كتاب المكاسب

الشيخ الأنصاري ج 6

العودة الى مكتبة المرتضى


[ 1 ]

كتاب المكاسب

[ 3 ]

كتاب المكاسب الجزء السادس

[ 4 ]

أنصاري، مرتضى بن محمد أمين، 1214 - 1281 ق. المكاسب / المؤلف مرتضى الأنصاري، اعداد لجنه تحقيق تراث الشيخ الاعظم. - قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1420 ق = 1378. 6 ج.) 6 - 17 - 5662 - 964 ISBN دوره () 8 - 16 - 5662 - 964 ISBN ج 6 (فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا (فهرستنويسى پيش از انتشار). عربي. فهرستنويسى بر اساس جلد چهارم، 1419 = 1377. اين كتاب به مناسبت دويستمين سالگرد تولد شيخ انصاري منتشر شده است. كتابنامه. 1. معاملات (فقه). الف. مجمع الفكر الاسلامي، لجنه تحقيق تراث الشيخ الاعظم. ب. مجمع الفكر الاسلامي. ج. كنگره جهانى بزرگداشت دويستمين سالگرد تولد شيخ انصاري. د. عنوان. 7 م 8 الف / 1 / 372 1901 792 / BP الف ى 1300 كتابخانه ملى ايران 1937 - 78 م قم - ص. ب 3654 - 37185 - ت: 744810 المكاسب / ج 6 المؤلف: الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري قدس سره تحقيق: لجنة التحقيق الطبعة: الاولى / جمادى الاولى 1420 ه‍. ق تنضيد الحروف: مجمع الفكر الإسلامي الليتوغراف: نگارش - قم المطبعة: باقري - قم الكمية المطبوعة: 4000 نسخة جميع الحقوق محفوظة للأمانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري قدس سره

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين (1).


(1) وردت الخطبة في " ق "، ولم ترد في سائر النسخ.

[ 9 ]

في الشروط التي يقع عليها العقد وشروط صحتها وما يترتب على صحيحها وفاسدها

[ 11 ]

في الشروط (1) التي يقع عليها العقد وشروط صحتها وما يترتب على صحيحها وفاسدها الشرط يطلق في العرف على معنيين: أحدهما: المعنى الحدثي، وهو بهذا المعنى مصدر " شرط "، فهو شارط للأمر الفلاني، وذلك الأمر مشروط، وفلان مشروط له أو عليه. وفي القاموس: " أنه إلزام الشئ والتزامه في البيع وغيره " (2) وظاهره كون استعماله في الإلزام الابتدائي مجازا أو غير صحيح. لكن لا إشكال في صحته، لوقوعه في الأخبار كثيرا، مثل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حكاية بيع بريرة: إن " قضاء الله أحق، وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق " (3). وقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه في الرد على مشترط عدم التزوج


(1) في " ش ": " القول في الشروط ". (2) القاموس المحيط 2: 368، مادة " شرط ". (3) السنن الكبرى للبيهقي 10: 295، وكنز العمال 10: 322، الحديث 29615، وأورد بعضه في الوسائل 16: 40، الباب 37 من أبواب كتاب العتق، الحديث 1 و 2.

[ 12 ]

بامرأة اخرى في النكاح: إن " شرط الله قبل شرطكم " (1). وقوله: " ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري. قلت: وفي غيره؟ قال: هما بالخيار حتى يفترقا " (2). وقد اطلق على النذر أو العهد أو الوعد في بعض أخبار الشرط في النكاح (3). و [ قد اعترف ] (4) في الحدائق: بأن إطلاق الشرط على البيع كثير في الأخبار (5). وأما دعوى كونه مجازا، فيدفعها - مضافا إلى أولوية الاشتراك المعنوي، وإلى أن المتبادر من قوله: " شرط على نفسه كذا " ليس إلا مجرد الإلزام (6) - استدلال الإمام عليه السلام بالنبوي: " المؤمنون عند شروطهم " (7) فيما تقدم من الخبر الذي اطلق فيه الشرط على النذر أو العهد. ومع ذلك فلا حجة فيما في القاموس مع تفرده به، ولعله لم يلتفت إلى الاستعمالات التي ذكرناها، وإلا لذكرها ولو بعنوان يشعر بمجازيتها.


(1) الوسائل 15: 31، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 6. (2) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 5، والصفحة 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 3. (3) راجع الوسائل 15: 29، 46 - 47، الباب 20، 37 - 39 وغيرها من أبواب المهور، وراجع رواية منصور بن يونس الآتية في الصفحة 28. (4) لم يرد في " ق ". (5) الحدائق 20: 73. (6) في " ش ": " الالتزام ". (7) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، ذيل الحديث 4.

[ 13 ]

ثم قد يتجوز في لفظ " الشرط " بهذا المعنى فيطلق على نفس المشروط، كالخلق بمعنى المخلوق، فيراد به ما يلزمه الإنسان على نفسه. الثاني: ما يلزم من عدمه العدم من دون ملاحظة أنه يلزم من وجوده الوجود أو لا، وهو بهذا المعنى اسم جامد لا مصدر، فليس فعلا لأحد (1)، واشتقاق " المشروط " منه ليس على الأصل ك‍ " الشارط " ولذا ليسا بمتضايفين في الفعل والانفعال، بل " الشارط " هو الجاعل و " المشروط " هو ما جعل له الشرط، ك‍ " المسبب " بالكسر والفتح المشتقين من " السبب ". فعلم من ذلك: أن " الشرط " في المعنيين نظير " الأمر " بمعنى المصدر وبمعنى " الشئ ". وأما استعماله في ألسنة النحاة على الجملة الواقعة عقيب أدوات الشرط فهو اصطلاح خاص مأخوذ من إفادة تلك الجملة لكون مضمونها شرطا بالمعنى الثاني، كما أن استعماله في ألسنة أهل المعقول والاصول في " ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود " مأخوذ من ذلك المعنى، إلا أنه اضيف إليه ما ذكر في اصطلاحهم مقابلا للسبب. فقد تلخص مما ذكرنا: أن للشرط معنيين عرفيين، وآخرين اصطلاحيين لا يحمل عليهما الإطلاقات العرفية، بل هي مرددة بين الاوليين، فإن قامت قرينة على إرادة المصدر تعين الأول، أو على إرادة الجامد تعين الثاني، وإلا حصل الإجمال.


(1) كذا في " ق "، وفي " ش " بدل " لأحد ": " ولا حدثا ".

[ 14 ]

وظهر أيضا: أن المراد ب‍ " الشرط " في قولهم صلوات الله عليهم: " المؤمنون عند شروطهم " (1) هو الشرط باعتبار كونه مصدرا، إما مستعملا في معناه - أعني إلزاماتهم على أنفسهم - وإما مستعملا بمعنى ملتزماتهم، وإما بمعنى جعل الشئ شرطا بالمعنى الثاني بمعنى التزام عدم شئ عند عدم آخر، وسيجئ الكلام في ذلك (2). وأما الشرط في قوله: " ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري، قلت: وما الشرط في غيره؟ قال: البيعان بالخيار حتى يفترقا " (3)، وقوله: " الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري اشترط أو لم يشترط " (4) فيحتمل أن يراد به ما قرره الشارع وألزمه على المتبايعين أو أحدهما: من التسلط على الفسخ، فيكون مصدرا بمعنى المفعول، فيكون المراد به نفس الخيار المحدود من الشارع. ويحتمل أن يراد به الحكم الشرعي المقرر، وهو ثبوت الخيار، وعلى كل تقدير ففي الإخبار عنه حينئذ بقوله: " ثلاثة أيام " مسامحة. نعم، في بعض الأخبار: " في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام " (5) ولا يخفى توقفه على التوجيه.


(1) تقدم تخريجه في الصفحة 12. (2) انظر الصفحة 59 وما بعدها. (3) تقدم تخريجه في الصفحة 12. (4) الوسائل 12: 351، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 4. (5) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 4.

[ 15 ]

[ مسألة ] (1) في شروط صحة الشرط وهي امور قد وقع الكلام أو الخلاف فيها: أحدها: أن يكون داخلا تحت قدرة المكلف، فيخرج ما لا يقدر العاقد على تسليمه إلى صاحبه، سواء كان صفة لا يقدر العاقد على تسليم العين موصوفا بها، مثل صيرورة الزرع سنبلا، وكون الأمة والدابة تحمل في المستقبل أو تلد كذا. أو كان عملا، كجعل الزرع سنبلا والبسر تمرا، كما مثل به في القواعد (2). لكن الظاهر أن المراد به جعل الله الزرع والبسر سنبلا وتمرا، والغرض الاحتراز عن اشتراط فعل غير العاقد مما لا يكون تحت قدرته كأفعال الله سبحانه، لا عن اشتراط حدوث فعل محال من المشروط عليه، لأن الإلزام والالتزام بمباشرة فعل ممتنع عقلا أو عادة مما لا يرتكبه العقلاء، والاحتراز عن مثل الجمع بين الضدين أو الطيران في الهواء مما لا يرتكبه العقلاء. والإتيان بالقيد المخرج لذلك


(1) في " ق " بدل " مسألة ": " مسائل "، وفي " ش " ومصححة " ف ": " الكلام ". (2) القواعد 2: 90.

[ 16 ]

والحكم عليه بعدم الجواز والصحة بعيد عن شأن الفقهاء، ولذا لم يتعرضوا لمثل ذلك في باب الإجارة والجعالة، مع أن اشتراط كون الفعل سائغا يغني عن اشتراط القدرة. نعم، اشتراط تحقق فعل الغير، الخارج عن اختيار المتعاقدين، المحتمل وقوعه في المستقبل، وارتباط العقد به بحيث يكون التراضي منوطا به وواقعا عليه أمر صحيح عند العقلاء مطلوب لهم، بل أولى بالاشتراط من الوصف الخالي الغير المعلوم تحققه، ككون العبد كاتبا، أو الحيوان حاملا، والغرض الاحتراز عن ذلك. ويدل على ما ذكرنا تعبير أكثرهم ب‍ " بلوغ الزرع والبسر سنبلا وتمرا " (1)، أو ل‍ " صيرورتهما (2) كذلك "، وتمثيلهم لغير المقدور ب‍ " انعقاد الثمرة وإيناعها "، و " حمل الدابة فيما بعد "، و " وضع الحامل في وقت كذا "، وغير ذلك. وقال في القواعد: يجوز اشتراط ما يدخل تحت القدرة: من منافع البائع دون غيره، ك‍ " جعل الزرع سنبلا والبسر تمرا " (3). قال الشهيد رحمه الله في محكي حواشيه على القواعد: إن المراد جعل الله الزرع سنبلا والبسر تمرا، لأنا إنما نفرض ما يجوز أن يتوهمه عاقل، لامتناع ذلك من غير الإله - جلت عظمته - انتهى (4). لكن قال في الشرائع: ولا يجوز اشتراط ما لا يدخل في


(1) كما في الدروس 3: 215، وجامع المقاصد 4: 416، والروضة 3: 505. (2) كذا في ظاهر " ق "، والظاهر: " بصيرورتهما ". (3) القواعد 2: 90. (4) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 734.

[ 17 ]

مقدوره، كبيع الزرع على أن يجعله سنبلا والرطب على أن يجعله تمرا، انتهى (1). ونحوها عبارة التذكرة (2). لكن لا بد من إرجاعها إلى ما ذكر، إذ لا يتصور القصد من العاقل إلى الإلزام والالتزام بهذا الممتنع العقلي، اللهم إلا أن يراد إعمال مقدمات الجعل على وجه توصل إليه مع التزام الإيصال، فأسند الجعل إلى نفسه بهذا الاعتبار، فافهم. وكيف كان، فالوجه في اشتراط الشرط المذكور - مضافا إلى عدم الخلاف فيه - عدم القدرة على تسليمه، بل ولا على تسليم المبيع إذا اخذ متصفا به، لأن تحقق مثل هذا الشرط بضرب من الاتفاق، ولا يناط بإرادة المشروط عليه، فيلزم الغرر في العقد، لارتباطه بما لا وثوق بتحققه، ولذا نفى الخلاف في الغنية عن بطلان العقد باشتراط هذا الشرط استنادا إلى عدم القدرة على تسليم المبيع (3)، كما يظهر بالتأمل في آخر كلامه في هذه المسألة. ولا ينقض ما ذكرنا بما لو اشترط وصفا حاليا لا يعلم تحققه في المبيع (4)، كاشتراط كونه كاتبا بالفعل أو حاملا، للفرق بينهما - بعد الإجماع -: بأن التزام وجود الصفة في الحال بناء على وجود الوصف الحالي ولو لم يعلما به، فاشتراط كتابة العبد المعين الخارجي بمنزلة


(1) الشرائع 2: 33. (2) التذكرة 1: 490. (3) الغنية: 215. (4) ظاهر " ق ": " البيع "، والصواب ما أثبتناه كما في " ش ".

[ 18 ]

توصيفه بها، وبهذا المقدار يرتفع الغرر، بخلاف ما سيتحقق في المستقبل، فإن الارتباط به لا يدل على البناء على تحققه. وقد صرح العلامة - فيما حكي عنه - ببطلان اشتراط أن تكون الأمة تحمل في المستقبل، لأنه غرر (1) (2). خلافا للمحكي عن الشيخ والقاضي، فحكما بلزوم العقد مع تحقق الحمل، وبجواز الفسخ إذا لم يتحقق (3)، وظاهرهما - كما استفاده في الدروس (4) - تزلزل العقد باشتراط مجهول التحقق، فيتحقق الخلاف في مسألة اعتبار القدرة في صحة الشرط. ويمكن توجيه فتوى الشيخ (5) بإرجاع اشتراط الحمل في المستقبل إلى اشتراط صفة حالية موجبة للحمل، فعدمه كاشف عن فقدها. وهذا الشرط وإن كان للتأمل في صحته مجال، إلا أن إرادة هذا المعنى يخرج اعتبار كون الشرط مما يدخل تحت القدرة عن الخلاف. ثم إن عدم القدرة على الشرط: تارة لعدم مدخليته فيه أصلا كاشتراط أن الحامل تضع في شهر كذا، واخرى لعدم استقلاله فيه كاشتراط بيع المبيع من زيد، فإن المقدور هو الإيجاب فقط لا العقد المركب، فإن أراد اشتراط المركب، فالظاهر دخوله في اشتراط غير


(1) في " ش " زيادة: " عرفا ". (2) المختلف 5: 242، ولكنه في مورد الدابة. (3) حكاه العلامة في المختلف 5: 242، وراجع المبسوط 2: 156، وجواهر الفقه: 60، المسألة 220. (4) الدروس 3: 217. (5) في " ش ": " كلام الشيخ ".

[ 19 ]

المقدور. إلا أن العلامة قدس سره في التذكرة - بعد جزمه بصحة اشتراط بيعه على زيد - قال: لو اشترط بيعه على زيد فامتنع زيد من شرائه احتمل ثبوت الخيار بين الفسخ والإمضاء والعدم، إذ تقديره: بعه على زيد إن اشتراه (1)، انتهى. ولا أعرف وجها للاحتمال الأول، إذ على تقدير إرادة اشتراط الإيجاب فقط قد حصل الشرط، وعلى تقدير إرادة اشتراط المجموع المركب ينبغي البطلان، إلا أن يحمل على صورة الوثوق بالاشتراء، فاشتراط النتيجة بناء على حصولها بمجرد الإيجاب، فاتفاق امتناعه من الشراء بمنزلة تعذر الشرط، وعليه يحمل قوله في التذكرة: ولو اشترط على البائع إقامة كفيل على العهدة فلم يوجد أو امتنع المعين ثبت للمشتري الخيار، انتهى. ومن أفراد غير المقدور: ما لو شرط حصول غاية متوقفة شرعا على سبب خاص، بحيث يعلم من الشرع عدم حصولها بنفس الاشتراط، كاشتراط كون امرأة زوجة أو الزوجة مطلقة من غير أن يراد من ذلك إيجاد الأسباب. أما لو أراد إيجاد الأسباب أو كان الشرط مما يكفي في تحققه نفس الاشتراط فلا إشكال. ولو شك في حصوله بنفس الاشتراط - كملكية عين خاصة - فسيأتي الكلام فيه في حكم الشرط. الثاني: أن يكون الشرط سائغا في نفسه، فلا يجوز اشتراط جعل العنب خمرا ونحوه من المحرمات، لعدم نفوذ الالتزام بالمحرم. ويدل عليه ما سيجئ من قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم


(1) التذكرة 1: 490.

[ 20 ]

إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا " (1) فإن المشروط (2) إذا كان محرما كان اشتراطه والالتزام به إحلالا للحرام، وهذا واضح لا إشكال فيه. الثالث: أن يكون مما فيه غرض معتد به عند العقلاء نوعا، أو بالنظر إلى خصوص المشروط له، ومثل له في الدروس باشتراط جهل العبد بالعبادات (3). وقد صرح جماعة (4): بأن اشتراط الكيل أو الوزن بمكيال معين أو ميزان معين من أفراد المتعارف لغو، سواء في السلم وغيره، وفي التذكرة: لو شرط ما لا غرض للعقلاء فيه ولا يزيد به المالية، فإنه لغو لا يوجب الخيار (5). والوجه في ذلك: أن مثل ذلك لا يعد حقا للمشروط له حتى يتضرر بتعذره فيثبت له الخيار، أو يعتني به الشارع فيوجب (6) الوفاء به ويكون تركه ظلما (7)، ولو شك في تعلق غرض


(1) انظر الصفحة 22. (2) في " ش ": " الشرط ". (3) بل مثل به لشرط غير مشروع، راجع الدروس 3: 215. (4) منهم: العلامة في القواعد 2: 49، والتذكرة 1: 556، والشهيد في الدروس 3: 253، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 225، وراجع مفتاح الكرامة 4: 453 - 454. (5) التذكرة 1: 524. (6) في ظاهر " ق ": " فوجب ". (7) في " ش " زيادة: " فهو نظير عدم إمضاء الشارع لبذل المال على ما فيه منفعة لا يعتد بها عند العقلاء ".

[ 21 ]

صحيح به حمل عليه. ومن هنا اختار في التذكرة صحة اشتراط: أن لا يأكل إلا الهريسة، ولا يلبس إلا الخز (1). ولو اشترط كون العبد كافرا ففي صحته أو لغويته قولان للشيخ (2) والحلي (3): من تعلق الغرض المعتد به، لجواز بيعه على المسلم والكافر، ولاستغراق أوقاته بالخدمة. ومن أن " الإسلام يعلو ولا يعلى عليه " (4) والأغراض الدنيوية لا تعارض الاخروية. وجزم بذلك في الدروس (5) وبما قبله العلامة قدس سره (6). الرابع: أن لا يكون مخالفا للكتاب والسنة، فلو اشترط رقية حر أو توريث أجنبي كان فاسدا، لأن مخالفة الكتاب والسنة لا يسوغهما شئ. نعم، قد يقوم احتمال تخصيص عموم الكتاب والسنة بأدلة الوفاء،


(1) التذكرة 1: 493. (2) المبسوط 2: 130، والخلاف 3: 112، المسألة 185 من كتاب البيوع. (3) السرائر 2: 357. (4) الوسائل 17: 376، الباب الأول من أبواب موانع الارث، الحديث 11. (5) الدروس 3: 215. (6) المختلف 5: 189.

[ 22 ]

بل قد جوز بعض (1) تخصيص عموم ما دل على عدم جواز الشرط المخالف للكتاب والسنة. لكنه مما لا يرتاب في ضعفه. وتفصيل الكلام في هذا المقام وبيان معنى مخالفة الشرط للكتاب [ والسنة ] (2) موقوف على ذكر الأخبار الواردة في هذا الشرط، ثم التعرض لمعناها، فنقول: إن الأخبار في هذا المعنى مستفيضة، بل متواترة معنى: ففي النبوي المروي صحيحا عن أبي عبد الله عليه السلام: " من اشترط شرطا سوى كتاب الله عز وجل، فلا يجوز ذلك له ولا عليه " (3). والمذكور في كلام الشيخ والعلامة (4) رحمه الله المروي من طريق العامة قوله صلى الله عليه وآله في حكاية بريرة لما اشترتها عائشة وشرط مواليها عليها ولاءها: " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله! فما كان من شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل، قضاء الله أحق، وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق " (5). وفي المروي موثقا عن أمير المؤمنين عليه السلام: " من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا


(1) لم نعثر عليه. (2) لم يرد في " ق ". (3) الوسائل 15: 47، الباب 38 من أبواب المهور، الحديث 2. (4) راجع الخلاف 3: 157 - 158، ذيل المسألة 249 من كتاب البيوع، والمختلف 5: 298 - 299، والتذكرة 1: 493. (5) السنن الكبرى للبيهقي 10: 295، وكنز العمال 10: 322، الحديث 29615.

[ 23 ]

أو أحل حراما " (1). وفي صحيحة الحلبي: " كل شرط خالف كتاب الله فهو رد " (2). وفي صحيحة ابن سنان: " من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله عز وجل، فلا يجوز [ له، ولا يجوز ] (3) على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله " (4). وفي صحيحته الاخرى: " المؤمنون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله عز وجل فلا يجوز " (5). وفي رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام فيمن تزوج امرأة (6) واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق؟ قال: " خالفت السنة ووليت حقا ليست أهلا له. فقضى أن عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق، وذلك السنة " (7)، وفي معناها مرسلة ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام ومرسلة مروان بن مسلم، إلا أن فيهما عدم جواز هذا النكاح (8).


(1) الوسائل 15: 50، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 4. (2) الوسائل 13: 44، الباب 15 من أبواب بيع الحيوان، الحديث الأول. (3) من " ش " والكافي والوسائل، وفي التهذيب زيادة " له " فقط. (4) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث الأول. (5) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 2، ولكن فيه بدل " المؤمنون ": " المسلمون ". (6) في " ش " زيادة: " وأصدقها ". (7) الوسائل 15: 40 - 41، الباب 29 من أبواب المهور، وفيه حديث واحد. (8) الوسائل 15: 340، الباب 42 من أبواب مقدمات الطلاق، وفيه حديث واحد، و 337، الباب 41 من الأبواب، الحديث 5، إلا أن الحكم بعدم جواز النكاح موجود في مرسلة مروان فقط.

