[ 1 ]
مصباح الفقاهة
[ 2 ]
خوئي، أبو القاسم 1278 - 1371 مصباح الفقاهة: تقرير ابحاث سماحة آية الله
العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى (قدس سره) بقلم محمد على التوحيدي التبريزي
- قم داوري، 1377. 5 ج 15000 ريال (هر جلد) (دوره) 0 1 - 9090 - 964 ISBN فهرست
نويسى بر اساس اطلاعات فيپا (فهرست نويسي پيش از انتشار). اين كتاب در سالهاى مختلف
توسط ناشرين مختلف منتشر گرديده است. كتابنامه 1 - معاملات (فقه) الف - توحيدي،
محمد على، 1303 - 1353، محرر بعنوان 6 م 9 خ / 373 190 792 / Br 11456 1377 - 77 م
هوية الكتاب: اسم الكتاب: مصباح الفقاهة ج 2 المؤلف: الشيخ محمد على التوحيدي
الناشر: مكتبة الداوري - قم - تليفون 732178 شابك: 5 - 2 - 90950 - 964 - () 5. vol
SET المطبعة: العلمية - قم الطبعة: الاولى المحققة العدد: 1000 نسخة
[ 3 ]
مصباح الفقاهة تقرير ابحاث سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي
الخوئي قدس سره بقلم الشيخ محمد علي التوحيدي الجزء الثاني منشورات مكتبة الداوري
قم / ايران
[ 5 ]
بسم الله الرحمن الرحيم المعاملات وحكمة البحث عن حقيقتها لا شبهة في أن
الانسان مدني بالطبع لا يمكنه الاستقلال بحوائجه كلها، واذن فيتوقف حفظ نظام النوع
وصيانة كيانه على الاجتماع وتشريع المبادلة بين الاموال، بداهة أنه لو لم يشرع ذلك
لاحتاج كل واحد في حاجاته الى التغالب والتكالب والمقاهرة، كما هو الحال في سائر
الحيوانات، وعليه فلابد في حفظ النظام من تشريع المعاملات. وعلى هذا الضوء فلا مناص
من معرفة أحكام المعاملات وتنقيح قواعدها وتبويب أبوابها، وبما أن اشتغال جميع
أفراد المكلفين بذلك يوجب اختلال النظام وجب التصدي عليهم كفاية. المال وحقيقته ما
هو حقيقة المال وما هو الفارق بينه وبين الملك؟ المال في اللغة ما ملكه الانسان من
الاشياء (1)، وفي العرف ان المالية انما تنتزع من الشئ بملاحظة كونه في حد ذاته مما
يميل إليه النوع،
1 - المال: ما ملكته من جميع الاشياء - لسان العرب 11: 636.
[ 6 ]
ويدخرونه للانتفاع به وقت الحاجة، ويتنافسون فيه، ويبذلون بازائه شيئا مما يرغب
فيه من النقود وغيرها، ضرورة أن منا من الحنطة ليس كالمن من التراب، فان الاول
ينتزع منه عنوان المالية دون الثاني. وأما عند الشرع، فمالية كل شئ باعتبار وجود
المنافع المحللة فيه، فعديم المنفعة المحللة كالخمر والخنزير ليس بمال. ثم ان
النسبة بين المال والملك هي العموم من وجه، بديهة أنه قد يوجد الملك ولا يوجد
المال، كالحبة من الحنطة المملوكة، فانها ملك وليست بمال، وقد يتحقق المال ولا
يتحقق الملك كالمباحات الاصلية قبل حيازتها، فانها أموال وليست بمملوكة لاحد، وقد
يجتمعان وهو كثير. ثم انه لا وجه لتخصيص المال بالاعيان، كما يظهر من الطريحي في
مجمع البحرين (1)، بل المال في اللغة والعرف يعم المنافع ايضا، ولعل غرضه من
التخصيص هو بيان الفرد الغالب. الاضافة الحاصلة بين المال ومالكه وحقيقة هذه
الاضافة وأقسامها ما هو حقيقة الاضافة بين المال ومالكه؟ لا ريب في أن الاضافة
الموجودة بين المال ومالكه المسماة بالاضافة المالكية على أقسام، لانها في الواقع
ونفس الامر اما اضافة ذاتية تكوينية، أو اضافة عرضية حاصلة بالامور الخارجية. أما
الاولى فكالاضافات الكائنة بين الاشخاص وأعمالهم وأنفسهم وذممهم، فان أعمال كل شخص
ونفسه وذمته مملوكة له ملكية ذاتية،
1 - مجمع البحرين 5: 475، كذا ايضا في النهاية لابن الاثير 4: 373، حيث قال: المال
في الاصل ما يملك من الذهب والفضة ثم اطلق على كل ما يقتني ويملك من الاعيان - الخ.
[ 7 ]
وهو واجد لها فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية ودون مرتبة الواجدية الحقيقية التي
هي لله جل وعلا. والمراد من الذاتي هنا ما لا يحتاج تحققه الى أمر خارجي تكويني أو
اعتباري، وليس المراد به الذاتي في باب البرهان، أي ما ينتزع من مقام الذات، ولا
الذاتي في باب الكليات الخمس أعني به الجنس والفصل، وهذا واضح لا ريب فيه. والمراد
من الملكية الذاتية ليس الا سلطنة الشخص على التصرف في نفسه وشؤونها (1)، بداهة أن
الوجدان والضرورة والسيرة العقلائية كلها حاكمة بأن كل أحد مسلط على عمله ونفسه وما
في ذمته، بأن يؤجر نفسه لغيره، أو يبيع ما في ذمته، ومن البين الذي لا ستار عليه أن
الشارع المقدس قد أمضى هذه السلطنة ولم يمنع الناس عن التصرفات الراجعة الى أنفسهم.
وليس المراد من الملكية هنا الملكية الاعتبارية لكي يتوهم أن عمل الانسان أو نفسه
ليس مملوكا له بالملكية الاعتبارية. ومن هنا يتجلى لك أنه لا شبهة في صدق المال على
عمل الحر، وعليه فاستيفاؤه قهرا عليه موجب للضمان جزما، وكذلك الحال في ضمان نفسه،
غاية الامر أن الشارع المقدس قد سلك في ضمان النفس المحترمة وما يرجع إليها من
الاعضاء والاطراف غير ما سلكه في ضمان الاموال، وجعل في ذلك حدا خاصا ودية مخصوصة.
وأما الثانية، أعني بها الاضافة العرضية، فهي اما أن تكون اضافة أولية، واما أن
تكون اضافة ثانوية، والاولية اما أصلية استقلالية، أو تبعية غيرية.
1 - لانه لا معنى لان يملك الانسان فعل نفسه - المحاضرات.
[ 8 ]
فالاولية الاصلية كالاضافة المالية الحاصلة بالعمل أو بالحيازة أو بهما معا.
فالاول (1) كالاعمال التي يعملها الانسان فيحصل منها المال كحيازة المباحات، بناء
على عدم اعتبار قصد التملك فيها كما هو الحق، وأما بناء على اعتبار القصد في ذلك
فحصول الملكية فيها يحتاج الى العمل القلبي، وقد حكم العقلاء بحصول المالية بمجرد
الحيازة، بل اشتهر بين الفقهاء مرسلا: ان من حاز ملك (2). وقد روي عن النبي (صلى
الله عليه وآله) من طرق العامة (3) ومن طرق الخاصة ان: من سبق الى ما لم يسبقه إليه
مسلم فهو أحق به، ولكنه ضعيف السند وغير منجبر بشئ (4)، والمهم في المقام هو بناء
العقلاء، فانه قائم على حصول الاضافة المالكية بين المحيز والمحاز. والثالث كمن
يحوز اشجارا فيجعلها سريرا، أو يجوز ترابا فيجعله
1 - ربما يكون منشأ الانتزاع الصنعة، كما إذا أخذ احد ما لا مالية له - كالطين -
فصنعه كوزا فيكون مالا، وهذه الصنعة هي المنشأ في اضافته إليه بعنوان أنه مال،
ويترتب عليه - عند الكسر - سقوط ماليته. وقد يكون المنشأ ما يلحق بالصنائع من
الاعمال، كما إذا اتى احد بالماء من النهر، فانه يكون مالا وان كان عند النهر لا
مالية له، ومثله حفظ الثلج الى الصيف، فانه يكون مالا وان كان في الشتاء لا مالية
له - المحاضرات 2: 7. 2 - لم نجده في اصول الحديث من كتب الخاصة والعامة، ونحتمل
قريبا أنه قاعدة فقهية متصيدة من الروايات الواردة في الابواب المختلفة والفصول
المتفرقة، كاحياء الموات والتحجير وغيرهما، كبقية القواعد الفقهية المضروبة لبيان
الاحكام الجزئية. 3 - عن ابن مضرس قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فبايعته
فقال: من سبق الى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له، قال: فخرج الناس يتعادون يتخاطون -
سنن البيهقي 6: 142. 4 - قال النبي (صلى الله عليه وآله): من سبق الى ما لم يسبقه
إليه مسلم فهو احق به - راجع المبسوط للشيخ الطوسي 3: 268، ومستدرك الوسائل 17: 112
عن عوالي اللئالي 3: 480.
[ 9 ]
كوزا، أو يحوز نباتا فيجعله ثوبا أو حصيرا أو غيرهما، فان الصورة السريرية
والكوزية والثوبية والحصيرية توجب تحقق اضافة مالية اخرى في تلك الموارد وراء
المالية المتقومة بها، فتلك المالية القائمة بها انما حصلت من العمل والحيازة معا.
ثم ان الوجه في اطلاق الاول على هذه الاضافة هو أنه لم تسبق اضافة ذلك المال الى
غيره، والوجه في اطلاق الاصلية عليها انما هو بلحاظ عدم تبعيتها لغيرها. وأما
الاضافة الاولية التبعية فهي ما تكون بين المالك وبين نتاج أمواله (1)، فان هذا
النتاج يضاف الى مالك الاصول اضافة أولية تبعية، أما اطلاق التبعية فلكونها ثابتة
لما تحصل منه، وأما اطلاق الاولية فلعدم سبق اضافة اخرى إليها. وأما الاضافة
الثانوية فالمراد بها ما قابل الاضافة الاولية وان طرأت على الاموال مرارا عديدة،
نظير المعقولات الثانوية من جهة مقابلتها للمعقولات الاولية. وهي على قسمين، لانها
تارة تكون قهرية واخرى اختيارية: أما الاولى، فكالاضافة التي تحصل بسبب الارث أو
الوقف أو الوصية، بناء على كونها - أي الوصية - من الايقاعات وقد اخترناه في محله،
ووجه كونها قهرية هو حصول الملكية للوارث والموقوف عليه والموصى له بالقهر لا
بالفعل الاختياري، وأما الثانية، فكالاضافة الحاصلة من المعاملات، ومن ذلك ما يحصل
بالبيوع التي نحن في صدد بحثها. ولا يخفى على الفطن العارف ان ما ذكرناه من أقسام
الاضافات المالكية من الامور البديهية التي قياساتها معها.
1 - كبيض الدجاج وصوف الغنم وثمر الشجر - المحاضرات.
[ 10 ]
حقيقة البيع الثمن ووجه اختصاصه بالنقود قوله (رحمه الله): البيع وهو في الاصل
كما في المصباح (1) مبادلة مال بمال. أقول: قد كان ديدن الناس من لدن آدم ابي البشر
(عليه السلام) الى زمان خاص بل الى زماننا هذا، في بعض النقاط والاصقاع كالقرى
واشباهها، قد كان ديدنهم على تبديل المتاع بالمتاع عند المعاملة والمعاوضة، وكان
ذلك من الامور الصعبة جدا، خصوصا في تعيين الاروش وقيم المتلفات، ولهذا بنى العقلاء
على تخصيص الثمن بالنقود وتخصيص المثمن بالامتعة، والا فانه لا محذور قطعا في صحة
تحقق المبادلة بين المتاعين عند المعاملة والمعاوضة. وعليه فقد تقع المبادلة بين
المتاعين، وقد تقع بين النقدين، وقد تقع بين عرض ونقد. ثم انه هل يشمل مفهوم البيع
لجميع هذه الاقسام المذكورة، أم هو مختص ببعض دون بعض؟ لا شبهة في أن مفهوم البيع
في الجملة من المفاهيم الواضحة البديهية
1 - المصباح للفيومي: 69 حيث قال: البيع من الاضداد مثل الشراء، ويطلق على كل واحد
من المتعاقدين انه بائع، لكن إذا اطلق البائع فالمتبادر الى الذهن باذل السلعة،
ويطلق البيع على المبيع فيقال بيع جيد - الى أن قال - والاصل في البيع مبادلة مال
بمال، لقولهم: بيع رابح وبيع خاسر، وذلك حقيقة في وصف الاعيان، لكنه اطلق على العقد
مجازا لانه سبب التمليك والتملك.
[ 11 ]
الارتكازية التي يعرفها كل احد، كمفاهيم سائر العقود والايقاعات، الا أنه لا
يوجد مفهوم في العالم الا ويعرضه الاشتباه في بعض مصاديقه، ومن هنا ذكر المصنف
(رحمه الله) في أول كتاب الطهارة ان مفهوم الماء المطلق من أوضح المفاهيم العرفية،
ومع ذلك ذكر أنه قد يقع الشك في صدقه على بعض الموارد، لعدم ضبط المفهوم تحقيقا
فيرجع الى الاصول العملية. وعلى هذا الضوء، فلابد من بيان حقيقة البيع على وجه
يمتاز عن جميع ما عداه، لكي تترتب عليه أحكامه الخاصة، من شرائط المتعاقدين وشرائط
العوضين والخيارات وغيرها. وتحقيق ذلك: ان مفهوم البيع لا يساوق مفهوم المبادلة بين
شيئين، بل يطلق البيع على قسم خاص من المبادلة، وضابطه ان امتياز البيع عن بقية
أقسام المبادلة باحد وجهين: الوجه الاول: ان يكون احد العوضين متاعا والعوض الاخر
نقدا، فالذي يعطي المتاع يسمى بايعا، والذي يعطي النقد يسمى مشتريا، سواء أكان نظر
كل من المتعاملين في مبادلتهم هذه الى تحصيل الربح وحفظ مالية ماله معا، أم كان نظر
كل منهما الى رفع حاجته فقط، كأن يشتري المأكولات للاكل، ويشتري المشروبات للشرب،
ويشتري الملبوسات لللبس وهكذا، أم كان نظر أحدهما الى حفظ مالية ماله وتحصيل الربح
معا ونظر الاخر الى دفع الضرورة والاحتياج فقط. الوجه الثاني: ان يكون كلا العوضين
نقدا أو من العرض ولكن كان نظر احد المتعاملين من المبادلة الى حفظ مالية ماله في
ضمن أي متاع كان مع تحصيل الربح كاهل التجارة، ونظر الاخر الى رفع حاجته فقط،
فالاول يسمى بائعا والثانى يسمى مشتريا.
[ 12 ]
وعلى هذا النهج يكون الملحوظ فيما يعطيه المشتري هو المالية الخالصة، لكي يكون
ذلك قائما مقام النقود، ويعنون بعنوان الثمنية. ولا ريب في ان هذا المعنى هو
المتبادر من مفهوم البيع عند أهل العرف، بل هو أمر ارتكازي في ذهن كل بشر من أهل
أية لغة كان، ويعرف ذلك كل منهم ولو من غير العارف باللغة العربية، بديهة أن الغرض
الاقصى والغاية القصوى انما هو معرفة مفهوم البيع لا لفظه ومادته، لكي يختص البحث
بلفظ دون لفظ. وإذا كان كلا العوضين عرضا أو نقدا، وكان الغرض لكل من المتعاملين هو
تحصيل الربح والمنافع مع حفظ مالية ماله في ضمن أي متاع كان، أو كان نظر كليهما الى
رفع الاحتياج ودفع الضرورة فقط، وإذا كان كذلك فان ذلك لا يسمى بيعا جزما، بل هو
معاملة خاصة، ويدل على صحة ذلك عموم آية التجارة عن تراض (1). نعم يظهر من بعض كتب
العامة (2) جواز اطلاق البيع على مطلق المبادلة والمعاوضة، ولكن قد عرفت قريبا ان
هذا الاطلاق على خلاف المرتكزات العرفية.
1 - وما ذكره الميرزا النائيني (قدس سره) من أن احد المتبادلين لا بعينه في الفرض
بائع والاخر مشتر ولا تعين لهما واقعا - غريب، فانا قد ذكرنا غير مرة ان احدهما لا
بعينه لا مصداق له خارجا، فالصحيح ان هذه المبادلة ليست بيعا ولا شراء وان كانت
صحيحة، بمقتضى: أوفوا بالعقود، وكونه تجارة عن تراض - المحاضرات 2: 10. 2 - في
الفقه على المذاهب الاربعة 2: 148 عن الحنفية: ان من أقسام البيع مبادلة سلعة
بسلعة، ويسمونها مقايضة. وفي: 152 عن المالكية: ان من أقسام البيع بيع العرض
بالعرض، وعن الحنابلة: ان مفهوم البيع يشمل المقايضة، وهي مبادلة سلعة بسلعة. وفي:
154 عن الشافعية: الثامن من أقسام البيع بيع الحيوان بالحيوان، ويسميه غيرهم
مقايضة، وهو صحيح.
[ 13 ]
وعلى هذا الضوء، فإذا اراد احد تبديل كتابه بكتاب شخص آخر أو تبديل ثوبه بثوب
غيره لمجرد دفع الاحتياج، فانه لا يتوهم احد ان أيا منهما باع كتابه بكتاب غيره أو
باع ثوبه بثوب غيره، كما أنه لا يتوهم احد ايضا ان باذل النقد هو البائع وباذل
العرض هو المشتري، ومن هنا ذكر الفيومي في المصباح أنه: إذا اطلق البائع فالمتبادر
الى الذهن باذل السلعة (1). وأما ما ذكره في المصباح، من أن الاصل في البيع مبادلة
مال بمال، فهو وان كان شاملا لجميع أقسام المبادلة ولكنه ليس تعريفا حقيقيا، لقضاء
الضرورة بأن البيع ليس هو مطلق المبادلة بين شيئين، بل هو تعريف لفظي، وتبديل لفظ
بلفظ آخر أوضح منه، كقول أهل اللغة: السعدان نبت (2)، وكذلك الحال فيما ذكره بعض
العامة من أن البيع في اللغة مقابلة شئ بشئ. ثم انه يمكن ان يراد من لفظة الاصل في
تعريف المصباح ما كان هو المتعارف في الايام السالفة، من كون البيع عبارة عن مطلق
المبادلة بين الاموال، بديهة أنه لو كان غرض الفيومي من هذه الكلمة هو اللغة لوجب
عليه ان يصدر كلامه بلفظة الاصل عند شرح كل مادة ترد عليه. وقد وقع التصريح بما
ذكرناه في لسان العرب ومجمع البحرين في مادة المال، وذكرا ان المال في الاصل الملك
من الذهب والفضة، ثم اطلق على كل ما يقتنى ويتملك من الاعيان (3).
1 - المصباح: 69. 2 - مضافا انا لا نشك في ان البيع لا يطلق على فعل الاثنين، أعني
البيع والشراء، وانما يطلق على فعل طرف واحد منهما، الا أنه تعريف لفظي - المحاضرات
2: 13. 3 - لسان العرب 11: 636، مجمع البحرين 5: 475.
[ 14 ]
المبيع ووجه اختصاصه بالاعيان هل يجوز ان يكون المبيع من المنافع، أم لابد وان
يكون من الاعيان؟ الظاهر أنه لا ريب في اشتراط كونه من الاعيان، بداهة اختصاص مفهوم
البيع عند أهل العرف بتمليك الاعيان فلا يعم تمليك المنافع، واذن فتختص الادلة
الواردة في امضاء البيع بنقل الاعيان، وتبعد عن تمليك المنافع رأسا. نعم يظهر من
المحكي عن المالكية والحنابلة جواز اطلاق البيع على تمليك المنافع (1)، ولكنه على
خلاف المرتكزات العرفية. ومع الاغضاء عما ذكرناه ان مجرد الشك في صدق مفهوم البيع
على تمليك المنافع يكفينا في المنع عن شمول ادلة امضاء البيع له. وحينئذ فدعوى ان
المتبادر من مفهوم البيع تمليك العين فقط، وان هذا المفهوم يصح سلبه عن تمليك
المنفعة دعوى صحيحة، ولا ريب في ان التبادر وصحة السلب من علائم الحقيقة، وعليه
فيكون البيع حقيقة في تمليك العين ومجازا في غيره. وإذا ثبتت هذه الدعوى في العصر
الحاضر ثبتت في محاورات ابناء الازمنة السالفة ايضا، باصالة عدم النقل المعبر عنها
بالاستصحاب القهقرى، وقد ذكرنا في مبحث الاستصحاب من علم الاصول أنه لا دليل على
حجية هذا الاستصحاب الا في مورد واحد، وهو ان يكون المتبادر
1 - في الفقه على المذاهب الاربعة 2: 111 عن المالكيه أنه يصح اطلاق البيع على نقل
المنافع. وفي: 152 عن الحنابلة: ان معنى البيع في الشرع مبادلة مال بمال، أو مبادلة
منفعة مباحة بمنفعة مباحة على التأييد.
[ 15 ]
الفعلي من اللفظ معنى خاصا وشك في كونه كذلك في العهود البائدة والايام
السالفة، فان الاستصحاب القهقرى يقتضي بقاء اللفظ على معناه الاولى وعدم انتقاله
منه الى معنى آخر يغائره. والدليل على حجية الاستصحاب المزبور في هذا المورد انما
هو بناء العقلاء وسيرة العلماء وديدن الفقهاء، لانه لولا ذلك لانسد عليهم باب
الاجتهاد وطريق الاستنباط، إذ من المحتمل القريب ان تكون الروايات في عرف الائمة
(عليهم السلام) ظاهرة في معاني مغايرة لما هي ظاهرة فيه فعلا، ومن البين الذي لا
ريب فيه أنه لا سبيل الى دفع هذا الاحتمال الا الاستصحاب المذكور. ويؤيد ما ذكرناه
من اختصاص المبيع بالاعيان أمران: 1 - ما استقرت عليه آراء الفقهاء من تخصيص المعوض
- في البيع - بالاعيان. 2 - ما ذكره بعض العامة (1)، من أن البيع في اللغة اخراج
ذات عن الملك بعوض، فتمليك المنفعة بالاجارة لا يسمى بيعا. قيل: ان ما ذكره الفيومي
في المصباح من أن البيع في الاصل مبادلة مال بمال يشمل نقل المنافع كشموله لنقل
الاعيان، وعليه فلا وجه لتخصيص مفهوم البيع بتمليك الاعيان. والجواب عن ذلك، انك قد
عرفت قريبا ان هذا التعريف ليس بتعريف حقيقي، لكي يلزم الاخذ باطلاقه والحكم بشمول
مفهوم البيع لتمليك العين والمنفعة، بل هو تعريف لفظي مبني على المسامحة والمساهلة.
1 - راجع الفقه على المذاهب الاربعة 2: 147.
