مصباح الفقاهة (ط.ج)

السيد الخوئي ج 5

العودة الى مكتبة المرتضى


[ 1 ]

مصباح الفقاهة

[ 3 ]

مصباح الفقاهة تقرير ابحاث سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي قدس سره بقلم الشيخ محمد علي التوحيدي الجزء الخامس منشورات مكتبة الداوري قم / ايران

[ 4 ]

خوئي، أبو القاسم 1278 - 1371 مصباح الفقاهة: تقرير ابحاث سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى (قدس سره) بقلم محمد على التوحيدي التبريزي - قم داوري، 1377. 5 ج 15000 ريال (هر جلد) (دوره) 0 1 - 9090 - 964 ISBN فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا (فهرست نويسي پيش از انتشار). اين كتاب در سالهاى مختلف توسط ناشرين مختلف منتشر گرديده است. كتابنامه 1 - معاملات (فقه) الف - توحيدي، محمد على، 1303 - 1353، محرر بعنوان 6 م 9 خ / 373 190 792 / Br 11456 1377 - 77 م هوية الكتاب: اسم الكتاب: مصباح الفقاهة ج 5 المؤلف: الشيخ محمد على التوحيدي الناشر: مكتبة الداوري - قم - تليفون 732178 شابك: 5 - 2 - 90950 - 964 - () 5. vol SET المطبعة: العلمية - قم الطبعة: الاولى المحققة العدد: 1000 نسخة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم 7 - خيار العيب قوله (رحمه الله): السابع: خيار العيب. أقول: قد تسالم الفقهاء على صحة البيع مع الجهل بصفة المبيع التي من أوصاف الصحة، وقالوا: إذا تخلف ثبت فيه خيار العيب. ويمتاز هذا الخيار عن بقية الخيارات بأن من له الخيار في بقية الخيارات مخير بين الامضاء والفسخ، ولكنه هنا مخير بين الفسخ والامضاء مجانا أو مع العوض. ولكن وقع الاشكال في ذلك بانه يلزم حينئذ أن يكون البيع غرريا فيكون باطلا، وقد اجاب المصنف عن ذلك بانه انما يكون البيع غرريا إذا لم يكن هنا ما تحرز به صحة المبيع، ولا شبهة في أنها تحرز بأصالة الصحة والسلامة، وإذا استند المتبايعان الى أصالة السلامة فيرتفع الغرر ويكون البيع صحيحا، وإذا ظهر العيب في المبيع فيكون للمشتري خيار العيب لتخلف الشرط الضمني الارتكازي الذي ترك التصريح به اعتمادا على أصالة الصحة.

[ 6 ]

ولكن يرد عليه انه لا دليل على أصالة السلامة في الامتعة بوجه حتى يمكن الاستناد إليه في ذلك، وتوهم استصحاب الصحة إذا كانت أمرا وجوديا فاسد، لان عدم الصحة ايضا أمرا وجودي، والتقابل بينهما هو العدم والملكة، فلا يجري الاستصحاب في طرف واحد، نعم الاصل الاولى في الاشياء مع قطع النظر عن جميع الطواري هو أن يكون سالما في العيوب، كما ان الاصل في جميع الاجسام أن يكون كرويا مع قطع النظر عن الزواجر والقواسر الخارجية، فان نسبة الهواء إليها على حد سواء، ومع ذلك فالغالب في الاشياء هو عدم الكروية، وقد عرفت ذلك في أول الخيارات. وفي المقام ايضا نقول ان الاصل في الاشياء وان كان هو الصحة والسلامة، ولكن مع ذلك ان الغالب فيها غير الصحة، لانا نشاهد بالوجدان ونري بالعيان ان اغلب الاشياء معيوب وسقيم وغير صحيح، وعلى هذا فكيف يحرز باصالة الصحة ان المبيع سالم عن العيب وليس بغرري وخطري، ومع كون اغلب الاشياء صحيحة وغير معيبة فايضا لا يمكن رفع الغرر عن البيع بذلك، لان هذا لا دليل على اعتباره الا من باب انه يفيد الظن، ولو من باب ان الظن يلحق الشئ بالاعم الاغلب، ومن الواضح انه لا يغني من الحق شيئا. ويبقى دعوى الاجماع على صحة البيع في المقام بأن يقال: ان الاجماع قد قام على صحة البيع في المقام بغير اشتراط فيكون ذلك مخصصا للنهي عن بيع الغرر، بمعنى ان البيع الغرري باطل الا فيما تعامل المتعاملان على المبيع بغير الوصف الصحة، فإذا ظهر فيه عيب ثبت خيار العيب للطرف ولكن ثبوت الاجماع التعبدي على ذلك بعيد جدا، والحكم بفساد هذه البيوع الواقعة على الاشياء بغير علم بجميع أوصافها أبعد، فتصبح ان المسألة تكون مورد اشكال قوي.