[ 24 ]

وفي رواية إبراهيم بن محرز، قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل قال لامرأته: أمرك بيدك، فقال عليه السلام: أنى يكون هذا! وقد قال الله تعالى: * (الرجال قوامون على النساء) * " (1). وعن تفسير العياشي، عن ابن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة تزوجها رجل، وشرط عليها وعلى أهلها: إن تزوج عليها أو هجرها أو أتى عليها سرية فهي طالق، فقال عليه السلام: شرط الله قبل شرطكم، إن شاء وفى بشرطه وإن شاء أمسك امرأته وتزوج عليها وتسرى وهجرها إن أتت بسبب ذلك، قال الله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث) * (2)، (3) (احل لكم ما ملكت أيمانكم) (4)، * (واللتي تخافون نشوزهن...) * (5) الآية " (6). ثم الظاهر أن المراد ب‍ " كتاب الله " هو ما كتب الله على عباده من أحكام الدين وإن بينه على لسان رسوله صلى الله عليه وآله، فاشتراط ولاء المملوك لبائعه إنما جعل في النبوي مخالفا لكتاب الله بهذا المعنى. لكن


(1) الوسائل 15: 337، الباب 41 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 6، والآية في سورة النساء: 34. (2) النساء: 3. (3) في " ش " زيادة: " وقال ". (4) النساء: 3، والآية في المصحف الكريم هكذا: * (... أو ما ملكت أيمانكم) *. (5) النساء: 34. (6) تفسير العياشي 1: 240، الحديث 121، وعنه في الوسائل 15: 31، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 6.

[ 25 ]

ظاهر النبوي وإحدى صحيحتي ابن سنان اشتراط موافقة كتاب الله في صحة الشرط، وأن ما ليس فيه أو لا يوافقه فهو باطل. ولا يبعد أن يراد بالموافقة عدم المخالفة، نظرا إلى موافقة ما لم يخالف كتاب الله بالخصوص لعموماته المرخصة للتصرفات الغير المحرمة في النفس والمال، فخياطة ثوب البائع - مثلا - موافق للكتاب بهذا المعنى. ثم إن المتصف بمخالفة الكتاب إما نفس المشروط والملتزم - ككون الأجنبي وارثا وعكسه، وكون الحر أو ولده رقا، وثبوت الولاء لغير المعتق، ونحو ذلك - وإما أن يكون التزامه، مثلا مجرد عدم التسري والتزويج (1) على المرأة ليس مخالفا للكتاب، وإنما المخالف الالتزام به، فإنه مخالف لإباحة التسري والتزويج الثابتة بالكتاب. وقد يقال: إن التزام ترك المباح لا ينافي إباحته، فاشتراط ترك التزويج والتسري لا ينافي الكتاب، فينحصر المراد في المعنى الأول. وفيه: أن ما ذكر لا يوجب الانحصار، فإن التزام ترك المباح وإن لم يخالف الكتاب المبيح له، إلا أن التزام فعل الحرام يخالف الكتاب المحرم له، فيكفي هذا مصداقا لهذا المعنى، مع أن الرواية المتقدمة (2) الدالة على كون اشتراط ترك التزويج والتسري مخالفا للكتاب - مستشهدا عليه بما دل من الكتاب على إباحتهما - كالصريحة في هذا المعنى، وما سيجئ (3) من تأويل الرواية بعيد، مع أن قوله عليه السلام في


(1) في " ش ": " التزوج "، وهكذا فيما يأتي. (2) راجع الصفحة المتقدمة. (3) انظر الصفحة 27 - 28.

[ 26 ]

رواية إسحاق بن عمار: " المؤمنون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " (1) ظاهر بل صريح في فعل الشارط، فإنه الذي يرخص باشتراطه الحرام الشرعي، ويمنع باشتراطه عن المباح الشرعي، إذ المراد من التحريم والإحلال ما هو من فعل الشارط لا الشارع. وأصرح من ذلك كله المرسل المروي في الغنية: " الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب أو سنة " (2). ثم إن المراد بحكم الكتاب والسنة - الذي يعتبر عدم مخالفة المشروط أو نفس الاشتراط له - هو ما ثبت على وجه لا يقبل تغيره بالشرط لأجل تغير موضوعه بسبب الاشتراط. توضيح ذلك: أن حكم الموضوع قد يثبت له من حيث نفسه ومجردا عن ملاحظة عنوان آخر طار عليه، ولازم ذلك عدم التنافي بين ثبوت هذا الحكم وبين ثبوت حكم آخر له إذا فرض عروض عنوان آخر لذلك الموضوع. ومثال ذلك أغلب المباحات والمستحبات والمكروهات بل جميعها، حيث إن تجوز (3) الفعل والترك إنما هو من حيث ذات الفعل، فلا ينافي طرو عنوان يوجب المنع عن الفعل أو الترك، كأكل اللحم، فإن الشرع قد دل على إباحته في نفسه، بحيث لا ينافي عروض التحريم له إذا حلف على تركه أو أمر الوالد بتركه، أو عروض الوجوب له إذا صار مقدمة لواجب أو نذر فعله مع انعقاده.


(1) راجع الصفحة 22. (2) الغنية: 315. (3) كذا في " ق "، وفي " ش ": " تجويز "، والأصح: " جواز ".

[ 27 ]

وقد يثبت له لا مع تجرده عن ملاحظة العنوانات الخارجة الطارئة عليه، ولازم ذلك حصول التنافي بين ثبوت هذا الحكم وبين ثبوت حكم آخر له، وهذا نظير أغلب المحرمات والواجبات، فإن الحكم بالمنع عن الفعل أو الترك مطلق لا مقيد بحيثية تجرد الموضوع، إلا عن بعض العنوانات كالضرر والحرج، فإذا فرض ورود حكم آخر من غير جهة الحرج والضرر فلا بد من وقوع التعارض بين دليلي الحكمين، فيعمل بالراجح بنفسه أو بالخارج. إذا عرفت هذا فنقول: الشرط إذا ورد على ما كان من قبيل الأول لم يكن الالتزام بذلك مخالفا للكتاب، إذ المفروض أنه لا تنافي بين حكم ذلك الشئ في الكتاب والسنة وبين دليل الالتزام بالشرط ووجوب الوفاء به. وإذا ورد على ما كان من قبيل الثاني كان التزامه مخالفا للكتاب والسنة. ولكن ظاهر مورد بعض الأخبار المتقدمة من قبيل الأول، كترك التزويج (1) وترك التسري، فإنهما مباحان من حيث أنفسهما، فلا ينافي ذلك لزومهما بواسطة العنوانات الخارجة، كالحلف والشرط وأمر السيد والوالد. وحينئذ فيجب إما جعل ذلك الخبر كاشفا عن كون ترك الفعلين في نظر الشارع من الجائز الذي لا يقبل اللزوم بالشرط وإن كان في أنظارنا نظير ترك أكل اللحم والتمر وغيرهما من المباحات القابلة لطرو


(1) في " ش ": " التزوج ".

[ 28 ]

عنوان التحريم (1). وإما الحمل على أن هذه الأفعال مما لا يجوز تعلق وقوع الطلاق عليها وأنها لا توجب الطلاق كما فعله الشارط، فالمخالف للكتاب هو ترتب طلاق المرأة، إذ الكتاب دال على إباحتها وأنه (2) مما لا يترتب عليه حرج ولو من حيث خروج المرأة بها عن زوجية الرجل. ويشهد لهذا الحمل - وإن بعد - بعض الأخبار الظاهرة في وجوب الوفاء بمثل هذا الالتزام، مثل رواية منصور بن يونس، قال: " قلت لأبي الحسن عليه السلام: إن شريكا لي كان تحته امرأة فطلقها فبانت منه فأراد مراجعتها، فقالت له المرأة: لا والله لا أتزوجك أبدا حتى يجعل الله لي عليك أن لا تطلقني ولا تتزوج علي، قال: وقد فعل؟ قلت: نعم، جعلني الله فداك! قال: بئس ما صنع! ما كان يدري ما يقع في قلبه بالليل والنهار. ثم قال: أما الآن فقل له: فليتم للمرأة شرطها، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المسلمون عند شروطهم " (3)، فيمكن حمل رواية محمد بن قيس (4) على إرادة عدم سببيته للطلاق بحكم الشرط، فتأمل.


(1) في " ش " زيادة: " لكن يبعده استشهاد الإمام عليه السلام لبطلان تلك الشروط بإباحة ذلك في القرآن، وهو في معنى إعطاء الضابطة لبطلان الشروط ". (2) كذا في " ق "، وفي " ش ": " وأنها ". (3) الكافي 5: 404، الحديث 8، وعنه في الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، ذيل الحديث 4، وفي المصادر: " منصور بن برزج " وهو متحد مع " منصور بن يونس "، وفي رجال النجاشي: " منصور بن يونس بزرج ". انظر رجال النجاشي: 413، الترجمة رقم 110. (4) تقدمت في الصفحة 23.

[ 29 ]

ثم إنه لا إشكال فيما ذكرنا: من انقسام الحكم الشرعي إلى القسمين المذكورين وأن المخالف للكتاب هو الشرط الوارد على القسم الثاني لا الأول. وإنما الإشكال في تميز مصداق أحدهما عن الآخر في كثير من المقامات: منها: كون من أحد أبويه حر رقا، فإن ما دل على أنه لا يملك ولد حر (1) قابل لأن يراد به عدم رقية ولد الحر بنفسه، بمعنى أن الولد ينعقد لو خلي وطبعه تابعا لأشرف الأبوين، فلا ينافي جعله رقا بالشرط في ضمن عقد. وأن يراد به أن ولد الحر لا يمكن أن يصير في الشريعة رقا، فاشتراطه اشتراط لما هو مخالف للكتاب والسنة الدالين على هذا الحكم. ومنها: إرث المتمتع بها، هل هو قابل للاشتراط في ضمن عقد المتعة أو عقد آخر، أم لا؟ فإن الظاهر الاتفاق على عدم مشروعية اشتراطه في ضمن عقد آخر، وعدم مشروعية اشتراط إرث أجنبي آخر في ضمن عقد مطلقا. فيشكل الفرق حينئذ بين أفراد غير الوارث وبين أفراد العقود، وجعل ما حكموا بجوازه (2) مطابقا للكتاب وما منعوا عنه مخالفا. إلا أن يدعى أن هذا الاشتراط مخالف للكتاب إلا في هذا المورد، أو أن الشرط المخالف للكتاب ممنوع إلا في هذا المورد. ولكن


(1) راجع الوسائل 14: 578 و 579، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2 و 5. (2) في " ش " زيادة: " مطلقا ".

[ 30 ]

عرفت وهن الثاني، والأول يحتاج إلى تأمل. ومنها: أنهم اتفقوا على جواز اشتراط الضمان في العارية واشتهر عدم جوازه في عقد الإجارة، فيشكل أن مقتضى أدلة عدم ضمان الأمين (1) عدم ضمانه في نفسه من غير إقدام عليه، بحيث لا ينافي إقدامه على الضمان من أول الأمر، أو عدم مشروعية ضمانه وتضمينه ولو بالأسباب، كالشرط في ضمن ذلك العقد الأمانة (2) أو غير ذلك. ومنها: اشتراط أن لا يخرج بالزوجة إلى بلد آخر، فإنهم اختلفوا في جوازه، والأشهر على الجواز (3)، وجماعة على المنع (4) من جهة مخالفته للشرع من حيث وجوب إطاعة الزوج وكون مسكن الزوجة ومنزلها باختياره، وأورد عليهم بعض المجوزين (5): بأن هذا جار في جميع


(1) منها في الوسائل 13: 227، الباب 4 من أحكام الوديعة، و 235، الباب الأول من كتاب العارية. (2) في " ش ": " في ضمن عقد تلك الأمانة ". (3) كما في نهاية المرام 1: 406، وذهب إليه الشيخ في النهاية: 474، والقاضي في المهذب 2: 212، وابن حمزة في الوسيلة: 297، والمحقق في المختصر النافع: 190، والعلامة في المختلف 7: 153، والفاضل الإصفهاني في كشف اللثام (الطبعة الحجرية) 2: 82، والمحدث البحراني في الحدائق 24: 537. (4) منهم الشيخ في المبسوط 4: 303، والخلاف 4: 388، المسألة 32 من كتاب الصداق، والحلي في السرائر 2: 590، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 13: 399. (5) وهو السيد العاملي في نهاية المرام 1: 407، والسيد الطباطبائي في الرياض (الطبعة الحجرية) 2: 147.

[ 31 ]

الشروط السائغة، من حيث إن الشرط ملزم لما ليس بلازم فعلا أو تركا. وبالجملة، فموارد الإشكال في تميز الحكم الشرعي القابل لتغيره بالشرط بسبب تغير عنوانه عن غير القابل كثيرة يظهر للمتتبع، فينبغي للمجتهد ملاحظة الكتاب والسنة الدالين على الحكم الذي يراد تغيره بالشرط والتأمل فيه حتى يحصل له التميز ويعرف أن المشروط من قبيل ثبوت الولاء لغير المعتق المنافي لقوله صلى الله عليه وآله: " الولاء لمن أعتق " (1) أو من قبيل ثبوت الخيار للمتبايعين الغير المنافي لقوله عليه السلام: " إذا افترقا وجب البيع " (2) أو عدمه لهما في المجلس مع قوله عليه السلام: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (3) إلى غير ذلك من الموارد المتشابهة صورة المخالفة حكما. فإن لم يحصل له بنى على أصالة عدم المخالفة، فيرجع إلى عموم: " المؤمنون عند شروطهم " (4) والخارج عن هذا العموم وإن كان هو المخالف واقعا للكتاب والسنة، لا ما علم مخالفته، إلا أن البناء على أصالة عدم المخالفة يكفي في إحراز عدمها واقعا، كما في سائر مجاري الاصول، ومرجع هذا الأصل إلى أصالة عدم ثبوت هذا الحكم على وجه لا يقبل تغيره بالشرط.


(1) الوسائل 16: 40، الباب 37 من كتاب العتق، الحديث 1 و 2. (2) الوسائل 12: 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 4. (3) الوسائل 12: 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 3. (4) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، ذيل الحديث 4.

[ 32 ]

مثلا نقول: إن الأصل عدم ثبوت الحكم بتسلط الزوج على الزوجة من حيث المسكن إلا (1) من حيث هو لو خلي وطبعه، ولم يثبت في صورة إلزام الزوج على نفسه بعض خصوصيات المسكن. لكن هذا الأصل إنما ينفع بعد عدم ظهور الدليل الدال على الحكم في إطلاقه بحيث يشمل صورة الاشتراط، كما في أكثر الأدلة المتضمنة للأحكام المتضمنة للرخصة والتسليط، فإن الظاهر سوقها في مقام بيان حكم الشئ من حيث هو، الذي لا ينافي طرو خلافه لملزم شرعي، كالنذر وشبهه من حقوق الله، والشرط وشبهه من حقوق الناس. أما ما كان ظاهره العموم، كقوله: " لا يملك ولد حر " (2) فلا مجرى فيه لهذا الأصل. ثم إن بعض مشايخنا المعاصرين (3) - بعدما خص الشرط المخالف للكتاب، الممنوع عنه في الأخبار بما كان الحكم المشروط مخالفا للكتاب، وأن التزام فعل المباح أو الحرام أو ترك المباح أو الواجب خارج عن مدلول تلك الأخبار - ذكر: أن المتعين في هذه الموارد ملاحظة التعارض بين ما دل على حكم ذلك الفعل وما دل على وجوب الوفاء بالشرط، ويرجع إلى المرجحات، وذكر: أن [ المرجح ] (4) في مثل اشتراط شرب الخمر هو الإجماع، قال: وما لم يكن فيه مرجح


(1) في " ش ": " لا ". (2) الوسائل 14: 579، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 5. (3) في " ق " زيادة: " ذكر ". (4) لم يرد في " ق ".

[ 33 ]

يعمل فيه بالقواعد والاصول (1). وفيه من الضعف ما لا يخفى، مع أن اللازم على ذلك الحكم بعدم لزوم الشرط بل عدم صحته في جميع موارد عدم الترجيح، لأن الشرط إن كان فعلا لما يجوز (2) تركه كان اللازم مع تعارض أدلة وجوب الوفاء بالشرط وأدلة جواز ترك ذلك الفعل مع فقد المرجح الرجوع إلى أصالة عدم وجوب الوفاء بالشرط، فلا يلزم، بل لا يصح. وإن كان فعل محرم أو ترك واجب، لزم الرجوع إلى أصالة بقاء الوجوب والتحريم الثابتين قبل الاشتراط. فالتحقيق ما ذكرنا: من أن من الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة ما يقبل التغيير بالشرط لتغيير عنوانه، كأكثر ما رخص في فعله وتركه، ومنها ما لا يقبله، كالتحريم وكثير من موارد الوجوب. وأدلة الشروط حاكمة على القسم الأول دون الثاني، فإن اشتراطه مخالف لكتاب الله، كما عرفت وعرفت حكم صورة الشك. وقد تفطن قدس سره لما ذكرنا في حكم القسم الثاني وأن الشرط فيه مخالف للكتاب بعض التفطن، بحيث كاد أن يرجع عما ذكره أولا من التعارض بين أدلة وجوب الوفاء بالشرط وأدلة حرمة شرب الخمر، فقال: ولو جعل هذا الشرط من أقسام الشرط المخالف للكتاب والسنة - كما يطلق عليه عرفا - لم يكن بعيدا، انتهى (3).


(1) ذكره المحقق النراقي في العوائد: 151. (2) لم ترد " لما " في " ش ". (3) عوائد الأيام: 151.

[ 34 ]

ومما ذكرنا: من انقسام الأحكام الشرعية المدلول عليها في الكتاب والسنة على قسمين، يظهر لك معنى قوله عليه السلام - في رواية إسحاق بن عمار المتقدمة -: " المؤمنون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " (1)، فإن المراد ب‍ " الحلال " و " الحرام " فيها ما كان كذلك بظاهر دليله حتى مع الاشتراط، نظير شرب الخمر وعمل الخشب صنما أو صورة حيوان، ونظير مجامعة الزوج التي دل بعض الأخبار السابقة (2) على عدم ارتفاع حكمها - أعني الإباحة متى أراد الزوج - باشتراط كونها بيد المرأة، ونظير التزويج (3) والتسري والهجر، حيث دل بعض تلك الأخبار (4) على عدم ارتفاع إباحتها باشتراط تركها معللا بورود الكتاب العزيز بإباحتها. أما ما كان حلالا لو خلي وطبعه بحيث لا ينافي حرمته أو وجوبه بملاحظة طرو عنوان خارجي عليه، أو كان حراما كذلك، فلا يلزم من اشتراط فعله أو تركه إلا تغير عنوان الحلال والحرام الموجب لتغير الحل والحرمة، فلا يكون حينئذ تحريم حلال ولا تحليل حرام. ألا ترى أنه لو نهى السيد عبده أو الوالد ولده عن فعل مباح، أعني: مطالبة غريم (5) ما له في ذمة غريمه، أو حلف المكلف على تركه،


(1) تقدمت في الصفحة 22. (2) مثل رواية محمد بن قيس المتقدمة في الصفحة 23. (3) في " ش ": " التزوج ". (4) وهو خبر ابن مسلم المنقول عن تفسير العياشي المتقدم في الصفحة 24. (5) لم ترد " غريم " في " ش ".

[ 35 ]

لم يكن الحكم بحرمته شرعا من حيث طرو عنوان " معصية السيد والوالد " وعنوان " حنث اليمين " عليه تحريما لحلال، فكذلك ترك ذلك الفعل في ضمن عقد يجب الوفاء به. وكذلك امتناع الزوجة عن الخروج مع زوجها إلى بلد آخر محرم في نفسه، وكذلك امتناعها عن المجامعة، ولا ينافي ذلك حليتها باشتراط عدم إخراجها عن بلدها، أو باشتراط عدم مجامعتها، كما في بعض النصوص (1). وبالجملة، فتحريم الحلال وتحليل الحرام إنما يلزم مع معارضة أدلة الوفاء بالشرط لأدلة أصل الحكم حتى يستلزم وجوب الوفاء مخالفة ذلك وطرح دليله. أما إذا كان دليل الحكم لا يفيد إلا ثبوته لو خلي الموضوع وطبعه، فإنه لا يعارضه ما دل على ثبوت ضد ذلك الحكم إذا طرأ على الموضوع عنوان (2) لم يثبت ذلك الحكم له إلا مجردا عن ذلك العنوان. ثم إنه يشكل الأمر في استثناء الشرط المحرم للحلال، على ما ذكرنا في معنى الرواية: بأن أدلة حلية أغلب المحللات - بل كلها - إنما تدل على حليتها في أنفسها لو خليت وأنفسها، فلا تنافي حرمتها من أجل الشرط، كما قد تحرم من أجل النذر وأخويه، ومن جهة إطاعة الوالد والسيد، ومن جهة صيرورتها علة للمحرم، وغير ذلك من


(1) راجع الوسائل 15: 49، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 1 و 3، والصفحة 45، الباب 36 من أبواب المهور، الحديث الأول. (2) في " ش " زيادة: " آخر ".

[ 36 ]

العناوين الطارئة لها. نعم، لو دل دليل حل شئ على حله المطلق (1) نظير دلالة أدلة المحرمات، بحيث لا يقبل لطرو (2) عنوان مغير عليه أصلا، أو خصوص الشرط من بين العناوين، أو دل (3) من الخارج على كون ذلك الحلال كذلك - كما دل بعض الأخبار بالنسبة إلى بعض الأفعال كالتزويج والتسري (4) وترك الجماع من دون إرادة الزوجة (5) - كان مقتضاه فساد اشتراط خلافه. لكن دلالة نفس دليل الحلية على ذلك لم توجد في مورد، والوقوف مع الدليل الخارجي (6) الدال على فساد الاشتراط يخرج الرواية عن سوقها لبيان ضابطة الشروط عند الشك، إذ مورد الشك حينئذ محكوم بصحة الاشتراط. ومورد ورود الدليل على عدم تغير حل الفعل باشتراط تركه مستغن عن الضابطة، مع أن الإمام علل فساد الشرط في هذه الموارد بكونه محرما للحلال، كما عرفت في الرواية التي تقدمت في عدم صحة اشتراط عدم التزويج (7) والتسري، معللا بكونه مخالفا للكتاب الدال على


(1) في " ش ": " الحلية المطلقة ". (2) في " ش ": " طرو ". (3) في " ش " زيادة: " الدليل ". (4) في " ش ": " كالتسري والتزوج ". (5) راجع للتزويج والتسري الخبر المتقدم في الصفحة 24 عن تفسير العياشي، وراجع لترك الجماع رواية محمد بن قيس المتقدمة في الصفحة 23. (6) في " ش ": " الخارج ". (7) في " ش ": " التزوج ".

