيار قبل الرد. والمراد برد الثمن: فعل ما له دخل في القبض من طرفه وإن أبى المشتري. الثاني: أن يؤخذ قيدا للفسخ بمعنى أن له الخيار في كل جزء من المدة المضروبة والتسلط على الفسخ على وجه مقارنته لرد الثمن أو تأخره عنه. الثالث: أن يكون رد الثمن فسخا فعليا، بأن يراد منه تمليك الثمن ليتملك منه المبيع. وعليه حمل في الرياض ظاهر الأخبار الدالة على عود المبيع


(1) في " ش " زيادة: " المؤقت "، والموجود في المصادر الحديثية: " للوقت ". (2) الوسائل 12: 354، الباب 7 من أبواب الخيار، الحديث الأول. (3) نفس المصدر، الحديث 2.

[ 130 ]

بمجرد رد الثمن (1). الرابع: أن يؤخذ رد الثمن قيدا لانفساخ العقد، فمرجع ثبوت الخيار له إلى كونه مسلطا على سبب الانفساخ لا على مباشرة الفسخ. وهذا هو الظاهر من رواية معاوية بن ميسرة (2)، ويحتمل الثالث، كما هو ظاهر روايتي سعيد بن يسار وموثقة إسحاق بن عمار (3). وعنوان المسألة بهذا الوجه هو الظاهر من الغنية حيث لم يذكر هذا القسم من البيع في الخيار أصلا، وإنما ذكره في أمثلة الشروط الجائزة في متن العقد، قال: أن يبيع ويشترط على المشتري إن رد الثمن عليه في وقت كذا كان المبيع له (4)، انتهى. الخامس: أن يكون رد الثمن شرطا لوجوب الإقالة على المشتري، بأن يلتزم المشتري على نفسه أن يقيله إذا جاء بالثمن واستقاله. وهو ظاهر الوسيلة، حيث قال: إذا باع شيئا على أن يقيله في وقت كذا بمثل الثمن الذي باعه منه لزمته الإقالة إذا جاءه بمثل الثمن في المدة (5)، انتهى. وحينئذ (6) فإن أبى أجبره الحاكم أو أقال عنه، وإلا استقل بالفسخ. وهو محتمل روايتي سعيد بن يسار وإسحاق بن