[ 7 ]

ودعوى امكان احراز ذلك فيما إذا كانت الحالة السابقة في المبيع الصحة فاسد، إذ استصحاب الصحة لا يرفع الغرر، فان الغرر هو الخطر وهو أمر نفساني فلا يرتفع بالاستصحاب كما لا يخفى. ولكن يمكن الجواب عنه على ما اخترناه في ارتفاع الغرر بالخيار على ما تقدم خلافا للمصنف وجميع من تأخر عنه، حيث ذهبوا الى ان الخيار من الاحكام الشرعية الثابتة على العقد الصحيح، أي من احكام العقد الصحيح فلا يرتفع الغرر بذلك، فان العقد بعد كونه صحيحا لا يعقل أن يكون غرريا لان غررية العقد توجب بطلانه. ولكن قد ذكرنا سابقا ان ما لا يرتفع الغرر بالخيار انما هو الخيار المجعول بجعل الشارع كخياري المجلس والحيوان، وأما الخيار المجعول بجعل المتعاملان فلا شبهة في ارتفاع الغرر به، لان الغرر على ما عرفت هو بمعنى الخطر، فاي خطر في اقدام الشخص على شراء شئ مع جعل الخيار لنفسه، بأن يشترط كونه على وصف كذا وإذا ظهر على الوصف فهو والا فله الخيار، فلا يكون المشتري بعد هذا الاشتراط الذي لازمه جعل الخيار في خطر اصلا، ولا يتوجه عليه محذور كما هو واضح. وعلى هذا المسلك يسهل لنا دفع الاشكال المتوجه على البيوع المتعارفة أعني اشكال غرريتها، نعم يصعب على مثل الشيخ (رحمه الله) دفع ذلك كما عرفت. وتوضيح ذلك: ان المتبايعين حين الاقدام على المعاملة قد اشترط كل منهما على الاخر بحسب ارتكازهما كون العوض سالما عن العيوب، كما اشترط كل منهما كون كل من الثمن والمثمن مساويا للاخر كما تقدم، وإذا تخلف هذا الشرط كان للمشروط له خيار تخلف الشرط.

[ 8 ]

وعلى هذا فالمشتري مثلا وان لم يعلم باوصاف الصحة للمبيع ولكن قد اشتراه مشترطا على البايع كون ذلك صحيحا عن العيوب، وإذا ظهر على خلاف ما اشترط عليه كان له الخيار، فاي غرر وخطر في هذه المعاملة. فانه مع ظهور المبيع سالما فلا غرر ولا خطر، ومع ظهوره غير سالم فايضا لا خطر هنا، فان الفرض ان له الخيار، فإذا لم يرد يفسخ المعاملة كما هو واضح فلا يقع فيه الغرر، كما إذا صرح بهذا الشرط في ضمن البيع فهل يتوهم أحد ان البيع هنا غرري، ولا شبهة ان الشرط الضمني كالاشتراط صريحا كما هو واضح. وعلى هذا البيان لا ريب ان خيار العيب من فروع خيار تخلف الشرط لا من الخيارات المقابلة لخيار تخلف الشرط، كخيار الحيوان والتأخير والرؤية ونحوها، غاية الامر ثبت هنا الارش للرواية الخاصة. وبالجملة على هذا المسلك فخيار العيب الذي ثبت فيه الارش قسم من خيار تخلف الشرط. وعلى هذا ايضا لا يفرق في كون الخيار خيار عيب مع ظهور العيب في المبيع بين أن يكون الشرط بحسب الارتكاز أو غيره. ويدل على هذا التعميم الروايات: منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار لم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، أنه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك، لو لم يكن به (1).


1 - الكافي 5: 207، التهذيب 7: 60، عنهما الوسائل 18: 30، صحيحة.

[ 9 ]

فان اطلاق هذه الرواية وغيرها هو ثبوت خيار العيب للمشتري مع الاشتراط صريحا ايضا، وان لم يقتصر فيه بالشرط الضمني، وانما ليس له حق الرجوع بالفسخ للتصرف فلا يلزم من التصريح بالشرط أن يكون الخيار خيار تخلف الشرط بل يكون خيار خيار عيب فيرتب عليه حكمه. 1 - الفرق بين خيار العيب وخيار تخلف الشرط ثم ان خيار العيب وان كان من مصاديق خيار تخلف الشرط ولكن مع ذلك فرق بينهما، فانه قد عرفت سابقا انه لا دليل على مسقطية التصرف فيه بخلافه هنا، فان الرواية دلت على أن احداث الحدث يوجب سقوط الخيار ويبقى حق مطالبة الارش فقط للمشتري. لا يقال: ان هذه الرواية لا تدل على سقوط خيار الشرط بل الساقط خيار العيب، ويبقى خيار تخلف الشرط على حاله كما لا دلالة فيها على سقوط خيار الحيوان. فانه يقال: انه فرق بين خيار العيب وخيار الحيوان، فان خيار العيب غير خيار تخلف الشرط كما عرفت، فمسقطية التصرف قد جعل في مورد خيار تخلف الشرط فلا يعقل بقاؤه بعد التصرف بخلاف خيار الحيوان، فانه اخص من خيار تخلف الشرط فلا يمكن كشف سقوطه من اطلاق قوله (عليه السلام): فان احدث فيه حدثا فله الارش دون الفسخ، على ما هو مضمون الرواية، وقد عرفت سابقا ان الخيار لا يتقيد بسببه حتى أن يقال ان موارد المقيد بكذا قد سقط، هكذا ينبغي أن يحرر المقام. ثم ان مما ذكرناه يظهر ان ثبوت خيار العيب ليس من جهة انصراف المبيع الى الفرد الصحيح، حتى يجاب عنه تارة بانه لو تم الانصراف بما يختص بالمقام، بل يتم في سائر الموارد ايضا، من مطلق تخلف الشرط الذي هو مورد خيار تخلف الشرط وغيره، ويجاب اخرى كما في المتن