[ 37 ]

إباحتها (1). نعم، لا يرد هذا الإشكال في طرف تحليل الحرام، لأن أدلة المحرمات قد علم دلالتها على التحريم على وجه لا تتغير (2) بعنوان الشرط والنذر وشبههما، بل نفس استثناء الشرط المحلل للحرام عما يجب الوفاء به دليل على إرادة الحرام في نفسه لولا الشرط. وليس كذلك في طرف المحرم للحلال، فإنا قد علمنا أن ليس المراد الحلال لولا الشرط، لأن تحريم " المباحات لولا الشرط " لأجل الشرط فوق حد الإحصاء، بل اشتراط كل شرط عدا فعل الواجبات وترك المحرمات مستلزم لتحريم الحلال فعلا أو تركا. وربما يتخيل: أن هذا الإشكال مختص بما دل على الإباحة التكليفية، كقوله: " تحل كذا وتباح كذا " أما الحلية التي تضمنها الأحكام الوضعية - كالحكم بثبوت الزوجية أو الملكية أو الرقية، أو أضدادها - فهي أحكام (3) لا تتغير لعنوان أصلا، فإن الانتفاع بالملك في الجملة والاستمتاع بالزوجة والنظر إلى امها وبنتها من المباحات التي لا تقبل التغيير، ولذا ذكر في مثال الصلح المحرم للحلال: أن لا ينتفع بماله أو لا يطأ جاريته. وبعبارة اخرى: ترتب آثار الملكية على الملك في الجملة وآثار الزوجية على الزوج كذلك، من المباحات التي لا تتغير عن إباحتها،


(1) تقدمت في الصفحة 24. (2) في " ش ": " لا يتغير ". (3) في " ق ": " حكم ".

[ 38 ]

وإن كان ترتب بعض الآثار قابلا لتغير حكمه إلى التحريم، كالسكنى فيما (1) اشترط إسكان البائع فيه مدة، وإسكان الزوجة في بلد اشترط أن لا يخرج إليه، أو وطأها مع اشتراط عدم وطئها أصلا، كما هو المنصوص (2). ولكن الإنصاف: أنه كلام غير منضبط، فإنه كما جاز تغير إباحة بعض الانتفاعات - كالوط ء في النكاح، والسكنى في البيع - إلى التحريم لأجل الشرط، كذلك يجوز تغير إباحة سائرها إلى الحرمة. فليس الحكم بعدم (3) إباحة مطلق التصرف في الملك والاستمتاع بالزوجة لأجل الشرط إلا لإجماع (4) أو لمجرد الاستبعاد، والثاني غير معتد به، والأول يوجب ما تقدم: من عدم الفائدة في بيان هذه الضابطة، مع أن هذا العنوان - أعني تحريم الحلال وتحليل الحرام - إنما وقع مستثنى في أدلة انعقاد اليمين، وورد: أنه لا يمين في تحليل الحرام وتحريم الحلال (5)، وقد ورد بطلان الحلف على ترك شرب العصير المباح دائما، معللا: بأنه ليس لك أن تحرم ما أحل الله (6). ومن المعلوم أن إباحة العصير لم تثبت من الأحكام الوضعية، بل هي من الأحكام التكليفية الابتدائية.


(1) في " ش " زيادة: " لو ". (2) تقدم تخريجه في الصفحة 35. (3) في " ش " زيادة: " تغير ". (4) في " ش ": " للإجماع ". (5) راجع الوسائل 16: 130، الباب 11 من أبواب الأيمان، الحديث 6 و 7. (6) راجع الوسائل 16: 148، الباب 19 من أبواب الأيمان، الحديث 2.

[ 39 ]

وبالجملة، فالفرق بين التزويج (1) والتسري اللذين ورد عدم جواز اشتراط تركهما معللا: بأنه خلاف الكتاب الدال على إباحتهما، وبين ترك الوط ء الذي ورد جواز اشتراطه، وكذا بين ترك شرب العصير المباح الذي ورد عدم جواز الحلف عليه معللا: بأنه من تحريم الحلال، وبين ترك بعض المباحات المتفق على جواز الحلف عليه، في غاية الإشكال. وربما قيل (2) في توجيه الرواية وتوضيح معناها: إن معنى قوله: " إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " إما أن يكون: " إلا شرطا حرم وجوب الوفاء به الحلال "، وإما أن يكون: " إلا شرطا حرم ذلك الشرط الحلال "، والأول مخالف لظاهر العبارة، مع مناقضته لما استشهد به الإمام عليه السلام في رواية منصور بن يونس - المتقدمة (3) - الدالة على وجوب الوفاء بالتزام عدم الطلاق والتزويج (4) بل يلزم كون الكل لغوا، إذ ينحصر مورد " المسلمون عند شروطهم " باشتراط الواجبات واجتناب المحرمات، فيبقى الثاني، وهو ظاهر الكلام، فيكون معناه: " إلا شرطا حرم ذلك الشرط الحلال "، بأن يكون المشروط هو حرمة الحلال. ثم قال: فإن قيل: إذا شرط عدم فعله (5) فيجعله حراما عليه. قلنا: لا نريد أن معنى الحرمة طلب الترك من المشترط بل جعله


(1) في " ش ": " التزوج ". (2) قاله النراقي في العوائد: 148 - 150. (3) تقدمت في الصفحة 28. (4) في " ش ": " التزوج ". (5) في " ش " زيادة: " فلا يرضى بفعله ".

[ 40 ]

حراما واقعا (1) أي مطلوب الترك شرعا، ولا شك أن شرط عدم فعل بل نهي شخص عن فعل لا يجعله حراما شرعيا. ثم قال: فإن قيل: الشرط من حيث هو مع قطع النظر عن إيجاب الشارع الوفاء لا يوجب تحليلا وتحريما شرعا فلا يحرم ولا يحلل. قلنا: إن اريد أنه لا يوجب تحليلا ولا تحريما شرعيين واقعا فهو كذلك، وإن اريد أنه لا يوجب تحليلا ولا تحريما شرعيا بحكم الشرط فهو ليس كذلك، بل حكم الشرط ذلك، وهذا معنى تحريم الشرط وتحليله. وعلى هذا فلا إجمال في الحديث ولا تخصيص، ويكون [ الشرط ] (2) في ذلك كالنذر والعهد واليمين، فإن من نذر أن لا يأكل المال المشتبه ينعقد، ولو نذر أن يكون المال المشتبه حراما عليه شرعا أو يحرم ذلك على نفسه شرعا لم ينعقد (3)، انتهى. أقول: لا أفهم معنى محصلا لاشتراط حرمة الشئ أو حليته شرعا، فإن هذا أمر غير مقدور للمشترط ولا يدخل تحت الجعل، فهو داخل في غير المقدور. ولا معنى لاستثنائه عما يجب الوفاء به، لأن هذا لا يمكن عقلا الوفاء به، إذ ليس فعلا خصوصا للمشترط، وكذلك الكلام في النذر وشبهه. والعجب منه قدس سره! حيث لاحظ ظهور الكلام في كون المحرم والمحلل نفس الشرط، ولم يلاحظ كون الاستثناء من الأفعال التي يعقل


(1) في " ش " بدل " واقعا ": " ذاتيا ". (2) أثبتناه من المصدر. (3) انتهى ما قاله المحقق النراقي.

[ 41 ]

الوفاء بالتزامها، وحرمة الشئ شرعا لا يعقل فيها الوفاء والنقض. وقد مثل جماعة (1) للصلح المحلل للحرام بالصلح على شرب الخمر، وللمحرم للحلال بالصلح على أن لا يطأ جاريته ولا ينتفع بماله. وكيف كان، فالظاهر بل المتعين: أن المراد بالتحليل والتحريم المستندين إلى الشرط هو الترخيص والمنع. نعم، المراد بالحلال والحرام ما كان كذلك مطلقا (2) بحيث لا يتغير موضوعه بالشرط، لا ما كان حلالا لو خلي وطبعه بحيث لا ينافي عروض عنوان التحريم له لأجل الشرط، وقد ذكرنا: أن المعيار في ذلك وقوع التعارض بين دليل حلية ذلك الشئ أو حرمته وبين وجوب الوفاء بالشرط وعدم وقوعه، ففي الأول يكون الشرط على تقدير صحته مغيرا للحكم الشرعي، وفي الثاني يكون مغيرا لموضوعه. فحاصل المراد بهذا الاستثناء في حديثي " الصلح " و " الشرط ": أنهما لا يغيران حكما شرعيا بحيث يرفع اليد عن ذلك الحكم لأجل الوفاء بالصلح والشرط، كالنذر وشبهه. وأما تغييرهما لموضوع الأحكام الشرعية ففي غاية الكثرة، بل هما موضوعان لذلك، وقد ذكرنا: أن الإشكال في كثير من الموارد في تميز أحد القسمين من الأحكام عن الآخر.


(1) منهم الفاضل المقداد في التنقيح 2: 201، والشهيد الثاني في المسالك 4: 262، والروضة 4: 174، وراجع تفصيل ذلك في مفتاح الكرامة 5: 456، والمناهل: 345. (2) لم ترد " مطلقا " في " ش ".

[ 42 ]

ومما ذكرنا يظهر النظر في تفسير آخر لهذا الاستثناء يقرب من هذا التفسير الذي تكلمنا عليه، ذكره المحقق القمي صاحب القوانين في رسالته التي ألفها في هذه المسألة، فإنه - بعدما ذكر من أمثلة الشرط الغير الجائز في نفسه مع قطع النظر عن اشتراطه والتزامه شرب الخمر والزنا ونحوهما من المحرمات أو (1) فعل المرجوحات وترك المباحات وفعل المستحبات، كأن يشترط تقليم الأظافر بالسن أبدا، أو أن لا يلبس الخز أبدا، أو لا يترك النوافل، فإن جعل المكروه أو المستحب واجبا وجعل المباح حراما حرام إلا برخصة شرعية حاصلة من الأسباب الشرعية، كالنذر وشبهه فيما ينعقد فيه، ويستفاد ذلك من كلام علي عليه السلام في رواية إسحاق بن عمار: " من اشترط لامرأته شرطا، فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " (2) - قال قدس سره (3): فإن قلت: إن الشرط كالنذر وشبهه من الأسباب الشرعية المغيرة للحكم، بل الغالب فيه هو إيجاب ما ليس بواجب، فإن بيع الرجل ماله أو هبته لغيره مباح، وأما لو اشترط في ضمن عقد آخر يصير واجبا، فما وجه تخصيص الشرط بغير ما ذكرته من الأمثلة؟


(1) في " ش " بدل " أو ": " و "، مع زيادة: " من أمثلة ما يكون التزامه والاستمرار عليه من المحرمات... ". (2) الوسائل 15: 50، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 4، وتقدمت في الصفحة 22. (3) خبر لقوله قبل أسطر: " فإنه بعدما ذكر ".

[ 43 ]

قلت: الظاهر من " تحليل الحرام وتحريم الحلال " هو تأسيس القاعدة، وهو تعلق الحكم بالحل أو الحرمة ببعض الأفعال على سبيل العموم من دون النظر إلى خصوصية فرد، فتحريم الخمر معناه: منع المكلف عن شرب جميع ما يصدق عليه هذا الكلي، وكذا حلية المبيع، فالتزويج (1) والتسري أمر كلي حلال، والتزام تركه مستلزم لتحريمه، وكذلك جميع أحكام الشرع - من التكليفية والوضعية وغيرها - إنما يتعلق بالجزئيات باعتبار تحقق الكلي فيها، فالمراد من " تحليل الحرام وتحريم الحلال " المنهي عنه هو أن يحدث (2) قاعدة كلية ويبدع حكما جديدا، فقد اجيز في الشرع البناء على الشروط إلا شرطا أوجب إبداع حكم كلي جديد، مثل تحريم التزوج والتسري وإن كان بالنسبة إلى نفسه فقط، وقد قال الله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) * (3)، وكجعل الخيرة في الجماع والطلاق بيد المرأة. وقد قال الله تعالى: * (الرجال قوامون على النساء) * (4). وفيما لو شرطت (5) عليه أن لا يتزوج أو لا يتسرى بفلانة خاصة إشكال. فما ذكر في السؤال: من وجوب البيع الخاص الذي يشترطانه في ضمن عقد، ليس مما يوجب إحداث حكم للبيع ولا تبديل حلال الشارع وحرامه، وكذا لو شرط نقص الجماع عن الواجب - إلى أن قال قدس سره: -


(1) في " ش ": " فالتزوج ". (2) أي المشترط. (3) النساء: 3. (4) النساء: 34. (5) في " ش ": " اشترطت ".

[ 44 ]

وبالجملة، اللزوم الحاصل من الشرط لما يشترطانه من الشروط الجائزة ليس من باب تحليل حرام أو تحريم حلال أو إيجاب جائز على سبيل القاعدة، بل (1) يحصل من ملاحظة جميع موارده حكم كلي هو وجوب العمل على ما يشترطانه، وهذا الحكم أيضا من جعل الشارع، فقولنا: " العمل على مقتضى الشرط الجائز واجب " حكم كلي شرعي، وحصوله ليس من جانب شرطنا حتى يكون من باب تحليل الحرام وعكسه، بل إنما هو صادر من الشارع (2)، انتهى كلامه رفع مقامه. وللنظر في مواضع من كلامه مجال، فافهم والله العالم. الشرط الخامس: أن لا يكون منافيا لمقتضى العقد، وإلا لم يصح، لوجهين: أحدهما: وقوع التنافي في العقد المقيد بهذا الشرط بين مقتضاه الذي لا يتخلف عنه وبين الشرط الملزم لعدم تحققه، فيستحيل الوفاء بهذا العقد مع تقيده بهذا الشرط، فلا بد إما أن يحكم بتساقط كليهما، وإما أن يقدم جانب العقد، لأنه المتبوع المقصود بالذات والشرط تابع، وعلى كل تقدير لا يصح الشرط. الثاني: أن الشرط المنافي مخالف للكتاب والسنة الدالين على عدم تخلف العقد عن مقتضاه، فاشتراط تخلفه عنه مخالف للكتاب، ولذا ذكر في التذكرة: أن اشتراط عدم بيع المبيع مناف لمقتضى ملكيته، فيخالف


(1) في " ش " زيادة: " الذي ". (2) رسالة الشروط المطبوعة مع غنائم الأيام: 732.

[ 45 ]

قوله صلى الله عليه وآله: " الناس مسلطون على أموالهم " (1). ودعوى: أن العقد إنما يقتضي ذلك مع عدم اشتراط عدمه فيه لا مطلقا، خروج عن محل الكلام، إذ الكلام فيما يقتضيه مطلق العقد وطبيعته السارية في كل فرد منه، لا ما يقتضيه العقد المطلق بوصف إطلاقه وخلوه عن الشرائط والقيود حتى لا ينافي تخلفه عنه لقيد يقيده وشرط يشترط فيه. هذا كله مع تحقق الإجماع على بطلان هذا الشرط، فلا إشكال في أصل الحكم. وإنما الإشكال في تشخيص آثار العقد التي لا تتخلف [ عن ] (2) مطلق العقد في نظر العرف أو الشرع وتميزها عما يقبل التخلف لخصوصية تعتري العقد وإن اتضح ذلك في بعض الموارد، لكون الأثر كالمقوم العرفي للبيع أو غرضا أصليا، كاشتراط عدم التصرف أصلا في المبيع، وعدم الاستمتاع أصلا بالزوجة حتى النظر، ونحو ذلك. إلا أن الإشكال في كثير من المواضع، خصوصا بعد ملاحظة اتفاقهم على الجواز في بعض المقامات واتفاقهم على عدمه فيما يشبهه، ويصعب الفرق بينهما وإن تكلف له بعض (3). مثلا: المعروف عدم جواز المنع عن البيع والهبة في ضمن عقد البيع، وجواز اشتراط عتقه بعد البيع بلا فصل أو وقفه حتى على البائع


(1) التذكرة 1: 489، وراجع الحديث في عوالي اللآلي 1: 222، الحديث 99، والصفحة 457، الحديث 198. (2) لم يرد في " ق ". (3) وهو السيد المراغي في العناوين 2: 307.

[ 46 ]

وولده، كما صرح به في التذكرة (1)، وقد اعترف في التحرير: بأن اشتراط العتق مما ينافي مقتضى العقد، وإنما جاز لبناء العتق على التغليب (2). وهذا لو تم لم يجز في الوقف خصوصا على البائع وولده، فإنه (3) ليس مبنيا على التغليب، ولأجل ما ذكرنا وقع في موارد كثيرة الخلاف والإشكال: في أن الشرط الفلاني مخالف لمقتضى العقد (4). منها: اشتراط عدم البيع، فإن المشهور عدم الجواز. لكن العلامة في التذكرة استشكل في ذلك (5)، بل قوى بعض من تأخر عنه صحته (6). ومنها: ما ذكره في الدروس في بيع الحيوان: من جواز الشركة فيه إذا قال: " الربح لنا ولا خسران عليك "، لصحيحة رفاعة في شراء الجارية (7)، قال: ومنع (8) ابن إدريس، لأنه مخالف (9) لقضية الشركة. قلنا: لا نسلم أن تبعية المال لازم (10) لمطلق الشركة، بل للشركة المطلقة،


(1) التذكرة 1: 493. (2) التحرير 1: 180. (3) في " ش " زيادة: " شرط مناف كالعتق ". (4) في " ش " زيادة: " أم لا ". (5) التذكرة 1: 489. (6) لم نعثر عليه، نعم في مفتاح الكرامة 4: 732 عن إيضاح النافع: " أن الجواز غير بعيد "، وراجع الرياض 8: 255. (7) في " ش ": " في الشركة في الجارية ". (8) في " ش ": " منعه ". (9) في " ش ": " مناف ". (10) في " ش ": " لازمة ".

[ 47 ]

والأقرب تعدي الحكم إلى غير الجارية من المبيعات (1)، انتهى. ومنها: [ ما ] (2) اشتهر بينهم: من جواز اشتراط الضمان في العارية وعدم جوازه في الإجارة، مستدلين: بأن مقتضى عقد الإجارة عدم ضمان المستأجر (3). فأورد عليهم المحقق الأردبيلي (4) وتبعه جمال المحققين في حاشية الروضة (5): بمنع اقتضاء مطلق العقد لذلك، إنما المسلم اقتضاء العقد المطلق المجرد عن اشتراط الضمان، نظير العارية. ومنها: اشتراط عدم إخراج الزوجة من بلدها، فقد جوزه جماعة (6)، لعدم المانع وللنص. ومنعه آخرون (7)، منهم فخر الدين في الإيضاح، مستدلا: بأن مقتضى العقد تسلط الرجل على المرأة في الاستمتاع والإسكان (8)، وقد بالغ حيث (9) جعل هذا قرينة على حمل


(1) الدروس 3: 223 - 224، وراجع السرائر 2: 349، والوسائل 13: 175، الباب الأول من كتاب الشركة، الحديث 8. (2) لم يرد في " ق ". (3) راجع مفتاح الكرامة 7: 253، والجواهر 27: 217. (4) مجمع الفائدة 10: 69. (5) حاشية الروضة: 365، ذيل قول الشارح: " لفساد الشرط ". (6) مثل الشيخ في بعض كتبه والقاضي وابن حمزة وغيرهم، وقد تقدم التخريج عنهم في الصفحة 30. (7) كالشيخ في بعض كتبه الاخر والحلي والمحقق الثاني، راجع الصفحة 30. (8) إيضاح الفوائد 3: 209. (9) في " ش " بدل " حيث ": " حتى ".

[ 48 ]

النص على استحباب الوفاء. ومنها: مسألة توارث الزوجين بالعقد المنقطع من دون شرط أو معه، وعدم توارثهما مع الشرط أو لا (1) معه، فإنها مبنية على الخلاف في مقتضى العقد المنقطع. قال في الإيضاح ما ملخصه - بعد إسقاط ما لا يرتبط بالمقام -: إنهم اختلفوا في أن هذا العقد يقتضي التوارث أم لا؟ وعلى الأول: فقيل: المقتضي هو العقد المطلق من حيث هو هو، فعلى هذا القول لو شرط سقوطه لبطل الشرط، لأن كل ما تقتضيه الماهية من حيث هي هي يستحيل عدمه مع وجودها. وقيل: المقتضي إطلاق العقد أي العقد المجرد عن شرط نقيضه - أعني الماهية بشرط لا شئ - فيثبت الإرث ما لم يشترط سقوطه. وعلى الثاني، قيل: يثبت مع الاشتراط ويسقط مع عدمه، وقيل: لا يصح اشتراطه (2)، انتهى. ومرجع القولين إلى أن عدم الإرث من مقتضى إطلاق العقد أو ماهيته. واختار هو هذا القول الرابع، تبعا لجده ووالده قدس سرهما، واستدل عليه أخيرا بما دل على أن من حدود المتعة أن لا ترثها ولا ترثك (3)، قال: فجعل نفي الإرث من مقتضى الماهية. ولأجل صعوبة دفع ما ذكرنا من الإشكال في تميز مقتضيات


(1) " ق ": " أو إلا ". (2) إيضاح الفوائد 3: 132. (3) راجع الوسائل 14: 487، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث 7 و 8.

[ 49 ]

ماهية العقد من مقتضيات إطلاقه، التجأ المحقق الثاني - مع كمال تبحره في الفقه حتى ثني به المحقق - فأرجع هذا التمييز عند عدم اتضاح المنافاة و [ عدم ] (1) الإجماع على الصحة أو البطلان إلى نظر الفقيه، فقال أولا: المراد ب‍ " منافي مقتضى العقد " ما يقتضي عدم ترتب الأثر الذي جعل الشارع العقد من حيث هو هو بحيث يقتضيه ورتبه عليه على أنه أثره وفائدته التي لأجلها وضع، كانتقال العوضين إلى المتعاقدين، وإطلاق التصرف فيهما في البيع، وثبوت التوثق في الرهن، والمال في ذمة الضامن بالنسبة إلى الضمان (2)، وانتقال الحق إلى ذمة المحال عليه في الحوالة، ونحو ذلك، فإذا شرط عدمها أو عدم البعض أصلا نافى مقتضى العقد. ثم اعترض على ذلك بصحة اشتراط عدم الانتفاع زمانا معينا، وأجاب بكفاية جواز الانتفاع وقتا ما في مقتضى العقد. ثم اعترض: بأن العقد يقتضي الانتفاع مطلقا، فالمنع عن البعض مناف له. ثم قال: ودفع ذلك لا يخلو عن عسر، وكذا القول في خيار الحيوان (3)، فإن ثبوته مقتضى العقد، فيلزم أن يكون شرط سقوطه منافيا له. ثم قال: ولا يمكن أن يقال: إن مقتضى العقد ما لم يجعل إلا لأجله، كانتقال العوضين، فإن ذلك ينافي منع اشتراط أن لا يبيع أو لا يطأ (4) مثلا.