[ 16 ]
وبما أوضحناه ظهر لك الفارق بين البيع والاجارة، وهو ان صيغة الاجارة وان كانت
تتعلق بالعين المستأجرة، كقولك: آجرتك المتاع الفلاني - الخ، الا أن اثرها تمليك
المنفعة، وهذا بخلاف البيع، فان الاثر المترتب عليه انما هو تمليك العين، كما ان
صيغته ايضا تتعلق بالعين. وهذا المعنى هو السر فيما استظهره المصنف (رحمه الله) من
اختصاص المعوض - في البيع - بالاعيان وقال: والظاهر اختصاص المعوض بالعين، وعليه
استقر اصطلاح الفقهاء في البيع. والمتحصل من جميع ذلك ان اطلاق كلمة البيع على
تمليك المنافع مبني على العناية والمجاز، وقد ورد هذا الاطلاق في كلمات الفقهاء،
وفي الروايات العديدة الواردة في مواضيع شتى: منها: الاخبار الدالة على بيع خدمة
المدبر (1). ومنها: الرواية الواردة في بيع سكنى الدار (2).
1 - المروية عن السكوني، عن جعفر، عن ابيه، عن على (عليهم السلام) قال: باع رسول
الله (صلى الله عليه وآله) خدمة المدبر ولم يبع رقبته (التهذيب 8: 260، الاستبصار
4: 29، عنهما الوسائل 23: 120)، ضعيفة بالنوفلي. وعن ابي مريم، عن ابي عبد الله
(عليه السلام) قال: سئل عن الرجل يعتق جاريته عن دبر أيطاها ان شاء أو ينكحها أو
يبيع خدمتها في حياته، فقال: نعم أي ذلك شاء فعل (الفقيه 3: 72، التهذيب 8: 263،
الاستبصار 4: 29، عنهم الوسائل 23: 119)، مجهولة بابي مريم. وعن على بن ابي حمزة
سالم البطائني، قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعتق جارية له عن دبر
في حياته، قال: ان اراد بيعها باع خدمتها في حياته، فإذا مات اعتقت الجارية، وان
ولدت أولادا فهم بمنزلتها (التهذيب 8: 263، الاستبصار 4: 29، عنهما الوسائل 23:
120)، ضعيفة بابن ابي حمزة، ومجهولة بقاسم بن محمد الجوهري. 2 - المروية عن اسحاق
بن عمار، عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: سألته عن رجل في يده دار ليست له، ولم
تزل في يده ويد آبائه من قبله قد اعلمه من مضى من آبائه انها ليست لهم ولا يدرون
لمن هي، فيبيعها ويأخذ ثمنها، قال: ما احب ان يبيع ما ليس له، قلت: فانه ليس يعرف
صاحبها ولا يدري لمن هي ولا اظنه يجئ لها رب ابدا، قال: ما احب ان يبيع ما ليس له،
قلت: فيبيع سكناها أو مكانها في يده فيقول لصاحبه أبيعك سكناي وتكون في يدك كما هي
في يدي، قال: نعم يبيعها على هذا (التهذيب 7: 130، عنه الوسائل 17: 335)، موثقة
بابن عمار وغيره.
[ 17 ]
ومنها: الاخبار الواردة في بيع الاراضي الخراجية وشرائها (1)، وقد ورد في جملة
من الاحاديث اطلاق لفظ الشراء على غير نقل الاعيان (2). وقد ظهر لك مما اسلفناه
الفارق بين البيع والهبة المعوضة، بداهة ان البيع - على ما عرفته آنفا - عبارة عن
تبديل عين بشئ آخر، بخلاف الهبة المعوضة، فان حقيقتها وقوامها بالمجانية المحضة،
وانما اعتبر فيها العوض بالاشتراط.
1 - المروية في الكافي 5: 282 باب اشتراء ارض الخراج من السلطان، والكافي 5: 269
باب قبالة ارض أهل الذمة وجزية رؤوسهم ومن يتقبل الارض من السلطان، والكافي 5: 271
باب الرجل يستأجر الارض، والتهذيب 4: 147 باب أحكام الارضين، والتهذيب 4: 155 باب
حكم الشراء عن ارض الخراج، عنهم الوسائل 15: 157. 2 - كما في المروية عن محمد بن
مسلم، قال: سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل يريد ان يتزوج المرأة ينظر إليها،
قال: نعم انما يشتريها بأغلى الثمن (الكافي 5: 365، عنه الوسائل 20: 78)، حسنة
بابراهيم بن هاشم. وعن عبد الله بن سنان قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام):
الرجل يريد ان يتزوج المرأة فينظر الى شعرها، فقال: نعم انما يريد ان يشتريها بأغلى
الثمن (الفقيه 3: 260، التهذيب 7: 435، عنهما الوسائل 20: 89)، مجهولة بهيثم بن ابي
مسروق النهدي والحكم بن مسكين. وعن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما
السلام) قال: سألته عن رجل له امرأتان قالت احداهما: ليلتي ويومي لك، يوما أو شهرا
أو ما كان، أيجوز ذلك، قال: إذا طابت نفسها و اشترى ذلك منها لا بأس (التهذيب 7:
474، مسائل على بن جعفر (عليه السلام): 174، الوسائل 21: 344)، صحيحة.
[ 18 ]
والشاهد على ذلك انها لا تبطل بامتناع الموهوب له عن العوض، بل انما يثبت له
خيار تخلف الشرط، وسيأتي لك توضيح ذلك عند التعرض لتعريف البيع ودفع النقوض عنه.
بحث استطرادي في تعريف الاجارة ومناقشته وجوابها قد اشتهر بين الاصحاب تعريف
الاجارة بانها تمليك المنفعة بعوض، ونوقش فيه بوجهين: 1 - ان المنفعة معدومة حال
الاجارة، ومن البين الذي لا ريب فيه ان المعدوم غير قابل للتمليك. والجواب عن ذلك:
ان الملكية الشرعية ليست من المقولات الحقيقية التكوينية لكي يستحيل تعلقها بالامور
المعدومة، بل قوامها بالاعتبار الساذج، ومن المعلوم ان الامور الاعتبارية بما انها
خفيفة المؤونة جاز تعلقها بالامور المعدومة إذا كانت مقدورة التسليم، وبديهي ان
المنفعة وان كانت معدومة ولكنها مقدورة بتبع العين الخارجية. واذن فلا محذور في
تعلق الملكية الاعتبارية في الاجارة بالمنفعة المعدومة الملحوظة مع العين
المستأجرة، كما يصح تعلقها بالذمة، ومن هنا حكم الفقهاء (قدس سرهم) بصحة بيع الكلي
في الذمة. 2 - ان منفعة الدار مثلا انما هي سكناها، ولا ريب ان السكنى من اعراض
الساكن دون الدار، وعليه فإذا صح تملك السكنى كان مالكها هو الساكن - لانه موضوعها
- لا صاحب الدار، ومن البين ان ما لم يملكه المؤجر - وهو المالك - كيف يملكه
للمستأجر، وقد ثبت في محله ان فاقد الشئ لا يكون معطيا له. هذا ملخص ما أفاده بعض
المدققين، ولذا التجأ الى تعريف الاجارة
[ 19 ]
بانها تمليك العين المستأجرة في جهة خاصة، ويقابلها البيع فانه تمليك العين من
جميع الجهات. والجواب عن ذلك بوجهين: 1 - ان لسكني الدار اضافتين، وهما اضافتها الى
نفس الدار واضافتها الى ساكنها، ومن البين ان تلك الدار مملوكة لمالكها بجميع
شؤونها وجهاتها وما يضاف إليها، واذن فمالك الدار مسلط على تمليك الدار نفسها
وتمليك جهاتها التي منها سكناها. وعلى الجملة ان المستأجر انما يتملك من المؤجر
الجهة المتعلقة بالعين المستأجرة، وتلك الجهة تختلف حسب اختلاف الاعيان والاغراض،
وعليه فلا محذور في تعريف الاجارة بانها تمليك المنفعة بعوض. 2 - ما ذكره بعض
مشائخنا المحققين في كتاب الاجارة، من أنه لا يمكن جعل الاجارة تمليكا للعين في جهة
خاصة. والوجه في ذلك ان معروض الملكية ان كان نفس تلك الجهة عاد محذور تعلق الملكية
بالمنفعة، وان كان هي العين المخصصة بجهة، والعين المتحيثة بحيثية مخصوصة بما هي
مقيدة بها، لزم اجتماع ملكين استقلاليين على عين واحدة، وتقييدها بالجهة تارة
واطلاقها اخرى لا يوجب تعدد الموضوع. المراد من العين التي نعتبرها في المثمن
المراد من العين ما إذا وجد في الخارج وكان جسما مشتملا على الابعاد الثلاثة: العرض
والطول والعمق، ولا شك في أن هذا المعنى للعين يقابل المنفعة والحق وجميع الاعراض
المقولية، واذن فلا يصدق
[ 20 ]
مفهوم البيع على تبديل منفعة بمنفعة ولا على تبديل حق بحق، وقد عرفت ذلك آنفا.
وليس المراد من العين ما يتعلق البيع بشخصه، بداهة شمولها للاعيان الشخصية، وللكلي
المشاع كثلث الدار، وللكلي في المعين كصاع من الصبرة المعينة، وللكلي في الذمة كبيع
من من الحنطة سلما أو حالا، وللكلي الثابت في ذمة غيره. فان هذه الامور يصدق عليها
عنوان العين ويتعلق بها البيع، مع انها امور قابلة للانطباق على افراد كثيرة، بل
على افراد غير متناهية، فالصاع من الصبرة يمكن انطباقه على يمين الصبرة ويسارها
ووسطها وناحية اخرى غير تلك النواحي، وهذا بين لا ريب فيه. وعلى هذا فشأن الملكية
شأن الوجوب والحرمة، فكما انهما يتعلقان بكلي الصلاة والزناء من غير لحاظ خصوصية في
متعلقهما، بحيث يكون متعلق الامر والنهي هو الكلي ويكون الموجود الخارجي مصداقا له،
كذلك الملكية فانها قد تتعلق بالكلي وان كانت قد تتعلق بالجزئي الحقيقي ايضا، كما
عرفته قريبا. نظرة في بيع الكلي في الذمة ثم ان بيع الكلي في الذمه على قسمين، لانه
قد يتعلق بالكلي الثابت في الذمة قبل البيع، كبيع الدين ممن هو عليه أو من غيره،
وقد يتعلق بالكلي الثابث في الذمة بنفس البيع من غير ان يكون فيها شئ قبله، كما هو
المتعارف في بيع السلم وغيره من البيوع الكلية. وقد نوقش فيه بوجهين: 1 - ان البيع
مبادلة مال بمال، ولا تتحقق هذه المبادلة الا بعد تحقق
[ 21 ]
العوض والمعوض في الوعاء المناسب لهما من الخارج أو الذمة، وبما أنه لا وجود
للكلي في أي وعاء من الاوعية قبل البيع، فلا يصح بيعه بوجه. وقد يتوهم أن الكلي وان
لم يكن موجودا في الذمة قبل البيع الا أنه يوجد فيها بنفس البيع، ولكن هذا التوهم
فاسد، بداهة أن نسبة البيع الى متعلقه كنسبة الحكم الى موضوعه، فكما يستحيل تكفل
الحكم بموضوعه كذلك يستحيل تكفل البيع بايجاد متعلقه. والجواب عن ذلك ان البيع ليس
الا مبادلة في التمليك، وقد عرفت قريبا وستعرف ايضا ان الملكية من الامور
الاعتبارية التي لا تتوقف على وجود موضوع لها في الخارج أو في الذمة، نعم لابد وان
يكون متعلق الملكية قابلا لتعلق الاعتبار به في نظر العقلاء، وعليه فالكلي قبل
اضافته الى الذمة وان كان من المفاهيم الخيالية وغير قابل لتعلق البيع به راسا، الا
أنه بعد اضافته الى الذمة يعد من الاموال ويصير موردا لرغبات العقلاء ومحطا
لتنافسهم. واذن فلا فرق في صحة بيع ما في الذمة بين أن يكون الكلي مملوكا قبل
البيع، كبيع الدين ممن هو عليه أو من غيره، وبين أن يكون مملوكا بالملكية
الاعتبارية بنفس البيع، وفي الحقيقة أنه يحصل بالبيع هنا أمران: اتصاف الكلي
بالملكية، وصيرورته ملكا للمشتري. وقد يجاب عن المناقشة المذكورة بأن البائع قبل
تصديه للبيع يعتبر الكلي في ذمة نفسه ثم يبيعه من المشتري، وحينئذ فلا يكون الكلي
غير قابل لتعلق البيع به. والجواب عن ذلك ان الاعتبار المزبور لا يغير الكلي عن
واقعه ولا يزيد فيه على حقيقته، بل هو بعد باق على حالته الاولية من دون أن
[ 22 ]
يتصف بصفة الملكية، ومن هنا لا يطلق ذو املاك على من اعتبر امتعة كلية في ذمة
نفسه، نعم يتصف ذلك بصفة الملكية بعد البيع، وقد عرفته قريبا، وهذا واضح لا خفاء
فيه. 2 - ان الملكية من مقولة الاعراض، ومن البديهي أن مقولة الاعراض لا توجد الا
في المحل الموجود، و الكلي الذمي لا وجود له قبل البيع لكي يكون محلا للملكية
ومعروضا لها. والجواب عن هذه المناقشة بوجوه شتى: 1 - ما ذكره العلامة الطباطبائي
في حاشيته، وحاصل كلامه: ان الملكية وان كانت من قبيل الاعراض الخارجية الا أن
حقيقتها متقومة باعتبار الشارع أو العقلاء، وعليه فيمكن ان يكون موضوع هذه الملكية
موجودا ايضا باعتبار الشارع أو العقلاء، كما ان الوجوب والحرمة عرضان خارجيان مع
انهما لا يتعلقان الا بالامور الكلية الاعتبارية كالصلاة والزناء قبل ان يوجدا في
الخارج، وعلى هذا النهج فللشارع أو للعقلاء ان يعتبروا الكلي الذمي شيئا موجودا في
الذمة لكي يكون موضوعا للملكية ومعروضا لها (1). والجواب عنه انه قد يراد من العرض
المذكور في كلامه العرض المقولي، وعليه فلا يسوغ له ان يجمع بين كون الملكية من
الاعراض وبين كونها من الامور الاعتباريه المتقومة بالاعتبار الساذج، ضرورة ان
الاعراض المقولية من الامور الواقعية المتأصلة، وهذا بخلاف الامور الاعتبارية إذ لا
واقع لها سوى الاعتبار المحض، وسيتضح لك ان الامور الاعتبارية لا تدخل تحت اية
مقولة من المقولات المتأصلة. وقد يراد من العرض المزبور في كلامه المفهوم العام
الصادق على
1 - حاشية المكاسب للعلامة الطباطبائي: 53.
[ 23 ]
المقولات التسع العرضية وعلى الامور الاعتبارية الخالصة، بداهة ان لفظ العرض من
العروض وهو بمعنى اللحوق، وعليه فلا تكون الملكية عنده من المقولات المتأصلة، بل
تكون زائدة على الماهية، كما ان الوجود زائد عليها، واذن فيرجع ما افاده السيد من
الجواب المتقدم الى ما سيأتي من كون الملكية أمرا اعتباريا لا تأصليا، ومن هنا ظهرت
الحال في الوجوب والحرمة ايضا. 2 - ما حكي عن الفاضل النراقي في عوائده، وملخصه: ان
البيع عبارة عن نقل المالك ملكه الى غيره نقلا فعليا، سواء أكان مالكا له بالفعل أم
كان مالكا له في المستقبل، كما إذا قال: بعتك منا من الحنطة بكذا مع ان الحنطة لم
توجد الان لديه، فيكون معناه: اني نقلت اليك المن الذي سأملكه من الحنطة بعد مدة،
واذن فالنقل وان كان فعليا الا أنه ليس بعرض لكي يحتاج الى موضوع، وما هو عرض وهو
الملك ليس بفعلي حتى يناقش فيه بعدم وجود الموضوع له. ويتوجه عليه: أولا: ان البيع
ليس عبارة عن نقل الملك، وسيأتي، ولا ان الملك من الاعراض المصطلحة، وقد تقدمت
الاشارة إليه وسنتعرض له تفصيلا. وثانيا: ان نقل الملك بنفسه ليس من العناوين
الاستقلالية، وانما هو بلحاظ الاضافة أو المكان، ومن البين الذي لا ريب فيه أنه إذا
استحالت اضافة الملكية الى المعدوم، فان النقل الحاصل بلحاظ تلك الملكية أولى
بالاستحالة. 3 - ان الملكية أمر اعتباري صرف فلا يحتاج الى محل موجود، وتوضيح ذلك:
ان الملكية لها أربع مراتب:
[ 24 ]
الف - الملكية الحقيقية، وهي السلطنة التامة بحيث يكون اختيار المملوك تحت
سلطنة المالك حدوثا وبقاء، وهي مخصوصة بالله تعالى، لانه سبحانه مالك لجميع
الموجودات بالاضافة الاشراقية ملكية تامة، ومحيط بها احاطة قيومية. وهذه المرتبة من
الملكية هي عليا مراتب الملكية، ولاجل ذلك لا تدخل تحت مقولة من المقولات، ونظير
ذلك في الممكنات احاطة النفس بصورها، بداهة ان النفس مالكة لصورها بالاضافة
الاشراقية ملكية حقيقية. ب - مالكية الانسان لنفسه واعضائه وافعاله وذمته، فان هذه
الامور مملوكة له بالاضافة الذاتية الاولية، وقد عرفت ذلك في أول الكتاب، ومن هذا
القبيل قوله تعالى حاكيا عن نبيه الاكرم موسى (عليه السلام): اني لا املك الا نفسي
(1). ولا شبهة ان هذه المرتبة من الملكية ايضا غير داخلة تحت المقولات العرضية،
وانما هي عبارة عن سلطنة الشخص على افعاله سلطنة تكوينية. ج - الملكية المقولية
الخارجية، وهي عبارة عن الهيئة الحاصلة من احاطة جسم بجسم آخر، كالهيئة الحاصلة من
التعمم والتقمص والتنعل ونحوها، وهذه المرتبة تسمى بمقولة الجدة، وهي من الاعراض
الخارجية القائمة بالموجود الخارجي. د - الملكية الاعتبارية التي يعتبرها العقلاء
لشخص خاص لمصالح تدعوهم الى ذلك، وربما يمضي الشارع اعتبارهم هذا لاجل تلك
1 - المائدة: 25.
[ 25 ]
المصلحة، بل قد يعتبر الشارع ملكية شئ لشخص وان لم يعتبرها العقلاء، كما يتفق
ذلك في بعض أقسام الارث. ومن البين الذي لا ريب فيه ان هذا النحو من الملكية ليست
من الاعراض لكي تحتاج الى وجود الموضوع في الخارج. ومثال ذلك ان الزكاة والخمس
يملكهما طبيعي الفقير والسيد مع أنه لم يعتبر وجودهما في الخارج، وايضا قام الاجماع
على صحة تمليك الكلي الذمي في بيع السلف ونحوه، مع ان الاعراض لابد لها من موضوع
خارجي. وعلى الجملة ان الملكية الاعتبارية لا مانع من كون طرفها من المملوك أو
المالك كليا، فيستكشف منه انها ليست من الاعراض المقولية، بل تمام قوامها باعتبار
من بيده الامر (1).
1 - ذكر بعض المحققين من المشايخ وجهين آخرين لاستحالة دخول الملكية المصطلحة تحت
الاعراض المقولية: 1 - ان المقولة ما يقال على الشئ ويصدق عليه في الخارج، فلابد من
أن يكون لها مطابق وصورة في الاعيان - كالسواد والبياض وما شابههما من الاعراض - أو
يكون من حيثيات ماله مطابق ومن شؤونه الوجودية، فيكون وجودها بوجوده، كمقولة
الاضافة... ومن الواضح أنه بعد وجود العقد مثلا لم يوجد ماله مطابق في الخارج، ولم
يتحيث ذات المالك والمملوك بحيثية وجودية، بل على حالهما قبل العقد، وصدق المقولة
بلا وجود مطابق أو تحيثه بحيثية واقعية أمر غير معقول. ويتوجه عليه: ان هذا الوجه
ليس الا مصادرة واضحة، بداهة ان ذات المالك والمملوك يتحيثان بعد عقد البيع بحيثية
واقعية، وهي حيثية المالكية وحيثية المملوكية، وانما الكلام في ان تلك الحيثية أهي
من سنخ المقولات العرضية أم هي من الامور الاعتبارية. 2 - ان المقولات لمكان
واقعيتها لا تختلف باختلاف الانظار، ولا تتفاوت بتفاوت الاعتبارات، فان السقف
الملحوظ الى ما دونه فوق في جميع الانظار، وبالاضافة الى السماء تحت بجميع
الاعتبارات، مع أن المعاطاة مفيدة للملك عرفا وغير مفيدة له شرعا. وفيه: ان اختلاف
الانظار في جملة من الاشياء أمر ضروري لا سبيل الى انكاره، إذ من البين الذي لا ريب
فيه ان الفلاسفة قد اختلفوا في علمه تعالى انه يتعلق بجميع الاشياء تفصيلا جزئية
كانت أم كلية - كما ذهب إليه جل المحققين - أو لا يتعلق الا بالكليات - كما ذهب
إليه الشيخ الرئيس في كتابيه الشفاء والاشارات - وقد يختلف الطبيبان في صحة شخص
ومرضه، أو ان الامر الفلاني ينفع المزاج أو يضره، الى غير ذلك، بل ربما يختلف أهل
العرف في ثبوت شئ وعدمه، كالعلم والعدالة والشجاعة والسخاء وغيرها من الاوصاف.
[ 26 ]
وإذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم ان مورد البحث انما هو المرتبة الرابعة من
الملكية القائمة بالاعتبار الساذج، بلا احتياج الى محل موجود اصلا ورأسا. وعليه فلا
وجه للمناقشة في جواز بيع الكلي الذمي بما عرفته قريبا، من أن الملكية من مقولة
الاعراض التي لا توجد الا في محل موجود، والكلي في الذمة ليس بموجود لكي يكون محلا
للملكية. المراد من كلمة المبادلة المأخوذة في تعريف البيع قد عرفت آنفا ان
التعاريف اللغوية انما هي تعاريف لفظية، وقد سيقت لشرح الاسم والاشارة الى المعرف -
بالفتح - بوجه من الوجوه، لا بتمام الوجوه لكي يمتاز عن جميع ما عداه. وعلى هذا
فغرض الفيومي من ذكر كلمة المبادلة في تعريف البيع: انه في الاصل مبادلة مال بمال،
ليس الا الاشارة الى أن البيع من سنخ المبادلة، الا أن تلك المبادلة ليست مبادلة في
المكان كرفع شئ من مكانه ووضعه في مكان آخر، ولا مبادلة في اللبس كتبديل عباءة
بعباءة اخرى، ولا مبادلة في السكنى كتبديل دار بدار اخرى، ولا مبادلة في الركوب
كتبديل فرس بفرس آخر، ولا غير ذلك من أقسام المبادلة
[ 27 ]
الخارجية التكوينية، بل المراد من تلك المبادلة هي المبادلة في الاضافة
المالية. بديهة أن كل من المتبايعين يبدل ماله في الاضافة المالية عند المبايعة
بمال آخر، وللاشارة الى هذه النكتة القيمة الدقيقة قد أخذ الفيومي في مصباحه قيد
المال في تعريف البيع. والتحقيق ان مفهوم البيع في الجملة من المفاهيم البديهية
الارتكازية التي يعرفها كل احد، وهو التبديل بين شيئين في جهة الاضافة، أية اضافة
كانت، أي سواء أكانت اضافة ملكية، أم كانت اضافة مالية، أم اضافة حقيقية، أم غيرها
من انحاء الاضافات، ولا تختص هذه الاضافة بالاضافة الملكية ولا بالاضافة المالية.