[ 10 ]

بانه لو تم الانصراف فلازم ذلك بطلان العقد، لان ما وقع عليه العقد أعني الصحيح ليس بموجود وما هو موجود فليس بمبيع، فيكون المقام كتخلف الصور النوعية كما هو واضح. تأييد المصنف (رحمه الله) في كون ثبوت خيار العيب اعم من صور الشرط الضمني الارتكازي ومن صورة التصريح بالشرط ثم انه أيد المصنف كون ثبوت خيار العيب اعم من صور الشرط الضمني الارتكازي ومن صورة التصريح بالشرط برواية يونس في رجل اشترى جارية على أنها عذراء فلم يجدها عذراء، قال: يرد عليه فضل القيمة (1). وعلل التعميم بأن اختصاره (عليه السلام) على اخذ الارش الظاهر في عدم جواز الرد يدل على أن الخيار خيار العيب، ولو كان هنا خيار تخلف الاشتراط لم يسقط الرد بالتصرف، مع أن الاشتراط فرض في الرواية صريحا كما هو ظاهر قوله: على أنها عذراء. ولا يرد عليها ان الاشتراط هنا لم يكن صريحا بل ارتكازيا لئلا تعم الرواية صورة الاشتراط صريحا، وذلك لما عرفت ان ظهور قوله: على أنها عذراء، هو الاشتراط الصريح. والحاصل اشكل على الرواية ثانيا بانه لو سلمنا كون على أنها عذراء ظاهرا في صورة الاشتراط ولكن لم يفرض في الرواية سقوطه بالتصرف ليكون ذلك خيار عيب، وايضا لا يرد على أن الخيار خيار تخلف الشرط لا خيار العيب حتى يقال انه اعم من صورة الاشتراط صريحا وعدمه، ودعوى انه لو كان الخيار خيار الاشتراط لم يسقط بالتصرف وقد فرض


1 - الكافي 5: 216، التهذيب 7: 64، الاستبصار 3: 82، عنهم الوسائل 18: 108.

[ 11 ]

في الرواية سقوطه بالتصرف وثبوت الارش فقط دعوى غير صحيحة، لانه لم يفرض التصرف الرواية لو سلمنا كون هنا اشتراط. والجواب عن ذلك هو ان التصرف مفروض في الرواية، حيث ان الظاهر من قوله (عليه السلام): فلم يجدها عذراء، انه تصرف فيه ولم يجدها عذراء، لا انه علم بذلك بالعلم الخارجي من البينة ونحوها، فانه لا يطلق الوجدان على ذلك بل يقال: علمها وعرفها، ولا يطلق ذلك على المعرفة الحاصلة من العلم الخارجي. وعلى كل حال فالرواية ظاهرة في التصرف، فلا يرد على كون المفروض في الرواية هو خيار العيب بقرينة سقوطه بالتصرف وثبوت الارش فقط انه لم يفرض التصرف في الرواية. بل الجواب عن تأييد المصنف انه ليس وصف الثيبوبة عيبا في المرأة ليكون وصف العذرائية من أوصاف الصحة بل هو من وصف الكمال، فان العيب ما يكون نقصا في البدن فذهاب البكارة لا يوجب النقص في البدن والا يلزم كون أكثر النساء معيوبة. وعليه فلا يكون الخيار في مفروض الرواية خيار عيب بل خيار تخلف الشرط، غاية الامر لو كانت الرواية صحيحة لكانت دالة على ثبوت الارش في مورد خاص من مصاديق خيار تخلف الشرط وسقوطه بالتصرف، كما يثبت الارش بذهاب البكارة في النكاح يعني ينقص من المهر ما بين تفاوت البكر والثيب، وسيأتي التعرض لكون الثيبوبة عيبا أم لا في العيوب. 2 - ظهور العيب يوجب تسلط المشتري على الرد وأخذ الارش قوله (رحمه الله): مسألة: ظهور العيب في المبيع يوجب تسلط المشتري على الرد وأخذ الارش.