(1) لم يرد في " ق ". (2) في النسخ: " الضامن "، والصواب ما أثبتناه من المصدر. (3) في " ش ": " في نحو خيار الحيوان مثلا ". (4) في " ش " والمصدر بدل " أو لا يطأ ": " المبيع ".

[ 50 ]

ثم قال: والحاسم لمادة الإشكال أن الشروط على أقسام: منها: ما انعقد الإجماع على حكمه من صحة أو فساد. ومنها: ما وضح فيه المنافاة للمقتضى - كاشتراط عدم ضمان المقبوض بالبيع - و (1) وضح مقابله، ولا كلام فيما وضح. ومنها: ما ليس واحدا من النوعين، فهو بحسب نظر الفقيه (2)، انتهى كلامه رفع مقامه. أقول: وضوح المنافاة إن كان بالعرف - كاشتراط عدم الانتقال في العوضين وعدم انتقال المال إلى ذمة الضامن والمحال عليه - فلا يتأتى معه إنشاء مفهوم العقد العرفي، وإن كان بغير العرف فمرجعه إلى الشرع من نص أو إجماع على صحة الاشتراط و (3) عدمه. ومع عدمهما وجب الرجوع إلى دليل اقتضاء العقد لذلك الأثر المشترط عدمه، فإن دل عليه على وجه يعارض بإطلاقه أو عمومه دليل وجوب الوفاء به بحيث لو أوجبنا الوفاء به وجب طرح عموم ذلك الدليل وتخصيصه، حكم بفساد الشرط، لمخالفته حينئذ للكتاب أو السنة. وإن دل على ثبوته للعقد لو خلي وطبعه بحيث لا ينافي تغير حكمه بالشرط، حكم بصحة الشرط. وقد فهم من قوله تعالى: * (الرجال قوامون على النساء) * (4) الدال


(1) في " ش " بدل " و ": " أو ". (2) جامع المقاصد 4: 414 - 415. (3) في " ش " بدل " و ": " أو ". (4) النساء: 34.

[ 51 ]

على (1) أن السلطنة على الزوجة من آثار الزوجية التي لا تتغير، فجعل اشتراط كون الجماع بيد الزوجة في الرواية السابقة منافيا لهذا الأثر ولم يجعل اشتراط عدم الإخراج من البلد منافيا. وقد فهم الفقهاء من قوله: " البيعان بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع " (2) [ عدم ] (3) التنافي، فأجمعوا على صحة اشتراط سقوط الخيار الذي هو من الآثار الشرعية للعقد، وكذا على صحة اشتراط الخيار بعد الافتراق. ولو شك في مؤدى الدليل وجب الرجوع إلى أصالة ثبوت ذلك الأثر على الوجه الأول (4)، فيبقى عموم أدلة الشرط سليما عن المخصص، وقد ذكرنا هذا في بيان معنى مخالفة الكتاب والسنة. الشرط السادس: أن لا يكون الشرط مجهولا جهالة توجب الغرر في البيع، لأن الشرط في الحقيقة كالجزء من العوضين، كما سيجئ بيانه (5). قال في التذكرة: وكما أن الجهالة في العوضين مبطلة فكذا في صفاتهما ولواحق المبيع (6)، فلو شرطا شرطا مجهولا بطل البيع (7)، انتهى.


(1) عبارة " الدال على " لم ترد في " ش "، والظاهر زيادتها. (2) راجع الوسائل 12: 346، الباب الأول من أبواب الخيار، الحديث 3 و 4. (3) لم يرد في " ق ". (4) كذا في " ق "، والظاهر أن الصحيح: " الثاني "، كما في " ش ". (5) انظر الصفحة 81. (6) في ظاهر " ق ": " البيع ". (7) التذكرة 1: 472.

[ 52 ]

وقد سبق ما يدل على اعتبار تعيين الأجل المشروط في الثمن، بل لو فرضنا عدم سراية الغرر في البيع كفى لزومه في أصل الشرط بناء على أن المنفي مطلق الغرر حتى في غير البيع، ولذا يستندون إليه في أبواب المعاملات حتى الوكالة، فبطلان الشرط المجهول ليس لإبطاله البيع المشروط به، ولذا قد يجزم ببطلان هذا الشرط مع الاستشكال في بطلان البيع، فإن العلامة في التذكرة ذكر في اشتراط عمل مجهول في عقد البيع: أن في بطلان البيع وجهين مع الجزم ببطلان الشرط (1). لكن الانصاف: أن جهالة الشرط تستلزم في العقد دائما مقدارا من الغرر الذي يلزم من جهالته جهالة أحد العوضين. ومن ذلك يظهر وجه النظر فيما ذكره العلامة في مواضع (2) من التذكرة: من الفرق في حمل الحيوان وبيض الدجاجة ومال العبد المجهول المقدار، بين تمليكها على وجه الشرطية في ضمن بيع هذه الامور، بأن يقول: " بعتكها على أنها حامل - أو - على أن لك حملها " وبين تمليكها على وجه الجزئية، بأن يقول: " بعتكها وحملها " (3)، فصحح الأول لأنه تابع، وأبطل الثاني لأنه جزء.


(1) راجع التذكرة 1: 472، وفيها: " فلو شرطا شرطا مجهولا بطل البيع " والصفحة 491، وفيها: " لو اشترط شرطا مجهولا، كما لو باعه بشرط أن يعمل فيه ما يأمره به بعد العقد أو يصبغ له ثوبا ويطلقهما أو أحدهما، فالوجهان ". (2) منها ما ذكره في الجزء الأول: 493 في الحمل والبيض، والصفحة 499 في مال العبد. (3) التذكرة 1: 493.

[ 53 ]

لكن قال في الدروس: لو جعل الحمل جزءا من المبيع فالأقوى الصحة لأنه بمنزلة الاشتراط، ولا يضر الجهالة لأنه تابع (1). وقال في باب بيع المملوك: ولو اشتراه وماله صح، ولم يشترط علمه ولا التفصي من الربا إن قلنا: إنه يملك، وإن أحلناه اشترطا (2)، انتهى. والمسألة محل إشكال، وكلماتهم لا يكاد يعرف التئامها، حيث صرحوا: بأن للشرط قسطا من أحد العوضين، وأن التراضي بالمعاوضة (3) وقع منوطا به، ولازمه كون الجهالة فيه قادحة. والأقوى اعتبار العلم، لعموم نفي الغرر إلا إذا عد المشروط (4) في العرف تابعا غير مقصود بالبيع، كبيض الدجاج. وقد مر ما ينفع هذا المقام في شروط العوضين (5)، وسيأتي بعض الكلام في بيع الحيوان (6)، إن شاء الله تعالى. الشرط السابع: أن لا يكون مستلزما لمحال، كما لو شرط في البيع أن يبيعه على البائع، فإن العلامة قد ذكر هنا: أنه مستلزم للدور. قال في التذكرة: لو باعه شيئا بشرط أن يبيعه إياه لم يصح سواء


(1) الدروس 3: 216 - 217. (2) الدروس 3: 226، وفيه بدل " اشترطا ": " اشترطنا ". (3) في " ش ": " على المعاوضة ". (4) في " ش ": " الشرط ". (5) راجع الجزء الرابع، الصفحة 313. (6) لم يتعرض قدس سره لمسألة بيع الحيوان فيما سيأتي.

[ 54 ]

اتحد الثمن قدرا وجنسا ووصفا أو لا، وإلا جاء الدور، لأن بيعه له يتوقف على ملكيته له المتوقفة على بيعه، فيدور. أما لو شرط أن يبيعه على غيره، فإنه يصح عندنا حيث لا منافاة فيه للكتاب والسنة. لا يقال: ما التزموه من الدور آت هنا، لأنا نقول: الفرق ظاهر، لجواز أن يكون جاريا على حد التوكيل أو عقد الفضولي، بخلاف ما لو شرط البيع على البائع (1)، انتهى. وقد تقدم تقرير الدور مع جوابه في باب النقد والنسية (2). وقد صرح في الدروس: بأن هذا الشرط باطل لا للدور، بل لعدم القصد إلى البيع (3). ويرد عليه وعلى الدور: النقض بما إذا اشترط البائع على المشتري أن يقف المبيع عليه وعلى عقبه، فقد صرح في التذكرة بجوازه (4)، وصرح بجواز اشتراط رهن المبيع على الثمن (5) مع جريان الدور فيه. الشرط الثامن: أن يلتزم به في متن العقد، فلو تواطيا عليه قبله لم يكف ذلك في التزام المشروط به على المشهور، بل لم يعلم فيه


(1) التذكرة 1: 490. (2) كذا في " ق "، ولم يتقدم بابهما، بل يأتي بعد أحكام الخيار، ولذا غيره في " ش " ب‍ " وسيأتي "، ولعل الوجه في ذلك تقدمه في المسودة، وعلى أي تقدير انظر الصفحة 232 وما بعدها. (3) الدروس 3: 216. (4) التذكرة 1: 493 - 494، وتقدم في الصفحة 45 أيضا. (5) التذكرة 1: 491.

[ 55 ]

خلاف، عدا ما يتوهم من ظاهر الخلاف والمختلف، وسيأتي (1). لأن المشروط عليه إن أنشأ إلزام الشرط على نفسه قبل العقد كان إلزاما ابتدائيا لا يجب الوفاء به قطعا وإن كان أثره مستمرا في نفس الملزم إلى حين العقد، بل إلى حين حصول الوفاء وبعده - نظير بقاء أثر الطلب المنشأ في زمان إلى حين حصول المطلوب - وإن وعد بإيقاع العقد مقرونا بالتزامه، فإذا ترك ذكره في العقد فلم يحصل ملزم له. نعم، يمكن أن يقال: إن العقد إذا وقع مع تواطيهما على الشرط كان قيدا معنويا له، فالوفاء بالعقد الخاص لا يكون إلا مع العمل بذلك الشرط، ويكون العقد بدونه تجارة لا عن تراض، إذ التراضي وقع مقيدا بالشرط، فإنهم قد صرحوا بأن الشرط كالجزء من أحد العوضين، فلا فرق بين أن يقول: " بعتك العبد بعشرة وشرطت لك ماله " وبين تواطيهما على كون مال العبد للمشتري، فقال: " بعتك العبد بعشرة " قاصدين العشرة المقرونة بكون مال العبد للمشتري. هذا، مع أن الخارج من عموم " المؤمنون عند شروطهم " هو ما لم يقع العقد مبنيا عليه، فيعم محل الكلام. وعلى هذا فلو تواطيا على شرط فاسد فسد العقد المبني عليه وإن لم يذكر فيه. نعم، لو نسيا الشرط المتواطأ عليه فأوقعا العقد غير بانين على الشرط بحيث يقصدان من العوض المقرون بالشرط، اتجه صحة العقد وعدم لزوم الشرط. هذا، ولكن الظاهر من كلمات الأكثر عدم لزوم الشرط الغير


(1) سيأتي في الصفحة 57.

[ 56 ]

المذكور في متن العقد، وعدم إجراء أحكام الشرط عليه وإن وقع العقد مبنيا عليه، بل في الرياض عن بعض الأجلة حكاية الإجماع على عدم لزوم الوفاء بما يشترط لا في عقد، بعدما ادعى هو قدس سره الإجماع على أنه لا حكم للشروط إذا كانت قبل عقد النكاح (1). وتتبع كلماتهم في باب البيع والنكاح يكشف عن صدق ذلك المحكي، فتراهم يجوزون في باب الربا والصرف الاحتيال في تحليل معاوضة أحد المتجانسين بأزيد منه ببيع الجنس بمساويه ثم هبة الزائد من دون أن يشترط ذلك في العقد، فإن الحيلة لا تتحقق إلا بالتواطي على هبة الزائد بعد البيع والتزام الواهب بها قبل العقد مستمرا إلى ما بعده. وقد صرح المحقق والعلامة في باب المرابحة: بجواز أن يبيع الشئ من غيره بثمن زائد مع قصدهما نقله بعد ذلك الى البائع ليخبر بذلك الثمن عند بيعه مرابحة إذا لم يشترطا ذلك لفظا (2). ومعلوم أن المعاملة لأجل هذا الغرض لا يكون إلا مع التواطي والالتزام بالنقل ثانيا. نعم، خص في المسالك ذلك بما إذا وثق البائع بأن المشتري ينقله إليه من دون التزام ذلك وإيقاع العقد على هذا الالتزام (3). لكنه تقييد لإطلاق كلماتهم، خصوصا مع قولهم: إذا لم يشترطا لفظا. وبالجملة، فظاهر عبارتي الشرائع والتذكرة: أن الاشتراط والالتزام من قصدهما ولم يذكراه لفظا، لا أن النقل من قصدهما، فراجع.


(1) راجع الرياض (الحجرية) 2: 116. (2) الشرائع 2: 41، والقواعد 2: 58، والتذكرة 1: 542. (3) المسالك 3: 309.

[ 57 ]

وأيضا فقد حكي عن المشهور: أن عقد النكاح المقصود فيه الأجل والمهر المعين إذا خلا عن ذكر الأجل ينقلب دائما (1). نعم، ربما ينسب (2) إلى الخلاف والمختلف: صحة اشتراط عدم الخيار قبل عقد البيع. لكن قد تقدم (3) في خيار المجلس النظر في هذه النسبة إلى الخلاف، بل المختلف، فراجع. ثم إن هنا وجها آخر لا يخلو عن وجه، وهو بطلان العقد الواقع على هذا الشرط، لأن الشرط من أركان العقد المشروط، بل عرفت أنه كالجزء من أحد العوضين، فيجب ذكره في الإيجاب والقبول كأجزاء العوضين، وقد صرح الشهيد في غاية المراد بوجوب ذكر الثمن في العقد وعدم الاستغناء عنه بذكره سابقا (4)، كما إذا قال: " بعني بدرهم " فقال: " بعتك " فقال المشتري: " قبلت " وسيأتي في حكم الشرط الفاسد كلام من المسالك (5) إن شاء الله تعالى. وقد يتوهم هنا شرط تاسع، وهو: تنجيز الشرط، بناء على أن تعليقه يسري إلى العقد بعد ملاحظة رجوع الشرط إلى جزء من أحد العوضين، فإن مرجع قوله: " بعتك هذا بدرهم على أن تخيط لي إن


(1) حكاه في الجواهر 30: 172. (2) نسبه في مفتاح الكرامة 4: 539 - 540، وراجع الخلاف 3: 21، المسألة 28 من كتاب البيوع، والمختلف 5: 63. (3) راجع الجزء الخامس، الصفحة 58. (4) غاية المراد 2: 16 - 17. (5) يأتي في الصفحة 104.

[ 58 ]

جاء زيد " على وقوع المعاوضة بين المبيع وبين الدرهم المقرون بخياطة الثوب على تقدير مجئ زيد، بل يؤدي إلى البيع بثمنين على تقديرين، فباعه بالدرهم المجرد على تقدير عدم مجئ زيد، وبالدرهم المقرون مع خياطة الثوب على تقدير مجيئه. ويندفع: بأن الشرط هو الخياطة على تقدير المجئ لا الخياطة المطلقة ليرجع التعلق (1) إلى أصل المعاوضة الخاصة. ومجرد رجوعهما في المعنى إلى أمر واحد لا يوجب البطلان، ولذا اعترف (2) أن مرجع قوله: " أنت وكيلي إذا جاء رأس الشهر في أن تبيع " و " أنت وكيلي في أن تبيع إذا جاء رأس الشهر " إلى واحد، مع الاتفاق على صحة الثاني وبطلان الأول (3). نعم، ذكر في التذكرة: أنه لو شرط البائع كونه أحق بالمبيع لو باعه المشتري، ففيه إشكال (4). لكن لم يعلم أن وجهه تعلق (5) الشرط، بل ظاهر عبارة التذكرة وكثير منهم - في بيع الخيار بشرط رد الثمن - كون الشرط وهو الخيار معلقا على رد الثمن. وقد ذكرنا ذلك سابقا في بيع الخيار (6).


(1) في " ش ": " التعليق ". (2) أي: المتوهم، بناء على نسخة " ق "، وفي " ش ": " اعترف بعضهم بأن ". (3) من قوله: " وقد يتوهم... " إلى هنا، قد ورد في " ق " في ذيل الشرط السابع. ولم نقف على منشئه. (4) لم نعثر عليه في التذكرة. (5) في " ش ": " تعليق ". (6) راجع الجزء الخامس، الصفحة 129 - 131.

[ 59 ]

مسألة في حكم الشرط الصحيح وتفصيله: أن الشرط إما أن يتعلق بصفة من صفات المبيع الشخصي، ككون العبد كاتبا، والجارية حاملا، ونحوهما. وإما أن يتعلق بفعل من أفعال أحد المتعاقدين أو غيرهما، كاشتراط إعتاق العبد، وخياطة الثوب. وإما أن يتعلق بما هو من قبيل الغاية للفعل، كاشتراط تملك عين خاصة، وانعتاق مملوك خاص، ونحوهما. ولا إشكال في أنه لا حكم للقسم الأول إلا الخيار مع تبين فقد الوصف المشروط، إذ لا يعقل تحصيله هنا، فلا معنى لوجوب الوفاء فيه، وعموم " المؤمنون " مختص بغير هذا القسم. وأما الثالث: فإن اريد باشتراط الغاية - أعني الملكية، والزوجية، ونحوهما - اشتراط تحصيلهما بأسبابهما الشرعية، فيرجع إلى الثاني، وهو اشتراط الفعل. وإن اريد حصول الغاية بنفس الاشتراط، فإن دل الدليل الشرعي على عدم تحقق تلك الغاية إلا بسببها الشرعي الخاص - كالزوجية، والطلاق، والعبودية، والانعتاق، وكون المرهون مبيعا عند انقضاء

[ 60 ]

الأجل، ونحو ذلك - كان الشرط فاسدا، لمخالفته للكتاب والسنة. كما أنه لو دل الدليل على كفاية الشرط فيه - كالوكالة، والوصاية، وكون مال العبد وحمل الجارية وثمر الشجرة ملكا للمشتري - فلا إشكال. وأما لو لم يدل دليل على أحد الوجهين، كما لو شرط في البيع كون مال خاص غير تابع لأحد العوضين - كالأمثلة المذكورة - ملكا لأحدهما، أو صدقة، أو كون العبد الفلاني حرا، ونحو ذلك، ففي صحة هذا الشرط إشكال: من أصالة عدم تحقق تلك الغاية إلا بما علم كونه سببا لها، وعموم " المؤمنون عند شروطهم " ونحوه لا يجري هنا، لعدم كون الشرط فعلا ليجب الوفاء به. ومن أن الوفاء لا يختص بفعل ما شرط بل يشمل ترتب (1) الآثار عليه، نظير الوفاء بالعقد. ويشهد له تمسك الإمام عليه السلام بهذا العموم في موارد كلها من هذا القبيل، كعدم الخيار للمكاتبة التي أعانها ولد زوجها على أداء مال الكتابة مشترطا عليها عدم الخيار على زوجها بعد الانعتاق (2)، مضافا إلى كفاية دليل الوفاء بالعقود في ذلك بعد صيرورة الشرط جزءا للعقد. وأما توقف الملك وشبهه على أسباب خاصة فهي دعوى غير مسموعة مع وجود أفراد اتفق على صحتها، كما في حمل الجارية ومال


(1) في " ش ": " ترتيب ". (2) الوسائل 16: 95، الباب 11 من أبواب كتاب المكاتبة، وفيه حديث واحد.

[ 61 ]

العبد وغيرهما. ودعوى: تسويغ ذلك لكونها توابع للمبيع، مدفوعة، لعدم صلاحية ذلك للفرق، مع أنه يظهر من بعضهم جواز اشتراط ملك حمل دابة في بيع اخرى، كما يظهر من المحقق الثاني في شرح عبارة القواعد في شرائط العوضين: وكل مجهول مقصود بالبيع لا يصح بيعه وإن انضم إلى معلوم (1). وكيف كان، فالأقوى صحة اشتراط الغايات التي لم يعلم من الشارع إناطتها بأسباب خاصة، كما يصح نذر مثل هذه الغايات، بأن ينذر كون المال صدقة، أو الشاة اضحية، أو كون هذا المال لزيد. وحينئذ فالظاهر عدم الخلاف في وجوب الوفاء بها بمعنى ترتب (2) الآثار، وإنما الخلاف والإشكال في القسم الثاني، وهو ما تعلق فيه الاشتراط بفعل. والكلام فيه يقع في مسائل:


(1) العبارة للقواعد، وراجع شرحها في جامع المقاصد 4: 112. (2) في " ش ": " ترتيب ".

[ 62 ]

الاولى في وجوب الوفاء من حيث التكليف الشرعي ظاهر المشهور: هو الوجوب، لظاهر النبوي: " المؤمنون عند شروطهم " (1) والعلوي: " من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو حلل حراما " (2). ويؤكد الوجوب ما ارسل في بعض الكتب (3) من زيادة قوله: " إلا من عصى الله " في النبوي، بناء على كون الاستثناء من المشروط عليه، لا من الشارط. هذا كله، مضافا إلى عموم وجوب الوفاء بالعقد بعد كون الشرط كالجزء من ركن العقد. خلافا لظاهر الشهيد في اللمعة - وربما ينسب إلى غيره - حيث قال: إنه لا يجب على المشروط عليه فعل الشرط، وإنما فائدته جعل البيع عرضة للزوال (4).


(1) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، ذيل الحديث 4. (2) الوسائل 15: 50، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 4. (3) ارسل في المسالك 3: 274، والروضة 3: 506، وعوائد الأيام: 132. (4) اللمعة الدمشقية: 130، وراجع التنقيح الرائع 2: 71، حيث قال بعد احتمال الوجوب وعدمه في العتق المشروط: " ويحتمل الثاني وهو الأصح ".

