مصباح الفقاهة 

السيد الخوئي ج 4

العودة الى مكتبة المرتضى


[ 1 ]

مصباح الفقاهة

[ 3 ]

مصباح الفقاهة تقرير ابحاث سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي قدس سره بقلم الشيخ محمد علي التوحيدي الجزء الرابع منشورات مكتبة الداوري قم / ايران

[ 4 ]

خوئي، أبو القاسم 1278 - 1371 مصباح الفقاهة: تقرير ابحاث سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى (قدس سره) بقلم محمد على التوحيدي التبريزي - قم داوري، 1377. 5 ج 15000 ريال (هر جلد) (دوره) 0 1 - 9090 - 964 ISBN فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا (فهرست نويسي پيش از انتشار). اين كتاب در سالهاى مختلف توسط ناشرين مختلف منتشر گرديده است. كتابنامه 1 - معاملات (فقه) الف - توحيدي، محمد على، 1303 - 1353، محرر بعنوان 6 م 9 خ / 373 190 792 / Br 11456 1377 - 77 م هوية الكتاب: اسم الكتاب: مصباح الفقاهة ج 4 المؤلف: الشيخ محمد على التوحيدي الناشر: مكتبة الداوري - قم - تليفون 732178 شابك: 5 - 2 - 90950 - 964 - () 5. vol SET المطبعة: العلمية - قم الطبعة: الاولى المحققة العدد: 1000 نسخة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين. 1 - الخيار في اللغة والاصطلاح قوله (رحمه الله): الخيار لغة اسم مصدر من الاختيار. أقول: الاختيار مصدر، والاسم منه الخيار، ومعنى الاختيار لغة هو طلب الخير من أي شئ، فيصح تعلقه بالامور التكوينية والاعتبارية، نظير الكسب والاكتساب. وحينئذ يكون وصفا لنفس الافعال الخارجية والامور الاعتبارية، حسب اختلاف متعلقه من الافعال والاعيان والاعتباريات، ويقال: اختار أحدهما لمصاحبته، أي طلبه خيرا لنفسه، واختار بيع أمواله أي جعله خيرا لشخصه، فالاختيار صفة لنفس ما أخذه خيرا وعنوان له، من دون أن يكون من الاوصاف النفسانية، المعبر عنه بالارادة تارة وبالاختيار اخرى، ولا من الافعال الخارجية، والاختيار كالانتفاع والاصطفاء والانتقاء، ومنه ايضا استخارة المنزل.

[ 6 ]

والظاهر أنه بهذا المعنى اللغوي استعمل في الخيارات المختصة بالمعاملات، من خياري المجلس والحيوان وغيرهما، فان من له الخيار يتخذ ما يختاره من الامضاء أو الفسخ خيرا لنفسه، وطلب كونه خيرا له، واتصف كل منهما بالاختيار، وأصبح خيرا على سبيل البدلية، ومعنى: البيعان بالخيار (1)، أي لكل منهما أن يأخذ ما يختاره خيرا لنفسه. وليس المراد من الخيار هنا هو القدرة على الفسخ التي من الاوصاف النفسانية، ولا السلطنة والمالكية على الفسخ، ولا غيرهما من المعاني التي ذكروها في المقام، نعم تستفاد السلطنة والمالكية من موارد أخذ الخير لنفسه واتخاذه لشخصه، مثلا إذا قيل: له الخيار، فتدل اللام على الاختصاص والملكية. وكذلك ان القدرة ليست من معنى الخيار في شئ، وانما هي من مقدمات اتخاذ الخير، فان من ليست له هذه القدرة لا يتمكن من جعل شئ خيرا لنفسه. وعلى هذا فلا نحتاج في استعمال كلمة الخيار في الخيارات المصطلحة في أبواب المعاملات الى عناية زائدة غير ملاحظة المعنى اللغوي، الا أن يكون هنا اصطلاح خاص فلا مشاحة فيه، وبهذا اللحاظ ايضا استعمل في مقابل الالتجاء والاضطرار. فان المضطر لا يتمكن من الاستخارة لنفسه واتخاذ الخير لشخصه كالاعرج والاشل والاصم، فانهم لا يقدرون أن يتخذوا المشئ أو


1 - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): البيعان بالخيار حتى يفترقا (الكافي 5: 170، عنه الوسائل 18: 5)، صحيحة. عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (الكافي 5: 170، التهذيب 7: 20، الخصال: 127، عنهم الوسائل 18: 5)، صحيحة.

[ 7 ]

الحركات الصادرة من اليد أو الكلام خيرا لانفسهم، فجعل الاختيار بمعنى القدرة في مقابل الاختيار انما هو بحسب الاصطلاح فقط والا فهو خارج عن القدرة كما عرفت، والا فنفس الاختيار يقع في مقابل الاضطرار ويعد قسيما له. الفرق بين معنى الخيار في أبواب المعاملات وغيرها من موارد الاستعمالات ثم ان موارد استعمالات كلمة الخيار وما اشتق منها وان كانت كلها بحسب لحاظ المعنى اللغوي، ولكن الذي في أبواب المعاملات تمتاز بخصوصية ليست في غيرها من موارد الاستعمالات، بداهة أنه فرق واضح بين الاختيار المتعلق بالاكل والشرب والنوم، وبين تعلقه بالفسخ والامضاء، فان المراد بالاول هو جعل الفعل الخارجي أو العين الخارجية خيرا لنفسه من غير أن يكون في البين ما يتصل بالمختار بصيغة الفاعل، بخلاف ما إذا تعلق بالعقود باعتبار الفسخ وعدمه، فان معناه ان هنا شئ ثابت قابل لان يتعلق به الفسخ أو الابقاء في حاله والاستمرار عليه. ونظير ذلك ما قلناه في أدلة الاستصحاب (1) من أن مفهوم النقض انما يتحقق إذا كان هناك أمر مبرم، والا فلا يقال للحجر انه نقض الحجر. فبهذه الخصوصية يمتاز الخيار المتعلقة بالعقود عن غيره من موارد استعمالاته، وايضا خرج بهذه الخصوصية الخيار الثابت للعمة والخالة في العقد على بنت الاخت وبنت الاخ (2)، فانه لم يثبت فيها شئ للعمة


1 - مصباح الاصول 3: 15. 2 - عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا تزوج ابنة الاخ ولا ابنة الاخت على العمة ولا على الخالة الا باذنهما، وتزوج العمة والخالة على ابنة الاخ وابنة الاخت بغير اذنهما (الكافي 5: 424، الفقيه 3: 260، علل الشرايع: 499، عنهم الوسائل 20: 487)، موثقة. عن أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها الا باذن العمة والخالة (الكافي 5: 424، عنه الوسائل 20: 487)، ضعيفة.

[ 8 ]

والخالة حتى ترفعه العمة أو الخالة بالفسخ، بل هي تدفع ما يتصل إليها بالرضا. وكذلك الحال في العقود الفضولية في البيع وغيره، ولكن بقيت العقود الجائزة بحسب الطبع واردة عليه ايضا، فان فيها ايضا شئ ثابت لذي الخيار له الفسخ وله الابقاء. الا أن في الخيارات المصطلحة خصوصية ليست موجودة في العقود الجائزة بحسب الطبع، فهي ان ذي الخيار في موارد الخيارات المصطلحة انما ملك الفسح والامضاء أي له اتخاذ الفسخ خيرا لنفسه وله ابقاء العقد على حاله أو امضائه، وايضا فله مالكية على اصل الاختيار والخيار بحيث له السلطنة على اعدام اختياره ورفع موضوعه بحيث لا يبقى هنا موضوع للفسخ والامضاء ولاعمال الخيار، بأن يسقط سلطنته على اتخاذ كل من طرفي الاختيار خيرا لنفسه. وبعبارة اخرى ان لذي الخيار في موارد الخيارات المصطلحة سلطنتان: احداهما السلطنة المتعلقة باعمال الخيار، أي اتخاذ الفسخ أو الابقاء خيرا لنفسه، وثانيتهما السلطنة على اعدام السلطنة على اعمال الخيار واتخاذ شئ منهما خيرا لنفسه، فانها من الحقوق، فهي قابلة للاسقاط. وهذا بخلاف العقود الجائزة، فان فيها لكل من المتعاملين فسخ العقد أو ابقائه على حاله، ولكن ليس لهما السلطنة على اعدام سلطنتهما على

[ 9 ]

الفسخ أو الابقاء، فان الجواز فيها من الاحكام فهي غير قابلة للاسقاط ولو أسقطه المتعاملان ألف مرة، وقد عرفت ان الجواز والتزلزل في موارد الخيارات المصطلحة من الحقوق، فهي قابلة للاسقاط. وبهذه الخصوصية لا يدخل شئ من غير الخيارات المصطلحة في حدودها كما لا يخفى، وايضا صح القول بأن الخيارات المصطلحة هو اتخاذ الفسخ أو الامضاء خيرا لنفسه في العقود اللازمة بالطبع كالبيع والاجارة والنكاح وغيرها. بيان آخر للفرق بين معنى الخيار في أبواب المعاملات وغيرها والحاصل أن المراد من الخيار هو المعنى اللغوي في جميع موارد الاستعمالات حتى في باب العقود، وهو اتخاذ الخير لنفسه والانتقاء والاصطفاء، كما صرح بذلك في اللغة، وليس بمعنى الملك في المقام، بل انما يستفاد الملكية من موارد الاستعمال، بحسب اقتران مادة الخيار بكلمة اللام أو ذو أو صاحب أو الباء، أو بالهيئة المفيدة لهذا المعنى، كهيئة المختار كما سنشير إليه. وعليه فيكون الاختيار والخيار في مقابل الاضطرار والالتجاء بحسب الحقيقة في جميع الموارد، فان المضطر لا يقدر على اتخاذ الخير لنفسه فيما اضطر إليه. ثم لا يبعد أن يكون المراد من كون المكلف مختارا في الفعل أو الترك في مقابل التكاليف الالزامية الملجأ الى الفعل شرعا هو هذا المعنى ايضا، غاية الامر ان الاختيار والالجاء هنا شرعي وما ذكرناه فيما سبق تكويني، ومن هنا يتضح ان اطلاق المختار على الفاعل المختار على هذا المنهج ايضا.

[ 10 ]

ومن هنا ظهر ان استعمال المتكلمين الخيار في مقابل الاضطرار ليس اصطلاحا آخر، كما ذهب إليه شيخنا المحقق، بل باعتبار المعنى اللغوي كما عرفت. ثم ان المشتقات قد استعمل في الاتصالات الفعلي كما هو الغالب، وقد تستعمل في الشأنية والاقتضاء، وهذا ايضا كثير في نفسه، كما يتضح ذلك لمن سبر واستقرأ موارد استعمالها، ومنه يقال: سم قاتل، وسيف سبار، وأدوية مسهلة، وأشربة مبردة، وأغذية مسخنة أو قابضة، فان اتصاف الذات بالمبدء في أشباه هذه الموارد ليس فعليا وانما هو بحسب الشأنية والاقتضاء. ومن هنا يمكن توجيه كلمات القائلين بأن الخيار بمعنى القدرة على الفسخ بدعوى ان المختار - بصيغة الفاعل - له فسخ العقد مع ثبوت الخيار له، وله ابقاؤه على حاله، وله اسقاط أصل سلطنته ايضا، فتكون القدرة والسلطنة على الفسخ والابقاء مستفادة من هيئة المختار. إذا كان اتصاف الذات فيه بالمبدء بحسب الشأن والاقتضاء فان في موارد ثبوت الخيار فصاحب الخيار مختار في أمر العقد من حيث الفسخ والابقاء شأنا، بأن يأخذ الفسخ خيرا لنفسه أو الابقاء، فان له الانتقاء والاصطفاء في ذلك، والهيئة المستفادة من الهيئة عبارة اخرى عن القدرة. بل الامر كذلك في جميع الموارد التي يتمكن الانسان من ايجاد فعل بحسب طول الزمان، فانه يقال: انه مختار في ذلك، أي له القدرة على أن يأخذ هذا الفعل خيرا لنفسه أو يتركه ويأخذ تركه خيرا لنفسه، فلا يكون تعريف الخيار بأنه القدرة على فسخ العقد وابقائه منافيا لما ذكرناه.

[ 11 ]

المراد من الخيار المصطلحة ثم انك قد عرفت ان الخيار في اللغة هو اتخاذ الخير والاصطفاء والانتقاء، وبهذا اللحاظ قد استعمل في جميع الموارد، غاية الامر انه تختلف متعلقاته. فانه قد يتعلق بالاكل، وقد يتعلق بالشرب، وقد يتعلق بالاعيان الخارجية كاختيار الدار والرفيق والمركوب، وقد يتعلق بالامور الاعتبارية، وقد يتعلق بفسخ العقد وابقائه، وقد يتعلق برفع سلطنة على الفسخ ويسقط خياره، وعليه فلا خصوصية لمادة الخيار في شئ من موارد الاستعمال. ولكن المراد من الخيار المصطلحة هو اختيار فسخ العقد أو ابقائه أو اختيار اقرار العقد، فخرج بتعلقه بالفسخ جميع ما يتعلق بغير العقود من الافعال والاعيان الخارجية، وكذلك خرج به عقد بنت الاخ وبنت الاخت على العمة والخالة، وكذلك جميع العقود الفضولية، فان في جميع تلك الموارد لم ينتسب الى المختار شئ حتى يتعلق به الفسخ، ويكون الفسخ فيه متعلقا للخيار. أما في غير العقود المذكورة فواضح، فان الخيار فيه ليس الا اختيار أحد الامرين الذين هما طرفا الخيار، من الاكل وتركه والشرب وتركه وهكذا، وأما في العقود المذكورة فلانه وان ثبت هنا شئ ولكنه لم ينتسب الى العمة والخالة والى المالك، بل مع الاجازة والامضاء ينتسب العقد إليهم، ولكن إذا اختاروا الرد يرفعون ما ثبت بانشاء الغير، لا انهم يفسخونه، فانه ليس هنا عقد حتى يتعلق به الفسخ بل ثبت لهم بعد الانتساب إليهم، والفرض انه لم ينتسب إليهم بعد، فبالرد يرتفع ولا يبقى شئ حتى يفسخ.

[ 12 ]

وخرج بكون ذي الخيار مختارا في اقرار العقد وتثبيته العقود الجائزة بحسب الطبع، وتوضيح ذلك: ان ذا الخيار في موارد الخيارات المصطلحة كما له اختيار فسخ العقد وابقائه على حاله، وكذلك له ازالة مالكيته على اختيار الفسخ والابقاء وعلى الانتقاء والاصطفاء، بأن يقر العقد باسقاط الخيار وبجعله لازما وغير قابل الفسخ. ففي الحقيقة له خياران: أحدهما يتعلق بالفسخ والابقاء، والاخر يتعلق بالسلطنة على الفسخ والابقاء، بخلاف العقود الجائزة فان فيها خيار واحد لكل من له الخيار، وليس له خيار آخر يتعلق بأصل السلطنة على اختيار الفسخ أو الابقاء، ولو اسقطه ألف مرة لم يسقط كما تقدم، فانه من الاحكام فهي غير قابلة للاسقاط. ومن هنا ظهر أن ما ذهب إليه بعضهم من أن الخيار المصطلحة ملك اقرار العقد وازالته هو الصحيح، فان المراد من اقرار العقد هو اسقاط الخيار وجعل العقد لازما وغير قابل للانفساخ من ناحية الخيار، وهو ما ذكرناه من تعلق الخيار بازالة السلطنة على الفسخ والابقاء، والمراد من ازالته هو ازالة العقد بالفسخ واعدامه. نعم التعبير بملك فسخ العقد مسامحة، فان الخيار كما عرفت ليس ملك فسخ العقد وانما الملكية مستفادة من اللام وكلمة الصاحب والذو، أو من الهيئة كما عرفت، فان هيئة كلمة المختار تدل على ذلك، لما عرفت ان المشتق انما هو باعتبار الشأنية والاقتضاء، وان ذي الخيار بما ان له مقتضى للفسخ وقادر عليه بأن يأخذه خيرا لنفسه وله شأنية الاختيار والانتقاء، فينتزع من ذلك عنوان المالكية كما لا يخفى.

[ 13 ]

اشكالات الشيخ (رحمه الله) على التعريف والجواب عنها وقد اشكل المصنف على هذا التعريف بوجهين: 1 - انه ان اريد من اقرار العقد ابقاؤه على حالته الاولية بترك الفسخ فذكره مستدرك، لان القدرة على الفسخ عين القدرة على الترك، فانها لا تتعلق بأحد الطرفين فقط والا فلا تكون قدرة. وفيه انه ظهر جوابه مما تقدم، فان المراد من ملك اقرار العقد ليس هو تركه على حاله وعدم فسخه مع جواز أن يفسخه كيف ما يشاء، بل المراد منه هو اقرار العقد واثباته وجعله لازما، بحيث لا يقبل الفسخ بالخيار، فهو اشارة الى أحد الاختيارين الذين تقدمت الاشارة اليهما، وقوله: وازالته، فالمراد منه ازالة العقد بالفسخ، فهو اشارة الى الاختيار الثاني. وعلى الاجمال ان الخيارات المصطلحة منحلة الى خيارين ومركب منهما: أحدهما ما يكون متعلقا بالفسخ والاخر ما يتعلق باصل اعدام الخيار، أي اتخاذ اعدامه الذي عبارة اخرى عن اقرار العقد خيرا لنفسه - ما شئت فعبر - فكل واحد من خيار الحيوان والمجلس والعيب والشرط وغيرها مركب من خيارين المذكورين، فقد اشير اليهما في التعريف المذكور، فذي الخيار مختار فيهما، نعم اخذ الملكية في التعريف ليس من جهة اعتباره في مفهوم الخيار وتعريفه، بل هي مستفادة من الهيئة أو من كلمة اخرى كما عرفت. 2 - ان اريد منه الزام العقد وجعله غير قابل لان يفسخ، ففيه ان مرجعه الى اسقاط حق الخيار، فلا يؤخذ في تعريف نفس الخيار لكونه مستلزما للدور، فانه حينئذ يكون مفاد التعريف ان الخيار هو ملك الزام العقد باسقاط الخيار، فهذا اخذ بالخيار في تعريف نفسه فهو دوري.

[ 14 ]

وفيه قد ظهر جوابه مما مر، وتوضيح الاندفاع: ان الخيار وان اخذ في التعريف ولكن المأخوذ فيه ليس نفس المعرف بل هو غيره، أعني الخيار الثاني، لما عرفت من كون الخيار المصطلح مركبا من خيارين، فقول القائل: الخيار ملك اقرار العقد، أي الخيار المتعلق باعدام السلطنة على الفسخ هو اقرار العقد اسقاط، فالمراد من الخيار الساقط هو المتعلق بالفسخ، فالمعرف غير المعرف فلا يلزم الدور، وبقوله: وازالته، أشار الى الخيار الثاني. ثم أورد المصنف نقضا على التعريف المذكور، بأنه ينتقض بالخيار المشترك، فان لكل منهما الزامه من طرفه لا مطلقا، فلا يكون العقد لازما باسقاط أحد الشركاء خيارهم. وفيه انه ايضا ظهر جوابه مما تقدم، فان المراد من الاقرار هو اقرار العقد من قبله لا من قبل غيره، ولا يقاس ذلك بالفسخ، فان فيه خصوصية لا يعقل بها أن يفسخ أحد المتعاملين دون الاخر، فانه بالفسخ ينتقل مال كل شخص الى ملكه، ولا معنى لان يفسخ العقد من طرف واحد فقط دون الاخر، ولكن الاقرار والاثبات ليس كذلك، فانه قابل لان يكون العقد لازما من طرف وجائزا من طرف آخر، وإذا كان ممكنا ثبوتا فلا نحتاج في مقام الاثبات الى شئ آخر غير ما يصدر من الشركاء في الخيار، حيث ان أحدهم يسقط خياره والاخر لا يسقطه. وما نحن فيه نظير رفع الحجر الثقيل بعشرة رجال، حيث ان ترك الرفع يستند الى ترك واحد منهم، ولكن رفعه مستند الى جميعهم، ففي المقام ايضا رفع العقد يحصل بفسخ واحد ولكن الاقرار التام يحصل بالمجموع، ومع ذلك فكل واحد يجعله من قبله لازما، وان شئت فمثل بترك كل واحد من عشرة رجال قتل شخص، فانه يصدق حينئذ ان كل واحد منهم ترك قتله من قبله، وقد مثل الاستاذ بهذا المثال دون الاول.

[ 15 ]

الصحيح في تعريف الخيار وعلى الاجمال فالاحسن أن يقال في تعريف مطلق الخيار هو ما يرجح به أحد طرفي الممكن على الاخر، سواء كان هناك مرجح آخر أم لم يكن، ويكون في مقابل الاضطرار، فان الفاعل المضطر مجبور الى اختيار أحد طرفي الممكن الذي اضطر إليه، ولا يبقى معه اختيار في الترك والانتقاء والاصطفاء. وبهذا المعنى الواحد يستعمل في جميع الموارد، وان كان هنا اختلاف فانما هو من ناحية المتعلق، وبيان ذلك: ان الخيار قد يتعلق بالافعال الخارجية كالاكل والشرب وغيرهما، فيختار الفاعل اما الترك أو الفعل، فيرجح باختياره أحد الطرفين على الطرف الاخر، وقد يتعلق بالاعيان الخارجية، فيرجح المختار أحد الشيئين أو الاشياء على الاخر فيأخذه خيرا لنفسه، وقد يتعلق بدفع العقود عن الانتساب الى نفسه ورده عن الاتصال إليه من غير أن ينضم إليه قبل ذلك شئ، وهذا كاختيار المالك رد عقد الفضولي واختيار العمة والخالة عقد بنت الاخ وبنت الاخت. وقد يتعلق بفسخ العقد وابقائه، وهو على قسمين، فانه تارة يجتمع مع الخيار الاخر المتعلق باقرار العقد وعدمه، واخرى لا يجتمع معه، بل لا يمكن أن يقترنه لحكم الشارع بعدم لزوم العقد الى الابد، والثاني هو الخيار في العقود الجائزة التي كانت جائزة بحسب الطبع، والاول هو المراد من الخيارات المصطلحة، فان في مواردها قد ثبت لذي الخيار خياران: أحدهما ملك فسخ العقد وابقائه على حاله، والثاني ملك اقرار العقد باسقاط الخيار وعدم اقراره.

