[ 1 ]
مصباح الفقاهة
[ 2 ]
خوئي، أبو القاسم 1278 - 1371 مصباح الفقاهة: تقرير ابحاث سماحة آية الله
العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى (قدس سره) بقلم محمد على التوحيدي التبريزي
- قم داوري، 1377. 5 ج 15000 ريال (هر جلد) (دوره) 0 1 - 9090 - 964 ISBN فهرست
نويسى بر اساس اطلاعات فيپا (فهرست نويسي پيش از انتشار). اين كتاب در سالهاى مختلف
توسط ناشرين مختلف منتشر گرديده است. كتابنامه 1 - معاملات (فقه) الف - توحيدي،
محمد على، 1303 - 1353، محرر بعنوان 6 م 9 خ / 373 190 792 / Br 11456 1377 - 77 م
هوية الكتاب: اسم الكتاب: مصباح الفقاهة ج 1 المؤلف: الشيخ محمد على التوحيدي
الناشر: مكتبة الداوري - قم - تليفون 732178 شابك: 5 - 2 - 90950 - 964 - () 5. vol
SET المطبعة: العلمية - قم الطبعة: الاولى المحققة العدد: 1000 نسخة
[ 3 ]
مصباح الفقاهة تقرير ابحاث سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي
الخوئي قدس سره بقلم الشيخ محمد علي التوحيدي الجزء الاول منشورات مكتبة الداوري قم
/ ايران
[ 5 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على محمد وآله واللعن
على أعدائهم. يسرنا أن نقدم لرواد الفقه الجعفري كتاب " مصباح الفقاهة " وهو يحكي
عن آراء سماحة آية الله العظمى السيد الخوئى " قدس سره " حول كتاب " المكاسب " شيخ
الاعظم الانصاري " قده " وقد حررها فضيلة العلامة الحجة المرحوم المغفور له الشيخ
محمد علي التوحيدي التبريزي " ره " بقلم رشيق واسلوب شيق. وبما أن الكتاب طبع قسم
منه (المكاسب المحرمة وشطر من البيع) في حياة المؤلف " ره " و القسم الآخرة (بقية
البيع وقسم الخيارات) لم يطبع الا بعد وفاته، ولم يقم أحد بتنسيق الكتاب بالاسلوب
الفني من تخريجات وتدقيق المتن، فلذا اصبح الكتاب كثير الاغلاط بحيث يتعب القارئى
بمطالعته ولا يرتاح في الاستفادة منها. إلى أن قام بهذا العمل القيم الأخ الفاضل
الشيخ محمد جواد القيومي فأخرجه بهذا الاسلوب البديع، حيث قام بتخريج مصادر الاقوال
ومآخذ الاحاديث والآيات، فخرج الكتاب (كما تراه) بكيفية راقية واسلوب بديع وطبع
انيق من صف الحروف الظريفة وورق ممتاز وتجليد فني. عسانا أن نكون قدمنا خدمة يسيرة
لفقه اهل البيت عليهم السلام ونسأل الله التوفيق الاكثر لاحياء تراث فقه آل محمد
عليهم السلام وأن يتقبل منا هذه الخدمة الضئيلة، إنه ولي التوفيق؟
[ 7 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم
النبيين وعلى عترته الطاهرين. أما بعد، فمن أشرف العلوم قدرا، وأرفعها شأنا بعد
العلم بالمعارف الالهية، هو العلم بالاحكام الشرعية، لان بالعلم بها ينال سعادة
الدنيا والاخرة، ولمكان تلك الاهمية أتعب رجال العلم وحملة الدين نفوسهم في تنقيح
قواعده وتهذيب مداركه، وصنفوا فيه كتبا قيمة، حتى أصبح في عصرنا الحاضر كتاب
المكاسب للشيخ الاعظم مرتضى الانصاري قدس الله أسراره الزكية محطا للانظار ومحورا
لابحاث العلماء. وممن عنى بهذا الكتاب وجعله محورا لمحاضراته الفقهية هو استاذ
الفقهاء والمجتهدين، العلامة الورع والمحقق البارع، آية الله العظمى سيد مشائخنا
السيد أبو القاسم الخوئي قدس الله سره، وهذا الكتاب تقرير أبحاثه الفقهية على هذا
الكتاب. قد وفقه الله لتربية جم غفير من أفاضل الطلاب في النجف الاشرف، وألقى
محاضرات كثيرة في الفقه والاصول والتفسير، قال نفسه في معجمه الكبير:
[ 8 ]
فألقيت محاضراتي في الفقيه (بحث الخارج) دورتين كاملتين لمكاسب الشيخ الاعظم
الانصاري قدست نفسه، كما درست جملة من كتب اخرى، ودورتين كاملتين لكتاب الصلاة،
وشرعت في 27 ربيع الاول سنة 1377 ه في تدريس فروع العروة الوثقى لفقيه الطائفة
السيد محمد الكاظم الطباطبائي، مبتدءا بكتاب الطهارة، حيث كنت قد درست الاجتهاد
والتقليد سابقا، وقطعت شوطا بعيدا فيها، والحمد لله حيث وصلت الى كتاب الاجارة
فشرعت فيه في يوم 26 ربيع الاول سنة 1400 ه، وقد أشرفت على انجازه الان في شهر صفر
سنة 1401 ه، وألقيت محاضراتي في الاصول (بحث الخارج) ست دورات كاملات، أما السابعة
فقد تراكم اشغال المرجعية دون اتمامها، فتخليت عنها في مبحث الضد... وقد قرر مجموعة
كبيرة من أفاضل تلامذتي ما ألقيته عليهم من دروس في الفقه والاصول والتفسير، وقد
طبع جملة منه - الخ. في طليعة هؤلاء الافاضل - كما قال قدس الله سره في تقريظه على
هذا الكتاب - العلامة المحقق الشيخ محمد علي التوحيدي التبريزي قدس سره، وكفى في
فضله ما قال استاذه في حقه، ذكر بعض خواص تلاميذه في بيان حالاته: كان رحمه الله في
التوكل والاعتماد على الله في جميع شئون حياته ممتاز في أقرانه، ومحبته بأهل بيت
العصمة والطهارة (عليهم السلام) ايضا وافر، وفي مدة اقامته في مدينة قم لا يترك
زيارة كريمة اهل البيت (عليها السلام) وقراءة زيارة الجامعة بعد صلاة العشاء، وفي
التصرف في سهم الامام (عليه السلام) يحتاط غاية الاحتياط، وكان رحمه الله منيع
الطبع ويحافظ شئون الروحانية بغاية الامكان.
[ 9 ]
وفي النجف الاشرف استفاد من محضر آية الله العظمى الميلاني وآية الله العظمى
الخوئي قدس الله أسرارهم، وان السيد الخوئي أكثر من تتلمذ عليه فقها واصولا، وحضر
محاضرات السيد الخوئي في بحوث خارج الاصول ثلاثة دورات كاملات، كل دورة ست سنين،
ويكتب محاضرات استاذه وأضاف في كل دورة ما ألقاها زيادة على ما في الدورة السابقة.
وفي النجف الاشرف تتلمذ عليه عدة من الفضلاء الرسائل والمكاسب والكفاية، وبعد تشرفه
بمدينة قم له بحوث في خارج الاصول والفقه والتفسير والفلسفة، واشتغل بكتابة حواشيه
على العروة الوثقى وبحوثه في خارج المكاسب، لكن عاجله المنون وهو في نضارة أيامه.
بذل رحمه الله في تنظيم مصادر روايات مصباح الفقاهة وأقوال العلماء غاية جهده، حتى
انه كتب في بعض المسودات على مصباح الفقاهة بأنه فحص عشرة أيام للظفر ببعض
الروايات، وفي بيان المطالب يلاحظ الايجاز واحترز من التكرار، رحمة الله عليه رحمة
واسعة وجزاه عن العلم وأهله خير جزاء المحسنين. أما هذا الكتاب، فهو كما قلنا تقرير
أبحاث السيد الخوئي على المكاسب، فقد ألف تقرير أبحاثه على هذا الكتاب في الدورة
الاولى العلامة الحجة السيد علي الحسيني الشاهرودي قدس سره، المسمى بمحاضرات في
الفقه الجعفري، لكنه لا يشمل كل المباحث ونهايته البيع الفضولي، وتقرير الدورة
الثانية فهو ما ألفه الشيخ العلامة محمد علي التوحيدي المسمى بالمصباح الفقاهة وهو
شامل لجميع المباحث، ولاجل تتميم الفائدة جمعنا بين الكتابين، وذكرنا ما قاله
[ 10 ]
السيد الخوئي في الدورة الاولى ولم يذكره في الدورة الثانية في هامش الكتاب،
مقتصرا في ذلك على أهم الموارد. وذكر السيد الخوئي (قدس سره) في كلامه أقوالا في
تضعيف الروات وتوثيقهم وغيرها من المباحث الرجالية، وحيث ان بعضها مبتن على أقواله
(قدس سره) في الزمن السابق، وبعد تأليف معجمه الكبير عدل عن بعض مبانيه، فقد أشرنا
في الهامش الى أقواله الجديدة، كعدوله عن توثيق رجال كامل الزيارات، وعدوله عن
تضعيف الحسين بن يزيد النوفلي وموسى بن بكر الواسطي و... ذكرنا في الهامش مصادر
الروايات ومآخذ الاقوال المنقولة وسائر ما يحتاج إليه من راجع الكتاب الحاضر،
وأضفنا الى ما ألفه المؤلف (رحمه الله) بعض العناوين تسهيلا للمراجعة. نسأل الله أن
يتقبل منا بمنه وكرمه، انه خير مجيب، والحمد لله رب العالمين. جواد القيومي
الاصفهاني 9 / 9 / 1376
[ 11 ]
المكاسب المحرمة
[ 13 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا الى حقائق الايمان، وأنار قلوبنا
بأنوار العلم والعرفان، والصلوات الزاكيات على سيدنا ونبينا محمد، الصادع بالدين
الحنيف والشرع المنيف، وعلى آله الاطهار، الدعاة الى الله والناشرين لاحكام الله.
وبعد، فلما كان كتاب المكاسب الذي هو من مصنفات الشيخ الاعظم الصناع الفذ والعلم
الفرد، المحقق المؤسس، شيخ مشائخنا الانصاري قدس الله روحه، من اعظم الكتب الفقهية
شأنا، وأكثرها مادة، وأمتنها استدلالا، وأجزلها عبارة، كان هو المعول عليه في
الدراسة الخارجية عند البحث عن المعاملات، وقد جمع قدس الله روحه وأكرم مثواه بين
دفتي كتابه زبدة افكار العلماء المتقدمين، وخلاصة أنظارهم الدقيقة، وأضاف إليها من
فكرته الوقادة وقريحته النقادة تحقيقات أنيقة وتأملات رشيقة. وبذلك كان الكتاب
صحيفة ناصعة تمثل سداد الرأي ونتاج المجهود الفكري في مراتبه الراقية، وعلماؤنا
الاعلام قدس الله أسرارهم قد أبدوا اهتماما خاصا بهذا الكتاب، وعنوا به عناية
فائقة، وتعرضوا إليه،
[ 14 ]
وأوسعوه دراسة وشرحا وتعليقا حسب اختلاف أذواقهم في الشرح والتعليق، وبذلك
تكونت مجموعة نفيسة من الشروح لا يستغني عنها الباحث ولا يتجاوزها المراجع المتأمل.
الى أن ألقت العلوم الدينية زعامتها، وأسندت رئاستها الى سيدنا واستاذنا، علم
الاعلام آية الله الملك العلام، فقيه العصر وفريد الدهر، البحر اللجي، واسطة قلادة
الفضل والتحقيق، محور دائرة الفهم والتدقيق، امام أئمة الاصول، وزعيم أساتذة
المعقول والمنقول، المبين لاحكام الدين والمناضل عن شريعة جده سيد المرسلين، قدوة
العلماء الراسخين، اسوة الفقهاء العاملين، المولى الاعظم والحبر المعظم مولانا
وملاذنا الحاج السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي النجفي أدام الله أيام افاضاته ومتع
الله المسلمين بطول بقائه. وهو أدامه الله قد تعرض الى الكتاب اثناء الدراسة
الخارجية في الحوزة المقدسة العلوية، وأوسعه تهذيبا وتنقيحا، وكشف النقاب عن
غوامضه، وأبان الموارد المعضلة منه، وأخذ بتلك المسائل والاراء التي قيلت أو يمكن
ان يقال، فصهرها في بوتقة خياله الواسع وفكره الجامع، وأفرغها في قوالب رصينة،
وشيدها على اسس متينة، وكان النتاج درة لماعة على مفرق التشريع الاسلامي والفقه
الجعفري. وكنت ممن وفقه الله للاستفادة من محضره الشريف، والارتواء من منهله العذب،
فجمعت في هذا المختصر ما استفدته من تلك الابحاث، ثم عرضت ذلك على السيد الاستاذ
دام ظله، فراجعه مراجعة كاملة، وكرر النظر في ابحاثه وفصوله. وها انا ذا اقدم كتابي
هذا: مصباح الفقاهة الى ارباب العلم والفضيلة، آملا ان يقع ذلك منهم موقع القبول،
وجعلت عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، سائلا منه ان يجعل ذلك ذخرا ليوم لا ينفع مال
ولا بنون.
[ 15 ]
وقد كان المؤلفون القدماء كثيرا يقولون: ان أسواق العلوم كاسدة وتجارتها غير
مربحة، وان الناس قد رغبت عنها الى ملاذ الدنيا وشهواتها، وقصرت بانظارها الى
الحطام العاجل والعرض الزائل، وانهم قد استأثروا الكسل على الجد والنوم على السهر
والراحة على العمل، وان الدنيا قد أدبرت عن ورثة الرسالة وأصحاب الامانة، وأمثال
هذه الكلمات صارت عنوانا لفواتح الكتب ومستهلات الخطب والرسائل. وأما نحن، فلنا ان
نفتخر بحمد الله وافضاله على هذا العهد الزاهي، الذي ازدهرت فيه انوار العلوم،
وأشرقت فيه شموس المعارف، وأصبحت الامم من كل حدب وصوب يتجهون الى هذه المدينة
المقدسة، مدينة سيد العلماء على الاطلاق بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وازدحمت
المدارس بطلابها، وضاقت بهم ارجاؤها، نحمده تعالى على هذه الموهبة الجليلة والنعمة
الجسيمة، ونسأله ان يوفقنا لخدمات الدين واحياء شريعة سيد المرسلين (صلى الله عليه
وآله)، وأن يجعلنا من المشمولين لقوله عز من قائل: يرفع الله الذين آمنوا منكم
والذين اوتوا العلم درجات، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع
العليم. محمد علي التوحيدي
[ 17 ]
بسم الله الرحمن الرحيم فيما يرجع الى الروايات 1 - رواية تحف العقول: قوله
(رحمه الله): وروي في الوسائل (1). أقول: المذكور في تحف العقول والبحار (2) يشتمل
على زيادات، وقد أسقطها المصنف، وربما يخل بالمقصود، وما في حاشية العلامة
الطباطبائي (3)، من أنه لا يتغير بها المعنى المراد، فيظهر لك ما فيه مما سيأتي.
بحث وتحقيق: اعلم أن هذه الرواية وان كانت حاوية للضوابط الكلية والقواعد الكبروية،
الراجعة الى اعاشة عالم البشرية، من حيث تدينهم بالاحكام الشرعية، الا أنه لا يمكن
تصدير الكتاب بها لاجل أخذها مدركا للابحاث الاتية، ودليلا لاحكام التجارة، جزئيها
وكليها، بل لا بد في كل مسألة من ملاحظة مداركها بالخصوص، فان كان فيها ما يدل على
المنع اخذ به، والا فالعمومات الدالة على صحة المعاملات محكمة.
1 - الوسائل 17: 83. 2 - تحف العقول: 331، عنه البحار 103: 45. 3 - حاشية العلامة
الطباطبائي على المكاسب: 2.
[ 18 ]
الوجوه الدالة على عدم جواز التمسك بها: وانما لم يجز التمسك بهذه الرواية
لوجوه: 1 - قصورها من ناحية السند وعدم استيفائها لشروط حجية أخبار الاحاد، فان
راويها أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي، وان كان رجلا
وجيها فاضلا جليل القدر رفيع الشأن، وكان كتابه مشتملا على الدرر اليواقيت من مواعظ
أهل البيت (عليهم السلام)، وقد اعتمد عليه جملة من الاصحاب (1)، الا أنه لم يذكرها
مسندة بل أرسلها
1 - قال المجلسي في البحار: كتاب تحف العقول، عثرنا منه على كتاب عتيق، ان نظمه يدل
على رفعة شأن مؤلفه، وأكثره في المواعظ، ومن الاصول المعلومة التي لا نحتاج فيها
الى سند (البحار 1: 29). قال المحدث الحر العاملي في امل الامل في حقه: فاضل محدث
جليل، له كتاب تحف العقول عن آل الرسول (عليهم السلام)، حسن، كثير الفوائد، مشهور -
الخ (امل الامل 2: 74، الرقم: 198. قال المحدث القمي في الفوائد الرضوية (109): أبو
محمد شيخ فاضل محدث عالم عامل فقيه جليل، ثم نقل عن صاحب التكملة عن الحسين بن علي
بن الصادق البحراني انه من قدماء الاصحاب حتى ان شيخنا المفيد ينقل عنه، وهو كتاب
لم يسمح الدهر بمثله (الفوائد الرضوية: 109)، وهكذا المحدث الطهراني في الذريعة 3:
400. وقال السيد حسن الصدر في تأسيس الشيعة: شيخنا الاقدم وامامنا الاعظم، له كتاب
تحف العقول في الحكم والمواعظ عن آل الرسول (عليهم السلام)، كتاب جليل لم يصنف
مثله، وكان هذا الشيخ جليل القدر عظيم المنزلة، وفي حقه يقول الشيخ العالم الرباني
الشيخ حسين بن علي ابن الصادق البحراني في رسالته في الاخلاق: 6 كتاب تحف العقول
للفاضل النبيل - الخ (تأسيس الشيعة: 413). في رجال المامقاني: الحسن بن علي بن
الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي، قال في روضات الجنات: انه فاضل فقيه ومتبحر نبيه
ومترفع وجيه، له كتاب تحف العقول عن آل الرسول معتمد عليه عند الاصحاب (رجال
المامقاني 1: 293). الى غير ذلك من كلمات الاعلام في اعتبار تحف العقول ووثاقة
مؤلفه.
[ 19 ]
عن الصادق (عليه السلام)، فلا تكون مشمولة لادلة حجية خبر الواحد، لاختصاصها
بالخبر الموثوق بصدوره. ودعوى قيام القرينة على اعتبار رواتها المحذوفين جزافية،
لان القرينة على اعتبارهم ان كانت هي نقله عنهم، فذلك ممنوع، لكون النقل أعم من
الاعتبار، فالالتزام بالاعم لا يدل على الالتزام بالاخص، وان كانت شيئا آخر غير
النقل فلم يصل الينا ما يدل على اعتبارهم. ولو سلمنا ذلك فانه لا يفيدنا بوجه، بل
حتى مع تصريحه باعتبارهم عنده، لان ثبوت الاعتبار له لا يدل على ثبوته لنا ما لم
يذكر سببه من التوثيق لنلاحظه حتى يوجب ثبوته عندنا، فلعله يعتمد على غير خبر الثقة
ايضا. وهم ودفع: وربما يتوهم انجبار ضعفها بعمل المشهور، الا أنه مدفوع لكونه فاسدا
كبرى وصغرى: أما الوجه في منع الكبرى، فلعدم كون الشهرة في نفسها حجة، فكيف تكون
موجبة لحجية الخبر وجابرة لضعف سنده، وانما الشهرة بالنسبة الى الخبر كوضع الحجر في
جنب الانسان، فلا بد من ملاحظة نفس الخبر، فان كان جامعا لشرائط الحجية عمل به،
والا فان ضم غير حجة الى مثله لا ينتتج الحجية. لا يقال: إذا عمل المشهور بخبر كشف
ذلك عن احتفافه بقرائن توجب الوثوق قد اطلعوا عليها ولم تصل الينا، فيكون الخبر
موثوقا به، كما ان اعراضهم عن الخبر الصحيح يوجب وهنه وسقوطه عن الاعتبار، ومن هنا
اشتهر في الالسن: ان الخبر كلما ازداد صحة ازداد باعراض المشهور عنه وهنا.
[ 20 ]
فانه يقال: مضافا الى كون ذلك دعوى بلا برهان، ورجما بالغيب، وعملا بالظن الذي
لا يغني من الحق شيئا، ان المناط في حجية خبر الواحد هي وثاقة الراوي، ويدل على ذلك
الموثقة التي ارجع الامام (عليه السلام) السائل فيها الى العمري وابنه، حيث علل هذا
الحكم فيها: بأنهما ثقتان (1). ويدل عليه ايضا الروايات المتواترة التي ارجع فيها
الى اشخاص موثقين (2)، فان من المعلوم انه لا خصوصية لهؤلاء الروات الا من حيث
1 - عن الحميري عن احمد بن اسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته وقلت: من
اعامل وعمن آخذ وقول من أقبل؟ فقال: العمري ثقتي، فما أدي اليك عني فعني يؤدي، وما
قال لك عني فعني يقول، فاسمع له فانه الثقة المأمون، وقال: سألت أبا محمد (عليه
السلام) عن مثل ذلك فقال: العمري وابنه ثقتان المأمونان موثقتان (الغيبة للشيخ
الطوسي: 215). 2 - عن شعيب العقرقوفي قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ربما
احتجنا أن نسأل عن الشئ فمن نسأل؟ قال: عليك بالاسدي يعني ابا بصير (رجال الكشي:
171، الرقم: 291). عن يونس بن يعقوب قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال:
أما لكم من مفزع، أما لكم من مستراح تستريحون إليه، ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة
النضري (رجال الكشي: 337، الرقم: 620). عن علي بن المسيب الهمداني قال: قلت للرضا
(عليه السلام): شقتي بعيدة ولست أصل اليك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني؟ قال: من
زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا (رجال الكشي: 594، الرقم: 1112). عن
عبد العزيز بن المهتدي والحسن بن علي بن يقطين جميعا عن الرضا (عليه السلام) قال:
قلت: لا أكاد أصل اليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد
الرحمان ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم (رجال الكشي: 490،
الرقم: 935). عن عبد العزيز بن المهتدي قال: قلت للرضا (عليه السلام): ان شقتي بعيد
فلست أصل اليك في كل وقت، فآخذ معالم ديني عن يونس مولي آل يقطين؟ قال: نعم (رجال
الكشي: 491، الرقم: 938).