[ 63 ]

ووجهه - مع ضعفه - يظهر مما ذكره قدس سره في تفصيله المحكي في الروضة عنه قدس سره في بعض تحقيقاته، وهو: أن الشرط الواقع في العقد اللازم إن كان العقد كافيا في تحققه ولا يحتاج بعده إلى صيغة فهو لازم لا يجوز الإخلال به كشرط الوكالة، وإن احتاج بعده إلى أمر آخر وراء ذكره في العقد - كشرط العتق - فليس بلازم، بل يقلب العقد اللازم جائزا. وجعل السر فيه: أن اشتراط ما العقد كاف في تحققه كجزء من الإيجاب والقبول فهو تابع لهما في اللزوم والجواز، واشتراط ما سيوجد أمر منفصل عن العقد وقد علق عليه العقد، والمعلق على الممكن ممكن، وهو معنى قلب اللازم جائزا، انتهى. قال في الروضة - بعد حكاية هذا الكلام -: والأقوى اللزوم مطلقا وإن كان تفصيله أجود مما اختاره هنا (1). أقول: ما ذكره قدس سره في بعض تحقيقاته ليس تفصيلا (2) في محل الكلام مقابلا لما اختاره في اللمعة، لأن الكلام في اشتراط فعل سائغ وأنه هل يصير واجبا على المشروط عليه أم لا؟ كما ذكره الشهيد في المتن، فمثل اشتراط كونه وكيلا ليس إلا كاشتراط ثبوت الخيار أو عدم ثبوته له، فلا يقال: إنه يجب فعله أو لا يجب. نعم، وجوب الوفاء بمعنى ترتب (3) آثار ذلك الشرط المتحقق بنفس العقد مما لا خلاف فيه، إذ لم يقل أحد بعدم ثبوت الخيار أو


(1) الروضة البهية 3: 507 - 508. (2) في " ش ": " لا يحسن عده تفصيلا ". (3) في " ش ": " ترتيب ".

[ 64 ]

آثار اللزوم بعد اشتراطهما في العقد. وبالجملة، فالكلام هنا في اشتراط فعل يوجد بعد العقد. نعم، كلام الشهيد في اللمعة أعم منه ومن كل شرط لم يسلم لمشترطه، ومراده تعذر الشرط. وكيف كان، فمثل اشتراط الوكالة أو الخيار وعدمه خارج عن محل الكلام، إذ لا كلام ولا خلاف في وجوب ترتب آثار الشرط عليه، ولا في عدم انفساخ العقد بعدم ترتيب الآثار، ولا في أن المشروط عليه يجبر على ترتيب الآثار. وإن شئت قلت: اشتراط الوكالة من اشتراط الغايات، لا المبادئ. ومما ذكرنا يظهر: أن تأييد القول المشهور أو الاستدلال عليه بما في الغنية: من الإجماع على لزوم الوفاء بالعقد (1) غير صحيح، لأنه إنما ذكر ذلك في مسألة اشتراط الخيار، وقد عرفت خروج مثل ذلك عن محل الكلام. نعم، في التذكرة: لو اشترى عبدا بشرط أن يعتقه المشتري صح البيع ولزم الشرط عند علمائنا أجمع (2). ثم إن ما ذكره الشهيد قدس سره: من أن " اشتراط ما سيوجد أمر منفصل وقد علق عليه العقد... الخ " لا يخلو عن نظر، إذ حاصله أن الشرط قد علق عليه العقد في الحقيقة وإن كان لا تعليق صورة، فحاصل قوله: " بعتك هذا العبد على أن تعتقه " أن الالتزام بهذه المعاوضة معلق على التزامك بالعتق، فإذا لم يلتزم بالإعتاق لم يجب


(1) الغنية: 215. (2) التذكرة 1: 492.

[ 65 ]

على المشروط له الالتزام بالمعاوضة. وفيه - مع أن المعروف بينهم: أن الشرط بمنزلة الجزء من أحد العوضين، وأن مقتضى (1) القاعدة اللفظية في العقد المشروط لا يقتضي هذا المعنى أيضا، وأن رجوعه إلى التعليق على المحتمل يوجب عدم الجزم المفسد للعقد وإن لم يكن في صورة التعليق -: أن لازم هذا الكلام - أعني دعوى تعليق العقد على الممكن - ارتفاعه من رأس عند فقد الشرط لا انقلابه جائزا.


(1) لم ترد " مقتضى " في " ش ".

[ 66 ]

الثانية (1) في أنه لو قلنا بوجوب الوفاء (2) من حيث التكليف الشرعي، فهل يجبر عليه لو امتنع؟ ظاهر جماعة ذلك (3). وظاهر التحرير خلافه، قال في باب الشروط: إن الشرط إن تعلقت [ به ] (4) مصلحة المتعاقدين - كالأجل، والخيار، والشهادة، والتضمين، والرهن، واشتراط صفة مقصودة كالكتابة - جاز ولزم الوفاء. ثم قال: إذا باع بشرط العتق صح البيع والشرط، فإن أعتقه المشتري، وإلا ففي إجباره وجهان: أقربهما عدم الإجبار (5)، انتهى. وفي الدروس: يجوز اشتراط سائغ في العقد، فيلزم الشرط في


(1) في " ق ": " المقام الثاني "، وهو من سهو القلم. (2) في " ش " زيادة: " به ". (3) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 423، والشهيد الثاني في المسالك 3: 274، وصاحب الجواهر في الجواهر 23: 218. (4) لم يرد في " ق "، وأثبتناه من المصدر. وفي " ش ": " إن تعلق بمصلحة ". (5) التحرير 1: 180.

[ 67 ]

طرف المشترط عليه، فإن أخل به فللمشترط (1) الفسخ، وهل يملك إجباره عليه؟ فيه نظر (2)، انتهى. ولا معنى للزوم الشرط إلا وجوب الوفاء. وقال في التذكرة - في فروع مسألة العبد المشترط عتقه -: إذا اعتقه المشتري فقد وفى بما وجب عليه - إلى أن قال: - وإن امتنع اجبر عليه إن قلنا: إنه حق لله تعالى، وإن قلنا: إنه حق للبائع لم يجبر، كما في شرط الرهن والكفيل، لكن يتخير البائع في الفسخ، لعدم سلامة ما شرط. ثم ذكر للشافعي وجهين في الإجبار وعدمه - إلى أن قال -: والأولى عندي الإجبار في شرط الرهن والكفيل لو امتنع، كما لو شرط تسليم الثمن معجلا فأهمل (3)، انتهى. ويمكن أن يستظهر هذا القول - أعني الوجوب تكليفا مع عدم جواز الإجبار - من كل من استدل على صحة الشرط بعموم " المؤمنون " مع قوله بعدم وجوب الإجبار، كالشيخ في المبسوط، حيث استدل على صحة اشتراط عتق العبد المبيع بقوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم ". ثم ذكر: أن في إجباره على الإعتاق لو امتنع قولين: الوجوب، لأن عتقه قد استحق بالشرط، وعدم الوجوب وإنما يجعل له الخيار. ثم قال: والأقوى هو الثاني (4)، [ انتهى ] (5).


(1) في " ق ": " فللمشتري ". (2) الدروس 3: 214. (3) التذكرة 1: 492. (4) المبسوط 2: 151. (5) لم يرد في " ق ".

[ 68 ]

فإن ظهور النبوي في الوجوب من حيث نفسه ومن جهة القرائن المتصلة والمنفصلة مما لا مساغ لإنكاره، بل الاستدلال به على صحة الشرط عند الشيخ ومن تبعه في عدم إفساد الشرط الفاسد يتوقف ظاهرا على إرادة الوجوب منه، إذ لا تنافي حينئذ بين استحباب الوفاء بالشرط وفساده، فلا يدل استحباب الوفاء بالعتق المشروط في المبيع (1) على صحته. ثم إن الصيمري في غاية المرام قال: لا خلاف بين علمائنا في جواز اشتراط العتق، لأنه غير مخالف للكتاب والسنة، فيجب الوفاء به، قال: وهل يكون حقا لله تعالى، أو للعبد، أو للبائع؟ يحتمل الأول - إلى أن قال -: ويحتمل الثالث، وهو مذهب العلامة في القواعد والتحرير، لأنه استقرب فيهما عدم إجبار المشتري على العتق، وهو يدل على أنه حق للبائع. وعلى القول: بأنه حق لله، يكون المطالبة للحاكم ويجبره مع الامتناع، ولا يسقط باسقاط البائع. وعلى القول: بكونه للبائع، يكون المطالبة له ويسقط بإسقاطه، ولا يجبر المشتري، ومع الامتناع يتخير المشتري (2) بين الإمضاء والفسخ. وعلى القول: بأنه للعبد، يكون هو المطالب بالعتق، ومع الامتناع يرافعه إلى الحاكم ليجبره على ذلك، وكسبه قبل العتق للمشتري على جميع التقادير (3)، انتهى. وظاهر استكشافه مذهب العلامة قدس سره عن حكمه بعدم الإجبار:


(1) في " ش ": " البيع ". (2) في المصدر: " البائع "، وفي " ش ": " المشترط ". (3) غاية المرام (مخطوط) 1: 304.

[ 69 ]

أن كل شرط يكون حقا مختصا للمشترط لا كلام ولا خلاف في عدم الإجبار عليه، وهو ظاهر أول الكلام السابق في التذكرة. لكن قد عرفت قوله أخيرا: والأولى أن له إجباره عليه وان قلنا: إنه حق للبائع (1). وما أبعد ما بين ما ذكره الصيمري وما ذكره في جامع المقاصد والمسالك: من أنه إذا قلنا بوجوب الوفاء فلا كلام في ثبوت الإجبار، حيث قال: واعلم أن في إجبار المشتري على الإعتاق وجهين: أحدهما: العدم، لأن للبائع طريقا آخر للتخلص (2) وهو الفسخ. والثاني: له ذلك، لظاهر قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * و " المؤمنون عند شروطهم إلا من عصى الله " وهو الأوجه (3)، انتهى. وفي المسالك جعل أحد القولين ثبوت الخيار وعدم وجوب الوفاء، مستدلا له بأصالة عدم وجوب الوفاء، والقول الآخر وجوب الوفاء بالشرط، واستدل له: بعموم الأمر بالوفاء [ بالعقد ] (4)، والمؤمنون عند شروطهم إلا من عصى الله، انتهى (5). وظاهره: وحدة الخلاف في مسألتي وجوب الوفاء والتسلط على الإجبار. كما أن ظاهر الصيمري: الاتفاق على وجوب الوفاء، بل وعلى


(1) راجع الصفحة 67. (2) في " ق ": " للفسخ "، والظاهر أنه من سهو القلم. (3) جامع المقاصد 4: 422. (4) كذا في " ش " والمصدر، وفي " ق ": " بالشرط ". (5) المسالك 3: 274.

[ 70 ]

عدم الإجبار فيما كان حقا مختصا (1) للبائع. والأظهر في كلمات الأصحاب وجود الخلاف في المسألتين. وكيف كان، فالأقوى ما اختاره جماعة (2): من أن للمشروط [ له ] (3) إجبار المشروط عليه، لعموم وجوب الوفاء بالعقد والشرط، فإن العمل بالشرط ليس إلا كتسليم العوضين، فإن المشروط له قد ملك الشرط على المشروط عليه بمقتضى العقد المقرون بالشرط، فيجبر على تسليمه. وما في جامع المقاصد: من توجيه عدم الإجبار: بأن له طريقا إلى التخلص بالفسخ، ضعيف في الغاية، فإن الخيار إنما شرع بعد تعذر الإجبار دفعا للضرر. وقد يتوهم: أن ظاهر الشرط هو فعل الشئ اختيارا، فإذا امتنع المشروط عليه فقد تعذر الشرط، وحصول الفعل منه كرها غير ما شرط (4) عليه، فلا ينفع في الوفاء بالشرط. ويندفع: بأن المشروط هو نفس الفعل مع قطع النظر عن الاختيار، والإجبار إنما يعرض له من حيث إنه فعل واجب عليه، فإذا اجبر فقد اجبر على نفس الواجب. نعم، لو صرح باشتراط صدور الفعل عنه اختيارا وعن رضا منه لم ينفع إجباره في حصول الشرط.


(1) في محتمل " ق ": " محضا ". (2) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 423، والشهيد الثاني في المسالك 3: 274، والمحقق السبزواري في الكفاية: 97، والنراقي في العوائد: 137، وصاحب الجواهر في الجواهر 23: 218. (3) لم يرد في " ق ". (4) في " ش ": " اشترط ".

[ 71 ]

الثالثة في أنه هل للمشروط له الفسخ مع التمكن من الإجبار فيكون مخيرا بينهما، أم لا يجوز له الفسخ إلا مع تعذر الإجبار؟ ظاهر الروضة (1) وغير واحد (2) هو الثاني. وصريح موضع من التذكرة هو الأول، قال: لو باعه شيئا بشرط أن يبيعه آخر أو يقرضه بعد شهر أو في الحال لزمه الوفاء بالشرط، فإن أخل به لم يبطل البيع، لكن يتخير المشتري بين فسخه للبيع وبين إلزامه بما شرط (3)، انتهى. ولا نعرف مستندا للخيار مع التمكن من الإجبار، لما عرفت: من أن مقتضى العقد المشروط هو العمل على طبق الشرط اختيارا أو قهرا. إلا أن يقال: إن العمل بالشرط حق لازم على المشروط عليه، يجبر عليه إذا بنى المشروط له على الوفاء بالعقد، وأما إذا أراد الفسخ


(1) راجع الروضة 3: 506. (2) كالمحقق السبزواري في الكفاية: 97، والنراقي في العوائد: 137، وصاحب الجواهر في الجواهر 23: 219. (3) التذكرة 1: 490.

[ 72 ]

لامتناع المشروط عليه عن الوفاء بالعقد على الوجه الذي وقع عليه، فله ذلك، فيكون ذلك بمنزلة تقايل من الطرفين عن تراض منهما. وهذا الكلام لا يجري مع امتناع أحدهما عن تسليم أحد العوضين ليجوز للآخر فسخ العقد، لأن كلا منهما قد ملك ما في يد الآخر، ولا يخرج عن ملكه بعدم تسليم صاحبه، فيجبران على ذلك. بخلاف الشرط، فإن المشروط (1) حيث فرض فعلا - كالإعتاق - فلا معنى لتملكه، فإذا امتنع المشروط عليه عنه فقد نقض العقد، فيجوز للمشروط له أيضا نقضه، فتأمل. ثم على المختار: من عدم الخيار إلا مع تعذر الإجبار، لو كان الشرط من قبيل الإنشاء القابل للنيابة، فهل يوقعه الحاكم عنه إذا فرض تعذر إجباره؟ الظاهر ذلك، لعموم ولاية السلطان على الممتنع، فيندفع ضرر المشروط له بذلك.


(1) في " ق " زيادة: " له "، وهي من سهو القلم.

[ 73 ]

الرابعة لو تعذر الشرط فليس للمشتري (1) إلا الخيار، لعدم دليل على الأرش، فإن الشرط في حكم القيد لا يقابل بالمال، بل المقابلة عرفا وشرعا إنما هي بين المالين، والتقييد أمر معنوي لا يعد مالا وإن كانت مالية المال تزيد وتنقص بوجوده وعدمه، وثبوت الأرش في العيب لأجل النص. وظاهر العلامة قدس سره: ثبوت الأرش إذا اشترط عتق العبد فمات العبد قبل العتق (2). وتبعه الصيمري فيما إذا اشترط تدبير العبد، قال: فإن امتنع من تدبيره تخير البائع بين الفسخ واسترجاع العبد وبين الإمضاء، فيرجع بالتفاوت بين قيمته لو بيع مطلقا وقيمته بشرط التدبير (3)، انتهى. ومراده ب‍ " التفاوت ": مقدار جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة


(1) في " ش ": " للمشترط ". (2) راجع التذكرة 1: 492. (3) غاية المرام (مخطوط) 1: 305.

[ 74 ]

التفاوت إلى القيمة، لا تمام التفاوت، لأن للشرط قسطا من الثمن، فهو مضمون به لا بتمام قيمته، كما نص عليه في التذكرة (1). وضعف في الدروس (2) قول العلامة بما ذكرنا: من أن الثمن لا يقسط على الشروط. وأضعف منه ثبوت الأرش بمجرد امتناع المشتري عن الوفاء بالشرط وإن لم يتعذر، كما عن الصيمري (3). ولو كان الشرط عملا من المشروط عليه يعد مالا ويقابل بالمال - كخياطة الثوب - فتعذر، ففي استحقاق المشروط له لاجرته أو مجرد ثبوت الخيار له، وجهان. قال في التذكرة: لو شرط على البائع عملا سائغا تخير المشتري بين الفسخ والمطالبة به أو بعوضه إن فات وقته وكان مما يتقوم، كما لو شرط تسليم الثوب مصبوغا فأتاه به غير مصبوغ وتلف في يد المشتري، ولو لم يكن مما يتقوم تخير بين الفسخ والإمضاء مجانا (4)، انتهى. وقال أيضا: لو كان الشرط على المشتري مثل أن باعه داره بشرط أن يصبغ له ثوبه فتلف الثوب، تخير البائع بين الفسخ والإمضاء بقيمة الفائت إن كان مما له قيمة، وإلا مجانا (5)، انتهى.


(1) راجع التذكرة 1: 492. (2) الدروس 3: 216. (3) راجع غاية المرام (مخطوط) 1: 305. (4) التذكرة 1: 491. (5) التذكرة 1: 491.

[ 75 ]

والظاهر أن مراده ب‍ " ما يتقوم " ما يتقوم في نفسه، سواء كان عملا محضا كالخياطة، أو عينا كمال العبد المشترط معه، أو عينا وعملا كالصبغ، لا ما له مدخل في قيمة العوض، إذ كل شرط كذلك. وما ذكره قدس سره لا يخلو عن وجه وإن كان مقتضى المعاوضة بين العوضين بأنفسهما كون الشرط - مطلقا - قيدا غير مقابل بالمال، فإن المبيع هو الثوب المخيط والعبد المصاحب للمال لا الثوب والخياطة والعبد وماله، ولذا لا يشترط قبض ما بإزاء المال من النقدين في المجلس لو كان من أحدهما. وسيجئ في المسألة السابعة المعاملة مع بعض الشروط معاملة الأجزاء (1).


(1) انظر الصفحة 81.

[ 76 ]

الخامسة لو تعذر الشرط وقد خرج العين عن سلطنة المشروط عليه بتلف أو بنقل أو رهن أو استيلاد، فالظاهر عدم منع ذلك عن الفسخ. فإذا فسخ ففي رجوعه عليه بالقيمة، أو بالعين مع بقائها بفسخ العقد الواقع عليه من حينه، أو من أصله، وجوه تقدمت (1) في أحكام الخيار، وتقدم (2): أن الأقوى الرجوع بالبدل، جمعا بين الأدلة. هذا كله مع صحة العقد الواقع، بأن لا يكون منافيا للوفاء بالشرط. وأما لو كان منافيا - كبيع ما اشترط وقفه على البائع - ففي صحته مطلقا أو مع إذن المشروط له أو إجازته، أو بطلانه، وجوه خيرها أوسطها. فلو باع بدون إذنه كان للمشروط [ له ] (3) فسخه وإلزامه بالوفاء


(1) و (2) كذا في " ق "، ولم يتقدم البحث عن أحكام الخيار، بل يأتي عن قريب بعد حكم الشرط الفاسد. والحمل على سهو القلم أيضا بعيد، ولعله كان متقدما في المسودة. ولذلك غيرهما مصحح " ش " ب‍ " يأتي "، وانظر الصفحة 152. (3) لم يرد في " ق ".

[ 77 ]

بالشرط. نعم، لو لم نقل بإجبار المشروط عليه فالظاهر صحة العقد الثاني. فإذا فسخ المشروط له، ففي انفساخ العقد من حينه، أو من أصله، أو الرجوع بالقيمة، وجوه، رابعها: التفصيل بين التصرف بالعتق فلا يبطل - لبنائه على التغليب - فيرجع بالقيمة، وبين غيره فيبطل، اختاره في التذكرة والروضة. قال في فروع مسألة العبد المشترط عتقه بعد ما ذكر: أن إطلاق اشتراط العتق يقتضي عتقه مجانا، فلو أعتقه بشرط الخدمة مدة، تخير المشروط له بين الإمضاء والفسخ فيرجع بقيمة العبد. قال بعد ذلك: ولو باعه المشتري أو وقفه أو كاتبه تخير البائع بين الفسخ والإمضاء، فإن فسخ بطلت (1) العقود، لوقوعها في غير ملك تام، وتفارق (2) هذه العتق بشرط الخدمة (3)، لأن العتق مبني على التغليب، فلا سبيل إلى فسخه. وهل له إمضاء البيع مع طلب فسخ ما نقله المشتري؟ فيه احتمال (4)، انتهى. ومثله ما في الروضة (5). وقال في الدروس في العبد المشروط عتقه: ولو أخرجه عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف، فللبائع فسخ ذلك كله (6)، انتهى. وظاهره


(1) في " ش " والمصدر زيادة: " هذه ". (2) في " ش ": " تخالف ". (3) لم ترد " الخدمة " في المصدر. (4) التذكرة 1: 492 - 493. (5) راجع الروضة البهية 3: 506. (6) الدروس 3: 216.

[ 78 ]

ما اخترناه، ويحتمل ضعيفا غيره. وفي جامع المقاصد: الذي ينبغي، أن المشتري ممنوع من كل تصرف ينافي العتق المشترط (1). ثم إن هذا الخيار كما لا يسقط بتلف العين كذلك لا يسقط بالتصرف فيها، كما نبه عليه في المسالك في أول خيار العيب فيما لو اشترط الصحة على البائع (2). نعم، إذا دل التصرف على الالتزام بالعقد [ لزم العقد وسقط الخيار ] (3) نظير خيار المجلس والحيوان بناء على ما استفيد من بعض أخبار خيار الحيوان المشتمل على سقوط خياره بالتصرف، معللا بحصول الرضا بالعقد. وأما مطلق التصرف فلا.


(1) جامع المقاصد 4: 426. (2) المسالك 3: 282. (3) لم يرد في " ق ".

[ 79 ]

السادسة للمشروط له إسقاط شرطه إذا كان مما يقبل الإسقاط، لا مثل اشتراط مال العبد، أو حمل الدابة، لعموم ما تقدم في إسقاط الخيار وغيره من الحقوق. وقد يستثنى من ذلك ما كان حقا لغير المشروط له كالعتق، فإن المصرح به في كلام جماعة - كالعلامة وولده والشهيدين وغيرهم -: عدم سقوطه بإسقاط المشروط له. قال في التذكرة: الأقوى عندي أن العتق المشروط اجتمع فيه حقوق: حق لله، وحق للبائع، وحق آخر للعبد. ثم استقرب - بناء على ما ذكره - مطالبة العبد بالعتق لو امتنع المشتري (1). وفي الإيضاح: الأقوى أنه حق للبائع ولله تعالى، فلا يسقط بالإسقاط (2)، انتهى. وفي الدروس: لو أسقط البائع الشرط جاز إلا العتق، لتعلق حق


(1) التذكرة 1: 492. (2) الإيضاح 1: 514.