[ 16 ]

فيسمى مجمع هذين الخيارين خيارا اصطلاحيا، ولهذا لا تسمى العقود الجائزة عقودا خيارية مع تحقق الخيار فيه ايضا، ولكنه ليس مركبا من خيارين، نعم التعبير بالملك ليس من جهة اخذ الملك في مفهوم الخيار. ولعل النكتة في تعبير ملك فسخ العقد في تعريف الخيار هو ان معنى الخيار هنا هو ترجح أحد الطرفين من الفسخ أو عدمه، وترجيح احد طرفين ازالة العقد وابقائه، لما عرفت ان الخيار المصطلح مجمع الخيارين. ومن الواضح ان الترجيح انما يكون مع القدرة على الترجيح، فالخيار عبارة عن القدرة على الترجيح، والقدرة ليست الا عبارة عن السلطنة، فيصح أن يقال ان الخيار ملك ازالة العقد. ولكن هذا المعنى منتف في غير خيار المصطلح، فان في الهبة مثلا وان كان الواهب قادرا على الفسخ أو الابقاء ولكن كون الجواز فيه ضروري فليس له ازالته عنها، وكذلك إذا كان متعلق الخيار الامور الخارجية كالاكل والشرب، فان أحد طرفي الفعل وان كان في اختياره ولكن اصل كونه مختارا في ذلك ضروري ولا يقدر أن يسلب اختياره عن نفسه، بل هو مستفاد من شئ آخر ومنه الهيئة، فان هيئة المختار ايضا تدل على الملكية، فانه قد اخذ فيها الهيئة وهذه الهيئة وان كانت ظاهرة في الهيئة الفعلية، ومنه ما في قضية الصديقة الطاهرة (عليها السلام): والمختار لها سرعة اللحاق (1).


1 - عن أبي عبد الله الحسين بن على (عليهما السلام) قال: لما قبضت فاطمة (عليها السلام) دفنها أمير المؤمنين سرا وعفا على موضع قبرها، ثم قام فحول وجهه الى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: السلام عليك يا رسول الله عني والسلام عليك عن ابنتك وزائرتك والبائتة في الثري ببقعتك و المختار الله لها سرعة اللحاق بك - الحديث (الكافي 1: 458)، ضعيفة.

[ 17 ]

ولكن قد يكون المراد منهما الهيئة الشأنية ولكن بواسطة القرائن، فيكون المشتق حينئذ مستعملة في الشأنية، كسيف قاطع، وسم قاتل، ومسهل نافع، وأشربه مبردة أو مسخنة، فان القرينة قائمة في أمثالها على أن الاستعمال بلحاظ التلبس الشأني دون الفعلية كما لا يخفى. ومن هنا ظهر ما في كلام شيخنا الاستاذ حيث قال: ان الخيار المتعلق باقرار العقد والزامه انما هو ايضا اعمال الخيار، فانه أحد طرفي ما تعلق به الخيار، وليس مرجعه الى اسقاط الحق الذي فوق اعمال الخيار. ووجه الاندفاع هو ما تقدم، من أن ما تعلق باقرار العقد خيار آخر غير ما تعلق بالفسخ والابقاء. وتحصل من جميع ما ذكرناه أن ما ذكره بعض الاصحاب من أن الخيار ملك اقرار العقد وازالته هو المتعين، وأحسن منه ما تقدمت الاشارة إليه من أن الخيار المصطلح اختيار فسخ العقد وابقائه، واختيار اقرار العقد وعدمه (ما شئت فعبر). وقد عرفت انه لا يرد عليه ما أورده المصنف من الايراد الاول والثاني، وكذلك نقضه بالخيارات المشتركة كما عرفت. لا يتوهم ان المراد من الخيار المشترك هو الخيار الثابت للمجموع كما في توارث الخيار عن المورث، بناء على عدم ثبوته لكل واحد من الورثة، وعلى عدم ثبوته على الطبيعي من حيث هو، على ما هو أقوال المسألة. والوجه في ذلك هو ان أحد الشركاء لو اعمل خياره بأن يفسخ العقد، أو الزم العقد بأن اسقط خياره لا يضر بخيار الشريك الاخر بوجه، مع أن

[ 18 ]

المصنف فرض ان الفسخ يوجب انهدام العقد من طرف الشريك الاخر ويؤثر تأثيره بخلاف الاقرار، فانه من أحد الشركاء لا يوجب اقرار العقد من الشريك الاخر. فيعلم من ذلك ان المراد من الخيار المشترك في كلام المصنف هو الخيار الثابت لكل من البايع والمشتري حين الثبوت كخيار المجلس مثلا كما هو الحق، فان الظاهر من قوله (عليه السلام): البيعان بالخيار ما لم يفترقا (1)، هو ذلك، وان لكل منهما خيار وإذا أراد أحدهما أن يفسخ العقد فينفسخ من الطرف الاخر ايضا لخصوصية في الفسخ، وهي انه لا يعقل انفساخ العقد من طرف واحد، وهذا بخلاف الاقرار فانه يعقل الزام العقد من طرف واحد كما عرفت هذه، هي المقدمة الاولى. 2 - الاصل في العقود هو اللزوم أو الجواز المقدمة الثانية: وقع الكلام في تأثير الاصل في المقام ليرجع إليه عند الشك في الجواز أو اللزوم، وقد وقع الكلام في أن الاصل في العقود هو اللزوم الا ما خرج بالدليل، أو الاصل فيها هو الجواز الا ما خرج بالدليل. فإذا علم من الخارج ان العقد الفلاني لازم أو جائز فلا كلام لنا فيه، فان كل واحد منهما يترتب عليه حكمه، وانما الكلام في الموارد المشكوكة بالشبهة الحكمية، كما إذا شككنا في أن العقد الفلاني كالسبق والرماية


1 - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): البيعان بالخيار حتى يفترقا (الكافي 5: 170، عنه الوسائل 18: 5)، صحيحة. عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (الكافي 5: 170، التهذيب 7: 20، الخصال: 127، عنهم الوسائل 18: 5)، صحيحة.

[ 19 ]

جائز أو لازم، أو بالشبهة الموضوعية، كما إذا وقع عقد في الخارج وشككنا في كونه من القسم الجائز أو من القسم اللازم، فان في جميع ذلك يرجع الى ما اسس من الاصل، فنقول: ذكر غير واحد تبعا للعلامة في كتبه الاصل في البيع اللزوم (1)، وقد وقع الكلام في بيان المراد من هذا الاصل، فذكر المصنف وجوها اربعة في بيان ذلك: 1 - أخذه بمعنى الغلبة، فان اغلب افراد العقد هو اللزوم، والجايز منه قليل، فإذا شككنا في عقد انه جائز أو لازم فالظن يلحق الشئ بالاعم الاغلب. وفيه انه مخدوش صغرى وكبرى، والمصنف لم يتعرض لفساد الكبرى لوضوحه، أما الوجه في فساد الكبرى فلان قاعدة الحاق المشكوك بالاعم الاغلب أدون من الاستقراء الناقص، فحيث ان الاستقراء الناقص ليس بحجة، فالقاعدة المذكورة أولى بأن لا تكون حجة. بيان ذلك: ان الاستقراء الناقص عبارة عن تتبع افراد الطبيعة بقدر الطاقة والتمكن، بحيث يحصل الظن من ذلك ان بقية الافراد ايضا على هذا النسق، ثم يتشكل من ذلك القياس فيوصل بالنتيجة، ويقال: ان ما صادفنا من افراد هذه الطبيعة، كالحيوان مثلا يتحرك فكه الاسفل عند المضغ، وكل حيوان كذلك، فالحيوانات المشكوكة ايضا كذلك ظنا، وهذا القياس بما انه يفيد الظن فقط لا يكون حجة، فان الظن لا يغني من الحق شيئا.


1 - المختلف 5: 64، القواعد (جامع المقاصد 4: 282).

[ 20 ]

والقاعدة المذكورة أدون من ذلك، فان جميع ما صودف به من افراد الطبيعة ليس على نسق واحد، لان الفرض انها على قسمين، غاية الامر ان قسم منهما أقل من القسم الاخر، فلا يمكن هنا تشكيل القياس بأن كل افراد الطبيعة كذلك حتى وهما فضلا عن الظن به، للعلم بأن قسم منها على غير النسق الذي عليه القسم الاخر كما لا يخفى. وبالجملة ان كبرى هذه القاعدة باطلة لعدم الدليل على صدقها. وأما الوجه في بطلان الصغرى ما ذكره المصنف، ان اريد غلبة الافراد فغالبها ينعقد جائزا لاجل خيار المجلس أو الحيوان أو الشرط، وان أراد غلبة الازمان فهي لا تنفع في الافراد المشكوكة، وذلك فان مدة اللزوم وان كانت طويلة وزائدة ولكن لا يوجب الحاق المشكوك إليه الذي لا ندري انه تحقق لازما أو جائزا، فان الاغلبية من حيث الازمان لا يرتبط بالاغلب من حيث الافراد. وبعبارة اخرى ان بناءا على تسليم الكبرى ان الظن انما يلحق الشئ بالاعم الاغلب من صنف نفس هذه الطبيعة لا من الاعم الاغلب من طبيعة اخرى، مثلا ان الغلبة في سادات الكاظمية هي الطوال، فلو شككنا في فرد منهم انه طويل أو قصير فالظن يلحقه بالاغلب من هذه الطائفة لا بالاغلب من جميع البشر، وكذلك ان الاغلب في المسلم أو في أهل العلم التقي وإذا شك في فرد منهم فالظن يلحقه بالاغلب من المسلمين أو من أهل العلم لا بالاغلب من جماهير العالم ولو من غير المسلمين. وفي المقام إذا شك في عقد انه جائز أو لازم فالظن يلحقه بالاعم الاغلب من صنفه، وهو غلبة الاخر، بحيث يتصف حين الوجود بوصف من اللزوم أو الجواز لا بالاغلب من صنف آخر أعني غلبة الازمان، ومن الواضح ان الغلبة في الافراد هو الجواز، فان اغلب افراد العقد يوجد

[ 21 ]

جائزا لخيار المجلس أو الحيوان أو الشرط، الا أن يشترط اللزوم في ضمن العقد. ومن هنا ظهر ان ما ذكره غير واحد من الاعلام من عدم الفرق في الحاق المشكوك بالاعم الاغلب بين غلبة الافراد وغلبة الزمان، لا يرجع الى محصل، وانما هو ناشئ من عدم الوصول الى مراد المصنف. 2 - وأما الاصل بمعنى القاعدة فسيأتي التكلم فيه، من اوفوا بالعقود (1) واحل الله البيع (2) وتجارة عن تراض (3). 3 - وأما الاصل بمعنى الاستصحاب فكذلك سيأتي البحث عنه، وان تكلمنا فيهما في المعاطاة، ولكن إذا تم الاستصحاب وقلنا بجريانه في الشبهات الحكمية والاحكام الكلية يجري في موارد الشبهات الحكمية والموضوعية. وأما العمومات فلا تجري في الشبهات الموضوعية، كما إذا شك في أن هذا العقد وجد لازما أو جائزا، لكونه تمسكا بالعمومات في الشبهات المصداقية كما لا يخفى. 4 - وأما الاصل بالمعنى اللغوي، بأن يكون وضع البيع وبنائه عرفا وشرعا على اللزوم، فهو الظاهر من كلام العلامة (رحمه الله) حيث قال: والغرض تمكن كل من المتعاقدين - الخ (4)، فان هذا وجه آخر غير الاستصحاب، وانه هو الوجه الرابع ظاهرا، بل هذا هو الصحيح، لقيام بناء العقلاء من المتدينين وغيرهم على ذلك.


1 - المائدة: 1. 2 - البقرة: 275. 3 - النساء: 29. 4 - التذكرة 1: 312.

[ 22 ]

وعليه فالشرط الضمني في كل عقد البيع موجود على بقاء المعاقدة على حالها، ولا ينفسخ العقد بفسخ كل منهما كيف شاء وفي أي وقت أراد، وليس لاحد من المتبايعين أن يرجع الى الاخر بعد مدة ويسترجع العوض منه بفسخ العقد، والا لما استقر نظام المعاملات، ولا أظن أحد ببقاء أمواله تحت يده، وان مضى على بيعه وشرائه سنين متمادية وقرون متوالية، فان العقد الجائز قابل الانهدام ولو بعد سنين، وحينئذ لا يستقر تملك الملاك في متملكاتهم المبتاعة من الغير، واختلت تجارة التجار ونظام الاكتساب كما هو واضح. عدم امكان احراز لزوم العقد أو جوازه بالاصل نعم هذا يتم في البيع فقط، وأما في غيره كعقد السبق والرماية مثلا فلا يتم فيه ذلك مع الشك في جوازه ولزومه، إذ لم نحرز كون بناء العقلاء في غير البيع ونحوه كالنكاح مثلا على اللزوم حتى يعتبر اللزوم بالشرط الضمني كما لا يخفى. ولذا ذكر المصنف ان الاصل بهذا المعنى انما ينفع مع الشك في ثبوت خيار في خصوص البيع، لان الخيار حق خارجي يحتاج ثبوته الى الدليل، أما لو شك في عقد آخر من حيث اللزوم والجواز فلا يقتضي ذلك الاصل لزومه. ثم ذكر المصنف (رحمه الله): ومن هنا ظهر ان ثبوت خيار المجلس في أول أزمنة انعقاد البيع لا ينافي كونه في حد ذاته مبنيا على اللزوم، لان الخيار حق خارجي قابل للانفكاك، نعم لو كان في أول انعقاده محكوما شرعا بجواز الرجوع بحيث يكون حكما فيه لاحقا مجعولا قابلا للسقوط كان منافيا لبنائه على اللزوم.

[ 23 ]

وفيه انه بعد ما تم بناء العقلاء على عدم جواز رجوع كل من المتبايعين على الاخر وصار بناؤهم على صيرورة كل منهما اجنبيا عن ماله بعد تمامية العقد، فكما لا ينافي ذلك ثبوت خيار المجلس أو الحيوان في أول البيع لكونه تخصيصا للقاعدة الثانية ببناء العقلاء، فكذلك لا ينافيه ثبوت الجواز الحكمي لعقد الهبة، فانه ايضا يكون تخصيصا للقاعدة. ولا يفرق في ذلك بين كون الجواز من الحقوق أو من الاحكام، وانما يظهر الفرق بينهما من حيث امكان الاسقاط وعدمه، فان الجواز في الهبة لا ينفك عنها ولو اسقطه الواهب الف مرة، فانه بعد ذلك ايضا بالخيار، وهذا بخلاف الجواز الحقي، فانه يسقط بالاسقاط كما عرفته في أول البيع. وأما الاصل بمعنى الاستصحاب، فهو انما يتم إذا شك في لزوم عقد وجوازه، بعد احراز انه تحقق لازما وثبت اللزوم له ولو في آن قبل الشك، فانه حينئذ لا بأس بالتمسك للاستصحاب لاثبات اللزوم، وأما إذا كان العقد حين التحقق جائزا ولم يطرء عليه اللزوم بعده ثم شككنا في جوازه ولزومه فحينئذ نستصحب الجواز فيثبت عكس المقصود، على أن الاستصحاب انما يتم في الشبهات الموضوعية وأما الشبهات الحكمية فقد حققنا في محله انه لا يجري فيها الاستصحاب لكونه مبتلى بالمعارضة دائما (1). وعليه فإذا شككنا في أن عقد السبق والرماية جائز أو لازم فلا يمكن احراز اللزوم فيه بالاستصحاب كما هو واضح.


1 - مصباح الاصول 3: 56.

[ 24 ]

مراد العلامة (رحمه الله) من أنه لا يخرج من هذا الاصل الا بثبوت خيار أو ظهور عيب قوله (رحمه الله): بقي الكلام في معنى قول العلامة في القواعد (1) والتذكرة (2). أقول: اختلف الكلمات في بيان مراد العلامة (رحمه الله) حيث قال: انه لا يخرج من هذا الاصل الا بأمرين: ثبوت خيار أو ظهور عيب، مع أن العيب من اسباب الخيار. فعن جامع المقاصد انه من قبيل عطف الخاص على العام، وهو كثير في كلمات الفصحاء، وفي الكتاب العزيز: فيها فاكهة ونخل ورمان (3)، مع أن الفاكهة شاملة لما ذكر بعدها. وفيه انه انما يتم إذا ذكر في المعطوف عليه اسباب الخيار، فان العيب منها دون نفس الخيار وهما متبائنان، لا ان المعطوف عليه اخص من المعطوف. ووجهه المصنف بتوجيه آخر، وحاصله: ان العيب سبب مستقل لتزلزل العقد في مقابل الخيار، لان الخيار انما يتعلق بتمام العقد، بحيث إذا اختار ذو الخيار الفسخ فينعدم العقد من اصله فيصير كأن لم يكن، وأما إذا ظهر نقص في أحد العوضين فان نفس ظهوره موجب لثبوت الارش وثبوت الخيار لمالك العوض الناقص في استرداد جزء من الثمن أو المثمن، فالعقد بالنسبة الى الجزء الناقص متزلزل قابل لابقائه في ملك المالك الاول وابقائه فيه، فهذا خيار متعلق بالمجموع من حيث المجموع لا بالجميع.


1 - القواعد 1: 142. 2 - التذكرة 1: 516. 3 - الرحمن: 68.

[ 25 ]

وفيه أولا ما ذكره المصنف (رحمه الله)، من أنه مبني على كون الارش جزءا حقيقيا من الثمن كما عن بعض العامة، ليتحقق انفساخ العقد بالنسبة إليه عند استرداده، وقد صرح العلامة في كتبه بأنه لا يعتبر في الارش كونه جزءا من الثمن بل له ابداله لان الارش غرامة، وحينئذ فثبوت الارش لا يوجب تزلزلا في العقد. وثانيا: ما ذكره السيد (رحمه الله) في حاشيته (1)، من أنه لا يعقل الفسخ بالنسبة الى الجزء الا برد ما يقابله من العوض، إذ مقتضى مقابلة المجموع بالمجموع كون بعض البيع في مقابلة هذا الجزء من الثمن، فإذا رجع الى المشتري يرجع ما يقابله الى البايع، فلابد من التزام ان هذا الفسخ والاسترداد ابطال وازالة للعقد بتمامه وجعله واقعا على مجموع المبيع وما بقي من الثمن، وعلى هذا فالتزلزل انما هو بالنسبة الى الكل لا خصوص جزء الثمن. ووجهه شيخنا الاستاد بوجه ثالث، وحاصله: ان ما ثبت ببناء العقلاء أو غيره من اللزوم انما ينحل الى أمرين: الاول: انه ثبت بناء العقلاء مثلا على لزوم العقد بحيث ليس لكل واحد من المتعاملين أن يرجع الى الاخر بعد العقد، بأن يفسخ المعاملة ويرجع الى ماله، الثاني: انه ثبت بناء العقلاء على عدم جواز مطالبة كل من المتعاملين من الاخر زائدا عن حقه الذي جرى عليه العقد، ولكن يخرج من الاصل الاول بالخيار ومن الاصل الثاني بظهور العيب فانه يوجب مطالبة الارش، فقول العلامة انما يخرج من هذا الاصل بالخيار ناظر الى الاصل الاول، وقوله: أو بظهور العيب ناظر الى الاصل الثاني. وهذا الذي ذكره شيخنا الاستاد توجيه وجيه لا بأس به.


1 - حاشية المحقق الطباطبائي (رحمه الله) على المكاسب 2: 3.

[ 26 ]

ما يستدل به على اللزوم أقول: قد استدل المصنف على اللزوم بوجوه: الوجه الاول قوله (رحمه الله): فمنها قوله تعالى: اوفوا بالعقود (1). فذكر ان الاية: اوفوا بالعقود دلت على وجوب الوفاء بكل عقد، وادعى ان المراد بالعقد مطلق العهد، كما فسر به في صحيحة ابن سنان المروية في تفسير على بن ابراهيم (2)، أو المراد منه ما يسمى عقدا لغة، والمراد بالوفاء بالعقد هو العمل بمقتضاه والجري العملي على طبقه، نظير الوفاء بالنذر. فإذا باع أحد ماله من شخص فبمقتضى الاية وجب العمل بما يقتضيه التمليك، من ترتيب آثار الملكية عليه وعدم جواز التصرف فيه، ويحرم العمل بجميع ما يكون نقضا للعقد، ومنها التصرفات بعد الفسخ، فحرمة التصرف لازم مساو للزوم العقد وعدم انفساخه بمجرد فسخ أحد المتعاملين. فيستدل بالحكم التكليفي اعني حرمة التصرف في المبيع على الحكم الوضعي، أعني عدم نفوذ الفسخ وتأثره في العقد، فيكون العقد باقيا بعد


1 - المائدة: 1. 2 - عن ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود - المائدة: 1، قال: العهود (تفسير العياشي 1: 289، عنه الوسائل 23: 327)، ضعيفة.

[ 27 ]

الفسخ ايضا في كل زمان ولا ينعدم بأي زماني، وقد تحقق في الاصول (1) ان الحكم الوضعي منتزع من الحكم التكليفي على مذهبه. واشكل عليه بأن وجوب الوفاء فرع وجود العقد، وبعد الفسخ نشك في بقائه، فلا يتم الا بالاستصحاب - الى أن قال: - نعم لو كان الموضوع صدور العقد ولو لم يكن باقيا كان كما ذكر لكنه مقطوع العدم، إذ مع فرض زوال العقد لا يجب الوفاء قطعا. وفيه ان موضوع وجوب الوفاء الى الابد انما هو العقد حدوثا، فانه بمجرد حدوثه يثبت له وجوب الوفاء الى الابد، فيكون العقد حدوثا موضوعا لوجوب الوفاء المستمر بقاء، فلا يكون مشكوكا في نفسه لكونه مقطوعا في ظرفه، فيتمسك بالاطلاق بعد الفسخ ايضا، فان مقتضى ما ذكره المصنف من جرى العمل على طبق ذلك العقد الحادث لا يؤثر الفسخ في شئ، ولا يوجب كون العقد مشكوكا حتى تصل النوبة الى الاستصحاب من جهة الشك في بقاء الموضوع وعدمه، نعم الملكية تكون مشكوكة بعد الفسخ ولكنها اجنبية عما ذكرناه. ودعوى ان العقد بعد الفسخ يكون مشكوكا في نفسه فلا يكون العقد محرزا حتى نتمسك بالاطلاق، واضح الدفع بما ذكرناه، ويدفع ما ذكرناه بملاحظة الوقف ونحوه من كون العقد حدوثا موضوعا لوجوب الوفاء بقاء. وعلى الاجمال ان العقد حدوثا يكون موضوعا لوجوب الوفاء بقاء، وهو ليس بمشكوك اصلا حتى لا يفيد التمسك بالاطلاق ويلتجأ الى الاستصحاب بل هو مقطوع بعد الفسخ وقبله، نعم بعد تحقق الفسخ تكون الملكية مشكوكة ولكنها لا ترتبط لما نحن فيه.


1 - مصباح الاصول 3: 81.