أما الوجه في عدم اختصاصها بالاضافة الملكية، فلان سهم سبيل الله من الزكاة ليس
ملكا لشخص خاص، ولا لجهة معينة، ولذا صدر في آية الصدقات بلفظة: في (1)، الظاهرة في
بيان المصرف، ومع ذلك كله يجوز بيع السهم المزبور وصرف ثمنه في سبيل الله، كما يجوز
بيع نماء العين الموقوفة في سبيل الله وصرف ثمن ذلك في قربات الله، مع ان تلك العين
ليست بملك لاحد ولا لجهة، وكذا نماؤها، فيستوضح من جميع ذلك ان مفهوم البيع ليس
تبديل شيئين في الاضافة الملكية. ولو سلمنا مالكية الجهة في المثالين المذكورين،
فرضنا الكلام فيمن أوصى بصرف ماله في سبيل الله ونص على عدم صيرورته ملكا لاحد،
فانه إذا بيع المال المزبور لكي يصرف ثمنه في قربات الله لم يقع التبديل بين
العوضين في الاضافة الملكية بل في اضافة اخرى غيرها.
1 - قال الله تعالى: انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة
قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل - التوبة: 60.
[ 28 ]
أما الوجه في عدم اختصاص الاضافة المذكورة بالاضافة المالية، فلانه لا دليل على
اعتبار المالية في البيع، وانما المناط في تحقق مفهومه هو صدق عنوان المعاوضة عليه،
وأما ما ذكره صاحب المصباح من أن الاصل في البيع مبادلة مال بمال، فلا يكون دليلا
على ذلك لعدم حجية قوله. وعلى هذا، فإذا كان المبيع موردا لغرض المشتري، سواء أكان
مالا عند العقلاء أم لا كالحشرات، واشتراه بأغلى الثمن، صدق عليه مفهوم البيع. وهذا
بين لا ريب فيه، غاية ما يلزم كون المعاملة على ما ليس بمال عرفا سفهية، ولا دليل
على بطلانها بعد ما شملته ادلة صحة البيع، والفاسد شرعا انما هو معاملة السفيه،
والدليل على الفساد فيها ان السفيه محجور شرعا عن المعاملات، واذن فلا وجه لاخذ قيد
المال في تعريف البيع. قيل: إذا تعلق غرض المشتري باشتراء مالا يعد مالا في نظر أهل
العرف، كان ذلك الغرض موجبا لعرو ض المالية له، لما عرفته آنفا من أن مالية الاشياء
متقومة بنظر العقلاء ورغبتهم فيها، ومن البديهي ان المشتري من افرادهم. والجواب عن
ذلك: ان مالية الاشياء وان كانت متقومة برغبة العقلاء وتنافسهم فيها، الا أن المراد
من العقلاء نوعهم دون الشخص الواحد، ولاجل ذلك ان من اعتبر المالية في البيع فقد
رتب على اعتباره هذا فساد بيع الحيات والعقارب والديدان والخنافس، واشباهها من هوام
الارض وصغار دوابها، وغير ذلك مما لا يعد مالا في نظر نوع العقلاء، وان كان ذا رغبة
لدى بعضهم لغرض ما.
[ 29 ]
ويضاف الى ذلك انا لو سلمنا وجود الدليل على اعتبار المالية في البيع، الا أن
ذلك حكم شرعي غير مربوط بمفهوم البيع حتى يؤخذ في تعريفه، ولو صح اخذ ذلك في تعريف
البيع لحسن بنا ان نأخذ أحكام البيع برمتها في تعريفه، مع أنه واضح الفساد. ثم لا
يخفى على الفطن العارف ان مفهوم البيع لا يتحقق الا بدخول العوض في ملك من خرج
المعوض عن ملكه، بأن يفك البائع اضافته القائمة بالمتاع ويجعلها قائمة بالثمن، ويفك
المشتري اضافته القائمة بالثمن ويجعلها قائمة بالمتاع. ومثال ذلك أنه: إذا باع زيد
طعامه من عمرو بدينار، صار الدينار ملكا لزيد، ولو صار الدينار ملكا لبكر لما صدق
عليه مفهوم البيع بوجه، ويستوضح هذا المعنى من الكتاب العزيز (1) ومن كلمات الفصحاء
وأهل العرف واللغة.
1 - قال الله تعالى: اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى، البقرة: 16. قال الله
تعالى: ولبئس ما شروا به انفسهم لو كانوا يعلمون، البقرة: 96. قال الله تعالى: انما
البيع مثل الربا واحل الله البيع وحرم الربا، البقرة: 275. قال الله تعالى: واشهدوا
إذا تبايعتم، البقرة: 282. قال الله تعالى: ان الذين اشتروا الكفر بالايمان، آل
عمران: 171. قال الله تعالى: فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا
بالاخرة، النساء: 76. قال الله تعالى: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا، المائدة: 48.
قال الله تعالى: ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم الجنة، التوبة:
113. قال الله تعالى: وشروه بثمن بخس دراهم معدودة، يوسف: 20. الى غير ذلك من
الايات الكثيرة الظاهرة في ان دخول العوض مكان المعوض معتبر في مفهوم البيع
والشراء.
[ 30 ]
قيل: قد تعارف بين الناس اعطاء الدراهم للخباز أو للبزاز، والامر باعطاء
مقابلها من الخبز والثوب للفقير، ولا شبهة في كون ذلك بيعا بالحمل الشائع، مع أن
المثمن لم يدخل في ملك من خرج الثمن عن ملكه. والجواب عنه: ان المثمن في اشباه ما
ذكر قد دخل في ملك من خرج الثمن عن ملكه، نهاية الامر أن المشتري قد وكل البائع في
اعطاء المبيع لشخص آخر، وان أبيت عن هذا التوجيه فانا لا نبالي في المنع عن صدق
مفهوم البيع على ذلك، وحمله على الصلح أو على الهبة المعوضة. مفهوم المفاعلة وعدم
صدقه على البيع ما هو مفهوم المفاعلة، وهل يصدق ذلك على البيع الذي هو تبديل شئ
بشئ؟ الظاهر أن وزن: فاعل للدلالة على المشاركة في الغالب، والمشاركة هي ان يفعل
الواحد بالاخر ما يفعله الاخر به حتى يكون كل منهما فاعلا ومفعولا، نحو ضارب زيد
عمروا. وعليه فذكر المبادلة في تعريف البيع يقتضي ان يكون البيع عبارة عن مجموع فعل
البائع والمشتري، ولكن هذا واضح البطلان، ضرورة ان البيع ليس الا عبارة عن فعل
البائع فقط، وهو تبديل ماله بمال صاحبه، ومن البديهي ان هذا المعنى غريب عن معنى
المفاعلة، ولا صلة بينهما بوجه، بل لو فرضنا صدق مفهوم البيع على كل من فعل البائع
والمشتري لكان الصادر من كل منهما بيعا بنفسه. واذن فلا وجه لذكر كلمة المبادلة في
تعريف البيع، كما صنعه صاحب المصباح وتلقاه جماعة بالقبول، بل لابد من تبديل لفظ
المبادلة في تعريف البيع بكلمة التبديل، فان التبديل هو الذي يتحقق بفعل البائع.
[ 31 ]
نعم يشترط رضا المشتري بفعل البائع وتحقق عنوان التبديل، ولكنه اجنبي عن قيامه
بالمشتري كقيامه بالبائع، وهذا بخلاف مفهوم المبادلة فانه معنى قائم بشخصين، كما هو
الشأن في باب المفاعلة، على ما عرفته في طليعة البحث. رأي بعض مشايخنا المحققين في
معنى المفاعلة والجواب عنه قد سلك بعض مشايخنا المحققين مسلكا آخر في معنى المفاعلة
(1)، وحاصله أنه قد اشتهر بين الادباء وغيرهم ان الفارق بين الهيئات المجردة وبين
هيئة المفاعلة انما هو تقوم المعنى في باب المفاعلة بطرفين، الا أن المستوضح من
الكتاب الكريم ومن الاستعمالات الصحيحة خلاف ذلك، كقوله تعالى: يخادعون الله والذين
آمنوا (2)، فان الغرض من الاية الشريفة تصدى المنافقين لخديعة الله وخديعة المومنين
فقط، وغير ذلك من الايات الكثيرة الظاهرة في خلاف ما اشتهر بين الناس من معنى
المفاعلة (3). ويقال في الاستعمالات العرفية الصحيحة: عاجله بالعقوبة، وخالع
المرأة، وبارزه بالحرب، وساعده التوفيق، وواراه في الارض وغير ذلك، فان جميع ذلك
بين ما لا تصح نسبة المادة فيه الى الاثنين، وبين ما لم يقصد فيه ذلك وان صحت
النسبة المزبورة، وعليه فلابد من بيان الفارق بين هيئة الفعل المجرد وبين هيئة
المفاعلة.
1 - هو المرحوم العلامة المحقق الشيخ محمد حسين الاصفهاني الكمباني طاب ثراه، وهو
اول من تنبه لهذا الامر، كما قال العلامة الخوئي قدس الله سره في مصباح الاصول 2:
523. 2 - البقرة: 9. 3 - قال الله تعالى: ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم،
النساء: 142.
[ 32 ]
وتوضيح ذلك: ان الهيئات المجردة لم يلحظ فيها تجاوز المادة عن الفاعل الى غيره
بحسب وضع الواضع، بل التجاوز فيها اما ذاتي كجملة من الافعال المتعدية، نظير ضرب
وخدع ونصر ونحوها، أو بواسطة الاداة كما في الافعال اللازمة، مثل جلس وذهب
وامثالهما، وقسم من الافعال المتعدية كلفظ كتب ونظائره، بديهة ان تجاوز المادة في
القسمين الاخيرين الى غير الفاعل انما هو بواسطة الاداة، فيقال: جلس إليه، وكتب
إليه. نعم لا شبهة في ان كلمة: كتب تدل على تجاوز المادة وهي الكتابة الى المكتوب
فقط دون المكتوب إليه، الذي هو مورد بحثنا، وإذا اريد تجاوز تلك المادة الى المكتوب
إليه، فلابد من الاستعانة بكلمة الى. وأما هيئة المفاعلة كخادع وضارب وقامر ونحوها،
فان حيثية تعدية المادة عنها الى غيرها ملحوظة فيها مطابقة في مقام افادة النسبة،
وهذا بخلاف الافعال المجردة المتعدية كضرب ونصر وخدع ونحوها، فان التعدية فيها من
ذاتيات مفادها. وعليه فإذا صدر فعل من احد كان اثره خداع غيره، صدق عليه انه خدعه
ولا يصدق عليه أنه خادعه، الا إذا تصدى لخديعة غيره، وكذلك الحال في ضرب وضارب ونصر
وناصر واشباهها من الافعال المتعدية، ومن هنا يفرق بين ضار ومضار، فان سمرة بن جندب
لما أبا عن الاستئذان من الانصاري عند الدخول على عذقه من منزل الانصاري قال له
النبي (صلى الله عليه وآله): انك رجل مضار (1)، أي متصد لاضرار الانصاري. والجواب
عن ذلك: ان هيئة المفاعلة لا تتقوم الا بصدور الفعل من الاثنين، لما عرفته آنفا من
دلالة المفاعلة على المشاركة في الغالب،
1 - الكافي 5: 292.
[ 33 ]
وهي ان يفعل الواحد بالاخر مثلما يفعله الاخر به، لكي يكون كل منهما فاعلا
ومفعولا، نحو ضارب زيد عمروا. ومن الواضح ان هذا المعنى لا يتحقق بمجرد تصدى احدهما
لايجاد المادة دون صاحبه، فلا يقال: ضارب زيد عمروا أو صارعه أو جادله، فيما إذا
تصدى زيد لضرب عمرو أو حربه أو صراعه أو جداله، من دون ان يصدر منه احد هذه الامور،
بل لو لم يصدر الفعل منه ومن صاحبه معا لعد مثل هذا الاستعمال من الاغلاط الواضحة.
نعم، قد تكون هيئة المفاعلة بمعنى الفعل المجرد، نحو سافر زيد، وقاتله الله، وواراه
في الارض، وبارك في أمره، واشباه ذلك من الامثلة، وقد تكون بمعنى الكثرة والمبالغة،
ولعل من القبيل الثاني قول النبي (صلى الله عليه وآله) لسمرة بن جندب: انك رجل
مضار، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن. الاجارة وعدم استعمالها في نقل العين قوله (رحمه
الله): كما أن لفظ الاجارة يستعمل عرفا في نقل بعض الاعيان كالثمرة على الشجرة.
أقول: ان كان مراده من الثمرة على الشجرة وجودها عليها فعلا، كما هو الظاهر من كلمة
على، فلا شبهة ان الثمرة ليست موردا للاجارة، بل استعمال لفظ الاجارة في نقل الثمرة
غلط فاحش. وان كان مراده من الثمرة على الشجرة شأنية ظهورها عليها، فلا ريب حينئذ
في صحة تعلق الاجارة بالشجرة، وتكون الثمرة منفعتها المقصودة من اجارتها، وعلى هذا
فيجوز استعمال لفظ الاجارة في نقل الثمرة استعمالا حقيقيا.
[ 34 ]
نعم قد يتوهم في بعض الروايات اسناد الاجارة الى نفس الثمرة قبل ظهورها على
الشجرة، ولعله الى هذا نظر المصنف في كلامه (1). قيل: ان ظهور الثمرة على الشجرة
فعلا لا يمنع عن صحة تعلق الاجارة بالشجرة، فان الثمرة الموجودة على الشجرة هي
منفعتها المقصودة منها، كما ان منفعة الدابة ركوبها، ومنفعة الدار سكناها. والجواب
عن ذلك: ان الاجارة وان كانت تمليكا للمنفعة الا أن تلك المنفعة لابد وأن تكون
معلومة بوجه، ومن البين الذي لا ريب فيه أن الثمرة الموجودة على الشجرة مجهولة
المقدار، واذن فتبطل الاجارة من ناحية الجهالة. قيل: إذا اقتضت الجهالة بطلان اجارة
الشجرة بعد ظهور ثمرتها اقتضت بطلان اجارتها قبل ظهور ثمرتها بالاولية القطعية لشدة
الجهالة هنا. والجواب عنه: ان جهالة الثمرة قبل ظهورها على الشجرة لا تضر باجارة
الشجرة، بديهة ان المناط في ارتفاع الجهالة عن المنفعة، التي هي مورد للاجارة في
العين المستأجرة، العلم باشتمال العين المستأجرة على حيثية الانتفاع بها، بأن تكون
معدة لذلك، ومن المعلوم ان اشتمال الاشجار المثمرة على حيثية الاثمار أمر معلوم،
واذن فلا تبطل الاجارة
1 - في الصحيح عن الحلبي، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: تقبل الثمار إذا تبين
لك بعض حملها سنة وان شئت اكثر، وان لم يتبين لك ثمرها فلا تستأجرها (التهذيب 7:
202، عنه الوسائل 19: 61. لكن المراد من الاستئجار في الرواية الاشتراء، بداهة ان
ظهور الثمرة على الشجرة ليس بشرط في استئجار الشجرة، وانما هو شرط في بيع الثمرة،
وعليه فالمراد من لفظ التقبل - المذكور في صدر الرواية - الشراء دون الاستئجار.
[ 35 ]
من ناحية الجهالة، وهذا بخلاف الثمرة الموجودة على الشجرة فانها مجهولة
المقدار، وعليه فتبطل الاجارة من ناحية الجهالة. ويضاف الى ذلك ان اجارة الشجرة
لثمرتها الموجودة خارجة عن مفهوم الاجارة جزما، إذ لا نحتمل ان يتوهم أحد صدق
مفهومها على استئجار عين لاجل عين اخرى موجودة، كاستئجار الشاة للبنها المحلوب،
واستئجار الاشجار لاغصانها الفعلية، واستئجار المزرعة لزرعها الموجود، وهكذا في
نظائرها. نعم قد تكون منفعة العين المستأجرة ما يوجد من الاعيان ولكنها غير موجودة
حال الاجارة، كاستئجار المنائح والبقرات والشياه للبنها غير المحلوب، واستئجار
المرضع ليرتضع الطفل من لبنها، واستئجار الشجرة لثمرتها المعدومة. والسر في ذلك ما
أشرنا إليه من كون المنفعة في أمثال هذه الموارد معلومة بوجه. الثمن وجواز كونه من
المنافع قوله (رحمه الله): وأما العوض فلا اشكال في جواز كونه منفعة (1). أقول: لا
ريب في جواز كون الثمن من المنافع، سواء أقلنا باعتبار المالية في العوضين أم لم
نقل به، ضرورة ان المنافع من اظهر مصاديق الاموال لرغبة العقلاء إليها وتنافسهم
فيها. نعم حكي عن بعض الاعيان (2) ان شأن العوض شأن المعوض، فكما
1 - كما في القواعد 1: 136، التذكرة 1: 556، جامع المقاصد 7: 103. 2 - نسبه الشيخ
الكبير كاشف الغطاء في شرحه على القواعد (مخطوط): 48 الى الوحيد البهبهاني في
رسالته العملية الموسومة بآداب التجارة (انظر هداية الطالب: 149).
[ 36 ]
يعتبر كون الثاني من الاعيان وكذلك الاول، ويمكن الاستدلال على هذا الرأي
بوجوه: 1 - ما اشتهر بين الفقهاء من أن البيع نقل الاعيان. ويرد عليه: ان غرض
الفقهاء (قدس سرهم) من هذه العبارة هو المبيع، لانهم ذكروها في مقابل الاجارة التي
هي لنقل المنافع، مع ان الاجرة فيها تكون من الاعيان غالبا، ولعل النكتة في عبارتهم
هذه هي ملاحظة ناحية الايجاب، بداهة ان العقد انما يتم بفعل الموجب، وأما القابل
فليس له الا الارتضاء بذلك الفعل ونسبته الى نفسه. 2 - ان الادلة الدالة على صحة
البيع ونفوذه انما هي منصرفة الى البيوع المتعارفة، ومن البديهي أنه لم يتعارف جعل
العوض في البيع من المنافع، وعلى فرض وجوده في مورد فهو من الافراد النادرة التي
تنصرف عنه الاطلاقات. والجواب عن ذلك: ان مفهوم البيع - على ما عرفته آنفا - تبديل
شئ بعوض في جهة الاضافة، ولا يفرق في تحقق هذا المفهوم بين ان يكون كلا العوضين
عينا، أو كلاهما منفعة، أو احدهما عينا والاخر منفعة، ولكنا قد ذكرنا فيما سبق ان
المتبادر من الاستعمالات العرفية عدم صدق البيع على تمليك المنفعة، بل يعتبر في
تحقق مفهومه ان يكون المبيع عينا، وأما العوض فلم يدل دليل على اعتبار كونه من
الاعيان، فيبقى تحت مفهوم البيع وهو تبديل شئ بشئ في جهة الاضافة، فتشمله العمومات
الدالة على صحة العقود. ويضاف الى ذلك ان غلبة الافراد الخارجية لا تمنع عن شمول
أدلة الامضاء للفرد النادر. 3 - ان المنافع امور معدومة فلا يقع عليها البيع، ضرورة
أن الملكية من
[ 37 ]
مقولة الاعراض وهي لا تتقوم الا بالمحل الموجود، ومن المفروض أن المنافع امور
معدومة، فيستحيل ان تكون موضوعا للملكية. ويرد عليه: ان الملكية من الامور
الاعتبارية التي لا تتوقف على وجود موضوع لها في الخارج، بل لابد وأن يكون متعلقها
قابلا لتعلق الاعتبار به في نظر العقلاء، وقد عرفت ذلك فيما تقدم. 4 - ما ذكره
الطريحي في مجمع البحرين، من أن المال في الاصل الملك من الذهب والفضة، ثم اطلق على
كل ما يقتني ويتملك من الاعيان (1)، وعليه فلا تكون المنفعة ثمنا في البيع، لانه
مبادلة مال بمال، والمفروض ان المنفعة ليست من الاموال. ويرد عليه: ان المال ما
يبذل بازائه شئ حسب رغبة العقلاء وتنافسهم، ومن الواضح أن هذا المعنى اعم من العين
والمنفعة، بداهة أن المنفعة من مهمات ما يرغب فيه العقلاء. عمل الحر وجواز وقوعه
ثمنا في البيع قوله (رحمه الله): وأما عمل الحر، فان قلنا انه قبل المعاوضة عليه من
الاموال فلا اشكال، والا ففيه اشكال. أقول: هذا الكلام استدراك عما تقدم منه (رحمه
الله)، وهو قوله: وأما العوض فلا اشكال في جواز كونه منفعة. وتوضيح ذلك: ان عمل
الحر تارة يلاحظ بعد وقوع المعاوضة عليه، كما إذا استأجره لبناية داره، أو لنجارة
بابه، أو لخياطة ثوبه، أو لغير ذلك من الاغراض العقلائية، واخرى يلاحظ قبل وقوع
المعاوضة عليه، وعلى الاول فلا اشكال في جعل العمل المزبور ثمنا في البيع، بداهة
1 - مجمع البحرين 5: 475.
[ 38 ]
كونه مالا مملوكا للمستأجر، وله ان يتصرف فيه أي تصرف، لان الناس مسلطون على
اموالهم، كما ان عمل العبد و الدابة مال مملوك لصاحبهما. والدليل على مالية عمل
الحر في هذه الصورة امور: 1 - انه يصح اطلاق ذي المال على المستأجر الذي ملك عمل
الحر بالاجارة أو الصلح. 2 - انه يجب على المستأجر المزبور حج البيت لانه قد استطاع
إليه سبيلا، إذا كان عمل اجيره وافيا بزاده وراحلته. 3 - انه يخرج المستأجر بعمل
أجيره عن عنوان الفقراء ويعامل معه معاملة الاغنياء، إذا كفى ذلك العمل مؤونة سنته،
واذن فيحرم عليه اخذ الزكاة وسائر الوجوه الشرعية المقررة للفقراء والمساكين. 4 -
انه إذا اتلف احد عمل أجير ضمنه لمستأجره لقاعدة الضمان بالاتلاف. ولاجل هذه الامور
كلها نستكشف صدق مفهوم المال على عمل الحر بعد وقوع المعاوضة عليه، والسر في ذلك
كله ان عمله حينئذ مورد لرغبة العقلاء وميلهم. وعلى الثاني، فان قلنا باعتبار
المالية في الثمن والمثمن فلا يقع عمل الحر عوضا في البيع، لانه لا يعد مالا عرفا،
وان لم نقل بهذا الاعتبار فلا بأس بجعله ثمنا فيه. والشاهد على عدم كونه مالا في
هذه الصورة ان الحر لا يكون مستطيعا بلحاظ عمله لكي يجب عليه الاكتساب وتحصيل الزاد
والراحلة ثم السير الى بيت الله الحرام، وايضا لو حبسه احد لم يضمن عمله، مع ان
تفويت منافع العبد أو الدابة أو سائر الحمولة موجب للضمان.