[ 21 ]
كونهم موثقين، اذن فالمناط هي الوثاقة في الراوي. وعلى هذا، فان كان عمل
المشهور راجعا الى توثيق روات الخبر وشهادتهم بذلك فبها، والا فلا يوجب انجبار
ضعفه، ومن هنا يعلم انه بعد ثبوت صحة الخبر لا يضره اعراض المشهور عنه، الا أن يرجع
الى تضعيف رواته. وبالجملة ان الملاك في حجية اخبار الاحاد هو وثاقة رواتها،
والمناط في عدم حجيتها عدم وثاقتهم، ولاجل ذلك نهي عن الرجوع الى من لا وثاقة له
(1)، وتفصيل الكلام في الاصول. وأما الوجه في منع الصغرى، فهو عدم ثبوت عمل
المتقدمين بها، وأما عمل المتأخرين فهو على تقدير ثبوته غير جابر لضعفها. مضافا الى
أن استنادهم إليها في فتياهم ممنوع جدا، كما سيأتي، فان المظنون بل الموثوق به هو
اعتمادهم في الفتيا على غيرها، وانما ذكروها في بعض الموارد تأييدا للمرام لا ناسبا
للكلام. لا يقال: ان شرائط الحجية وان كانت غير موجودة فيها الا أن موافقتها في
المضمون مع الروايات الاخرى الصحيحة أو الموثقة توجب حجيتها، على ان آثار الصدق
منها ظاهرة. فانه يقال: إذا لم تستوف الرواية شرائط الحجية فمجرد موافقتها مع الحجة
في المضمون لا تجعلها حجة.
1 - عن علي بن سويد السائي قال: كتب الى أبو الحسن (عليه السلام) وهو في السجن:
وأما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك، لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا، فانك
ان تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، انهم
ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكته
ولعنة آبائي الكرام، ولعنتي ولعنة شيعتي الى يوم القيامة (رجال الكشي: 3، الرقم:
4).
[ 22 ]
وأما قوله: ان آثار الصدق منها ظاهرة، فلا ندري ماذا يريد هذا القائل من هذه
الاثار: أهي غموض الرواية واضطرابها، أم تكرار جملها وألفاظها، أم كثرة ضمائرها
وتعقيدها، أم اشتمالها على أحكام لم يفت بها أحد من الاصحاب ومن أهل السنة، كحرمة
بيع جلود السباع والانتفاع بها وامساكها وجميع التقلب والتصرف فيها، مع ان الروايات
المعتبرة انما تمنع عن الصلاة فيها فقط لا عن مطلق الانتفاع بها، كموثقة سماعة (1)
وغيرها، وكحرمة الانتفاع بالميتة ولو كانت طاهرة، وسيأتي خلاف ذلك في بيع الميتة،
وكحرمة التصرف والامساك فيما يكون فيه وجه من وجوه الفساد، وسيظهر لك خلاف ذلك من
المباحث الاتية. ومما ذكرنا ظهر عدم انجبارها بالاجماع المنقول على تقدير حجيته. 2
- ان فتاوى اكثر الفقهاء ان لم يكن كلهم لا تطابق بعض جمل الرواية فكيف ينجبر ضعفها
بالشهرة الفتوائية بينهم. فان مقتضي بعض فقراتها حرمة بيع النجس مطلقا، مع أنه لم
يلتزم به الا النادر من الفقهاء، بل في بعض فقراتها حرمة امساكه والتقلب فيه، ولم
يفت بهذا أحد فيما نعلم. مضافا الى ان ظاهر الرواية هو حرمة بيع الامور المذكورة
تحريما تكليفيا، ويدل على ذلك من الرواية قوله (عليه السلام): فهو حرام بيعه
وشراؤه، وامساكه وملكه، وهبته وعاريته، والتقلب فيه. فان الامساك والتقلب يشمل جميع
انواع التصرف حتى الخارجي منه، ولا معنى لحرمته وضعا، والفقهاء (قدس سرهم) لم
يلتزموا في أكثر
1 - عن سماعة، قال: سألته عن لحوم السباع وجلودها، فقال (عليه السلام): وأما الجلود
فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه (الكافي 6: 541، الفقيه 1: 169،
التهذيب 2: 205، المحاسن: 629، عنهم الوسائل 4: 353)، موثقة.
[ 23 ]
المذكورات بذلك، وانما ذهبوا الى الحرمة الوضعية، واستفادوا ذلك من النهي في
ابواب المعاملات، نظير النهي عن البيع الغرري، فان معناه الارشاد الى بطلان ذلك
البيع، كما يأتي في محله ان شاء الله. نعم لو توجه النهي بذات المعاملة مع ارادة ما
يظهر منه من المولوية لتوجه الالتزام بالحرمة التكليفية، كالنهي عن بيع الخمر،
وسيأتي. 3 - ان التقسيم المذكور فيها لا يرجع الى امر محصل، وذلك يكشف عن اضطرابها،
فان تربيع أقسام المعاملة المعاشية بجعل كل واحد من الولايات والصناعات قسما مستقلا
من تلك الاقسام في قبال التجارات والاجارات لا يسلم عن التكرار. أما الولاية فهي
على قسمين، لانها اما عامة ثبتت من الله كالنبوة والامامة، أو خاصة ثبتت من قبل
الولات العامة. أما الولاية العامة فهي خارجة عن حدود الرواية، فان التقسيم فيها
باعتبار المعاملة المعاشية، فالولاية العامة خارجة عنها تخصصا، وانما هي من المناصب
الالهية التي جعلت للعصمة الطاهرة. وأما الولاية الخاصة فمن حيث جواز ارتزاق الولاة
من بيت المال تدخل تحت الاجارة المذكورة في الرواية، فلا تكون الولاية في مقابل
الاجارة قسما آخر، فان المراد من الاجارة فيها ليس هي الاجارة المصطلحة بين
الفقهاء، ويدل على ذلك ادخال الجعالة تحتها وعدم ذكرها في الرواية استقلالا. وأما
الصناعات، فان كان المقصود منها الصناعات المصطلحة من البناية والخياطة والنجارة
ونحوها، فمن الواضح انها ليست قسما من المعاملات المشرعة للاعاشة، وانما هي موضوع
من الموضوعات، وان كان النظر فيها الى الطواري والعوارض، من حيث ان من يتصف بها اما
أن
[ 24 ]
يؤجر نفسه للغير لاجل ما عنده من الصناعة، واما أن يجعل ما يحصله منها ثمنا أو
مثمنا في البيع، فعلى الاول تدخل تحت الاجارة وعلى الثاني تحت التجارة، فلا تكون
وجها آخر في قبالهما. الا أن يراد منها نفس الحرفة والصنعة مع تعميم المقسم الى كل
ما يكون وسيلة الى المعاش، فحينئذ يشملها المقسم لكونها من أعظم الوسائل الى
التعيش. وفيه: انه بناء عليه لا يكون التقسيم المذكور في الرواية حاصرا، لخروج كثير
من وسائل الاعاشة عن المقسم، كالحيازات والنتاجات والاصطياد، واحياء الموات واجراء
القنوات والضيافات، وأخذ الخمس والزكاة والصدقات. وقد رد هذا الاشكال (1) بأن الحصر
في الرواية اضافي، ولكن هذا الرد فاسد فانه ناشئ من الاغترار بما اشتهر في السنة
الادباء من حسبان الحصر الاضافي قسما آخر يقابل الحصر الحقيقي، مع ان الحصر لا يكون
الا حقيقيا، بل الالتزام بالحصر في مورد مع الالتزام بكونه اضافيا لاحقيقيا التزام
بالمتناقضين، كما هو واضح للناقد البصير. نعم قد يكون الحصر في حصة خاصة، كما يقال:
زيد اعلم من في النجف، وقد يكون غير مقيد بحصة خاصة، فيسمي الاول اضافيا والثاني
حقيقيا، وهذا غير ما توهم. وتوهم بعضهم (2) ان التقسيم فيها باعتبار المعاملات،
وحينئذ فلا يوجب حصرها في الاربع حصر كل طرق المعاش إليه.
1 - راجع حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 2. 2 - راجع حاشية المحقق
الايرواني على المكاسب: 2.
[ 25 ]
ولكن هذا التوهم مما لا يصغي إليه بعد القطع بأن المعاملات المنقسمة الى
الاقسام المذكورة ليست هي المعاملات المصطلحة كما عرفت. نعم لا يبعد أن يقال: ان
التقسيم في الرواية بحسب المعاملات المعاشية المعروفة، كما يدل على ذلك صدرها (1)،
وقد أسقطه المصنف تبعا لصاحب الوسائل. وقد تحصل من مطاوي بعض ما ذكرنا عدم جواز
الاستناد الى شئ من روايات تحف العقول في شئ من الاحكام الشرعية. ومع ذلك لا ينقضي
تعجبي من الشيخ حسين البحراني (رحمه الله) كيف رضي القول بأنه كتاب لم يسمح الدهر
بمثله (2)، مع ان الكتب المعتمدة للشيعة نصب عينيه. تذييل: لا يخفى عليك ان المناسب
تقسيم معائش العباد الى قسمين: التجارة بالمعنى الاعم والعمل، فان الاعاشة
العقلائية لا تخلو منهما، واما مثل التساؤل ونحوه فليس من الطرق العقلائية للاعاشة.
الاضافات الحاصلة بين المال والمالك: لا يخفى عليك ان الاضافات الموجودة بين المال
ومالكه المسماة بالاضافات المالكية تكون على انحاء، لانها في دار تقررها اما اضافة
ذاتية تكوينية، واما اضافة عرضية، اي متكونة بواسطة الامور الخارجية.
1 - فقال (عليه السلام): قد يكون في هؤلاء الاجناس الاربعة حلال من جهة، حرام من
جهة، وهذه الاجناس مسميات معروفات الجهات، فأول هذه الجهات الاربعة - الخبر. 2 -
الشيخ حسين بن علي بن الصادق البحراني في رسالته في الاخلاق: 6.
[ 26 ]
أما الاولى، فكالاضافات الموجودة بين الاشخاص وأعمالهم وأنفسهم وذممهم، فان
اعمال كل شخص ونفسه وذمته مملوكة له ملكية ذاتية، وله واجدية لها فوق مرتبة
الواجدية الاعتبارية ودون مرتبة الواجدية الحقيقية، التي لمكون الموجودات. ثم انه
ليس المراد من الذاتي هنا الذاتي في باب البرهان، وهو المنتزع من مقام الذات المسمي
بخارج المحمول، ولا الذاتي في باب الكليات الخمس، بل المقصود منه هنا ما لا يحتاج
في تقرره وظهوره في صفحة الوجود الى شئ آخر وراء نفسه من الاعتبارات الملكية، ولا
الى اعدام موجود، ولا الى ايجاد معدوم، ولا الى ضم ضميمة، وانما شأنها شأن الذاتيات
التي لا تحتاج الا الى علة في الوجود. ثم ان معنى الملكية هنا ليس الا القدرة
والسلطنة، بمعنى ان كل أحد مسلط على عمله ونفسه وما في ذمته، بأن يؤجر نفسه للغير
أو يبيع ما في ذمته، ويأتي لذلك زيادة توضيح في اول البيع ان شاء الله. ومن هنا
يندفع ما ربما يتوهم من ان عمل الانسان لا يعد من الاموال، ووجه الاندفاع انه ليس
من الاموال بالاضافة الاعتبارية لا بالاضافة التكوينية. وأما الاضافة العرضية، فهي
اما ان تكون اضافة اولية، واما ان تكون اضافة ثانوية، والاولية اما اصلية
استقلالية، أو تبعية غيرية. فالاولية الاصلية كالاضافة المالية الحاصلة بالعمل أو
بالحيازة أو بهما معا، فالاول كالاعمال التي يعملها الانسان فيحصل منها المال،
والثاني كحيازة المباحات، والثالث كمن يجوز اشجارا فيجعلها سريرا، فان الصورة
السريرية توجب تحقق اضافة مالية اخرى في المادة الخشبية
[ 27 ]
وراء المالية المتقومة بالخشبة، فتلك المالية القائمة في السرير حاصلة من العمل
والحيازة معا. فاطلاق الاولية عليها باعتبار عدم سبق اضافة ذلك المال الى الغير،
والاصلية باعتبار عدم تبعها للغير. وأما الاضافة الاولية التبعية، فهي ما تكون بين
المالك وبين نتاج أمواله، كالنتاج التي تنتج الحيوانات المملوكة، والبيوض التي
تبيضها الطيور المملوكة، والثمار التي تثمرها الاشجار المملوكة، الى غير ذلك، فانها
تضاف الى مالك الاصول اضافة اولية تبعية. أما اطلاق التبعية فلكونها تابعة لما تحصل
منه، وأما اطلاق الاولية فلعدم سبق اضافة إليها. وأما الاضافة الثانوية، فالمراد
بها ما قابل الاضافة الاولية، وان كانت طارئة على الاموال مرارا عديدة، فهي نظير
المعقولات الثانوية في مقابلتها للمعقولات الاولية، وهي على قسمين: لانها تارة تكون
قهرية واخرى اختيارية. أما الاولى فكالاضافة التي تحصل بسبب الارث أو الوقف، بناء
على كونه من الايقاعات كما اخترناه في محله، ووجه كونها قهرية هو حصول المالكية في
هذه الموارد للوارث والموقوف عليه والموصي له بالقهر لا بالفعل الاختياري. وأما
الثانية فكالاضافة الحاصلة من المعاملات، ومنها ما يحصل من المكاسب التي نحن بصدد
بحثها وتأسيس اصولها ومبانيها، بعون الله وحسن توفيقه. وغير خفي على الناقد ان ما
ذكرناه من تلك الاضافات على أقسامها من البديهيات التي لا تحتاج الى المقدمات
النظرية الخفية.
[ 28 ]
قوله (عليه السلام): كذلك المشتري. أقول: هو اسم فاعل مقابل البايع، وليس باسم
مفعول ليكون المراد منه المبيع كما توهم (1). قوله (عليه السلام): فيجعل ذلك الشئ.
أقول: يمكن أن يراد منه الحمل اي يحمل، أو الاخذ اي يأخذ، أو الوصف اي يوصف في مقام
الايجار، وليس بمعناه المعروف ليكون الشئ مفعولا أولا. قوله (عليه السلام): حلالا.
أقول: ليس منصوبا على الحالية، ولا مجرورا لكونه وصفا لقوله (عليه السلام): في عمل
كما تخيل (2)، بل انما هو مرفوع للخبرية، فان اصل النسخة هكذا: فهذه وجوه من وجوه
الاجارات حلال. قوله (عليه السلام): أو سوقة. أقول: في المجمع السوقة - بالضم -
الرعية ومن دون الملك، ومنه الحديث: ما من ملك ولا سوقة يصل الى الحج الا بمشقة
(3). قوله (عليه السلام): أو عمل التصاوير. أقول: في تحف العقول: أو حمل التصاوير.
وعلى هذا فعطف الخنازير والميتة والدم في الرواية على التصاوير لا يحتاج الى عناية.
1 - قائله العلامة الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: 2، والفاضل المامقاني في
حاشيته حيث قال: ان الفرق بين العنوانين بالاعتبار. 2 - قائله العلامة الطباطبائي
في حاشيته على المكاسب: 2. 3 - مجمع البحرين 5: 188.
[ 29 ]
قوله (عليه السلام): اجارة نفسه فيه أو له. أقول: المراد من الاول هو الايجار
لنفس الشئ، بأن يؤجر نفسه لصنع الخمر، كايجار نفسه في هدم المساجد، ومن الثاني
الايجار للمقدمات. وليس المراد من الاول ايجار نفسه في المصنوع كحمل الخمر ومن
الثاني ايجار نفسه لصنعه، ولا ان المراد من الاول المباشرية ومن الثاني التسبيبية،
ولا ان المراد من الاول الايجار للمقدمات ومن الثاني الايجار لنفس المحرم (1). فان
كل ذلك خلاف الظاهر من الرواية. ومن هنا ظهر المقصود من قوله (عليه السلام): أو شئ
منه أو له، غاية الامر ان المراد منهما جزء العمل وجزء المقدمات، والضمائر الاربعة
كلها ترجع الى الامر المنهي عنه. قوله (عليه السلام): وينحيها. أقول: في المجمع:
نحي الشئ أزاله، ونح هذا عني اي أزله وأبعده عني (2). قوله (رحمه الله): وحكاه غير
واحد (3). أقول: ليس في كتاب السيد من رواية تحف العقول عين ولا اثر، ولم تذكر حتى
بمضمونها فيه.
1 - قائله العلامة الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: 4. 2 - مجمع البحرين 1: 410.
3 - كصاحب الحدائق فيه 18: 70.
[ 30 ]
نعم ذكرت فيه (1) معائش الخلق على خمسة أوجه: وجه الامارة، ووجه العمارة، ووجه
الاجارة، ووجه التجارة، ووجه الصدقات، الا أن ذلك غير مربوط بما في تحف العقول سنخا
وحكما.
1 - عن علي بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلا عن تفسير النعماني عن
علي (عليه السلام) انه قال: فأما ما جاء في القرآن من ذكر معائش الخلق وأسبابها فقد
أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه وجه الاشارة (الامارة)، ووجه العمارة، ووجه
الاجارة، ووجه التجارة، ووجه الصدقات. وأما وجه الاشارة، فقوله تعالى: واعلموا انما
غنمتم من شئ فان لله خمسة وللرسول ولذي القربي واليتامي والمساكين (الانفال: 41)،
الى ان قال (عليه السلام): وأما وجه العمارة فقوله: هو الذي انشأكم من الارض
واستعمركم فيها (هود: 61)، فأعلمنا سبحانه قد أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سببا
لمعايشهم بما يخرج من الارض، من الحب والثمرات وما شاكل ذلك مما جعله الله تعالى
معايش للخلق. وأما وجه التجارة فقوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين
الى اجل مسمي فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل - الاية (البقرة: 282)، فعرفهم
سبحانه كيف يشترون المتاع في السفر والحضر وكيف يتجرون إذ كان ذلك من اسباب
المعايش. وأما وجه الاجارة فقوله عزوجل: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا
ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون
(الزخرف: 32)، فأخبر سبحانه ان الاجارة احد معايش الخلق، وجعل ذلك قواما لعايش
الخلق، وهو الرجل يستأجر الرجل في صنعته وأعماله وأحكامه وتصرفاته واملاكه - الى ان
قال (عليه السلام): وأما وجه الصدقات انما هي لاقوام ليس لهم في الامارة نصيب، ولا
في العمارة حظ، ولافي التجارة أمان، ولا في الاجارة معرفة وقدرة، ففرض الله تعالى
في اموال الاغنياء - الخبر (رسالة المحكم والمتشابه: 46 - 48). والظاهر من قوله
(عليه السلام): انما هي لاقوام ليس لهم في الامارة نصيب، ان لفظ الاشارة في مطلع
التقسيم غلط من النساخ، وان الامارة هي النسخة الصحيحة، كما في الوسائل.
[ 31 ]
ولعل هذه الجملة صدرت من المصنف اما من سهو القلم أو من جهة الاعتماد على ما في
الوسائل، فانه قال بعد نقل رواية تحف العقول: ورواه المرتضى في كتاب المحكم
والمتشابه (1). ولا يخفى ان كتاب المحكم والمتشابه هذا هو بعينه تفسير النعماني
المعروف (2). 2 - رواية فقه الرضوي: قوله (رحمه الله): وفي الفقه المنسوب الى
مولانا الرضا (عليه السلام) (3). أقول: تحقيق الكلام هنا يقع في جهتين: الاولى في
صحة نسبة هذا الكتاب الى الرضا (عليه السلام) وعدم صحتها، والثانية في دلالة هذه
الرواية على مقصد المصنف وعدم دلالتها. أما الجهة الاولى، فقد تمسك القائلون
باعتباره بوجوه كثيرة، ولكنها تؤول الى وجهين: 1 - وهو عمدة ما تمسك به المثبتون:
ان ظهوره وان كان في زمن المجلسي الاول ولكن الذي اخبر بالكتاب
1 - الوسائل 17: 86. 2 - محمد بن ابراهيم بن جعفر أبو عبد الله الكاتب النعماني
صاحب كتاب الغيبة المعروف بابن زينب شيخ من اصحابنا عظيم القدر شريف المنزلة صحيح
العقيدة كثير الحديث - كما في كتب التراجم - ومع ذلك كله لا يمكن الاعتماد على ما
اشتمل عليه تفسير النعماني، لان احمد ابن يوسف والحسن بن علي بن أبي حمزة واباه،
الذين من جملة رواته من الضعفاء. 3 - فقه الرضا (عليه السلام): 250.
[ 32 ]
ورواه المجلسي (1) هو الثقة الفاضل والمحدث الكامل القاضي السيد امير حسين طاب
ثراه (2)، فانه اول من اطلع عليه واستنسخه، وقد استنسخه المجلسي من نسخته، وهو ثقة،
فيصدق في قوله، لشمول ادلة الخبر الواحد لخبره هذا. وفيه: ان اخباره هذا اما أن
يكون مستندا الى القرائن التي أوجبت حصول العلم العادي له، من الخطوط الموجودة فيه
للامام (عليه السلام)، والاجازات المدونة فيه للاعلام، على ما نقله المحدث المتبحر
النوري في المستدرك عن المجلسي الاول (3). واما أن يكون مستندا الى اخبار ثقتين
عدلين من أهل قم للسيد المذكور بكون الكتاب للرضا (عليه السلام)، كما في المستدرك
(4) ايضا حيث قال: ان السيد الثقة الفاضل القاضي امير حسين اخبر بأن هذا الكتاب له
(عليه السلام)، وأخبره بذلك ايضا ثقتان عدلان من أهل قم، وهذا خبر صحيح داخل في
عموم ما دل على حجية خبر العدل. أما الطريق الاول فضعفه بين، لان حصول العلم للسيد
الامجد والسند الاوحد من تلك القرائن على صحة النسبة لديه لا يوجب حصول العلم لنا
باعتباره، وعلمه بذلك لا يفيد غيره بوجه. ومن الغرائب أن يتمسك لحجية خبره هذا
بعموم أدلة اخبار الاحاد،
1 - البحار 1: 11. 2 - وهو غير السيد حسين ابن بنت المحقق الكركي، كما اشار إليه في
المستدرك 19: 298 ناقلا عن الرياض 2: 30 الذي استاذ هذه الصناعة، وما ذهب إليه صاحب
الفصول والعلامة الطباطبائي في فوائده من اتحادهما خطأ فاحش. 3 - المستدرك 19: 231.