[ 28 ]

وعلى هذا فكلما نشك في ارتفاع ذلك، أي وجوب الجري على طبق العقد السابق فيتمسك بالاطلاق، فكلام المصنف سليم عن هذا الاشكال. نعم يرد على ما ذكره المصنف وجهان: 1 - ان حرمة التصرف انما هي من الاحكام الشرعية المترتبة على الملكية فلا ربط لها بالعقد الذي هو عبارة عن الالتزام النفساني، فلا دلالة في الاية بناء على ما ذكره المصنف على لزوم العقد. وتوضيح ذلك: ان الالتزام على شئ قد يكون متعلقا بالامور الخارجية كالنذر والعهد، بأن يتعهد بالالتزام النذري أو العهدي على فعل شئ في الخارج أو على تركه فيه، وقد يكون متعلقا بامر اعتباري نفساني. أما الاول فيكون نقضه بالفعل الخارجي لكونه التزاما خارجيا بأن يترك ما التزم بفعله أو يفعل ما التزم بتركه، وعلى هذا فيكون التصرف الخارجي نقضا للالتزام والعقد، فتدل حرمة التصرف على حرمة الفسخ كما ذكره المصنف. وأما الثاني فرفعه بنقضه في عالم الاعتبار ورفع المعاقدة النفسانية، فلا ربط له بالتصرف الخارجي، حتى لو التزم بشئ وتعاهد عليه في عالم الاعتبار وأوجد المعاقدة الاعتبارية في ذهنه، ومع ذلك التزم بنى على التصرف الخارجي وعدم ترتب الحكم عليه، فلا يكون ذلك مخلا بالتزامه العقدي اصلا، مثلا لو باع داره من زيد وبنى أن يأخذها منه بعد الاقباض، أو تزوج امرأة وبنى ان لا يعطي لها نفقتها، فان بناءه هذا لا يضر بالالتزام العقدي بوجه. وعليه فالاية الشريفة ناظرة الى الوفاء بالمعاقدة الاعتبارية التي نقضها برفع تلك الاعتبار النفساني لا بالتصرف الخارجي، فلا تدل الاية على

[ 29 ]

حرمة التصرف أصلا، حتى لو لم يكن دليل على حرمة التصرف في مال غيره لم يظهر ذلك من الاية، ولجاز أن يبيع أحد أمواله ثم يتصرف فيها تصرفا خارجيا، وهذا واضح جدا. 2 - لو سلمنا كون التصرف نقضا للعقد فلماذا يحرم التصرف بعد ذلك التصرف الاولى، فان لازمه جواز التصرف الثاني، والوجه فيه هو الموجود في مقام البيع والنكاح والاجارة وغيرها من العقود هو الامر الوجداني المستمر، فإذا انقطع ذلك في آن فيرتفع العقد بارتفاع الاستمرار وبعده لا يبقى موضوع لوجوب الوفاء اصلا. نعم لو كان هنا امور متعددة والتزامات وعقود متكثرة حسب تعدد الانات والساعات والايام، كان هنا ايضا وجوب متعدد منحل الى الازمنة المتعددة، فلا يكون عدم الوفاء بواحد موجبا لرفع الحكم عن الاخر، ولكنه بديهي البطلان، فان ما نحن فيه نظير النذر أو العهد أو اليمين على القعود في مكان من أول الصبح الى المغرب، فإذا تخلف آنا واحدا ولم يجلس فيه فيرتفع وجوب النذر ولا يجب بعده الجلوس في ذلك المكان، ويترتب عليه حكم مخالفة النذر والعهد واليمين. وليس المقام من قبيل النذر على ايجاد امور عديدة، بحيث لا يستلزم الخلف في واحد الخلف في الاخر، كأن ينذر أن يزور الحسين (عليه السلام) في كل ليلة الجمعة، ولكن تخلف ولم يزر ليلة واحدة، فانه لا يوجب الحنث في الليالي الاخر ايضا، بل النذر في مثل هذا ينحل الى نذور متعددة ويترتب على كل واحد منها حكمه. والتحقيق هو ما ذكرناه في بحث المعاطاة، من أن الوفاء عبارة عن انتهاء الشئ واتمامه، ومنه الدرهم الوافي أي التمام، فالمراد من الامر بالوفاء عبارة عن الامر بالتمام العقد الذي عبارة عن المعاقدة والمعاهدة،

[ 30 ]

فتدل الاية على وجوب اتمام العقد وعدم جواز فسخه، ولكن حيث انه ليس الفسخ من المحرمات قطعا، فان رفع الالتزام النفساني والاعتبار النفسي وعدم الوقوف على الالتزام الاولى ليس من المحرمات قطعا الا بعنوان التشريع والنسبة الى الشارع، فيكون الامر للارشاد الى عدم تأثير الفسخ في رفع الالتزام، نظير عدم صحة الصلاة عن الحائض وكون الامر بتركها ارشادا الى ذلك، فتدل الاية بالمطابقة على اللزوم. وبعبارة اخرى الظهور الاولى للامر هو الوجوب المولوي كما حقق في محله، ولكن نرفع اليد عنه بالقرائن الخارجية ويحمل على الارشاد، وفي المقام ان الامر بالوفاء على العقد وان كان ظاهرا في المولوية في نفسه، ولكن بما ان الفسخ المتعلق به ليس من المحرمات بحيث يحرم لاحد المتعاملين أن يفسخ التزامه وينقضه ولا ينهيه الى الاخر، فيكشف من ذلك عدم كونه ظاهرا في الوجوب المولوي ويحمل على الارشاد، فتكون الاية ابتداء دالة على اللزوم بالمطابقة وان العقد لا ينقض وينفسخ بالنقض والفسخ. فلا نحتاج في استفادة اللزوم الى الالتجاء بكون الحكم الوضعي منتزعا من الحكم التكليفي كما صنعه المصنف، على أنه لا يمكن المساعدة عليه في نفسه كما حققناه في علم الاصول، وقلنا ان الاحكام الوضعية بنفسها مجعولة للشارع. وقد اشكل على الاستدلال بآية اوفوا بالعقود (1) على اللزوم، بناء على ما ذكرناه من دلالتها على اللزوم بالمطابقة، بأن مبنى الاستدلال بهذه الاية على اللزوم هو ان الامر في الاية انما هو ارشاد الى اللزوم، لان رفع


1 - المائدة: 1.

[ 31 ]

العقد وفسخه وهدم كل من المتبايعين التزامه بدون رضا الاخر ليس حراما في الشريعة، غاية الامر انه لا يوثر في رفع العقد ولا يوجب نقضه ورفعه الا مع رضا الاخر ليكون اقالة، فيكون الامر بهذه القرينة ارشادا الى أن العقد لا ينحل ولا ينفسخ بالفسخ ولا ينقض بالنقض، فتدل الاية بالمطابقة على اللزوم. واشكل عليه بأن الامر في المقام يدور بين رفع اليد عن ظهور الامر في المولوية وحمله على الارشاد كما ذكرتم، وبين رفع اليد عن ظهور في اوفوا بالعقود جميع العقود، حتى الالتزامات الخارجية من النذر والعهد وغيرهما، والالتزامات النفسية كالعقود من البيع ونحوه، فتخصيصها بالالتزامية الخارجية فقط حتى لا يقال: ان الفسخ ليس من المحرمات بل تختص الحكم بالوفاء في الاية بالنذر والعهد ونحوهما من الالتزامات الخارجية، فلا مرجح لرفع اليد عن ظهور الامر في المولوية وحمله على الارشاد دون الثاني، فتكون الاية مجملة، فلا يمكن الاستدلال بها على اللزوم. وفيه ان هذا الدوران ممنوع جدا، فان معنى رفع اليد عن ظهور الامر وحمله على الارشاد ليس هو ذلك، بل معناه انا نرفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب التكليفي ونحمله على الارشاد، وهذا لا ينافي المولوية، فالامر على كل حال باق على مولويته، سواء حملناه على الارشاد به أم لا، ولكن بمقتضى القرينة المتقدمة نحمله على الارشادي المولوي. والوجه في ذلك هو ان هذا المعنى الارشادي غير ما ذكروه من حمل الامر على الارشاد مقابل المولوي، فانه ارشاد الى حكم العقل كما في:

[ 32 ]

اطيعوا الله واطيعوا الرسول (1)، فانه في موارد حكم العقل لا مجال للمولوية، فلابد من حمل الاوامر الواردة في تلك المقامات على الارشادية وكونها ارشادا الى حكم العقل فقط. وهذا بخلاف حمل الامر على الارشاد مقابل الوجوب والتكليف، فانه مع كون الامر ارشاديا فهو باق على مولويته ايضا، فان امضاء العقد وجعله لازما بحيث لم ينفسخ بالفسخ، هذا ايضا حكم مولوي وثابت بجعل الشارع. كما ان الامر بالوضوء عقيب الاحداث الناقضة للوضوء ارشاد الى بطلان الوضوء بها، والاوامر والنواهي المتعلقة باجزاء الصلاة ارشادة الى المانعية أو الجزئية، ومع ذلك كلها احكام مولوية، فان اجزاء الصلاة وموانعها كلها مجعولة للشارع، فالامر بها مولوي محض غاية الامر ليس تكليفيا. وعلى هذا فإذا حملنا الامر بالوفاء بالعقود على الارشاد فلا يكون رفعا لليد عن ظهور الامر في المولوية، بل رفع اليد عن ظهوره في الوجوب. وعلى هذا فتدل الاية على لزوم الوفاء بكل عقد حتى العقود والالتزامات الخارجية، وليس دائرا بين رفع اليد عن ظهور الامر في المولوية أو عن ظهور العقود في الاعم من الالتزامات النفسية والالتزامات الخارجية، بل اريد من الامر المولوية، وهو عبارة عن اظهار ما في النفس من اعتبار الفعل على ذمة المكلف، سواء كان على سبيل التكليف أو لا.


1 - النساء: 59.

[ 33 ]

فهذا المعنى يختلف بحسب الموارد، ففي مورد يكون امضاء محضا فقط كما في البيع ونحوه، فانه امضاء لما عقده المتعاملان بعنوان المولوية، وفي العهد والنذر على نحو التكليف. وعلى هذا فمعنى اوفوا بالعقود (1) أي أوفوا بجميع عهودكم وعقودكم والتزاماتكم النفسية والخارجية، فيشمل ذلك عهد الله على العباد الذي عهد عليهم في عالم الذر بقوله جل وعلا: الم اعهد اليكم يا بني آدم الا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين (2)، وايضا يشمل عهد العباد على الله تعالى كالنذر والعهد واليمين، ويشمل عهد العباد بعضهم بعضا كما في موارد العقود. وعلى الاجمال فالاية وافية الدلالة على اللزوم دلالة مطابقية كما عرفت. الوجه الثاني والثالث قوله (رحمه الله): ومن ذلك يظهر لك الوجه في دلالة قوله تعالى: احل الله البيع (3) على اللزوم. أقول: حاصل كلامه ان المراد من حلية البيع هو حلية جميع التصرفات التي تترتب على البيع ويجوز لكل من المتبايعين أن يتصرف فيما انتقل إليه جوازا تكليفيا مطلقا، فهو يشمل ما بعد الفسخ ايضا، فيدل على عدم تأثير الفسخ في العقد وكونه لغوا، والا لكان التصرف بعد الفسخ تصرفا محرما لكونه في مال الغير، فهذا المعنى يستلزم اللزوم،


1 - المائدة: 1. 2 - يس: 60. 3 - البقرة: 275.

[ 34 ]

فتدل الاية على أن الاصل في العقود هو اللزوم بالالتزام، وقد حقق في محله ان الدلالات الالتزامية حجة في باب الالفاظ. ومنه يظهر وجه الاستدلال على اللزوم باطلاق حلية اكل المال بالتجارة عن تراض، فانه يدل على أن التجارة سبب لحلية التصرف بقول مطلق حتى بعد الفسخ، فتدل هذه الاية ايضا على أصالة اللزوم بالالتزام، فان لازم جواز التصرف حتى بعد فسخ أحد المتعاملين هو لزوم العقد وعدم انحلاله بالفسخ، والا لكان التصرف بعد الفسخ حراما كما لا يخفى. اشكال الشيخ (رحمه الله) على الاستدلال بهذين الوجهين وقد اشكل المصنف (رحمه الله) على الاستدلال بالايتين على أصالة اللزوم، وأوضحه شيخنا الاستاذ، وحاصله: ان التمسك بالاطلاق انما يفيد إذا كان الشك في قيود الموضوع وحالته وانحائه، مثلا إذا قال المولى: جئني بالماء، فتمسك باطلاق كلامه بالنسبة الى حالات الماء، ونحكم بجواز اتيان أي ماء بحيث صدق عليه الماء، كما يمكن أن يكون الحكم بالنسبة الى حالات الموضوع مقيدا ايضا. فالمقصود ان الاطلاق والتقييد في الحكم انما هو بالنسبة الى حالات الموضوع فقط، وأما بالنسبة الى حالات الحكم أو رافعه فلا يمكن أن يكون الحكم مطلقا أو مقيدا، كما ان الاحكام الثابتة على الاشياء بعناوينها الاولية لا اطلاق لها بالنسبة الى العناوين الثانوية. والسر في ذلك ان المحكوم عليه ليس ناظرا الى نفسه، فضلا عن أن يكون مطلقا بالنسبة الى حاكمه. وفي المقام إذا كان الفسخ مؤثرا فانما هو يؤثر في رفع نفس الحلية،

[ 35 ]

وعليه فلا اطلاق في الحلية الى رافعها، فان الحكم ليس له اطلاق الى حالات نفسه فضلا عن أن يكون له اطلاق الى رافعه. وحينئذ فلا يمكن التمسك بالايتين لاثبات أصالة اللزوم وعدم تأثير الفسخ في رفعه، نعم لا باس بجريان الاستصحاب في صورة الشك. ثم وجه شيخنا الاستاذ جهة تخصيص المصنف هذا الاشكال بالايتين وعدم جريانه في الاية السابقة عليهما أي آية اوفوا بالعقود (1)، وحاصله: ان موضوع وجوب الوفاء كما ذكرناه هو المعنى المصدري من العقد، الذي يعبر عنه في لغة الفرس بلفظ: گره زدن، دون الاسم المصدري، أعني العقدة الحاصلة من المعنى المصدري، الذي يعبر عنه في لغة الفرس بلفظ: گره، فإذا تحقق الفسخ فلا يكون مانعا عن التمسك بالاطلاق، فنتمسك باطلاق اوفوا ونحكم بعدم تأثيره في رفع العقد، فانه لا يكون ما هو موضوع وجوب الوفاء اعني العقد بمعنى المصدري مشكوكا بالفسخ كما تقدم، وانما يكون المشكوك هو العقده، أي العقد بمعنى الاسم المصدري، فيجوز التمسك بالاطلاق كما لا يخفى. التحقيق في المقام أقول: الظاهر انه لا يتم الاستدلال بالايتين على أصالة اللزوم، وعلى تقدير تماميته لا يرد عليه الاشكال المذكور، وعلى تقدير وروده فلا فارق بين الايتين وبين آية: اوفوا بالعقود، فلنا في المقام ثلاث دعاوي:


1 - المائدة: 1.

[ 36 ]

الدعوى الاولى: انه لا يتم الاستدلال بالايتين على أصالة اللزوم، والوجه في ذلك هو ان المراد من الحلية اما الحلية الوضعية أو الحلية التكليفية أو الاعم منهما، وعلى كل حال لا دلالة في الايه على أصالة اللزوم بوجه. أما إذا كان المراد من الحلية هي الوضعية، فلان معنى ذلك ليس الا نفوذ البيع في مقابل استناد الحرمة وعدم النفوذ الى الربا، فلا تعرض فيها لارتفاعه أو عدم ارتفاعه بالفسخ اصلا، كما أن قوله تعالى: وحرم الربا (1) لا يدل على أزيد من حرمة المعاملة الربوية، فبقرينة المقابلة تكون الحلية واردة على أصل البيع من حيث الحدوث، أي ان البيع جائز ونافذ في الشريعة المقدسة وليس مثل الربا كما زعمه أهل الجاهلية، فلا دلالة فيها الى حلية التصرفات المرتبة على البيع. وعلى الاجمال ليست الاية متعرضة لبقاء البيع وعدم بقائه بعد التحقق، وان الفسخ يؤثر فيه أم لا، وانما هي ناظرة الى اصل ثبوت البيع ونفوذه في الشريعة المقدسة. وأما إذا كان المراد من الحلية هي الحلية التكليفية، فلان الاية ايضا ناظرة الى استناد الجواز والاباحة الى البيع وكونه غير محرم في الشريعة بقرينة مقابلته بحرمة الربا، فان غرضه تعالى استناد الحرمة فقط الى الربا وبيان كونه حراما في الشريعة كشرب الخمر، بل يعاقب كاتبه وشاهده والبايع والمشتري، فليست الاية ناظرة الى جواز التصرف اصلا، أي التصرفات المترتبة على البيع، بل ناظرة الى حلية نفس البيع، كما ان قوله تعالى: وحرم الربا ناظر الى حرمته النفسية، فانه من المحرمات الشرعية، حتى يقتل منكر حرمته وتبان زوجته وتقسم أمواله.


1 - البقرة: 275.

[ 37 ]

وليس البيع الربوي مثل بيع الغرري، أو بيع ما ليس عندك، أو بيع ما لا يقدر على تسليمه، وغير ذلك من البيوع الفاسدة، فانها فاسدة فقط وليس بحرام تكليفا الا بالتشريع، فلو باع أحد بالبيع الفاسد لا يكون فاسقا بخلاف البيع الربوي، ومقابل هذا أي البيع الربوي الحرام تكليفا هو البيع الحلال الذي رخص فيه الشارع تكليفا، وأما التصرفات المترتبة عليه فأجنبية عنه، فلا دلالة في آية حلية البيع على اللزوم. ومن هنا ظهر الحال لو اريد من الحلية الحلية الوضعية والتكليفية معا، كما لا يبعد أن يكون هو المراد من الاية، فان معنى الحل في اللغة هو الاطلاق، ويعبر عنه في الفارسية بكلمة: گره زدن وباز نمودن، وهو اعم من الحلية الوضعية والتكليفية، لانه لم يكن استعمال الحلية تارة في الوضعية واخرى في التكليفية مرسوما في اللغة وزمان النبي (صلى الله عليه وآله)، والائمة (عليهم السلام)، وانما هو اصطلاح جديد في ألسنة الفقهاء (رحمهم الله)، فلا يلزم من استعمال كلمة الحل فيهما استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحده. وعلى الجملة، فالحلية عبارة عن الاطلاق، فهو يختلف بحسب المصداق، لانه تارة تكون وضعية بمعنى نفوذ المعاملة، واخرى تكليفية بمعنى الجواز وعدم المنع عنه شرعا. وعلى كل حال فالاية ناظرة الى ثبوتها للبيع وكونه حلالا في الشريعة المقدسة وضعا وتكليفا، وأما انه لا يرفع بالفسخ أو يرفع به فالاية اجنبية عن ذلك بالمرة. فتحصل ان الاية لا تعرض فيها عن حلية التصرفات المترتبة على البيع فضلا عن استفادة اللزوم من ذلك بالالتزام.

[ 38 ]

ومن هنا ظهر الحال في قوله تعالى: الا أن تكون تجارة عن تراض (1) بل الامر فيه أوضح، فان المراد من قوله تعالى في المستثنى منه: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (2) ليس هو الاكل بمعنى الازدراد، لانه انما اضيف الى الاموال. ومن الواضح ان المأكولات بالنسبة الى غيرها كقطرة من البحر، فبمناسبة الحكم والموضوع فلابد وأن يراد منه التملك باخذ الاكل كناية عنه، كما هو المستعمل في ذلك كثيرا حتى في العرف الحاضر، وقد استعمل الاكل بمعنى التملك في الكتاب الكريم في غير هذا المورد ايضا، كقوله تعالى: وتدلوا بها الى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم (3). وعلى هذا فمعنى الاية ان تملك اموال الناس بأي سبب من الاسباب حرام وغير جائز شرعا، الا أن يكون التملك بسبب، وهو التجارة عن تراض فانه جائز، وحلال في الاية ناظرة الى اصل جواز التملك، وأما التصرفات المترتبة على التملك فخارجة عن حدود الاية بالكلية فضلا عن دلالتها على أصالة اللزوم. بيان آخر لما يستدل به على اللزوم والحاصل انه استدل المصنف بآية حل البيع على لزوم العقد، بدعوى انها تدل بالمطابقة على حلية مطلق التصرفات حتى التصرفات الواقعة بعد الفسخ، ومن الواضح انه لو كان الفسخ مؤثرا في حل العقد


1 - النساء: 29. 2 - البقرة: 188. 3 - البقرة: 188.

[ 39 ]

واعدامه لكانت التصرفات الواقعة بعد الفسخ محرمة، فتدل الاية بالملازمة على لزوم البيع وعدم انفساخه بالفسخ. وبهذا يظهر دلالة آية التجارة عن تراض، اعني قطعة المستثنى، فانها تدل بالمطابقة على حلية الاكل بالتجارة عن تراض مطلقا، وبعبارة اخرى انها ظاهرة في أن التجارة عن تراض سبب لحلية التصرف بقول مطلق حتى بعد الفسخ من أحدهما من دون رضي الاخر. ثم اشكل على الايتين بأن الفسخ رافع للحلية فلا يكون الحكم شاملا باطلاقه لرفع نفسه. وأوضحه شيخنا الاستاذ بأن الحكم انما له اطلاق بالنسبة الى حالات الموضوع وقيوداته، وأما حالات نفس الحكم فضلا عن رافعه فلا اطلاق له بالنسبة إليها، فانه لا يعقل أن يؤخذ الحكم مطلقا بالنسبة الى حالة نفسه وروافعه. ثم فرق بين هاتين الايتين وبين آية اوفوا، بدعوى ان موضوع الوفاء في آية اوفوا هو العقد بمعنى المصدري فهو قطعي الوقوع، فلا يكون مشكوكا بالفسخ وانما المشكوك بعد تحقق الفسخ هو العقد بمعنى الاسم المصدري. فتدل الاية على حلية التصرفات المترتبة على العقد بمعنى المصدري مطلقا حتى بعد الفسخ، كما هو مبنى استدلال المصنف، فشك في رافعية الفسخ العقدة لئلا يجوز التصرفات بعد الفسخ، فنتمسك باطلاق الاية ونحكم بعدم تأثير الفسخ بوجه، فليس الفسخ رافعا لنفس الحلية حتى لا يمكن التمسك باطلاق، فتدل الاية على اللزوم بالالتزام كما هو واضح، وهذا بخلاف الايتين كما عرفت الحال فيهما.