[ 12 ]

أقول: قد تسالم الفقهاء على كون المشتري مخيرا بين فسخ العقد وامضائه مجانا أو مع العوض، ولكن لم يوجد في الاخبار ما يدل على ذلك. ولذا ذكر في الحدائق (1) ان اثبات التخيير بين الفسخ والامضاء مع الارش من الاول بالاخبار مشكل، وان اتفق الفقهاء على التخيير من الاول، وذكر انه لم يتنبه على هذه النكتة، أي عدم انطباق فتوى الفقهاء على الروايات قبلي أحد. وما ذكره صاحب الحدائق قوي جدا، لان الاخبار انما تثبت الارش بعد التصرف الموجب لسقوط الخيار لا قبله، وعليه فالحكم قبل التصرف هو الخيار فقط من دون أن يكون للمشتري حق مطالبة الارش، نعم ان كان هنا اجماع تعبدي يوجب التخيير من الاول فهو والا فما ذكره الاصحاب مشكل جدا، ولكن اثبات الاجماع ايضا مشكل، فانه يحتمل أن يكون مدركه الوجوه الاعتبارية، أو توهم دلالة الاخبار على ذلك. وذكر المصنف انه قد يتكلف اثبات التخيير من الاول بوجهين: 1 - استفادة حكم ذلك من الاخبار، بدعوى انها تدل على الرد اعم من رد المبيع أو الارش، وأشار الى ذلك بانه يصعب استفادة ذلك من الاخبار، وغرضه أن يدعي ان المراد من الرد في الاخبار رد المبيع في الجملة، اعم من أن يكون بالرجوع بتمام الثمن بأن يفسخ أو بالرجوع بالارش، فان اخذ الارش ايضا رد للمبيع في الجملة حيث لم يبقه على حالة من مقابلة المبيع بتمام الثمن. وفيه أولا: ان الظاهر من الرد في الاخبار هو رد المبيع، ولا يصدق رد المبيع على اخذ الارش، وهو واضح، على أن الوصف لا يقابل بالثمن كما سيأتي.


1 - الحدائق 19: 60.

[ 13 ]

2 - ان نفس وصف الصحة انما هو يقابل بجزء من الثمن، فمن الاول يكون الثمن في مقابل العين ووصفه، وإذا ظهرت المخالفة أي ظهر عيب في المبيع كان المشتري مخيرا بين رد ما قابل الوصف من الثمن وبين فسخ العقد كما هو واضح. واشكل عليه المصنف ان وصف الصحة وان كان يوجب الزيادة في المالية ولكن لا يكون الثمن واقعا في مقابل الوصف، بل يكون واقعا في مقابل العين والوصف واسطة لثبوت المالية للعين، وكذا لا يملك المشتري على مطالبة عين الثمن بل يطلب التفاوت مع فقدان وصف الصحة، مع أنه لو كان الوصف يقابل بالثمن كان للمشتري مطالبة جزء من شخص الثمن الذي وقع في مقابل الوصف. وهذا الذي ذكره المصنف متين جدا، على أنه لو كان وصف الصحة يقابل بجزء من الثمن فاي فرق بين هذا الوصف وبين بقية الاوصاف كالاوصاف الكمالية كما هو واضح. المناط في كون شئ شرطا في المعاملة أو جزءا هو الواقع لا الذكر ثم ذكر المصنف انه قد يكون الثمن غير واقع في مقابل الجزء ايضا فضلا عما هو شرط واقعا، وهذا فيما إذا كان الجزء مأخوذا في العقد على نحو الشرطية، كما إذا قال البايع: بعتك الارض الفلانية على أنها جربان معينة، فظهر خلاف ذلك، أو قال: بعتك الحنطة الفلانية على أنها منان، فظهر انها من، فذكر انه في هذه الصورة ايضا ثبت للمشتري خيار تخلف الشرط وليس له مطالبة جزء من الثمن بحيث يكون الخيار خيار تبعض الصفقة. ولكن ما ذكره المصنف لا يمكن المساعدة عليه، فان المناط في كون شئ شرطا في المعاملة أو جزءا ليس هو الذكر في اللفظ، بل المناط هو

[ 14 ]

اللب والواقع، ومن الواضح ان المبيع في مثل الامثلة المذكورة هو جميع اجزاء الارض والحنطة، وقد تقدم في شرائط العوضين ان المبيع ينحل الى امور متعددة كما هو واضح. وعلى الجملة ان الصورة وان كانت صورة شرط ولكن الواقع ان المذكور بعنوان الشرطية هو جزء المبيع، فيكون البيع مع التخلف عن المقدار المذكور منحلا الى بيوع متعددة كما هو واضح، فما ذكره المصنف ثانيا من الاشكال ليس بصحيح. ثم انه ذكر في المبسوط (1) ان اخذ الارش مشروط باليأس عن الرد، فان كان مراده من اليأس هو تحقق ما يمنع عن الرد كالتصرف ونحوه من المسقطات، فهو يرجع الى ما ذكرناه وما ذكره صاحب الحدائق، وهو متين، والا فان كان مراده انه مع اليأس عن الرد ولو مع بقاء الخيار فهو منطبق على ما ذكره المشهور ولا دليل عليه. وعلى الجملة فلا دليل لما ذهب إليه المشهور من التخيير بين الرد والارش من الاول، نعم في الفقه الرضوي (2) ما يدل على ذلك كما ذكره في المتن والحدائق (3)، بناءا على عدم زيادة كلمة الهمزة بين كلمة: وان شاء أخذه، وبين كلمة: رد، بأن يكون العطف بالواو لا بأو ليكون للتخيير، ولكن قد عرفت في أول الكتاب مفصلا عدم اعتبار فقه الرضوي.