[ 80 ]

العبد وحق الله تعالى به (1)، انتهى. وفي جامع المقاصد: أن التحقيق أن العتق فيه معنى القربة والعبادة وهو حق الله تعالى، وزوال الحجر وهو حق للعبد، وفوات المالية على الوجه المخصوص للقربة وهو حق البائع (2) (3)، انتهى. أقول: أما كونه حقا للبائع من حيث تعلق غرضه بوقوع هذا الأمر المطلوب للشارع، فهو واضح. وأما كونه حقا للعبد، فإن اريد به مجرد انتفاعه بذلك فهذا لا يقتضي سلطنة له على المشتري، بل هو متفرع على حق البائع دائر معه وجودا وعدما. وإن اريد به ثبوت حق على المشتري يوجب السلطنة على المطالبة فلا دليل عليه، ودليل الوفاء لا يوجب إلا ثبوت الحق للبائع. وبالجملة، فاشتراط عتق العبد ليس إلا كاشتراط أن يبيع المبيع من زيد بأدون من ثمن المثل أو يتصدق به عليه، ولم يذكر أحد أن لزيد المطالبة. ومما ذكر يظهر الكلام في ثبوت حق الله تعالى، فإنه إن اريد به مجرد وجوبه عليه لأنه وفاء بما شرط العباد بعضهم لبعض فهذا جار في كل شرط، ولا ينافي ذلك سقوط الشروط بالإسقاط. وإن اريد ما عدا ذلك من حيث كون العتق مطلوبا لله - كما ذكره جامع المقاصد - ففيه: أن مجرد المطلوبية إذا لم يبلغ حد الوجوب لا يوجب الحق لله على وجه يلزم به الحاكم، ولا وجوب هنا من غير جهة وجوب الوفاء بشروط العباد والقيام بحقوقهم. وقد عرفت أن المطلوب غير هذا، فافهم.


(1) الدروس 3: 216. (2) في " ش " والمصدر: " للبائع ". (3) جامع المقاصد 4: 421.

[ 81 ]

السابعة قد عرفت أن الشرط من حيث هو شرط لا يقسط عليه الثمن عند انكشاف التخلف على المشهور، لعدم الدليل عليه بعد عدم دلالة العقد عرفا على مقابلة أحد العوضين إلا بالآخر، والشرع لم يزد على أن أمر (1) بالوفاء بذلك المدلول العرفي، فتخلف الشرط لا يقدح في تملك كل منهما لتمام العوضين. هذا، ولكن قد يكون الشرط تضمن المبيع لما هو جزء له حقيقة، بأن يشتري مركبا ويشترط كونه (2) كذا وكذا جزءا، كأن يقول: بعتك هذه الأرض أو الثوب أو الصبرة على أن يكون كذا ذراعا أو صاعا، فقد جعل الشرط تركبه من أجزاء معينة. فهل يلاحظ حينئذ جانب القيدية ويقال: إن المبيع هو العين الشخصية المتصفة بوصف كونه كذا جزءا، فالمتخلف هو قيد من قيود العين - كالكتابة ونحوها في العبد - لا يوجب فواتها إلا خيارا بين الفسخ والإمضاء بتمام الثمن؟


(1) كذا في " ق "، وفي " ش ": " لم يزد على ذلك إذ أمره ". (2) في " ق ": " كونها "، وهو سهو.

[ 82 ]

أو يلاحظ جانب الجزئية، فإن المذكور وإن كان بصورة القيد إلا أن منشأ انتزاعه هو وجود الجزء الزائد وعدمه، فالمبيع في الحقيقة هو كذا وكذا جزءا، إلا أنه عبر عنه بهذه العبارة، كما لو أخبره بوزن المبيع المعين فباعه اعتمادا على إخباره، فإن وقوع البيع على العين الشخصية لا يوجب عدم تقسيط الثمن على الفائت. وبالجملة، فالفائت عرفا وفي الحقيقة هو الجزء وإن كان بصورة الشرط، فلا يجري فيه ما مر: من عدم التقابل إلا بين نفس العوضين؟ ولأجل ما ذكرنا وقع الخلاف فيما لو باعه أرضا على أنها جربان معينة، أو صبرة على أنها أصوع معينة. وتفصيل ذلك: العنوان الذي ذكره في التذكرة بقوله: لو باعه شيئا وشرط فيه قدرا معينا فتبين الاختلاف من حيث الكم، فأقسامه أربعة: لأنه إما أن يكون مختلف الأجزاء أو متفقها، وعلى التقديرين: فإما أن يزيد وإما أن ينقص (1). فالأول: تبين النقص في متساوي الأجزاء. ولا إشكال في الخيار، وإنما الإشكال والخلاف في أن له الإمضاء بحصته (2) من الثمن، أو ليس له الإمضاء إلا بتمام الثمن. فالمشهور - كما عن غاية المرام (3) - هو الأول، وقد حكي عن المبسوط والشرائع وجملة من كتب العلامة والدروس والتنقيح والروضة


(1) الى هنا تم ما ذكره عن التذكرة مع تفاوت، راجع التذكرة 1: 494. (2) في " ش ": " بحصة ". (3) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 744، وراجع غاية المرام (مخطوط) 1: 309.

[ 83 ]

وظاهر السرائر وإيضاح النافع (1) حيث اختارا ذلك في مختلف الأجزاء، فيكون كذلك في متساوي الأجزاء بطريق أولى. ويظهر من استدلال بعضهم على الحكم في مختلف الأجزاء كونه في متساوي الأجزاء مفروغا عنه. وعن مجمع البرهان: أنه ظاهر القوانين الشرعية (2). ووجهه - مضافا إلى فحوى الرواية الآتية في القسم الثاني - ما أشرنا إليه: من أن كون المبيع الشخصي بذلك المقدار وإن كان بصورة الشرط، إلا أن مرجعه إلى كون المبيع هذا القدر، كما لو كالا طعاما فاشتراه فتبين الغلط في الكيل، ولا يرتاب أهل العرف في مقابلة الثمن لمجموع المقدار المعين المشترط هنا. خلافا لصريح القواعد (3) ومحكي الإيضاح (4). وقواه في محكي حواشي الشهيد والميسية (5) والكفاية (6). واستوجهه في المسالك (7). ويظهر


(1) حكى عنهم جميعا السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 744، وراجع المبسوط 2: 155، والشرائع 2: 35، والتحرير 1: 177، والتبصرة: 100، الفصل الثامن في التسليم، والمختلف 5: 267 - 268، والدروس 3: 198، والتنقيح الرائع 2: 76، والروضة 3: 267، والسرائر 2: 377، وإيضاح النافع (مخطوط) لا يوجد لدينا. (2) مجمع الفائدة 8: 530. (3) القواعد 2: 92 - 93. (4) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 744، وراجع إيضاح الفوائد 1: 517. (5) حكاه عنهما السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 744، ولا يوجدان لدينا. (6) كفاية الأحكام: 90، وفيه: " الأقرب... ". (7) المسالك 3: 280.

[ 84 ]

من جامع المقاصد (1) أيضا، لأن المبيع هو الموجود الخارجي كائنا ما كان، غاية الأمر أنه التزم أن يكون بمقدار معين، وهو وصف غير موجود في المبيع، فأوجب الخيار، كالكتابة المفقودة في العبد. وليس مقابل الثمن نفس ذلك المقدار، لأنه غير موجود في الخارج، مع أن مقتضى تعارض الإشارة والوصف غالبا ترجيح الإشارة عرفا، فإرجاع قوله: " بعتك هذه الصبرة على أنها عشرة أصوع " إلى قوله: " بعتك عشرة أصوع موجودة في هذا المكان " تكلف. والجواب: أن كونه من قبيل الشرط مسلم، إلا أن الكبرى وهي: " أن كل شرط لا يوزع عليه الثمن " ممنوعة، فإن المستند في عدم التوزيع عدم المقابلة عرفا، والعرف حاكم في هذا الشرط بالمقابلة، فتأمل. الثاني: تبين النقص في مختلف الأجزاء. والأقوى فيه ما ذكر من التقسيط مع الإمضاء، وفاقا للأكثر، لما ذكر سابقا: من قضاء العرف بكون ما انتزع منه الشرط جزءا من المبيع، مضافا إلى خبر ابن حنظلة: " رجل باع أرضا على أنها عشرة أجربة، فاشترى المشتري منه بحدوده ونقد الثمن وأوقع صفقة البيع وافترقا، فلما مسح الأرض فإذا هي خمسة أجربة؟ قال: فإن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الأرض، وإن شاء رد المبيع وأخذ المال كله، إلا أن يكون له إلى جنب تلك الأرض أرضون فليوفيه (2)، ويكون البيع لازما، فإن لم يكن له في


(1) جامع المقاصد 4: 428 و 430. (2) كذا في " ق "، وفي " ش ": " فليوفه " - مثل التهذيب - وفي الفقيه: " فيوفيه "، وفي الوسائل: " فليؤخذ ".

[ 85 ]

ذلك المكان غير الذي باع، فإن شاء المشتري أخذ الأرض واسترجع فضل ماله، وإن شاء رد الأرض وأخذ المال كله... الخبر " (1). ولا بأس باشتماله على حكم مخالف للقواعد، لأن غاية الأمر على فرض عدم إمكان إرجاعه إليها ومخالفة ظاهره للإجماع طرح ذيله الغير المسقط لصدره عن الاحتجاج. خلافا للمحكي عن المبسوط (2) وجميع من قال في الصورة الاولى بعدم التقسيط (3)، لما ذكر هناك: من كون المبيع عينا خارجيا لا يزيد ولا ينقص لوجود الشرط وعدمه، والشرط التزام من البائع بكون تلك العين بذلك المقدار، كما لو اشترط حمل الدابة أو مال العبد فتبين عدمهما. وزاد بعض هؤلاء (4) [ على ] (5) ما فرق به في المبسوط بين الصورتين (6): بأن الفائت هنا لا يعلم قسطه من الثمن، لأن المبيع مختلف الأجزاء، فلا يمكن قسمته على عدد الجربان. وفيه - مضافا إلى (7) أن عدم معلومية قسطه لا يوجب عدم


(1) ما نقله قدس سره هو الحديث بتمامه، ولا وجه لزيادة " الخبر "، راجع الوسائل 12: 361، الباب 14 من أبواب الخيار، الحديث الأول. (2) المبسوط 2: 154. (3) تقدم عنهم في الصفحة 83. (4) كالمحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 428، والشهيد الثاني في المسالك 3: 278. (5) اقتضاه السياق. (6) المبسوط 3: 155. (7) لم يرد " مضافا إلى " في " ش ".

[ 86 ]

استحقاق المشتري ما يستحقه على تقدير العلم، فيمكن التخلص بصلح أو نحوه، إلا أن يدعى استلزام ذلك جهالة ثمن المبيع في ابتداء العقد، مع عدم إمكان العلم به عند الحاجة إلى التقسيط، وفيه نظر (1) -: منع عدم المعلومية، لأن الفائت صفة كون هذه الأرض المعينة المشخصة عشرة أجربة، ويحصل فرضه - وإن كان المفروض مستحيل الوقوع - بتضاعف كل جزء من الأرض، لأنه معنى فرض نفس الخمسة عشرة. وفرضه أيضا بصيرورة ثلاثة منها ثمانية أو أربعة تسعة أو واحد ستة أو غير ذلك وإن كان ممكنا، إلا أنه لا يقدح (2) مع فرض تساوي قطاع الأرض، ومع اختلافها فظاهر التزام كونها عشرة مع رؤية قطاعها المختلفة أو وصفها له يقضي بلزوم كون كل جزء منها مضاعفا على ما هو عليه من الصفات المرئية أو الموصوفة. ثم إن المحكي عن الشيخ العمل بذيل الرواية المذكورة (3)، ونفى عنه البعد في التذكرة (4) معللا: بأن القطعة المجاورة للمبيع أقرب إلى المثل من الأرش. وفيه - مع منع كون نحو الأرض مثليا -: أن الفائت لم يقع


(1) لم ترد " نظر " في " ش ". (2) كذا في " ق "، وفي " ش ": " لا ينفع ". (3) وهو المعبر عنه في بعض الكتب - مثل المسالك 3: 278 - بالقول الثالث للشيخ المحكي عن نهايته، وراجع النهاية: 420. (4) التذكرة 1: 494.

[ 87 ]

المعاوضة عليه في ابتداء العقد، وقسطه من الثمن باق في ملك المشتري، وليس مضمونا على البائع حتى يقدم مثله على قيمته. وأما الشيخ قدس سره فالظاهر استناده في ذلك إلى الرواية. الثالث: أن تتبين الزيادة عما شرط على البائع. فإن دلت القرينة على أن المراد اشتراط بلوغه بهذا المقدار لا بشرط عدم الزيادة، فالظاهر أن الكل للمشتري ولا خيار. وإن اريد ظاهره - وهو كونه شرطا للبائع من حيث عدم الزيادة وعليه من حيث عدم النقيصة - ففي كون الزيادة للبائع وتخير المشتري للشركة، أو تخير البائع بين الفسخ والإجازة لمجموع الشئ بالثمن، وجهان: من أن مقتضى ما تقدم - من أن اشتراط بلوغ المقدار المعين بمنزلة تعلق البيع به فهو شرط صورة وله حكم الجزء عرفا -: أن اشتراط عدم الزيادة على المقدار المعين هنا بمنزلة الاستثناء وإخراج الزائد عن المبيع (1). ومن الفرق بينهما: بأن اشتراط عدم الزيادة شرط عرفا، وليس بمنزلة الاستثناء، فتخلفه لا يوجب إلا الخيار. ولعل هذا أظهر، مضافا إلى إمكان الفرق بين الزيادة والنقيصة - مع اشتراكهما لكون (2) مقتضى القاعدة فيهما كونهما من تخلف الوصف لا نقص الجزء أو زيادته -: بورود النص المتقدم في النقيصة، ويبقى الزيادة على مقتضى الضابطة، ولذا اختار الاحتمال الثاني بعض من قال


(1) في ظاهر " ق ": " البيع ". (2) كذا في " ق "، وفي " ش ": " في كون ".

[ 88 ]

بالتقسيط في طرف (1) النقيصة (2). وقد يحكى عن المبسوط القول بالبطلان هنا (3)، لأن البائع لم يقصد بيع الزائد والمشتري لم يقصد شراء البعض. وفيه تأمل. الرابع (4): أن تتبين الزيادة في مختلف الأجزاء، وحكمه يعلم مما ذكرنا.


(1) في " ش ": " أطراف ". (2) مثل صاحب الجواهر، انظر الجواهر 23: 232 وراجع مفتاح الكرامة 4: 743. (3) لم نعثر على الحاكي عنه في متساوي الأجزاء، نعم حكي عنه في مختلف الأجزاء، راجع مفتاح الكرامة 4: 743، والمبسوط 2: 152 - 155. (4) في " ق ": " الرابعة ". وهو سهو.

[ 89 ]

[ مسألة ] (1) في حكم الشرط الفاسد [ والكلام فيه يقع في امور: ] (2) [ الأول ] (3) [ أن الشرط الفاسد ] (4) لا تأمل في عدم وجوب الوفاء به، بل هو داخل في الوعد، فإن كان العمل به مشروعا استحب الوفاء به على القول بعدم فساد أصل العقد. ولا تأمل أيضا في أن الشرط الفاسد لأجل الجهالة يفسد العقد، لرجوع الجهالة فيه إلى جهالة أحد العوضين، فيكون البيع غررا. وكذا لو كان الاشتراط موجبا لمحذور آخر في أصل البيع، كاشتراط بيع المبيع من البائع ثانيا، لأنه موجب للدور، أو لعدم القصد إلى البيع الأول، أو للتعبد من أجل الإجماع أو النص. وكاشتراط جعل


(1) العنوان منا. (2) و (3) و (4) ما بين المعقوفات لم يرد في " ق "، وأثبتناه من " ش " لاقتضاء السياق له.

[ 90 ]

الخشب المبيع صنما، لأن المعاملة على هذا الوجه أكل للمال بالباطل، ولبعض الأخبار (1). وإنما الإشكال فيما كان فساده لا لأمر مخل بالعقد، فهل يكون مجرد فساد الشرط موجبا لفساد العقد أم يبقى العقد على الصحة؟ قولان: حكي أولهما (2) عن الشيخ (3) والإسكافي (4) وابن البراج (5) وابن سعيد (6)، وثانيهما للعلامة (7) والشهيدين (8) والمحقق الثاني (9) وجماعة ممن تبعهم (10).


(1) راجع الوسائل 12: 127، الباب 41 من أبواب ما يكتسب به. (2) كذا في النسخ، ولكن المحكي في الموردين عكس ذلك، كما نبه عليه الشهيدي في حاشيته بقوله: " ينبغي أن يقول ثانيهما عن الشيخ والإسكافي وابن البراج وابن سعيد، وأولهما للعلامة إلى آخره، فراجع كلماتهم " هداية الطالب: 580، وراجع مفتاح الكرامة 4: 732، والجواهر 23: 211. (3) المبسوط 2: 149. (4) حكاه عنه العلامة في المختلف 5: 298. (5) حكاه عنه العلامة أيضا في المختلف 5: 298، ولم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتبه، بل الموجود في المهذب 1: 389 الحكم بالفساد. (6) الجامع للشرائع: 272. (7) راجع المختلف 5: 298، والقواعد 2: 90، وغيرهما من كتبه. (8) راجع الدروس 3: 214 - 215، واللمعة وشرحها (الروضة البهية) 3: 505، والمسالك 3: 273. (9) جامع المقاصد 4: 431. (10) منهم الفاضل المقداد في التنقيح 2: 70 و 74، والمحقق الأردبيلي 8: 148، والمحقق السبزواري في الكفاية: 97، وراجع تفصيل ذلك في مفتاح الكرامة 4: 732.

[ 91 ]

وظاهر ابن زهرة في الغنية: التفصيل بين الشرط الغير المقدور كصيرورة الزرع سنبلا والبسر تمرا، وبين غيره من الشروط الفاسدة، فادعى في الأول عدم الخلاف في الفساد والإفساد (1). ومقتضى التأمل في كلامه: أن الوجه في ذلك صيرورة المبيع غير مقدور على تسليمه، ولو صح ما ذكره من الوجه خرج هذا القسم من الفاسد عن محل الخلاف، لرجوعه - كالشرط المجهول - إلى ما يوجب اختلال بعض شروط العوضين. لكن صريح العلامة في التذكرة: وقوع الخلاف في الشرط الغير المقدور، ومثله بالمثالين المذكورين، ونسب القول بصحة العقد إلى بعض علمائنا (2). والحق: أن الشرط الغير المقدور من حيث هو غير مقدور لا يوجب تعذر التسليم في أحد العوضين. نعم، لو أوجبه فهو خارج عن محل النزاع، كالشرط المجهول حيث يوجب كون المشروط بيع الغرر. وربما ينسب إلى ابن المتوج البحراني (3) التفصيل بين الفاسد لأجل عدم تعلق غرض مقصود للعقلاء به فلا يوجب فساد العقد - كأكل طعام بعينه أو لبس ثوب كذلك - وبين غيره. وقد تقدم (4) في اشتراط كون الشرط مما يتعلق به غرض مقصود


(1) الغنية: 215. (2) التذكرة 1: 490. (3) نسبه إليه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 732، وصاحب الجواهر في الجواهر 23: 211. (4) تقدم في الصفحة 20.

[ 92 ]

للعقلاء عن التذكرة وغيرها: أن هذا الشرط لغو لا يؤثر الخيار، والخلاف في أن اشتراط الكفر صحيح أم لا، وعدم الخلاف ظاهرا في لغوية اشتراط كيل المسلم فيه بمكيال شخصي معين. وظاهر ذلك كله التسالم على صحة العقد ولو مع لغوية الشرط. ويؤيد الاتفاق على [ عدم ] (1) الفساد استدلال القائلين بالإفساد: بأن للشرط قسطا من الثمن، فيصير الثمن مع فساد الشرط مجهولا. نعم، استدلالهم الآخر على الإفساد بعدم التراضي مع انتفاء الشرط ربما يؤيد عموم محل الكلام لهذا الشرط، إلا أن الشهيدين ممن استدل بهذا الوجه وصرح بلغوية اشتراط الكفر والجهل بالعبادات، بحيث يظهر منه صحة العقد، فراجع (2). وكيف كان، فالقول بالصحة في أصل المسألة لا يخلو عن قوة، وفاقا لمن تقدم، لعموم الأدلة السالم عن معارضة ما يخصصه، عدا وجوه: أحدها: ما ذكره في المبسوط للمانعين: من أن للشرط قسطا من العوض مجهولا، فإذا سقط لفساده صار العوض مجهولا (3). وفيه - بعد النقض بالشرط الفاسد في النكاح الذي يكون بمنزلة جزء من الصداق فيجب على هذا سقوط المسمى والرجوع إلى مهر المثل -: أولا: منع مقابلة شئ (4) من العوضين عرفا ولا شرعا، لأن


(1) لم يرد في " ق "، والظاهر سقوطه من القلم. (2) راجع الدروس 3: 215، ولم نعثر عليه في كتب الشهيد الثاني. (3) المبسوط 2: 149. (4) كذا في " ق " أيضا، والأولى في العبارة: " مقابلة الشرط بشئ " كما استظهره مصحح " ش ".

[ 93 ]

مدلول العقد هو وقوع المعاوضة بين الثمن والمثمن، غاية الأمر كون الشرط قيدا لأحدهما يكون له دخل في زيادة العوض ونقصانه، والشرع لم يحكم على هذا العقد إلا بإمضائه على النحو الواقع عليه، فلا يقابل الشرط بجزء من العوضين، ولذا لم يكن في فقده إلا الخيار بين الفسخ والإمضاء مجانا، كما عرفت. وثانيا: منع جهالة ما بإزاء الشرط من العوض، إذ ليس العوض المنضم إلى الشرط والمجرد عنه إلا كالمتصف بوصف الصحة والمجرد عنه، في كون التفاوت بينهما مضبوطا في العرف، ولذا حكم العلامة فيما تقدم (1) بوجوب الأرش لو لم يتحقق العتق المشروط في صحة بيع المملوك، وبلزوم قيمة الصبغ المشروط في بيع الثوب. وثالثا: منع كون الجهالة الطارئة على العوض قادحة، إنما القادح هو الجهل به عند إنشاء العقد. الثاني: أن التراضي إنما وقع على العقد الواقع على النحو الخاص، فإذا تعذرت الخصوصية لم يبق التراضي، لانتفاء المقيد بانتفاء القيد، وعدم بقاء الجنس مع ارتفاع الفصل، فالمعاوضة بين الثمن والمثمن بدون الشرط معاوضة اخرى محتاجة إلى تراض جديد وإنشاء جديد، وبدونه يكون التصرف أكلا للمال لا عن تراض. وفيه: منع كون ارتباط الشرط بالعقد على وجه يحوج انتفاؤه إلى معاملة (2) جديدة عن تراض جديد. ومجرد الارتباط لا يقتضي ذلك،


(1) تقدم في الصفحة 73، وراجع التذكرة 1: 491 و 492. (2) في " ش ": " معاوضة ".