[ 40 ]

بيان آخر للتحقيق في المقام ولكن قلنا انه لا يمكن التمسك بالايتين على اثبات اللزوم في العقود، وعلى تقدير تمامية الاستدلال بهما على اللزوم فلا يرد عليه ما أورده المصنف، ولو تم الاشكال فهو مشترك الورود للايتين وآية اوفوا بالعقود (1) كما ذكره السيد (2) ولكن ببيان آخر. ولنا في المقام ثلاث دعاوي: الدعوى الاولى في عدم صحة الاستدلال بالايتين على أصالة اللزوم، فنقول: ان المراد من الحلية اما وضعية أو تكليفية أو الاعم منهما، وعلى كل حال لا دلالة في الايتين على المقصود. أما إذا كان المراد منها الحلية الوضعية، فلان معناه نفوذ البيع وصحته في الشريعة الاسلامية، وقد تدل آية حل البيع على كونها مستندة الى البيع، فلا دلالة فيها على ازيد من استناد الحلية الوضعية الى البيع، وتدل على ذلك مقابلته باستناد الحرمة الى الربا، فان معنى حرمة الربا بناء على اخذ الحرمة ايضا وضعية بقرينة المقابلة هو عدم نفوذ الربا وانه فاسد في الشريعة من غير تعرض الى حرمة التصرفات. وعلى الاجمال فالاية ناظرة الى استناد الحلية الى البيع واستناد الحرمة الى الربا فقط، فلا دلالة فيها على حلية التصرفات المترتبة على العقد حتى بعد الفسخ ليستفاد منه اللزوم، فان مقابلة حلية البيع مع حرمة


1 - المائدة: 1. 2 - حاشية المحقق الطباطبائي (رحمه الله) على المكاسب 2: 4.

[ 41 ]

الربا تقتضي استنادهما إليها فقط، فان الغرض من قوله تعالى وحرم الربا (1) هو ذلك، فيكون هذا قرينة لان يراد من حلية البيع ايضا هذا المعنى. وأما إذا كان المراد من الحلية هي التكليفية، فالاية ناظره ايضا الى استناد الحلية التكليفية فقط الى البيع بقرينة مقابلته مع حرمة الربا، فانها ناظرة الى استناد الحرمة التكليفية فقط الى الربا، وأما جواز التصرفات المترتبة على العقد حتى بعد التصرف فلا يستفاد من الاية لخروجها عن مفادها بالكلية، فيكون الغرض اثبات اباحة البيع في الشريعة المقدسة حتى البيع الفاسد لعدم كونه حراما، كما ان حرمة الربا ناظرة الى اثبات حرمته في الشريعة. وهكذا الكلام إذا كان المراد من الحلية اعم من الوضعية والتكليفية، كما هو الظاهر بحسب لحاظ المعنى اللغوي كما عرفت. ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بآية التجارة عن تراض ايضا، فانها جملة استثنيت عن حرمة اكل المال بالباطل، ومن الواضح ان المراد من حرمة الاكل بالباطل انما هو حرمة التملك، كما هو المستعمل بهذا المعنى في القرآن وفي محاورة اليوم، فيقال: ان فلانا اكل دار فلان مثلا، فتكون الاية ناظرة الى عدم جواز تملك مال الغير بغير التجارة عن تراض أو عدم نفوذه، وأما حرمة التصرفات أو جوازها المترتبة على الاكل بالباطل أو التجارة عن تراض فخارجة عن الاية. وبعبارة اخرى ان الايتين ناظرتان الى حكم البيع والتملك من حيث الوضع أو التكليف حدوثا فقط لا بقاء حتى يتمسك بالاطلاق، حتى لو


1 - البقرة: 275.

[ 42 ]

لم يكن عندنا ما دل على حرمة التصرف في مال الغير لقلنا بحرمة التملك بهذه الاية وبجواز التصرف بالاصل، وكان لاحد أن يبيع حاله ثم لا يسلمه بل يتصرف فيه كيف يشاء، فان الاية لا تدل على ذلك كما ذكره السيد (رحمه الله) ايضا، فراجع (1). الدعوى الثانية وأما الاشكال الذي ذكره المصنف وأوضحه شيخنا الاستاذ فلا يرد عليها بوجه، وذلك فلانه وان لم يكن للحكم اطلاق بالنسبة الى حالات نفسه ورافعه، فانه حكم مسلم وقاعدة مبرمة، فان ملاحظة الاطلاق فرع ورود الحكم على الشئ، فلا يعقل أن يلحظ الاطلاق أو التقييد الا بالنسبة الى موضوع الحكم أو متعلقه كما هو واضح، ولكن المقام ليس كذلك، فان رافع الحلية ليس من حالات الحكم. وتوضيح ذلك: انا ذكرنا في محله مرارا ان الاطلاق ليس الا ما يمكن للمتكلم أن يصرح به كما ان التقييد كذلك، مثلا إذا قال المولى: اعتق رقبة، فمعناه اعتق رقبة، سواء كانت مؤمنة أم غير مؤمنة، كما ان معنى اعتق رقبة مؤمنة معناه اعتق رقبة ان كانت مؤمنة، فما للمولى أن يصرح به من الاطلاق والتقييد يطويه في كلامه على سبيل الاطلاق أو التقييد. ففي المقام له أن يأخذ الحلية مطلقة بالنسبة الى رافعها، ويقول أحل الله البيع، سواء فسخ أحد المتبايعين أم لا، وله أن يصرح بالتقييد ويقول: احل الله البيع (2) ان لم يفسخ أحدهما، ولكن لم يصرح


1 - حاشية المحقق الطباطبائي (رحمه الله) على المكاسب 2: 4. 2 - البقرة: 275.

[ 43 ]

بالاطلاق، وانما سكت عنه ولكن اكتفي منه بعدم التقييد، فبمقدمات الحكمة نستفيد الاطلاق ونحكم بحلية البيع والتصرفات المترتبة عليه حتى بعد الفسخ. والسر في ذلك ان للجاعل أن يأخذ حكمه مطلقا أو مقيدا بالنسبة الى رفع شخص آخر لذلك الحكم، فيقول: أمضيت البيع ان لم يرفعه فلان، أو أمضيته سواء رفعه فلان أم لا، أو يقول اكرم العلماء ان رضي فلان، أو يقول اكرمهم سواء رضي فلان أم لا، فرفع شخص آخر الحكم ليس من قبيل حالات الحكم حتى لا يمكن تكفل الحكم باطلاقه شموله لما بعد تحقق الرفع كما هو واضح. الدعوى الثالثة وعلى تقدير ورود الاشكال على الايتين فلا تختص الاشكال بهما بل يجري في آية اوفوا بالعقود (1) ايضا، فانه بناءا على مسلك المصنف انها تدل على حلية التصرفات المترتبة على العقد على وجه الاطلاق حتى بعد التصرف، ومن الواضح ان الفسخ رافع لها، فكيف يؤخذ الحكم مطلقا بالنسبة الى رافعه. فالمقصود ان ميزان الاستدلال بالايات الثلاثة واحدة عند المصنف، فما ذكره من الاشكال ايضا مشترك الورود بالنسبة إليها، وقد عرفت دلالة آية الوفاء على اللزوم بالمطابقة. وعرفت ايضا عدم دلالة آية احل الله البيع (2) عليه، وقلنا ان الاية ناظرة الى استناد الحلية الى البيع وانها مستندة إليه في الشريعة، سواء


1 - المائدة: 1. 2 - البقرة: 275.

[ 44 ]

كانت وضعية أو تكليفية أو كليهما، بقرينة قوله تعالى: وحرم الربا (1)، فانه ناظر الى استناد الحرمة الى الربا، وأما حلية التصرفات فضلا عن كونها مطلقة حتى بعد الفسخ فليست الاية متعرضة لها بوجه كما لا يخفى. وكذلك قوله تعالى: تجارة عن تراض (2)، فانه ناظر الى جواز التملك بالتجارة عن تراض، لكونه استثناء عن حرمة اكل المال بالباطل، وهو التملك بالباطل، فليس فيه ايضا التعرض بحلية التصرف بوجه، وان كان التملك يترتب عليه جواز التصرفات ولكنه بدليل آخر، وليس مستفادا من الاية كما لا يخفى، فافهم. الاستدلال بالايتين بوجه آخر نعم قد استدل بالايتين بوجه آخر، وحاصله: ان معنى الخيار في البيع ونحوه هو كون التمليك مقيدا بجهة خاصة لا من حيث الامد والمدة، بأن يكون الى زمان خاص بل من حيث خاص، وهو ان ذي الخيار مالك لارجاع العين بحل العقد وفسخه، فإذا باع شيئا مع الخيار فمعناه انه مالك لارجاعه الى ملكه ثانيا. وهذا بخلاف ما لم يكن له الخيار، فانه يملك ماله من المشتري على نحو الاطلاق وغير مقيد بجهة خاصة، وهذا القيد الذي نسميه خيارا لا يجعل الملك مقيدا كما عرفت، بأن يكون التمليك الى وقت ولا انه يقوم بالملكية، فانه باق على حاله مع التلف ايضا فلو كان قائما بالملكية لما بقي بعد تلف العين، مع أنه غير باق كما قلنا، فان لذي الخيار ايضا


1 - البقرة: 275. 2 - النساء: 29.

[ 45 ]

اعمال خياره بعد تلف العين، ويترتب عليه حكمه بل متعلقه هو العقد فقط ليس الا. ولا ينافي هذا الخيار بالملكية الابدية اصلا، فان شأنه شأن رافع العقود والايقاعات، فكما ان الطلاق رافع للنكاح والاقالة رافع للعقد فكذلك الخيار، فمالكية ذي الخيار على رفع العقد وارجاع المبيع على ملكه ليس تناقضا بوجه، وليس معنى بعت مع الخيار ان الملكية باقية بعد اعمال الخيار، فلو كان معنى جعل الخيار والقدرة والمالكية على ارجاع المال الى الحالة الاولية هو ان الملكية باقية بعد اعمال الخيار ايضا لكان هذا تناقضا. فتحصل ان مرجع جعل الخيار هو ابقاء المالكية على ذي الخيار فيما انتقل عنه في جهة خاصة، وهي ارجاع العين الى ملكه ثانيا وثبوت القدرة له على رفع العقد وهدمه، كما ان الطلاق أو الاقالة يرفع العقد، وعلى هذا فقوله تعالى: احل الله البيع (1) هو جعل البيع ثابتا في محله، فان معنى: أحل، هو اقرار الشئ في محله، أحله أي أمره في محله، وكونه ممضى في نظر الشارع، وان المتبايعين في حل في ذلك ومرخصون في فعله وايجاده، وليس لهم منع عن ذلك، وليس البيع ممنوعا عنه في نظره وخارجا عن مقره في نظر الشارع، بل واقع في محله ومقره، فان الشارع أحله وأقره في مقره. ولا شبهة ان هذا الكلام من الشارع المقدس امضاء لما أنشأه المتبايعين، ومن الواضح ان المنشأ في البيوع المطلقة، أي فيما باع المالك ماله مطلقا ويبقى لنفسه جهة خاصة هو مطلق التمليك الغير


1 - البقرة: 275.

[ 46 ]

المقيد بشئ خاص، وهو ابقاء المالكية لنفسه في جهة خاصة، فامضاء هذا يكون امضاء مطلقا، فلو كان الامضاء مقيدا لحصل التناقض حينئذ، فقوله تعالى: احل الله البيع هو اقراره في مقره ومحله، والموضوع في مقره هو هذا العقد المطلق بحيث ليس للمالك السابق فيه مالكية على جهة خاصة كما لا يخفى، وهكذا تجارة عن تراض (1)، فتدل الايتين على اللزوم بهذا البيان.. الوجه الرابع قوله (رحمه الله): ومنها قوله تعالى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (2). أقول: حاصل كلامه ان الاية دلت على حرمة الاكل والتملك بكل وجه باطل عرفا الا موارد ترخيص الشارع، فانه ليس باطلا عرفا، ومن الواضح جدا ان اخذ مال الغير وتملكه بالفسخ من دون اذن صاحبه باطل عرفا. وفيه منع الكبرى، فانه من أين علم ان المراد من الباطل هو الباطل العرفي ومن اخبر بذلك، بل الباطل هو مقابل الحق، فما سوى الله باطل في مقابل الحق جل وعلا، ومن هنا قيل: ان أصدق شعر صدر في الجاهلية هو قول الشاعر: ألا كل شئ ما خلا الله باطل، والبيع حق ومقابله الربا باطل وهكذا. فالمقصود ان الالفاظ موضوعة للمعاني الواقعية والمفاهيم العامة فلا وجه لتخصيصه بجهة خاصة بل ينطبق ذلك الكلي على المصاديق، وكذلك الباطل فانه موضوع لمقابل الحق، وهذا يختلف باختلاف


1 - النساء: 29. 2 - البقرة: 188.

[ 47 ]

الموارد فلا وجه لتخصيصه بالباطل العرفي، وعليه فالتمسك به لكون الفسخ من الباطل من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وايضا نمنع الصغرى، فانه من اين علم ان الفسخ باطل عرفي بل نشك في ذلك، فلا يمكن التمسك بالمطلق في الفرد المشكوك واثبات كونه فردا للمطلق. نعم يمكن التمسك بالاية لاثبات اللزوم بمجموع المستثنى والمستثنى منه، فان الاية الشريفة في مقام حصر التملك الشرعي بالتجارة عن تراض، ومن الواضح جدا ان التملك بالفسخ مع عدم رضا الاخر ليس منها، فتدل على اللزوم. بيان آخر للوجه الرابع استدل المصنف (رحمه الله) ايضا بهذه الاية على اللزوم، بدعوى ان المراد من الباطل هو الباطل العرفي وان الفسخ من ذلك. أقول: ان المراد من الباطل ما هو مقابل الحق، فان الالفاظ موضوعة للمفاهيم العامة فينطبق ذلك على موارده، فلا وجه لتخصيص الموضوع له بالباطل العرفي، ومن هنا اطلق الباطل على مقابل الحق في تعداد جنود العقل والجهل في رواية الكافي (1)، وعليه فالتمسك بالاية من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لانا نشك في أن الفسخ مصداق للباطل أم لا.


1 - عن سماعة بن مهران قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده جماعة من مواليه، فجرى ذكر العقل والجهل، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا - الى أن قال: - الخير وهو وزير العقل وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل، والايمان وضده الكفر - الى أن قال: - الحق وضده الباطل (الكافي 1: 14)، موثقة.

[ 48 ]

ولو سلمنا ان المراد من الباطل الباطل العرفي ولكن يصح الاستدلال بالاية إذا كان خروج الموارد التي رخص الشارع في التصرف فيها كالشفعة وحق المارة ونحوهما بالتخصيص، فانه حينئذ يمكن أن يقال: ان الفسخ ليس من الموارد التي خرجت عن الاية بالتخصيص فيكون التملك به أكلا للمال بالباطل لكونه باقيا تحت الاية. وان قلنا ان خروجها بالتخصص كما ذكره المصنف، فحينئذ لا ندري ان الفسخ من افراد الخارج أو من افراد الباقي، فيكون التمسك بالاية من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، فهو لا يجوز، نعم يجوز التمسك بالاستصحاب ولكنه خروج عن الفرض، نعم يجوز التمسك بمجموع المستثنى والمستثنى منه لاثبات اللزوم كما تقدم. الوجه الخامس قوله (رحمه الله): ومما ذكر يظهر وجه الاستدلال بقوله (عليه السلام): لا يحل مال امرء - الخ (1).


1 - عن أبي الحسين محمد بن جعفر الاسدي، عن أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (رحمه الله)، عن صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه، قال: فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه (الاحتجاج: 479، اكمال الدين: 520، عنهما الوسائل 9: 540، 25: 386). عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه (الكافي 7: 273، الفقيه 4: 66، عنهما الوسائل 5: 120)، موثقة بزرعة وسماعة الواقفين. وعن تحف العقول، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال في خطبة حجة الوداع: ايها الناس انما المؤمنون اخوة، ولا يحل لمؤمن مال اخيه الا عن طيب نفس منه (تحف العقول: 34)، مرسلة. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: المسلم اخو المسلم، لا يحل ماله الا عن طيب نفسه (عوالي اللئالي 3: 473، عنه المستدرك 3: 331)، مرسلة.

[ 49 ]

أقول: ان كان المراد من الحلية هي الحلية التكليفية فلا تدل الرواية على اللزوم، لان التقدير انه لا يحل التصرفات في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه ونشك في أن التصرف بعد الفسخ من التصرف في مال امرء مسلم بدون اذنه أم لا، لانا نحتمل أن يكون ذلك تصرفا في مال نفسه فيكون حلالا، فلا يمكن التمسك باطلاق الرواية في اثبات ان هذا الفرد المشكوك مصداق للتصرف المحرم. وان كان المراد من الحلية هي الوضعية، فيكون المعنى انه لا ينفذ التصرف في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه، فتدل الرواية على اللزوم بدعوى ان نفوذ التصرف في مال الغير منحصر بكونه عن طيب نفسه، ومن الواضح ان التصرفات الواقعة بعد الفسخ ليس عن طيب نفس من المالك فلا تكون نافذة. وأما الجامع من الحلية التكليفية والحلية الوضعية، وان ذكرنا امكان أرادة الجامع في قوله تعالى: احل الله البيع (1)، بل قلنا انه الظاهر، فان الحل بمعنى الترخيص وفي لغة الفرس: باز كردن ورها كردن، ومن الواضح انه أعم من الوضع والتكليف ولم يكن التفكيك بينهما مرسوما في السابق بل جرى عليه الاصطلاح بين الفقهاء كما ذكرناه في اوفوا بالعقود (2). ولكن لا يمكن ارادة الجامع في الرواية، فانه لو اريد من الحلية التكليفية فمعنى الرواية كما عرفت ان التصرفات الواقعة على مال امرء مسلم حرام بدون اذنه، فهذا يتوقف على أن يكون التصرف التصرف في حال كون المال لامرء مسلم، والا فلا وجه للحرمة، لان كون المال


1 - البقرة: 275. 2 - المائدة: 1.

[ 50 ]

لشخص آخر في زمان سابق لا يدل على حرمة التصرف في زمان متأخر ولو مع كونه ملكا لشخص آخر أي منتقلا إليه. وبعبارة اخرى لو اريد من الحلية التكليفية فظهور الرواية ان التصرف حين كون المال لامرء مسلم حرام بدون اذنه، وأما التصرف في ماله كان لامرء مسلم سابقا فلا دلالة في الرواية على حرمته، فحينئذ لا دلالة فيها على حرمة التصرف بعد الفسخ، لاحتمال كونه تصرفا في مال نفسه لا في مال امرء مسلم، نعم كان مالا لامرء مسلم قبل الفسخ والتمسك بالاستصحاب خروج عن الفرض، فان كلامنا في التمسك بالدليل الفقاهتي. وأما إذا اريد من الحلية الوضعية، فمعناه كما عرفت انه لا ينفذ التصرف في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه، فارادة هذا المعنى لا يتوقف ارادته على احراز كون المال لامرء مسلم، ولذا يشمل بعد الفسخ ايضا، فهذا ان المعنيان لا يجتمعان في الرواية، أي لا يمكن ارادتهما من الرواية معا. وبعبارة اخرى ان ارادة الحلية التكليفية في الرواية متوقفة على احراز كون المال للغير لكي يحرم التصرف فيه، وهذا لا يشمل بعد الفسخ لاحتمال خروج المال عن كونه مال امرء مسلم بالفسخ، وارادة الحلية الوضعية لا تتوقف عليه بل هي تعم بعد الفسخ ايضا كما عرفت، ومن الواضح ان شموله بعد الفسخ يعدم موضوع حلية التكليفية فكيف يمكن ارادتها كما لا يخفى. بيان آخر للوجه الخامس قوله (رحمه الله): ومنها: قوله (عليه السلام): لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه. وفيه أولا: ان كان المراد من الحلية هي التكليفية فلا تشمل الرواية

[ 51 ]

التصرفات بعد الفسخ للشك في أنها محرمة أم لا، لاحتمال كون الفسخ مملكا، فلا يجوز التمسك به في الفرد المشكوك، وان كان المراد بها الحلية الوضعية، كما هو الظاهر من كلام المصنف حيث جعل سبيل الرواية سبيل الاية. ومن الواضح انه أراد من الاية الحلية الوضعية حيث اخذ الاكل بمعنى التملك، لجاز التمسك بها لاثبات اللزوم، فانها تفيد حصر نفوذ التصرف بما إذا كان بطيب النفس من المالك، ومن الواضح ان الفسخ ليس منه، وأما الجامع فلا يمكن ارادته كما تقدم، وبالجملة لو اريد من الحلية الحلية التكليفية لا يمكن الاستدلال بالاية على اللزوم. وثانيا: ان المراد من عدم حل مال امرء مسلم الا باذنه وبطيب نفسه هو عدم حلية التصرفات المتعلقة به وجميع التقلبات الخارجية، فان الحل أو الحرمة إذا تعلقا بالعين الخارجية فحيث لا معنى لحرمتها وحليتها فلابد وأن يقدر في امثال ذلك ما يناسب الحلية أو الحرمة، والمناسب لهما بمناسبة الحكم والموضوع اما جميع الاثار أو الاثار المناسبة، فالمناسب للحرمة المتعلقة على الخمر وعلى المسكر هو تقدير الشرب. فلا يتوهم أحد من قوله (عليه السلام): ما اسكر كثيره فقليله حرام (1)، أو غيره


1 - عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان الله حرم الخمر قليلها وكثيرها، كما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير، وحرم النبي (صلى الله عليه وآله) من الاشربة المسكرة، وما حرمه النبي (صلى الله عليه وآله) فقد حرمه الله عز وجل، وقال: ما اسكر كثيره فقليله حرام (الكافي 6: 409، التهذيب 9: 115، عنهما الوسائل 25: 338)، صحيحة. عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) انه كتب الى المأمون: محض الاسلام شهادة ان لا اله الا الله - الى ان قال: - وتحريم الخمر قليلها وكثيرها، وتحريم كل شراب مسكر قليله وكثيره، وما اسكر كثيره فقليله حرام (عيون الاخبار 2: 126، عنه الوسائل 25: 330).