[ 39 ]
هذا كله فيما إذا جعل عمل الحر ثمنا في البيع، وأما جعله مثمنا فيه فليس بجائز
قطعا، لانه من المنافع، وقد عرفت فيما سبق ان المبيع لابد وان يكون من الاعيان، إذ
لا يصدق مفهوم البيع على تمليك المنفعة بعوض. والحق أنه لا يفرق في صدق مفهوم المال
على عمل الحر بين وقوع المعاوضة عليه وعدمه، والوجه في ذلك ما ذكرناه سابقا من أن
مالية الاشياء متقومة برغبة الناس فيها رغبة عقلائية، ولا يعتبر في ذلك صدق الملك
عليها، لان النسبة بينهما هي العموم من وجه، إذ قد يوجد المال ولا يتحقق الملك
كالمباحات الاصلية قبل حيازتها، فانها مال وليست بمملوكة لاحد، وقد يوجد الملك ولا
يصدق عليه مفهوم المال كحبة من الحنطة، فانها ملك لصاحبه وليست بمال، إذ لا يبذل
بازائها شئ، وقد يجتمعان وهو كثير. ومن المعلوم ان عمل الحر قبل وقوع المعاوضة عليه
من مهمات الاموال العرفية، وان لم يكن مملوكا لاحد بالملكية الاعتبارية، بل هو
مملوك لصاحبه بالملكية الذاتية الاولية، على ما عرفته في أول الكتاب. نعم ربما
يناقش في ذلك بأن البيع - كما سبق - تبديل شئ من الاعيان بعوض في الاضافة
الاعتبارية، ومن الواضح ان عمل الحر فاقد لهذه الاضافة، واذن فلا يصلح لان يكون
طرفا للتبديل الاعتباري في جهة الاضافة. وفيه، ان عمل الحر وان لم يكن مملوكا
لصاحبه بالاضافة الاعتبارية قبل البيع، ولكنها تعرض عليه بنفس البيع، وقد تقدم نظير
ذلك في البحث عن امكان بيع الكلي في الذمة. ودعوى ان كلا من العوض والمعوض لابد وان
يكون مالا مملوكا
[ 40 ]
قبل البيع دعوى جزافية، إذ لم يدل على ذلك دليل من النقل والاعتبار. وأما الوجه
في عدم وجوب الحج على الحر بلحاظ استطاعته من ناحية عمله، فلان الاستطاعة انما
تتحقق بمالكية المكلف بالفعل لما يحج به من الزاد والراحلة، وبمالكيته لمؤونة عياله
بالفعل أو بالقوة، وقد فسرت الاستطاعة بهذا المعنى وبأمن الطريق في بعض الاخبار
(1). وعليه، فعمل الحر قبل وقوع المعاوضة عليه وان كان مملوكا له بالملكية الفعلية
التكوينية وكذا بالملكية الشأنية الاعتبارية، الا أنه لا يترتب عليهما ما هو اثر
للملكية الفعلية الاعتبارية، نعم إذا آجر نفسه بنقد مقبوض بعد العقد، بحيث يكفي ذلك
مؤونة حجه وعياله كان مستطيعا. والسر فيه هو ما ذكرناه، من كون المدار في الاستطاعة
على الملكية الفعلية الاعتبارية دون الاقتضائية. وقد اتضح لك مما بيناه أنه لا يصح
اطلاق ذي المال على الحر باعتبار عمله، إذ المناط في صحة هذا الاطلاق كون الانسان
مالكا لامواله بالملكية الفعلية الاعتبارية، وقد عرفت قريبا ان عمل الحر قبل وقوع
المعاوضة عليه غير مملوك له كذلك، لان ثبوت شئ لشئ بالاضافة الاعتبارية انما يصح في
غير موارد الثبوت الحقيقي، والا كان الاعتبار
1 - المروي عن محمد بن يحيى الخثعمي قال: سأل حفص الكناسي ابا عبد الله (عليه
السلام) وانا عنده عن قول الله عزوجل: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
سبيلا، ما يعنى بذلك، قال: من كان صحيحا في بدنه، مخلى سربه، له زاد وراحلة، فهو
ممن يستطيع الحج - الخبر (الكافي 4: 267، التهذيب 5: 3، الاستبصار 2: 139، عنهم
الوسائل 11: 34). السرب - بالفتح - الطريق، يقال: خل له سربه أي طريقه، فلان مخلى
السرب أي موسع عليه غير مضيق عليه.
[ 41 ]
لغوا محضا وتحصيلا للحاصل، ومن المفروض ان عمل الحر مملوك له بالاضافة الذاتية،
كما ان الله تعالى مالك لمخلوقاته بالاضافة الذاتية الاشراقية. وأما الوجه في ان
اتلاف عمل الحر لا يوجب ضمانه على المتلف، فهو ان قاعدة الضمان بالاتلاف ليست
برواية لكي يتمسك باطلاقها في الموارد المشكوكة، بل هي قاعدة متصيدة من الموارد
الخاصة، واذن فلابد من الاقتصار فيها على المواضع المسلمة المتيقنة. ومع الاغضاء عن
ذلك وتسليم كونها رواية انها غريبة عن عمل الحر، إذ المستفاد منها ان اتلاف مال
غيره موجب للضمان، ومن الواضح ان الظاهر من كلمة: المال، هو المال المضاف الى مالكه
بالاضافة الاعتبارية، وقد عرفت ان عمل الحر قبل وقوع المعاوضة عليه ليس كذلك، وعليه
فلا يكون مشمولا لقاعدة الضمان بالاتلاف. نعم، إذا كان الحر كسوبا وله عمل خاص
يشتغل به كل يوم، كالبناية والنجارة والخياطة وغيرها، فان منعه عن ذلك موجب للضمان،
للسيرة القطعية العقلائية. نظرة في الحقوق قوله (رحمه الله): وأما الحقوق الاخر.
أقول: لا وجه لتوصيف كلمة: الحقوق، بلفظ: الاخر، إذ لم تتقدم طائفة من الحقوق ليكون
المذكور هنا طائفة اخرى منها، وعليه فالوصف المزبور مستدرك جزما، وقد ضرب عليه في
بعض النسخ الصحيحة (1)، ويحتمل قريبا وقوع التصحيف في عبارة المصنف بالتقديم
والتأخير،
1 - قال الشهيدي في شرحه: 149: الظاهر زيادة كلمة الاخر.
[ 42 ]
وصحيحها هكذا: وأما الحقوق فان لم تقبل المعاوضة بالمال فلا اشكال، وكذا لو لم
يقبل النقل... وأما الحقوق الاخر القابلة للانتقال - الخ. وقد ذكر السيد في حاشيته
وجها آخر لتصحيح العبارة، واليك نصه بلفظه: يمكن ان يكون الوصف توضيحيا، ويمكن ان
يكون تقييديا بعد اعتبار كون العين والمنفعة ايضا من الحقوق بالمعنى الاعم (1).
ويرد عليه ان الحق المبحوث عن جواز جعله ثمنا ليس من سنخ العين ولا من سنخ المنفعة
لكي يحتاج تمييزه عنهما الى قيد احترازي، بل هو أمر يبائن العين والمنفعة، فانه
عبارة عن الاضافة الخاصة المتعلقة بالعين تارة وبالمنفعة اخرى، ومن هنا قد ناقش
المصنف في جعل حق التحجير ثمنا في البيع بدعوى أنه ليس بمال - وسيأتي ذلك قريبا -
مع أن الارض المحجرة مال بالحمل الشائع قطعا. نعم، لو كان مورد البحث في العين أو
المنفعة هو نفس الاضافة بين المالك والمملوك، أو كان مورد البحث في الحقوق هو
متعلقها، لكان الحق شبيها بالعين والمنفعة واحتاج تخصيص البحث بالحقوق الى قيد
احترازي، ولكن قد اتضح لك خلاف ذلك مما ذكرناه. قوله (رحمه الله): كحق الشفعة وحق
الخيار. أقول: الظاهر وقوع التحريف في هذه العبارة، ضرورة ان حق الشفعة وحق الخيار
من امثلة القسم الثاني للحق الذي اشار إليه المصنف بقوله: وكذا لو لم يقبل النقل.
والوجه في ذلك ان القسم الثاني من الحق هو ما لا يقبل النقل الاختياري، وان كان مما
يقبل الانتقال بالسبب القهري كالارث، أو كان
1 - حاشية المكاسب للعلامة الطباطبائي: 55.
[ 43 ]
يقبل الاسقاط مجانا أو مع العوض، ومن الظاهر ان حق الشفعة وحق الخيار يقبلان
الانتقال والاسقاط مجانا أو مع العوض، فيكونان من مصاديق القسم الثاني. أقسام
الحقوق وأحكامها قد قسم المصنف (رحمه الله) الحقوق الى ثلاثة أقسام: 1 - ما لا يقبل
المعاوضة بالمال، وحكم فيه بانه لا يجوز جعله ثمنا في البيع. 2 - ما لا يقبل النقل
وان قبل الانتقال بغير اختيار مع وجود سببه كالارث، كحق الشفعة وحق الخيار، وحكم
فيه ايضا بانه لا يجوز جعله ثمنا في البيع. واستدل على أن هذا القسم من الحق لا
يقبل النقل بما ذكره بعض الاصحاب، من أن البيع تمليك من الطرفين - البائع والمشتري
- فما لا يقبل النقل لا يقبل التمليك لا محالة، وان قبل السقوط والاسقاط. وناقش في
هذا الرأي صاحب الجواهر، واليك نص عبارته: وفيه ان من البيع بيع الدين على من هو
عليه، ولا ريب في اقتضائه حينئذ الاسقاط ولو باعتبار ان الانسان لا يملك على نفسه
ما يملكه غيره عليه الذي بعينه يقرر في نحو حق الخيار والشفعة، والله اعلم (1). وقد
أجاب المصنف عن النقض المذكور بوجود الفارق بين بيع الدين ممن هو عليه وبين ما نحن
فيه، بتقريب ان الملكية علاقة خاصة بين المالك والمملوك، ولا حاجة لها الى وجود
المملوك عليه، وعليه فلا مانع من تملك الانسان لما في ذمته ويترتب عليه سقوطه،
ولذلك
1 - الجواهر 22: 209.
[ 44 ]
جعل الشهيد في قواعده الابراء مرددا بين التمليك والاسقاط (1). مع أنه لو كان
تملك الانسان لما في ذمته محالا لما جعل أمر الابراء مرددا بينهما، وهذا بخلاف حق
الشفعة وحق الخيار واشباههما من الحقوق التي تتقوم بطرفين - المسلط والمسلط عليه -
فان ذلك سلطنة فعلية محتاجة الى المسلط عليه، وعلى هذا النهج فلو نقلت هذه السلطة
ممن له الحق الى من عليه الحق لزم منه اجتماع عنوانين متقابلين - المسلط والمسلط
عليه - في شخص واحد، وهو محال. 3 - ما يقبل النقل والانتقال ويقابل بالمال في الصلح
كحق التحجير. ومع ذلك ناقش المصنف في وقوعه ثمنا في البيع، لانه لغة وعرفا مبادلة
مال بمال، ومن البين ان الحق ليس بمال لكي يقع عوضا في البيع، نعم إذا قلنا بعدم
اعتبار المالية في كل من الثمن والمثمن امكن جعل الحق ثمنا في البيع. هذا تفصيل ما
ذكره المصنف في المقام. 1 - ما لا يقبل المعاوضة بالمال أقول: أما القسم الاول - ما
لا يقبل المعاوضة بالمال - فقد يراد منه ما يقبل النقل والانتقال والسقوط والاسقاط
قبولا مجانيا من دون ان يقابل بالمال، كحق القسم للضرة على ما قيل، وعليه فما ذكره
(قدس سره) وان كان وجيها من حيث الكبرى، وهي ان مثل هذا الحق لا يجوز جعله ثمنا في
البيع، ولكن لم يدلنا دليل على وجود صغرى لهذه الكبرى في الخارج، وأما حق القسم فلا
دليل على كونه من هذا القبيل. وقد يراد من ذلك ما لا يقبل النقل والانتقال ولا
السقوط والاسقاط،
1 - القواعد والفوائد 1: 291.
[ 45 ]
كحق الولاية والحضانة واشباههما، وهو ايضا متين من حيث الكبرى المزبورة، لانه
لا تصح مقابلة الحقوق بالمال الا بلحاظ الجهات المذكورة، فإذا استحال عروض تلك
الجهات على الحقوق لم تجز المعاوضة عليها. ولكن مثل هذا لا يسمى حقا مصطلحا، إذ
المعروف بين الفقهاء (قدس سرهم) ان الفرق بين الحق والحكم ان الحق نوع من السلطنة
التي يكون أمرها بيد ذي الحق، بخلاف الحكم فانه لا يقبل شيئا من ذلك، واذن فالامثلة
المذكورة غريبة عن حدود الحق، وانما هي من مصاديق الحكم المصطلح. 2 - ما لا يقبل
النقل وان قبل الانتقال بغير اختيار مع وجود سببه كالارث وأما القسم الثاني - ما لا
يقبل النقل - فيقع البحث عنه في جهات شتى: الف - مالكية الانسان لما في ذمته. ذكر
المصنف (رحمه الله) ان جواز ملك الانسان لما في ذمته معقول عقلا وجائز شرعا، وهذا
موافق للتحقيق، لما ذكرناه في أول الكتاب من مالكية الانسان لنفسه وفعله وذمته
بالاضافة التكوينية الذاتية الاولية، نعم لا يتصف ذلك بالملكية الاعتبارية، لا من
جهة استحالة اتحاد المالك والمملوك عليه، بل لان الثبوت الاعتباري انما يصح فيما لم
يكن هناك ثبوت تكويني حقيقي، والا لكان الاعتبار لغوا محضا وتحصيلا للحاصل. وقد مر
فيما سبق ان مالكية الانسان لذمته أمر تكويني حقيقي فلا يحتاج الى الثبوت
الاعتباري، وهذا واضح لا ريب فيه. وقد يتوهم ان المالك والمملوك عليه من
المتضائفين، وهما متقابلان، واذن فيستحيل اتحاد المالك والمملوك عليه.
[ 46 ]
ولكن هذا التوهم فاسد، بديهة ان النسبة بين المالك والمملوك عليه، وان كانت هي
التضائف ولكن المتضائفين لا يستحيل اجتماعهما في محل واحد دائما، فالله تبارك
وتعالى عالم بذاته وهو معلوم له وكل شاعر يحب نفسه، وانما الاستحالة فيما كان بين
المتضائفين تغائر وجودي كالعلية والمعلولية، ومن البديهي ان المالك والمملوك عليه
لم يعتبر بينهما التغائر الوجودي، فلا مانع من صدقهما على شئ واحد. ب - الفارق بين
الملكية والسلطنة. ذكر المصنف ان الملكية لا تتوقف على المملوك عليه، والسلطنة
تتوقف على الملسط عليه. والتحقيق ان هذا المعنى وان كان صحيحا بالاضافة الى الملكية
المضافة الى الاعيان الخارجية، الا انها لا تصح في الملكية المضافة الى الذمم، فان
الكلي ما لم يضف الى ذمة شخص خاص لا يبذل بازائه شئ ولا يرغب فيه العقلاء. ج -
اتحاد المسلط والمسلط عليه. ذكر المصنف ان مثل حق الشفعة وحق الخيار سلطنة فعلية،
فلا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد. والتحقيق ان حق الشفعة لا تجوز المعاوضة عليه، لا
من ناحية المحذور الذي ذكره المصنف، فانه واضح الاندفاع - وسيأتي قريبا - بل من جهة
ان حق الشفعة اما ان يباع من المشتري أو من غيره. وعلى الاول فيكون البيع لغوا
محضا، إذ المشتري مالك للحصة المبيعة قبل انتقال حق الشفعة إليه، وعليه فلا معنى
لاستحقاقه تملك تلك الحصة ثانيا بحق الشفعة. وعلى الثاني فلان حق الشفعة استحقاق
الشريك للحصة المبيعة في شركته لكي يضمها الى حقه، فالشريك قد اخذ موضوعا لهذا
الحق،
[ 47 ]
ومن البين الذي لا ريب فيه أنه لا يعقل ثبوت الحكم لغير موضوعه، بديهة ان نسبة
الحكم الى موضوعه كنسبة المعلول الى علته، فكما يستحيل انفكاك المعلول عن علته كذلك
يستحيل انفكاك الحكم عن موضوعه. وبتعبير آخر انا إذا لاحظنا آثار حق الشفعة وجدنا
خصوصية في مورده، وتلك الخصوصية هي العلة التامة لثبوته للشريك فقط دون غيره. نعم،
تجوز المعاوضة على حق الشفعة من حيث الاسقاط، بأن يجعل اسقاطه ثمنا في البيع، أو
اجرة في الاجارة، أو عوضا في الصلح والهبة، أو صداقا في النكاح، ولكن هذا اجنبي عما
نحن فيه، فان مورد بحثنا انما هو جواز المعاوضة على حق الشفعة وجعله عوضا في العقود
المعاوضية لا المعاوضة على اسقاطه، فان الاسقاط بنفسه عمل، وقد عرفت سابقا ان عمل
الحر يجعل عوضا في البيع وغيره من العقود المعاوضية. وأما حق الخيار فجواز المعاوضة
عليه من حيث الاسقاط خارج عن موضوع بحثنا - وقد عرفته قريبا - وأما نقله الى غيره
بالعقود المعاوضية، وجعله عوضا فيها فقد منعه المصنف من ناحية استلزامه اتحاد
المسلط والمسلط عليه. والجواب عن ذلك: أولا: ان هذا انما يتم فيما إذا نقل حق
الخيار الى من عليه الخيار، وأما إذا نقل الى غيره فلا يلزم منه المحذور المذكور،
واذن فالدليل اخص من المدعى. ثانيا: ان هذا انما يلزم فيما إذا كان متعلق السلطنة
في الخيار هو البائع دون العقد، ولكن سيأتي في مبحث الخيارات ان الخيار انما يتعلق
بالعقد لا بالمتبايعين، والا لسقط خيار كل منهما بموت صاحبه.
[ 48 ]
وعلى هذا الضوء فثبوت حق الخيار لا يحتاج الى وجود المسلط عليه لكي يلزم من
نقله إليه اتحاد المسلط والمسلط عليه، بل شأنه شأن حق التحجير المتعلق بالارض
المحجرة. ثالثا: أنه لو استحال بيع حق الخيار ممن عليه الخيار - لاستحالة اتحاد
المسلط والمسلط عليه - لاستحال ملك الانسان لما في ذمته بالاولوية القطعية،
لاستحالة تملك الكلي بدون المملوك عليه، وحيث عرفت امكان الثاني فكان الاول أولى
بالامكان. رابعا: ان مفهوم السلطنة وان كان من المفاهيم الاضافية الا أن عنوان
التضايف لا يقتضي استحالة صدق المتضايفين على شئ واحد، كما عرفته قريبا. وصفوة ما
ذكرناه: أنه لا مانع من نقل حق الخيار الى شخص آخر من الناحية التي ذكرها المصنف
(قدس سره). نعم، ان الخيار المجعول بجعل المتبايعين أو بجعل شرعي ترجع حقيقته - على
ما حققناه في مبحث الخيارات - الى تحديد الملكية في البيع الى زمان فسخ من له
الخيار، ومن الظاهر ان هذا غير قابل للنقل الى غير من له الخيار، نعم هو قابل
للاسقاط والانتقال الى الوارث بادلة الارث، وتمام الكلام موكول الى مبحث الخيارات،
ويأتي الكلام فيه ان شاء الله. 3 - ما يقبل النقل والانتقال ويقابل بالمال في الصلح
كحق التحجير وأما القسم الثالث، فهو ما يقبل النقل والانتقال كحق التحجير ونحوه،
وقد عرفت اعتراض المصنف على وقوعه ثمنا في البيع لعدم صدق المال عليه. ويرد عليه ما
ذكرناه في أول الكتاب، من أن المال ما يرغب فيه العقلاء
[ 49 ]
ويبذلون بازائه شيئا، ومن البين ان حق التحجير مورد لرغبة العقلاء وتنافسهم،
فيكون مالا بالحمل الشائع، واذن فلا محذور في جواز المعاوضة عليه من هذه الناحية.
نعم، يتوجه عليه ان الحق وان كان قابلا للنقل والانتقال أو السقوط والاسقاط مجانا
أو بعوض، الا أنه لا يمكن جعله ثمنا في البيع، بداهة أن الحق حكم شرعي غير قابل لان
تتعلق به اضافة ملكية أو غيرها، وقد عرفت سابقا ان البيع لابد فيه من التبديل، بأن
يقوم احد العوضين مقام الاخر. نعم نقل الحق أو اسقاطه فعل من افعال المكلف، فيصح
جعله ثمنا، واذن فيملك البائع على المشتري هذا الفعل، ويلزم عليه تسليمه الى البائع
بعد البيع، كما هو الحال في بقية الافعال المجعولة ثمنا. وقد نوقش في جعل الحق ثمنا
في البيع بمناقشة اخرى، وحاصلها ان البيع في الواقع ونفس الامر ليس الا ازالة
الاضافة المالكية عن كل من العوضين وايجاد اضافة اخرى مالكية فيه، وعليه فلا يمكن
جعل الحق ثمنا في البيع. والسر في ذلك، ان الملكية من المفاهيم الاضافية فأحد
طرفيها قائم بالمالك وطرفها الاخر قائم بالمملوك، ومن آثار هذه الاضافة ان يفك
المالك عند التبديل اضافته القائمة بالمتاع ويجعلها قائمة بالثمن، ويفك مالك الثمن
اضافته القائمة بالثمن ويجعلها قائمة بالمتاع، وهذا هو البيع بالحمل الشائع،
ويقابله باب الارث فان فيه يتبدل المالك مع بقاء المملوك على حاله. ومن الظاهر ان
التبديل في باب الحقوق من القبيل الثاني، ضرورة أنه إذا جعل الحق عوضا في معاملة
كان معناه زوال الحق من ذي الحق وثبوته لشخص آخر، كما ان مال المورث ينتقل منه الى
وارثه، وليس
[ 50 ]
معناه وقوع التبديل بين المعوض وبين متعلق الحق كالارض المحجرة مثلا، ولا ان
معناه وقوع المعاوضة بين المعوض ونفس الحق، ضرورة ان الحق ليس الا اضافة خالصة، ومن
البديهي ان مقابلة هذه الاضافة بشئ تحتاج الى اضافة اخرى لكي يقع التبديل في تلك
الاضافة، ويلزم منه التسلسل. وعلى هذا فلا يصدق مفهوم البيع على تبديل حق بحق ولا
على تبديله بغيره، كما أنه لا يصدق على قيام النائب مقام المنوب عنه في الجهات
الراجعة إليه، كالامامة والقضاوة والوزارة والسلطنة وأشباهها، ولاجل هذه المناقشة
يلزمنا ان نمنع عن جواز تبديل حق بحق أو تبديله بغيره منعا مطلقا، أي سواء اصدق
عليه مفهوم المال أم لم يصدق عليه ذلك. وانت خبير بأن المانع من تبديل الحقوق وجعله
ثمنا هو ما ذكرناه من استحالة تعلق الملكية بالحكم الشرعي، والا فلو امكن تعلقها به
لم يكن مانع من تبديله وجعله ثمنا، وبذلك تنقطع السلسلة كما في مبادلة الاعيان
والمنافع. حقيقة الملك وحقيقة الحق وبيان الفارق بينهما ما هي حقيقة الملك وحقيقة
الحق وما هو الفارق بينهما؟ ان الثابت في نظام الوجود لا يخلو عن أربعة أقسام: لانه
اما واجب أو ممكن، والثاني اما جوهر أو عرض أو أمر اعتباري قائم بنفس الاعتبار، ولا
ريب في ان الاحكام كلها من قبيل الامور الاعتبارية، سواء فيها الاحكام الشرعية
والعقلائية والوضعية والتكليفية والالزامية والترخيصية.