1 - المبسوط 2: 130. 2 - فقه الرضا (عليه السلام): فان خرج في السلعة عيب وعلم المشتري، فالخيار إليه ان شاء رد، وان شاء أخذه، أو رد عليه بالقيمة ارش العيب (فقه الرضا (عليه السلام): 33، عنه المستدرك 13: 306)، ضعيفة. 3 - الحدائق 19: 60.

[ 15 ]

3 - ظهور العيب في المبيع هل هو كاشف عن الخيار أو انه مثبت للخيار؟ ثم ان ظهور العيب في المبيع هل هو كاشف عن الخيار وان الخيار ثابت من زمان وجود العيب أو انه مثبت للخيار؟ وتظهر الثمرة بينهما فيما إذا اسقط المشتري خياره قبل ظهور العيب، فانه على القول بكونه كاشفا عنه فلا شبهة في جواز الاسقاط فلا يلزم اشكال اسقاط ما لم يجب، وأما على القول بكونه مثبتا للخيار فلو اسقط قبل ظهور العيب يلزم منه اشكال اسقاط ما لم يجب، ولكن قد عرفت سابقا انه لا محذور في ذلك اصلا، ولا دليل على عدم جواز اسقاط ما لم يجب، الا انه قام الاجماع وتحقق الارتكاز على بطلان التعليق في المعاملات، وشئ منهما لا يجري في المقام بعد وجود المقتضى للخيار الذي سقط. وأما ان ظهور العيب كاشف عن الخيار أو مثبت، فنقول: الذي يظهر من الاخبار انه كاشف عن ثبوت الخيار، فان الظاهر من قولهم (عليهم السلام): ومن اشترى شيئا ووجد فيه عيبا فله الرد، على ما هو مضمون الرواية ان للوجدان طريق الى الواقع وليس له موضوعية في ثبوت الخيار كما هو المتفاهم العرفي من امثال ذلك، فانه لو سئل المفتي عن مثل ذلك فلا يتوهم أحد ان الوجدان له موضوعية في ثبوت الخيار من حين الوجدان، بل هو كاشف عن ثبوت ذلك من الاول ومرآة عليه. ومع الاغماض عن ظهور هذه الاخبار فيما ذكرناه ولكن يكفي في الدلالة على ما نقوله ما في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام): أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب أو عوار ولم يتبرء إليه ولم ينبه فاحدث فيه بعد ما

[ 16 ]

قبضه شيئا وعلم بذلك العوار وبذلك العيب فانه يمضي عليه البيع (1). فان هذه الرواية الشريفة تدل بمنطوقها على مضي البيع إذا علم المشتري بالبيع بعد التصرف ولكن ياخذ الارش، وتدل بمفهومها على ثبوت الخيار له إذا علم بالعيب قبل التصرف، ثم قال: علم بذلك العوار، حيث جعل العلم طريقا الى كشف العوار، ولذا قال (عليه السلام): أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار، فظاهرها ان الخيار ثابت من الاول، ولكن حيث ان البايع لم ينبه بالعيب فيكشف العلم عن ثبوته من الاول مما هو واضح. والعجب من السيد (2) حيث انكر وجود ما يدل على كون وجدان العيب كاشفا عن كون الخيار ثابتا من الاول، مع أن هذه الرواية ظاهرة في ذلك، نعم هو شريك معنا في المدعي. ثم ذكر المصنف ان ظهور العيب شرط لثبوت الخيار وأما سببه فهو من زمان وجود العيب، فهو ايضا خلاف الظاهر من الروايات خصوصا لصحيحة المتقدمة، فافهم، ثم انه مما يؤيد بل يدل على كون الخيار مسببا عن العيب لا عن ظهوره ثبوت الارش العيب. 4 - البحث في شمول هذا الخيار للبايع ثم انه هل يختص خيار العيب بالمشتري أي بالمثمن فيكون الخيار للمشتري فقط، أو يجري في الثمن ويشمل للبايع ايضا؟ الظاهر انه لا خلاف في ثبوته للبايع ايضا، وانما الكلام في مدرك ذلك، والذي يمكن أن يقال فيه وجوه:


1 - الكافي 5: 207، التهذيب 7: 60، عنهما الوسائل 18: 30، صحيحة. 2 - حاشية العلامة الطباطبائي (رحمه الله) على المكاسب 3: 69.

[ 17 ]

1 - قيام الاجماع على ذلك. وفيه ان القطع بذلك مشكل جدا، ولا نعلم بالاجماع التعبدي هنا، فانه مع تحقق الاجماع فنحتمل أن يكون مدركه الوجوه الاتية. 2 - قاعدة نفي الضرر. وفيه انه قد مر مرارا ان قاعدة نفي الضرر لا يكون مدركا في شئ من الخيارات، على أنه لو كان هو المدرك هنا لكان اثبات الارش به مشكلا، والا فلازم ذلك أن يثبت الارش في كل مورد كان نفي الضرر دليل للخيار كما هو واضح، ومن المعلوم انه لم يلتزم به أحد في غير خيار العيب. 3 - أن يدعي انه لا خصوصية للمبيع في ثبوت خيار العيب والارش فيه مع كون الثمن في طرق آخر من المعاملة وعدم امكان البيع بالمبيع فقط، بل لابد من تحقق البيع بين الطرفين والمبادلة بين العوضين، فنسبة البيع بالنسبة الى الطرفين على حد سواء. وعليه فالاخبار الدالة على ثبوت الخيار والارش في المبيع تدل على ثبوتهما في الثمن ايضا، فيكون الخيار ثابتا للمشتري ايضا، كما ذكرنا سابقا ان ما دل على أن ثمن العذرة سحت (1)، أو ثمن الخمر سحت، أو ثمن الكلب سحت (2) انه يختص بالمثمن فقط بل يجري في الثمن ايضا، لعدم الفرق في الفرض الذي نهي عن الثمن الامور المذكورة فهي موجود