4 - المستدرك 19: 239.
[ 33 ]
فان هذه العمومات لا تشمل الاخبار الحدسية ولو كان المخبر بها من الثقات. وأغرب
منه أن يقال: ان المتيقن من الاخبار الحدسية الخارجة عن هذه العمومات هي ما لا
تعتمد على مبادي محسوسة يلزم من العلم بها العلم بمضمون الخبر، وأما لو اعتمد على
مبادي محسوسة يلزم من العلم بها العلم بصدق الخبر، كما في الشجاعة والسخاوة
والعدالة، بناء على تفسيرها بمعنى الملكة، فلا يظن بأحد ان يتوقف في عموم ادلة خبر
العدل لها، واخبار السيد باعتبار الفقه الرضوي من قبيل الثاني لا الاول. ووجه
الغرابة في هذا القول ان الاخبار بالامور الحدسية بواسطة أسبابها الحسية انما يكون
مشمولا لادلة الحجية إذا كان بين الاسباب ومسبباتها ملازمة عادية، بحيث يلزم من
العلم بها العلم بالمسببات كما في الامثلة المذكورة، وأما إذا انتفت الملازمة
العادية فأدلة حجية الخبر لا تشمله كما حقق ذلك في علم الاصول. وهذا الشرط مفقود في
موضوع البحث فان الامور التي استند إليها السيد في اخباره قابلة للمنع، فانه كيف
يعلم احد ان الخطوط في النسخة للامام (عليه السلام) وان الاجازات للاعلام الا من
طريق الحدس الشخصي، اذن فان الامور المذكورة حدسية لا حسية، وايضا فلا ملازمة بينها
وبين العلم بالنتيجة. فان قلت: كيف يصح انكار ما يدل على صدق نسبة الكتاب للامام
(عليه السلام)، مع ان فيه عبارات تنطق بكونه له (عليه السلام)، مثلما قال في اول
الكتاب: يقول عبد الله علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) (1)، وفي بعض كلماته: نحن
1 - فقه الرضا (عليه السلام): 402.
[ 34 ]
معاشر أهل البيت (1)، وأمرني أبي (عليهما السلام) (2)، وجدنا امير المؤمنين
(عليه السلام) (3)، وأروي عن أبي العالم (عليه السلام) (4). الى غير ذلك من العبائر
التي لا ينبغي صدورها الا عن الحجج (عليهم السلام)، وقد ذكر المحدث النوري جملة
منها في المستدرك (5)، هذا مضافا الى القرائن التي اعتمد عليها السيد المذكور. قلت:
أولا: ان احتمال الكذب لا دافع له مع الجهل بمؤلفه، وانفتاح باب الجعل والفرية من
المشمرين عن ساق الجد للكذب على العترة الطاهرة، أفنسيت الاخبار المجعولة في امر
الولاية كيف قامت، وان لكل واحد من الائمة (عليهم السلام) من يدس عليه من الكذابين.
ومن هذا ظهر فساد توهم الصدق في نسبة الكتاب من جهة موافقة تاريخه لزمان الرضا
(عليه السلام). وثانيا: لنفرض ان الكتاب ليس من مجعولات الوضاعين، فهل يصح ان نتمسك
بقوله: نحن معاشر أهل البيت، أو جدنا امير المؤمنين لتصحيح كون الكتاب للامام (عليه
السلام)، أليس احتمال كون مؤلفه رجلا علويا بمكان من الامكان. وأما الطريق الثاني:
أعني استناد اخبار السيد بصدق الكتاب الى اخبار ثقتين بذلك من أهل قم، ففيه: أولا:
انه محض اشتباه من المحدث المتبحر النوري، فانه مع نقله
1 - فقه الرضا (عليه السلام): 402. 2 - فقه الرضا (عليه السلام): 258. 3 - فقه
الرضا (عليه السلام): 83. 4 - فقه الرضا (عليه السلام): 197. 5 - مستدرك الوسائل
19: 255 - 257.
[ 35 ]
كلام المجلسي الاول بطوله، الذي هو الاصل في السماع عن السيد، غفل عنه وسلك
مسلكا آخر، فقد قال المجلسي الاول - كما في المستدرك -: ثم حكى - اي السيد - عن
شيخين فاضلين صالحين ثقتين انهما قالا: ان هذه النسخة قد أتي بها من قم الى مكة
المشرفة، وعليها خطوط العلماء واجازاتهم وخط الامام (عليه السلام) في عدة مواضع،
قال: والقاضي امير حسين قد أخذ من تلك النسخة وأتى بها الى بلدنا، واني استنسخت
نسخة من كتابه (1). وهذا الكلام كما تري يعلن بمخالفته لما أفاده النوري. وثانيا:
فننقل الكلام الى اخبار هذين العدلين، فان غاية ما يحصل لنا من اخبارهما كون الفقه
الرضوي من جملة الاخبار المرسلة، فيتوجه عليه ما قدمناه في رواية تحف العقول. ومما
يوهن حجية خبر امير حسين بصدق الكتاب مع كونه ثقة، قول المجلسي الاول بعد كلامه
المتقدم: والعمدة في الاعتماد على هذا الكتاب مطابقة فتاوى علي بن بابويه في رسالته
وفتاوى ولده الصدوق لما فيه من دون تغيير أو تغيير يسير في بعض المواضع، ومن هذا
الكتاب تبين عذر قدماء الاصحاب فيما افتوا به (2). ووجه الوهن انه لو كان اخبار
السيد بذلك جامعا لشرائط الحجية في الخبر الواحد فلا وجه لقول المجلسي الاول: ان
العمدة في اثباته هي مطابقته لفتوى الصدوقين. وبالجملة لم يتحصل لنا من الوجه
المذكور ما يوجب اعتبار الكتاب.
1 - مستدرك الوسائل 19: 231. 2 - مستدرك الوسائل 19: 231.
[ 36 ]
2 - موافقته لرسالة علي بن بابويه الى ولده الصدوق، وهي الكتاب المعروف بشرايع
الصدوق، وقد استند الى هذا الوجه بعض الاصحاب، وعرفت ان المجلسي الاول من هؤلاء،
فقد جعل العمدة في تصحيح الكتاب موافقته لفتوى الصدوقين، فلا بد من أن يكون الكتاب
موجودا في زمان الصدوق ومعتمدا عليه عنده ولذا نقل عنه وان لم يسم به. وفيه: ان هذا
لا يوجب اعتبار الكتاب، لاحتمال أخذ مؤلفه ذلك من الرسالة المذكورة، بل هذا هو
الظاهر، إذ من المستبعد جدا بل من المستحيل عادة أن يسند علي بن بابويه كتاب الرضا
(عليه السلام) الى نفسه من دون أن يشير هو أو ابنه الصدوق، الذي كتب لاجله هذه
الرسالة، الى ان هذا الكتاب من تأليف الرضا (عليه السلام). وهل يرضى أحد أن ينسب
مثل هذه السرقة الى الصدوقين، فلا بد وأن يكون الامر بالعكس، بأن يكون هذا الكتاب
مأخوذا من رسالة علي ابن بابويه. وربما قيل: ان فقه الرضا (عليه السلام) هذا هو
الذي كتبه الرضا (عليه السلام) لاحمد ابن السكين الذي كان مقربا عنده، وهو بخطه
(عليه السلام) موجود في الطائف بمكة المعظمة في جملة كتب السيد علي خان، وعليه
اجازات العلماء وخطوطهم، وهذه النسخة بالخط الكوفي وتاريخها عام مائتين من الهجرة.
وبعد ان نقل المحدث النوري هذا الوجه عن الرياض قال ما حاصله: ومن هنا يتضح ان من
عدم الاطلاع ومن قلة الخبرة أن يقال: ظهور الكتاب انما كان في زمن امير حسين أما
قبل ذلك الزمان فلم يكن منه عين ولا اثر (1).
1 - رياض العلماء 3: 363، عنه المستدرك 19: 241.
[ 37 ]
أقول: نحن لا ندعي انه لم يكن للرضا (عليه السلام) كتاب وآثار حتى ينقض علينا
بما كتبه لاحمد بن سكين، بل نقول: انه لا مدرك لنا لاثبات ان هذا الكتاب الذي عندنا
كان له (عليه السلام)، وانه هو الذي كان موجودا في مكتبة السيد علي خان، خصوصا مع
ملاحظة ان ظهوره كان من قم كما عرفت، ومن هنا يعلم ان نقد النوري للقول بظهوره في
زمن امير حسين ناشئ من عدم التأمل. ثم انه مع الغض عن جميع ما ذكرناه، فان في
الكتاب قرائن قطعية تدل على عدم كونه لمثل مولانا الرضا (عليه السلام)، بل هو رسالة
عملية ذكرت فيها الفتاوي والروايات بعنوان الافتاء، كما يظهر لمن يلاحظه، كيف وأكثر
رواياته اما بعنوان روي وراوي ونحوهما، واما نقل عن الروات، خصوصا في آخر الكتاب،
فانه ينقل فيه كثيرا عن ابن أبي عمير وزرارة والحلبي وصفوان ومحمد بن مسلم ومنصور
وغيرهم (1). على أن فيه عبارات يقبح صدورها عن الامام (عليه السلام)، نظير قوله:
جعلني الله من السوء فداك، وقوله في باب القدر: صف لي منزلتين، فان هذا القول ظاهر
في جهل القائل، وهو مستحيل في حق الامام (عليه السلام)، الى غير ذلك، وقد نقل جملة
منها في المستدرك (2). مع أنه ذكر فيه من الاحكام المتناقضة وما يخالف مذهب الشيعة
بكثير (3)، وحملها على التقية بديهي الفساد، لما ورد في هذا الكتاب ايضا
1 - راجع المستدرك 19: 294. 2 - راجع المستدرك 19: 293. 3 - قال في باب اللباس وما
لا يجوز فيه الصلاة: يجوز الصلاة في سنجاب وسنور وفنك (فقه الرضا (عليه السلام):
17). وفي باب اللباس وما يكره فيه الصلاة قال: جلد الميتة دباغته طهارته وقد يجوز
الصلاة فيما لم تنبته الارض ولم يحل اكله مثل السنجاب والفنك والسنور (فقه الرضا
(عليه السلام): 42). وفي باب المواقيت قال: وان غسلت قدميك ونسيت المسح عليهما فان
ذلك يجزيك لانك قد اتيت باكثر ما عليك وقد ذكر الله الجميع في القرآن (فقه الرضا
(عليه السلام): 4).
[ 38 ]
مما يخالفها بل تكذيبهم والازراء عليهم، كما في المتعة (1). والالتزام بالتفصيل
بأن بعض الكتاب املاء منه (عليه السلام) وبعضه الاخر لاحمد بن محمد بن عيسى
الاشعري، وان موارد التقية في الكتاب انما هي فيما سمع منه (عليه السلام)، تكلف في
تكلف وقول بلا علم. هذا كله ما يرجع الى نفس الكتاب وقد أجاد صاحب الفصول في بعض ما
أفاده هنا، فليراجع (2). اذن فحق القول انه لو انيطت الاحكام الشرعية بمثل هذه
المدارك، فبين أيدينا البخاري ومسند احمد وصحيح مسلم، وعلى هذا فعلي الفقه السلام.
وأما توهم انجبار رواياته بالشهرة إذا قامت على وفقها، فقد عرفت ما فيه في رواية
تحف العقول.
1 - قال في باب المتعة: محمد بن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة قال: جاء عبد
الله ابن عمير الى أبي جعفر (عليه السلام) فقال: ما تقول في متعة النساء، فقال:
أحلها الله في كتابه وعلى لسان نبيه، فهي حلال الى يوم القيامة فقال: يا ابا جعفر
مثلك يقول هذا وقد حرمها امير المؤمنين عمر، فقال: وان كان فعل، فقال: اني اعيدك ان
تحل شيئا قد حرمه عمر، فقال: فانت على قول صاحبك وانا على قول رسول الله (صلى الله
عليه وآله) فهلم الاعنك ان القول ما قال رسول الله، فان الباطل ما قال صاحبك، قال:
فأقبل عليه عبد الله بن عمير فقال: يسرك ان نساءك وبناتك واخوانك وبنات عمك يفعلن،
فأعرض عنه أبو جعفر (عليه السلام) وعن مقالته حين ذكر نسائه وبنات عمه (فقه الرضا
(عليه السلام)). 2 - الفصول الغروية: 312.
[ 39 ]
وربما يتخيل اعتبار الكتاب لاجل عمل جملة من الاكابر عليه كالمجلسيين وغيرهما،
ولكنه فاسد، لانهم قد استندوا في عملهم هذا بما ذكر من الوجوه التي عرفت جوابها بما
لا مزيد عليه. وأما الجهة الثانية: فمع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه والالتزام
باعتبار الكتاب لا يمكن الاستناد بهذه الرواية التي نقلها العلامة الانصاري (رحمه
الله) في شئ من المباحث (1)، وذلك لوجوه: 1 - عدم وجدان فتوى من فتاوى أعاظم
الاصحاب على طبقها، فان الرواية صريحة بحرمة استعمال ما نهي عنه مما فيه الفساد
بجميع الاستعمالات حتى الامساك، مع أنه لم يفت به احد فيما نعلم، وكيف يتفوه فقيه
أو متفقه بحرمة امساك الدم والميتة ولحوم السباع، كما ان ذلك مقتضي الرواية، اذن
فلا يمكن الفتوى على طبقها. 2 - ان مقتضى قوله: فحرام ضار للجسم وفساد للنفس، ان
الضابطة في تحريم هذه الامور المذكورة في الرواية هو اضرارها للجسم، كما ان المناط
في جوازها عدم اضرارها له، مع ان جلها ليس بضار للجسم كالملابس والمناكح وأكثر
المشارب والمآكل ان لم يكن كلها كذلك، وعلى فرض تسليم ذلك فلا نسلم انضباط القاعدة.
1 - اعلم يرحمك الله ان كل مأمور به مما هو من على العباد وقوام لهم في امورهم، من
وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره، مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون
ويستعملون، فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وهبته وعاريته، وكل امر يكون فيه الفساد مما
قد نهي عنه من جهة أكله وشربه ولبسه ونكاحه وامساكه لوجه الفساد، مثل الميتة والدم
ولحم الخنزير والربا وجميع الفواحش ولحوم السباع والخمر وما أشبه ذلك، فحرام ضار
للجسم وفساد للنفس (فقه الرضا (عليه السلام)، باب التجارة: 34 و 41، عنه البحار
103: 52، المستدرك 13: 65).
[ 40 ]
فانه لا شبهة أن كثيرا من هذه الاستعمالات للاشياء المحرمة لا تكون مضرة قطعا،
كوضع اليد عليها مثلا، أو الاكل منها قليلا، أو شد اليد بجلد الميتة وشعر الخنزير،
وانما المضر هي مرتبة خاصة من الاستعمال بحسب الاشخاص والازمان والامكنة والكمية،
فلو كان ذلك موجبا لحرمة جميع الاستعمالات بجميع مراتبها، فتكون نظير قول النبي
(صلى الله عليه وآله): فما اسكر كثيره فقليله حرام (1)، للزم من ذلك القول بحرمة
جميع ما خلق الله في الارض من المباحات، فان كل واحد من هذه المباحات لابد وأن يكون
مضرا في الجملة، ولو باستعمال الشئ الكثير منه. على ان الاحكام الشرعية بناء على
مسلك العدلية تدور مدار ملاكاتها الواقعية من المصالح والمفاسد، وأما المنافع
والمضار فهي خارجة عن حدودها، نعم ربما يكون الضرر أو النفع موضوعا للاحكام الا أن
ذلك غير مربوط بباب ملاكات الاحكام. 3 - ان ظاهر الرواية هو حرمة بيع الامور
المذكورة تحريما تكليفيا، كما تقدم نظير ذلك في رواية تحف العقول، وكلامنا في
الحرمة الوضعية. 3 - رواية دعائم الاسلام: قوله: وعن دعائم الاسلام. أقول: أقصى ما
قيل أو يمكن أن يقال في وجه اعتبار هذا الكتاب، ان صاحبه أبا حنيفة النعمان حيث كان
رجلا اماميا اثنى عشريا جليلا فاضلا فقيها، ومن جملة النوابغ في عصره، بل كان فريدا
في دهره، كما
1 - الكافي 6: 408، تهذيب الاحكام 9: 111، عنهما الوسائل 25:. 337.
[ 41 ]
يظهر من كتابه، كانت رواياته مشمولة لادلة حجية خبر العدل الامامي. والذي ينبغي
أن يقال: انه لا شبهة في علو مكانة أبي حنيفة النعمان، صاحب كتاب دعائم الاسلام
وغيره من الكتب الكثيرة، ونبوغه في العلم والفضل والفقه والحديث، على ما نطقت به
التواريخ وكتب الرجال وكتابه هذا، كما لا شبهة في كونه اماميا في الجملة، فانه كان
مالكي الاصل فتبصر وصار شيعيا اماميا. كما اتفقت عليه كلمات أكثر المترجمين الذين
تعرضوا لترجمته وتاريخه، كالبحار (1) وتنقيح المقال للمامقاني (2) وسفينة البحار
(3) والمستدرك (4)، وتأسيس الشيعة للسيد حسن الصدر (5) وغيرها (6)، وقد
1 - قد كان اكثر أهل عصرنا يتوهمون انه تأليف الصدوق، وقد ظهر لنا انه تأليف ابي
حنيفة النعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر في ايام الدولة الاسماعيلية (البحار 1:
38). 2 - تنقيح المقال 3: 273. 3 - مادة حنف: أبو حنيفة الشيعة هو القاضى نعمان بن
محمد بن منصور، قاضى مصر، كان مالكيا اولا ثم اهتدى وصار اماميا وصنف على طريق
الشيعة كتبا، منها كتاب دعائم الاسلام. وفي كتاب دائرة المعارف: أبو حنيفة المغربي
هو النعمان بن ابى عبد الله محمد بن منصور ابن احمد بن حيوان احد الائمة الفضلاء
المشار إليهم، ذكره الامام المسيحي في تاريخه فقال: كان من اهل العلم والفقه والدين
والنبل على ما لا مزيد عليه، وله عدة مصنفات، منها كتاب اختلاف اصول المذهب وغيره،
وكان مالكى المذهب ثم انتقل الى مذهب الامامية. 4 - المستدرك 19: 129. 5 - تأسيس
الشيعة: 303. 6 - في وفيات الاعيان: وقال ابن زولاق: كان النعمان في غاية الفضل من
أهل القرآن والعلم بمعانية، عالما بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء، واللغة والشعر
والمعرفة بأيام الناس مع عقل وانصاف، وألف لاهل البيت من الكتب آلاف اوراق بأحسن
تأليف وأفصح سجع وعمل في المناقب والمثالب كتابا حسنا، وله رد على المخالفين له رد
على أبي حنيفة ومالك والشافعي وعلي بن سريج، وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لاهل
البيت (عليهم السلام). له القصيدة الفقهية لقبها بالمنتخبة، وكان ملازما صحبة المعز
العلوي، توفي سنة 363، وكان اولاده من الافاضل منهم: أبو الحسن علي بن النعمان وابو
عبد الله محمد بن النعمان. راجع رجال السيد بحر العلوم 4: 5 - 14، مقابس الانوار:
65، امل الامل 2: 335، مجالس المؤمنين 1: 538، وايضا وفيات الاعيان 5: 415، كشف
الظنون للحاج الخليفة 2: 755، لسان الميزان 6: 167، مرآة الجنان لليافعي 2: 379.
[ 42 ]
نقلوا عن ائمة التاريخ والرجال كونه اماميا. وعلى هذا فلا يصغى الى قول ابن شهر
آشوب في المعالم انه لم يكن اماميا - على ما في تنقيح المقال (1). الا أن الذي
يقتضيه الانصاف انا لم نجد بعد الفحص والبحث من يصرح بكونه ثقة ولا اثني عشريا، وان
كان المحدث النوري قد أتعب نفسه في اثباتهما وبالغ في اعتبار الكتاب، ومع هذا الجهد
والمبالغة لم يأتي بشئ تركن إليه النفس ويطمئن به القلب. ولعل كلام السيد في
الروضات ينظر الى ما ذكرناه، حيث قال: ولكن الظاهر عندي انه لم يكن من الامامية
الحقة (2)، وحينئذ فكيف يمكن اثبات حجية رواياته بادلة حجية خبر العدل. وعلى تقدير
تسليم وثاقته وكونه اماميا اثني عشريا، فلا يخرج بذلك ما احتواه كتابه عن سلك
الاخبار المرسلة، فتسقط حجيته للارسال. وأما توهم انجباره بالشهرة أو بموافقة أكثر
رواياته لروايات الكتب المعتبرة، فقد تقدم جوابهما في ذيل رواية تحف العقول. فان
قلت: إذا سلمنا وثاقة أبي حنيفة النعمان، فلا مناص عن الالتزام
1 - قال في معالم العلماء: ابن فياض القاضي النعمان بن محمد، ليس بامامي وكتبه حسان
- معالم العلماء: 137. 2 - روضات الجنات 8: 71.
[ 43 ]
بحجية كتابه، لانه قال في أوله: نقتصر فيه على الثابت الصحيح مما رويناه عن
الائمة من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيكون كلامه هذا توثيقا اجماليا
لما اسقطه من الروات. قلت: نعم، ولكن ثبوت الصحة عنده لا يوجب ثبوتها عندنا،
لاحتمال اكتفائه في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به نحن. والحق فيه ما ذكره المجلسي
في البحار: ان رواياته انما تصلح للتأكيد والتأييد فقط (1). ازاحة شبهة: وقد التجأ
المحدث النوري (2) في تنزيه أبي حنيفة النعمان عن اتهامه بمذهب الاسماعيلية واثبات
كونه ثقة اثني عشريا الى بيان نبذة من عقائد الاسماعيلية الفاسدة، كقولهم بأن محمد
بن اسماعيل حى لم يمت ويبعث برسالة وشرع جديد ينسخ به شريعة محمد، وانه من اولي
العزم، واولوا العزم عندهم سبع، لان السماوات سبع والارضين سبع وبدن الانسان سبع
والائمة سبع، وقلبهم محمد بن اسماعيل، الى غير ذلك من الخرافات التي تنزه عنها
النعمان وكتابه. ثم انه صرح في كتابه بكفر الباطنية وأثبت امامة الائمة الطاهرة
وكونهم مفترضي الطاعة، ولم يصرح باسماعيل ولا بابنه محمد، ومع ذلك كله فكيف يرضى
المنصف بعده من الاسماعيلية - انتهى ملخص كلامه. وفيه: ان تنزه النعمان من تلك
الاقاويل الكاذبة والعقائد الفاسدة
1 - البحار 1: 38. 2 - راجع المستدرك 19: 133 - 135.