[ 51 ]
فمعنى الوجوب اعتبار الفعل على ذمة المكلف، ومعنى الزوجية اعتبار كل من الزوجين
عدلا للاخر، ومعنى الملكية اعتبار احاطة المالك بالمملوك، وعلى هذا النمط كلما ورد
عليك حكم من الاحكام. وعليه فحقيقة الملكية انما هي السلطنة والاحاطة، وهي مقولة
بالتشكيك على مراتبها الاربع المتقدمة، ولا ريب في ان هذه السلطنة انما تتعلق
بالاعيان الخارجية تارة وبالافعال اخرى، فيقال: له السلطنة على المملكة، وهو سلطان
الرعية والناس مسلطون على اموالهم، وزيد مسلط على الخياطة والبناية والتكلم
والكتابة، ونحو ذلك من الافعال. وهذا بخلاف الحق والحكم، فانهما لا يتعلقان الا
بالافعال، فيقال: يباح للانسان أكل الخبز وشرب الماء، ويستحب له أكل الرمان، ويجب
على المكلف الاتيان بالصلاة الواجبة وترك المحرمات، ويحرم عليه شرب المسكر وأكل
الرباء واستماع الغناء، ويكره له أكل لحم الحمير والبغال. وايضا يقال: ان صاحب
الخيار له حق فسخ العقد، والمرتهن له حق بيع العين المرهونة واستيفاء حقه من ثمنها
إذا امتنع الراهن من أدائه، والزوجة لها حق المطالبة للمسكن والنفقة والمضاجعة من
زوجها، والاولياء لهم حق القيام بامور المولى عليهم، وحق المؤمن على المؤمن أن يدفع
غيبته ويقضي حاجته، ويحضر جنازته ويكشف كربته. وعلى الجملة ان الفارق بين الحق
والحكم وبين الملك، ان الاولين لا يتعلقان الا بالافعال، بخلاف الملك فانه يتعلق
بالاعيان تارة وبالافعال اخرى، واليك ملاحظة الاستعمالات الصحيحة الفصيحة. الحق
والحكم وعدم وجود الفارق بينهما ما هو الفارق بين الحق والحكم؟
[ 52 ]
لا ينبغي الريب في ان الحكم والحق متحدان حقيقة لان قوامهما بالاعتبار الصرف.
وتوضيح ذلك: ان المجعولات الشرعية على ستة أقسام: 1 - التكليفي الالزامي، كالواجبات
والمحرمات. 2 - التكليفي غير الالزامي، كالمستحبات والمكروهات والمباحات. 3 -
الوضعي اللزومي الذي يقبل الانفساخ، كالبيع والاجارة والصلح ونحوها، فانها وان كانت
لازمة في نفسها ولكنها تنفسخ بالاقالة ونحوها. 4 - الوضعي اللزومي الذي لا يقبل
الانفساخ، كالزواج فانه لا ينفسخ الا في موارد خاصة. 5 - الوضعي الترخيصي الذي يقبل
الاسقاط، كحق الشفعة وحق الخيار فلصاحب الحق ان يرفع يده عن حقه ويسقطه. 6 - الوضعي
الترخيصي الذي لا يقبل الاسقاط، كالجواز في الهبة فانه حكم مجعول للشارع ولا يرتفع
بالاسقاط. وهذه الامور الاعتبارية وان اختلفت من حيث الاثار اختلافا واضحا ولكنها
تشترك في ان قوامها بالاعتبار المحض. واذن فلا وجه لتقسيم المجعول الشرعي أو
العقلائي الى الحق والحكم لكي نحتاج الى بيان الفارق بينهما، بل كلها حكم شرعي أو
عقلائي قد اعتبر لمصالح خاصة، بناء على مسلك العدلية من تبعية الاحكام للملاكات
الواقعية. نعم، تختلف هذه الاحكام في الاثر كما اشرنا إليه قريبا اختلافا ظاهرا،
فبعضها يقبل الاسقاط، وبعضها لا يقبله، والسر في هذا الاختلاف هو ان زمام تلك
الامور بيد الشارع حدوثا وبقاء، فقد يحكم
[ 53 ]
ببقائه كما حكم بحدوثه وقد يحكم بارتفاعه، ولو كان ذلك باختيار احد المتعاملين
أو كليهما، نعم المتبع في ذلك في مقام الاثبات هو الادلة الشرعية. وعلى الجملة، ان
الجواز واللزوم الوضعيين، كالجواز واللزوم التكليفيين، فان جميعها من الاحكام
الشرعية ولا تفاوت في ماهيتها وذواتها وان اختلفت آثارها، فاعطف نظرك هل ترى فارقا
بين جواز قتل المشرك الذي يسمى حكما شرعيا، وبين سلطنة ولي الدم على قتل القاتل
الذي يسمى حقا شرعيا لقبوله الاسقاط، ثم ارجع البصر كرتين هل ترى فارقا بين حق
الحضانة والابوة والولاية واشباهها مما لا يقبل الاسقاط، وبين حق الشفعة وحق الخيار
القابلين للاسقاط، فافهم واغتنم. ومن الغريب ان جمعا من الفقهاء تصدوا لبيان الفارق
بين الحق والحكم، حتى ان بعضهم قد الحقه بالبديهيات، زعما منه ان الاختلاف بينهما
اظهر من الشمس وابين من الامس. وذكر جماعة ان الحق مرتبة ضعيفة من الملكية وصاحبه
مالك لشئ يرجع أمره إليه، بخلاف الحكم فانه مجرد جعل الرخصة في فعل شئ أو تركه، أو
الحكم بترتب اثر على فعل أو ترك. وذكر طائفة ان الحق ما يقبل السقوط والاسقاط أو
النقل والانتقال، بخلاف الحكم فانه لا يقبل شيئا من هذه الامور، الى غير ذلك مما
ذكروه في هذا المقام، ولكنك قد عرفت أنه لا يرجع شئ من ذلك الى محصل. نعم، لا مانع
من تخصيص اطلاق الحق اصطلاحا بطائفة من الاحكام، وهي التي تقبل الاسقاط، إذ لا
مشاحة في الاصطلاح.
[ 54 ]
واظن - وان كان الظن لا يغني من الحق شيئا - ان هذا الاطلاق صار سببا لاختلاف
العلماء في حقيقة الحق والحكم وبيان الفارق بينهما، والله العالم. ومما يدل على
اتحاد الحق والحكم، ان لفظ الحق في اللغة بمعنى الثبوت، ولذا يصح اطلاقه على كل أمر
متقرر في وعائه المناسب له، سواء اكان تقررا تكوينيا أم كان اعتباريا، وهو بهذا
المعنى قد استعمل في عدة موارد من الكتاب العزيز (1). ومن هنا يصح اطلاق كلمة الحق
على الخبر الصادق لثبوت مضمونه في الواقع، ولهذا ايضا يطلق الحق - بقول مطلق - على
الله تعالى لبطلان غيره في جنبه سبحانه. ومن هنا قيل: ان أصدق شعر انشئ في الجاهلية
هو قوله: ألا كل شئ ما خلا الله باطل. واذن فمفهوم الحق يعم جميع المجعولات
الشرعية، بل جميع الامور الثابتة في أي صقع من الاصقاع، فلا وجه لتخصيصه بالاحكام
فضلا عن تخصيصه بحصة خاصة منها.
1 - قال الله تعالى: لقد حق القول على اكثرهم أي ثبت، يس: 6. قال الله تعالى: فحق
علينا قول ربنا أي ثبت، الصافات: 30. قال الله تعالى: افمن حق عليه كلمة العذاب أي
ثبت، الزمر: 20. قال الله تعالى: ان الذين حقت عليهم كلمة ربك أي ثبتت، يونس: 96.
قال الله تعالى: ويحق الله الحق بكلماته أي يثبته، يونس: 82. قال الله تعالى: ليحق
الحق ويبطل الباطل أي يثبت، الانفال: 8. قال الله تعالى: كذلك حقا علينا ننج
المؤمنين أي ثابتا، يونس: 103. قال الله تعالى: وكان حقا علينا نصر المؤمنين أي
ثابتا، الروم: 46. الى غير ذلك من الايات المتظافرة.
[ 55 ]
المجعول الشرعي والشك في أنه حق أو حكم إذا شك في ان المجعول الشرعي حق اصطلاحي
يقبل الاسقاط أو أنه حكم اصطلاحي لا يقبله، فان كان هنا ما يدل على تعيين احدهما
بالخصوص اخذ به، والا فان كان لدليل المشكوك فيه عموم أو اطلاق اخذ بذلك ويثبت به
كونه حكما. ومثال ذلك: انه إذا شك في ان جواز أكل المارة من الشجرة التي تمر عليها،
أو جواز الفسخ في الهبة حق أو حكم، فانه يتمسك باطلاق ما دل على جوازهما، ويثبت
بذلك كونه حكما فلا يسقط بالاسقاط، وانه إذا شككنا في بقاء حق التحجير بعد اسقاطه
رجعنا الى اطلاق قوله (صلى الله عليه وآله): من سبق الى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو
له (1)، وانه إذا شككنا في بقاء حق القصاص بعد اسقاطه رجعنا الى اطلاق قوله تعالى:
ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا (2)، ومع عدم الاطلاق في ذلك رجعنا الى
الايات (3) والروايات (4) الدالة على حرمة قتل النفس المحترمة. وان لم يكن هناك
عموم أو اطلاق فان قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية استصحبنا الجواز
المشكوك فيه بعد اسقاطه، ونحرز بذلك كونه حكما، والا فيرجع الى ما يقتضيه سائر
الاصول اللفظية
1 - قد أشرنا الى مصادر الحديث في البحث عن المال وحقيقته، فراجع. 2 - الاسراء: 35.
3 - قال الله سبحانه: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ، النساء: 94. قال الله
سبحانه: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، النساء: 95. قال الله
سبحانه: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق، الانعام: 152. 4 - راجع الكافي
3: 271.
[ 56 ]
أو العملية، فقد تكون نتيجة ذلك السقوط بالاسقاط، فيكون حقا. وعليه، فإذا شك في
ان حق الشفعة وحق الخيار من قبيل الحقوق أو من قبيل الاحكام لم يجز اعمالهما بعد
الاسقاط، لعدم الاطلاق فيما دل على ثبوتها لذي الخيار والشفيع، واذن فان قلنا
بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية رجعنا إليه، والا فان العمومات الدالة على
حرمة أكل مال الناس من دون رضاه محكمة. وإذا شك في حق أنه يقبل الانتقال الى الوارث
أو لا، كحق الحضانة والولاية وامثالهما، فان كان هنا دليل على قبوله النقل فانه
يحكم بقبوله الانتقال ايضا، إذ يستكشف من ذلك عدم وجود الخصوصية لمورد المشكوك فيه،
والا فانه يحكم بعدم انتقاله، ويأتي تفصيل ذلك في مبحث أحكام الخيار (1).
1 - أما المورد الثالث، وهو الشك في قابلية الحق للانتقال بالارث ونحوه، فالصحيح
فيه الحكم بعدم الانتقال، لان ما ينتقل الى الوارث هو ما تركه الميت، والمراد به
بحسب الفهم العرفي ما يبقى بعد ذهاب الميت ولا يكون قائما بشخصه، فان ما يكون
متقوما بشخص الميت يذهب بذهابه ولا يصدق عليه عنوان ما تركه الميت، فإذا شككنا في
قابلية الحق للانتقال وعدمه يشك في شمول الميت والاصل عدم انتقاله إليه. وبما ذكرنا
ظهر ان القابلية للانتقال من شؤون قابلية الشئ للنقل، فانه إذا كان قابلا له يصدق
عليه ما ترك فينتقل الى الوارث، وإذا شككنا في قابلية الحكم للنقل فمقتضى الاصل
العملي دائما والاصل اللفظي في بعض الموارد هو عدم قابليته للنقل، وذلك لان الانقال
وعدم جواز مزاحمة المنقول إليه كما لم يجز مزاحمة الناقل مخالف للاصول والقواعد،
ففي حق الفسخ مثلا إذا نقله من له الحق الى غيره وشك في قابليته للنقل ففسخ المنقول
إليه البيع واخذ مال الغير منه قهرا كان هذا من أكل مال الغير بالباطل، لانه ليس
بالتجارة عن تراض، وقد نهي المولى سبحانه عنه بقوله: ولا تأكلوا اموالكم بينكم
بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض، والمفروض ان الفسخ ليس عن تراض، وهكذا ثبوت حق
التحجير لمن نقله من له الحق إليه وعدم جواز مزاحمة الناس اياه لعموم: من سبق الى
ما لم يسبقه إليه غيره فهو أولى به، الى غير ذلك. نعم تبقى في البين عمومات: أوفوا
بالعقود، و: احل الله البيع، وقوله (عليه السلام): الصلح جائز بين المسلمين، فهل
يمكن ان يستفاد منها قابلية الحكم للنقل إذا وقع عليه شئ منها أم لا، الظاهر العدم،
لانها لا تكون مشرعة ومبينة لما يكون للمتعاقدين السلطنة عليه وما لا يكون، بل هي
ناظرة الى نفوذ اسباب النقل والانتقال في موارد ثبوت السلطنة التامة لكل من
المتعاقدين على ماله ولو عند العرف والعقلاء، ولذا إذا فرضنا ان احدا آجر نفسه
للغناء أو جعل فعله هذا عوضا في البيع، ونفرض انا نشك في حرمة الغناء وكونه تحت
سلطنته وضعا، فان الحرام لا يجعل عوضا، ولا تقع المعاملة عليه، لا يمكننا التمسك
بعموم: أوفوا بالعقود، والحكم بدلالته بالالتزام على صحة العقد وجواز الغناء
تكليفا، وهذا ليس الا لما ذكرناه من أن هذه العمومات لا تثبت السلطنة على اصل
النقل، بل هي ناظرة الى اسبابه. فالحق ان مقتضى الاصل عند الشك في قابلية الحكم
للنقل هو العدم - المحاضرات 2: 23.
[ 57 ]
وإذا شككنا فيما يطلق عليه الحق اصطلاحا أنه يقبل النقل أو لا، فان الاصل عدم
قبوله اياه، إذ الظاهر من الادلة المثبتة لذلك هو اختصاصه بذي الحق فقط، فثبوته
لغيره يحتاج الى دليل. ودعوى ان الاصل جواز نقله تمسكا بالعمومات الدالة على صحة
العقود ونفوذها، دعوى جزافية، فان تلك العمومات ناظرة الى بيان الحكم الوضعي، وهو
امضاء المعاملات العرفية، أعني بها ما يكون مورد المعاملة فيها قابلا للانتقال الى
غيره، ومع الشك في ذلك كان التمسك بتلك العمومات تمسكا بها في الشبهة المصداقية،
وقد ثبت في محله عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية. والى هنا وقف القلم
في مبحث الحق والحكم، والله ولي التوفيق وعليه التوكل وبه الاعتصام.
[ 58 ]
مفهوم الانشاء وتعريفه قوله (رحمه الله): فالاولى تعريفه بانه انشاء تمليك عين
بمال. أقول: ان واقع الانشاء المقابل للاخبار وان كان من الامور الواضحة التي
يعرفها الصبيان والمجانين حسب مرتكزاتهم فضلا عن البالغين، الا أنه وقع الكلام في
حقيقته وفيما به يمتاز عن الاخبار. فالمعروف بين العلماء ان الانشاء ايجاد المعنى
باللفظ، ولكن هذا التعريف مزيف، لانا ذكرنا في مبحث المشتقات من مدخل علم الاصول،
ان المراد من ايجاد المعنى باللفظ اما ايجاد خارجي أو ايجاد اعتباري: أما الايجاد
الخارجي، فهو ضروري البطلان، بداهة ان الموجودات الخارجية برمتها مستندة الى عللها
الخاصة واسبابها المعينة ومقدماتها الاعدادية، ومن الواضح الذي لا ريب فيه ان اللفظ
اجنبي عنها، نعم قد يكون بعض الالفاظ من مبادي الوجود الخارجي، كالكلام العنيف
المؤثر في اصفرار وجه الوجل. الا أن هذا غريب عن ايجاد المعنى باللفظ في نظام
الوجود، كما يبعد عن ايجاد المعنى باللفظ ما هو المعروف بين أهل المعقول، من أن
اللفظ وجود للمعنى في عالم اللفظ، ووجه البعد ان ذلك لا يختص بالجمل الانشائية بل
يعم الجمل الخبرية والمفردات ايضا. وأما الايجاد الاعتباري، فان كان المراد به
وجوده في نفس المتكلم فهو واضح الفساد، فان الاعتبار النفساني من افعال النفس، ومن
المعلوم أن أفعال النفس توجد فيها بفاعليتها بلا احتياج الى عالم الالفاظ اصلا
ورأسا. وان كان المراد من الايجاد الاعتباري وجود المعنى في اعتبار
[ 59 ]
العقلاء، فيتوجه عليه ان الانشاء وان كان موضوعا لاعتبار العقلاء، الا أن هذا
الاعتبار مترتب على تحقق الانشاء في الخارج، وكلامنا في تصوير حقيقته سواء أكان ذلك
موردا لاعتبار العقلاء أو الشرع أم لم يكن. وعلى الجملة، انا لا نعقل معنى محصلا
لتعريف الانشاء بايجاد المعنى باللفظ، سواء في ذلك الايجاد الاعتباري و الايجاد
الخارجي. والتحقيق ان الانشاء ابراز الاعتبار النفساني بمبرز خارجي، كما أن الخبر
ابراز قصد الحكاية عن الثبوت أو السلب بالمظهر الخارجي. والسر في ذلك انا ذكرنا في
مبحث الوضع من مدخل علم الاصول ان حقيقة الوضع هي التعهد والالتزام النفسي بجعل لفظ
خاص أو هيئة خاصة مبرزا لقصد تفهيم أمر تعلق غرض المتكلم بتفهيمه، ومن البديهي ان
هذا المعنى أمر اختياري لكل من التزم بذلك وتعهد به، والارتباط الحاصل بين الدال
والمدلول أمر قهري ومنتزع من الالتزام المذكور. ولا يخفى على الفطن العارف ان هذا
المعنى للوضع موافق للوجدان والذوق السليم، والارتكاز العقلائي والفهم العرفي
والمعنى اللغوي، بديهة أن الوضع في اللغة بمعنى الجعل والاقرار والاثبات وما يراد
منها من الفاظ أية لغة كانت، وعليه فالتزام المتكلم بابراز مقاصده عند التفهيم
بالالفاظ الخاصة نوع من الوضع، ومن هنا يطلق الواضع على مقنن القوانين في المحاكم
العرفية. وعلى هذا النهج فكل من تعهد بابراز مقاصده بالالفاظ المتدأولة بين أهل
اللسان لتفهيم أمر تعلق به غرضه فهو واضع حقيقة، نهاية الامر ان اطلاق الواضع على
الجاعل الاول انما هو لسبق زمانه وقدم عهده. ولا فارق فيما ذكرناه بين الجمل
الخبرية والجمل الانشائية،
[ 60 ]
وغيرهما من الالفاظ المفردة والمركبة التي هي من الامارات الجعلية. نعم تفترق
الجمل الانشائية عن الجمل الخبرية بأن الجمل الانشائية انما وضعت بهيئاتها
الانشائية لابراز أمر ما من الامور النفسانية، وهذا الامر النفساني قد يكون اعتبارا
من الاعتبارات، كما في الامر والنهي والعقود والايقاعات، وقد يكون صفة من الصفات،
كما في التمني والترجي. ولاجل ذلك ان الجمل الانشائية لا تتصف بالصدق تارة وبالكذب
اخرى، إذ ليس في مواردها خارج تطابقه النسبة الكلامية أو لا تطابقه، وهذا بخلاف
الجمل الخبرية فانها موضوعة لابراز قصد الحكاية عن الثبوت أو السلب، وعليه فالهيئات
التركيبية للجمل الخبرية امارة على قصد المتكلم للحكاية عن النسبة، وهذه الحكاية قد
تطابق الواقع فتكون الجملة صادقة وقد تخالفه فتكون كاذبة. وقد اتضح لك مما ذكرناه
ان المتصف بدأ بالصدق والكذب في الجمل الخبرية انما هو الحكاية عن الواقع، وأما
اتصاف الجملة الخبرية بهما انما هو من قبيل وصف الشئ بحال متعلقه. والمتحصل مما
بيناه ان استعمال اللفظ في المعنى ليس الا اظهار المقاصد النفسانية بمبرز خارجي
سواء في ذلك الجمل وغيرها، واذن فالانشاء من مصاديق استعمال اللفظ في المعنى بلا
ارتباط له بايجاد المعنى باللفظ (1).
1 - ثم ان الانشاء قد يكون موضوعا لحكم الشارع أو العقلاء وامضائهم، وقد لا يكون،
كما ان المسافر يكون موضوعا لوجوب القصر والحاضر موضوعا لوجوب التمام، ولا معنى لان
يتسبب المنشئ بالانشاء الى اعتبار الشارع كما لا يتسبب الى حكمه بوجوب القصر في
السفر، وهكذا لا يتسبب المنشئ بالانشاء الى اعتبار العقلاء، بل يمكن ان يتحقق البيع
مع عدم وجود عاقل في العالم سوى المتبايعين، ومع وجودهم ايضا، فالغالب ان
المتبايعين لا يقصدان التسبب الى ذلك، بل يكونان غافلين عن اعتبار العقلاء.
وبالجملة فكما لا يوجد المعنى بالانشاء كذلك لا يتسبب به الى اعتبار الشارع أو
العقلاء اصلا، بل ليس في مورده سوى ابراز الاعتبار النفساني، وربما يترتب عليه
اعتبار العقلاء أو الشارع، وهذا غير التسبيب، وما ذكرناه جار في جميع الانشاءات من
العقود والايقاعات من غير فرق بينهما - المحاضرات 2: 26.
[ 61 ]
تعاريف الفقهاء للبيع والمناقشة فيها لا يخفى على الناقد البصير ان البيع ليس
انشاء ساذجا، وان علم عدم تحقق الاعتبار النفساني، والا لصدق مفهوم البيع على بيع
الهازل والساهي والنائم والسكران وأمثالهم، ولا أنه صرف الاعتبار النفساني، وان لم
يقترن به المظهر الخارجي، والا لصدق مفهوم البيع على الاعتبار النفساني المحض من
دون ابرازه بمبرز خارجي، وهو باطل بالضرورة، بل حقيقة البيع هي الاعتبار النفساني
المظهر بمظهر خارجي، سواء أكان ذلك ممضى للشارع أو للعقلاء أم لم يكن كذلك، وعليه
فإذا اعتبر احد تبديل ماله بمال غيره في افق نفسه ثم اظهر ذلك بمبرز خارجي صدق عليه
مفهوم البيع جزما. وكذلك الحال في سائر الامور الانشائية، من العقود والايقاعات،
والاوامر والنواهي، فان معنى الامر - مثلا - ليس انشاء خالصا ولا اعتبارا ساذجا، بل
هو الاعتبار النفساني المظهر بمبرز خارجي. وإذا اطلعت على ما ذكرناه في معنى
الانشاء ولاحظت ما بيناه في معنى المبادلة، جاز لك تعريف البيع بانه انشاء تبديل شئ
من الاعيان بعوض في جهة الاضافة.
[ 62 ]
ولا يتوجه عليه لزوم اخذ الانشاء في المنشأ، كما سجله المصنف على ما ذكره
المحقق الثاني، من أن البيع نقل العين بالصيغة المخصوصة (1)، وذلك لان هذه المناقشة
واضحة الدفع نقضا وحلا، وسيأتي قريبا. قوله (رحمه الله): ثم الظاهر ان لفظ البيع
ليس له حقيقة شرعية ولا متشرعية، بل هو باق على معناه العرفي. أقول: قد عرف الفقهاء
البيع بتعاريف شتى غير ما ذكرناه: 1 - كونه انتقال عين مملوكة من شخص الى غيره بعوض
مقدر ما ذكره الشيخ في المبسوط (2) والعلامة في التذكرة (3)، من أن البيع انتقال
عين مملوكة من شخص الى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي. ورماه المصنف الى التسامح
الواضح ولم يبين سره، ولعل الوجه فيه ان الانتقال اثر للبيع فلا يسوغ تعريف الشئ
باثره الا على سبيل العناية والمجاز. وأضف الى ذلك ان البيع أمر قائم بالبائع
كالتمليك والتبديل، والانتقال صفة للعوضين، فلا وجه لتعريف البيع بذلك. نعم لا بأس
بتوصيفه بالانتقال مجازا لان ذلك من قبيل توصيف الشئ بحال متعلقه (4).