[ 94 ]

كما إذا تعذر بعض (1) أحد العوضين، أو انكشف فقد بعض الصفات المأخوذة في البيع، كالكتابة والصحة، وكالشروط الفاسدة في عقد النكاح، فإنه لا خلاف نصا (2) وفتوى في عدم فساد النكاح بمجرد فساد شرطه المأخوذ فيه. وقد تقدم (3): أن ظاهرهم في الشرط الغير المقصود للعقلاء في السلم وغيره عدم فساد العقد به، وتقدم (4) أيضا: أن ظاهرهم أن الشرط الغير المذكور في العقد لا حكم له، صحيحا كان أو فاسدا. ودعوى: أن الأصل في الارتباط هو انتفاء الشئ بانتفاء ما ارتبط به، ومجرد عدم الانتفاء في بعض الموارد لأجل الدليل لا يوجب التعدي، مدفوعة: بأن المقصود من بيان الأمثلة: أنه لا يستحيل التفكيك بين الشرط والعقد، وأنه ليس التصرف المترتب على العقد بعد انتفاء ما ارتبط به في الموارد المذكورة تصرفا لا عن تراض جوزه الشارع تعبدا وقهرا على المتعاقدين، فما هو التوجيه في هذه الأمثلة هو التوجيه فيما نحن فيه، ولذا اعترف في جامع المقاصد: بأن في الفرق بين الشرط الفاسد والجزء الفاسد عسرا (5). والحاصل: أنه يكفي للمستدل بالعمومات منع كون الارتباط


(1) في " ش ": " إذا تبين نقص ". (2) راجع الوسائل 15: 40، الباب 29 من أبواب المهور، والصفحة 340، الباب 42 من أبواب كتاب الطلاق. (3) تقدم في الصفحة 20. (4) تقدم في الصفحة 54 وما بعدها. (5) جامع المقاصد 4: 431 - 432.

[ 95 ]

مقتضيا لكون العقد بدون الشرط تجارة لا عن تراض، مستندا إلى النقض بهذه الموارد. وحل ذلك: أن القيود المأخوذ [ ة ] (1) في المطلوبات العرفية والشرعية: منها: ما هو ركن للمطلوب، ككون المبيع حيوانا ناطقا لا ناهقا (2)، وكون مطلوب المولى إتيان تتن الشطب لا الأصفر الصالح للنارجيل، ومطلوب الشارع الغسل بالماء للزيارة (3)، فإن العرف يحكم في هذه الأمثلة بانتفاء المطلوب لانتفاء هذه القيود، فلا يقوم الحمار مقام العبد، ولا الأصفر مقام التتن، ولا التيمم مقام الغسل. ومنها: ما ليس كذلك، ككون العبد صحيحا، والتتن جيدا، والغسل بماء الفرات، فإن العرف يحكم في هذه الموارد بكون الفاقد نفس المطلوب. والظاهر أن الشرط من هذا القبيل، لا من قبيل الأول، فلا يعد التصرف الناشئ عن العقد بعد فساد الشرط تصرفا لا عن تراض. نعم، غاية الأمر أن فوات القيد هنا موجب للخيار لو كان المشروط له جاهلا بالفساد، نظير فوات الجزء والشرط الصحيحين. ولا مانع من التزامه وإن لم يظهر منه أثر في كلام القائلين بهذا القول.


(1) الزيادة اقتضتها الضرورة. (2) كان أصل العبارة في " ق " هكذا: " ككون المبيع إنسانا لا حمارا " ثم شطب على " إنسانا " وكتب بدله: " حيوانا ناطقا، لا ناهقا " وبقيت كلمة " لا حمارا " لم يشطب عليها، ومن هنا وقع الالتباس واثبتت العبارة في بعض النسخ هكذا: " ككون المبيع حيوانا ناطقا، لا ناهقا حمارا "، كما في " ف " و " ن ". (3) في " ش " زيادة: " لأجل التنظيف ".

[ 96 ]

الثالث: رواية عبد الملك بن عتبة عن الرضا عليه السلام (1): " عن الرجل ابتاع منه طعاما أو متاعا على أن ليس منه علي وضيعة، هل يستقيم ذلك؟ ما حد ذلك (2)؟ قال: لا ينبغي " (3) والظاهر أن المراد الحرمة لا الكراهة كما في المختلف (4)، إذ مع صحة العقد لا وجه لكراهة الوفاء بالوعد. ورواية الحسين بن المنذر: " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يجيئني فيطلب مني العينة، فأشتري المتاع من أجله، ثم أبيعه إياه، ثم أشتريه منه مكاني؟ فقال: إذا كان هو بالخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع، وكنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر فلا بأس، فقلت: إن أهل المسجد يزعمون أن هذا فاسد، ويقولون: إنه إن جاء به بعد أشهر صح، قال: إنما هذا تقديم وتأخير لا بأس " (5) فإن مفهومه ثبوت البأس إذا لم يكونا أو أحدهما مختارا في ترك المعاملة الثانية، وعدم الاختيار في تركها إنما يتحقق باشتراط فعلها في ضمن العقد الأول، وإلا فلا يلزم له (6) عليها، فيصير الحاصل: أنه


(1) كذا في " ق " أيضا، والموجود في التهذيب والوسائل: " سألت أبا الحسن موسى عليه السلام ". (2) العبارة في " ش ": " هل يستقيم هذا؟ وكيف هذا؟ وما حد ذلك؟ "، وفي التهذيب والوسائل: " هل يستقيم هذا؟ وكيف يستقيم وجه ذلك؟ ". (3) الوسائل 12: 409، الباب 35 من أبواب أحكام العقود. (4) المختلف 5: 311. (5) الوسائل 12: 370، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 4. (6) لم ترد " له " في " ش ".

[ 97 ]

إذا باعه بشرط أن يبيعه منه أو يشتريه منه لم يصح البيع الأول فكذا الثاني، أو لم يصح الثاني لأجل فساد الأول، إذ لا مفسد له غيره. ورواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: " سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم إلى أجل، ثم اشتراه بخمسة نقدا، أيحل؟ قال: إذا لم يشترطا ورضيا فلا بأس " (1) ودلالتها أوضح من الاولى. والجواب أما عن الاولى: فبظهور " لا ينبغي " في الكراهة، ولا مانع من كراهة البيع على هذا النحو، لا (2) أن البيع صحيح غير مكروه والوفاء بالشرط مكروه. وأما عن الروايتين: فأولا: بأن الظاهر من الرواية (3) - بقرينة حكاية فتوى أهل المسجد على خلاف قول الإمام عليه السلام في الرواية الاولى - هو رجوع البأس في المفهوم إلى الشراء، ولا ينحصر وجه فساده في فساد البيع، لاحتمال أن يكون من جهة عدم الاختيار فيه الناشئ عن التزامه في خارج العقد الأول، فإن العرف لا يفرقون في إلزام المشروط عليه بالوفاء بالشرط بين وقوع الشرط في متن العقد أو في الخارج، فإذا التزم به أحدهما في خارج العقد الأول كان وقوعه للزومه عليه عرفا، فيقع لا عن رضا منه فيفسد. وثانيا: بأن غاية مدلول الرواية فساد البيع المشروط فيه بيعه


(1) الوسائل 12: 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6. (2) في " ش " بدل " لا ": " من ". (3) في " ش ": " الروايتين ".

[ 98 ]

عليه ثانيا، وهو مما لا خلاف فيه حتى ممن قال بعدم فساد العقد بفساد شرطه - كالشيخ في المبسوط (1) - فلا يتعدى منه إلى غيره، فلعل البطلان فيه للزوم الدور كما ذكره العلامة (2)، أو لعدم قصد البيع كما ذكره الشهيد قدس سره (3)، أو لغير ذلك. بل التحقيق: أن مسألة اشتراط بيع المبيع خارجة عما نحن فيه، لأن الفساد ليس لأجل كون نفس الشرط فاسدا، لأنه في نفسه ليس مخالفا للكتاب والسنة، ولا منافيا لمقتضى العقد، بل الفساد في أصل البيع لأجل نفس هذا الاشتراط فيه لا لفساد ما اشترط. وقد أشرنا إلى ذلك في أول المسألة، ولعله لما ذكرنا لم يستند إليهما (4) أحد في مسألتنا هذه. والحاصل: أني لم أجد لتخصيص العمومات في هذه المسألة ما يطمئن (5) به النفس. ويدل على الصحة أيضا جملة من الأخبار: منها: ما عن المشايخ الثلاثة - في الصحيح - عن الحلبي عن الصادق عليه السلام: " أنه ذكر أن بريرة كانت عند زوج لها وهي مملوكة، فاشترتها عائشة فأعتقتها، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن شاءت قعدت عند زوجها وإن شاءت فارقته، وكان مواليها الذين


(1) المبسوط 2: 149. (2) التذكرة 1: 490. (3) الدروس 3: 216. (4) في " ش ": " إليها ". (5) كذا، والأنسب: " تطمئن ".

[ 99 ]

باعوها اشترطوا على عائشة أن لهم ولاءها، فقال صلى الله عليه وآله: الولاء لمن أعتق " (1). وحملها على الشرط الخارج عن العقد مخالف لتعليل فساده في هذه الرواية إشارة وفي غيرها صراحة بكونه مخالفا للكتاب والسنة. فالإنصاف: أن الرواية في غاية الظهور. ومنها: مرسلة جميل وصحيحة الحلبي: الاولى عن أحدهما عليهما السلام: " في الرجل يشتري الجارية ويشترط لأهلها أن لا يبيع ولا يهب ولا يورث، قال: يفي بذلك إذا شرط لهم، إلا الميراث " (2). فإن الحكم بوجوب الوفاء بالأولين دون الثالث مع اشتراط الجميع في العقد لا يكون إلا مع عدم فساد العقد بفساد شرطه. ولو قلنا بمقالة المشهور: من فساد اشتراط عدم البيع والهبة - حتى أنه حكي عن كاشف الرموز: أني لم أجد عاملا بهذه الرواية (3) - كان الأمر بالوفاء محمولا على الاستحباب ويتم المطلوب أيضا، ويكون استثناء اشتراط الإرث، لأن الملك فيه قهري للوارث، لا معنى لاستحباب وفاء


(1) الكافي 5: 486، الحديث الأول، والفقيه 3: 134، الحديث 3497، والتهذيب 7: 341، الحديث 1396، وراجع الوسائل 14: 559، الباب 52 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2، و 16: 40، الباب 37 من كتاب العتق، الحديث 2. (2) الوسائل 15: 49، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 3. (3) كشف الرموز 1: 475.

[ 100 ]

المشتري به. مع أن تحقق الإجماع على بطلان شرط عدم البيع والهبة ممنوع، كما لا يخفى. والثانية عن أبي عبد الله عليه السلام: " عن الشرط في الإماء، لا تباع (1) ولا توهب؟ قال: يجوز ذلك غير الميراث، فإنها تورث، وكل شرط خالف كتاب الله فهو رد... الخبر " (2) فإن قوله عليه السلام: " فإنها تورث " يدل على بقاء البيع الذي شرط فيه أن لا تورث على الصحة، بل يمكن أن يستفاد من قوله بعد ذلك: " كل شرط خالف كتاب الله عز وجل فهو رد " - أي لا يعمل به -: أن جميع ما ورد في بطلان الشروط المخالفة لكتاب الله جل ذكره يراد بها عدم العمل بالشرط، لا بطلان أصل البيع. ويؤيده ما ورد في بطلان الشروط الفاسدة في ضمن عقد النكاح (3). وقد يستدل على الصحة: بأن صحة الشرط فرع على صحة البيع، فلو كان الحكم بصحة البيع موقوفا على صحة الشرط لزم الدور. وفيه ما لا يخفى. والإنصاف: أن المسألة في غاية الإشكال، ولذا توقف فيها بعض تبعا للمحقق قدس سره (4).


(1) في " ش " زيادة: " ولا تورث ". (2) الوسائل 13: 43، الباب 15 من أبواب بيع الحيوان، الحديث الأول. (3) راجع تفصيل ذلك في الصفحة 23 - 24 و 94. (4) راجع الشرائع 2: 34، حيث قال: " قيل: يصح البيع ويبطل الشرط "، ولم يحكم بشئ، ويظهر من ابن فهد في المهذب البارع (2: 406 - 407)، حيث نقل القولين ولم يحكم بشئ، وهو الظاهر من إيضاح الفوائد 1: 518 أيضا.

[ 101 ]

ثم على تقدير صحة العقد، ففي ثبوت الخيار للمشروط له مع جهله بفساد الشرط وجه، من حيث كونه في حكم تخلف الشرط الصحيح، فإن المانع الشرعي كالعقلي، فيدل عليه ما يدل على خيار تخلف الشرط. ولا فرق في الجهل المعتبر في الخيار بين كونه بالموضوع أو بالحكم الشرعي، ولذا يعذر الجاهل بثبوت الخيار أو بفوريته. ولكن يشكل: بأن العمدة في خيار تخلف الشرط هو الإجماع، وأدلة نفي الضرر قد تقدم - غير مرة - أنها لا تصلح لتأسيس الحكم الشرعي إذا لم يعتضد بعمل جماعة، لأن المعلوم إجمالا أنه لو عمل بعمومها لزم منه تأسيس فقه جديد خصوصا إذا جعلنا الجهل بالحكم الشرعي عذرا، فرب ضرر يترتب على المعاملات من أجل الجهل بأحكامها، خصوصا الصحة والفساد، فإن ضرورة الشرع قاضية في أغلب الموارد بأن الضرر المترتب على فساد معاملة مع الجهل به لا يتدارك، مع أن مقتضى تلك الأدلة نفي الضرر الغير الناشئ عن تقصير المتضرر في دفعه، سواء كان الجهل متعلقا بالموضوع أم بالحكم، وإن قام الدليل في بعض المقامات على التسوية بين القاصر والمقصر. فالأقوى في المقام عدم الخيار وإن كان يسبق خلافه في بوادي الأنظار (1).


(1) في " ش ": " بادي الأنظار ".

[ 102 ]

الثاني لو أسقط المشروط له الشرط الفاسد على القول بإفساده، لم يصح بذلك العقد، لانعقاده بينهما على الفساد، فلا ينفع إسقاط المفسد. ويحتمل الصحة بناء على أن التراضي إنما حصل على العقد المجرد عن الشرط، فيكون كتراضيهما عليه حال العقد. وفيه: أن التراضي إنما ينفع إذا وقع عليه العقد أو لحق العقد السابق، كما في بيع المكره والفضولي، أما إذا طرأ الرضا على غير ما وقع عليه العقد فلا ينفع، لأن متعلق الرضا لم يعقد عليه ومتعلق العقد لم يرض به. ويظهر من بعض مواضع التذكرة التردد في الفساد بعد إسقاط الشرط، قال: يشترط في العمل المشروط على البائع أن يكون محللا، فلو اشترى العنب على شرط أن يعصره البائع خمرا لم يصح الشرط والبيع على إشكال، ينشأ من جواز إسقاط المشتري الشرط عن البائع والرضا به خاليا عنه وهو المانع من صحة البيع، ومن اقتران البيع بالمبطل. وبالجملة، فهل يثمر اقتران مثل هذا الشرط بطلان البيع من أصله

[ 103 ]

بحيث لو رضي صاحبه بإسقاطه لا يرجع البيع صحيحا، أو إيقاف البيع بدونه فإن لم يرض بدونه بطل وإلا صح؟ نظر (1)، انتهى. ولا يعرف وجه لما ذكره من احتمال الإيقاف.


(1) التذكرة 1: 490.

[ 104 ]

[ الثالث ] (1) لو ذكر الشرط الفاسد قبل العقد لفظا ولم يذكر في العقد، فهل يبطل العقد بذلك بناء على أن الشرط الفاسد مفسد أم لا؟ وجهان، بل قولان مبنيان على تأثير الشرط قبل العقد. فإن قلنا: بأنه لا حكم له - كما هو ظاهر المشهور، وقد تقدم في الشروط - لم يفسد، وإلا فسد (2). ويظهر من المسالك هنا قول ثالث، قال في مسألة اشتراط بيع المبيع من البائع: المراد باشتراط ذلك شرطه في متن العقد، فلو كان في أنفسهما ذلك ولم يشترطاه لم يضر. ولو شرطاه قبل العقد لفظا، فإن كانا يعلمان بأن الشرط المتقدم لا حكم له، فلا أثر له، وإلا اتجه بطلان العقد كما لو ذكراه في متنه، لأنهما لم يقدما إلا على الشرط ولم يتم لهما، فيبطل العقد (3)، انتهى. وفي باب المرابحة بعد ذكر المحقق في المسألة المذكورة: أنه " لو كان


(1) مكانه بياض في " ق ". (2) في " ش ": " أفسد ". (3) المسالك 3: 224.

[ 105 ]

من قصدهما ذلك ولم يشترطاه لفظا كره " قال في المسالك: أي لم يشترطا في نفس العقد فلا عبرة بشرطه قبله. نعم، لو توهم لزوم ذلك أو نسي ذكره فيه مع ذكره قبله، اتجه الفساد (1)، انتهى. ثم حكى اعتراضا على المحقق قدس سره وجوابا عنه بقوله: قيل عليه: إن مخالفة القصد للفظ تقتضي بطلان العقد، لأن العقود تتبع القصود، فكيف يصح العقد مع مخالفة اللفظ للقصد. واجيب: بأن القصد وإن كان معتبرا في الصحة فلا يعتبر في البطلان، لتوقف البطلان على اللفظ والقصد، وكذلك الصحة، ولم يوجد في الفرض. ثم قال قدس سره: وفيه منع ظاهر، فإن اعتبارهما معا في الصحة يقتضي كون تخلف أحدهما كافيا في البطلان، ويرشد إليه عبارة الساهي والنائم (2) والمكره، فإن المتخلف الموجب للبطلان هو القصد [ خاصة، وإلا فاللفظ موجود ] (3). ثم قال: والذي ينبغي فهمه أنه لا بد من قصدهما [ إلى ] (4) البيع المترتب عليه أثر الملك للمشتري على وجه لا يلزمه رده، وإنما يفتقر قصدهما لرده بعد ذلك بطريق الاختيار، نظرا إلى وثوق البائع بالمشتري أنه لا يمتنع من رده إليه بعقد جديد بمحض اختياره ومروته، انتهى (5) كلامه. أقول: إذا أوقعا العقد المجرد على النحو الذي يوقعانه مقترنا


(1) المسالك 3: 308. (2) في " ش " والمصدر: " الغالط ". (3) و (4) لم يردا في " ق ". (5) المسالك 3: 308 - 309.

[ 106 ]

بالشرط وفرض عدم التفاوت بينهما في البناء على الشرط والالتزام به إلا بالتلفظ بالشرط وعدمه، فإن قلنا بعدم اعتبار التلفظ في تأثير الشرط الصحيح والفاسد، فلا وجه للفرق بين من يعلم فساد الشرط وغيره، فإن العالم بالفساد لا يمنعه علمه عن الإقدام على العقد مقيدا بالالتزام بما اشترطه خارج العقد، بل إقدامه كإقدام من يعتقد الصحة، كما لا فرق في إيقاع العقد الفاسد بين من يعلم فساده وعدم ترتب أثر شرعي عليه، وغيره. وبالجملة، فالإقدام على العقد مقيدا أمر عرفي يصدر من المتعاقدين وإن علما بفساد الشرط. وأما حكم صورة نسيان ذكر الشرط: فإن كان مع نسيان أصل الشرط - كما هو الغالب - فالظاهر الصحة، لعدم الإقدام على العقد مقيدا، غاية الأمر أنه كان عازما على ذلك لكن غفل عنه. نعم، لو اتفق إيقاع العقد مع الالتفات إلى الشرط ثم طرأ عليه النسيان في محل ذكر الشرط كان كتارك ذكر الشرط عمدا تعويلا على تواطئهما السابق.

[ 107 ]

[ الرابع ] (1) لو كان فساد الشرط لأجل عدم تعلق غرض معتد به عند العقلاء فظاهر كلام جماعة من القائلين بإفساد الشرط الفاسد كونه لغوا غير مفسد للعقد. قال في التذكرة في باب العيب: لو شرط ما لا غرض فيه للعقلاء ولا يزيد به المالية، فإنه لغو لا يوجب الخيار (2). وقد صرح في مواضع اخر - في باب الشروط - بصحة العقد ولغوية الشرط (3). وقد صرح الشهيد بعدم ثبوت الخيار إذا اشترط كون العبد كافرا فبان مسلما (4). ومرجعه إلى لغوية الاشتراط.


(1) لم يرد في " ق ". (2) التذكرة 1: 524. (3) راجع التذكرة 1: 494، وفيها: " فيما لو باع مكيلا أو موزونا أو مذروعا بشرط أن يقال بمكيال معين - إلى أن قال: - صح البيع لكن يلغو الشرط "، والصفحة 495، والجزء 2: 12. (4) الدروس 3: 215.

[ 108 ]

وقد ذكروا في السلم لغوية بعض الشروط (1)، كاشتراط الوزن بميزان معين. ولعل وجه عدم قدح هذه الشروط: أن الوفاء بها لما لم يجب شرعا ولم يكن في تخلفها أو تعذرها خيار خرجت عن قابلية تقييد العقد بها، لعدم عدها كالجزء من أحد العوضين. ويشكل: بأن لغويتها لا تنافي تقييد العقد بها في نظر المتعاقدين، فاللازم إما بطلان العقد وإما وجوب الوفاء، كما إذا جعل بعض الثمن مما لا يعد مالا في العرف.


(1) كما في التذكرة 1: 556، والدروس 3: 253، وراجع مفتاح الكرامة 4: 453 - 454، وتقدم في الصفحة 20.