1 - يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثمن العذرة من السحت (التهذيب 6: 372، الاستبصار 3: 56، عنهما الوسائل 17: 175)، مجهولة لعلي بن مسكين أو سكن. دعائم الاسلام: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهي عن بيع العذرة، وقال: هي ميتة (دعائم الاسلام 2: 18، عنه المستدرك 13: 71)، مرسلة. 2 - عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب، وثمن الخمر، ومهر البغي - الخبر (الكافي 5: 126، التهذيب 6: 368، الخصال: 329، عنهم الوسائل 17: 93)، موثقة.

[ 18 ]

فيما إذا كانت الامور المذكورة ثمنا لشئ آخر أو اجرة للعمل ايضا كما هو واضح. وإذا امكن اثبات هذه الدعوى في المقام ايضا كان الخيار والارش جاريا في طرف البايع ايضا، وان ذكر خصوص المبيع في الروايات لكنه من جهة الغلبة، إذ الغالب ان الثمن هو النقود ولا يكون فيها عيب غالبا، ولكن اثبات هذا ايضا مشكل، فانه من اين علمنا ان ذكر المبيع من جهة الغلبة كما هو واضح. نعم لا نضائق من القول بثبوت خيار العيب للبايع ايضا، لا من جهة العيب بل من جهة الشرط الضمني على ما تقدم، وعليه فلا يمكن الالتزام بثبوت الارش في طرف الثمن كما هو واضح. ومن هنا ظهر فساد ما ذكره السيد (1) في المقام، من كفاية الظن بكون ذكر المبيع من جهة الغلبة، وكونه كفاية عن العوض في البيع، فانه لا دليل على حجية هذا الظن. واشكل من تعدية الحكم أي للثمن تعدية الحكم الى مطلق المعاملات، بأن يقال: انه إذا آجر أحد دارا من شخص فظهر فيها العيب فيكون مخيرا بين مطالبة التفاوت والفسخ، فانه يمكن ان في تعدية الحكم الى الثمن أن يقال: ان ذكر المبيع من جهة الغلبة كما تقدم، وان الثمن في طرف البيع، فإذا ثبت الحكم في المبيع ثبت في الثمن ايضا لعدم الخصوصية للمبيع كما مثلنا بالامثلة المتقدمة، فان الفرض من الاخبار تفهيم ان النقص في العوض يوجب الخيار والارش، ولكن لا يمكن النفوذ بذلك في مطلق المعاملات، وعليه فلا باس بالالتزام بالخيار فيها لتخلف الشرط، وأما الارش فلا دليل على ثبوته فيها كما هو واضح.


1 - حاشية العلامة الطباطبائي (رحمه الله) على المكاسب 3: 69.

[ 19 ]

مسقطات خيار العيب 1 - اسقاط الخيار قوله (رحمه الله): في مسقطات هذا الخيار بطرفيه أو أحدهما، مسألة: يسقط الرد خاصة بامور. أقول: الظاهر بل الواقع انه لا شبهة في سقوط خيار العيب بالاسقاط على نهج بقية الخيارات. وانما الكلام في سقوط الرد فقط أو سقوطه مع الارش، بحيث لا يكون لمن له الخيار بعد الاسقاط حق الرجوع فقط، والظاهر انه لا ملازمة بين سقوط الرد وسقوط حق مطالبة الارش، كما إذا لم يكن لكلامه ظهور الا في سقوط الرد فسقط، كقوله اسقاط الرد أو لم يكن ملتفتا، بأن له مطالبة الارش بل له الخيار فقط، فانه حينئذ لو اسقط خياره ولو مع عدم تقييده باسقاط الرد بل باسقاط مطلق الخيار، فانه حينئذ يسقط الرد فقط ايضا. بل الامر كذلك حتى مع الالتفات بثبوت حق الرد والارش له، ولكن القرينة قائمة على أنه لا يسقط الا الرد أو ليس في كلامه ظهور عرفي في ذلك وان قال اسقط خياري. وعلى الجملة فالمناط في اسقاط الرد والارش هو الظهور العرفي، فكلما دل في كلامه على سقوط الرد فقط أو الرد والارش معا فيكون متبعا والا فلا كما هو واضح. وعليه فدعوى ان كلمة الرد ظاهرة في اسقاط الخيار فقط، وان كلمة الخيار ظاهرة في اسقاط الرد والارش فقط لا يمكن المساعدة عليه، نعم كلمة اسقط الرد ظاهرة في اسقاط الرد فقط كما هو واضح، هذا هو المطلب الاول.