[ 52 ]

من الادلة الدالة على حرمة الخمر هو البيع، حتى لو لم يكن هنا دليل على حرمة بيع الخمر لما امكن استفادتها منها، والمناسب لحرمة الامهات في قوله تعالى (1) تقدير التزويج، فانه لا يحتمل ان نظره أو خدمته أو شئ آخر يتعلق بها حرام. وعلى هذا فلا بد هنا ايضا من تقدير ما يصح تعلق عدم الحل به، والمناسب للمقام هو تقدير جميع التصرفات الخارجية والتقلبات في الخارج، وحينئذ فمعني الاية: لا يحل جميع التصرفات والتقلبات الخارجية في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه. وعليه فلا تشمل التصرفات الاعتبارية كاعتبار ملكية مال الغير لنفسه وهكذا بالفسخ ونحوه، فلا تدل الرواية على عدم تأثير الفسخ في حل العقد كما هو واضح. وتوهم ان الرواية شاملة على التصرفات بعد الفسخ، وتدل على حرمتها ايضا باطلاقها فتفيد اللزوم بالدلالة الالتزامية توهم فاسد، لما عرفت من عدم شمولها التصرفات بعد الفسخ، لاحتمال كون الفسخ مملكا كما تقدم، فيكون التمسك بها في التصرفات بعد الفسخ من قبيل التصرف بالمطلق في الفرد المشكوك. والحال ان كان نظر المصنف في الاستدلال بالرواية بأنه لا يحل تملك مال الغير الا باذنه بأن يقدر التملك فقط بعد الحل، أي لا يحل تملك مال غيره بالبيع ونحوه الا باذنه، فالرواية وان كانت تدل على اللزوم ولكنه خلاف الظاهر من الرواية، فلا يمكن أن يراد من الحلية الحلية الوضعية لمكان خلاف الظهور، وان كان النظر بتقدير جميع التصرفات كما هو


1 - قوله عز وجل: حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت، النساء: 23.

[ 53 ]

الظاهر والمناسب، بأن يراد من الحلية الحلية التكليفية أي يحرم جميع التصرفات في مال غيره الا باذنه. الوجه السادس قوله (رحمه الله): ومنها: قوله (صلى الله عليه وآله): الناس مسلطون على أموالهم (1). أقول: ذكر المصنف ان مقتضى السلطنة التي أمضاها الشارع ان لا يجوز اخذه من يده وتملكه عليه من دون رضاه، ومن هنا استدل المحقق في الشرايع والعلامة في بعض كتبه على عدم جواز رجوع المقرض فيما اقرضه، بأن فائدة الملك التسلط، وبالجملة رجوع الفاسخ الى ما انتقل عنه الى غيره بالعقد تملك لمال غيره ومناف لسلطنته، فتدل الرواية على اللزوم. وفيه أولا: انها ضعيفة السند كما تقدم. وثانيا: انها ناظرة الى ثبوت السلطنة للمالك في جميع تصرفاته في ماله من الاكل والبيع والبذل وغيرها، وانه ليس لاحد أن يمنع من هذه التصرفات، وهذا لا ينافي ثبوت جواز التصرف لغيره ايضا بالفسخ، كما وقع نظيره في الشريعة المقدسة، فان لكل من الاب والجد سلطنة على التصرف في مال الصغير سلطنة مطلقة وليس لكل منهما أن يمنع الاخر من التصرفات، وكذلك في المقام، فلا دلالة في النبوي على اللزوم بوجه، كما هو واضح. على أن الرواية ناظرة الى اثبات السلطنة لكل أحد على ماله، كما هو مقتضى اضافة المال الى الملاك، فتفيد الرواية ثبوت السلطنة لكل أحد


1 - عوالي اللئالي 1: 222، الرقم: 99.

[ 54 ]

على ماله، وهذا لا يعارض ما يرفع موضوع تلك السلطنة، أي ما يكون رافعا لها كالفسخ. وبعبارة اخرى ان دليل السلطنة يثبتها في فرض تحقق المالية وكون الشئ مالا للشخص، وهذا لا ينافي بما يكون رافعا لموضوعها، فان الحكم لا يثبت موضوعا لنفسه، نعم لو كان النظر في الحديث الى مفهوم اللقب، بأن يكون المفهوم من قوله (صلى الله عليه وآله): الناس مسلطون على أموالهم، يعني غير المالك ليس مسلطا على اموال غيره لصح به الاستدلال، ولكن مفهوم اللقب ليس بحجة كما حقق في محله. الوجه السابع قوله (رحمه الله): ومنها: قوله (صلى الله عليه وآله): المؤمنون عند شروطهم. أقول: قد استدل به على اللزوم غير واحد من المحققين، بدعوى ان المراد من الشرط مطلق الالتزام، فيشمل الشروط الابتدائية ايضا كالبيع ونحوه. وفيه ان الاستدلال به على اللزوم ممنوع صغرى وكبرى، أما الوجه في منع الصغرى فلانا لو سلمنا اطلاق الشرط على الشروط الابتدائية في كلمات البلغاء والفصحاء، كما اطلق في قوله (عليه السلام): ما الشرط في الحيوان، قال (عليه السلام): ثلاثة أيام (1)، مع أنه يمكن ارجاعه الى الشرط في ضمن الالتزام الاخر، بأن يقال: ان امضاء البيع مشروط بكون صاحب الحيوان ذي الخيار الى ثلاثة أيام.


1 - عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري - الحديث (الكافي 5: 170، الخصال: 127، التهذيب 7: 20، الاستبصار 3: 72، عنهم الوسائل 18: 11)، صحيحة.

[ 55 ]

ولكن اطلاق الشرط على البيع ونحوه من الالتزامات يعد في العرف من الاغلاط، فانه لا يقال لمن باع داره انه شرط داره، وكذلك لا يقال لمن باع ماله انه شرط ماله، وهكذا، بل لو اطلقه أحد على امثال ذلك فيضحك منه وان كان الاطلاق صحيحا في الواقع. وعليه فالرواية منصرفة عن البيع ونحوه من الالتزامات الابتدائية، وقد ناقش المصنف ايضا في صدق الصغرى. وأما الوجه في منع الكبرى، فلانا لو سلمنا ان الشرط يطلق على الالتزامات الابتدائية ايضا، ولكن نمنع وجوب الوفاء بكل شرط، فان الرواية لا دلالة فيها على ذلك، لان الظاهر من قوله (صلى الله عليه وآله): المؤمنون عند شروطهم (1)، هو الدلالة على الحكم التكليفي، بدعوى انه وان كان في مقام الانشاء وجعل الحكم، ولكن النكتة في اتيان الجملة الخبرية لبيان ذلك هي بيان ان مقتضى الايمان هو كون المؤمن عند شرطه وعدم تخلفه عنه، نظير قوله (عليه السلام): المؤمن عند عدته، أي ان مقتضى الايمان هو أن يفي المؤمن بوعده، كما أن مقتضى الايمان ان لا يكذب، وقد ورد في باب الكذب ان المؤمن قد يزني وقد يسرق ولكنه لا يكذب وانما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون (2).


1 - عن منصور بزرج عن عبد صالح (عليه السلام) قال: قلت له: ان رجلا من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه، فأراد أن يراجعها فأبت عليه الا أن يجعل لله عليه أن لا يطلقها ولا يتزوج عليها، فأعطاها ذلك، ثم بدا له في التزويج بعد ذلك فكيف يصنع؟ فقال: بئس ما صنع وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له: فليف للمرأة بشرطها، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: المؤمنون عند شروطهم (التهذيب 7: 371، الاستبصار 3: 322، الكافي 5: 404، عنهم الوسائل 21: 277)، صحيحة. 2 - عن عبد الله بن حوراء قال: قلت للنبي (صلى الله عليه وآله): المؤمن يزني؟ قال: قد يكون ذلك، قال: قلت: المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ذلك، قلت: يا رسول الله المؤمن يكذب؟ قال: لا، قال الله تعالى: انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون - النحل: 105 (دعوات الراوندي: 118، عنه البحار 72: 263)، ضعيفة.

[ 56 ]

وعلى الاجمال فالرواية الشريفة اخبار عن كون المؤمن عند شرطه وانه لا يتخلف منه وعن وعده، لان ايمانه مانع عن التخلف، وعليه فتكون راجعة الى الحكم التكليفي، أي يجب لكل مومن أن يفي بشرطه ويحرم التخلف عنه، فتكون غريبة عن الدلالة على اللزوم كما هو واضح. وتوهم ان الحال كذلك في اوفوا بالعقود ايضا، لانه خطاب الى المؤمنين بقوله عز من قائل: يا ايها الذين امنوا اوفوا بالعقود (1)، فيكون دالا على الحكم التكليفي توهم فاسد، فانه انشاء من الاول، فليس انشاء بالجملة الخبرية لتكون النكتة هي الاشارة الى علة الحكم. نعم مقتضى الخطاب الى المؤمن يقتضي خروج غير المؤمن عن الاية، كما هو كذلك في بقية الخطابات، ولكن مقتضى الاشتراك في التكليف يقتضي التعميم فلا وجه للاختصاص هنا وفي بقية الخطابات كما لا يخفى. الوجه الثامن ومنها: الاخبار المستفيضة في أن البيعان بالخيار ما لم يفترقا (2)، وانه إذا افترقا وجب البيع (3).


1 - المائدة: 1. 2 - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): البيعان بالخيار حتى يفترقا (الكافي 5: 170، عنه الوسائل 18: 5)، صحيحة. 3 - عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أيما رجل اشترى من رجل بيعا فهما بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع - الحديث (الكافي 5: 170، الفقيه 3: 126، التهذيب 7: 20، الاستبصار 3: 72، عنهم الوسائل 18: 6)، صحيحة.

[ 57 ]

أقول: استدل بها المصنف على اللزوم في البيع، وقد اشكل عليه المحقق الخراساني وتبعه غير واحد ممن تأخر عنه، بأن المستفيضة ناظرة الى لزوم البيع في نفسه وليست ناظرة الى لزومه من جميع الجهات كالغبن والعيب فلا تفيد اللزوم، ومن هنا ان أدلة سائر الخيارات لا تكون مخصصة لها. وقد أجاب شيخنا الاستاذ عن ذلك ونعم ما أجاب، وحاصله بتوضيح منا: ان الروايات المذكورة انما تدل باطلاقها على اللزوم بلا شبهة، وان البيعان انما لهما الخيار في المجلس فقط وإذا افترقا وجب البيع، بل نفس تعرض الامام (عليه السلام) لثبوت خيار الحيوان مع تعرضه لثبوت خيار المجلس كالصريح في دلالة المستفيضة على اللزوم، فانه (عليه السلام) بعد ما بين حكم خيار الحيوان قال في جواب السائل عن الشرط في غير الحيوان بأن البيعان بالخيار ما لم يفترقا وانه إذا افترقا وجب البيع، وانها لا خيار لهما بعد الرضا (1)، فهو كالصريح في دلالة المستفيضة باطلاقها على اللزوم في خصوص البيع. وعلى هذا فتكون أدلة سائر الخيارات مخصصة لها، ومن الغرائب ما أفاده المحقق الخراساني (2) من عدم كون أدلة سائر الخيارات مخصصة لها.


1 - عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما، قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري - الحديث (الكافي 5: 170، الخصال: 127، التهذيب 7: 20، الاستبصار 3: 72، عنهم الوسائل 18: 11)، صحيحة. 2 - حاشية المحقق الخراساني (رحمه الله) على المكاسب: 145.

[ 58 ]

فتحصل من جميع ما تلوناه عليك ان الاصل في جميع العقود معاوضة كانت أم لا، وسواء كانت الملكية حاصلة من الاول أم لا، اما إذا كانت الملكية حاصلة من حين العقد وكان فيه تمليك وتملك من الاول، بأن حصل شئ لاحد المتعاملين من الاول أم غير معاوضية مثل الهبة ونحوها هو اللزوم. فتدل على لزومها آية حرمة اكل المال بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض، فانه لو ملك أحد ماله لغيره ولو بعنوان الهبة المجانية بحيث حصل التمليك والتملك، فلا يجوز الرجوع إليه فانه تملك لمال لغير بدون التجارة عن تراض فهو حرام، فلو لم يثبت من الخارج ما يدل على جواز الرجوع في الهبة المجانية لقلنا بعدم جواز الرجوع فيها ايضا بمقتضى الاية. وكذلك يدل على اللزوم هنا آية اوفوا بالعقود (1) كما هو واضح. وأما العقود التي لم تحصل الملكية فيها من الاول، كعقد السبق والرماية والمضاربة والمساقاة، فانه لم يحصل النقل والانتقال فيها من الاول، ولا يحصل لاحد المتعاملين فيها من الاول مال. فلا تدل آية التجارة فيها على اللزوم من الاول، لعدم حصول المعاوضة والنقل والانتقال والتمليك والتملك من الاول، حتى يكون ارجاعه تملكا لمال الغير بدون الرضا ولا يكون تجارة عن تراض، وانما يحصل النقل والانتقال بعد تحقق الشرائط كما هو واضح. نعم يدل على اللزوم هنا ايضا آية اوفوا بالعقود لتحقق العقد، كما هو واضح.


1 - المائدة: 1.

[ 59 ]

الوجه التاسع قوله (رحمه الله): وقد عرفت ان ذلك مقتضى الاستصحاب ايضا. أقول: قد عرفت ان الاستصحاب لا تجري في المقام، لكونه من الشبهات الحكميه، وقد منعنا جريانه فيها في علم الاصول (1). قوله (رحمه الله): وربما يقال ان مقتضى الاستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك عن العين. أقول: حاصل كلامه ان الظاهر من كلمات بعضهم انا نشك في أن المالك هل انقطع علاقته من ملكه أم لا، فنستصحب بقاء علاقته فيكون هذا الاستصحاب حاكما على استصحاب اللزوم. ورد بأنه ان اريد من تلك العلاقة علاقة الملكية أو ما يتفرع على الملكية فهي انقطعت جزما، وان اريد منها سلطنة اعادة العين فما دام لم ينتقل المال من ملكه الى غيره فتلك السلطنة مقطوعة العدم، فانه لا معنى لسلطنة الانسان على اعادة ماله الى ملكه، وانما تحصل تلك السلطنة بعد خروجه عن ملكه، ومن الواضح جدا انها مشكوكة بعد ذلك، فالاصل عدمه. قوله (رحمه الله): وان اريد بها العلاقة التي كانت في مجلس البيع فانها تستصحب عند الشك. أقول: غرضه ان اريد بها العلاقة التي كانت تحدث في مجلس البيع فانها تستصحب عند الشك، فيصير الاصل في البيع بقاء الخيار كما يقول الاصل في الهبة بقاء جوازها بعد التصرف، في مقابل من جعلها لازمة بالتصرف.


1 - مصباح الاصول 3: 46.

[ 60 ]

ثم اجاب عنه أولا: بأن الدليل اخص من المدعي، فانه انما يتم في موارد ثبوت خيار المجلس وكلامنا اعم من ذلك. وثانيا: يرجع الى عموم اوفوا بالعقود (1) في ظرف الشك لا الى الاستصحاب. وثالثا: ان الاخبار قد تواتر بانقطاع السلطنة والخيار بعد الافتراق، فلا مجال مع ذلك للرجوع الى الاستصحاب، ثم أمر بالتأمل. أقول: قد عرفت الكلام في دلالة الاخبار المستفيضة: البيعان بالخيار ما لم يفترقا على اللزوم، بناء على تمامية اطلاقها كما هو كذلك، كما اختاره المصنف. وعليه فلا وجه للتمسك بها لبيان ارتفاع خيار المجلس، فانه مع تمامية دلالتها على اللزوم، كما لا مجال للتمسك باستصحاب الخيار، وكذلك لا وجه للتمسك باستصحاب اللزوم، فانه مع وجود الاصل اللفظي لا تصل النوبة الى الاصل العملي، الا أن يكون غرضه من التمسك بالاخبار مع الاغماض عن دلالتها على اللزوم من جميع الجهات، كما عليه صاحب الكفاية، فانه حينئذ يتم نفي خيار المجلس بها وثبوت اللزوم في البيع من جهة خيار المجلس، ويبقى العقد مشكوكا من الجهات الاخر، فحينئذ نتمسك في اثبات اللزوم للعقد من سائر الجهات باستصحاب اللزوم كما لا يخفى. ومن هنا ظهرت المناقشة في تمسكه بآية اوفوا بالعقود فانه مع وجود العموم لا مجال للاستصحاب، لا استصحاب اللزوم ولا استصحاب الخيار، ولعله الى ما ذكرناه أشار المصنف بالامر بالتأمل.


1 - المائدة: 1.

[ 61 ]

البحث في كلام العلامة (رحمه الله) قوله (رحمه الله): ثم انه يظهر من المختلف في مسألة ان المسابقة لازمة أو جائزة. أقول: ذكر المصنف ان العلامة ذكر في المختلف ان المسابقة لازمة أو جائزة بأن الاصل عدم اللزوم، ولم يرده من تأخر عنه الا بعموم قوله تعالى: اوفوا بالعقود (1)، ولم يكن وجه صحيح لتقرير هذا الاصل، نعم هو حسن في خصوص المسابقة وشبهة مما لا يتضمن تمليكا أو تسليطا، ليكون الاصل بقاء ذلك الاثر وعدم زواله بدون رضا الطرفين. ومحصل مراده ان استصحاب الملكية انما تجري فيما إذا كانت الملكية فعلية أي ثابتة حين العقد، أي تثبت الملكية فيما ينشأ العقد، وحينئذ كلما شككنا في جواز العقد ولزومه نستصحب الملكية ونحكم باللزوم بواسطة الاستصحاب الحكمي، فلا مجال حينئذ لدعوى ان الاصل عدم اللزوم، بل لابد وأن يقال ان الاصل هو اللزوم لمكان استصحاب الملكية. نعم لا بأس بهذا الاصل في مثل عقد المسابقة، حيث لم تثبت فيها الملكية الفعلية، وانما الملكية فيها تقديرية، أي تحصل الملكية لاحد المسابقتين على تقدير سبقه في المسابقة، فحينئذ يقال: ان الاصل عدم اللزوم هنا، وذلك لعدم حصول الملكية الفعلية حتى نستصحبه في مورد الشك في أن العقد جائز أو لازم، ونحكم باللزوم بل نتمسك باصالة عدم اللزوم ونحكم بكون العقد جائزا، هذا كله مع قطع النظر عن اوفوا بالعقود، والا فمقتضاه هو اللزوم.


1 - المائدة: 1.

[ 62 ]

أقول: كأن المصنف لم يبن المسألة على ما حرره في الاصول (1)، من جريان الاستصحاب التعليقي، مع أن المقام ليس منه، بل من قبيل الاستصحاب التنجيزي. وذلك لان ما نحن فيه يشبه القضية الحقيقية، فان الحكم فيها ثبت على الموضوعات المقدرة فعلا ولكن يتنجز الحكم فيها بفعلية الموضوع، أي كلما وجد الموضوع ثبت عليه الحكم بحيث ان الحكم فيها فعلي ولكن الموضوع تقديري، وكذلك في المقام ان الالتزام فعلي والملتزم به تقديري، فان المتعاملين التزما فعلا على أن كل من سبق فله كذا، وليس الحكم هنا تعليقا كما في العصير العنبي، فان الحكم بالنجاسة أو الحرمة فيه تعليقي، أي إذا غلى ينجس لا مطلقا. فلو كان ينعكس المطلب لكان احسن، بأن يقول بجريان الاستصحاب هنا ولم يقل بجريانه في التعليقيات، فان الحكم هنا كما عرفت فعلي والملتزم به تقديري. نعم لا نقول بجريان الاستصحاب هنا من جهة عدم جريانه في الشبهات الحكمية لكونه دائما معارضة بأصالة عدم الجعل أو باستصحاب المجعول، ولكن مع قطع النظر عن هذا الاشكال فلا محذور فيه كما لا يخفى. فتحصل ان استصحاب الملكية جارية في عقد المسابقة ايضا كالبيع، فيكون الاصل فيه ايضا هو اللزوم، كما ان الامر كذلك في البيع، فلا وجه للمصنف لاستثنائه خصوصا على مسلكه، نعم على مسلكنا من منع الاستصحاب في الشبهات الحكمية فهو لا يجري، فافهم.


1 - الرسائل: 653.

[ 63 ]

الكلام فيما إذا وقع العقد في الخارج ولا ندري انه من القسم اللازم أو الجائز قوله (رحمه الله): ثم ان ما ذكرنا من العمومات المثبتة لاصالة اللزوم انما هو في الشك في حكم الشارع باللزوم. أقول: حاصل كلامه ان ما تقدم من التمسك بالعمومات انما هو في الشبهات الحكمية، وأما الشبهات الموضوعية بأن يقع العقد في الخارج ولا ندري انه من القسم اللازم أو من القسم الجائز، فانه قلنا بجواز التمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية، فايضا لا بأس بالتمسك بالعمومات في الفرد المردد، والا فلابد من الرجوع الى الاصل العملي وهو استصحاب الاثر أي الملكية ويسمى باستصحاب الحكمي. أقول: تارة يكون في موارد الشبهات الموضوعية اصل موضوعي يقتضي الجواز فلا كلام لنا فيه، كما إذا وقعت هبة في الخارج فلا ندري انها من القسم اللازم أو من القسم الجائز، بأن نشك في كونها على وجه قربي ليدخل تحت قولهم (عليهم السلام): ما كان لله لا يرجع (1)، أو ليس على وجه قربي ليكون فيه حق الرجوع، فان الاصل هنا عدم كونه على وجه قربي فيثبت الجواز.


1 - عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصدق بالصدقة أله أن يرجع في صدقته؟ فقال: ان الصدقة محدثة انما كان النحل والهبة ولمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز، ولا ينبغي لمن أعطي شيئا لله عز وجل أن يرجع فيه (التهذيب 9: 153، الاستبصار 4: 108، الكافي 7: 30، عنهم الوسائل 19: 243)، موثقة. عن جميل قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يتصدق على بعض ولده بصدقة وهو صغار أله أن يرجع فيها؟ قال: لا، الصدقة لله تعالى (الكافي 7: 31، التهذيب 9: 137، الاستبصار 4: 102، عنهم الوسائل 19: 179)، صحيحة.