[ 109 ]

في أحكام الخيار (1) الخيار موروث بأنواعه بلا خلاف بين الأصحاب، كما في الرياض (2) وظاهر الحدائق (3). وفي التذكرة: إن الخيار عندنا موروث، لأنه من الحقوق كالشفعة والقصاص في جميع أنواعه، وبه قال الشافعي إلا في خيار المجلس (4). وادعى في الغنية: الإجماع على إرث خياري المجلس والشرط. واستدل عليه - مع ذلك -: بأنه حق للميت، فيورث لظاهر القرآن (5). وتبعه بعض من تأخر عنه (6)، وزيد عليه الاستدلال بالنبوي: " ما ترك


(1) في " ش ": " الكلام في أحكام الخيار ". (2) الرياض 8: 202. (3) الحدائق 19: 70. (4) التذكرة 1: 536. (5) الغنية: 221. (6) الظاهر - والله العالم - أن المراد به هو ابن ادريس في السرائر 2: 249، حيث قال: " خيار المجلس والشرط، موروث عندنا ".

[ 110 ]

الميت من حق فلوارثه " (1). أقول: الاستدلال على هذا الحكم بالكتاب والسنة الواردين في إرث ما ترك الميت يتوقف على ثبوت أمرين: أحدهما: كون الخيار حقا لا حكما شرعيا، كالإجازة (2) لعقد الفضولي، وجواز الرجوع في الهبة وسائر العقود الجائزة، فإن الحكم الشرعي مما لا يورث، وكذا ما تردد بينهما، للأصل. وليس في الأخبار ما يدل على ذلك، عدا ما دل على انتفاء الخيار بالتصرف معللا بأنه رضا (3)، كما تقدم في خيار الحيوان (4). والتمسك بالإجماع على سقوطه بالإسقاط فيكشف عن كونه حقا لا حكما، مستغنى عنه بقيام الإجماع على نفس الحكم. الثاني: كونه حقا قابلا للانتقال ليصدق أنه مما تركه الميت، بأن لا يكون وجود الشخص وحياته مقوما له، وإلا فمثل حق الجلوس في السوق والمسجد وحق الخيار المجعول للأجنبي (5) وحق التولية والنظارة غير قابل للانتقال، فلا يورث. وإثبات هذا الأمر بغير الإجماع أيضا مشكل، والتمسك في ذلك باستصحاب بقاء الحق وعدم انقطاعه بموت


(1) لم نعثر عليه في المجاميع الحديثية، نعم أورده الفقهاء في كتبهم مثل المسالك 12: 341، والرياض 2: 202. (2) في " ش ": " كإجازة العقد الفضولي ". (3) الوسائل 12: 351، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث الأول. (4) راجع الجزء الخامس: 97 وما بعدها. (5) لم ترد " وحق الخيار المجعول للأجنبي " في " ش ".

[ 111 ]

ذي الحق أشكل، لعدم إحراز الموضوع، لأن الحق لا يتقوم إلا بالمستحق. وكيف كان، ففي الإجماع المنعقد على نفس الحكم كفاية إن شاء الله تعالى. بقي الكلام: في أن إرث الخيار ليس تابعا لإرث المال فعلا، فلو فرض استغراق دين الميت لتركته لم يمنع انتقال الخيار إلى الوارث. ولو كان الوارث ممنوعا لنقصان فيه - كالرقية أو القتل للمورث أو الكفر - فلا إشكال في عدم الإرث، لأن الموجب لحرمانه من المال موجب لحرمانه من سائر الحقوق. ولو كان حرمانه من المال لتعبد شرعي - كالزوجة غير ذات الولد، أو مطلقا بالنسبة إلى العقار، وغير الأكبر من الأولاد بالنسبة إلى الحبوة - ففي حرمانه من الخيار المتعلق بذلك المال مطلقا، أو عدم حرمانه كذلك، وجوه، بل أقوال: ثالثها: التفصيل بين كون ما يحرم الوارث عنه منتقلا إلى الميت أو عنه، فيرث في الأول، صرح به فخر الدين في الإيضاح (1)، وفسر به عبارة والده، كالسيد العميد (2) وشيخنا الشهيد في الحواشي (3). ورابعها: عدم الجواز في تلك الصورة والإشكال في غيرها، صرح به في جامع المقاصد (4).


(1) إيضاح الفوائد 1: 487. (2) كنز الفوائد 1: 451. (3) لا توجد لدينا، وحكاه عنها السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 590. (4) جامع المقاصد 4: 306.

[ 112 ]

ولم أجد من جزم بعدم الإرث مطلقا، وإن أمكن توجيهه: بأن ما يحرم منه هذا الوارث إن كان قد انتقل عن الميت فالفسخ لا معنى له، لأنه لا ينتقل إليه بإزاء ما ينتقل عنه من الثمن شئ من المثمن. وبعبارة اخرى: الخيار علاقة لصاحبه فيما انتقل عنه توجب سلطنته عليه، ولا علاقة هنا ولا سلطنة. وإن كان قد انتقل إلى الميت فهو لباقي الورثة، ولا سلطنة لهذا المحروم، والخيار حق فيما انتقل عنه بعد إحراز تسلطه على ما وصل بإزائه. ولكن يرد ذلك بما في الإيضاح: من أن الخيار لا يقتضي (1) الملك - كخيار الأجنبي (2) - فعمومات الإرث بالنسبة إلى الخيار لم يخرج عنها الزوجة وإن خرجت عنها بالنسبة إلى المال. والحاصل: أن حق الخيار ليس تابعا للملكية، ولذا قوى بعض المعاصرين (3) ثبوت الخيار في الصورتين. ويضعفه: أن حق الخيار علقة في الملك المنتقل إلى الغير من حيث التسلط على استرداده إلى نفسه أو (4) من هو منصوب من قبله، كما في الأجنبي. وبعبارة اخرى: ملك لتملك المعوض لنفسه أو لمن نصب عنه. وهذه العلاقة لا تنتقل من الميت إلا إلى وارث يكون كالميت في كونه مالكا لأن يملك، فإذا فرض أن الميت باع أرضا بثمن، فالعلاقة


(1) في " ش " والمصدر: " لا يتوقف على الملك ". (2) إيضاح الفوائد 1: 487. (3) وهو صاحب الجواهر، انظر الجواهر 23: 77. (4) في " ش " زيادة: " إلى ".

[ 113 ]

المذكورة إنما هي لسائر الورثة دون الزوجة، لأنها بالخيار لا ترد شيئا من الأرض إلى نفسها ولا إلى آخر هي من قبله لتكون كالأجنبي المجعول له الخيار. نعم، لو كان الميت قد انتقلت إليه الأرض كان الثمن المدفوع إلى البائع متزلزلا في ملكه، فيكون في معرض الانتقال إلى جميع الورثة ومنهم الزوجة، فهي أيضا مالكة لتملك حصتها من الثمن. لكن فيه: ما ذكرنا سابقا (1): من أن الخيار حق فيما انتقل عنه بعد إحراز التسلط على ما وصل بإزائه، وعبر عنه في جامع المقاصد بلزوم تسلط الزوجة على مال الغير (2). وحاصله: أن الميت إنما كان له الخيار والعلقة فيما انتقل عنه من حيث تسلطه على رد ما في يده لتملك ما انتقل عنه بإزائه، فلا تنتقل هذه العلاقة إلا إلى من هو كذلك من ورثته - كما مر نظيره في عكس هذه الصورة - وليست الزوجة كذلك. وقد تقدم (3) في مسألة ثبوت خيار المجلس للوكيل: أن أدلة الخيار مسوقة لبيان تسلط ذي الخيار على صاحبه، من جهة تسلطه على تملك ما في يده، فلا يثبت بها تسلط الوكيل على ما وصل إليه لموكله، وما نحن فيه كذلك. ويمكن دفعه: بأن ملك بائع الأرض للثمن لما كان متزلزلا وفي معرض الانتقال إلى جميع الورثة، اقتضى بقاء هذا التزلزل بعد موت


(1) في الصفحة المتقدمة. (2) جامع المقاصد 4: 306 - 307. (3) راجع الجزء الخامس: 29 و 32.

[ 114 ]

ذي الخيار ثبوت حق للزوجة وإن لم يكن لها تسلط على نفس الأرض. والفرق بين ما نحن فيه وبين ما تقدم في الوكيل: أن الخيار هناك وتزلزل ملك الطرف الآخر وكونه في معرض الانتقال إلى موكل الوكيل كان متوقفا على تسلط الوكيل على ما في يده، وتزلزل ملك الطرف الآخر هنا وكونه في معرض الانتقال إلى الورثة ثابت على كل حال ولو لم نقل بثبوت الخيار للزوجة، فإن باقي الورثة لو ردوا الأرض واستردوا الثمن شاركتهم الزوجة فيه، فحق الزوجة في الثمن المنتقل إلى البائع ثابت، فلها استيفاؤه بالفسخ. ثم إن ما ذكر وارد على فسخ باقي الورثة للأرض المبيعة بثمن معين تشترك فيه الزوجة، إلا أن يلتزم عدم تسلطهم على الفسخ إلا في مقدار حصتهم من الثمن، فيلزم تبعيض الصفقة، فما اختاره في الإيضاح: من التفصيل مفسرا به عبارة والده في القواعد لا يخلو عن قوة. قال في القواعد: الخيار موروث بالحصص كالمال في (1) أي أنواعه كان، إلا الزوجة غير ذات الولد [ في الأرض ] (2) على إشكال، أقربه ذلك إن اشترى بخيار لترث من الثمن (3)، انتهى. وقال في الإيضاح: ينشأ الإشكال: من عدم إرثها [ منها ] (4) فلا يتعلق بها فلا ترث من خيارها، ومن أن الخيار لا يتوقف على


(1) في " ش " والمصدر: " من ". (2) من " ش " والمصدر. (3) القواعد 2: 68. (4) من " ش " والمصدر.

[ 115 ]

الملك كالأجنبي، ثم فرع المصنف: أنه لو اشترى المورث بخيار (1) فالأقرب إرثها من الخيار، لأن لها حقا في الثمن. ويحتمل عدمه، لأنها لا ترث من الثمن إلا بعد الفسخ، فلو علل بإرثها دار. والأصح اختيار المصنف، لأن الشراء يستلزم منعها من شئ نزله الشارع منزلة جزء من التركة، وهو الثمن، فقد تعلق الخيار بما ترث منه (2)، انتهى. وقد حمل العبارة على هذا المعنى السيد العميد الشارح للكتاب (3). واستظهر خلاف ذلك من العبارة جامع المقاصد، فإنه (4) - بعد بيان منشأ الإشكال على ما يقرب من الإيضاح - قال: والأقرب من هذا الإشكال عدم إرثها إن كان الميت قد اشترى [ أرضا ] (5) بخيار، فأرادت الفسخ لترث من الثمن. وأما إذا باع أرضا بخيار فالإشكال حينئذ بحاله، لأنها إذا فسخت في هذه الصورة لم ترث شيئا، وحمل الشارحان العبارة على أن الأقرب إرثها إذا اشترى بخيار، لأنها حينئذ تفسخ فترث من الثمن، بخلاف ما إذا باع بخيار. وهو خلاف الظاهر، فإن المتبادر أن المشار إليه بقوله: " ذلك " هو عدم الإرث الذي سيقت لأجله العبارة، مع أنه من حيث الحكم غير مستقيم أيضا، فإن الأرض حق لباقي الوراث استحقوها بالموت، فكيف تملك


(1) العبارة في " ش " والمصدر: " لو كان المورث قد اشترى بخيار ". (2) إيضاح الفوائد 1: 487. (3) كنز الفوائد 1: 451. (4) في " ق " زيادة: " قال ". (5) من " ش " والمصدر.

[ 116 ]

الزوجة إبطال استحقاقهم [ لها ] (1) وإخراجها عن ملكهم؟ نعم، لو قلنا: إن ذلك يحصل (2) بانقضاء [ مدة ] (3) الخيار استقام ذلك. وأيضا فإنها إذا ورثت في هذه الصورة وجب أن ترث فيما إذا باع الميت أرضا [ بخيار ] (4) بطريق أولى، لأنها ترث حينئذ من الثمن. وأقصى ما يلزم من إرثها من الخيار أن يبطل حقها من الثمن، وهو أولى من (5) إرثها حق غيرها [ من الأرض ] (6) التي (7) اختصوا بملكها. ثم قال: والحق أن إرثها من الخيار في الأرض المشتراة مستبعد جدا، وإبطال حق قد ثبت لغيرها يحتاج إلى دليل. نعم قوله: " لترث من الثمن " على هذا التقدير يحتاج إلى تكلف زيادة تقدير، بخلاف ما حملا عليه (8)، انتهى. وقد تقدم ما يمكن أن يقال على هذا الكلام. ثم إن الكلام في ثبوت الخيار لغير مستحق الحبوة من الورثة إذا اشترى الميت أو باع بعض أعيان الحبوة بخيار، هو الكلام في ثبوته للزوجة في الأرض المشتراة أو المبيعة.


(1) من " ش " والمصدر. (2) في المصدر: " ينتقل ". (3) و (4) من " ش " والمصدر. (5) في " ش " زيادة: " إبطال ". (6) من " ش " والمصدر. (7) في " ق ": " الذي ". (8) جامع المقاصد 4: 306 - 307.

[ 117 ]

مسألة في كيفية استحقاق كل من الورثة للخيار - مع أنه شئ واحد غير قابل للتجزئة والتقسيم - وجوه: الأول: ما اختاره بعض (1): من استحقاق كل منهم خيارا مستقلا كمورثه، بحيث يكون له الفسخ في الكل وإن أجاز الباقون (2)، نظير حد القذف الذي لا يسقط بعفو بعض المستحقين، وكذلك حق الشفعة على المشهور. واستند (3) في ذلك إلى أن ظاهر النبوي المتقدم وغيره ثبوت الحق لكل وارث، لتعقل تعدد من لهم الخيار، بخلاف المال الذي لا بد من تنزيل مثل ذلك على إرادة الاشتراك، لعدم تعدد الملاك شرعا لمال واحد، بخلاف محل البحث. الثاني: استحقاق كل منهم خيارا مستقلا في نصيبه، فله الفسخ


(1) في " ش ": " بعضهم ". (2) كما اختاره الشهيد الثاني في المسالك 3: 214، والسيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 591، وغيرهما كما سيجئ في الصفحة 121. (3) استند إليه صاحب الجواهر، انظر الجواهر 23: 76.

[ 118 ]

فيه، دون باقي الحصص، غاية الأمر مع اختلاف الورثة في الفسخ والإمضاء تبعض الصفقة على من عليه الخيار فيثبت له الخيار. ووجه ذلك: أن الخيار لما لم يكن قابلا للتجزئة، وكان مقتضى أدلة الإرث - كما سيجئ - اشتراك الورثة فيما ترك مورثهم، تعين تبعضه بحسب متعلقه، فيكون نظير المشتريين لصفقة واحدة إذا قلنا بثبوت الخيار لكل منهما. الثالث: استحقاق مجموع الورثة لمجموع الخيار، فيشتركون فيه من دون ارتكاب تعدده بالنسبة إلى جميع المال، ولا بالنسبة إلى حصة كل منهم، لأن مقتضى أدلة الإرث في الحقوق الغير القابلة للتجزئة والأموال القابلة لها أمر واحد، وهو ثبوت مجموع ما ترك لمجموع الورثة، إلا أن التقسيم في الأموال لما كان أمرا ممكنا كان مرجع اشتراك المجموع في المجموع إلى اختصاص كل منهم بحصة مشاعة، بخلاف الحقوق فإنها تبقى على حالها من اشتراك مجموع الورثة فيها، فلا يجوز لأحدهم الاستقلال بالفسخ لا في الكل ولا في حصته، فافهم (1). وهنا معنى آخر لقيام الخيار بالمجموع، وهو: أن يقوم بالمجموع من حيث تحقق الطبيعة في ضمنه، لا من حيث كونه مجموعا، فيجوز لكل منهم الاستقلال بالفسخ ما لم يجز الآخر، لتحقق الطبيعة في الواحد، وليس له الإجازة بعد ذلك. كما أنه لو أجاز الآخر لم يجز الفسخ بعده، لأن الخيار الواحد إذا قام بماهية الوارث، واحدا كان أو متعددا، كان إمضاء الواحد كفسخه ماضيا، فلا عبرة بما يقع متأخرا عن الآخر، لأن


(1) كلمة " فافهم " مشطوب عليها - ظاهرا - في " ق ".

[ 119 ]

الأول قد استوفاه. ولو اتحدا زمانا كان ذلك كالإمضاء والفسخ من ذي الخيار بتصرف واحد، لا أن الفاسخ متقدم، كما سيجئ في أحكام التصرف (1). ثم إنه لا ريب في فساد مستند الوجه الأول المذكور له، لمنع ظهور النبوي وغيره في ثبوت ما ترك لكل واحد من الورثة، لأن المراد بالوارث في النبوي وغيره مما أفرد فيه لفظ " الوارث " جنس الوارث المتحقق في ضمن الواحد والكثير، وقيام الخيار بالجنس يتأتى على الوجوه الأربعة المتقدمة، كما لا يخفى على المتأمل. وأما ما ورد فيه لفظ " الورثة " (2) بصيغة الجمع، فلا يخفى أن المراد به أيضا إما جنس الجمع، أو جنس الفرد، أو الاستغراق القابل للحمل على المجموعي والأفرادي. والأظهر هو الثاني، كما في نظائره. هذا كله، مع قيام القرينة العقلية واللفظية على عدم إرادة ثبوته لكل واحد مستقلا في الكل. أما الاولى: فلأن المفروض أن ما كان للميت وتركه للوارث حق واحد شخصي، وقيامه بالأشخاص المتعددين أوضح استحالة وأظهر بطلانا من تجزيه وانقسامه على الورثة، فكيف يدعى ظهور أدلة الإرث فيه؟


(1) سيجئ أحكام التصرف في الصفحة 129. (2) ورد اللفظ في موارد متعددة، منها: ما ورد في الوسائل 13: 332، الباب 8 من كتاب السكنى والحبيس، الحديث 2، و 19: 247، الباب 24 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1 و 2، والأبواب المناسبة الاخرى.

[ 120 ]

وأما الثانية: فلأن مفاد تلك الأدلة بالنسبة إلى المال المتروك والحق المتروك شئ واحد، ولا يستفاد منها بالنسبة إلى المال الاشتراك وبالنسبة إلى الحق التعدد، إلا مع استعمال الكلام في معنيين. هذا، مع أن مقتضى ثبوت ما كان للميت لكل من الورثة أن يكونوا كالوكلاء المستقلين، فيمضي السابق من إجازة أحدهم أو فسخه، ولا يؤثر اللاحق، فلا وجه لتقدم الفسخ على الإجازة على ما ذكره. وأما الوجه الثاني: فهو وإن لم يكن منافيا لظاهر أدلة الإرث: من ثبوت مجموع المتروك لمجموع الوارث، إلا أن تجزئة الخيار بحسب متعلقه - كما تقدم - مما لم تدل عليه أدلة الإرث. أما ما كان منها - كالنبوي - غير متعرض للقسمة فواضح، وأما ما تعرض فيه للقسمة - كآيات قسمة الإرث بين الورثة - فغاية ما يستفاد منها في المقام بعد ملاحظة عدم انقسام نفس المتروك هنا ثبوت القسمة فيما يحصل بإعمال هذا الحق أو إسقاطه، فيقسم بينهم العين المستردة بالفسخ، أو ثمنها الباقي في ملكهم بعد الإجازة على طريق الإرث. وأما ثبوت الخيار لكل منهم مستقلا في حصته، فلا يستفاد من تلك الأدلة، فالمتيقن من مفادها هو ثبوت الخيار الواحد الشخصي للمجموع، فإن اتفق المجموع على الفسخ انفسخ في المجموع، وإلا فلا دليل على الانفساخ في شئ منه. ومن ذلك يظهر: أن المعنى الثاني للوجه الثالث - وهو قيام الخيار بالطبيعة المتحققة في ضمن المجموع - أيضا لا دليل عليه، فلا يؤثر فسخ أحدهم وإن لم يجز الآخر، مع أن هذا المعنى أيضا مخالف لأدلة الإرث، لما عرفت من أن مفادها بالنسبة إلى المال والحق واحد، ومن المعلوم:

[ 121 ]

أن المالك للمال ليس هو الجنس المتحقق في ضمن المجموع. ثم إن ما ذكرنا جار في كل حق ثبت لمتعدد لم يعلم من الخارج كونه على خصوص واحد من الوجوه المذكورة. نعم، لو علم ذلك من دليل خارج اتبع، كما في حد القذف، فإن النص قد دل على أنه لا يسقط بعفو أحد الشريكين (1)، وكحق القصاص، فإنه لا يسقط بعفو أحد الشريكين، لكن مع دفع الآخر مقدار حصة الباقي من الدية إلى أولياء المقتص منه جمعا بين الحقين. لكن يبقى الإشكال في حكم المشهور من غير خلاف يعرف بينهم - وإن احتمله في الدروس (2) -: من أن أحد الورثة إذا عفى عن الشفعة كان للآخر الأخذ بكل المبيع، فإن الظاهر أن قولهم بذلك ليس لأجل دليل خارجي، والفرق بينه وبين ما نحن فيه مشكل. ويمكن أن يفرق بالضرر، فإنه لو سقطت الشفعة بعفو أحد الشريكين تضرر الآخر بالشركة. بل لعل هذا هو السر في عدم سقوط حدي القذف والقصاص بعفو البعض، لأن الحكمة فيهما التشفي، فإبطالهما بعفو أحد الشركاء إضرار على غير العافي، وهذا غير موجود فيما نحن فيه، فتأمل. ثم إن ما اخترناه من الوجه الأول (3) هو مختار العلامة في القواعد - بعد أن احتمل الوجه الثاني - وولده في الإيضاح والشهيد في الدروس


(1) راجع الوسائل 18: 456، الباب 22 من أبواب حد القذف، الحديث 1 و 2. (2) الدروس 3: 378. (3) أي المعنى الأول من معنيي الوجه الثالث، راجع الصفحة 118.

[ 122 ]

والشهيد الثاني في المسالك، وحكي عن غيرهم (1). قال في القواعد: وهل للورثة التفريق؟ فيه نظر، أقربه المنع، وإن جوزناه مع تعدد المشتري (2). وزاد في الإيضاح - بعد توجيه المنع بأنه لم يكن لمورثهم إلا خيار واحد -: أنه لا وجه لاحتمال التفريق (3). وقال في الدروس في باب خيار العيب: لو جوزنا لأحد المشتريين الرد لم نجوزه لأحد الوارثين عن واحد