[ 20 ]

والحاصل ان سقوط الخيار بطرفيه من الرد والارش وبطرفه الواحد يحتاج الى كون المسقط ظاهرا فيه، وعليه فلابد من الاقتصار بالمتيقن. 2 - سقوطه بالتصرف لا شبهة في سقوط هذا الخيار بالتصرف اجمالا، وانما الكلام في خصوصيات ذلك، فنقول: ان التصرف انما يكون على أنحاء: 1 - أن يكون تصرفا مغيرا كقطع الثوب وصبغه ونحو ذلك، وهذا لا شبهة في كونه مسقطا للخيار. وتدل عليه الصحيحة عن أبي جعفر (عليه السلام): أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب أو عوار ولم يتبرأ إليه ولم يبين، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك العيب، فانه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به (1). ومن الواضح أن تغيير العين ولو بمثل الصبغ ونحوه احداث للحدث، فان المراد من الاحداث هو الكناية عن ثبوت حدث في المبيع لا معناه الصريح، أعني اسناد الحدث الى الفاعل فيكون موجبا لسقوط الرد، ويبقى له حق مطالبة الارش فقط كما لا يخفى. ويؤيد ذلك مرسلة جميل التي يعاملون معها معاملة الصحيح، وان ناقشنا في ذلك، وهي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد به عيبا، قال: ان كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه واخذ الثمن، وان كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب (2).


1 - الكافي 5: 207، التهذيب 7: 60، عنهما الوسائل 18: 30، صحيحة. 2 - الكافي 5: 207، الفقيه 3: 136، التهذيب 7: 60، عنهم الوسائل 18: 31، ضعيفة.

[ 21 ]

2 - أن لا يكون هنا تصرف يوجب التاثر في العين خارجا، ولكن يكون هنا تصرفا اعتباريا بحيث يكون مانعا عن الرجوع الى المتصرف ثانيا، كان يبيعه من شخص آخر فان البيع وان كان لم يكن مثل القسم الاول من احداث الحدث في العين. ولكن لا شبهة في صدق احداث الحدث على مثل هذا التصرف ايضا، فانه أي احداث حدث يكون اعظم من هذا الذي لا يقدر معه المتصرف على الرد الى ملكه، وهكذا لو آجر العين من شخص فان العين حين ما أخذها من البايع كانت واجدة للمنفعة وقد صارت فاقدة لها، فأي حدث اعظم من ذلك، وسقوط الخيار قبل هذا التصرفات للنص المتقدم، والا فقد عرفت عدم سقوطه بالتصرف بمثل تلف العين، غاية الامر العقد يفسخ وينتقل الى المثل أو القيمة لان الفسخ متعلق بالعقد دون العين كما تقدم. نعم لو نقل العين الى غيره بمثل الهبة فالظاهر عدم سقوط حق الرد بذلك، فان العين وان انتقلت الى غيره ولكن للمشتري التمكن من رده بالرجوع، فإذا قال: فسخت العقد، فيكون هذه العبارة فسخا للعقد ورجوعا في الهبة كما هو واضح. ولا يقاس ذلك بامكان الرجوع في البيع ايضا بالشراء ونحوه، فان اختيار الرجوع في ذلك ليس تحت يد المشتري أعني البايع الثاني، بخلاف ما لو نقلها بالهبة، فان اختيار ارجاع العين تحت يد الواهب كما لا يخفى، فافهم. ومن هنا ظهر ان ما تنظر المحقق الثاني (1)، في سقوط حق الرد بالهبة وجيه، ولا وجه لرد المصنف اياه بانه لا وجه له.


1 - جامع المقاصد 4: 303.

[ 22 ]

3 - أن يكون التصرف تصرفا خارجيا من غير أن يكون مغيرا للعين، ولا يكون مثل القسم الثاني ايضا. وهذا على أقسام ثلاثة: الف - أن يكون له ظهور عرفي في سقوط الخيار به كالمسقط اللفظي، فان سقوط الخيار لا يختص باللفظ كما تقدم في خيار الحيوان وغيره، بل يسقط بالفعل ايضا، لا بما انه تصرف بل بعنوان انه مسقط عرفي، كما هو واضح. ب - ان لا يكون له بشخصه ظهور في سقوط الخيار به، فذكر المصنف ان الفعل إذا كان له دلالة نوعية وكاشفة نوعية في الرضا بالعقد واسقاط الرد كاللفظ كان موجبا لسقوط الخيار. ولكن الظاهر ان هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه، للفرق الواضح بين اللفظ والفعل في ذلك، فان اللفظ انما يكون كاشفا عن ارادة المتكلم مدلول ذلك بحسب التعهد، فان المتكلم قد تعهد بانه إذا تكلم بلفظ فلاني فانه اراد المعنى الفلاني. وعليه فيكون الظن الحاصل من كاشفية اللفظ نوعا حجة ومتبعا بحسب قيام بناء العقلاء على ذلك، وهذا بخلاف الفعل الفلاني، فانه أراد المعنى الفلاني ليكون كاشفية متبعة، غاية الامر انه يحصل الظن من ذلك فهو ليس بحجة لعدم الدليل على اعتباره من بناء العقلاء وغيره كما لا يخفى، فافهم، وهذا هو الفرق بين اللفظ والفعل في الكاشفية وعدمها، خذه واغتنم. ج - ان لا يكون له ظهور في الاسقاط كما في القسم الاول، ولا يكون له كاشفية نوعية كما في القسم الثاني على ما ذكره المصنف، بل يكون مجرد التصرف كالامر باسقيني واغلق الباب واعطاء متاع.