[ 44 ]
وتصريحه بكفر الباطنية لا يستلزم عدم كونه من الاسماعيلية، لان الباطنية قسم
منهم، وليس كل اسماعيلي من الباطنية، وان عدم ذكره اسماعيل وابنه في عداد الائمة لا
يكشف عن عدم عقيدته بامامتهما، مع ان عقائد الاسماعيليين لم تصل الينا بحقيقتها حتى
نلاحظها مع ما ذكره النعمان ليتضح لنا انه منهم أو ليس منهم. ولقد صادفت زعيما من
زعمائهم في الحضرة الشريفة فسألته عن ولي الامر والحجة المنتظر (عليه السلام)، هل
هو حي أو ميت، فقال: هو لا حي ولاميت بل يولد من امرأة قرشية لا تحيض، فيعلم من ذلك
انهم لا يرون ما تذهب إليه الباطنية في محمد بن اسماعيل. كشف حقيقة: لا ينقضي تعجبي
من المحدث المتبحر النوري حيث قال في المستدرك ما ملخصه: ان الكتاب المذكور لم
يخالف في فرع غالبا الا ومعه موافق معروف من الشيعة الا في انكار المتعة فليس له
موافق عليه، ثم حمل انكاره هذا على التقية. وجعل القرينة على ذلك ما ذكره في باب
الطلاق من عدم وقوع التحليل بالمتعة للمطلقة ثلاثا، وما ذكره في باب الحد في الزنا
من ان الاحصان لا يتحقق بالمتعة، فان المتعة لو لم تكن جائزة عنده لكان ذكره في
البابين بلا وجه وتكون من قبيل ذكر الزنا فيهما، ولا معنى لان يقول احد ان الزنا لا
يتحقق به التحليل والاحصان (1). ووجه العجب اولا: ان الكتاب يشتمل على فروع كثيرة
تخالف
1 - المستدرك 19: 145.
[ 45 ]
مذهب الشيعة الاثني عشرية ولم يوافقه عليها أحد من علماء الشيعة، وقد ذكرنا في
الحاشية انموذجا من هذه المخالفات لتكون حجة على منكرها (1).
1 - منها ما ذكره في المتعة وانها ليست بمشروعة. منها ما ذكره في ضمن ما يسجد عليه
المصلي قال: وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) انه رخص في الصلاة على ثياب الصوف،
وكلما يجوز لباسه والصلاة فيه يجوز السجود عليه، فإذا جاز لباس الثوب الصوف والصلاة
فيه فلذلك مما يسجد عليه. ومنها: ما قال في الوضوء، انه من بدأ بالمياسير من اعضاء
الوضوء جهلا أو نسيانا وصلي لم تفسد صلاته. ومنها: ما في نواقض الوضوء، عن جعفر بن
محمد (عليهما السلام) ان الذي ينقض الوضوء - الى ان قال: - المذي، وقال بعد اسطر:
ورأوا ان كلما خرج من مخرج الغائط ومن مخرج البول عما قدمنا ذكره، أو من دود أو
حبات أو حب القرع، ذلك كله حدث يجب منه الوضوء وينقض الوضوء. ومنها: ما قال في
المسح، من بدأ بما أخره الله من الاعضاء نسيانا أو جهلا وصلي لم تفسد صلاته. ومنها:
ما قال في صفات الوضوء، ثم أمروا بمسح الرأس مقبلا ومدبرا، يبدأ من وسط رأسه فيمر
يديه جميعا على ما أقبل من الشعر الى منطقة من الجبهة، ثم يمار يديه من وسط الرأس
الى آخر الشعر من القفا ويمسح مع ذلك الاذنين ظاهرهما وباطنهما. ومنها: ما قال في
هذا الباب، ومن غسل رجليه تنظفا ومبالغة في الوضوء ولابتغاء الفضل وخلل أصابعه فقد
أحسن. ومنها: ما قال في الوضوء التجديدي، ما غسل من اعضاء الوضوء أو ترك لا شئ
عليه، و قد روينا عن علي بن الحسين (عليهما السلام) انه سئل عن المسح على الخفين
فسكت حتى مر بموضع فيه ماء والسائل معه، فنزل وتوضأ ومسح على الخفين وعلى عمامته،
وقال: هذا وضوء من لم يحدث. الى غير ذلك مما يخالف مذهب الشيعة، وليس المقام مناسبا
لذكره أجمع، ومن أراد الاطلاع عليه فليراجع الى دعائم الاسلام، المستدرك 19: 139 -
155.
[ 46 ]
وثانيا: ان نقل روايتين في الكتاب يظهر منها جواز المتعة لا يدل على التزامه
بالجواز، ونسبة ذلك إليه محتاجة الى علم الغيب بانه كان حين ما نقلهما ملتفتا الى
ما يستفاد منهما من مشروعية المتعة، فان من المحتمل القريب أن يكون نظره في
الروايتين مقصورا على نفي التحليل والاحصان بالمتعة كنفيهما بالشبهة، مع عدم
التفاته الى جهة اخرى، لانه ليس بمعصوم لا يمكن في حقه مثل هذا الاحتمال. أما ان
المتعة بناء على عدم جوازها كالزنا فيكون ذكرها في البابين من قبيل ذكر الزنا ولا
معنى له، فيدفعه ان ذكر المتعة يكون من قبيل ذكر الشبهة في البابين ولا خفاء فيه
ولا معنى للتهويل به. تذييل: لا يخفى عليك انا لو قطعنا النظر عن جميع ما ذكرناه في
عدم اعتبار الكتاب، فالرواية التي ذكرها المصنف هنا (1) لا يمكن الاستناد إليها
بالخصوص، لان قوله فيها: وما كان محرما اصله منهى عنه لم يجز بيعه، يقتضي حرمة بيع
الاشياء التي تعلق بها التحريم من جهة ما، مع أنه ليس بحرام قطعا. على ان الظاهر
منه هي الحرمة التكليفية مع انها منتفية جزما في كثير من الموارد التي نهي عن بيعها
وشرائها، وانما المراد من الحرمة في تلك الموارد هي الحرمة الوضعية ليس الا، فلا
تكون الرواية معمولة بها.
1 - عن دعائم الاسلام عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: الحلال من البيوع
كلما هو حلال من المأكول والمشروب وغير ذلك مما هو قوام للناس وصلاح، ومباح لهم
الانتفاع به، وما كان محرما اصله منهي عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه (دعائم الاسلام 2:
18، الرقم: 23، عنه المستدرك 13: 65).
[ 47 ]
4 - رواية النبوي: قوله: وفي النبوي المشهور. أقول: توضيح الكلام في صحة الحديث
وسقمه يقع في مقامين: الاول في سنده، والثاني في دلالته. أما الاول، فالكلام فيه من
جهتين: الاولى في حجيته عند العامة، والثانية في حجيته عند الخاصة. أما الكلام في
الجهة الاولى: فان هذا النبوي لم يذكر في اصول حديثهم الا في قضية الشحوم المحرمة
على اليهود التي نقلت بطرق متعددة كلها عن ابن عباس، الا في روايتين: احداهما عن
جابر، والثانية عن عمر، وقد ذكر في ذيل بعض الروايات (1) التي عن ابن عباس قوله
(صلى الله عليه وآله): ان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم ثمنه، مع اضافة
لفظ: اكل، وعلى هذا فيكون غير النبوي المشهور. نعم ورد في مسند احمد باسناده عن ابن
عباس في بعض روايات تلك القضية: ان الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه،
باسقاط لفظ:
1 - عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا عند الركن، فرفع
بصره الى السماء فضحك وقال: لعن الله اليهود - ثلاثا - اان الله حرم عليهم الشحوم
فباعوها وأكلوا أثمانها، ان الله إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه. راجع
عوالي اللئالي 1: 181، الرقم: 240، دعائم الاسلام 1: 122، عنهما مستدرك الوسائل 13:
73، وايضا السنن الكبرى لابي بكر احمد بن الحسين بن علي الشافعي البيهقي 6: 13،
ومسند احمد 1: 247 و 293، وسنن أبي داود سليمان بن الاشعث السجستاني، باب في ثمن
الخمر والميتة 2: 103، السنن لدارالقطني 3: 7، الرقم: 20.
[ 48 ]
أكل (1)، الا أن اصول حديثهم كلها مطبقة على ذكره حتى ابن حنبل نفسه نقل ذلك في
موضع آخر من كتابه عن ابن عباس كما اشرنا الى مصدره في الحاشية. نعم قد أورده
الفقهاء من العامة (2) والخاصة (3) في كتبهم الاستدلالية كثيرا مع اسقاط كلمة: أكل،
تأييدا لمرامهم. وحاصل ما ذكرناه ان اتحاد القضية في جميع رواياتها واطباق اصول
حديثهم على ذكر لفظ الاكل، واتصال السند فيما يشتمل عليه وفيما لا يشتمل عليه الى
ابن عباس، وموافقة احمد على ذكر لفظ: اكل في مورد آخر، كلها شواهد صدق على اشتباه
احمد، وان النبوي مشتمل على كلمة اكل.
1 - عن ابن عباس: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لعن الله اليهود، حرم عليهم
الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها، وان الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه،
(مسند احمد 1: 322). 2 - راجع حياة الحيوان للدميري 1: 321 مادة الحمام ذيل الحكم
قال: وأما بيع ذرق الحمام وسرجين البهائم المأكولة وغيرها فباطل وثمنه حرام هذا
مذهبنا - الى ان قال: - واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس: ان الله إذا حرم على قوم
شيئا حرم عليهم ثمنه، وهو حديث صحيح رواه أبو داود باسناد صحيح، وهو عام الا ما خرج
بدليل كالحمار. أقول: المذكور سنن أبي داود السجستاني 2: 103 مشتمل على كلمة: اكل،
فلاحظ. وفي شرح فتح القدير 5: 187 استدل به على حرمة بيع الخمر، وغيرهما من كتبهم
الاستدلالية. 3 - ذكره في البحار 55: 103، ونسبه الى خط الشيخ محمد بن علي الجبعي،
وفي الخلاف للشيخ الطوسي استدل به على حرمة بيع السرجين النجس، وفي باب الاطعمة
استدل به على حرمة بيع الدهن المتنجس، وفي المستند للنراقي (1: 331) استدل به على
حرمة بيع الخمر، وفي الغنية اول البيع، وغيرها من الكتب من غير اصول الحديث، ثم ان
هذه الروايات كلها ضعيفة السند أما ما في كتب العامة فواضح، وأما ما في كتب الخاصة
فللارسال.
[ 49 ]
وأما الجهة الثانية: فالنبوي وان اشتهرت روايته في السنة اصحابنا في كتبهم
قديما وحديثا، متضمنة لكلمة: اكل تارة وبدونها اخرى، الا أن كلهم مشتركون في نقله
مرسلا، والعذر فيه انهم أخذوه من كتب العامة لعدم وجوده في اصولهم، وحيث أثبتنا في
الجهة الاولى أن الصحيح عندهم هو ما اشتمل على كلمة: اكل، كان اللازم علينا ملاحظة
ما ثبت عندهم. واذن فلم يبق لنا وثوق بكون النبوي المشهور رواية فكيف بانجبار ضعفه
بعمل المشهور. وأما المقام الثاني، فبعد ما عرفت ان الثابت عند العامة والخاصة
اشتمال الرواية على كلمة: اكل، كان عمومه متروكا عند الفريقين، فان كثيرا من الامور
يحرم اكله ولا يحرم بيعه. ومن هنا قال في جوهر النقي حاشية البيهقي في ذيل الحديث
المشتمل على كلمة اكل: قلت: عموم هذا الحديث متروك اتفاقا بجواز بيع الادمي والحمار
والسنور ونحوها. تبيين: لو فرضنا ثبوت النبوي على النحو المعروف لم يجز العمل به
ايضا للارسال وعدم انجباره بالشهرة وغيرها، وذلك لان تحريم الشئ الذي يستلزم تحريم
ثمنه، اما أن يراد به تحريم جميع منافع ذلك الشئ، واما تحريم منافعه الظاهرة، واما
تحريم منافعه النادرة ولو من بعض الجهات. فعلي الاحتمالين الاولين فالمعنى وان كان
وجيها وموافقا لمذهب الشيعة، لقولهم بأن ما يحرم جميع منافعه أو منافعه الظاهرة
يحرم بيعه، الا أن اثبات اعتمادهم في فتياهم بذلك على النبوي مشكل.
[ 50 ]
وذلك للوثوق بأن مستندهم في تلك الفتيا ليس هو النبوي، بل هو ما سيأتي في البيع
من اعتبار المالية في العوضين، لان مالية الاشياء انما هي باعتبار المنافع الموجودة
فيها الموجبة لرغبة العقلاء وتنافسهم فيها، فما يكون عديما لجميع المنافع أو
للمنافع الظاهرة لا تكون له مالية. واذن فليس هنا شهرة فتوائية مستندة الى النبوي
لتوجب انجباره، لانه بناء على انجبار ضعف الخبر بعمل الاصحاب انما يكون فيما انحصر
الدليل لفتياهم بذلك الخبر الضعيف، ولم يكن في البين ما يصلح لاستنادهم إليه. وأما
على الثالث، فالحرمة لا توجب فساد البيع عند المشهور ليحتمل انجبار النبوي بفتياهم.
فتحصل انه لا يكون شئ من الروايات العامة التي ذكرها المصنف دليلا في المسائل
الاتية، بل لا بد في كل مسألة من ملاحظة مداركها، فان كان فيها ما يدل على المنع
اخذ به والا فالعمومات الدالة على صحة العقود، كقوله تعالى: أحل الله البيع (1)
واوفوا بالعقود (2) وتجارة عن تراض (3)، محكمة كما تقدمت الاشارة الى ذلك في اول
الكتاب. بطلان المعاملة على الاعمال المحرمة تمهيد: لا يخفى عليك أن محل كلامنا في
المسائل الاتية انما هو في الاعيان المحرمة من الخمر والخنزير والميتة ونحوها. وأما
الاعمال المحرمة كالزنا والنميمة والكذب والغيبة فيكفي في
1 - البقرة: 275. 2 - المائدة: 1. 3 - النساء: 29.
[ 51 ]
فساد المعاملة عليها الادلة الدالة على تحريمها، لان مقتضى وجوب الوفاء بالعقود
هو وجوب الوفاء بالعقد الواقع على الاعمال المحرمة، ومقتضى أدلة تحريم تلك الاعمال
هو وجوب صرف النفس عنها وايقاف الحركة نحوها، فاجتماعهما في مرحلة الامتثال من
المستحيلات العقلية. وعلى أقل التقادير فان أدلة صحة العقود ووجوب الوفاء بها مختصة
بحكم العرف بما إذا كان العمل سائغا في نفسه، فلا وجه لرفع اليد بها عن دليل حرمة
العمل في نفسه. وبما ذكرنا يظهر أن الوجه في فساد المعاملة على الاعمال المحرمة هو
استحالة الجمع بين وجوب الوفاء بهذه المعاملة وبين حرمة هذه الاعمال أو الحكومة
العرفية المذكورة. وربما يظهر من كلام شيخنا الاستاذ في حكم الاجرة على الواجبات أن
الوجه في ذلك هو عدم كون الاعمال المحرمة من الاموال أو عدم امكان تسليمها شرعا،
حيث قال: الاول أن يكون العمل الذي يأخذ الاجير أو العامل بازائه الاجرة والجعل
ملكا له، بان لا يكون مسلوب الاختيار بايجاب أو تحريم شرعي عليه (1). وبملاحظة ما
تقدم يظهر لك ما فيه، فانك قد عرفت ان صحة المعاملة عليها ووجوب الوفاء بها لا
يجتمعان مع الحرمة النفسية، سواء اعتبرنا المالية أو القدرة على التسليم في صحة
العقد ام لم نعتبر شيئا من ذلك.
1 - منية الطالب 1: 15.
[ 52 ]
تقسيم المكاسب الى الثلاثة أو الخمسة قوله: قد جرت عادة غير واحد على تقسيم
المكاسب. أقول: المكاسب جمع مكسب، وهو مفعل من الكسب، اما مصدر ميمي بمعنى الكسب أو
التكسب، أو اسم مكان من الكسب. قوله: مما ندب إليه الشرع. أقول: أي أمر به بالامر
الاستحبابي، وقد أشار بذلك الى الاخبار الواردة في استحباب الرعي (1) والزرع (2).
1 - عن محمد بن عطية قال: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان الله عزوجل أحب
لانبيائه من الاعمال الحرث والرعي لئلا يكرهوا شيئا من قطر السماء (علل الشرايع:
32، عنه البحار 103: 65). عن عقبة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما بعث الله
نبيا قط حتى يسترعيه الغنم ويعلمه بذلك رعية الناس. وفي الحديث انه (صلى الله عليه
وآله) قال: ما من نبي الا وقد رعي الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله، قال: وأنا. 2 -
عن محمد بن عطية قال: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان الله عزوجل اختار
لانبيائه الحرث والزرع كيلا يكرهوا شيئا من قطر السماء (الكافي 5: 260، عنه الوسائل
19: 33)، مرسلة. عن سهل بن زياد رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان الله
جعل ارزاق انبيائه في الزرع والضرع، لئلا يكرهوا شيئا من قطر السماء (الكافي 5:
260، عنه الوسائل 19: 33)، ضعيفة لسهل ومرفوعة. عن سيابة، عن أبي عبد الله (عليه
السلام) قال: سأله رجل فقال له: جعلت فداك اسمع قوما يقولون: ان الزراعة مكروهة،
فقال له: ازرعوا واغرسوا فلا والله ما عمل الناس عملا أحب ولا أطيب منه، والله
ليزرعن الزرع وليغرسن النخل بعد خروج الدجال (الكافي 5: 260، الفقيه 3: 158،
التهذيب 6: 384، عنهم الوسائل 19: 32، الغايات: 88، عنه المستدرك 13: 26، وفيه:
ليغرسن الغرس)، مجهولة لسيابة. عن يزيد بن هارون الواسطي قال: سمعت ابا عبد الله
(عليه السلام) يقول: الزارعون كنوز الانام، يزرعون طيبا اخرجه الله عزوجل، وهم يوم
القيامة أحسن الناس مقاما، وأقربهم منزلة، يدعون المباركين (الكافي 5: 261، عنه
الوسائل 18: 34)، مجهولة ليزيد بن هارون. عن يزيد بن هارون الواسطي، قال: سألت جعفر
بن محمد (عليهما السلام) عن الفلاحين، فقال: هم الزارعون، كنوز الله في ارضه، وما
في الاعمال شئ احب الى الله من الزراعة، وما بعث الله نبيا الا زارعا الا ادريس
(عليه السلام) فانه كان خياطا (التهذيب 6: 384، عنه الوسائل 17: 41، الغايات: 70،
عنه المستدرك 13: 26)، مجهولة ليزيد بن هارون. ثم ان الاخبار في فضل الزرع والغرس
كثيرة من الخاصة كالروايات المذكورة وغيرها في الابواب المزبورة وغيرها، ومن العامة
وقد اخرجها البيهقي في السنن الكبرى 6: 137، و البخاري في صحيحه باب فضل الزرع 3:
135.
[ 53 ]
قوله: فتأمل. أقول: لعله اشارة الى ان وجوب الصناعات ليس بعنوان التكسب، بل
لكون تركها يؤدي الى اختلال النظام كما سنبينه. أقول: ملخص كلامه ان الفقهاء (رحمهم
الله) كالمحقق في الشرايع (1) وغيره في كتبهم قسموا المكاسب الى محرم كبيع الخمر،
ومكروه كبيع الاكفان، ومباح كبيع الاشياء المباحة، وأهملوا ذكر الواجب والمستحب،
بناء على عدم وجودهما في المعاملات، مع أنه يمكن التمثيل للمستحب بمثل الزرع
والرعي، وللواجب بالصناعات الواجبة كفاية إذا وجد اكثر من واحد ممن يقوم بها، أو
عينا إذا لم يوجد غير واحد. وفيه: ان الامثلة المذكورة لا تدل على شئ من مراده: أما
الزراعة فاستحبابها انما هو من جهة ايكال الامر الى الله وانتظار
1 - شرايع الاسلام 2: 9.
[ 54 ]
الفرج منه، كما في رواية العياشي (1). وأما الرعاية فاستحبابها لما فيها من
استكمال النفس وتحصيل الاخلاق الحسنة وتمرين الطبع على ادارة شؤون الرعية وازالة
الاوصاف الرذيلة من السبعية والبهيمية، فان من صرف برهة من الزمان في تربية الحيوان
صار قابلا لادارة الانسان. ومن هنا كان الانبياء قبل بعثتهم رعاة للاغنام، كما في
رواية عقبة المتقدمة: ما بعث الله نبيا قط حتى يسترعيه الغنم ويعلمه بذلك رعية
الناس، وفي النبوي المتقدم: ما من نبي الا وقد رعي الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله،
قال: وأنا. وعلى كل حال فالزراعة والرعي مستحبان في أنفسهما بما انها فعلان صادران
من المكلف لا بعنوان التكسب بهما كما هو محل الكلام، فلا يصلحان مثلا لما نحن فيه.