1 - جامع المقاصد 4: 55. 2 - المبسوط 2: 76. 3 - التذكرة 1: 462، القواعد 1: 123،
التحرير 1: 164. 4 - ربما يناقش في هذا التعريف بما ذكره في الجواهر، من أن البيع
فعل فلا يكون انتقالا. وفيه ان البيع وان كان من الفعل بمعناه اللغوي، الا أنه أمر
اعتباري صرف، ومن الواضح ان الامور الاعتبارية غير داخلة تحت مقولة الفعل بمعناها
المصطلح المبائنة لمقولة الانفعال.
[ 63 ]
2 - كونه الايجاب و القبول الدالين على الانتقال ما اشتهر بين الفقهاء (1)، من
أن البيع هو الايجاب والقبول الدالين على الانتقال. وناقش فيه المصنف (رحمه الله)
بأن البيع من مقولة المعنى دون اللفظ فلا وجه لتفسيره به، على أن البيع ينشأ باللفظ
ولا معنى لانشاء الايجاب والقبول باللفظ. ولكن هذه المناقشة متوجهة الى تعريف
المصنف ايضا، لانه اخذ الانشاء في تعريف البيع، وسيأتي قريبا (2). قيل: ان اللفظ
سبب والبيع مسبب فيستحيل تعريف المسبب بسببه. ويرد عليه: ان البيع ليس من الامور
التوليدية لكي يتسبب إليه بالالفاظ، ويضاف إليه ان من عرف البيع بالتعريف المذكور
فقد التزم بكونه اسما للسبب دون المسبب. 3 - كونه نقل العين بالصيغة المخصوصة ما
حكي عن المحقق الكركي في جامع المقاصد (3)، من أن البيع نقل العين بالصيغة
المخصوصة. وناقش فيه المصنف، وحاصل مناقشته أنه ان كان غرض المحقق الثاني من هذا
التعريف ان البيع نقل العين المنشأ بالصيغة المخصوصة،
1 - كالمحقق في مختصر النافع: 118، والشهيد في الدروس 3: 191، والفاضل المقداد في
التنقيح 2: 24. 2 - يأتي في المبحث الاتي: أوهام حول تعريف البيع. 3 - جامع المقاصد
4: 55.
[ 64 ]
فيرد عليه ان النقل بنفسه وان كان أمرا يمكن انشاؤه بالصيغة الا أن النقل مقيدا
بكونه منشاء بالصيغة غير قابل لتعلق الانشاء به، وهو ظاهر. وان كان غرضه من ذلك ان
البيع نفس النقل الخاص المرادف للبيع، وجعله مدلول الصيغة اشارة الى تعيين ذلك
الفرد من النقل الذي تكون الصيغة سببا له، لا ان يكون التقييد مأخوذا في مفهوم
البيع لكي يكون مدلول بعت نقلت بالصيغة. ان كان غرضه هذا فان اراد من الصيغة خصوص
كلمة بعت، فقد لزم منه الدور، إذ الغرض من التعريف معرفة مادة بعت فلا يمكن تعريف
تلك المادة بما يشمل عليها، وان اراد من الصيغة ما هو الاعم من كلمة بعت، وجب
الاقتصار على مجرد النقل والتمليك. والجواب عن ذلك: ان لفظ البيع - على ما تقدم
بيانه قريبا - لم يوضع للاعتبار النفساني الصرف، أعني به اعتبار التبديل بين
المالين، كما أنه لم يوضع لمجرد الانشاء من دون ان يكون هناك اعتبار نفساني، بل هو
موضوع للاعتبار المبرز في الخارج بمبرز ما، وهذا المعنى كما يمكن ان يتحقق بغير
صيغة بعت من الالفاظ الكاشفة عن اعتبار التبديل بين العوض والمعوض، كذلك يمكن ان
يتحقق بصيغة بعت. وهذا نظير لفظ الاذن والاجازة وغيرهما مما وضع لابراز الرضا
النفسي بمبرز ما، فانه كما يمكن ابراز الرضا بلفظ آخر ينطبق عليه مفهوم الاذن، كذلك
يمكن ابرازه بلفظ الاذن ايضا، فإذا قال: اذنت لك في ان تفعل كذا، فقد ابرز رضاه
بهذه اللفظة، ويكون ذلك مصداقا للاذن في الخارج. وعلى الجملة لا مانع من أن يكون
البيع اسما للنقل بالصيغة المخصوصة، ومعه فكما يمكن انشاء البيع بسائر الصيغ، كذلك
يمكن
[ 65 ]
انشاؤه ايضا بصيغة بعت، ولا يفرق في ذلك بين القول بأن الانشاء ايجاد المعنى
باللفظ - كما هو المشهور - وبين القول بانه اظهار ما في النفس من الاعتبار، كما هو
المختار عندنا. ويضاف الى ذلك ان ما وجهه المصنف على المحقق الثاني يتوجه على
تعريفه حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، لان المصنف (رحمه الله) قد عرف البيع -
وسيأتي - بانه انشاء تمليك عين بمال، ومن الواضح ان انشاء التمليك ليس الا انشاء
البيع بالصيغة المخصوصة. نعم يتوجه على التعريف المزبور أمران، وقد تعرض لهما
المصنف: الف - ان لفظ النقل ليس مرادفا للبيع، بل هو من الكنايات (1)، وقد ثبت في
محله أنه لا يجوز استعمال الالفاظ الكنائية في التعاريف. ب - ان التعريف المذكور
غير جامع لافراد المحدود، بداهة أن المعاطاة بيع عند المحقق الثاني (2) مع انها لم
تنشأ بالصيغة اصلا فضلا عن الصيغة المخصوصة. 4 - كونه عقد يقتضي استحقاق التصرف في
المبيع والثمن ما حكي عن الحلبي، من أن البيع عقد يقتضي استحقاق التصرف في المبيع
والثمن (3). ويرد عليه وجوه: الف - ان العقد مركب من الايجاب والقبول، واذن فيتوجه
على هذا التعريف ما يتوجه على تعريف البيع بالايجاب والقبول.
1 - كما في التذكرة 1: 462. 2 - جامع المقاصد 4: 55. 3 - الكافي: 352.
[ 66 ]
ب - ان هذا التعريف لا يشمل البيع الفاسد، لانه لا يقتضي استحقاق التصرف في
العوضين، مع أنه بيع جزما، وعليه فلا يكون جامعا لافراد المحدود. ج - ان التعريف
المذكور مشتمل على الدور لمكان ذكر المبيع فيه، بداهة ان الغرض منه معرفة مادة بعت،
ومن الواضح ان ذكر ما يقتطف منها في تعريفها دور واضح. 5 - كونه انشاء تمليك عين
بمال ما ذكره المصنف، من أن البيع انشاء تمليك عين بمال، و يتوجه عليه وجوه: الف -
ان لفظ العين يشمل الاعيان المتمولة وغيرها، مع أنه (رحمه الله) اعتبر المالية في
العوضين، فلا يكون تعريفه هذا مانعا عن دخول الاغيار في المحدود. ب - انه لو كان
البيع انشاء تمليك عين بمال لزم منه ان يكون التبديل فيه في الاضافة الملكية فقط،
وقد عرفت خلاف ذلك فيما تقدم (1)، وقلنا ان البيع تبديل شئ بشئ في جهة الاضافة، لا
في الاضافة الملكية ولا في الاضافة المالية. ج - انه لا دليل على اعتبار المالية في
الثمن، وانما المناط في تحقق مفهوم البيع صدق عنوان المعاوضة عليه، وقد مر تفصيل
ذلك فيما سبق، كما اتضح لك ان الصحيح هو ما ذكرناه في تعريف البيع من أنه انشاء
تبديل عين بعوض في جهة الاضافة.
1 - قد مر في البحث عن البيع مبادلة شئ من الاعيان بعوض في جهة الاضافة.
[ 67 ]
النقوض الواردة على تعريف البيع والجواب عنها قوله (رحمه الله): ولا يلزم عليه
شئ مما تقدم، نعم يبقى عليه امور. أقول: بعد ما عرف المصنف البيع بانشاء تمليك عين
بمال، تصدى لذكر جملة من النقوض المتوجهة على التعريف المزبور والجواب عنها، ويحسن
بنا التعرض لتلك النقوض واجوبتها تأسيا له (رحمه الله)، منها: 1 - توقفه على جواز
الايجاب بلفظ ملكت ان تعريف البيع بانشاء تمليك عين بمال موقوف على جواز الايجاب
بلفظ ملكت، والا لم يكن التمليك مرادفا للبيع. وقد أجاب عنه المصنف بصحة الايجاب
بلفظ ملكت، لان التمليك بالعوض ليس معنى آخر غير البيع، وقد صرح بذلك ايضا في البحث
عن الفاظ العقود، وسيأتي. والتحقيق أنه لا ريب في جواز انشاء البيع بلفظ ملكت، ولكن
هذا بعيد عن قضية مرادفة التمليك للبيع، ضرورة أنه ربما يتحقق مفهوم البيع ولا يكون
هناك تمليك اصلا، ومثال ذلك انه إذا أوصى احد بصرف ماله في سبيل الله ونص على عدم
صيروته ملكا لاحد، فانه إذا بيع المال المزبور لكي يصرف ثمنه في قربات الله لم يقع
التبديل بين العوضين في الاضافة الملكية، بل في اضافة اخرى غيرها (1). وأضف الى ذلك
ان الانشاء بصيغة ملكت انما يصح فيما إذا كان المشتري اصيلا، وأما إذا كان فضوليا
أو احد الاولياء من قبل الاشخاص
1 - قد تقدم تفصيل ذلك في البحث عن البيع مبادلة شئ من الاعيان بعوض في جهة
الاضافة.
[ 68 ]
المحجورين فانه لا يصح خطابه بلفظ ملكتك، بل لابد حينئذ من انشاء البيع بلفظ
آخر غير لفظ ملكت. 2 - عدم شموله لبيع الدين ممن هو عليه انه إذا كان البيع انشاء
تمليك عين بمال لم يشمل ذلك بيع الدين ممن هو عليه، إذ الانسان لم يملك مالا على
نفسه. وأجاب عنه المصنف بوجهين، وحاصل الوجه الاول أنه يمكن ان يتملك الانسان مالا
على نفسه، وتكون نتيجته سقوط ذلك المال عن ذمته، ونظير ذلك ان يكون أحد مديونا
لغيره دينارا واشترى الدائن متاعا من المديون بدينار كلي في الذمة، فان الدينارين
يسقطان بالتهاتر. وحاصل الوجه الثاني انه إذا لم يعقل تملك الانسان لما في ذمته لم
يعقل بيعه ايضا، إذ ليس للبيع لغة وعرفا معنى غير المبادلة والنقل والتمليك وما
يساويها من الالفاظ، سواء أكانت من اللغة العربية أم كانت من غيرها. ومن هذه
الناحية قال فخر المحققين: ان معنى بعت في لغة العرب ملكت غيري فإذا لم يعقل ملكية
ما في ذمة نفسه لم يعقل شئ مما يساويها فلا يعقل البيع (1). والتحقيق أنه لا بأس
بما ذكره في الوجه الثاني، وأما الوجه الاول فيرد عليه أنه إذا صح ملك الانسان لما
في ذمته حدوثا صح ذلك بقاء ايضا، بديهة ان الموانع العقلية لا يفرق فيها بين الحدوث
والبقاء، الا إذا كان المانع عن البقاء هو الحكم الشرعي، كما في شراء العمودين فانه
حينئذ لا بأس من الالتزام بالملكية الانية حدوثا لا بقاء، ولكن هذا فيما
1 - قاله في شرح الارشاد، على ما حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 152.
[ 69 ]
إذا كان ملك الانسان لما في ذمته بالمكية الاعتبارية لا بالملكية الذاتية، وقد
عرفت ذلك سابقا في البحث عن أقسام الحقوق وستعرفه قريبا عند الجواب عن النقض (1).
والتحقيق ان مالكية الانسان لذمته أمر ذاتي تكويني من غير ان يحتاج الى الثبوت
الاعتباري، بديهة ان الثبوت الاعتباري انما يصح فيما إذا لم يكن هناك ثبوت تكويني
حقيقي، والا لكان الاعتبار لغوا محضا وتحصيلا للحاصل.
1 - قد أجاب المحقق النائيني عن النقض المذكور في المتن، واليك نص مقرر بحثه:
فالصواب ان يقال: بيع الدين على من هو عليه وان كان صحيحا، الا أن البيع لم يقع على
ما في الذمة بقيد كونه في الذمة، ليكون من قبيل مالكية الشخص لما في ذمته، وذلك
لانه بهذا القيد لا يمكن تحققه في الخارج، ولا شبهة أنه يعتبر في المبيع ان يكون من
الاعيان الخارجية بل يقع البيع على الكلي، وهو من من الحنطة - مثلا - فيصير المشتري
أعني المديون مالكا لذلك الكلي على البائع، وحيث ان البائع كان مالكا لمن من الحنطة
على ذمة المديون، وهو المشتري، فينطبق ما على البائع على ما كان له على المديون
المشتري، فيوجب سقوط ذمة كليهما، وهذا وان لم يكن من التهاتر حقيقة الا أنه اشبه شئ
به - منية الطالب 1: 43. ويتوجه عليه: ان نتيجة ذلك البيع وان كانت متحدة مع نتيجة
بيع الدين ممن هو عليه، الا أن كلا منهما اجنبي عن الاخر، فان المبيع في بيع الدين
من غير من هو عليه هو بعينه المبيع في بيع الدين ممن هو عليه، فكما ان المبيع فيما
إذا كان المشتري غير من يكون الدين عليه انما هو الكلي في ذمة المديون، كذلك المبيع
فيما إذا كان المشتري هو المديون. وأما ما ذكره من أن الكلي المقيد بالذمة لا يقع
عليه البيع، لانه يهذا القيد لا يوجد في الخارج، فيتوجه عليه ان الكلي ما لم يضف
الى الخارج أو الى ذمة شخص لا يتعلق به اعتبار الملكية، وبما ان الكلي في بيع الدين
ممن هو عليه أو من غيره ليس هو الكلي الخارجي فلا مناص عن اضافته الى الذمة، ولكن
هذا الكلي غير مقيد بالذمة لكي يستحيل صدقه على الخارج، بل الذمة ظرف له، بمعنى ان
المطالب والملزم بدفع الكلي هو المديون، وقد تقدم في البحث عن نظرة في بيع الكلي في
الذمة ما يوضحك معنى بيع الكلي في الذمة.
[ 70 ]
وعليه فإذا ملك شخص شيئا في ذمة غيره فقد ملكه بالملكية الاعتبارية، وإذا انتقل
ذلك المملوك الى المملوك عليه تبدلت الملكية الاعتبارية بالملكية الذاتية
التكوينية، لما عرفته من لغوية الثبوت الاعتباري في موارد الثبوت الحقيقي. واذن فلا
مجال للمناقشة في بيع الدين ممن هو عليه باستحالة ملك الانسان لما في ذمته، كما لا
مجال لتوهم سقوط ذلك بعد التملك، بل يوجب البيع تبدل الاضافة الاعتبارية بالاضافة
الذاتية، فالحجر الاساسي للمناقشة في بيع الدين ممن هو عليه انما هو خلط الملكية
الذاتية بالملكية الاعتبارية، وقد علمت الفارق بينهما. 3 - شموله للمعاطاة ان تعريف
البيع بانشاء تمليك عين بمال يشمل التمليك بالمعاطاة، مع أن المشهور بين الاصحاب ان
المعاطاة ليست بيع، بل ادعى بعضهم الاجماع على ذلك (1)، واذن فينتقض ذلك التعريف
بالمعاطاة. ويرد عليه ان المعاطاة بيع حقيقة لغة وعرفا، وان غرض النافين انما هو
نفي الصحة أو اللزوم عن البيع المعاطاتي، والذي يوضح ذلك أنه لا وجه لدعوى الاجماع
على عدم كونها بيعا، لان صدق مفهوم البيع عليها أمر عرفي ولا معنى لقيام الاجماع
التعبدي على امثال ذلك، وانما مورد الاجماع التعبدي هو المسألة الشرعية. ويضاف الى
ذلك ان جما غفيرا من أكابر الفقهاء ذهبوا الى أن المعاطاة بيع صحيح، بل جملة من
المحققين ذهبوا الى كونها بيعا لازما، ومع ذلك كيف يمكن دعوى الاجماع على عدم كونه
بيعا.
1 - ادعاه ابن زهرة في الغنية: 214.
[ 71 ]
4 - انتقاض منعه بالشراء انه إذا كان البيع انشاء تمليك عين بمال انتقض منعه
بالشراء، فان المشتري بقبوله للبيع يملك ماله بعوض المبيع. وأجاب عنه المصنف واليك
نصه: وفيه ان التمليك فيه ضمني، وانما حقيقته التملك بعوض... وبه يظهر اندفاع
الايراد بانتقاضه بمستأجر العين بعين، حيث ان الاستئجار يتضمن تمليك العين بمال
أعني المنفعة. ولكنا لم نفهم معنى محصلا للتمليك الضمني، إذ يرد عليه أولا: انه ان
كان مراده من التمليك الضمني التمليك التبعي، بمعنى ان البائع يملك ماله للمشتري
أولا ويملك المشتري ماله للبائع ثانيا. فيرد عليه ان لازم ذلك ان ينعكس الامر فيما
إذا تقدم القبول على الايجاب، بأن يكون التمليك من ناحية المشتري أولا والبيع من
ناحية البائع ثانيا. وان كان مراده من التمليك الضمني ان الفاظ الايجاب والقبول
انما تدل بالدلالة المطابقية على تمليك المشتري ماله للبائع، سواء في ذلك تقدم
القبول على الايجاب وعدمه، ان كان مراده هذا فيرد عليه ان هذا يرجع الى جهة الدلالة
ومقام الاثبات، فلا يوجب فرقا بين التمليكين لبا وفي مقام الثبوت، بداهة ان البيع
تبديل شئ بشئ في جهة الاضافة، ومن الضروري انه يستحيل تحقق التبديل بين شيئين الا
أن ينتقل كل منهما الى محل الاخر في آن واحد وفي مرتبة واحدة، وعليه فلا يعقل وجود
التمليك من ناحية البائع الا في آن وجود التمليك من ناحية المشتري.
[ 72 ]
وبتعبير آخر ان البائع انما ينشئ التبديل بين الثمن والمثمن في جهة الاضافة في
مرتبة واحدة، نعم يشترط رضا المشتري وقبوله لفعل البائع في تحقق عنوان التبديل،
ونتيجة ذلك ان التمليكين - تمليك البائع وتمليك المشتري - يتحققان في مرتبة واحدة،
واذن فلا اصالة ولا تبعية في المقام. وأضف الى ذلك انا سلمنا كون التمليك من ناحية
البائع اصليا استقلاليا، ومن ناحية المشتري ضمنيا تبعيا، الا أن اطلاق التعريف شامل
لكلا التمليكين، واذن فلا وجه لصرفه عن الثاني وحصره في الاول. قيل: ان مفهوم البيع
يوجد بالايجاب الساذج، ويتحقق به التمليك والتملك في عالم الاعتبار، وعليه فلا يبقى
مجال لتمليك المشتري لكي ينتقض به تعريف البيع، واذن فلا شأن للمشتري الا قبول
الايجاب من البائع ونسبة فعله الى نفسه، فتكون منزلة القبول في البيع منزلة الامضاء
في المعاملات الفضولية. وفيه ان قبول الايجاب وان كان شرطا في البيع لا جزء مقوما
له، الا أن شروط البيع على ثلاثة أقسام: الف - ان يكون شرطا لامضاء الشارع. ب - ان
يكون شرطا لامضاء العقلاء. ج - ان يكون شرطا لاصل الاعتبار، بأن يدور عليه مفهوم
البيع وجودا وعدما. ومن الواضح ان تعقب الايجاب بالقبول من القبيل الثالث، بداهة
انتفاء حقيقة البيع بانتفاء القبول، فكما ان التمليك والتملك يستندان الى البائع
كذلك يستندان الى المشتري.
[ 73 ]
5 - انتقاض طرده بالصلح على تملك عين بمال انه إذا كان البيع انشاء تمليك عين
بمال، انتقض طرده بالصلح على تملك عين بمال. ويتوجه عليه: ان مفهوم الصلح هو
التسالم، ويعبر عنه في لغة الفارس بلفظ: سازش وسازكاري، وعليه فالمدلول المطابقي
لكلمة الصلح انما هو انشاء التسالم على أمر معلوم، ومن الظاهر أن هذا العنوان يغائر
عناوين سائر العقود، إذ المنشأ فيها أولا وبالذات عنوان آخر غير عنوان التسالم.
بديهة ان كل معاملة وان كانت لا تصدر الا عن تسالم بين الطرفين على تلك المعاملة،
لكنه غير عقد الصلح الذي يكون المنشأ فيه نفس هذا العنوان، فكم فرق بين انشاء الصلح
وبين معاملة وقع التسالم عليها من الطرفين. نعم، ان نتيجة انشاء الصلح بعقده قد
تكون تمليك عين بعوض فتتحد مع نتيجة البيع، وقد تكون تمليك عين مجانا فتتحد مع
نتيجة الهبة، وقد تكون تمليك منفعة بعوض فتتحد مع نتيجة الاجارة، وقد تكون تمليك
منفعة مجانا فتتحد مع نتيجة العارية، وقد تكون نتيجة الصلح غير ذلك من الامور، كما
إذا كان الصلح على حق غير قابل للبيع أو على اسقاط لحق الدعوى، وعلى كل حال لا يكون
الصلح مصداقا للبيع ولا لغيره من العقود. ومما يدل على مغائرة البيع والصلح مفهوما
هو ان الصلح - كما عرفته قريبا - التسالم، ومن الواضح ان مفهوم التسالم يستحيل
تعلقه بالاعيان، بل لابد وان يتعلق ذلك اما بالفعل كالاسقاط والعفو والتمليك
[ 74 ]
وأشباهها، أو بالحكم الوضعي كالملكية ونحوها، بخلاف البيع فانه تبديل شئ من
الاعيان بعوض (1). ومن هنا ان الصلح يتعدى الى متعلقه بلفظ عن أو على، فيقال:
صالحتك عما علم بما علم، أو يقال: صالحتك على أن يكون هذا لك وذلك لي، بخلاف البيع
فانه يتعدي الى متعلقه بنفسه، فيقال: بعتك المتاع الفلاني بكذا، فيستوضح من ذلك ان
مفهوم احدهما غير مفهوم الاخر. وعلى الجملة، ان مفهوم التسالم وان صدق على جميع
العقود حتى النكاح الا أن المنشأ في كل عقد بدءا غير ما هو المنشأ في الصلح، واذن
فلا سبيل الى انتقاض تعريف البيع بالصلح لانها متغائران مفهوما (2).