[ 64 ]

وكذا إذا شككنا في كونها لذي رحم أو لغيره، فنقول: ان الاصل عدم كونها لذي رحم فتكون الهبة جائزة، وهكذا إذا شككنا في اللزوم والجواز مع كونه مسبوقا بالخيار، فانه نستصحب الخيار فنحكم بالجواز، وفي جميع ذلك مقتضى الاصل الموضوعي هو الجواز. واخرى يكون في تلك الموارد اصل موضوعي يقتضي اللزوم، كما إذا علم بأن العقد الصادر بيع وشك في جعل الخيار فيه، فالاصل انه لم يجعل الخيار فيه فيكون لازما، وهكذا لو شك بعد سقوط خيار المجلس بتفرق هل هنا خيار آخر أم لا، فنستصحب عدمه فيحكم باللزوم. وانما الكلام فيما إذا لم يكن فيه اصل موضوعي يقتضي اللزوم أو يقتض الجواز، فهل هنا ما يقتضي اللزوم أو يقتضي الجواز أو لا، فالتزم المصنف (رحمه الله) باللزوم تمسكا باستصحاب الملكية، ولكن جريانه هنا موقوف على جريان الاستصحاب في الاحكام الالهية، وقد قلنا بعدم جريانه فيها حتى في الشبهات الموضوعية، لابتلائه باصالة عدم الجعل دائما، ولم يحتمل في حقه البداء حتى يتوهم انه جعل في زمان وبدا له الخطأ العياذ بالله ونسخه في زمان آخر، بل لو كان مجعولا فهو مجعول مطلق والا فلا. وعلى هذا فلا يجري استصحاب الملكية في المقام، لانا نشك في أن الملكية هل جعلت بعد الفسخ أم لا، فنلتزم بعدم كونها مجعولة بعد الفسخ كما هو واضح لا سترة فيه، وكلما نتأمل في عدم جريان الاستصحاب في الاحكام يزداد لنا وضوحا. وعلى مسلكنا هذا فينحصر الجواب عن هذا الاشكال بما حققناه في محله من أصالة العدم الازلي، وتوضيح ذلك:

[ 65 ]

انا إذا شككنا في العقد الذي وقع في الخارج انه من القسم الجائز أو من القسم اللازم، فنقول ان الاصل عدم كونه هبة مثلا ليكون للواهب حق الرجوع، ولا يعارض هذا الاصل باصالة عدم كونه من البيع أو الصلح ايضا، وذلك لان الاثر أي اللزوم انما ترتب على عدم كون العقد هبة لا على احراز العناوين الوجودية من الصلح والبيع، فباصالة عدم كونه هبة ينقح موضوع وجوب الوفاء بالعقد فيكون شاملا عليه ايضا. وبعبارة اخرى ان مقتضى اوفوا بالعقود (1) هو لزوم جميع العقود، والخارج عنه ليس الا عناوين وجودية، وإذا نفينا العنوان الوجودي القائم بالعقد الجائز عن الفرد المردد بين كونه من الجائز أو من اللازم باصل العدم الازلي وقلنا انه ليس بهبة مثلا، يثبت موضوع وجوب الوفاء بالعقد، فنحكم له باللزوم كما لا يخفى. وعلى الاجمال فعنوان العقدية تحقق بالوجدان وعدم كونه هبة يتحقق بالاصل، فيحصل موضوع وجوب الوفاء بالعقود في الخارج فيحكم بكون الفرد المشكوك من العقد بين الجواز واللزوم لازما، هذا من جملة ثمرات القول بالعدم الازلي. وإذا لم نقل بهذا الاصل، فلا اصل يتمسك به لاثبات اللزوم أو الجواز في الفرد المشكوك، وعليه فتكون العين بعد رجوع المالك الاول مرددا بين كونها للمالك الاول على تقدير الهبة وبين كونها للمشتري على تقدير البيع، ولابد في بيان حكم تلك العين في مرحلة الترافع أو في غير مقام الترافع، كما إذا مات المالك للعين بعد نقله الى شخص آخر وشك في أن ما أوجده بيع أو هبة وفسخت الورثة، فان كان بيعا فيطالب الورثة العين


1 - المائدة: 1.

[ 66 ]

ممن انتقل إليه الثمن والا فنطالب نفس العين، وهكذا لو نسيا المتبايعان عنوان العقد من الرجوع الى الصلح أو القرعة، والا فلا اصل هنا حتى يبين حالها. الاصل لا يفيد في تعيين العقد بأنه جائز أو لازم قوله (رحمه الله): بل يرجع في اثر كل عقد الى ما يقتضيه الاصل بالنسبة إليه. أقول: جميع ما ذكرناه انما يفيد في اثبات صفة اللزوم، وأما تعيين العقد بأنه جائز أو لازم حتى يترتب عليه جميع آثار العقد اللازم فلا، وعليه فلابد وأن يرجع في أثر كل عقد الى ما تقتضيه الاصل بالنسبة إليه، الا انه فيما لم تلزم مخالفة عملية من اجراء الاصلين مع اجراء أصالة اللزوم، وان كان كلام المصنف مطلقا من هذه الجهة، حيث حكم بالبراءة تارة وبالضمان اخرى، ولم يتعرض لصورة لزوم المخالفة القطعية، ولكن لابد في فرض لزوم المخالفة القطعية من اجراء قواعد العلم الاجمالي. مثلا إذا شككنا في كون العقد هبة أو بيعا ولم يتصرف من انتقل إليه العين فيها وترجع مالك العين وفسخ العقد، فانه ان كان العقد هبة تنفسخ بالفسخ وترجع العين الى مالكها الاول، وان كان بيعا لا يؤثر الفسخ، وحينئذ لا يمكن الرجوع في ضمان المشتري لو كان المحقق بيعا وضمان الموهوب له على تقدير كون المحقق هبة أن يرجع الى البراءة كما هو ظاهر كلام المصنف، بل بحصل العلم الاجمالي بأنه اما ان المالك الاول مستحق للعين على تقدير كون العقد هبة أو مستحق للثمن على تقدير كونه عقدا، فلابد حينئذ من اجراء قواعد العلم الاجمالي، والا فيلزم من اجراء الاصل مخالفة قطعية.

[ 67 ]

أقسام الخيارات 1 - خيار المجلس قوله (رحمه الله): الاول: في خيار المجلس. أقول: ذكر المصنف ان الخيارات كثيرة، وقد أنهاها بعضهم الى السبعة وبعضهم الى ازيد من ذلك، بل المذكور في اللمعة أربعة عشرة مع عدم ذكر بعضها (1)، ولكن المناسب جعلها سبعة، لان البقية تندرج في خيار الشرط. يقع الكلام فعلا في خيار المجلس، واضافته الى المجلس من جهة الغلبة كما ذكره المصنف، لعدم اختصاص ثبوته بالمجلس، بل يثبت في حال قيام المتعاملين ايضا، بل لا يختص بالمكان الذي وقع فيه البيع كما ذكره المصنف، بل يثبت هذا الخيار في حال مشيهم ايضا، كما إذا تعاملا في مكان ثم مشيا ولكن لم يفترقا حال المشئ، فانه حينئذ ايضا يثبت الخيار. وبعبارة اخرى ان غاية هذا الخيار هو الافتراق، فما لم يتحقق في الخارج فلا وجه لسقوطه، ولو سمي هذا الخيار بخيار الاجتماع كان حسنا موافقا للاخبار، ولا شبهة ولا خلاف في ثبوت هذا الخيار للمتبايعين بين الامامية والنصوص به مستفيضة، ففي بعضها: البيعان


1 - خيار المجلس، خيار الحيوان، خيار الشرط، خيار التأخير، خيار ما يفسد ليومه، خيار الرؤية، خيار الغبن، خيار العيب، خيار التدليس، خيار الاشتراط، خيار الشركة، خيار تعذر التسليم، خيار تبعض الصفقة، خيار التفليس.

[ 68 ]

بالخيار ما لم يفترقا (1)، وفي بعضها: التاجر بالخيار (2). وأما الموثق الحاكي لقول امام (عليه السلام): إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب (3)، فذكر المصنف انه اما مطروح وان كان موثقا، لكونه منافيا للضرورة والاخبار المستفيضة، أو يحمل على التقية أو يؤول، ولكن الظاهر انه لا يحتاج الى التأويل ولا على الطرح أو الحمل على التقية، بل هو وارد على طبق القاعدة، وذلك لان التصفيق هو ضرب احدى اليدين على الاخر وهو كناية عن اللزوم وبهذا فسر في اللغة، وعلى هذا فقوله (عليه السلام): إذا صفق الرجل على البيع كناية عن الزام البيع باسقاط الخيار، ومن الواضح ان لزوم البيع باسقاط خيار المجلس موافق القاعدة فلا نحتاج الى طرح الموثقة أو تأويلها. المسألة (1) ثبوته لغير المالكين الاصيلين قوله (رحمه الله): مسألة: لا اشكال في ثبوته للمتبايعين إذا كانا أصيلين. أقول: لا شبهة في ثبوته للمتبايعين وللموكلين في الجملة، وانما الكلام في ثبوته لهم على وجه الاطلاق.


1 - عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أيما رجل اشترى من رجل بيعا فهما بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع - الحديث (الكافي 5: 170، الفقيه 3: 126، التهذيب 7: 20، الاستبصار 3: 72، عنهم الوسائل 18: 6)، صحيحة. 2 - عن الحسين بن عمر بن يزيد عن ابيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا التاجران صدقا بورك لهما، فإذا كذبا وخانا لم يبارك لهما، وهما بالخيار ما لم يفترقا، فإذا اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا (التهذيب 7: 26، الكافي 5: 174، الخصال: 45، عنهم الوسائل 18: 7)، صحيحة. 3 - التهذيب 7: 20، الاستبصار 3: 73، عنهما الوسائل 18: 7، موثقة.

[ 69 ]

1 - ثبوته للوكيل يقع الكلام أولا في ثبوته للوكيل، وتفصيل الكلام فيه: ان الوكيل على ثلاثة أقسام: 1 - أن يكون وكيلا في اجراء الصيغة فقط من غير أن يكون له حق التصرف في جهة من جهات العوضين، كما هو المرسوم في اجراء عقد النكاح واجراء صيغة البيوع الخطيرة كثيرا، حيث يوكلون أحدا في اجراء الصيغة، بحيث ليس له شأن من ذلك المعاملة الا أن يكون كلسان الوكيل فقط، ولا يكون وكيلا في ازيد من مجرد كونه آلة لاجراء العقد فقط، كما هو واضح. 2 - أن يكون وكيلا مفوضا في أمر البيع الى أن يتم وتتحقق المعاملة في الخارج، ولا يكون وكيلا بعد ذلك بل ينتهي امد وكالته بعد تمامية البيع ووجوده في صفحة الوجود كأكثر الدلالين. 3 - أن يكون وكيلا مفوضا حتى بعد تمامية البيع، بأن كان له التصرف في العوضين وكان مسلطا على قلبه وانقلابه بانحاء التصرفات والتقلبات من البيع ثانيا، أو الايجار أو غيرهما من التصرفات الخارجية والاعتبارية، وهذا كعامل المضاربة، فانه وكيل مفوض على وجه الاطلاق بعد البيع وقبله، وبعبارة اخرى أن يكون وكيلا في التجاره بأي نحو كان. ما يستدل به على ثبوته للوكيل في اجراء الصيغة أما القسم الاول فظاهر الحدائق (1) ثبوته للوكيلين في اجراء الصيغة، بل


1 - الحدائق 19: 4.

[ 70 ]

يظهر منه تعميم الحكم لصورة منع الموكل بزعم ان الخيار حق ثبت للعاقد بمجرد اجرائه العقد فلا يبطل بمنع المالك، ولكن المشهور عدم ثبوت الخيار له، فاختاره المصنف واستدل عليه بوجوه: 1 - ان أدلة الخيار منصرفة عن الوكيل في اجراء الصيغة، لان المتبادر من النص غيره. وفيه نمنع الانصراف، إذ لا نجد منشأ لذلك، فان منشأه ان كان هو المادة فلا شبهة انها صادقة عليه ايضا، لما عرفت في أول البيع ان البيع هو مبادلة مال بمال، فلا شبهة في صدق هذا المفهوم عليه، إذ لم يقيد هذا بكون المال للبايع بحيث يكون التبديل بين ماله ومال شخص آخر، ضرورة عدم اعتباره في مفهوم البيع بوجه اصلا، ولذا لم يستشكل أحد في صحة بيع الولي مال المولي عليه مع أن المال ليس للبايع، وكذلك في صحة بيع الوقف وبيع ثمرته، وكذلك في صحة بيع الوكيل المفوض مع أن المال في تلك الموارد ليس للبايع، ومن الضروري انه لا يشك أحد في صدق البايع على الاشخاص المتصدين للبيوع المذكورة. وعلى الاجمال لا وجه لدعوى انصراف مادة البيع الى غير الوكيل في اجراء الصيغة. وان كان منشأ الانصراف دعوى انصراف هيئة البيع الذي هو الفعل عن الوكيل في اجراء الصيغة، ففيه ان الهيئة لا تدل على ازيد من انتساب المادة الى ذاتها، وأما دلالتها على خصوصية اخرى فلا، كما لا يخفى. 2 - ان حكمة ثبوت خيار المجلس هو ارفاق المالك لكي يتروي ويلاحظ صلاحه حتى يختار ما هو الاصلح لحاله أهو الفسخ أم الامضاء، ومن البديهي ان هذه الحكمة غير جارية في الوكيل المذكور، والحكمة وان لم تكن مطردة ولكن نعلم بأن جعل هذا الخيار شرعا ليس لمن له اختيار البيع بلا موجب.

[ 71 ]

وفيه انها لا تزيد عن العلة المستنبطة، وقد حقق في محله انها ليست بحجة، وانما هي من القيام الذي يحرم العمل به، نعم لو كانت علة منصوصة لزم العمل بها قطعا فلا تكون مانعه عن شمول الاطلاقات للوكيل في اجراء الصيغة ايضا، على أنها غير جارية في جميع الموارد، كما إذا كان ابقاء البيع اصلح لهم، بأن باع ما يحاذي بدينار بخمسين دينارا مع علم المشتري بالغبن، فانه لا شبهة ان ابقاء البيع على حاله وعدم فسخه أصلح لحال البايع من الفسخ، ومع ذلك فله خيار المجلس. وعلى الجملة فلا وجه لرفع اليد عن المطلقات وعن شمولها للوكيل المذكور بمثل هذه الحكمة العلية، نعم لهذه الحكمة وجه فيما كان دليل الخيار هو قاعدة نفي الضرر ونحوها، كما إذا فرضنا ان دليل خيار الغبن هو دليل نفي الضرر فانها تقتضي ثبوته للمالك فقط لا لمجري الصيغة. 3 - ان بعض أدلة خيار المجلس قد تقارن بخيار الحيوان وكونه مجعولا للبايع (1)، ومن الواضح ان خيار الحيوان مجعول للمالك، فاتحاد السياق يقتضي أن يكون خيار المجلس ايضا كذلك، وليس هذا من باب حمل المطلقات الواردة في جعل خيار المجلس بلا تقارن بجعل خيار الحيوان على المقيد، حتى يقال انه لا يجري في الاحكام الانحلالية، كقوله اكرم العلماء واكرم زيد العالم لعدم التنافي، بل من جهة عدم الاطلاق للاخبار المطلقة، لان الموضوع فيها من كان له خيار الحيوان اعني المالك.


1 - عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما، قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري - الحديث (الكافي 5: 170، الخصال: 127، التهذيب 7: 20، الاستبصار 3: 72، عنهم الوسائل 18: 11)، صحيحة.

[ 72 ]

وبعبارة اخرى نستكشف من تقارن خيار المجلس بخيار الحيوان ان موضوع خيار المجلس من كان له خيار الحيوان، فأي ربط لذلك بحمل المطلق على المقيد. وفيه ان هذا من العجائب، فانه لا ربط لخيار الحيوان بخيار المجلس أصلا، فان الموضوع في خيار الحيوان هو عنوان المالك، لقوله (عليه السلام): وصاحب الحيوان بالخيار الى ثلاثة أيام (1)، وموضوع خيار المجلس هو عنوان البيع، وأي ربط لاحدهما بالاخر، ومجرد ذكرهما في رواية واحده لا يقتضي اتحاد الموضوع. فهل يتوهم أحد انه لو ذكر في رواية ان خيار الحيوان ثابت لابن البايع أو أخيه، وقد ذكر فيها ايضا البيعان بالخيار، فهل يتوهم ان موضوع خيار المجلس ايضا هو ابن البايع باتحاد السياق. ومن هنا ظهر الجواب من قوله (رحمه الله): مضافا الى أدلة سائر الخيارات، فان القول بثبوتها لموقع الصيغة لا ينبغي من الفقيه. فتحصل انه لا يمكن رفع اليد عن الاطلاقات بمثل هذه الوجوه. 4 - ما هو العمدة، وحاصله ان المستفاد من أدلة هذا الخيار انه حق وسلطنة انما ثبت لكل من المتعاقدين على ما انتقل الى الاخر، بأن يرجعه الى ملكه ويتملكه جديدا بالفسخ بعد الفراغ عن تسلطه على ما انتقل إليه بأن يتصرف فيه كيف يشاء، ومن الواضح ان الوكيل في اجراء العقد ليس له التسلط على التصرف فيما انتقل الى البايع أو المشتري فليس له التسلط على ما انتقل من أحدهما الى الاخر بأن يرجعه بالفسخ،


1 - عن الحسن بن على بن فضال قال: سمعت أبا الحسن على بن موسى الرضا (عليهما السلام) يقول: صاحب الحيوان المشتري بالخيار بثلاثة أيام (التهذيب 7: 67، عنه الوسائل 18: 10)، موثقة.

[ 73 ]

ومن هنا لا يثبت بادلة خيار المجلس هذا التسلط لو لم يكن مفروغا عنه في الخارج، فانه لا يمكن التمسك باطلاق قولهم (عليهم السلام): البيعان بالخيار ما لم يفترقا، لاثبات التسلط على ارجاع العين من الشخص الاخر بالفسخ. ألا ترى انه لو شك المشتري في كون المبيع ممن ينعتق عليه لقرابة فلا يجوز أن يتمسك بادله خيار المجلس لاثبات السلطنة، وكذلك لو نذر أن يعتقه أو يصرف المبيع في محل خاص فليس له أن يتمسك لرفع الوجوب وجواز الرجوع بادلة الخيار. وفيه ان هذا الوجه بظاهره لا يترقب صدوره من المصنف، لكونه منافيا لمبناه، فانه التزم بكون مورد الخيار هو العقد دون العين، بمعنى ان معنى الخيار هو فسخ العقد لا استرداد العين ابتداءا، نعم لازم فسخ العقد هو استرجاع العين كما هو واضح. وأما ما ذكره من الامثلة فاجنبي عن المقام، أما ما ذكره من النذر فان مقتضى الاطلاقات هو ثبوت الخيار حتى فيما كان المبيع منذورا لان يصرف في مورد خاص، غاية الامر ان اعمال الخيار وارجاع العين الموجب لانهدام العمل بالنذر فعل محرم، فيكون مخالفة لحكم تكليفي، وأما عدم ثبوت الخيار هنا وعدم جواز التمسك بالمطلقات فيه فخال عن الوجه. وأما ما ذكره من مسألة كون المبيع ممن ينعتق عليه، فايضا لا محذور في ثبوت الخيار هنا، غاية الامر لا يرد العبد الى البايع لعدم جواز صيرورة الحر عبدا بل يرد بدله إليه. وعلى الجملة فمثل هذه الامثلة لا تكون مانعة عن التمسك باطلاق أدلة خيار المجلس كما هو واضح.

[ 74 ]

بيان آخر لما يستدل به على ثبوته للوكيل في اجراء الصيغة وحاصل الكلام انه استدل المصنف على عدم ثبوت خيار المجلس للوكيل في اجراء الصيغه بوجوه قد عرفتها مع جوابها، وعمدتها وجهان: الف - ما أشار إليه بقوله: مضافا الى ملاحظة بعض اخبار هذا الخيار المقرون فيه بينه وبين خيار الحيوان الذي لا يرضي الفقيه بالتزام ثبوته للوكيل في اجراء الصيغة. أقول: حاصل كلامه ان بعض اخبار خيار المجلس قد تقارن بخيار الحيوان، كقوله (عليه السلام) في الصحيحة في جواب السائل ما الشرط في الحيوان قال: ثلاثة أيام، وقال: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال (عليه السلام): البيعان بالخيار ما لم يفترقا (1). وهذه الرواية وان كانت مطلقة وغير مقيدة بكون من له الخيار في بيع الحيوان هو صاحب الحيوان فقط، كما ان ثبوت خيار المجلس للبيع ايضا مطلق من غير أن يكون مقيدا بثبوته للمالك أو الموكل أو لهما، ولكن ورد في رواية اخرى ايضا معتبرة: ان صاحب الحيوان بالخيار الى ثلاثة أيام (2)، حيث ثبت الحكم لخصوص صاحب الحيوان فقط،


1 - عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما، قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري - الحديث (الكافي 5: 170، الخصال: 127، التهذيب 7: 20، الاستبصار 3: 72، عنهم الوسائل 18: 11)، صحيحة. 2 - عن الحسن بن على بن فضال قال: سمعت أبا الحسن على بن موسى الرضا (عليهما السلام) يقول: صاحب الحيوان المشتري بالخيار بثلاثة أيام (التهذيب 7: 67، عنه الوسائل 18: 10)، موثقة.

[ 75 ]

وبحسب القواعد وان لم يكن بينهما تناف وتعاند ليلزم منه حمل المطلق على المقيد لكون كل منهما مثبتين، ولكن نعلم من الخارج علما جزميا ان موضوع الحكم في كلتا الروايتين هو شئ واحد، وان قوله (عليه السلام): صاحب الحيوان بالخيار الى ثلاثة أيام، في مقام التحديد. فبمقتضى هذه المقدمة الخارجية نحمل المطلق على المقيد ونلتزم بثبوته لخصوص المالك، وان كانت الرواية المطلقة مع قطع النظر عن الرواية المقيدة تقتضي ثبوت خيار الحيوان لمطلق البايع وان كان غير المالك، وعلى هذا فاتحاد السياق يقتضي ان لا يثبت خيار المجلس ايضا لغير المالك. وفيه ان اختصاص خيار الحيوان لصاحب الحيوان لا يقتضي اختصاص خيار المجلس به. والوجه فيه: ان البيعان أو المتبايعان وان استعملا في خياري المجلس والحيوان في معنى واحد ولم يختلف المستعمل فيه فيهما ولم يرد منهما المالك، بل عنوان المتبايعان بحيث لو كنا وهاتان العبارتان لقلنا بثبوت كلا الخيارين لعنوان البيع والمتبايع، ولكن اختلفت الارادة الجدية بالنسبة الى خيار المجلس وخيار الحيوان، حيث اريد من البيعان والمتبايعان المذكورين في أدلة خيار المجلس عنوان البيع والمتبايع الشامل للوكيل والموكل معا، واريد منهما في خيار الحيوان المالك وصاحب الحيوان من غير تخلف في الارادة الاستعمالية. والدليل على هذا التقييد هو القرينة الخارجية، حيث علم من الخارج ان قوله (عليه السلام): صاحب الحيوان بالخيار، وارد مورد التحديد، وان الموضوع في قوله (عليه السلام): ان البيعان بالخيار في الحيوان الى ثلاثة أيام، والشرط فيه هذا هو الموضوع في قوله: صاحب الحيوان بالخيار، فقهرا يقيد الحكم بتقيد الموضوع.