وأما الصناعات بجميع اقسامها فهي من الامور المباحة ولا تتصف بحسب أنفسها
بالاستحباب فضلا عن الوجوب، فلا يكون التكسب بها الا مباحا، نعم انما يطرء عليها
الوجوب إذا كان تركها يوجب اخلالا بالنظام، وحينئذ يكون التصدي لها واجبا كفائيا أو
عينيا، وهذا غير كونها واجبة بعنوان التكسب. ازالة شبهة: قد يقال: ان وجوب الصناعات
من جهة اداء تركها ان اختلال النظام يقتضي أن يكون التكسب بها مجانيا، ولكن هذا
يفضي الى الاخلال
1 - عن الحسين بن ظريف، عن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله: وعلى
الله فليتوكل المتوكلون، قال: الزارعون (تفسير العياشي 2: 222، عنه الوسائل 17: 42،
المستدرك 13: 461، والاية في ابراهيم: 12)، مهملة لحسين بن ظريف
[ 55 ]
بالنظام ايضا، ومقتضى الجمع بين الامرين أن يلتزم بوجوبها مع الاجرة، وعلى ذلك
فتكون مثالا لما نحن فيه. ولكن يرد عليه: اولا: ان هذا ليس الا التزاما بوجوبها
لاجل حفظ النظام، وعليه فلا يكون التكسب بعنوانه واجبا. وثانيا: ان الواجب من
الصناعات انما هو الطبيعة المطلقة العارية عن لحاظ المجانية وغيرها، وما يخل
بالنظام انما هو ايجاب العمل مجانا لاما هو الجامع بينه وبين غيره، ولا ملازمة بين
عدم وجوب الصناعات مجانا وبين وجوب الجامع غير المقيد بحصة خاصة من الطبيعة، ومن
هنا نقول يجب الاقدام عليها عينا أو كفاية من حيث هي صناعة يختل بتركها النظام،
سواء كانت عليها اجرة ام لا. والتحقيق: ان التقسيم ان كان باعتبار نفس التكسب فلا
محيص عن تثليث الاقسام كما تقدم، وان كان بلحاظ فعل المكلف والعناوين الثانوية
الطارئة عليه فلا مانع من التخميس. ولا يخفى عليك انه إذا كان التقسيم بحسب فعل
المكلف لا يختص المثال بالصناعات بل يصح التمثيل بما وجب بالنذر أو اليمين أو العهد
وبالكسب لقضاء الدين أو الانفاق على العيال ونحو ذلك. لا يقال: إذا ملك الكافر عبدا
مسلما وجب بيعه عليه، ويكون بيعه هذا من قبيل الاكتساب بالواجب. فانه يقال: الواجب
هنا في الحقيقة هو ازالة ملكية الكافر للمسلم، وبيع العبد المسلم انما وجب لذلك،
ويدلنا على ذلك انه لو زال ملكه بغير البيع كالعتق والهبة أو بالقهر كموت الكافر لا
يجب البيع.
[ 56 ]
معنى حرمة الاكتساب تكليفا: قوله: ومعنى حرمة الاكتساب. أقول: الحرمة المتعلقة
بالمعاملة اما ان تكون وضعية واما ان تكون تكليفية وبينهما عموم من وجه، فالبيع وقت
الندي لصلاة الجمعة حرام تكليفا، والبيع الغرري حرام وضعا، وبيع الخمر حرام وضعا
وتكليفا، وكلام المصنف هنا مسوق لبيان خصوص الحرمة التكليفية في البيع. إذا عرفت
هذا فاعلم ان حرمة البيع تكليفا تتصور على وجوه: الاول: ما أفاده المحقق الايرواني
في حاشيته، وهو: ان معنى حرمة الاكتساب هو انشاء النقل والانتقال بقصد ترتب اثر
المعاملة، أعني التسليم والتسلم للمبيع والثمن، فلو خلا عن هذا القصد لم يتصف
الانشاء الساذج بالحرمة (1). وفيه: ان تقييد موضوع الحرمة بالتسليم والتسلم انما
يتم في الجملة لا في جميع البيوع المحرمة، وتحقيقه ان النواهي المتعلقة بالمعاملات
على ثلاثة اقسام: 1 - أن يكون النهى عنها بلحاظ انطباق عنوان محرم عليها، كالنهي عن
بيع السلاح لاعداء الدين عند حربهم مع المسلمين، فان النهي عنه انما هو لانطباق
عنوان تقوية الكفر عليه، ويدل على ذلك جواز بيع السلاح عليهم إذا لم يفض ذلك الى
تقويتهم على المسلمين، ولهذا حرم نقل السلاح إليهم بغير البيع ايضا، كاجارته عليهم
وهبته لهم واعارته اياهم إذا لزم منه المحذور المذكور. ومن هنا يتضح ان بين عنوان
بيع السلاح منهم وبين عنوان تقوية الكفر
1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 3.
[ 57 ]
واعانته عموما من وجه، إذ قد يباع السلاح عليهم ولا يلزم منه تقويتهم كبيعه
منهم حال الصلح مثلا أو حال حربهم مع الكفار الاخرين، أو مع المسلمين ولكن بشرط
تأخير التسليم الى ما بعد الحرب، أو بدون الشرط المذكور ولكن يؤخر التسليم قهرا
عليهم، فان هذه الموارد لا يلزم من البيع فيها اعانة كفر على اسلام. وقد تحصل تقوية
الكفر على الاسلام بغير البيع كاجارة السلاح عليهم أو هبته منهم وقد يجتمعان، واذن
فتعلق للنهي بتقوية الكفر على الاسلام لا يستلزم حرمة بيع السلاح لاعداء الدين الا
في مادة الاجتماع. نعم لو كان بين العنوانين تلازم خارجا لتوجه الالتزام بحرمة بيع
السلاح منهم مطلقا، ولكنك عرفت ان الامر على خلافه. 2 - أن يتوجه النهى الى
المعاملة من جهة تعلقها بشئ مبغوض، كالنهي عن بيع الخمر والخنزير والصليب والصنم
وآلات القمار وغيرها من آلالات المحرمة، فان النهي عن بيع تلك الامور انما هو
لمبغوضيتها لا بلحاظ عنوان طارئ على المعاملة كما في القسم الاول. 3 - أن يكون
النهى عن المعاملة باعتبار ذاتها، كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، والنهي
عن بيع المصحف والمسلم من الكافر، بناء على حرمة بيعهما منه، فان النهي عن البيع في
هذا القسم ليس بلحاظ العناوين الطارية عليه ولا بلحاظ مبغوضية متعلقة، بل لاجل
مبغوضية نفسه. إذا عرفت ما تلونا عليك ظهر لك ان تقييد موضوع حرمة البيع بالتسليم
والتسلم المستلزم لتقيد ادلة تحريمه انما يتم في القسم الاول فقط دون الثاني
والثالث، فلا بد فيهما من الاخذ باطلاق أدلة التحريم لعدم ثبوت
[ 58 ]
ما يصلح لتقييدها. نعم لو كان دليلنا على التحريم هو عموم ما دل على حرمة
الاعانة على الاثم أو الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة مقدمته، لجاز تقييد موضوع حرمة
البيع بالتسليم والتسلم، فان الاعانة على الاثم والمقدمية الى الحرام لا يتحققان
الا بالتسليم والتسلم. الوجه الثاني: أن يراد من حرمة البيع حرمة ايجاده بقصد ترتب
امضاء العرف والشرع عليه، بحيث لا يكفي مجرد صدوره من البايع خاليا عن ذلك القصد.
وفيه: انه لا وجه لتقييد موضوع حرمة البيع بذلك ايضا، لما مر من اطلاق أدلة تحريم
البيع مع عدم وجود ما يصلح لتقييدها، ومن هنا لو باع احد شيئا من الاعيان المحرمة
كالخمر مثلا مع علمه بكونه منهيا عنه فقد ارتكب فعلا محرما وان كان غافلا عن قصد
ترتب امضاء الشرع والعرف عليه، فانه لا دليل على دخالة قصد امضائهما في حرمة بيع
الخمر. الوجه الثالث: ما أفاده العلامة الانصاري، وحاصل كلامه ان المراد من حرمة
البيع حرمة النقل والانتقال مقيدة بقصد ترتب الاثر المحرم عليه، كبيع الخمر للشرب،
وآلات القمار للعب، والصليب والصنم للتعبد بهما. وفيه: ان تقييد ما دل على تحريم
البيع بالقصد المذكور تقييد بلا موجب له، إذ البيع كغيره من الافعال إذا حكم الشارع
بحرمته وجب التمسك باطلاق دليله حتى يثبت له المقيد. نعم لو كان الدليل على حرمة
البيع هو ما تقدمت الاشارة إليه، من الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة مقدمته أو عموم
ما دل على تحريم
[ 59 ]
الاعانة على الاثم، لتم ما ذكره في الجملة لكن الكلام اعم من ذلك. وأما ما في
المتن، من دعوى انصراف الادلة الى صورة قصد ترتب الاثار المحرمة، فهي دعوى جزافية،
ونظيرها أن يدعي انصراف ادلة تحريم الزنا مثلا الى ذات البعل، والالتزام بمثل هذه
الانصرافات يستدعي تأسيس فقه جديد. نعم دخالة قصد ترتب الاثر المحرم أو المحلل في
حرمة البيع وحليته في مثل بيع الصليب والصنم وجه كما سيأتي في النوع الثاني مما
يحرم التكسب به. لا يقال: انه لا مناص عن تقييد حرمة البيع بقصد ترتب الاثر المحرم
عليه، فان من الجائز قطعا اعطاء الدرهم للخمار وأخذ خمره للاهراق مثلا. فانه يقال:
ان ذلك وان كان جائزا الا أنه لا يرتبط باصل المعاملة بل هو من انحاء النهي عن
المنكر وقطع مادة الفساد، والذي يقتضيه النظر الدقيق ان ما يكون موضوعا لحلية البيع
بعينه يكون موضوعا لحرمته، بيان ذلك: ان البيع ليس عبارة عن الانشاء الساذج، سواء
كان الانشاء بمعنى ايجاد المعنى باللفظ كما هو المعروف بين الاصوليين، ام كان بمعنى
اظهار ما في النفس من الاعتبار كما هو المختار عندنا، والا لزم تحقق البيع بلفظ بعت
خاليا عن القصد، ولا ان البيع عبارة عن مجرد الاعتبار النفساني من دون أن يكون له
مظهر، والا لزم صدق البايع على من اعتبر ملكية ماله لشخص آخر في مقابل الثمن وان لم
يظهرها بمظهر، كما يلزم حصول ملكية ذلك المال للمشتري بذاك الاعتبار الساذج الخالي
من المبرز.
[ 60 ]
بل حقيقة البيع عبارة عن المجموع المركب من ذلك الاعتبار النفساني مع اظهاره
بمبرز خارجي، سواء تعلق به الامضاء من الشرع والعرف ام لم يتعلق، بل سواء كان في
العالم شرع وعرف ام لم يكن. واذن فذلك المعنى هو الذي يكون موضوعا لحرمة البيع، وهو
الذي يكون موضوعا لحليته، وهكذا الكلام في سائر المعاملات كما حققناه في الاصول،
وسيأتي التعرض له في اول البيع ان شاء الله. قوله: فهو متفرع على فساد البيع. أقول:
بعد ان أثبتنا أن موضوع الحلية والحرمة في المعاملات شئ واحد، وان ترتب الاثر على
المعاملة من النقل والانتقال أو غير ذلك خارج عن حقيقتها، وبعد ان أوضحنا عند
التكلم في الروايات العامة المتقدمة ان الحرمة التكليفية لا تستلزم الحرمة الوضعية،
ظهر لك بطلان ما ذهب إليه المشهور، من ان حرمة المعاملة تستلزم فسادها. كما ظهر
بطلان ما نسب الى أبي حنيفة، من ان حرمة المعاملة تستلزم صحتها، وانه لا بد في
اثبات صحتها وفسادها من التماس دليل آخر غير ما دل على الحرمة التكليفية، وقد
اوضحناه في الاصول، وتترتب على ذلك ثمرات مهمة في المباحث الاتية. قوله: أما لو قصد
الاثر المحلل. أقول: قد بينا أن البيع المحرم لا يخرج بقصد الاثر المحلل عن الحرمة
المتعلقة به بعنوان البيع، وان قصد الاثر المحرم لا يكون مأخوذا في موضوع تحريم
البيع، فلا مجال لدعوى انه لو قصد الاثر المحلل فلادليل على تحريم العاملة. نعم لو
قصد حليته شرعا مع كونه محرما لتوجه عليه التحريم من جهة
[ 61 ]
التشريع ايضا، كما ان الامر كذلك في سائر المحرمات المعلومة إذا اتى بها بعنوان
الاباحة. معنى حرمة الاكتساب وضعا: لا يخفى عليك ان معنى الحرمة الوضعية في العقود
عبارة عن فساد المعاملة وبطلانها بحيث لا يترتب عليها اثر من الاثار، وان الفاسد
والباطل عندنا وعند غير الحنفية بمعنى واحد، وهو ما اختل في تلك المعاملة شئ من
الشروط التي اعتبرها الشارع ركنا لها، بحيث يلزم من انتفائها انتفاء المشروط في نظر
الشارع. وأما عند الحنفية فان الباطل والفاسد في البيع مختلفان فلكل واحد منهما
معنى يغاير معنى الاخر، فالباطل هو ما اختل ركنه أو محله، وركن العقد هو الايجاب
والقبول كما تقدم، فإذا اختل ذلك الركن كأن صدر من مجنون أو صبي لا يعقل كان البيع
باطلا غير منعقد، وكذلك إذا اختل المحل وهو المبيع كأن كان ميتة أو دما أو خنزيرا
فان البيع يكون باطلا. وأما الفاسد فهو ما اختل فيه غير الركن والمحل، كما إذا وقع
خلل في الثمن بأن كان خمرا، فإذا اشتري سلعة يصح بيعها وجعل ثمنها خمرا انعقد البيع
فاسدا ينفذ بقبض المبيع، ولكن على المشتري أن يدفع قيمته غير الخمر، وكذلك إذا وقع
الخلل فيه من جهة كونه غير مقدور التسليم، كما إذا باع شيئا مغصوبا منه لا يقدر على
تسليمه أو وقع الخلل فيه من جهة اشتراط شرط لا يقتضيه العقد كما سيأتي. فان البيع
في كل هذه الاحوال يكون فاسدا لا باطلا، ويعبرون عن
[ 62 ]
الباطل بما لم يكن مشروعا باصله ووصفه، ويريدون باصله ركنه ومحله كما عرفت،
ويريدون بوصفه ما كان خارجا عن الركن والمحل، وحكم البيع الفاسد انه يفيد الملك
بالقبض بخلاف البيع الباطل فانه لا يفيد الملك اصلا (1). وقال ابن الهمام الحنفي في
شرح فتح القدير: وايضا فانه مأخوذ في مفهومه - الفاسد - أو لازم له انه مشروع بأصله
لا وصفه، وفي الباطل غير مشروع بأصله، فبينهما تباين، فان المشروع بأصله وغير
المشروع بأصله متباينان فكيف يتصادقان (2). الا أن أمثال تلك الاقاويل لا تبتني على
أساس صحيح من العقل والشرع والعرف واللغة.
1 - راجع الفقه على المذاهب الاربعة 2: 224. 2 - شرح فتح القدير 5: 185.
[ 63 ]
النوع الاول الاكتساب بالاعيان النجسة المسألة (1) جواز المعاوضة على أبوال ما
لا يؤكل لحمه قوله: ويحرم المعاوضة على أبوال ما لا يؤكل لحمه. أقول: في كلام
العلامة الانصاري هنا وفي المسائل الاتية خلط بين الحرمة التكليفية والحرمة
الوضعية، فقد جعل هنا كلا من النجاسة والحرمة وعدم جواز الانتفاع بها دليلا عليهما،
مع ان الاولين دليلان على الحرمة التكليفية، والثالث دليل على الحرمة الوضعية.
قوله: فيما عدا بعض افراده كبول الابل الجلالة. أقول: قال المحقق الايرواني: لعل
هذا استثناء من صدر الكلام أعني قوله: يحرم المعاوضة على بول غير مأكول اللحم،
بتوهم شمول الاجماع المنقول على جواز بيع بول الابل له (1). وفيه: اولا: ان المصنف
لم يستثن بول الابل الجلالة فيما يأتي من أبوال ما لا يؤكل لحمه، لا في حرمة شربه
ولا في نجاسته. وثانيا: ان الفارق بين بول الابل الجلالة وبين أبوال ما لا يؤكل
لحمه ليس الا كون الاول نجسا بالعرض وكون الثانية نجسة بالذات، ومجرد
1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 3.
[ 64 ]
هذا لا يكون فارقا بينهما حتى يصح الاستثناء. والظاهر انه استثناء من قوله:
وعدم الانتفاع به، اي ليس لابوال ما لا يؤكل لحمه نفع ظاهر الا بول الابل الجلالة،
فانه كبول الابل غير الجلالة لها منفعة ظاهرة. تنقيح وتهذيب: قد اتفقت كلمات
الاصحاب على حرمة بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه، بل في بعضها دعوى الاجماع بقسميه على
ذلك. وفي المراسم حكم بحرمة بيع الابوال مطلقا الا بول الابل (1)، وفي الغنية منع
عن بيع كل نجس لا يمكن تطهيره (2)، وفي نهاية الشيخ: وجميع النجاسات محرم التصرف
فيها والتكسب بها على اختلاف اجناسها من سائر انواع العذرة والابوال وغيرهما (3)،
وفي المبسوط: فأما نجس العين فلا يجوز بيعه كالبول (4)، وفي التذكرة الاجماع على
عدم صحة بيع نجس العين مطلقا (5)، وفي المستند: تحريم بيع الابوال مما لا يؤكل لحمه
شرعا موضع وفاق (6). وفي الجواهر ادعي قيام الاجماع المحصل على الحرمة، وان نقل
الاجماع بين الاصحاب مستفيض عليها (7).
1 - المراسم: 170. 2 - الغنية (الجوامع الفقهية): 524.. 3 - نهاية الاحكام 2: 463.
4 - المبسوط 2: 166. 5 - التذكرة 1: 464. 6 - المستند 2: 334. 7 - جواهر الكلام 22:
21.
[ 65 ]
وعلى هذا الضوء المذاهب الاربعة، وفي الفقه على المذاهب الاربعة: ومن البيوع
الباطلة بيع النجس (1)، وفي شرح فتح القدير: إذا كان احد العوضين أو كلاهما محرما
فالبيع فاسد (2). ثم انه قد استدل المصنف على حرمة بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه وضعا
وتكليفا بالاجماع والحرمة والنجاسة، وعدم جواز الانتفاع بها، وجميعها لا يصلح
لاثبات الحرمة التكليفية ولا الوضعية. أما الاجماع، وان نقله غير واحد من أعاظم
الاصحاب الا أن اثبات الاجماع التعبدي هنا مشكل جدا، للاطمينان بل العلم بأن مستند
المجمعين انما هو الروايات العامة المتقدمة والروايات الخاصة المذكورة في بيع
الاعيان النجسة والحكم بحرمة الانتفاع بها، مضافا الى ان المحصل منه غير حاصل
والمنقول منه غير حجة. أما الحرمة، فان أراد منها حرمة الاكل والشرب، فالكبري
ممنوعة، لعدم الدليل على أن كلما يحرم أكله أو شربه يحرم بيعه، ولو فرضنا وجود دليل
على ذلك فلا بد من تخصيص أكثر أفراده، فان كثيرا من الاشياء يحرم أكلها ويجوز
بيعها، وذلك مستهجن يوجب سقوط الدليل على الحجية. وان اراد منها حرمة الانتفاع بها
بجميع منافعها أو بالمنافع الظاهرة، فهو وان استلزم حرمة البيع كما تقدم في النبوي
المشهور، ولكن الصغرى ممنوعة لعدم الدليل على تحريم جميع المنافع أو المنافع
الظاهرة لتلك الابوال، وسيأتي تفصيلها.
1 - الفقه على المذاهب الاربعة 2: 231. 2 - شرح فتح القدير 5: 186.
[ 66 ]
وأما النجاسة، فان رواية تحف العقول وان دلت على حرمة بيع النجس، لقوله (عليه
السلام) فيها: أو شئ من وجوه النجس، فهذا كله حرام محرم، لان ذلك كله منهي عن أكله
وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه، فجميع تقلبه في ذلك حرام، الا أن ذلك فيما
تكون منافعه كلها محرمة، كما هو مقتضي التعليل المذكور فيها، وأما إذا كان للنجس
منفعة محللة فلا دليل على حرمة بيعه، وأبوال ما لا يؤكل لحمه مما له منفعة محللة،
ومتقضي ذلك جواز بيعها. أللهم الا أن يقال: ان كل نجس يحرم الانتفاع به بجميع
منافعه، فإذا كان كذلك حرم بيعه وشراؤه، ولكنه دعوى بلا دليل، هذا، مضافا الى ضعف
سندها وعدم انجبارها بعمل الاصحاب كما عرفت. على أنه لو سلمنا دلالة الحرمة
والنجاسة على حرمة البيع لدلتا على الحرمة التكليفية دون الوضعية كما تقدم في اول
المسألة. ومما ذكرنا ظهر أن المشهور لم يستندوا في فتياهم بحرمة بيع النجس الى
رواية تحف العقول، ولا الى غيرها من الروايات العامة المتقدمة كرواية فقه الرضا
(عليه السلام) الدالة على أن كلما يكون محرما من جهة يحرم بيعه، ولو كان مستندهم
ذلك لم يكن الحكم بحرمة البيع مختصا بالنجس بل كان يعم سائر المحرمات، ولو كانت من
الاعيان الطاهرة، كأبوال ما لا يؤكل لحمه بناء على حرمة شربها. وأما عدم جواز
الانتفاع بها، فربما قيل بأنه يستلزم فساد البيع وان لم يقم دليل على حرمة ذلك
البيع تكليفا، لان حرمة الانتفاع بها يستلزم نفي ماليتها التي لا بد منها في تحقق
البيع، وفيه: أولا: انه لا دليل على اعتبار المالية في البيع، وانما المناط صدق
[ 67 ]
عنوان المعاوضة عليه، وأما ما عن المصباح من انه مبادلة مال بمال (1) فلا يكون
دليلا على ذلك لعدم حجية قوله. وثانيا: إذا سلمنا اعتبار المالية في البيع فلا نسلم
ان أبوال ما لا يؤكل لحمه ليست بمال في جميع الازمنة والامكنة، كيف وان الانتفاع
بها باستخراج الادوية أو الغازات أو استعمالها في العمارة عند قلة الماء ممكن جدا،
فتكون مالا باعتبار تلك المنافع الظاهرة، ومثلها أكثر المباحات التي تختلف ماليتها
بحسب الازمنة والامكنة، كالماء والحطب ونحوهما. ومن هنا يعلم ان الشرب ليس من
منافعها حتى يلزم من حرمته سقوط ماليتها، أللهم الا أن يقال ان الشارع قد الغي
ماليتها بتحريم جميع منافعها، ولكنه اول الكلام. وثالثا: إذا سلمنا اعتبار المالية
في البيع فيكفي أن يكون المبيع مالا بنظر المبايعين إذا كان عقلائيا، ولا يجب كونه
مالا في نظر العقلاء أجمع. ورابعا: لو سلمنا عدم كون الابوال المذكورة مالا حتى في
نظر المتبايعين، فان غاية ما يلزم كون المعاملة عليها سفهية، ولا دليل على بطلانها
بعد شمول أدلة صحة البيع لها، والفاسد شرعا انما هو معاملة السفيه لا المعاملة
السفهائية، والدليل على الفساد فيها ان السفيه محجور شرعا عن المعاملات. هذا كله
مضافا الى صحة المعاملة عليها بمقتضي آية التجارة، وان لم يصدق عليها البيع.