1 - قد مر في البحث عن البيع مبادلة شئ من الاعيان بعوض في جهة الاضافة. 2 - ذكر
المصنف (رحمه الله) انه: وقد يتعلق الصلح، بتقرير أمر بين المتصالحين، كما في قول
احد الشركين لصاحبه: صالحتك على أن يكون الربح لك والخسران عليك، فيفيد مجرد
التقرير. أقول: يمكن ان يكون نظره في ذلك الى حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام)
في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه وكان من المال دين - وفي التهذيب: وكان المال
عينا ودينا ولم يقل وعليهما دين - وعليهما دين، فقال احدهما لصاحبه: أعطني رأس
المال ولك الربح وعليك التوي - الهلاك -، فقال: لا بأس إذا اشترطا، فإذا كان شرط
يخالف كتاب الله فهو رد الى كتاب الله عز وجل (الكافي 5: 258، الفقيه 3: 144،
التهذيب 6: 207، 7: 186، عنهم الوسائل 18: 444)، فان هذه الرواية لا تخلو عن
الاشعار بنفوذ الصلح في امثال الموارد. ويمكن ان يكون نظره الى اطلاق ما دل على
نفوذ الصلح بين المسلمين كرواية حفص بن البختري الضعيف عن الصادق (عليه السلام)
قال: الصلح جائز بين المسلمين (الكافي 5: 259، التهذيب 6: 208)، وكمرسلة الفقيه عن
رسول الله (صلى الله عليه وآله): الصلح جائز بين المسلمين الا صلحا احل حراما أو
حرم حلالا، (الفقيه 3: 20، عنه الوسائل 18: 443).
[ 75 ]
6 - انتقاض طرده بالهبة المعوضة انه إذا كان البيع تمليك عين بمال انتقض طرده
بالهبة المعوضة. والتحقيق ان الهبة على ثلاثة أقسام: الف - أن تكون مجانيا من غير
ان تقابل بالعوض، سواء أكان ذلك بالاشتراط أم بارادة المتهب. ب - أن لا يشترط
الواهب عوضا في هبته الا أن المتهب يعطي العوض من تلقاء نفسه، قضية لمقابلة الاحسان
بالاحسان. ج - أن يشترط الواهب عوضا في هبته، بأن يهب شيئا للمتهب ويشترط عليه فعلا
من الافعال، ويسمى هذا هبة معوضة، وقد توهم انتقاض تعريف البيع بذلك. ويتوجه عليه
ما ذكره المصنف، وتوضيحه: ان حقيقة الهبة متقومة بتمليك الواهب ماله للمتهب تمليكا
مجانيا، من دون ان يعتبر العوض في ماهيتها، نهاية الامر أنه قد يشترط فيها العوض
فتسمى هبة معوضة، ومن الظاهر ان اشتراط العوض فيها لا يخرجها عن حقيقتها، إذ الشرط
ليس عوضا للتمليك ولا بدلا عن المال الموهوب، بل شأن العوض المشروط في الهبة شأن
سائر الشروط المشروطة في بقية العقود، والشاهد على صدق مقالنا انه لو تخلف المتهب
عن العمل بالشرط لم تبطل الهبة، بل يثبت للواهب خيار تخلف الشرط. ويتضح ما ذكرناه
وضوحا جليا بملاحظة التعويض غير المشروط في ضمن الهبة الاولى الصادرة من الواهب،
بداهة ان التعويض الصادر من المتهب هبة اخرى غير دخيلة في حقيقة الهبة الاولى
الصادرة من
[ 76 ]
الواهب، فيستكشف من ذلك ان حقيقة الهبة متقومة بالتمليك المجاني، وهذا بخلاف
البيع فانه متقوم باعتبار التبديل بين العوض والمعوض واظهاره بمبرز خارجي، وعليه
فيستحيل تحقق مفهوم البيع بتمليك البائع فقط، أو بتمليك المشتري فقط (1).
1 - ربما يتوهم انتقاض التعريف بقسم آخر للهبة المعوضة الذي لم يتعرض له المصنف،
وهو ان يهب الواهب ماله للمتهب على أن تكون داره مثلا للواهب بعنوان شرط النتيجة.
ولكنه ايضا اجنبي عن حد البيع، بداهة ان الدار وان صارت ملكا للواهب بقبول المتهب
الهبة، الا أن ذلك من ناحية الشرط دون العقد، ولذا لو فرض فساد الشرط - لعدم كون
الدار ملكا للمشروط عليه أو من جهة اخرى - لم تبطل الهبة، بناء على ما هو المشهور
بين الاصحاب من أن فساد الشرط لا يسري الى العقد، وهذا بخلاف البيع، فان العوض فيه
يصير ملكا للبائع بنفس العقد لا من قبل الشرط. ثم انه لا وجه لما ذكره المصنف (رحمه
الله) من حصر تمليك العين بالعوض في البيع، وتحقيق ذلك في نواحي شتى: 1 - ما افاده
المصنف، من أنه لا معنى للرجوع الى الاصل بعد انحصار التمليك بالعوض في البيع وعدم
صدقه على غيره. وفيه ان التمليك بالعوص غير منحصر في البيع، بل له صنف آخر غير
البيع كتبديل عرض بعرض، أو نقد بنقد، أو منفعة بمنفعة، من دون ان يجعل احد العوضين
ثمنا والاخر مثمنا، فان ذلك خارج عن حدود البيع وانما هو قسم خاص من المعاملات
المعاوضية، وتدل على صحته آية التجارة عن تراض - النساء: 33. 2 - انه إذا وجدت
معاملة في الخارج وشك في انها بيع أو غيره حملت على البيع، لغلبته على سائر افراد
التمليك بالعوض، وقد حقق في محله ان الظن يلحق الشئ بالاعم الاغلب. وفيه انه لا
دليل على حجية الغلبة، واذن فالظن الحاصل منها لا يغني من الحق شيئا، ويضاف الى ذلك
ان بقية افراد التمليك بالعوض ليست بنادرة، غاية الامر ان افراد البيع اكثر من
غيرها. 3 - إذا انشئ التمليك بالعوض بصيغة البيع واحتملنا ارادة المعنى المجازي من
ذلك - كالصلح والهبة المعوضة - حمل على البيع، لاصالة الحقيقة التي ثبتت حجيتها
ببناء العقلاء واجماع العلماء وسيرة الرواة وديدن حملة الحديث. وفيه ان الاصل بهذا
المعنى وان كان صحيحا، بل موردا للتسالم، ولكن الظاهر أنه ليس مراد القائل، كما هو
واضح للمتامل.
[ 77 ]
ثم انه ذكر السيد في حاشيته (1) قسمين آخرين للهبة غير ما تقدم: الف - ان تقع
الهبة في مقابل الهبة، كما إذا قال الواهب: ملكتك كذا بهبتك كذا، ويقصد بذلك وقوع
الهبة بازاء الهبة، بأن تكون كلمة الباء متعلقة بالتمليك بلحاظ نفسه لا بلحاظ
متعلقه، والفارق بين هذا القسم وبين ما يشترط فيه العوض انه إذا لم يهب المتهب هنا
بطلت الهبة الاولى، إذ المفروض ان كلا من التمليكين وقع في مقابل الاخر. ومن الظاهر
ان مقتضى المقابلة هو انتفاء كل منهما بانتفاء الاخر، بخلافه هناك، فان مخالفة
الشرط فيه يوجب الخيار فقط، وأما الفارق بينه وبين البيع، فان المقابلة هنا بين
الفعلين، بخلاف البيع فان المقابلة فيه بين العوضين. ب - أن تقع المقابلة بين المال
والهبة، بأن يقول الواهب: ملكتك كذا بمقابل ما اعطيتني، نظير أن يقول: أكرمتك بعوض
ما أعطيتني، ويقصد في هذا القسم وقوع المال بازاء الهبة، بأن تكون كلمة الباء
متعلقة بالتمليك بلحاظ نفسه ايضا. والسر في ان هذا القسم من أقسام الهبة دون البيع،
ان العوض فيه لم يقابل بالعين لكي يكون ذلك من افراد البيع، بل في مقابل الفعل وهو
التمليك، وأما المال فهو مجاني صرف ولم يقع بازائه شئ. والتحقيق انا لا نعقل مقابلة
الهبة بالهبة أو بالمال مقابلة معاوضية
1 - حاشية المكاسب للعلامة الطباطبائي: 60.
[ 78 ]
بصيغة وهبته، لان هذه الصيغة انما تكفلت بانشاء تمليك متعلقها - أي العين
الموهوبة - للمتهب، ومع ذلك يستحيل ان يتكفل بانشاء تمليك نفسها له الا بانشاء آخر،
بأن يقول: ملكتك هبتي لك كذا بهبتك اياي كذا، وعليه فيكون كل من المتعاملين مالكا
لعمل الاخر، أعني به الهبة المذكورة في العقد. 7 - انتقاض طرده بالقرض انه إذا كان
البيع انشاء تمليك عين بمال انتقض طرده بالقرض، لانه ايضا انشاء تمليك عين بمال.
وأجاب عنه المصنف بأن مفهومه ليس نفس المعاوضة بل هو تمليك على وجه ضمان المثل أو
القيمة لا معاوضة للعين بهما. وناقش فيه المحقق الايرواني، واليك نصه: فاما هو مجرد
تغيير للعبارة مع كون واقعه هو المعاوضة، أو هو غير معقول، فان التمليك على وجه
ضمان المثل أو القيمة ان كان بمعنى المقابلة على أن يكون تمليكا بازاء عوض في
الذمة، فذلك هو الاول، فانه تمليك بعوض في الذمة، وان كان لا بمعنى المقابلة بل كان
التمليك مجانيا وقد اشترط في تمليكه ان تكون الذمة مشغولة بحكم الشارع كما تكون
مشغولة في موارد الضمانات، فذلك هو الثاني (1). ولكن هذه المناقشة غريبة عن مقصود
المصنف، فان غرضه - على ما يظهر من مبحث ضمان العين بالمثل أو القيمة، وسيأتي - ان
الانسان إذا وضع يده على مال غيره ضمنه لمالكه بجميع خصوصياته النوعية
1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 74.
[ 79 ]
والصنفية والشخصية، سواء أكانت تلك الخصوصيات دخيلة في المالية أم لا، بديهة ان
الثابت في ذمة الضامن ابتداء انما هو نفس العين، فيجب ردها الى مالكها لقاعدة ضمان
اليد، وإذا تلفت العين وجب مثلها على الضامن لانه اقرب الى التالف، وان لم يوجد
مثلها وجب عليه اداء قيمتها لاحتوائها على جميع ما هو دخيل في مالية العين. وعلى
هذا الضوء فمعنى القرض هو تمليك المقرض ماله للمقترض على وجه ضمان المثل، وحينئذ
فيملك الدائن على المديون أمرا كليا منطبقا على كل فرد من الافراد الخارجية
المساوية لما أخذه من القرض، في الخصوصيات النوعية والصنفية الدخيلة في المالية،
وأما الخصوصيات الشخصية غير الدخيلة في المالية فهي لا تدخل تحت الضمان، لان
الانسان انما يستقرض شيئا لدفع حاجته به، فلزوم ابقائه على حاله نقض للغرض. وعليه
فليس للمقرض ان يجبر المقترض على رد العين المأخوذة قرضا تمسكا بدليل ضمان اليد،
بداهة ان قاعدة ضمان اليد لا تجري في المقام، إذ المفروض ان يد المقترض لم تتعلق
بمال غيره، وأما الضمان بالاقدام فلا يترتب عليه أزيد مما ثبت فيه التعهد. وقد عرفت
قريبا ان العهدة لم تثبت في باب القرض الا بالنسبة الى مالية العين المأخوذة قرضا
لا بالنسبة الى خصوصياتها الشخصية، فيستوضح من ذلك ان القرض خارج عن حدود البيع.
ويتضح ما ذكرنا جليا بقياس القرض بالغصب، إذ لا فارق بينهما الا من ناحية ان
المغصوب يضمن على الغاصب بجميع خصوصياته النوعية والصنفية والشخصية، وهذا بخلاف
القرض، فان المال المأخوذ قرضا غير مضمون بالخصوصيات الشخصية كما عرفته قريبا.
[ 80 ]
وعلى هذا فكما لا يتوهم انتقاض تعريف البيع بالغصب، كذلك لا يتوهم انتقاضه
بالقرض ايضا، وهذا واضح لا ريب فيه. ما استشهد على خروج القرض عن مفهوم البيع ثم ان
المصنف قد استشهد على خروج القرض عن مفهوم البيع بامور عديدة: 1 - انه لو كان القرض
من افراد البيع لجرى فيه رباء المعاوضة مع أنه لا يجري فيه. وأوضحه السيد في حاشيته
بما هذا نصه: لا يشترط في تحقق الرباء فيه - القرض - ما يعتبر في تحققه في سائر
المعاوضات، من اعتبار كون العوضين من جنس واحد واشتراط كونهما من المكيل والموزون،
بل يحرم فيه الزيادة مطلقا وان لم يكونا من جنس واحد، كما في قرض القيميات وكذا ان
كان معدودا ايضا هذا. ثم ناقش في ذلك واليك لفظه: ولكن يمكن ان يمنع دلالة ذلك على
عدم كونه معاوضة وان كان اصل المطلب حقا، لوضوح ان القرض تمليك بالضمان لا بعوض،
وذلك لامكان اختصاص بعض المعاوضات بسعة دائرة الرباء فيه لدليل خاص، فتدبر (1).
والظاهر ان المصنف (رحمه الله) يريد من قوله: لا يجري فيه رباء المعاوضة، مطلبا آخر
غير ما فهمه السيد منه، وهو ان اقتراض نقد مسكوك من الذهب أو الفضة ودفع نقد آخر
منهما حين الاداء الذي يساوي القرض في المالية، وان زاد عليه في المقدار لا يستلزم
الرباء. ومثال ذلك ان يقترض احد من صاحبه ريالا عراقيا ويدفع عن بدله
1 - حاشية المكاسب للعلامة الطباطبائي: 61.
[ 81 ]
الى المقرض أربعة دراهم، فان هذه الدراهم وان كانت مساوية للريال في المالية
ولكنها زائدة عليها في المقدار، ومع ذلك لا يكون هذا رباء، الا إذا استلزم زيادة في
المالية، وهذا بخلاف المعاملات المعاوضية، فان شراء الريال الواحد بأربعة دراهم
معاملة ربوية قطعا. والسر في ذلك ما ذكرناه آنفا، من أن معنى القرض تمليك العين على
وجه ضمان المثل أو القيمة، ومن البين ان هذا العنوان أمر كلي قابل الانطباق على
افراده الخارجية المساوية للعين المأخوذة قرضا في المالية وان زادت عليها في القدر،
فيستكشف من ذلك ان باب القرض غريب عن باب المعاملات المعاوضية، والا لاتحدا في
الاثار (1). 2 - قوله (رحمه الله): ولا الغرر المنفي فيها. أقول: توضيح كلامه انه
يجوز اقتراض شئ مع الجهل بمقداره وأوصافه، ومن الظاهر انه لو كان القرض من قبيل
المعاملات المعاوضية لاعتبر فيه العلم بالمقدار والاوصاف، لنهي رسول الله (صلى الله
عليه وآله) عن بيع
1 - ثم ان الفقهاء ذكروا ان الربا المعاوضي قد يكون بالزيادة العينية كما قد يتحقق
بالزيادة الحكمية، كاشتراط احد المتبايعين على الاخر شيئا، وأما اختلاف العوضين في
وصف الجيد و الردئ فليس من الربا المعاوضي، وانما يكون ربا في القرض، لان كل قرض
يجر نفعا فهو ريا، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في الربا المعاوضي، فدائرة الربا في
القرض أوسع من الربا في البيع. فقد تكون الزيادة ربا في القرض ولا تكون ربا في
البيع، وهذا واضح، وانما المهم تصوير عكس ذلك، أعني ما يكون ربا في المعاوضة مع عدم
كونه ربا في القرض، على ما هو ظاهر كلام المصنف (رحمه الله)، وهو ما إذا اشترط
المقترض شرطا في الدين، فانه ليس نفعا للمقرض، وانما هو ضرر عليه. نعم إذا انعكس
الامر واشترط المقرض على المقترض شيئا يتحقق معه الربا، لانه نفع حكمي يصدق معه
عنوان كل قرض يجر نفعا، فعلي هذا يتم استشهاده، فان القرض لو كان من المعاوضات لكان
مقتضي اطلاقات ادلة الربا المعاوضي ثبوت الربا في القرض، لعدم ورود دليل خاص ناف
للربا في المقام بخصوصه - المحاضرات 2: 33.
[ 82 ]
الغرر (1)، وعليه فلو اخذ المقرض قبضة من الدراهم المصبوبة بين يديه وأقرضها
لشخص من غير علم بمقدارها صح القرض، نعم لابد للمقترض أن يعرف مقدار ذلك لكي يتمكن
من الاداء، الا أنه أجنبي عن حقيقة القرض. ومن هنا لا بأس باقتراض الطعام بصخرة
مجهولة لامكان الاداء بتلك الصخرة وان لم يعلم مقدارها الى الابد، نعم، ظاهر جمع من
الفقهاء في باب القرض وجوب العلم بمقدار القرض وانه لا يجوز الاقتراض بالكيل والوزن
المجهولين. ولكن ناقش في ذلك بعض الاعاظم ونقل فيه القول بالجواز عن ظاهر جماعة
آخرين، بدعوى ان دليل نفي الغرر مختص بالبيع، غاية الامر أنه يجوز التعدي منه الى
مطلق المعاملات المعاوضية للقطع بعدم الخصوصية للبيع، إذ المناط في النهي عن بيع
الغرر انما هو رفع النزاع وقطع المرافعة، ومن البديهي أن هذا المناط موجود في مطلق
المعاملات المعاوضية، وأما القرض فلا دليل على اعتبار نفي الغرر فيه ولا أنه من
قبيل المعاملات المعاوضية، لكي يعتبر فيه نفي الغرر من هذه الناحية، واذن فلا وجه
لاعتبار العلم بمقدار القرض. وهذه المناقشة في غاية المتانة، ولكن يحسن بنا ان
نقول: ان القرض خارج عن موضوع الغرر حتى مع وجود الدليل على نفي الغرر بقول مطلق،
لانا ذكرنا سابقا ان الثابت في ذمة المقترض انما هو مالية العين المأخوذة قرضا،
سواء أكانت تلك العين معلومة المقدار والاوصاف أم كانت مجهولة كذلك، نعم يعتبر
العلم بمقدار القرض مقدمة للاداء، ومن الواضح ان ذلك يمكن بعد الاقتراض ايضا.
1 - سنن البيهقي 5: 338.
[ 83 ]
واذن فما ذكره المصنف من تأييد خروج القرض عن حد البيع متين، وقد اتضح لك من
جميع ذلك أنه لا يعتبر ذكر العوض ايضا في القرض (1). بحث في معان اخر للبيع قوله
(رحمه الله): ويظهر من بعض من قارب عصرنا استعماله في معان اخر غير ما ذكر. أقول:
لعل مراده من البعض هو المحقق صاحب المقابيس (2)، وذكر
1 - قوله (قدس سره): ولا ذكر العوض ولا العلم به. ذكر بعض المحشين ان عدم اعتبار
ذكر العوض في القرض انما هو من جهة كونه بنفسه معلوما دائما فانه المثل ان كانت
العين مثلية والا فالقيمة وانما يعتير ذكره في البيع لعدم كونه معينا في نفسه، فلا
ينافي ذلك كونه بيعا. نقول: قد يتردد الشئ بين ان يكون مثليا أو قيميا، كما ان الشئ
القيمي ربما لا تتغير له قيمة كبعض الجواهر النفيسة، فليس ما ذكره مطردا في جميع
الاعيان، فالصحيح ان يقال ان القرض ليس معاوضة ليعتبر فيه ذكر العوض أو العلم به،
بل هو كما ذكرنا نقل العين الى العهدة بالغاء خصوصياتها الشخصية التي ليست دخيلة في
ماليتها، فعدم ذكر العوض من باب السالبة بانتفاء الموضوع. قوله (قدس سره): فما قيل
من أن البيع هو الاصل في تمليك الاعيان. حاصل ما أورده على القائل هو أنه لو اريد
من الاصل الاصل اللفظي فهو تام، والا فلا اصل في البين يعين البيع وينفي به احتمال
غيره. توضيح ذلك: انه إذا ثبت كون تمليك عين بمال هو نفس البيع فان احتمل ارادة غير
البيع منه كالصلح مثلا فلاصل اللفظي - أعني اصالة الحقيقة - يعين ان المنشأ به هو
البيع دون غيره، وأما إذا لم يثبت الاتصاص بل احتملنا ان يكون مشتركا معنويا بين
البيع وغيره من انواع المبادلة، أو ثبت الاختصاص ولكن لم نعرف أنه انشاء التمليك أو
الصلح ثبوتا، فليس حينئذ اصل يعين الواقع في البيع، نعم إذا كان لاحدهما اثر زائد
يدفع بالاصل. 2 - راجع مقابس الانوار: 107 كتاب البيع، و: 275 كتاب النكاح.
[ 84 ]
السيد في حاشيته (1) ان الظاهر انه الشيخ الكبير الشيخ جعفر في شرح القواعد،
ومراده من غير ما ذكر غير ما ذكره هو (رحمه الله) واختاره، والا فقد ذكر بعض هذه
المعاني فيما تقدم، اليك هذه المعاني التي تعرض لها المصنف: 1 - الايجاب المتعقب
بالقبول، واليه نظر كل من اخذ قيد التعقب بالقبول في تعريف البيع المصطلح (2)، ولعل
هذا هو المتبادر من لفظ البيع، ولذا لا يطلق لفظ البائع على من أوجب البيع فقط من
غير اقترانه بالقبول. 2 - الاثر الحاصل من الايجاب والقبول وهو الانتقال، ويظهر هذا
من المبسوط وغيره (3). 3 - نفس العقد المركب من الايجاب والقبول، واليه ينظر كل من
عرف البيع بالعقد (4). المناقشة في المعنى الاول: انشاء التمليك المتعقب بالقبول
وقد ناقش فيه المصنف وحاصل مناقشته: ان الايجاب المتعقب بالقبول من افراد البيع،
وانما انصرف إليه اللفظ لقيام القرينة الخارجية على أن المراد من الايجاب انما هو
الايجاب المثمر، ومن الواضح ان الاثر لا يترتب الا على الايجاب المتعقب بالقبول دون
الايجاب الساذج، ولولا هذه القرينة لكان المقصود من لفظ البيع الايجاب المحض. وأضف
الى ذلك انه لم يقل أحد ان تعقب الايجاب بالقبول دخيل في
1 - حاشية المكاسب للعلامة الطباطبائي: 61. 2 - راجع المستند للمحقق النراقي 2:
360. 3 - المبسوط 2: 76، السرائر 2: 240. 4 - كالحلبي: 252، وابن حمزة في الوسيلة:
236، والعلامة في المختلف 5: 51.