[ 76 ]

ومن الواضح انه لا بعد في اختلاف الارادة الجدية بالنسبة الى حكمين الثابتين بعبارة واحدة وباستعمال واحدة، أي بأن يكون الاستعمال في أحدهما على نسق الاستعمال في الاخر. ونظير ذلك ما إذا قال: الخمر حرام ونجس، ويحرم بيعها وامساكها وجميع التقلب فيها، ثم ثبت التقييد في أحدهما وقال: يجوز بيعها من الكافر، فهل فيه محذور عقلا أو شرعا أو عرفا، وكذلك في جميع المقامات. والسر في ذلك ما قلنا، من جواز اختلاف الارادة الجدية في الحكمين الثابتين على موضوع واحد بحيث يكون في أحدهما مطلقا وفي الاخر مقيدا ويكون الموضوع ايضا مطلقا ومقيدا ويتعدد الموضوع بذلك الاختلاف وان كانت الارادة الاستعمالية متحدة في كليهما، وذلك لان التقييد انما يثبت من الخارج. وعلى الاجمال ثبوت خيار الحيوان لصاحبه لا يدل على ثبوت خيار المجلس للمالك، فان قرينة الاختصاص موجودة في الاول دون الثاني، ومن هنا ظهر ان خيار الحيوان مختص بالصاحب الحيوان ولم يثبت للمتابعين مع أن خيار المجلس ثابت لهما. وان قلنا بعدم ثبوته للوكيلين في اجراء الصيغة مع اتحاد السياق يقتضي اختصاص خيار المجلس ايضا بواحد منهما، على أنه لو كان مقتضى السياق اختصاص خيار المجلس بمن له خيار الحيوان لزم له الالتزام بعدم ثبوت خيار المجلس للوكيل المفوض ايضا، مع أنه لم يستشكل أحد حتى هو (رحمه الله) كما سيأتي. ب - أما الوجه الثاني، فحاصله ان خيار المجلس انما ثبت للمتبايعين بعد الفراغ عن جواز تصرف كل منهما فيما انتقل الى نفسه وقد اثبتت أدلة الخيار المجلس لمن له هذا الشأن، ومن الواضح ان الوكيل في اجراء

[ 77 ]

الصيغة ليس له ذلك ولا يجوز له التصرف في شئ من العوضين من قبل الموكل. ومن هنا لو شك البايع ان المبيع هل هو ممن ينعتق عليه أو يجب صرفه في نفقة من يجب انفاقه أو يجب عتقه لنذر ونحوه، لا يجوز أن يتمسك بأدلة الخيار فيحكم بعدم الوجوب، لان الحكم لا يثبت الموضوع لنفسه. وقد عرفت انها تثبت الخيار في فرض تمكن ذي الخيار من التصرف في المال الذي انتقل الى ذي الخيار، وهذا المعنى موضوع للخيار ومشكوك فيه، فلا يمكن اثبات الموضوع بذلك. ويرد على ما ذكره أصلا وفرعا: أما الاصل، مضافا الى أن ما ذكره خلاف ظواهر الادلة، انه مخالف لمسلكه، فانه ذكر في مواضع متعددة من كتابه ان الخيار انما يتعلق بالعقد دون العين الخارجي، ولذا لا يدور الخيار وجودا وعدما مدار بقاء العين وعدمه، بل يجوز اعماله لذي الخيار حتى مع تلف العين، وقد تقدم منه (رحمه الله) في بعض تنبيهات المعاطاة ان الجواز الثابت فيها غير الجواز الثابت في غيرها بالخيار، فان متعلق الجواز في المعاطاة هو العين فلكل من المتبايعين رد العين ولذا سقط مع التصرف كما قيل، ولكن جواز الفسخ في العقد الخياري متعلق بالعقد ولذا يبقى مع التلف ايضا. وايضا ذكر في تعريف الخيار انه ملك فسخ العقد، وقد كرر ذكر ذلك في خلال كلماته كثيرا، فلا وجه لجعل متعلق الخيار هو العوضين. وأما الفرع الذي رتبه على الاصل المذكور، فقد ظهر جوابه مما ذكرناه، فان متعلق الخيار هو العقد فهو لا يرتبط بحكم آخر ثابت للعين المبيعة، ولا مساس لاحدهما بالاخر اصلا، فله أي لذي الخيار أن يفسخ العقد في الموارد المذكورة وبعده يتبع في كل مورد حكمه على

[ 78 ]

ما تقتضيه القواعد الشرعية، فان كان فيه ما يرفع التكليف المشكوك فبها والا فلابد من الامتثال. مثلا لو اشترى عبدا وشك في قرابته وانه هل ممن ينعتق على البايع أم لا فيجوز أن يتمسك باصالة عدم النسبة بينه وبين العبد ويرده الى مالكه الاول بعد فسخ العقد، وان علم بكونه ممن ينعتق عليه فحينئذ ينعتق بمجرد البيع وبما عرفت ان الفسخ لا يتوقف على بقاء العين، ولما عرفت أن الخيار متعلق بالعين فيجوز له الفسخ ويعطي بدل العبد على مالكه، وأما إذا كان المبيع ممن يجب عتقه لنذر فإذا لم يعتقه فعل حراما فهو لا يزاحم ولا يعارض بادلة الخيار، لعدم تعلقه بالعين حتى يصح التمانع بينهما، وهكذا إذا كان المبيع مما يجب صرفه في نفقة من يجب انفاقه عليه. فان في شئ من المذكورات لا يلزم ما ذكره المصنف، فجواز التصرف في المبيع ليس موضوعا لادلة الخيار اصلا، ولا له مساس باصل الخيار بوجه، نعم لو كان الخيار متعلقا بالعين لكان لهذا البحث مجال واسع. سائر ما يستدل به على ثبوته للوكيل في اجراء الصيغة 5 - وقد ذكر شيخنا الاستاذ هنا وجها آخر وجعله محتمل كلام المصنف، وحاصله ان موضوع خيار المجلس هو الذي يكون مالكا لالتزام نفسه بحيث له أن يبقيه وله أن يرفعه بالاقالة إذا رضي الطرف الاخر بذلك، وبعد الفراغ عن سلطنة كل من المتبايعين على ذلك يثبت له الخيار وجواز الفسخ، فجواز الفسخ لهما متوقف على امكان الاقالة لهما، وحيث ان الوكيل في اجراء الصيغة ليس له ذلك، فانه لا يقدر على حل العقد بالاقالة، فلا يثبت جواز الفسخ بخيار المجلس ايضا.

[ 79 ]

وفيه أولا: النقض بالنكاح، حيث ان الخيار لاجل العيوب المعلومة ثابت فيه ولكن لا تجوز الاقالة للزوجين، فلا وجه لجعل ثبوت الخيار متوفقا على جواز الاقالة. وثانيا: بالحل، بأن يقال ان كان نظره الى توقف الفسخ بالاقاله حقيقة وانه لا يؤثر الفسخ في مورد لا اقالة فيه، ففيه ان العقد شئ واحد وانما حصل بالالتزامين من الطرفين، نظير الحبلين المشدود أحدهما بالاخر فانه صار حبلا واحدا، وهذا الشئ الواحد وان كان في حصوله متوقفا على التزامين من شخصين ولكن في مقام الانحلال ينحل بانحلال من الطرفين كما في الاقالة ومن طرف واحد كما في الفسخ، وقد عرفت سابقا ان امضاء أحدهما العقد لا يستلزم الامضاء والالتزام من الطرف الاخر، ولكن الفسخ من طرف يستلزم الفسخ من الطرفين، لانه لا يبقى مجالا للوفاء. والوجه فيه ان الفسخ هو الحل، ويعبر في لغة الفرس بكلمة: وا كردن وباز نمودن، وهذا المعنى شئ واحد ومعنى بسيط لا يعقل أن يحصل من طرف ولم يحصل من طرف آخر، بل إذا تحقق الحل تحقق من الطرفين. وبالجملة العقد هو الالتزام من الطرفين، نظير البيعة وضم احدى اليدين بالاخرى، وهذا لا يتحقق حصولا الا من الطرفين، ولكن انحلاله لا يتوقف عليهما بل يحصل بحل واحد، وقد يكون ذلك هو الاقالة أي المراضاة بالحل من الطرفين، وقد يكون الفسخ، ولا يعقل تحقق من طرف وتوقفه على أن يتحقق من الاخر، وليس الفسخ في طول الاقالة ولا متوقفا عليها ولا ان بينهما تلازم. بل قد يتحقق أحدها بدون الاخر وقد يجتمعان، ففي النكاح يتحقق الفسخ دون الاقالة وبعد سقوط جميع الخيارات في العقود اللازمة

[ 80 ]

يتحقق الاقالة دون الفسخ، وفي البيوع الخيارية يمكن الفسخ بكل من الاقالة والفسخ، فلا معنى لهذا الوجه ايضا. وان كان نظره الانصراف وان أدلة الخيار منصرفه الى هذا القسم فلا تثبت الخيار لغير ذلك فله وجه، ولكن عرفت جوابه، من أنه لا منشأ للانصراف ايضا. 6 - وذكر بعض مشايخنا المحققين من أن الوكيل في اجراء الصيغة فقط نادر في باب المعاملات جدا، لانه لا يكون الا في غير العربي مع لحاظ صدور البيع عن صيغة لا عن التعاطي لترتيب آثار البيع بالصيغة، وعلى هذا ينصرف دليل الخيار الى غير الوكيل في اجراء الصيغة لكون ذلك للغير غالبا من حيث الوجود. وفيه أولا: ان غلبه الوجود لا توجب الانصراف، وقد اعترف هو بذلك مرارا عديدة في كلماته السابقة. وثانيا: ان الوكيل في اجراء الصيغة وان كان قليلا بالنسبة الى غيره، ولكنه كثير في نفسه، كما هو المتعارف في النكاح، فان المتعارف فيه كون العاقد غير الزوجين، وفي البيع ان التوكيل في اجراء الصيغة خصوصا في البيوع الخطيرة كثير جدا. فتحصل ان عمدة الوجه لعدم ثبوت الخيار للوكيل في اجراء الصيغة هو ما ذكره المصنف (رحمه الله)، من كونه موقوفا على جواز تصرف كل من المتبايعين فيما انتقل إليه، وما ذكره شيخنا الاستاذ من توقف الفسخ على الاقالة. وقد عرفت ان ما أفاده المصنف لا دليل عليه في نفسه وانه مخالف لمذهبه، وما أفاده الاستاذ مضافا الى عدم الدليل عليه وبطلانه في نفسه والجواب الحلي عنه انه منقوض بباب النكاح، فانه ثبت الخيار فيه ولم يتوقف على الاقالة لعدم جريانها في النكاح.

[ 81 ]

7 - ثم ان لشيخنا الاستاذ وجه آخر في المقام، وحاصله: ان أدلة الخيار انما اثبتت سلطنة على الفسخ لمن هو مأمور بالوفاء بالعقد، ومن الواضح ان الوكيل في اجراء الصيغة لم يشمله دليل الوفاء بالعقد. وبعبارة اخرى ان أدلة الخيار انما هي مخصصة لقوله تعالى: اوفوا بالعقود (1)، وحيث ان الاية لم تشمل الوكيل في اجراء الصيغة ولم يكن هو مامورا بالوفاء بالعقد، فيكون دليل التخصص ايضا غير شامل له. وفيه ان هذا الوجه لا بأس به، بناء على ما ذكره المصنف (رحمه الله) في معنى الوفاء، حيث جعل الامر ظاهرا في الوجوب التكليفي الذي يدل على اللزوم بالدلالة الالتزامية، فان لقائل أن يقول: ان وجوب الوفاء انما هو حكم ثابت على ذمة الملاك أو من يقوم مقامهم، وأما الوكيل في مجرد اجراء الصيغة فليس مأمورا بذلك، فانه من الاول لم يجز له التصرف في المبيع ولا في الثمن، وكذلك في حال العقد وبعده، فلا معنى لان يقال: يحرم عليك التصرف في العوضين، ليكون هذا الحكم شاملا لما بعد الفسخ ايضا حتى يتمسك به لاثبات اللزوم. وأما بناء على ما ذكرناه، من دلاله الاية على اللزوم بالمطابقة وكونها ارشادا الى لزوم العقود من غير أن تدل على حكم التكليفي، فلا مانع من شمولها على الوكيل في اجراء الصيغة ايضا، فانه ليس له فسخ العقد بعد ايجاده كما لا يخفى، لما عرفت ان الاية ناظرة الى أن كل من أوجد عقدا يجب عليه الوفاء به، ومن جملة الموجدين للعقد هو الوكيل في اجراء الصيغة كما هو واضح، فهذا الوجه ايضا لا يتم.


1 - المائدة: 1.

[ 82 ]

التحقيق في المقام والتحقيق أن يقال: أولا: ان الوكيل في مجرد اجراء الصيغة وان صدق عليه البايع ولكن ما دل على ثبوت خيار المجلس انما هو ناظر الى ثبوته للبايع الذي كان البيع بيده وهو المالك أو من يقوم مقامه، وذلك لان احل الله البيع (1) انما هو ناظر الى امضاء البيع، فيكون دالا على حلية البيع الصحيح، وهو بيع المالك الموكل. ومن الواضح ان البيع من غير المالك أو من يقوم مقامه غير صحيح من حيث انتسابه الى المالك، لا من حيث صدوره من العاقد والوكيل في اجراء الصيغة ليس مالكا ولا قائما مقامه فيكون خارجا عن تحت الاية، لانه لم تمض البيع من حيث جهة الصدور ايضا، وهذا لا ينافي صدق البايع على الوكيل في اجراء الصيغة، وعليه فادلة خيار المجلس انما تثبت الخيار للبيع في البيع الصحيح، فلا تكون شاملة للوكيل في اجراء الصيغة. وثانيا: ان الوجوه المذكورة حتى الوجه الذي ذكرناه، وان لم تتم في نفسها ولا تكون دالة على عدم ثبوت الخيار للوكيل في اجراء الصيغة، ولكنها توجب عدم تمامية مقدمات التمسك باطلاق قولهم (عليهم السلام): البيعان بالخيار. وتوضيح ذلك: ان دليل خيار المجلس، من قوله (عليه السلام): المتبايعان بالخيار (2)، وقوله


1 - البقرة: 275. 2 - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا (التهذيب 7: 23، عنه الوسائل 18: 10)، صحيحة.

[ 83 ]

(عليه السلام): البيعان بالخيار (1)، انما يدل على ثبوت الخيار لمطلق البيع بالاطلاق دون العموم، فان ما يدل على السريان هنا هو المحلي باللام، ومن الواضح ان دلالته على السريان ليس بالوضع بل بمقدمات الحكمة، فالوجوه المذكورة توجب الشك في التمسك بالوضع بل وتمامية مقدماته. وعلى الاجمال لا نطمئن بشمول أدلة خيار المجلس للوكيل في اجراء الصيغة، فلا اقل من الشك، على أنه لو كان مجرد اجراء الصيغة موجبة لثبوت الخيار للمجري لها فكان ثابتا للفضولي ايضا بل أولى، مع أنه لم يقل به أحد. فتحصل أنه لا يكون للوكيل في اجراء الصيغة خيار المجلس. ثبوته للوكيل المفوض حتى بعد تمامية البيع وأما الوكيل المفوض، فلا شبهة في ثبوت الخيار له، لكونه بيعا حقيقة وان أمر البيع بيده، نظير الاولياء للاطفال والمجانين وغيرهما كما لا يخفى، وهذا كعامل القراض ونحوه. ثبوته للوكيل المفوض في الشراء فقط أو في البيع فقط وأما الوكيل المفوض في الشراء فقط أو في البيع فقط، من غير أن يكون وكيلا مفوضا في مطلق التصرف، ولا أن تكون وكالته منحصرة في اجراء العقد فقط، بل واسطة بين الشقين.


1 - عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (الكافي 5: 170، الخصال: 127، التهذيب 7: 20، الاستبصار 3: 72، عنهم الوسائل 18: 6)، صحيحة.

[ 84 ]

فذكر المصنف (رحمه الله) ان خيار المجلس لا يثبت لهذا القسم من الوكيل ايضا، لانا ذكرنا ان الميزان في ثبوت الخيار هو كون ذي الخيار متمكنا من التصرف فيما انتقل إليه قبل ثبوت حق الفسخ له، ومن الواضح ان الوكيل في أمر البيع فقط أو أمر الشراء فقط ليس متمكنا من التصرف فيما انتقل الى البايع المالك أو المشتري المالك، لتمامية أمد وكالته بعد البيع والشراء، فيكون خارجا عن موضوع خيار المجلس. وتبعه شيخنا الاستاذ على الوجه الذي تقدم بيانه في القسم الاول من الوكالة، ولكن عرفت عدم تماميتها بوجه. وأما بقية الوجوه لا تجري هنا، حتى ما ذكرناه من الوجهين، لكونه أي هذا القسم من الوكيل بيعا حقيقة، فلا وجه لدعوى الانصراف أو غيره من الوجوه. والظاهر هو ثبوت الخيار لمثل هذا الوكيل، لان أمد وكالته وان كان يتم بتمامية البيع أو الشراء، ولكن ثبوت الخيار للمتبايعين لا يدور مدار عنوان الوكالة بقاء، بل المناط في تحقق الخيار هو صدق البيع، ومن الواضح ان الوكيل المفوض في البيع أو الشراء بيع وان خلص أمد وكالته بعد البيع أو الشراء، فنتمسك باطلاق: البيعان بالخيار، فنحكم بثبوت الخيار له وان منعه المالك عن الفسخ، فكونه وكيلا مفوضا عند البيع أو الشراء وصدق عنوان البيع عليه في تلك الحالة واسطة لثبوت الخيار له حتى بعد تمامية وكالته. 2 - ثبوته للفضولي وأما الفضوليين، فلا شبهة في ثبوت خيار المجلس لهما، لما عرفت انه انما ثبت لمن كان البيع مستندا إليه وكان أمر البيع بيده، وانه من لوازم البيع الصحيح، وقلنا ان بيع غير المالك ليس بصحيح، فان الممضى بقوله

[ 85 ]

تعالى: احل الله البيع (1) هو جهة انتساب البيع الى المالك لا من حيث صدوره من العاقد، ومن البديهي ان الفضولي اجنبي عن هذه المزايا وان صدق عليه عنوان البيع، بل هو مجرد آلة في انشاء البيع كالوكيل في اجراء الصيغة، وانه كلسان الموكل والاصيل، فلا وجه لثبوت الخيار للفضوليين ايضا. بيان آخر للمسألة الاولى: ثبوته لغير المالكين الاصيلين كان الكلام في ثبوت خيار المجلس للوكيل وعدم ثبوته له، وقلنا: انه لا يثبت للوكيل في اجراء العقد فقط لاحد الامرين المتقدمين. وأما الوكيل المفوض فلا شبهة في ثبوت الخيار له، فانه لا شبهة في صدق البيع عليه وان أمر البيع بيده، ولا يجري فيه شئ من الوجوه المانعة عن ثبوت خيار المجلس للوكيل في اجراء الصيغة، غير ما ذكره المصنف (رحمه الله)، من أن مقتضى اقتران خيار المجلس في بعض الروايات بخيار الحيوان (2) يقتضي عدم ثبوت خيار المجلس لغير المالك، كما هو الشأن في خيار الحيوان. فاتحاد السياق يقتضي أن يثبت خيار المجلس لمن ثبت له خيار الحيوان دون غيره وان كان وكيلا مفوضا، ولا يكون له خيار المجلس بما انه بايع، وأما ثبوته له بما انه وكيل مفوض من قبل المالك وان جميع


1 - البقرة: 275. 2 - عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما، قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري - الحديث (الكافي 5: 170، الخصال: 127، التهذيب 7: 20، الاستبصار 3: 72، عنهم الوسائل 18: 11)، صحيحة.

[ 86 ]

اموره في يده حتى أمر المعاملات من الفسخ والامضاء، فان ذلك من جهة كونه وكيلا مفوضا لا من جهة كونه بايعا. وعلى الجملة فلازم كلام المصنف من تخصيص موضوع خيار المجلس بمن له خيار الحيوان هو عدم ثبوته للوكيل المفوض ايضا بما انه من المتبايعين ومن البيع، لا بما هو وكيل من قبل البايع، ويفسخ البيع أو يمضه بأمر الموكل وتوكيله كما هو واضح. بعبارة اخرى هذا نقض على المصنف، حيث التزم بعدم ثبوت خيار المجلس للوكيل في اجراء الصيغة من جهة اختصاصه بمن له خيار الحيوان، ومع ذلك التزم بثبوته للوكيل المفوض مع أنه لم يثبت له خيار الحيوان. ولكن قد عرفت ان مجرد ذكر خيار الحيوان فيما ذكر فيه خيار المجلس لا يقتضي الاتحاد من جميع الجهات، وعلى الاجمال فلا شبهة في ثبوت هذا الخيار للوكيل المفوض بل هو كالولي، فان معنى الوكالة كما ذكروا تفويض الامر الى الوكيل وجعله مسلطا على ما وكل لاجله نظير السلطنة المجعولة للاولياء، غايته ان سلطنة الاولياء من قبل الله تعالى وسلطنة الوكلاء من قبل الموكلين، وليس الامر كذلك في الوكيل في اجراء الصيغة. وأما الوكيل في أمر البيع أو الشراء فقط، بحيث يكون وكيلا مفوضا في جهة خاصة فقط وينتهي امد وكالته بعد البيع، فهو واسطة بين الوكيلين المتقدمين، وهو من جهة يشبهه الوكيل في اجراء الصيغة ومن جهة يشبهه الوكيل المفوض اما من حيث انه شبيه بالوكيل المفوض من جهة كونه مستقلا في أمر البيع أو الشراء، ومن حيث انه شبيه بالوكيل في اجراء الصيغة هو تمامية امد الخيار بتمامية العقد، كما ان الوكيل في اجراء العقد كذلك.

[ 87 ]

وأما الوجوه التي ذكروها في عدم جريان الخيار للوكيل في اجراء الصيغة، فبعضها لا يجري في المقام، كدعوى انصراف البيع أو المتبايع عن هذا القسم من الوكيل فانه بيع حقيقة، وأما ما ذكروا من أن جعل الخيار أي خيار المجلس ارفاق للمالك فلا يجري في حق الوكيل، فهو جار في المقام. ولكن قد عرفت عدم تماميته، وهذا لا يجري في المفوض بالمعنى الاول، فانه لابد وأن يلاحظ مصلحة المالك. وكذلك يجري في المقام ما ذكره المصنف، من أن هذا الخيار انما جعل لمن يكون قادرا على الرد والوكيل المجري للصيغة وكذلك الوكيل في البيع والشراء ليس قادرا على رد العين وكذلك ما ذكره شيخنا الاستاذ من خيار المجلس مجعول لمن يكون قادرا على الاقالة فان من الواضح ان هذا الوكيل ايضا كالقسم الاول من الوكيل لا يقدر على الاقالة إذا رضي بها الطرف الاخر. ولكن قد عرفت أن هذا الوجه ايضا لم يتم في القسم الاول فكيف في المقام، وقد عرفت أن الوجه في عدم ثبوت هذا الخيار للوكيل في اجراء الصيغة فقط هو أحد الامرين المذكورين، وهما ايضا لا يجريان في المقام. واذن فلا مانع من ثبوت خيار المجلس هنا، لاطلاق قوله (عليه السلام): المتبايعان أو البيعان بالخيار ما لم يفترقا، لانه لا شبهة في صدق البيع عليه حدوثا، فيكون ذلك موضوعا لثبوت الخيار له حدوثا وبقاءا، وان منعه المالك عن اعمال الخيار كما ذكره صاحب الحدائق، إذ لم يقيد اطلاق الرواية بكون البيع هو المالك أو باقيا على وكالته لو كان هو غير المالك.