1 - المصباح المنير: 69.
[ 68 ]
وقد اتضح مما قدمناه جواز بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه وضعا وتكليفا كما اتضح
جواز بيع أبوال ما يؤكل لحمه مطلقا، بل الجواز هنا بالاولوية، ابلا كان أو غيرها،
جلالا كان أو غيره، قلنا بجواز شربه اختيارا أو لم نقل، لان جواز الشرب لا يعد من
منافع البول ليكون مالا باعتباره ويدور الحكم بجواز البيع مداره. وهم ودفع: قد
استدل المحقق الايرواني (رحمه الله) على فساد المعاملة عليها بقوله تعالى: يا ايها
الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم (1)،
على أن يراد من الباطل ما يعم الباطل العرفي والشرعي، ومراد المستدل ان اخذ المال
عوضا عن أبوال ما لا يؤكل لحمه اكل للمال بالباطل (2). وفيه: ان دخول باء السببية
على الباطل ومقابلته في الاية للتجارة عن تراض - ولا ريب أن المراد بالتجارة هي
الاسباب - قرينتان على كون الاية ناظرة الى فصل الاسباب الصحيحة للمعاملة عن
الاسباب الباطلة، كما نبه عليه المستدل في اول البيع وغيره (3). وعلى ذلك فيكون
الغرض من الباطل الاسباب الباطلة، فلا يكون لها تعلق بما لا مالية له من العوضين
كما يرومه المستدل. كما ان المراد من الاكل فيها ليس هو الازدراد على ما هو معناه
الحقيقي بل هو كناية عن تملك مال الغير من غير استحقاق، وان كان ذلك
1 - النساء: 33. 2 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 3. 3 - حاشية المكاسب للمحقق
الايرواني: 3.
[ 69 ]
المال من غير المأكولات كالدار ونحوها، وقد تعارف استعماله بذلك في القرآن وفي
كلمات الفصحاء بل وفي غير العربية ايضا. وعلى هذا، فان كان الاستثناء متصلا كما هو
الظاهر والموافق للقواعد العربية فيكون مفاد الاية نفي تملك اموال الغير بالاسباب
الباطلة من القمار والغصب والغزو، وبيع المنابذة والحصاة، والتقسيم بالازلام
والاقداح، الا بسبب يكون تجارة عن تراض، فتفيد حصر الاسباب الصحيحة للمعاملات
بالتجارة عن تراض. وان كان الاستثناء منقطعا، فظهور الاية البدوي وان كان هو بيان
القاعدة الكلية لكل واحد من أكل المال بالباطل والتجارة عن تراض ولاتعرض لها للحصر.
وتظهر ثمرة ذلك فيما لا يعد في العرف من الاسباب الباطلة، ولا من التجارة عن تراض،
فيكون مهملا، الا أنه تعالى حيث كان بصدد بيان الاسباب المشروعة للمعاملات وتميز
صحيحها عن فاسدها وكان الاهمال مما يخل بالمقصود فلا محالة يستفاد الحصر من الاية
بالقرينة المقامية. وتكون النتيجة ان الاية مسوقة لبيان حصر الاسباب الصحيحة
بالتجارة تراض، سواء كان الاستثناء متصلا ام منقطعا. ومما يدل على كون الاية راجعة
الى اسباب المعاملات تطبيقها في بعض الروايات على القمار (1).
1 - احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن ابيه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام)
في قول الله عزوجل: ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل، قال: ذلك القمار (نوادر احمد
بن محمد بن عيسى: 167، عنه الوسائل 17: 167)، موثقة. العياشي في تفسيره عن اسباط بن
سالم، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فجاء رجل فقال: أخبرني عن قول الله
عزوجل: يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل، قال: يعني بذلك
القمار - الحديث (تفسير العياشي 1: 235، عنه الوسائل 17: 166). وعن محمد بن علي، عن
أبي عبد الله (عليه السلام) سأل عن الاية، قال: نهي عن القمار، وكانت قريش يقامر
الرجل بأهله وماله فنهاهم الله عن ذلك (تفسير العياشي 1: 236، عنه الوسائل 17:
166). فائدة: اعلم ان صاحب التفسير أبو النضر محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي
السمرقندي المعروف بالعياشي، وان كان ثقة صدوقا عينا من عيون هذه الطائفة وكبيرها،
ولكن لم يثبت لنا اعتبار التفسير للارسال. قال المحدث الحر في خاتمة الوسائل في
الفائدة الرابعة: كتاب تفسير القرآن لمحمد بن مسعود العياشي، وقد وصل الينا النصف
الاول منه، غير ان بعض النساخ حذف الاسانيد واقتصر على راو واحد. وفي البحار 1: 28:
كتاب تفسير العياشي، روي عنه الطبرسي وغيره، ورأينا منه نسختين قديمتين، وعد في كتب
الرجال من كتبه لكن بعض الناسخين حذف اسانيده للاختصار، وذكر في اوله عذرا هو اشنع
من جرمه. وقال الشيخ (رحمه الله) في رجاله ممن لم يرو عنهم (عليهم السلام) (الرجال:
440، الرقم: 6282): محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السمرقندي يكني ابا النضر، اكثر
أهل المشرق علما وأدبا وفضلا وفهما ونبلا في زمانه، صنف اكثر من مائتي مصنف ذكرناها
في الفهرست، وكان له مجلس للخاص ومجلس للعام (عليهم السلام). وقال النجاشي (الرجال:
350، الرقم: 944) أبو النضر المعروف بالعياشي، ثقة صدوق عين من عيون هذه الطائفة،
وكان يروي عن الضعفاء كثيرا، وكان في اول امره عامي المذهب، وسمع حديث العامة
فاكثر، ثم تبصر وعاد الينا، وانفق على العلم والحديث تركة ابيه سائرها و كانت
ثلاثمائة الف دينار، وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قار أو معلق، مملوة
من الناس.
[ 70 ]
قوله: كبول الابل الجلالة.
[ 71 ]
أقول: بعد ما عرفت جواز الانتفاع بالابوال مطلقا وجواز بيعها كذلك فلا وجه لهذا
الاستثناء. قوله: ان قلنا بجواز شربها اختيارا كما عليه جماعة. أقول: قد ظهر مما
تقدم ان جواز الشرب أو حرمته ليسا مناطين في جواز بيعها وحرمته، لعدم كون الشرب من
المنافع الظاهرة ليدور الحكم عليه وجودا وعدما، اذن فلا فرق بين أبوال ما يؤكل لحمه
وما لا يؤكل لحمه. حكم شرب أبوال ما يؤكل لحمه حال الاختيار: قد وقع الخلاف بين
أعاظم الاصحاب في جواز شرب أبوال ما يؤكل لحمه حال الاختيار وعدم جوازه، وذهب جمع
كثير الى الجواز (1) وجماعة اخرى الى الحرمة (2)، وهو الحق، لمفهوم موثقة عمار (3)،
فانه يدل على حرمة شربها لغير التداوي.
1 - من القدماء: ابن الجنيد - على ما في الدروس 3: 17 -، والسيد المرتضى في
الانتصار: 201، ومن المتأخرين: ابن ادريس في السرائر 3: 125، والمحقق في النافع:
254 حيث قال: والتحليل أشبه، والفاضل الابي في كشف الرموز 1: 436، والمحقق
السبزواري في كفاية الاحكام: 252. 2 - كالمحقق في الشرايع 3: 227، والعلامة في
المختلف: 686، والشهيد في الدروس 3: 17. 3 - عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه
السلام) قال: سئل عن بول البقر يشربه الرجل، قال: ان كان محتاجا إليه يتداوي به
يشربه، وكذلك أبوال الابل والغنم (التهذيب 1: 284، عنه الوسائل 25: 113)، موثقة.
[ 72 ]
كما تدل على ذلك ايضا عدة روايات اخرى من الخاصة (1) والعامة (2).
1 - عن بعض اصحابنا عن موسى بن عبد الله قال: سمعت أشياخنا يقولون: ألبان اللقاح
شفاء من كل داء وعاهة، ولصاحب الربو أبوالها (الكافي 6: 338، المحاسن: 493، عنهما
الوسائل 25: 114)، مرسلة. وفي القاموس مادة لقح: اللقاح ككتاب الابل، واللقوح كصبور
واحدته. الربو: التهيج وتوارد النفس الذي يعرض للمسرع في مشيه. المفضل بن عمر عن
أبي عبد الله (عليه السلام) انه شكى إليه الربو الشديد، فقال: اشرب له أبوال
اللقاح، فشربت ذلك، فمسح الله دائي (طب الائمة (عليهم السلام): 62، عنه الوسائل 25:
115)، موثقة. سماعة قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن شرب الرجل أبوال الابل
والبقر والغنم ينعت له من الوجع، هل يجوز له أن يشرب، قال: نعم لا بأس به (طب
الائمة (عليهم السلام): 62، عنه الوسائل 25: 115)، ضعيفة لاحمد بن فضل. دعائم
الاسلام: روينا عن أبي عبد الله، عن ابيه، عن آبائه، عن امير المؤمنين (عليهم
السلام)، قال: قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوم من بني ضبة مرضى - الى
ان قال: - فأخرجهم الى ابل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها يتداوون
بذلك - الخبر (دعائم الاسلام 2: 476، عنه المستدرك 17: 27)، ضعيفة للارسال. 2 - عن
انس: ان النبي (صلى الله عليه وآله) أمر العرنيين أن يشربوا ألبان الابل وأبوالها
(السنن الكبرى للبيهقي 10: 4). وعن انس: ان رهطا من عرينة أتوا النبي (صلى الله
عليه وآله) فقالوا: انا اجتوينا المدينة وعظمت بطوننا وارتهست اعضادنا، فأمرهم
النبي (صلى الله عليه وآله) أن يلحقوا براع الابل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها،
فلحقوا براعي الابل، فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم ثم قتلوا
الراعي وساقوا الابل - الحديث (السنن الكبرى للبيهقي 10: 4، ورواه البخاري في
الصحيح 1، باب الابوال: 67 بأدني تفاوت). وفي القاموس مادة جوي اجتواه: كرهه، وارض
جوية غير موافقة، وفيه: ارتهس الوادي امتلا. عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى
الله عليه وآله): ان في أبوال الابل وألبانها شفاء لذربة بطونهم (مسند احمد 1:
293). وفي القاموس: الذربة - محركة - فساد المعدة.
[ 73 ]
نعم هناك روايتان: احداهما رواية قرب الاسناد (1) تدل على جواز شرب أبوال مأكول
اللحم على وجه الاطلاق، والثانية رواية الجعفري (2) تدل على جواز شرب بول الابل
مطلقا وانه خير من لبنه. وفيه: مضافا الى ضعف سنديهما انه لا بد من تقييدهما بمفهوم
موثقة عمار المتقدمة، وحينئذ فيختص جواز شربها بالتداوي فقط، على ان رواية الجعفري
ليست بصدد بيان الجواز التكليفي بل هي مسوقة الى بيان الوجهة الطبية وان أبوال
الابل مما يتداوي بها الناس. ويدل على ذلك قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية:
ويجعل الله الشفاء في البانها. دفع توهم: قد استدل بعض الاعاظم (3) على حرمة شربها
بقوله تعالى: ويحرم عليهم الخبائث (4)، حيث قال: وعندي ان هذا القول هو الاقوي وفي
آية تحريم الخبائث غني وكفاية بعد القطع بكون البول مطلقا من الخبائث. وفيه: ان
المقصود من الخبائث كل ما فيه مفسدة وردائة، ولو كان من الافعال المذمومة المعبر
عنه في الفارسية بلفظ: پليد.
1 - ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا بأس ببول ما اكل لحمه (قرب الاسناد: 72،
عنه الوسائل 25: 114)، ضعيفة لابي البختري وهب بن وهب. 2 - عن الجعفري قال: سمعت
ابا الحسن موسي (عليه السلام) يقول: أبوال الابل خير من ألبانها، ويجعل الله الشفاء
في ألبانها (الكافي 6: 338، التهذيب 9: 100، عنهما الوسائل 25: 114)، مجهولة لبكر
بن صالح. 3 - ذكره المامقاني في حاشيته. 4 - الاعراف: 156.
[ 74 ]
ويدل على ذلك اطلاق الخبيث على العمل القبيح في قوله تعالى: ونجيناه من القرية
التي كانت تعمل الخبائث (1)، ويساعده العرف واللغة (2).
1 - الانبياء: 72. 2 - في المجمع: الخبيث ضد الطيب، وقيل: الخبيث خلاف طيب الفعل من
فجور ونحوه، والخبائث الافعال المذمومة والخصال الردية، وفي الحديث: لا تعودوا
الخبيث من أنفسكم فانه معتاد لما عود، وفي حديث أهل البيت (عليهم السلام): لا
يبغضنا الا من خبثت ولادته اي لم تطب، وخبث الرجل بالمرأة من باب قتل، زني بها
(مجمع البحرين 2: 251). وفي تفسير التبيان: الخبائث يعني القبائح، وفي موضع آخر:
ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث، يعني انهم كانوا يأتون الذكران في
أدبارهم ويتضارطون في أنديتهم - مجالسهم - وهي قرية سدوم على ما روي (تفسير التبيان
1: 758، 2: 291). وفي مفردات الراغب مادة خبث: المخبث والخبيث ما يكره رداءة
وخساسة، محسوسا كان أو معقولا، واصله الردي، وذلك يتناول في الاعتقاد والكذب في
المقال، والقبيح في الفعال، ويطلق على ما لا يوافق النفس من المحظورات، واتيان
الرجال، والاعمال الفاسدة والنفوس الخبيثة والحرام، والافعال الردية، والكفر والكذب
والنميمة (المفردات: 141). وفي تاج العروس مادة خبث: الخبيث ضد الطيب، الخابث وهو
الردي من كل شئ، ومن المجاز الخبث - بالضم - الزنا، وقد خبث بها - ككرم - اي فجر،
وفي الحديث: إذا كثر الخبث كان كذا وكذا، أراد الفسق والفجور، ومنه حديث سعد بن
عبادة: انه اتى النبي (صلى الله عليه وآله) برجل مخدج سقيم وجد مع امرأة يخبث بها،
اي يزني، وفي حديث انس: ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا اراد الخلا قال:
اعوذ بالله من الخبث والخابث، اراد بالخبث الشر والخبائث الشياطين (تاج العروس 1:
617). وقال ابن الاثير في تفسير الحديث: الخبث - بضم الباء - جمع الخبيث، والخبائث
جمع الخبيثة، اي ذكور الاشياطين واناثها، وقيل هو الخبث بسكون الباء، وهو خلاف طيب
الفعل من فجور وغيره، والخبائث يريد بها الافعال المذمومة والخصال الردية، والخبيث
نعت كل شئ فاسد، يقال: هو خبيث الطعم، خبيث اللون، خبيث الفعل، والحرام السحت يسمي
خبيثا مثل الزنا، والمال الحرام والدم وما أشبهها مما حرم الله تعالى (النهاية 2:
5).
[ 75 ]
واذن فالاية ناظرة الى تحريم كل ما فيه مفسدة ولو من الاعمال القبيحة، فلا تعم
شرب الابوال الطاهرة ونحوها مما تتنفر عنها الطبايع. قوله: لا يوجب قياسه على
الادوية. أقول: هذا الكلام بظاهره مما لا يترقب صدوره من المصنف، وذلك لان التداوي
بها لبعض الاوجاع يجعلها مصداقا لعنوان الادوية، فكما يجوز بيعها حتى إذا كانت نجسة
فكذلك يجوز بيع الابوال مطلقا لكونها مصداقا للادوية، وانطباق الكلي على افراده غير
مربوط بالقياس. وتوضيح ذلك: ان مالية الاشياء تدور على رغبات الناس بلحاظ حاجاتهم
إليها على حسب الحالات والازمنة والامكنة، ولا شبهة ان المرض من الحالات التي
لاجلها يحتاج الانسان الى الادوية والعقاقير طاهرة كانت ام نجسة، ولاجل ذلك يجلبها
الناس من أقاصي البلاد، فإذا كانت الابوال عند العرف من الادوية ويعد من الاموال في
غير حال المرض كانت كسائر الادوية التي يحتاج إليها الناس في حال المرض ولا مجال
لتفريقها عنها. أللهم الا أن يكون مراد المصنف سقوط مالية الابوال لكثرتها. وفيه
مضافا الى كونه خلاف الظاهر من كلامه والى منع كثرتها في جميع البلاد، ان الكثرة لا
توجب سقوط ماليتها بعد امكان الانتفاع بها في بعض الامكنة والا لزم سلب المالية عن
اكثر المباحات، نعم لا يبعد الالتزام بسقوط ماليتها إذا لم ينتفع بها في محلها ولم
يمكن نقلها الى محل ينتفع بها فيه. ومما ذكرنا علم ان التداوي بالابوال من المنافع
الظاهرة لها، فلا وجه لعدها فيما لا نفع فيه، كما لا وجه للنقض على ذلك بانه لو كان
التداوي
[ 76 ]
بها موجبا لصحة بيعها لجاز بيع كل شئ من المحرمات، لقوله (عليه السلام): ليس شئ
مما حرمه الله الا وقد أحله لمن اضطر إليه (1)، وذلك لما بينا من ان المرض من
الاحوال المتعارفة للانسان، فلا يقاس بالاضطرار الذي لا يتفق في العمر الا نادرا.
ومن هنا يتضح الفرق بين الابوال وبين الميتة ولحوم السباع وغيرهما من المحرمات التي
يحتاج إليها الانسان عند الاضطرار، ولذلك فلا يتجر احد بلحوم السباع ونحوها لاحتمال
الحاجة إليها، وهذا بخلاف الادوية فان بيعها وشراءها من التجارات المهمة. قوله: ولو
عند الضرورة المسوغة للشرب. أقول: لا تعرض في شئ من الروايات العامة وغيرها لتعليق
جواز بيع الابوال الطاهرة غير بول الابل على جواز شربها. قوله: ولا ينتقض ايضا
بالادوية المحرمة. أقول: قوله: لاجل الاضرار، تعليل للحرمة، وحاصل النقض ان الابوال
الطاهرة تكون بحكم الادوية، فكما ان الادوية محرمة الاستعمال في غير حال المرض
لاضرارها بالنفس، ومع ذلك يجوز بيعها واستعمالها عند المرض في حال المرض لاجل تبدل
عنوان الاضرار بعنوان النفع، وهذا بخلاف الابوال فان حليتها ليست الا لاجل الضرورة
فالنقض في غير محله. ولكن الانصاف ان ما أفاده المصنف نقضا وجوابا غير تام: أما
الجواب فلانا لا نجد فرقا بين الابوال وسائر الادوية، وإذا كان
1 - عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس - الخ (نوادر احمد بن محمد بن
عيسى: 75، عنه الوسائل 23: 228)، مرسلة.
[ 77 ]
الاحتياج الى الادوية موجبا لتبدل عنوان الضرر الى النفع فليكن الاحتياج الى
الابوال في حال المرض كذلك، مع ان الامر ليس كذلك، فان من الواضح جدا ان الاحتياج
الى الادوية والعقاقير حال المرض ليس من قبيل تبدل موضوع الضرر بموضوع النفع،
كانتقال موضوع التمام الى موضوع القصر، وانما هو كالاحتياج الى سائر الاشياء بحسب
الطبع. وأما النقض ففيه اولا: انه لا يجوز ان تعلل حرمة الادوية في غير حال المرض
بالاضرار، لانه من العناوين الثانوية، فلا يمكن أن يكون علة لثبوت الحرمة للشئ
بعنوانه الاولى، ولو صح ذلك لم يوجد شئ يكون حلالا بعنوانه الاولى الا نادرا، وذلك
لانه لا بد من عروض عنوان الضرر عليه في مرتبة من مراتب استعماله فيكون حراما.
وثانيا: ان عنوان الاضرار ليس مما تكون الحرمة ثابتة عليه بالذات أو بعنوان غير
منفك، لانه ليس امرا مضبوطا بل يختلف بالاضافة الى الاشخاص والازمنة والامكنة
والمقدار، وربما يكون الشئ مضرا بالاضافة الى شخص حار المزاج دون غيره، وبالنسبة
الى منطقة دون منطقة، أو بمقدار خاص دون الاقل منه. بل لو كان عنوان الاضرار موجبا
لحرمة البيع لما جاز بيع شئ من المشروبات والمأكولات، إذ ما من شئ الا وهو مضر
للمزاج أزيد من حده. نعم لو دل دليل على ان ما اضر كثيره فقليله حرام، كما ورد في
الخمر: فما اسكر كثيره فقليله حرام (1)، لتوجه ما ذكره من النقض.
1 - مر ذكر مصادره قبيل هذا، فراجع.
[ 78 ]
وقد تمسك بعض العامة بذلك عند بحثنا معه في حرمة شرب التتن وأجبنا عنه بانه لو
صح ما أضر كثيره فقليله حرام للزم الالتزام بحرمة جميع المباحات، فان من الواضح انه
ما من شئ في العالم الا وتكون مرتبة خاصة منه مضرة للمزاج. حرمة بيع شحوم ما لا
يؤكل لحمه: قوله: ولا ينافيه النبوي: لعن الله اليهود (1). أقول: وجه التنافي هو
توهم الملازمة بين حرمة الاكل وحرمة البيع، وأجاب عنه المصنف بان الظاهر ان الشحوم
كانت محرمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم
علينا. وفيه: انه لا منشأ لهذا الظهور لا من الرواية ولا من غيرها، بل الظاهر منها
حرمة أكلها فقط، كما هو المستفاد من الاية (2) ايضا، فان الظاهر من تحريم الشحوم
فيها تحريم أكلها لكونه منفعة ظاهرة لها، الا أنك عرفت في البحث عن النبوي المشهور
ان حرمة الاكل لا يستلزم حرمة البيع وضعا وتكليفا باتفاق من الشيعة ومن العامة.