[ 85 ]
معنى البيع وان التزموا بكونه شرطا للانتقال الخارجي. والوجه في ذلك ان البيع
وما يساويه في المعنى من قبيل الايجاب والوجوب لا من قبيل الكسر والانكسار (1)، إذ
كما ان الامر قد يأمر بشئ ولا يكون ذلك واجبا في الخارج كذلك البائع، فانه قد ينشئ
البيع وهو لا يوجد في الخارج، وهذا بخلاف الكسر والانكسار فان أحدهما لا ينفك عن
الاخر. ويتوجه على هذه المناقشة وجوه: 1 - ما ذكره السيد في حاشيته (2)، وصفوته: ان
كل تمليك انشائي ليس ببيع بل المراد من البيع هو الايجاب المتعقب بالقبول على سبيل
الشرط المتأخر، والدليل على ذلك هو التبادر وصحة السلب. ومن هنا لو اخبر أحد عن بيع
داره مع انه لم يتحقق في الخارج الا الايجاب الساذج من دون ان يقبله المشتري لكان
كاذبا في اخباره، كما انه إذا اخبر عن بيع داره واخبر ايضا عن عدم قبول المشتري ذلك
كان مناقضا في كلامه، وهذا بخلاف ما إذا اخبر عن البيع ثم اخبر عن فقدان شرط من
شرائط صحته فانه لا يعد مناقضا في اخباره. وقد يتوهم ان ذلك من ناحية الانصراف،
ولكنه توهم فاسد إذ لو صح هذا لجري مثله عند فقدان سائر الشرائط ايضا، مع انه لو
تحقق البيع بايجابه وقبوله ولكن كان فاقدا لبعض شرائط الصحة لصدق عليه مفهوم البيع
قطعا. واضف الى ذلك ان البيع من قبيل العقود، ومن البين الذي لا ريب فيه انه لو كان
الايجاب الصرف بيعا من دون تعقبه بالقبول للزم منه ان يكون
1 - لعل قائله اسد الله التستري في مقابس الانوار: 107. 2 - حاشية المكاسب للعلامة
الطباطبائي: 62.
[ 86 ]
البيع من الايقاعات لا من العقود، وهو بديهي البطلان. وعلى الجملة ان قوام
العقود برمتها بالايجاب المتعقب بالقبول، لانه لا يتحقق أي عقد من العقود بالايجاب
الساذج، سواء أكان هذا الايجاب متوجها الى قابل شاعر ولكنه لم يقبله أم كان متوجها
الى جسم غير شاعر كالجدار ونحوه. 2 - انه لا وجه صحيح لتفرقة المصنف بين الايجاب
والوجوب وبين الكسر والانكسار، بديهة ان الفعل الصادر من الفاعل أمر وحداني لا تعدد
فيه بوجه، وانما التعدد فيه بحسب الاعتبار فقط كالايجاد والوجود فانهما شئ واحد،
غاية الامر ان هذا الشئ الواحد، بالنسبة الى جهة الاصدار يسمي ايجادا وبالنسبة الى
جهة الصدور يسمي وجودا، وكذا الحال في التمليك والملك، والايجار والاجارة، والايجاب
والوجوب، والكسر والانكسار، وأشباه ذلك. ودعوى ان الوجوب ينفك عن الايجاب ولكن
الكسر لا ينفك عن الانكسار دعوى جزافية، إذ الايجاب ايضا لا ينفك عن الوجوب، الا أن
عدم انفكاك أحدهما عن الاخر في نظر الامر فقط لا في الخارج وفي جميع الانظار. 3 -
ان البيع انشاء تبديل عين بعوض في جهة الاضافة (1)، ومن الظاهر ان هذا المعنى لا
يتحقق الا بتعقب الانشاء بالقبول، وعليه فلا يوجد مفهوم البيع بالايجاب الا عند
تعقبه بالقبول بنحو الشرط المتأخر، أو على سبيل القضية الحينية، واذن فينحل البيع
في الحقيقة الى قضية شرطية أو حينية، فمعنى قول البايع بعت المتاع الفلاني من زيد
انه بعته اياه ان قبله أو حين قبوله.
1 - قد تقدم ذلك في البحث عن حقيقة البيع وتعريفه.
[ 87 ]
وقد يتوهم ان ذلك يرجع الى التعليق وهو مبطل للعقود بالضرورة، ولكن هذا التوهم
بديهي الفساد، لان بطلان العقود بالتعليق ليس من ناحية الاستحالة العقلية لكي لا
يقبل التقييد أو التخصيص، بل انما هو من ناحية الاجماع. ومن الظاهر ان الاجماع دليل
لبي فلا يؤخذ منه الا بالمقدار المتيقن، والقدر المتيقن هنا ما يكون التعليق فيه
على الامور الخارجة عن صميم العقد ومفهومه. ويضاف الى ذلك ان العقود المتعارفة لا
تخلو عن مثل هذا التعليق، والمفروض انها ممضاة للشارع، فيستوضح من ذلك ان التعليق
المذكور لا يضر بالعقود في نظر الشارع. وبتعبير آخر ان البيع له أربعة أقسام: 1 -
الانشاء الساذج من غير ان ينضم إليه القبول، ولا شبهة في أن هذا لا يسمي بيعا حتى
في نظر الموجب، فلا يترتب عليه أي اثر من آثار البيع. 2 - الايجاب والقبول من غير
ان يلحق بهما الامضاء من العرف أو الشرع، فان ذلك يسمي بيعا في نظر كل من الموجب
والقابل، ولا يسمي بيعا عند العرف والشرع. 3 - الايجاب والقبول مع كونهما موردا
لامضاء أهل العرف دون الشرع، كبيع ما لا يصح بيعه شرعا، نظير الميتة والخمر
والخنزير واشباهها، فان هذا يعد بيعا في نظر المتبايعين وأهل العرف دون الشرع. 4 -
الايجاب والقبول مع التحاق الامضاء من أهل العرف والشرع بهما، ولا شك في أن هذا بيع
بالحمل الشايع في جميع الانظار. وقد اتضح لك مما بيناه انه لا يوجد البيع في أي
وعاء من الاوعية
[ 88 ]
بالايجاب الخالص، ومن هنا لا يطلق البائع على من أوجب البيع ولم يتعقب ذلك
بالقبول، وكذلك الحال في سائر العقود برمتها. قوله (رحمه الله): وكذلك لفظ النقل
والابدال والتمليك وشبهها، مع انه لم يقل أحد بأن تعقب القبول له دخل في معناها.
أقول: حاصل كلامه ان شأن البيع شأن النقل والابدال والتمليك، فكما لا يعتبر في صدق
مفاهيم تلك الكلمات قيد التعقب بالقبول كذلك لا يعتبر ذلك ايضا في صدق مفهوم البيع.
وفيه انك قد عرفت قريبا ان اعتبار القبول في مفهوم البيع أمر واضح، بل هو كالنور
على المنار، وعليه فلا وجه لقياسه بما لا يعتبر في مفهومه قيد التعقب بالقبول. وأما
النقل فهو موضوع لمفهوم عام وهو كل ما صدق عليه عنوان النقل، سواء أكان ذلك نقلا
خارجيا كنقل شئ من مكان الى مكان آخر أم كان نقلا اعتباريا، ومن هنا تطلق كلمة
الناقلة على آلة النقل، كالحمولة والسفن والسيارات والطيارات وغيرها، ومن الواضح
جدا انه لا يعتبر قيد التعقب بالقبول في هذا المفهوم الوسيع. ومن هنا ظهر لك انه لا
وجه لقياس البيع بكلمة الابدال ايضا، ضرورة ان المبادلة اعم من المبادلة الخارجية
ومن المبادلة الاعتبارية، كما ان المبادلة الاعتبارية اعم من البيع وغيره (1). وأما
التمليك فان النسبة بينه وبين البيع هي العموم من وجه، إذ قد يوجد التمليك ولا يصدق
عليه مفهوم البيع، كما في الهبة والوصية والارث وتمليك الله سبحانه الزكاة للفقراء
والخمس لبني هاشم وغير ذلك، وقد يوجد البيع ولا يكون هناك تمليك، كبيع المتاع بسهم
سبيل
1 - قد تقدم ذلك في البحث عن الثمن ووجه اختصاصه بالنقود.
[ 89 ]
الله من الزكاة، فان هذا بيع وليس فيه تمليك من ناحية البائع (1)، وقد يجتمعان
وهو كثير. واذن فعدم اعتبار قيد التعقب بالقبول في مفهوم كل من النقل والابدال
والتمليك لا يلازم عدم اعتباره في مفهوم البيع الذي هو اخص من مفاهيم تلك الكلمات
مطلقا أو من وجه. المناقشة في المعنى الثاني: الاثر الحاصل من الايجاب والقبول وهو
الانتقال والتحقيق انه ان اريد من الانتقال اعتبار المالكية بنظر العرف والشرع، فلا
شبهة ان ذلك متأخر عن البيع تأخرا رتبيا، وان اخذ البيع بمعنى المبيعة لان نسبة
البيع الى الاعتبار المزبور نسبة الموضوع الى حكمه، ومن البديهي ان الموضوع يتقدم
على حكمه تقدما رتبيا، وعلى هذا فاستعمال كلمة البيع في الانتقال من الاغلاط
الواضحة، ومعه لا يمكن تعريف البيع بالانتقال. وان اريد من الانتقال اعتبار الملكية
بنظر المتبايعين فانه يجوز تعريف البيع بذلك، لان الانتقال متحد مع البيع وجودا،
لما عرفت قريبا من اتحاد الايجاد والوجود، وان تغايرا اعتبارا، ولكنه ليس معنى آخر
يغاير المعنى الاول. المناقشة في المعنى الثالث: نفس العقد المركب من الايجاب
والقبول أقول: قد حكى المصنف عن بعض من قارب عصره ما هذا نصه: الظاهر اتفاقهم على
ارادة هذا المعنى في عناوين ابواب المعاملات حتى
1 - قد تقدم ذلك في البحث عن البيع مبادلة شئ من الاعيان بعوض في جهة الاضافة.
[ 90 ]
الاجارة وشبهها التي ليست هي في الاصل اسما لاحد طرفي العقد (1). ويتوجه على
ذلك انا لم نجد موردا يستعمل فيه لفظ البيع وغيره في الايجاب والقبول، واذن فلا وجه
صحيح لحمل الالفاظ المذكورة في طليعة عناوين المعاملات على ذلك، بل ان الفاظ العقود
برمتها اسماء لاحد طرفي العقد، وهو الايجاب. وأما الاجارة والوكالة، فلا يبعد ان
تكونا ايضا من اسماء فعل الموجب، أما الاجارة فلانها بمعنى الاجر، والاجر قد يستعمل
ويراد به الجزاء والاجرة، وقد يستعمل مصدرا من اجر بمعنى اكري، بداهة أن اجر مجردا
قد يستعمل بمعنى آجر - كما في القاموس ومجمع البحرين (2) - وعلى ذلك فالاجارة تكون
مصدرا لاجر، كالكتابة التي هي مصدر لكتب، وأما الوكالة فهي ايضا فعل الموجب
كالتوكيل، لان الافعال المجردة والمزيد فيها وان اختلفت بالاعتبار لكنها متحدة
وجودا. والسر في ذلك ان نسبة المصادر المجردة الى المصادر المزيد فيها نسبة الوجود
الى الايجاد، فكما ان الوجود والايجاد متحدان حقيقة ومختلفان اعتبارا، كذلك المصادر
المجردة والمصادر المزيد فيها، وعلى هذا فاستعمال لفظ التوكيل في الفعل الصادر من
الموجب انما هو بلحاظ جهة الصدور، واستعمال لفظ الوكالة فيه انما هو بلحاظ نفس
الفعل (3).
1 - راجع مقابس الانوار: 107 - 275. 2 - لسان العرب 4: 90، مجمع البحرين 3: 200. 3
- نعم لم يلحظ الفقهاء في الموردين من ابواب المعاملات جهة اضافة العقد الى الفاعل،
وهما باب الوكالة وباب النكاح، حيث لم يجعل العنوان فيهما التوكيل والانكاح، ولعل
ذلك لنكتة لم تصل الينا أو كان لمجرد الصدفة والاتفاق - المحاضرات 2: 38.
[ 91 ]
وقد يستدل على صحة استعمال لفظ الاجارة في الايجار بقوله تعالى في التحدث عن
قصة تزويج موسى (عليه السلام) من بنت شعيب (عليه السلام) قال: اني اريد ان انكحك
احدى ابنتى هاتين على ان تأجرني ثمانى حجج (1)، ووجه الاستدلال ان معنى الاية هو ان
تأجرني نفسك. ولكن هذا الاستدلال فاسد، لان كلمة ان تأجرني في الاية الكريمة
مستعملة في معنى الجزاء والثواب، أو ان المراد من ذلك ان تكون أجيرا لي - على سبيل
شرط النتيجة - وهذا الاخير قد ذكر في مجمع البحرين ولسان العرب (2). ثم انه قد نسب
المصنف الى الشهيد الثاني (3) - وان لم تثبت النسبة - ان اطلاق لفظ البيع على العقد
مجاز لعلاقة السببية، ثم وجه كلامه، وحاصل توجيهه انه ليس مراد الشهيد من المسبب
النقل الحاصل من الايجاب الصرف لانه حاصل بنفس الانشاء من دون توقفه على القبول،
كما ان وجوب الضرب يتحقق في نظر الامر بالامر فقط وان لم يصر واجبا في نظر غيره، بل
مراد الشهيد الثاني من المسبب انما هو الاثر الحاصل من العقد في نظر الشارع وهو
النقل والانتقال، ومن الواضح ان ذلك لا يحصل الا بالعقد المركب من الايجاب والقبول.
وعليه فاستعمال لفظ البيع - الذي وضع للمسبب - في نفس السبب انما هو بعلاقة السببية
والمسببية، وحينئذ فاضافة العقد الى البيع بمعنى
1 - القصص: 27. 2 - لسان العرب 4: 10، مجمع البحرين 3: 201. 3 - راجع مسالك الافهام
3: 144.
[ 92 ]
الاثر الحاصل من العقد اضافة لامية، ومن قبيل اضافة السبب الى المسبب - أي عقد
للبيع - لا اضافة بيانية. وعلى هذا التوجيه فيتوجه على الشهيد الثاني ما وجهه
المصنف على المعنى الثاني المتقدم، من ان البيع بمعنى الانتقال لم يوجد في اللغة
ولا في العرف، وانما وقع ذلك في تعريف جماعة تبعا للمبسوط. ويرد على المصنف ايضا ان
معنى البيع ليس هو الاثر الحاصل منه في نظر الشارع أعني به الانتقال، لكي يصح
اطلاقه على سببه مجازا، بل ذلك الاثر حكم من احكام البيع، ومن الظاهر انه لا يصح
اطلاق البيع على حكمه ولو اطلاقا مجازيا، بل معنى البيع كما عرفت هو الاعتبار
النفساني المبرز بمبرز خارجي (1). نعم لو ثبت هذا الاطلاق لامكن تصحيحه بما اشتهر
بين العلماء من ان الانشاء ايجاد المعنى باللفظ فانه على هذا يتسبب البائع بالايجاب
والقبول الى ايجاد البيع. وحينئذ فاطلاق كلمة البيع على الاثر الحاصل من الايجاب
والقبول - وهو الانتقال - من قبيل اطلاق السبب على المسبب لعلاقة السببية، وقد عرفت
بطلان ذلك آنفا. وأما ما نسب الى الشهيد الثاني (رحمه الله) من صحة اطلاق البيع على
العقد المركب من الايجاب والقبول، فلم نجده في لغة ولا في عرف، بل ارادة هذا المعنى
من العناوين المذكورة في طليعة ابواب المعاملات غلط واضح، إذ لا معنى لان يراد من
قول الفقهاء كتاب البيع - مثلا - كتاب الايجاب والقبول. والذي يحسن بنا ان نفهمه
انه إذا صح اطلاق كلمة البيع على الايجاب
1 - قد تقدم ذلك في البحث عن حقيقة البيع وتعريفه.
[ 93 ]
والقبول كان ذلك من ناحية اخرى. وتحقيق ذلك انه قد يطلق البيع ويراد به ما
ذكرناه سابقا، من انه انشاء تبديل شئ من الاعيان بعوض، وقد عرفت فيما تقدم ان البيع
بهذا المعنى هو الايجاب الساذج المتعقب بالقبول، كما ان الامر كذلك في سائر العقود
برمتها (1)، وقد يطلق البيع ويراد به المعاهدة الخاصة الحاصلة بين المتبايعين (2)،
ولعل اطلاقه على هذا المعنى اكثر من اطلاقه على الايجاب المتعقب بالقبول، واليه
ينظر جميع ما ورد في النصوص والفتاوي، من انه لزم البيع أو وجب أو لا بيع، وهو الذي
يفرض له البقاء ويتعلق به الفسخ والامضاء، وترد عليه الشروط والاحكام. واذن فيمكن
ان يقال انه لم يوجد مورد يستعمل فيه لفظ البيع في العقد الذي هو سبب للبيع، بل كل
ما يتوهم كونه من هذا القبيل، كقولهم كتاب البيع أو عقد البيع، فهو مستعمل في
المعاهدة الخاصة. وحينئذ فاضافة العقد الى البيع من قبيل الاضافة البيانية لا
الاضافة اللامية. والمتحصل من جميع ذلك ان اطلاق كلمة البيع على الايجاب والقبول من
الاغلاط الواضحة، لا من الاستعمالات المجازية. الفاظ المعاملات اسماء للاعم قوله
(رحمه الله): ثم ان الشهيد الثاني نص في كتاب اليمين من المسالك - الخ. أقول: يقع
البحث هنا في ناحيتين: 1 - ان الفاظ المعاملات هل هي موضوعة للصحيح أم للاعم منه
ومن الفاسد.
1 - قد تقدم ذلك في البحث عن بعض معان البيع. 2 - المعنى الاول معنى لغوي، والثاني
معنى مجازي اصطلاحي - المحاضرات 2: 39.
[ 94 ]
2 - انه إذا قلنا بانها موضوعة للصحيح فما هو الفارق بين العبادات وبين
المعاملات، حيث ان الفقهاء لا يتمسكون بالاطلاق في الاولى ويتمسكون به في الثانية.
الناحية الاولى: انه ذكر الشهيد الثاني (رحمه الله) في كتاب الايمان من المسالك: ان
اطلاق البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح مجاز في غيره لوجود خواص الحقيقة
والمجاز فيهما، كمبادرة المعنى الى ذهن السامع عند اطلاق قولهم: باع فلان داره، ومن
ثم حمل الاقرار به عليه، حتى لو ادعي ارادة الفاسد لم يسمع اجماعا، ولو كان مشتركا
بين الصحيح والفاسد لقبل تفسيره بأحدهما كغيره من الالفاظ المشتركة، وانقسامه الى
الصحيح والفاسد اعم من الحقيقة (1). وقد نوقش في ذلك، بأن مفهوم البيع أمر عرفي،
وهو الذي يمضيه الشارع تارة ويرده اخرى، وعليه فلا يعقل اخذ الصحة الشرعية في
مفهومه الا على القول بالحقيقة الشرعية في الفاظ العقود، وهو بديهي البطلان، إذ على
القول بثبوت الحقيقة الشرعية في الفاظ العبادات فلا وجه لثبوتها في الفاظ
المعاملات، وانما هي موضوعة للمفاهيم العرفية التي امضاها الشارع تارة وردها اخرى،
وتفصيل الكلام في محله. وأجاب المصنف عن هذه المناقشة، وحاصل كلامه انه يمكن ان
يوضع لفظ البيع - مثلا - لما هو المؤثر في الملكية واقعا، ويكون الامضاء من الشرع
أو العرف طريقا الى ذلك، نعم قد حكم الشارع في بعض الموارد بعدم حصول الملكية، الا
أن ذلك من ناحية تخطئة الشارع أهل
1 - مسالك الافهام (الطبع الحجري) 2: 159.
[ 95 ]
العرف، واذن فلا منافاة بين ان يكون البيع مفهوما عرفيا، وبين ان يكون موضوعا
لخصوص الحصة الصحيحة. وعلى الجملة ان البيع بمعنى الاسم المصدري حقيقة فيما هو
المؤثر في الملكية واقعا، ومن الظاهر ان هذا لا يتوقف على القول بثبوت الحقيقة
الشرعية في المفاهيم العرفية. ويرد على المصنف ان الملكية من الامور الاعتبارية
الخالصة لا من الامور التكوينية الواقعية، ومن الظاهر ان الامور الاعتبارية تدور من
حيث الوجود والعدم مدار الاعتبار المحض، وعليه فلا نتصور التخطئة في الملكية، بأن
يوجد مورد توجد فيه الملكية ولم يلتفت إليها أهل العرف، وانما يكشف عنها الشارع
تخطئة للعرف. وعلى هذا المنهج، فإذا قلنا بوضع لفظ البيع لما هو المؤثر في الملكية،
فان كان المراد من الاعتبار هو الاعتبار العقلائي أو الاعم منه ومن الاعتبار
الشرعي، فلابد من الالتزام بوضع البيع للاعم ولما هو المؤثر في الجملة، ولو كان بعض
افراده غير مؤثر شرعا كالبيع الربوي مثلا، لان الفاظ العقود - على هذا المسلك -
موضوعة للطبيعة الكلية دون خصوص المؤثر شرعا، وان كان المراد من الاعتبار هو خصوص
الاعتبار الشرعي فلابد من القول بالحقيقة الشرعية في الفاظ العقود، وحينئذ فيعود
المحذور المتقدم، أعني به اخذ الصحة الشرعية في المفهوم العرفي. نعم، يمكن الالتزام
بجواز التخطئة في نفس الاعتبار، إذ الاعتبار لابد وان يكون ناشئا من المصلحة
الواقعية الداعية إليه، فإذا اعتبر العقلاء ملكية شئ كالخمر والخنزير والميتة، مع
عدم وجود مصلحة في ذلك، وحكم الشارع بعدم الملكية هنا كشفنا عن خطاء العقلاء في
اعتبارهم،
[ 96 ]
وبهذا يصح الالتزام بوضع الفاظ العقود للصحيح، بأن يوضع لفظ البيع - مثلا - لما
هو المؤثر في الملكية الناشئ اعتبارها من منشا صحيح، وحينئذ فيكون عدم امضاء الشارع
لما أمضاه العرف من العقود من باب التخطئة. والمتحصل مما ذكرناه ان الفاظ العقود
موضوعة للاعم من الصحيح والفاسد لا للصحيح فقط (1). وجه التمسك بالاطلاق في
المعاملات قوله (رحمه الله): وأما وجه تمسك العلماء باطلاق أدلة البيع ونحوه. أقول:
قبل بيان التمسك باطلاق ادلة المعاملات يحسن بنا ان نبين أمرا، وهو ان التمسك
بالاطلاق يتوقف على احراز انطباق الطبيعة، التي اخذت في موضوع الحكم أو متعلقه، على
الفرد المشكوك فيه، بحيث يتمحض الشك في شمول الحكم للفرد المشكوك فيه، وأما لو كان
الشك في اصل الصدق فانه لا يجوز معه التمسك بالاطلاق، وهذا واضح لا شك فيه. وايضا
يتوقف التمسك بالاطلاق على أن يكون المتكلم في مقام البيان، ولو فرض انه كان في
مقام الاهمال والاجمال لم يجز التمسك بالاطلاق، وليعلم انه ليس المراد من كون
المتكلم في مقام البيان أن يكون في مقام بيان الاجزاء والشرائط للمأمور به، بل
المراد به أن يكون في مقام بيان تعلق الحكم بموضوعه الكلي أو متعلقه.
1 - وأما ما حكاه عن الشهيد الثاني (قدس سره) من الاستدلال على الوضع للصحيح
بالتبادر و صحة السلب عن الفاسد والاخذ بالاقرار، فيرد عليه ان ذلك من جهة الانصراف
الناشئ من القرائن الخارجية - المحاضرات 2: 40.
[ 97 ]
كما إذا قال المولى لعبده: ان فعلت كذا فاعتق رقبة مؤمنة، أو قال: احل الله
البيع، إذ لو كان المولى في مقام بيان الاجزاء والشرائط كما في رواية حماد الواردة
في مقام بيان ماهية الصلاة، فانه لا شبهة ولا كلام في جواز التمسك بالاطلاق لنفي ما
تحتمل جزئيته أو شرطيته، ولكن هذا اطلاق أحوالى لا اطلاق لفظي الذي