[ 88 ]

وعلى الجملة فكونه وكيلا عند البيع أو الشراء في أمرهما يوجب صدق البيع عليهما، وإذا صدق عليهما البيع في أن حدوث البيع يثبت الخيار مطلقا، سواء زالت الوكالة بعد ذلك التي كانت واسطة لثبوت الخيار له أم بقيت على حالها. وعلى هذا فليس للمصنف نفي الخيار عن مثل هذا الوكيل ايضا. 3 - ثبوته للموكل وأما ثبوته للموكل، فذكر المصنف: وعلى المختار فهل يثبت للموكلين فيه اشكال. والظاهر ان القول بثبوت خيار المجلس للموكل وعدمه لا يتوقف على القول بثبوته للوكيل اصلا، فلا نعرف وجها صحيحا لتعليق المصنف وقوع النزاع في ثبوت خيار المجلس للموكل أو عدمه بثبوته للوكيل وعدمه، بل كل منهما أمر مستقل وبحث خاص لا يرتبط بالاخر. وقد يتوهم ان أدلة الدالة على ثبوت خيار المجلس للمتبايعان أو للبيع منصرفة الى المالك العاقد، فإذا انتفى أحد الجزئين ينتفي موضوع الخيار، وايضا قيل: ان الموكل لو حلف على أن لا يبيع داره مثلا فباعها وكيلها لم يحنث، فلو كان يصدق عليه عنوان البايع لحصل الحنث. وفيه أما دعوى الانصراف فلا وجه له، لما ذكرنا ان البايع يصدق على الوكيل في اجراء العقد فكيف لا يصدق بالموكل، فلو كان الموكل حاضرا في مجلس العقد ووكل أحدا في اجراء العقد لبيع داره كما هو المتعارف في النكاح وفي المعاملات الخطيرة حقيقة، يصدق ان الموكل باع داره، فلا عناية فيه اصلا، ومن هنا ظهر ما عن بعض مشائخنا المحققين من استناد الانصراف الى غلبة الوجود.

[ 89 ]

وأما مسألة عدم الحنث إذا حلف الموكل ان لا يبيع داره فباع وكيله، فان كان قصد الموكل حين الحلف ان لا يبيع مباشرة، فلا شبهة في عدم حصول الحنث ببيع الوكيل قطعا، وان كان غرضه من ذلك ان لا يبيع على وجه الاطلاق اعم من بيع نفسه وبيع وكيله بأن لا يستند إليه البيع اصلا، فلا شبهة حينئذ في حصول الحنث بكل واحد من بيع وكيله وبيع نفسه، لاستناد البيع الى الموكل حقيقة وان كان المباشر له هو الوكيل. نعم لو حلف مطلقا على أن لا يبيع داره مثلا وكان غافلا عن توكيل شخص آخر في بيع داره أو ناسيا فلا يحنث ببيع الوكيل في تلك الحالة وان كان صدور البيع في حضوره ايضا، لان ظهور الحلف على عدم البيع في العمل الاختياري، ففي هنا غير اختياري لعدم التفاته بكون الوكيل في البيع وكيلا عنه لغفلته عن ذلك، فعدم الحنث من هذه الجهة، والا فصدق عليه البايع حقيقة وان كان غافلا عن وقوع البيع. بيان تفصيلي لثبوت الحكم في الموكل ثم انه لا بد وأن يتكلم في ثبوت هذا الخيار وعدمه لاصناف الموكل في مقابل اصناف الوكلاء، على الترتيب الذي ذكرناه في ثبوته وعدمه لكل واحد من الوكلاء، فنقول: القسم الاول ان كان الموكل وكل أحدا في اجراء الصيغة، فهل يثبت له الخيار أم لا، فنقول: تارة يكون الموكلان حاضرين في مجلس العقد واخرى لا يكونان حاضرين في مجلس العقد، وعلى الثاني قد يكونان حاضرين في مجلس واحد حين تحقق العقد بين الوكيلين في مجلس آخر، وقد يكونان متفرقين.

[ 90 ]

1 - أما الاول، فلا شبهة في ثبوت الخيار للموكلين لاستناد البيع اليهما حقيقة، وان الوكيلان المجريان للعقد ليسا الا كالالة المحضة وكونهما كاللسانين للموكلين، ودعوى انصراف أدلة الخيار عن المالك غير العاقد ولذا لا ينحث لو حلف على عدم البيع ببيع الوكيل، قد تقدم جوابهما. 2 - أما الثاني أي إذا كان الموكلان مجتمعين في محل آخر غير مجلس العقد، بأن جمعتهما هيئة اجتماعية في محل واحد وكان بين الوكيلين وبينهما واصل الصوت، بحيث علما بوقوع العقد، فيصدق عليهما عنوان البيع، ولا يعتبر حضورهما في مجلس العقد كما يظهر من شيخنا الاستاذ. 3 - أما الثالث بأن لا تجمعهما هيئة اجتماعية اصلا، بل كانا متفرقين حال العقد، فلا شبهة حينئذ في عدم ثبوت الخيار لا للوكيل ولا للموكل، أما عدم ثبوته للوكيل، فقد تقدم لكونه وكيلا في اجراء الصيغة فقط وليس أمر البيع بيده، وقد قلنا ان الخيار انما يثبت لمن كان أمر البيع في يده والوكيل في اجراء الصيغة ليس كذلك. وأما عدم ثبوته للموكل، فلان الخيار انما يثبت للبيعان في حالة اجتماعهما الى أن يتفرقا، ومن الواضح انهما متفرقان من الاول فلا يكون ثابتا لهما. بيان آخر للقسم الاول كان الكلام في ثبوت الخيار للموكل، وقد عرفت ان الوكيل على ثلاثة أقسام: الاول: أن يكون وكيلا في اجراء الصيغة فقط، وحينئذ يكون أمر البيع بتمام المعنى في يد الموكل، وحينئذ قد يكون الموكلين أو أحدهما حاضرا في مجلس العقد واخرى لا يكونان حاضرين في مجلس العقد، وعلى الثاني فتارة تجمعان هيئة اجتماعية في مجلس

[ 91 ]

آخر غير مجلس العقد، واخرى لا يجتمعان في محل واحد، بل كانا متفرقين في الخارج. 1 - لا شبهة في ثبوت الخيار للموكلين الحاضرين في مجلس العقد لاستناد البيع اليهما حقيقة، وتوهم انصراف البيع عنهما الى المالك العاقد فاسد كما عرفت، كما أن توهم استناد الانصراف الى ندرة الوجود فاسد هنا ايضا، وان قلنا بصحته في الوكيل في اجراء الصيغة، لان هذا القسم من الموكل كثير جدا، ولا فرق في ذلك بين كونها ملتفتين بصدور العقد وعدم التفاتهما إليه. 2 - هو أن يكون الوكيلان مجتمعين في مجلس آخر غير مجلس العقد ووصل اليهما ان الوكيلين من قبلكما على اجراء العقد قد أوجدا العقد، فانه حينئذ يثبت لهما الخيار بلا شبهة، فانهما حقيقة متبايعان ويصدق عليهما عنوان البيع أو المتبايع والتاجر الواردة في الاخبار التي جعلت بهذه العناوين موضوعة لخيار المجلس، ودعوى ان ثبوت الخيار لهما مشروط بحضورهما في مجلس العقد كما عن ظاهر شيخنا الاستاذ لا وجه له، فان الاطلاقات محكمة عليه. 3 - هو أن يكونا خارجين عن مجلس العقد وكانا متفرقين في الخارج، فالظاهر انه لا خيار لهما حينئذ، وذلك فان خيار المجلس انما هو مغيا بغاية وهي الافتراق، ومن الواضح أن تلك الغاية حاصلة هنا من الاول فكيف يثبت لهما الخيار حينئذ، وهذا لا ينافي صدق البايع عليهما واستناد البيع اليهما، فان مجرد صدق البايع لا يصحح ثبوت الخيار عليه، بل لابد مع ذلك من اجتماعهما في مجلس واحد. وبعبارة اخرى الافتراق رافع لخيار المجلس حين التحقق فلا يعقل ثبوت الحكم مع وجود الرافع من الاول والا يلزم التنافي، ولا يثبت الوكيل ايضا كما عرفت لكونه وكيلا في اجراء العقد فقط.

[ 92 ]

وعلى هذا فهل لهما أن يوكلا الوكيلين في اجراء العقد على هذا الخيار، بأن فوضا أمره الى الوكيلين ليثبت لهما الخيار عن قبل الموكلين أم لا، الظاهر لا، فانه لم يثبت لهما فكيف يوكلان الغير على ذلك، وان فاقد الشئ لا يكون معطيا له. القسم الثاني وأما الوكيل المفوض من جميع الجهات، فهل يثبت معه الخيار للموكل أم لا، فهو ايضا على ثلاثة أقسام: 1 - أن يكون الموكلان حاضرين في مجلس العقد، فهذا لا شبهة ايضا في ثبوت الخيار لهما كما ثبت للوكيلين حينئذ، فانه يصدق عليهما البيع حقيقة كما تقدم في القسم الاول، وتوهم الانصراف هنا قد تقدم جوابه، كما تقدم الجواب ايضا عن انه لو حلف على عدم البيع فباع الوكيل لم يحنث. 2 - هو أن يكون الموكلان في خارج مجلس العقد ولكن تجمعهما الهيئة الاجتماعية في محل واحد ويعامل الوكيلان المفوضان في محل وأخبر الموكلين بصدور العقد، فانه حينئذ حقيقة يصدق عليهما عنوان البيع والمتبايع والتاجر التي هي موضوع خيار المجلس، ولا وجه لاعتبار حضورهما في مجلس العقد كما عرفت في القسم الاول. 3 - هو أن يكون الموكلان خارجين عن مجلس العقد ولم يجتمعا في محل واحد ولم تجمعهما هيئة اجتماعية في مكان واحد، وحينئذ لا يثبت لهما الخيار كما تقدم لتحقق البيع حال التفرق. وهذا نظير ما كتب كتابا الى أحد وانشأ فيه بيع داره مثلا ووصل الكتاب الى المشتري بعد مدة وقلنا بعدم اعتبار الموالاة بين الايجاب

[ 93 ]

والقبول، فقبل المشتري البيع فانه لا يثبت الخيار في أمثال ذلك، فان البيع قد تحقق في حال التفرق فلا يكون لهما الخيار. المناط في ثبوت الخيار للموكلين قوله (رحمه الله): ثم على المختار من ثبوته للموكلين فهل العبرة فيه بتفرقهما عن مجلسهما حال العقد. أقول: بناءا على ثبوت الخيار للموكل ايضا، فإذا كانا الموكلين موجودين في مجلس العقد مع الوكيلين المفوضين، فهل المناط في سقوط خيارهما تفرقهما عن مجلس العقد، بأن يكون ثبوت خيار المجلس دائرا مدار اجتماعهما في مجلس العقد وتفرقهما عنه، وإذا تفرقا عنه يسقط الخيار عنهما وعن وكيلهما. والوجه في جعل الميزان في ثبوت الخيار وعدمه هو تفرق الموكلين وعدمه، من جهه انهما اصيلين في المعاملة وحقيقه هما بايعان، فيكون المناط هو الاصلان. ويحتمل أن يكون المناط هو تفرق الوكيلين، لانهما أوجدا المعاملة وهما المناطان في ثبوت خيار المجلس وعدمه لانهما أوجدا البيع ولو عن وكالة. ويحتمل أن يكون المناط هو تفرق الكل، فيكفي في بقاء الخيار بقاء احد الاصيلين مع أحد الوكيلين في مجلس العقد في بقاء خيار المجلس، وهذا الوجه الاخير قد قواه المصنف. واشكل عليه شيخنا الاستاذ بأن كفاية بقاء اصيل مع وكيل آخر في مجلس العقد مع اعتباره (رحمه الله) حضور الموكلين في المجلس حيث قال آنفا: فالاقوى ثبوته لهما ولكن مع حضورهما في مجلس العقد متنافيان،

[ 94 ]

لانه لو لم يعتبر استدامة الحضور ممن له الخيار لم يعتبر في الابتداء ايضا، لان استفادة الاجتماع في المجلس انما هو من قوله (عليه السلام): ما لم يفترقا، فلو صدق عدم تفرق الموكل ببقاء وكيله في المجلس صدق اجتماعه ايضا ابتداءا، وان لم يكن نفس الموكل حاضرا في المجلس رأسا. وفيه ان هذا من غرائب الكلام شيخنا الاستاذ، فان اعتبار المصنف حضور الموكلين في مجلس العقد في ثبوت الخيار لهما من جهه عدم تحقق موضوع الخيار بدونه، فانه انما ثبت على الهيئة الاجتماعية ومع انتفائها ينتفي الخيار، وليس غرضه نفي الخيار عن الاصيل مع الوكيل بل من هذا جهة أعم. وأما الالتزام بثبوت الخيار لكل واحد من الوكيل والموكل مع بقائهما في مجلس العقد وان ذهب أحد الوكيلين مع الموكل الاخر، بل يكفي وجود الاصيل مع الوكيل الاخر في ثبوت الخيار حدوثا ايضا، فلا ينافي هذا بالكلام السابق اصلا، فان ما هو موضوع الخيار متحقق هنا ايضا، أعني الهيئة الاجتماعية، غاية الامر هو الاجتماع بين الوكيل والموكل الاخر. وبعبارة اخرى ان المصنف اعتبر الاجتماع في ثبوت خيار المجلس ابتداءا واستدامة، غاية الامر ان الاجتماع أعم من اجتماع الوكيلين والموكلين وأحد الوكيلين مع أحد الموكلين حدوثا وبقاءا، وما ذكره المصنف من جعل المناط في سقوط الخيار هو تفرق الكل بحيث يكفي في ثبوت الخيار وبقائه بقاء الاصيل مع وكيل آخر فهو الاقوى. وذلك لان ظاهر قوله (عليه السلام): المتبايعان أو البيعان أو التاجر بالخيار

[ 95 ]

ما لم يفترقا (1)، هو ثبوت الخيار لطبيعي البيع والمتبايع وجنسهما من غير اعتبار التقييد في ذلك، بأن يكون المراد اجتماع الوكيلين معا أو الموكلين كذلك. وعليه فيكفي في ثبوت الخيار وجود الاصيل مع الوكيل الاخر حدوثا وبقاءا لصدق الطبيعة عليهما بلا شبهة. ملخص الكلام في ثبوت الخيار للوكيل والموكل كان الكلام في ثبوت خيار المجلس للوكيل، وقلنا بعدم ثبوته للوكيل في اجراء الصيغة وبثبوته للوكيل المفوض في البيع فقط، خلافا للمصنف ولشيخنا الاستاذ، لاعتبارهما في ثبوت الخيار قدرة ذي الخيار مشروط بالتصرف فيما انتقل إليه على مسلك المصنف، وبقدرته على حل العقد بالاقالة على مسلك شيخنا الاستاذ، والوكيل المفوض في أمر البيع ليس له ذلك، وقد تقدم جوابهما وقلنا ان المناط في ثبوت الخيار صدق البيع وهو حاصل، وان تم أمد الوكالة كما تقدم خلافا لصورة السابقة. وأما الوكيل المفوض فثبوت الخيار له أوضح من أن يخفى، وان كان


1 - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة ايام في الحيوان وفيما سوي ذلك من بيع حتى يفترقا (التهذيب 7: 23، عنه الوسائل 18: 10)، صحيحة. عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): البيعان بالخيار حتى يفترقا (الكافي 5: 170، عنه الوسائل 18: 5)، صحيحة. عن الحسين بن عمر بن يزيد عن ابيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا التاجران صدقا بورك لهما، فإذا كذبا وخانا لم يبارك لهما، وهما بالخيار ما لم يفترقا، فإذا اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا (التهذيب 7: 26، الكافي 5: 174، الخصال: 45، عنهم الوسائل 18: 7)، صحيحة.

[ 96 ]

فيه شئ بناء على ما ذكره المصنف من تقييد ثبوت خيار المجلس بمن يثبت له خيار الحيوان. ثم انتقلنا من ذلك الى ثبوت الخيار للموكل، وقلنا لا شبهة في ثبوته للموكل الحاضر في مجلس العقد مع كون الوكيل وكيلا في اجراء العقد، وكذا لا شبهة في ثبوته للموكلين إذا اجتمعا في مجلس غير مجلس العقد، فانه لم يعتبر في ثبوته حضورهما في مجلس العقد كما اعتبره شيخنا الاستاذ، نعم إذا كانا متفرقين في الخارج فلا يثبت لهما الخيار، لان البيع استند اليهما في حال التفرق ولا يثبت للوكيل ايضا، لان المفروض انه وكيل في اجراء الصيغة فقط. وأما ثبوت الخيار للموكلين مع كون الوكيل مفوضا، سواء كان وكيلا مفوضا في البيع والشراء أو وكيلا مفوضا على وجه الاطلاق، ونفرض الكلام في الوكيل المفوض على وجه الاطلاق، ويظهر حكم الوكيل المفوض في خصوص البيع والشراء من ذلك ايضا، فنقول: لا شبهة في ثبوته للموكلين حينئذ مع حضورهما في مجلس العقد، فانه لا شبهة في صدق التاجر أو المتبايعين أو البيعين على كل منهما، ومن الواضح ان خيار المجلس ثابت لهما بالادلة الخاصة، وتوهم انصرافها عن ذلك الى المالك المجري للعقد فاسد كما تقدم، وكذلك تقدم جواب الاشكال بانه لو حلف ان لا يبيع داره فباع وكيله لم يحنث فيعلم من ذلك انه لا يثبت له الخيار لعدم صدق البايع عليه. وكذلك لا شبهة في ثبوته لهما إذا اجتمعا في مجلس آخر غير مجلس العقد، بأن جمعتهما الهيئة الاجتماعية فانهما ايضا من المتبايعين فيثبت لهما الخيار، فلو اخبرهما أحد ان الوكيلين من قبلكما قد اجريا العقد على السلعة الفلانية وعلما بثبوت الخيار لهما فلهما

[ 97 ]

الامضاء والفسخ، ولا وجه ايضا لاعتبار الحضور في مجلس العقد كما يظهر من شيخنا الاستاذ، وأما لو كانا متفرقين فلا يثبت لهما الخيار كما تقدم تفصيله في القسم الاول. ولا يفرق في ذلك كله بين كون الوكيلان من قبلهما مفوضين في البيع والشراء فقط أو على وجه الاطلاق أو مختلفين. إذا أعمل كل من الوكيل والموكل الخيار وقد بقي الكلام في أمرين: الاول: انه إذا اجتمع الموكلان والوكيلان في مجلس العقد، فانه لا شبهة في ثبوت الخيار لهما كما عرفت، وانما الكلام في انه إذا اعمل كل منهما الخيار من الفسخ أو الامضاء فهل يوجب ذلك لزوم البيع أو انفساخه من قبل الجميع، سواء في ذلك الموكلان والوكيلان أم لا؟ أما الفسخ، فانه إذا تحقق من أي من الوكيلان أو الموكلين من طرف البايع أو من طرف المشتري، فانه يوجب هدم البيع وانفساخه بلا شبهة، والوجه فيه هو ما ذكرناه في تعريف الخيار، من أنه ملك فسخ العقد أو اقراره، وقلنا هناك: انه فرق بين الفسخ والاقرار، فان الامضاء والالتزام إذا تحقق من طرف واحد سواء كان من طرف المشتري أو من طرف البايع لا يستلزم الامضاء من طرف الاخر، فانه معنى قائم بالطرفين، فيمكن الاقرار والاثبات من أحد الطرفين بأن يلزم أن يفسخ العقد ولا يرفع اليد من التزامه ولكن يكون جائزا من الطرف الاخر، بأن يكون مختارا في الفسخ أو الامضاء. وهذا بخلاف الفسخ، فانه لا يعقل أن يتحقق فسخ العقد من طرف وبقائه من طرف آخر بل بمجرد تحققه من أحد الطرفين ينفسخ العقد من

[ 98 ]

أصله، وهذا لخصوصية في الفسخ، فانه ليس الا عبارة عن حل العقد وهدمه، فلا معنى لان ينحل العقد من أحد الطرفين ويبقى من الطرف الاخر كما هو واضح. وعليه فإذا فسخ أحدهم من الوكيلين أو الموكلين من طرف البايع أو من طرف المشتري فينحل البيع من الطرفين وينفسخ من اصله، فلا يبقى موقوفا من الطرف الاخر على الفسخ ايضا، كما كان لزوم العقد من الطرفين موقوفا على امضاء كلا الطرفين كما هو واضح. وأما الامضاء واسقاط الخيار فهل يوجب الالزام من أحد الطرفين الالزام من الطرف الاخر ايضا كما ذكره المصنف والتزم به، أم لا بل يبقى الطرف الاخر باقيا على خياره. وتنقيح ذلك يحتاج الى تحقيق معنى قوله (عليه السلام): البيعان بالخيار ما لم يفترقا، من أن المراد من البيع هو الطبيعة أو اريد منها القضية الحقيقية. وقد يقال ان المراد من قوله (عليه السلام): المتبايعان أو البيعان بالخيار ما لم يفترقا (1) هو جنس المتبايع والبيع، أي الطبيعة الكلية بحيث اثبت الامام (عليه السلام) الخيار لهذه الطبيعة انما سرت، وقد تكون قائمة بفرد واحد وقد تكون قائمة بافراد عديدة، ولكن الثابت هو الخيار الواحد فقط القائم بالطبيعة ولا يتعدد بتعدد الافراد، فكل من سبق من افراد هذه الطبيعة الى اعماله نفذ وسقط خيار الباقين بلزوم العقد.


1 - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة ايام في الحيوان وفيما سوي ذلك من بيع حتى يفترقا (التهذيب 7: 23، عنه الوسائل 18: 10)، صحيحة. عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): البيعان بالخيار حتى يفترقا (الكافي 5: 170، عنه الوسائل 18: 5)، صحيحة.

[ 99 ]

كما كان الامر كذلك في الانفساخ ايضا، غاية الامر اتيان البيع أو المتبايع بكلمة التثنية في قوله (عليه السلام): المتبايعان بالخيار أو البيعان بالخيار ما لم يفترقا، قرينة على أن الثابت للمتبايعين هو خياران: أحدهما لطرف البايع، والثاني لطرف المشتري، واطلاق البيعين على البايع والمشتر