1 - عن جابر بن عبد الله انه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول عام الفتح
وهو بمكة: ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام، فقيل: يا رسول
الله أرأيت شحوم الميتة فانها تطلي بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها
الناس، فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قاتل الله
اليهود ان الله لما حرم عليهم شحومها جملوه - أي اذابوه - ثم باعوه وأكلوا ثمنه
(راجع سنن البيهقي 6: 12، وسبل السلام 2: 316، وصحيح البخاري باب لا يذاب شحم
الميتة 2: 107، وباب بيع الميتة 2: 110)، وتقدم ايضا بعض روايات الشحوم. 2 - قوله
تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما
(الانعام: 147).
[ 79 ]
قوله: والجواب عنه مع ضعفه. أقول: قال المحقق الايرواني: ظاهر النبوي ما حرم
أكله من المأكولات أعني ما يقصد للاكل دون ما حرم أكله مطلقا ليخالف غرض المصنف
ويلزم تخصيص الاكثر حتى يضطر الى تضعيفه سندا ودلالة (1). وفيه: مضافا الى كونه
حملا تبرعيا انه يلزم تخصيص الاكثر ايضا، لجواز بيع المأكولات والمشروبات المحرمة
إذا كانت لها منافع محللة. ثم ان الظاهر من ذيل كلامه استظهار ضعف الرواية من عبارة
المصنف من غير جهة تخصيص الاكثر، الا أنه ناشئ من غلط النسخة ومن زيادة كلمة: مع
قبل كلمة: ضعفه. لا يقال: ان الملاك في حرمة بيع الشحوم هو حرمة اكلها فيحرم بيعها
لكونه اعانة على الاثم. فانه يقال: لو سلمنا حرمة الاعانة على الاثم لكان الظاهر من
الرواية هو بيع اليهود شحومهم من غيرهم، ولم يعلم حرمته على غير اليهود، بل الظاهر
من الاية المباركة اختصاص التحريم بهم، مع أنه لو قطع النظر عن هذا الظهور لكان
تقييد الرواية بما إذا كان البيع للاكل بلا موجب. المسألة (2) جواز بيع العذرة
قوله: يحرم بيع العذرة النجسة من كل حيوان على المشهور. أقول: المعروف بين الفقهاء
(رحمهم الله) حرمة بيع العذرة النجسة من كل حيوان.
1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 4.
[ 80 ]
بل في التذكرة: لا يجوز بيع سرجين النجس اجماعا منا (1)، وفي الجواهر ادعي
الاجماع بقسميه على حرمة بيع أرواث ما لا يؤكل لحمه (2)، وفي النهاية جعل بيع
العذرة من المكاسب المحظورة (3)، وفي الغنية منع عن بيع سرقين ما لا يؤكل لحمه (4)،
وفي المراسم حكم بحرمة بيع العذرة (5)، وفي المستند انه موضع وفاق (6)، وعلى هذا
اتفاق المذاهب الاربعة (7). ثم ان تحقيق هذه المسألة في ضمن مقامين: الاول من حيث
القواعد والاجماعات والروايات العامة، والثاني من حيث الروايات الخاصة الواردة في
خصوص هذه المسألة. أما المقام الاول، فقد ظهر من المسألة السابقة وما قبلها انه لا
يجوز الاستدلال بشئ من تلك الامور على حرمة البيع وفساده.
1 - التذكرة 1: 464. 2 - جواهر الكلام 22: 17. 3 - نهاية الاحكام 2: 463. 4 -
الغنية (الجوامع الفقهية): 524. 5 - المراسم: 170. 6 - المستند 2: 334. 7 - في فقه
المذاهب الاربعة عن المالكية: لا يصح بيع زبل ما لا يؤكل لحمه، سواء كان أكله محرما
كالخيل والبغال والحمير، أو مكروها كالسبع والضبع والثعلب والذئب والهر، فان فضلات
هذه الحيوانات ونحوها لا يصح بيعها. وعن الحنابلة: لا يصح بيع النجس، كالزبل النجس،
وكذلك عند الشافعية. وعن الحنفية: لا ينعقد بيع العذرة، فإذا باعها كان البيع
باطلا، الا إذا خلطها بالتراب، فانه يجوز بيعها إذا كانت لها مالية، ويصح بيع الزبل
يسمي سرجين، وكذا بيع البعر (فقه المذاهب الاربعة 2: 231 - 232).
[ 81 ]
وأما المقام الثاني، فالروايات الواردة هنا على ثلاث طوائف: الاولى ما يدل على
حرمة بيع العذرة وكون ثمنها سحتا (1)، الثانية ما يدل على جواز بيعها، وهي رواية
ابن مضارب (2)، الثالثة ما يدل على جواز بيعها وحرمته معا، وهي رواية سماعة (3).
وللجمع بينها وجوه للاعلام: 1 - ما ذكره شيخ الطائفة (رحمه الله) من حمل رواية
المنع على عذرة الانسان ورواية الجواز على عذرة البهائم مما يؤكل لحمه، واستشهد على
ذلك رواية سماعة. قال في التهذيب بعد ما نقل رواية الجواز: انه ولا ينافي ذلك ما
رواه يعقوب بن شعيب، لان هذا الخبر محمول على عذرة الانسان والاول محمول على عذرة
البهائم، من الابل والبقر والغنم، ولا تنافي بين الخبرين، والذي يكشف عما ذكرناه
رواية سماعة (4).
1 - يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثمن العذرة من السحت
(التهذيب 6: 372، الاستبصار 3: 56، عنهما الوسائل 17: 175)، مجهولة لعلي بن مسكين
أو سكن. دعائم الاسلام: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع العذرة،
وقال: هي ميتة (دعائم الاسلام 2: 18، عنه المستدرك 13: 71)، مرسلة. 2 - محمد بن
مضارب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس ببيع العذرة (الكافي 5: 226،
التهذيب 6: 372، الاستبصار 3: 56، عنهم الوسائل 17: 175)، حسنة لابن مضارب ان قلنا
بتوثيق روات كامل الزيارة والا فهو ضعيف. 3 - عن سماعة قال: سأل رجل ابا عبد الله
(عليه السلام) وأنا حاضر، قال: اني رجل أبيع العذرة فما تقول، قال: حرام بيعها
وثمنها، وقال: لا بأس ببيع العذرة (التهذيب 6: 372، الاستبصار 3: 56، عنهما الوسائل
17: 175)، موثقة. 4 - التهذيب 6: 372.
[ 82 ]
وفي المبسوط: فلا يجوز بيع العذرة والسرجين مما لا يؤكل لحمه (1)، وفي الخلاف:
فالسرجين النجس محرم بالاجماع، فوجب أن يكون بيعه محرما (2). إذا عرفت مسلكه من
كتبه الثلاثة فلا تغتر باطلاق كلامه في الاستبصار، (3) حيث حمل رواية الجواز على
عذرة غير الادميين ورواية المنع على عذرة الناس، ثم استشهد عليه برواية سماعة، فان
مراده من غير الادميين انما هو ما يؤكل لحمه فقط فلا يعم غير المأكول. وفيه اولا:
انه ثبت في محله ان كون الدليل نصا في مدلوله غير كون بعض أفراده متيقنا في الارادة
من الخارج على تقدير صدور الحكم، فما هو الموجب لرفع اليد عن الحكم هو الاول دون
الثاني. ففي مثل الامر (4) بغسل الثوب من بول الخفاش الصريح في المحبوبية
1 - المبسوط 2: 167. 2 - الخلاف 2: 185، المسألة: 310. 3 - الاستبصار 3: 56. 4 - عن
داود الرقى قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فاطلبه
فلا أجده، فقال: اغسل ثوبك (التهذيب 1: 265، الاستبصار 1: 188، مستطرفات السرائر:
107، عنهم الوسائل 3: 412)، مجهولة ليحيى بن عمر. تاج العروس: الخفاش - كرمان -
الوطواط الذى يطير بالليل، سمى به لصغر عينيه خلقة وضعف بصره بالنهار، ومن الخواص
ان دماغه ان مسح بالاخمصين هيج الباه أي شبق النكاح، وان احرق واكتحل به قلع البياض
من العين وأحد البصر، ودمه ان طلى به على عانات المراهقين منع نبات الشعر، ومرارته
ان مسح بها فرج المنهكه، وهى التى عسر ولادها ولدت في ساعتها، ج خفافيش، والاخفش
الذى يغمض إذا نظر (تاج العروس 4: 308). وفي حياة الحيوان للدميري: الخفاش له اربعة
اسماء: خفاش وخشاف وخطاف ووطواط، وليس من الطير في شئ، فانه ذو اذنين واسنان
وخصيتين ومنقار، ويحيض ويطهر ويضحك كما يضحك الانسان، ويبول كما تبول ذوات الاربع،
ويرضع ولده، ومن الخواص ان طبخ رأسه في اناء نحاس أو حديد بدهن زنبق ويغمر فيه
مرارا حتى يتهرى ويصفى ذلك الدهن عنه ويدهن به صاحب النقرس والفالج القديم
والارتعاش والتورم في الجسد والربو فانه ينفعه ذلك ويبرؤه، وهو عجيب مجرب، وان ذبح
في بيت واخذ قلبه واحرق فيه لم يدخله حيات و لا عقارب، ومن نتف ابطه وطلاه بدمه مع
لبن اجزاء متساوية لم ينبت فيه شعر وان صب من مرق الخفاش وقعد فيه صاحب الفالج انحل
ما به.
[ 83 ]
والظاهر في الوجوب، وما ورد من ان بول الخفاش لا بأس به (1)، الصريح في جواز
الترك والظاهر الاباحة الخاصة، برفع اليد عن ظهور كل منهما بصريح الاخر فيثبت
الاستحباب. وأما في امثال المقام حيث لا صراحة للدليل في شئ فلا موجب للجمع
المذكور، فانه تبرعي محض وخارج عن صناعة الجمع الدلالي العرفي فلا يوجب رفع التعارض
بوجه، اذن فلا بد اما من طرحهما واما الرجوع الى المرجحات السندية أو الخارجية من
موافقة الكتاب أو مخالفة العامة. وبعبارة اخرى ان الجمع العرفي بين الدليلين بطرح
ظهور كل منهما بنص الاخر انما يجري فيما كانت لكل منهما قرينة لرفع اليد عن ظهور
الاخر، كالجمع بين الامر والترخيص بحمل الاول على الاستحباب والثاني على الكراهة.
وهذا بخلاف ما إذا ورد النفي والاثبات على مورد واحد كما فيما نحن فيه، فانه من
اوضح موارد المتعارضين.
1 - عن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) قال: لا بأس بدم البراغيث والبق وبول
الخشاشيف (التهذيب 1: 266، الاستبصار 1: 188، عنهما الوسائل 3: 413)، موثقة.
[ 84 ]
وثانيا: سلمنا ذلك الا أن اطلاق العذرة على مدفوعات ما يؤكل لحمه ممنوع جدا،
وانما يطلق عليها لفظ الارواث أو السرقين، وهذا واضح لمن كان له انس بالعرف واللغة
(1). وثالثا: سلمنا جواز الاطلاق وصحته، الا أن اخذ المتيقن من الدليلين المتنافيين
لا يعد من الجموع العرفية، لعدم ابتنائه على اساس صحيح، بل لو جاز احذ المتيقن من
الدليل لانسد باب حجية الظواهر ولم يجز التمسك بها، إذ ما من دليل الا وله متيقن في
ارادة المتكلم، الا أن يقال بتخصيص ذلك بصورة التعارض وهو كما ترى. ورابعا: سلمنا
ذلك ايضا الا أن اخذ المتيقن من دليلي الجواز والمنع لا ينحصر بما ذكر بل يجوز اخذه
منهما بوجه آخر اوجه منه، بان تحمل رواية الجواز على فرض كون العذرة المبيعة يسيرة
ورواية المنع على فرض كونها كثيرة، أو تحمل رواية الجواز على بلاد تعارف فيها بيع
العذرة لاجل التسميد ونحوه ورواية المنع على بلاد لم يتعارف فيها بيعها أو غير ذلك.
2 - ان تحمل رواية الجواز على بلاد ينتفع بها ورواية المنع على بلاد لا ينتفع بها،
وقد حكى المصنف هذا الوجه من المجلسي، ثم استبعده.
1 - في المنجد (493): العذرة الغائط، وفي المجمع (3: 398): العذرة وزان كلمة الخرو
ولم يسمع التخفيف، وقد تكرر ذكرها في الحديث، وسمي فناء الدار عذرة لمكان القاء
العذرة هناك. وكذلك في نهاية ابن الاثير (3: 199). وفي تاج العروس (3: 388):
والعاذر هو الغائط الذي هو السلح والرجيع، والعذرة بكسر الذال المعجمة، ومنه حديث
ابن عمر انه كره السلت الذي يزرع بالعذرة يريد غائط الانسان الذي يلقيه وفناء
الدار.
[ 85 ]
وفيه: مضافا الى كونه جمعا تبرعيا ان امكان الانتفاع بها في مكان يكفي في صحة
بيعها على وجه الاطلاق. على أنك عرفت في بيع الابوال أن غاية ما يلزم هو كون
المعاملة على أمثال تلك الخبائث سفهية، ولم يقم دليل على بطلانها وصرف العمومات
عنها. مع ان الظاهر من قول السائل في رواية سماعة: اني رجل أبيع العذرة، هو كونه
بياع العذرة وأخذه ذلك شغلا لنفسه، وانما سئل عن حكمه الشرعي، وهذا كالصريح في كون
بيع العذرة متعارفا في ذلك الزمان. ثم ان هذا الوجه وان نسبه المصنف الى المجلسي
ولكن لم نجده في كتبه (1)، بل الموجود في مرآة العقول نفي البعد عن حمل رواية
الجواز على الكراهة. 3 - ما احتمله السبزواري من حمل رواية المنع على الكراهة
ورواية الجواز على الترخيص المطلق (2)، وقد استبعده المصنف ايضا، ولعل الوجه فيه هو
ان استعمال لفظ السحت في الكراهة غير جار على المنهج الصحيح، فان السحت في اللغة
عبارة عن الحرام (3)، اذن فرواية المنع آبية
1 - حكاه العلامة المجلسي في ملاذ الاخيار 10: 379 ذيل الحديث: 202 عن والده
العلامة المجلسي الاول. 2 - كفاية الاحكام: 84. 3 - في المجمع (2: 204): السحت كل
مال لا يحل كسبه، وفي القاموس: السحت الحرام وما خبث من المكاسب، وفي المصباح (:
267): السحت مال حرام لا يحل أكله ولاكسبه. وفي لسان العرب (2: 41): السحت كل حرام
قبيح الذكر، وقيل: هو ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار، وقبيح الذكر كثمن
الكلب والخمر والخنزير، والجمع اسحات، و السحت الحرام الذي لا يحل كسبه، لانه يسحت
البركة اي يذهبها، وأسحتت تجارته خبثت و حرمت،، وأسحت: اكتسب السحت.
[ 86 ]
عن الحمل عليها. وفيه اولا: ان لفظ السحت قد استعمل في الكراهة في عدة من
الروايات، فانه اطلق فيها على ثمن جلود السباع (1)، وكسب الحجام (2)، واجرة
المعلمين الذين يشارطون في تعليم القرآن (3)، وقبول الهدية مع قضاء الحاجة (4).
1 - عن علي (عليه السلام): من السحت ثمن جلود السباع (الجعفريات: 180، عنه المستدرك
13: 69)، ضعيفة لجهالة الكتاب. عنه (عليه السلام): من السحت ثمن جلود السباع (دعائم
الاسلام 1: 126، عنه المستدرك 13: 120)، مرسلة. 2 - عن سماعة قال: قال أبو عبد الله
(عليه السلام): السحت انواع كثيرة، منها كسب الحجام إذا شارط (الكافي 5: 127، عنه
الوسائل 17: 92)، ضعيفة لمحمد بن احمد الجاموراني. ومثلها رواية اخرى لسماعة الا
أنه ليست فيها جملة شرطيه ولكنها موثقة (التهذيب 6: 352، عنه الوسائل 17: 92). عن
علي (عليه السلام): من السحت كسب الحجام (الجعفريات: 108، عنه المستدرك 13: 74)،
ضعيفة لجهالة الكتاب. 3 - عن ابن عباس في قوله تعالى: أكالون للسحت، قال: اجرة
المعلمين الذين يشارطون في تعليم القرآن (فقه الرضا (عليه السلام): 34، عنه
المستدرك 13: 116)، والاية في المائدة : 42. 4 - عن علي (عليه السلام) في قوله
تعالى: أكالون للسحت، قال: هو الرجل يقضي لاخيه الحاجة ثم يقبل هديته (عيون اخبار
الرضا (عليه السلام) 2: 28، عنه الوسائل 17: 95)، قد تعرض صاحب الوسائل لاسانيد
الرواية في باب اسباغ الوضوء، ولكن أكثرها من المجاهيل.
[ 87 ]
ومن الواضح جدا انه ليس شئ منها بحرام قطعا، وانما هي مكروهة فقط، وقد نص بصحة
ذلك الاستعمال غير واحد من أهل اللغة (1). بل الروايات الكثيرة تصرح بجواز بيع جلود
السباع (2)، واخذ الاجرة للحجام (3)، وتعليم القرآن حتى مع الاشتراط (4).
1 - في نهاية ابن الاثير (2: 345): السحت كما يطلق على الحرام يطلق على المكروه،
وفي لسان العرب (2: 42): السحت يرد في الكلام على المكروه مرة وعلى الحرام اخرى،
ويستدل عليه بالقرائن. 2 - منها الروايات المجوزة لبيع جلود النمر والسباع، كما
سيأتي التعرض لها في بيع المسوخ. 3 - منها موثقة زرارة، قال: سألت ابا جعفر (عليه
السلام) عن كسب الحجام، فقال: مكروه له أن يشارط، ولا بأس عليك ان تشارطه وتماسكه،
وانما يكره له، ولا بأس عليك (الكافي 5: 116، التهذيب 6: 355، الاستبصار 3: 59،
عنهم الوسائل 17: 106). لا يخفى ان ظهور الرواية في الكراهة الاصطلاحية مما لا
ينكر، وان كانت هي في الاخبار اعم منها ومن الحرمة. ومنها رواية حنان بن سدير،
وفيها: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد احتجم وأعطي الاجر، ولو كان حراما ما
أعطاه (الكافي 5: 115، التهذيب 6: 354، الاستبصار 3: 58، عنهم الوسائل 17: 105)،
ضعيفة لسهل. وقريب منها رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) (الكافي 5: 116،
الفقيه 3: 97، التهذيب 6: 355، الاستبصار 3: 59، عنهم الوسائل 17: 106)، وهي ايضا
ضعيفة لعمرو بن شمر. ومنها رواية قرب الاسناد: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله)
احتجم وسط رأسه، حجمه أبو طيبة، وأعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاعا من تمر
(قرب الاسناد: 53، عنه الوسائل 17: 106)، ضعيفة لحسين بن علوان. وفي صحيح البخاري
باب خراج الحجام من الاجارات 2: 122، وفي سنن البيهقي 9: 338 عن ابن عباس قال:
احتجم النبي (صلى الله عليه وآله) وأعطي الحجام أجره ولو علم كراهية لم يعطه. 4 -
منها رواية الفضل بن أبي قرة، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ان هولاء
يقولون: ان كسب المعلم سحت، فقال: كذبوا اعداء الله، انما أرادوا ان لا يعلموا
القرآن، ولو ان المعلم أعطاه رجل دية ولده كان للمعلم مباحا (الكافي 5: 121، الفقيه
3: 99، التهذيب 6: 364، الاستبصار 3: 65، عنهم الوسائل 17: 154)، ضعيفة للفضل. ثم
انه اخرج البيهقي في السنن الكبرى 6: 124 احاديث تدل على جواز اخذ المعلم الاجرة
للتعليم، واحاديث اخرى تدل على كراهة اخذها لتعليم القرآن.
[ 88 ]
والجمع العرفي يقتضي حمل المانعة على الكراهة، وعليها فتاوى الاصحاب واجماعهم
بل فتاوى اكثر العامة (1)، اذن فلا وجه للتهويل على السبزواري بان كلمة السحت غير
مستعملة في الكراهة الاصطلاحية. وثانيا: لو سلمنا حجية قول اللغوي فغاية ما يترتب
عليه ان حمل لفظ السحت على المكروه خلاف الظاهر ولا بأس به إذا اقتضاه الجمع بين
الدليلين. لا يقال: وان صح اطلاق كلمه السحت على الكراهة كصحة اطلاقها على الحرام
الا ان نسبته الى الثمن صريحة في الحرمة، فانه لا معنى لكراهة الثمن.
1 - عند الحنابلة: يصح بيع سباع البهائم، وعند الحنفية يصح بيع الاسد والفيل وسائر
الحيوانات سوي الخنزير (فقه المذاهب 2: 232). كره اجر الحجام إذا اشترط (فقه
المذاهب 3: 173)، وعن الحنابلة كراهة اجرة الحجام (فقه المذاهب 3: 195)، والمتأخرين
من الحنفية اجازوا اخذ الاجرة على تعليم القرآن (فقه المذاهب 3: 171)، عن المالكية
يجوز اخذ الاجرة على تعليم القرآن إذا عرف المعلم المتعلم (فقه المذاهب 3: 182)،
وعن الشافعية تصح الاجارة على تعليم القرآن (فقه المذاهب 3: 188). ذكر النووي في
شرح صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 6: 446: اختلف العلماء في اجرة الحجام، فقيل
بتحريمه مطلقا، وقيل يحرم على الحر دون العبد، والاكثر على عدم الحرمة وحملوا النهي
على التنزيه والارتفاع عن دنئ الكسب.
[ 89 ]
فانه يقال: ان عناية تعلق الكراهة بالثمن لا تزيد على عناية تعلق الحرمة به،
فارادة الثاني من كلمة السحت دون الاول مع صحة استعمالها فيهما تحتاج الى قرينة
معينة. ومن هنا ذكر في لسان العرب: السحت يرد في الكلام على المكروه مرة وعلى
الحرام اخرى، ويستدل عليه بالقرائن (1). غاية الامر انه إذا تعلقت الحرمة بالثمن
فيستفاد من ذلك الحرمة الوضعية أعني بها فساد البيع زائدا على حرمة التصرف في الثمن
بخلاف تعلق الكراهة به فانه متمحض في الدلالة على الحكم التكليفي كما في ثمن جلود
السباع ونحوه. 4 - ان تحمل رواية الجواز على الجواز التكليفي، لظهور كلمة: لا بأس
في ذلك، ورواية المنع على الحرمة الوضعية، فتصير النتيجة ان بيع العذرة فاسد وغير
حرام. وفيه مضافا الى كونه جمعا تبرعيا ان استعمال لا بأس في الجواز التكليفي
ومقابله في البأس الوضعي من الغرابة بمكان كاد أن يلحق بالاغلاط، ولم نسمع الى الان
نظير ذلك الاستعمال، بل هما متمحضان لبيان الحكم الوضعي، وان كان يستفاد منهما
الحكم التكليفي احيانا بالالتزام. ومن هنا ترون ان الفقهاء (رحمهم الله) يتمسكون
بالامر بشئ وبالنهي عن شئ في الصلاة لاثبات الجزئية والمانعية فيها، على ان قوله
(عليه السلام) في رواية سماعة: حرام بيعها وثمنها (2)، ظاهر في الحرمة التكليفية
1 - لسان العرب 2: 42. 2 - التهذيب 6: 372، الاستبصار 3: 56، عنهما الوسائل 17:
175.
[ 90 ]
لو لم يكن نصا فيها، فلا وجه لرفع اليد عنها وحملها على الحرمة الوضعية. 5 - ما
اختاره العلامة المامقاني (رحمه الله) وقال: الاقرب عندي حمل قوله (عليه السلام):
لا بأس ببيع العذرة، على الاستفهام الانكاري، ولعل هذا مراد المحدث الكاشاني حيث
قال: ولا يبعد أن يكون اللفظتان مختلفتين في هيئة التلفظ والمعنى وان كانتا واحدة
في الصورة (1). وفيه: مضافا الى كونه محتاجا الى علم الغيب انه خلاف الظاهر من
الرواية، فلا يجوز المصير إليه بمجرد الاحتمال. والتحقيق انه لا يجوز العمل بروايات
المنع لوجهين: 1 - عدم استيفائها شرائط الحجية بنفسها: أما رواية ابن شعيب فلضعف
سندها، لا للارسال كما زعمه صاحب الجواهر (2) اغترارا بارسال العلامة في المنتهى
(3)، بل لجهالة علي بن مسكين أو سكن، وكذا رواية دعائم الاسلام، وتوهم انجبارهما
بعمل المشهور توهم فاسد، فانه مضافا الى فساد الكبرى ان الحكم غير مختص بالعذرة بل
شامل لغيرها من النجاسات. وأما رواية سماعة فهي وان كانت موثقة الا أنه لا يجوز
الاعتماد عليها، اما لاجمالها لمعارضة صدرها مع ذيلها ان كانت رواية واحدة، واما
للتعارض والتساقط لو كانت روايتين. ولكن يدل على التعدد من الرواية امور: الاول:
اقتران كلمة قال فيها بالواو.
1 - الوافي: 10، الباب 43 من المكاسب،: 42. 2 - جواهر الكلام 22: 17. 3 - المنتهي
2: 1008.
[ 91 ]
الثاني: وضع المظهر فيها موضع المضمر، فانها لو كانت رواية واحدة لكان للامام
(عليه السلام) أن يقول: ولا بأس ببيعها، بدل قوله (عليه السلام): لا بأس ببيع
العذرة. الثالث: انها لو كانت رواية واحدة لكانت مجملة كما عرفت، اذن فلزم للسائل
أن يسأل عن بيع العذرة ثانيا. فينكشف من تلك القرائن تعددها، وان سماعة لما نقل
رواية المنع ألحقها برواية الجواز تفهيما للمعارضة، وعلى هذا فيحكم بالتساقط. ان
قلت: ان السائل لما فهم مقصوده من القرائن الحالية أو المقالية وان لم تصل الينا
ترك التعرض للسؤال، فلا يلزم من ذلك تعدد الرواية. قلت: احتمال انه فهم المراد من
القرائن وان كان موجودا الا أن اصالة عدم القرينة التي من الاصول المسلمة عند
العقلاء تدفع ذلك الاحتمال. ثم لو صحت رواية ابن مضارب (1)، كما هي كذلك وان رماها
المجلسي بضعف السند (2)، لوجب الاخذ بها، والا فالمرجع في الجواز التكليفي هي أصالة
الاباحة، وفي الجواز الوضعي هي العمومات من: اوفوا بالعقود (3)، وأحل الله البيع
(4)، وتجارة عن تراض (5). 2 - انك بعد ما عرفت تعدد رواية سماعة وكونها روايتين
فتنحصر الروايات هنا في طائفتين: المانعة عن بيع العذرة والمجوزة لبيعها.
1 - صحتها مبني على توثيق ابن مضارب، وهو ثقة ان قلنا بتوثيق مشايخ كامل الزيارة، و
ان قلنا بعدمه - كما هو الحق وبنى عليه العلامة الخوئي (قدس سره) اخيرا - والرواية
ضعيفة. 2 - مرآة العقول 3، الباب 103 جامع فيما يحل الشراء من المكاسب: 411. 3 -
المائدة: 1. 4 - البقرة: 275. 5 - النساء: 29.
[ 92 ]
وعلى هذا فان أمكن الجمع بينهما باحدى الوجوه المتقدمة فنأخذ بهما، والا فلا بد
من الرجوع الى المرجحات الخارجية، لتساوي روايتي سماعة من حيث المرجحات السندية،
ولما كان القول بحرمة بيع العذرة مذهب العامة بأجمعهم فنأخذ بالطائفة المجوزة
لبيعها. ومن هنا ظهر ما في كلام المصنف، حيث استبعد حمل الطائفة المانعة عن بيعها
على التقية. والعجب من الفاضل المامقاني (رحمه الله) فانه وجه كلام المصنف وقال: ان
مجرد كونه مذهب أكثر العامة لا يفيد مع كون فتوى معاصر الامام الذي صدر منه الحكم
هو الجواز كما فيما نحن فيه، حيث ان الجواز فتوى ابي حنيفة المعاصر لمن صدر منه
اخبار المنع، وهو الصادق (عليه السلام)، فخبر الجواز اولى بالحمل على التقية، ووجه
العجب ان ابا حنيفة قد أفتى بحرمة بيع العذرة كما عرفت. وأعجب من ذلك ما نسبه إليه
العلامة في التذكرة من تجويز بيع السرجين النجس، لان أهل الامصار يتبايعونه لزروعهم
من غير نكير (1)، فانه (رحمه الله) مع اطلاعه على مذهب العامة وآرائهم كيف خفي عليه
مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة. نعم لا ينكر تجويز أبي حنيفة بيع العذرة إذا اختلطت
بالتراب، وبيع الزبل الذي يسمى بالسرجين، وبيع البعر للانتفاع به وجعله وقودا (2).
قوله: فرواية الجواز لا يجوز الاخذ بها من وجوه لا تخفى. أقول: الوجوه المشار إليها
في كلامه هي الاجماعات المنقولة
1 - التذكرة 1: 464. 2 - فقه المذاهب الاربعة 3: 232.
[ 93 ]
والشهرة الفتوائية والروايات العامة المتقدمة، وضعف سند ما يدل على الجواز، الا
أنها مخدوشة بأجمعها ولا يصلح شئ منها لترجيح ما يدل على المنع: أما الاجماعات
المنقولة، فليست بتعبدية، بل مدركها هي الوجوه المتقدمة، ولو كانت تعبدية لكانت حجة
مستقلة، وضمها الى رواية المنع لا يزيد اعتبارها بل هي بنفسها لو كانت حجة لوجب
الاخذ بها والا فضم الاجماعات إليها لا يوجب حجيتها. وأما الشهرة الفتوائية، فهي
وان كانت مسلمة الا أن ابتنائها على رواية المنع ممنوع جدا، فان تلك الشهرة غير
مختصة ببيع العذرة بل هي جارية في مطلق النجاسات، ولو سلمنا ابتنائها عليها لا توجب
انجبار ضعف سند الرواية، على ان ما يوجب ترجيح احدي الروايتين على الاخرى عند
المعارضة هي الشهرة في الرواية دون الشهرة الفتوائية. وأما الروايات العامة، فقد
تقدم الكلام فيها، على ان النجاسة لم تذكر في شئ منها الا في رواية تحف العقول،
والذي يستفاد منها ليس الا حرمة الانتفاع بالنجس مطلقا، وهي وان كانت مانعة عن
البيع الا أنه لم يقل بها احد. وأما مانعية النجاسة من حيث هي نجاسة، فلا يستفاد من
تلك الروايات ولا من غيرها، نعم لا شبهة في حرمة الانتفاعات المتوقفة على الطهارة.
ومن هنا يظهر الجواب عمن ذهب الى حرمة الانتفاع بالعذرة في التسميد ونحوه، وتمسك في
ذلك بقوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد،
بدعوى ان التسميد ونحوه
[ 94 ]
من التصرفات فيها من وجوه الفساد، بل قد ورد في بعض الروايات جواز طرح العذرة
في المزارع (1). وأما تخيل ضعف رواية الجواز من ناحية السند، ففيه اولا: انه محض
اشتباه قد نشأ من خلط ابن مضارب بابن مصادف، وتوهم ان الاول غير موجود في كتب
الرجال فاسد، فانه مضافا الى كونه مذكورا فيها ومنصوصا بحسنه انه قد اتفقت اصول
الحديث على نقل رواية الجواز عنه ولم يحتمل فيها نقلها عن ابن مصادف. وثانيا: ان
اختصار الكليني بنقل رواية الجواز فقط دون غيرها يشير الى اعتبارها كما هي كذلك،
لكون رواتها بين ثقات وحسان. جواز بيع الارواث الطاهرة: قوله: الاقوي جواز بيع
الارواث الطاهرة. أقول: المشهور بين اصحابنا جواز بيع الارواث الطاهرة، وفي المستند
يجوز الاكتساب بها مطلقا وفاقا للاكثر (2)، بل عن السيد الاجماع عليه لطهارتها وعظم
الانتفاع بها فيشملها الاصل والعمومات (3). وفي الخلاف سرجين ما يؤكل لحمه يجوز
بيعه دليلنا على جواز ذلك انه طاهر عندنا ومن منع منه فانما منع لنجاسته، ويدل على
ذلك بيع أهل الامصار في جميع الاعصار لزروعهم وثمارهم، ولم نجد أحدا أكره
1 - عن علي (عليه السلام) انه كان لا يري بأسا أن يطرح في المزارع العذرة (قرب
الاسناد: 68، عنه الوسائل 24: 169)، ضعيفة لابي البختري وهب بن وهب. 2 - المستند 2:
334. 3 - لم نقف عليه في كتب السيد، لكن حكاه عنه العلامة في المنتهي 2: 1008.
[ 95 ]
ذلك ولا خلاف فيه، فوجب أن يكون جائزا (1). نعم حكم في النهاية بحرمة بيع
العذرة والابوال الا بول الابل خاصة فانه لا بأس بشربه والاستشفاء به عند الضرورة
(2)، وفي المراسم حكم بحرمة التكسب بالعذرة والبول الا بول الابل خاصة (3). وكذلك
ذهبت الشافعية الى نجاسة فضلة مأكول اللحم بلا تفصيل بين الطيور وغيرها، مع ذهابهم
الى عدم صحة بيع كل نجس الا إذا كان مخلوطا بشئ طاهر لا يمكن فصله منه (4). والظاهر
انه لا فرق بين العذرة والارواث في جواز البيع وعدمه من جهة مدرك الحكم الا نجاسة
الاولى وطهارة الثانية، فان الاخبار الخاصة الواردة في حرمة بيع العذرة لم تتم كما
عرفت والاخبار العامة المتقدمة انما تدل على حرمة بيع ما يكون منهيا عن اكله، فتكون
شاملة للارواث والعذرة كلتيهما، وحيث عرفت انه لا يصلح شئ من ذلك لاثبات حرمة بيع
العذرة فتعرف عدم جريانه في الارواث ايضا. وأما ما في رواية تحف العقول من قوله
(عليه السلام): أو شئ من وجوه النجس، فلا تدل على مانعية النجاسة عن البيع، لما
عرفت في بيع الابوال ان مقتضي التعليل المذكور فيها هو كون منافع النجس بأجمعها
محرمة، وأما إذا كانت له منفعة محللة فلا تدل الرواية على حرمة بيعه، اذن فلا وجه
لما التزم به شيخنا الانصاري (رحمه الله) من التفريق بين العذرة والارواث.
1 - الخلاف 3: 185، المسألة: 310. 2 - نهاية الاحكام 2: 463. 3 - المراسم: 170. 4 -
فقه المذاهب الاربعة 2: 232.
[ 96 ]
وأما دعوى الاجماع على التفريق بينهما، فهي دعوى جزافية للاطمينان بان مدرك
المجمعين تلك الوجوه المذكورة لمنع بيع العذرة دون الارواث، والا فالاجماع التعبدي
الكاشف عن رأي الحجة معلوم العدم، وقيام السيرة على جواز الانتفاع والمعاوضة لا
يختص بالارواث بل يعم العذرة ايضا كشمول العمومات لهما. وما في الجواهر (1) من
الاستدلال على جواز بيع الارواث فقط بخبر ابن مضارب وبذيل رواية سماعة بعد ما
حملهما عليها فاسد، لما عرفت من انه لا يصح اطلاق العذرة على الارواث بوجه، وان
الارواث في اللغة (2) لا تطلق الا على رجيع ذي الحافر. وقد يتوهم تحريم بيعها لاية
تحريم الخبائث، بدعوى ان عموم التحريم المستفاد من الجمع المحلى باللام يشمل البيع
ايضا. وفيه اولا: ما أجاب به المصنف، من ان المراد من تحريم الخبائث هو تحريم أكلها
لا مطلق الانتفاعات بها. وثانيا: انه قد تقدم في بيع الابوال ان الخبيث عبارة عن
مطلق ما فيه نقص ودناءة، ولو كان من قبيل الافعال ويرادف في الفارسية بلفظ: پليد،
فمثل الزنا والافتراء والغيبة والنميمة وغيرها من الافعال المحرمة التي عبر عنها في
قوله تعالى بالفواحش من الخبائث ايضا (3).
1 - جواهر الكلام 22: 17. 2 - في تاج العروس (1: 626) مادة راث: الروثة واحدة الروث
والارواث، وقد راث الفرس وغيره، وفي المثل أحشك وتروثنى، قال ابن سيده: الروث رجيع
ذى الحافر، وفي التهذيب يقال لكل ذى حافر قد راث يروث روثا، وفي المجمع (2: 255):
راث الفرس يروث روثا من باب قال، والخارج روث، ومنه الحديث: نهى عن الروث، يعنى
رجيع ذات الحافر. 3 - قوله تعالى: قل انما حرم ربي الفواحش (الاعراف: 31).
[ 97 ]
اذن فليس المراد من تحريم الخبائث في الاية الا بيان الكبرى الكلية من تحريم ما
فيه مفسدة، وأما تشخيص الصغرى وبيان ان في هذا مفسدة أو في ذاك فخارج عن حدود
الاية، والا فيلزم التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، وهو لا يجوز كما نقح في
الاصول. وان ابيت الا عن اختصاصها بما يكون الطبع متنفرا عنه، فندفعه بعدم الملازمة
بين تحريم الاكل وحرمة البيع، كما سبق في بيع الابوال وغيره، الا إذا كان الاكل من
المنافع الظاهرة. المسألة (3) جواز بيع الدم نجسا كان أم طاهرا قوله: يحرم المعاوضة
على الدم بلا خلاف. أقول: المشهور بين أصحابنا شهرة عظيمة حرمة بيع الدم النجس، كما
في النهاية (1) والمراسم (2) والمبسوط (3)، وفي التذكرة يشترط في المعقود عليه
الطهارة الاصلية ولو باع نجس العين لم يصح اجماعا (4). وعلى هذا المنهج ابن الهمام
الحنفي في شرح فتح القدير (5)، وعن المالكية لا يصح بيع النجس، وعن الحنابلة لا يصح
بيع النجس كالدم، وعن الشافعية لا يصح بيع كل نجس، وعن الحنفية لا يصح بيع الدم
(6)،
1 - نهاية الاحكام 2: 463. 2 - المراسم: 170. 3 - المبسوط 2: 167. 4 - التذكرة 1:
464. 5 - شرح فتح القدير 5: 186. 6 - فقه المذاهب الاربعة 2: 231 - 232.
[ 98 ]
وفي أخبارهم ايضا شهادة على ذلك (1). إذا عرفت ذلك فاعلم ان المصنف قد فصل بين
الدم النجس فحكم بحرمة المعاوضة عليه للاجماع والاخبار السابقة - اي الروايات
العامة - وبين الدم الطاهر، فقد قوي جواز المعاوضة عليه إذا فرضت له منفعة محللة
كالصبغ ونحوه، لكونه من الاعيان التي يجوز الانتفاع بها منفعة محللة. وفيه: انه بعد
اشتراكهما في حرمة الاكل وجواز الانتفاع بهما منفعة محللة كالصبغ والتسميد ونحوهما،
فلا وجه للتفكيك بينهما. وأما النجاسة فقد عرفت مرارا انه لا موضوعية لها، فلا تكون
فارقة بين الدم الطاهر والنجس. وأما الاخبار السابقة فمضافا الى ضعف سندها انها
شاملة لهما، فلو تمت لدلت على حرمة بيعهما معا والا فلا، على ان المستفاد من رواية
تحف العقول هو تحريم مطلق منافع النجس، وحينئذ فان وقفنا على ظاهرها فلازمه الافتاء
بما لم يفت به احد، وان اقتصرنا على خصوص تحريم البيع فلا دليل عليه. وأما الاجماع
فهو لا يختص بالمقام، وانما هو الذي ادعى قيامه على حرمة مطلق بيع النجس، ومدركه هي
الوجوه المذكورة لحرمة بيعه من الروايات العامة وغيرها، والا فليس هنا اجماع تعبدي
ليكشف عن رأي المعصوم. اذن فلا دليل على حرمة بيع الدم، سواء كان نجسا ام طاهرا، لا
وضعا ولا تكليفا.
1 - عن عون بن أبي جحيفة قال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن ثمن الدم
(سنن البيهقي 6: 6، صحيح البخاري باب موكل الربا 3: 78).
[ 99 ]
وهم وازالة: وقد استدل على حرمة بيع الدم مطلقا بمرفوعة أبي يحيى الواسطي، فان
فيها: نهى علي (عليه السلام) عن بيع سبعة منها الدم (1)، فتدل على ذلك وضعا
وتكليفا، بعد ملاحظة انجبارها بالشهرة، بل بعدم الخلاف بين الاصحاب. وفيه اولا:
انها ضعيفة السند وغير منجبرة بعمل المشهور صغرى وكبرى، والوجه في ذلك هو ما تقدم
(2)، ولا انها منجبرة بعدم الخلاف، وان ذكره المامقاني (رحمه الله)، فانه على تقدير
عدم كونه حجة فضمها لغير الحجة لا يفيد اعتبارها، فلا يجوز الاستدلال بها على حرمة
بيع الامور المذكورة فيها، نعم إذا قلنا بشمول ادلة التسامح في السنن للمكروهات لا
بأس من الالتزام بكراهة بيعها.
1 - الواسطي رفعه قال: مر امير المؤمنين (عليه السلام) بالقصابين، فنهاهم عن بيع
سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم والغدد، وآذان الفواد والطحال، والنخاع
والخصى والقضيب، فقال له بعض القصابين: يا امير المؤمنين ما الكبد والطحال الا
سواء، فقال له: كذبت يا لكع، ايتوني بتورين من ماء انبئك بخلاف ما بينهما، فاتي
بكبد وطحال وتورين من ماء، شقوا الطحال من وسطه، وشقوا الكبد من وسطه، ثم امر (عليه
السلام) فمر سافي الماء جميعا، فابيضت الكبد ولم ينقص شئ منه، ولم يبيض الطحال وخرج
ما فيه كله وصار دما كله، حتى بقي جلد الطحال وعرقه، فقال له: هذا خلاف ما بينهما،
هذا لحم وهذا دم (الكافي 6: 253، التهذيب 9: 74، الخصال : 341، عنهم الوسائل 24:
172)، مرفوعة. أقول: النخاع - مثلثة - الخيط الابيض في جوف الفقار ينحدر من الدماغ،
ويتشعب منه شعب في الجسم كما في القاموس، والخصي كمدي جمع خصية، كمدية الغدد، كغرف
جمع غدة، كغرفة لحم اسود يستصحب الشحم، اللكع - بضم اللام وفتح الكاف - اللئيم
والاحمق، والتور اناء يشرب فيه، ومرس الشئ في الماء انقاعه وتليينه باليد. 2 - مر
في البحث عن كتاب تحف العقول.
[ 100 ]
وثانيا: ان الظاهر من الدم المذكور في المرفوعة هو الدم النجس الذي تقذفه
الذبيحة المسمي بالمسفوح لكثرته ومرسومية أكله في زمن الجاهلية، دون الطاهر المتخلف
فيها الذي يباع بتبع اللحوم كثيرا، فانه من القلة بمكان لم يكن مورد الرغبة لاهل
الجاهلية، لينجر ذلك الى أن يمر علي (عليه السلام) بالقصابين وينهاهم عن بيعه،
ولعله لذلك لم يذكر الله تعالى في القرآن الا الدم المسفوح (1). اذن فالرواية لا
تشمل الدم الطاهر، فلا تدل على حرمة بيعه مطلقا لكونها اخص من المدعي. ولكن يمكن أن
يقال: ان تعارف أكل الدم النجس وغلبته في الخارج لا يوجب اختصاص المنع المذكور في
الرواية بل يعم الدم الطاهر ايضا، ويدل على ذلك من الرواية ذكر الطحال فيها، فان
الامام (عليه السلام) بين كونه من الدم، وفي رواية اخرى: لانه دم (2). الا أنه مع
ذلك لا نسلم دلالة المرفوعة على أزيد من حرمة بيعه للاكل فقط تكليفا أو وضعا ايضا،
كما نبه على ذلك العلامة الانصاري (رحمه الله) وقال: فالظاهر ارادة حرمة البيع
للاكل، ولا شك في تحريمه لما سيجئ من ان قصد المنفعة المحرمة في