[ 23 ]

فظاهر جماعة انه يسقط الرد بذلك ايضا، بل هذا هو صريح العلامة حيث ذكر في بعض كتبه انه يسقط الرد بالامر، كقوله: ناولني الماء أو أغلق الباب ونحو ذلك، ولكنه لا وجه لسقوطه بذلك بوجه، فان الدليل على السقوط هنا هو احداث الحدث. ومن الواضح انه لا يصدق على مثل هذه التصرفات احداث الحدث، وليس له كاشفية نوعية ايضا حتى يمكن القول بسقوطه من هذه الجهة كما قيل في القسم الثاني، فيبقى القول بالسقوط بمثل ذلك حينئذ بلا دليل كما هو واضح. والحاصل انك قد عرفت ان التصرف بما هو تصرف لا يكون موجبا لسقوط الخيار حتى لو كان موجبا لتلف العين، لما عرفت ان الفسخ والخيار انما يتعلق بالعقد دون العين حتى لا يمكن ردها مع التلف، فيجوز الفسخ بعد تلف العين وينتقل العين الى المثل أو القيمة، ولكن قد ورد النص بأن احداث الحدث في خيار العيب يكون مسقطا له، ولمكان هذا النص فنقول بالسقوط هنا بالتصرف. ولا شبهة في صدق احداث الحدث بمثل تغيير اللون والقص في الثوب ونحوه وهكذا في مثل نقلها الى غيره بالبيع اللازم، وكذلك الايجار كما عرفت لصدق احداث الحدث في جميع ذلك، نعم لا يصدق ذلك في مثل الهبة. ثم انك قد عرفت ان ذلك ليس من جهة ان الفسخ يتعلق بالعين فمع نقلها الى غيره لا يمكن الرد، بل هو من جهة التعبد فقط، والا فالفسخ يتعلق بالعقد على ما عرفت سابقا، فإذا انفسخ العقد فان كانت العين باقية يأخذها والا فمثلها. ثم انه لابد وأن يعلم ان المصنف قد عبر عن رواية زرارة بالصحيحة

[ 24 ]

في موردين، وهذا اشتباه، لان في سندها موسى بن بكر، وقد اختلف في حاله، وقال بعضهم: انه ضعيف وواقفي، وقال بعضهم: انه ممدوح كالمجلسي وابن ادريس في آخر السرائر، وهذا هو الظاهر، ولعل وجه تضعيف بعضهم انه واقفي، وان استشكل بعضهم في كونه واقفيا ايضا. وكيف كان فالرواية وان كانت معتبرة ولكنها ليست بصحيحة، ولعل المصنف تبع في التعبير عنها بالصحيحة قول العلامة، حيث انه عبر عنها بذلك في ولد الملاعنة لا في هذه الرواية بل في رواية اخرى مروية بهذه السند، وهو ايضا اشتباه، فان العلامة قد ضعف موسى بن بكر في الخلاصة (1)، ومع ذلك حكم بصحة روايته، وهذا استدراك مما تقدم (2). بيان آخر وتتميم البحث وأما التصرف الخارجي الغير المغير، فقد عرفت انه على ثلاثة أقسام، وعرفت القسمين منها: الف - كونه شخصية كاشفا عن الرضا بالعقد وكونه مسقطا للخيار.


1 - الخلاصة: 406، الرقم: 1639، ذكره في القسم الثاني قائلا انه واقفي. 2 - ذكره في معجم الرجال 19: 29، وأيد كونه واقفيا لما ذكره الشيخ، أما وثاقته فقد رد ما استدل به على كثرة رواياته ورواية الاجلاء عنهو توثيق ابن طاووس اياه، ثم قال: نعم الظاهر انه ثقة وذلك لان صفوان قد شهد بأن كتاب موسى بن بكر مما لا يختلف فيه اصحابنا - انتهى كلامه رفع الله مقامه. الرواية المشار إليها هو ما رواه الكليني في الكافي في كتاب الميراث نقلا عن الحسن بن محمد بن سماعة قال: دفع الى صفوان كتابا لموسى بن بكر فقال لى: هذا سماعي من موسى بن بكر وقرأته عليه، فإذا فيه موسى بن بكر عن علي بن سعيد عن زرارة، قال صفوان: هذا مما ليس فيه اختلاف عند أصحابنا - الحديث، لكن الظاهر ان المراد ان هذه المسألة مما لا اختلاف فيه بين الاصحاب، والله العالم.

[ 25 ]

ب - ما يكون بنوعه كاشفا عنه، كما ذكره المصنف مثل دلالة الالفاظ، وقد استشكلنا في ذلك ايضا، وانتهى الكلام الى القسم الثالث. ج - وهو ما لم يكن بنفسه كاشفا عن الرضا بالعقد ولا بنوعه بل يكون مجرد التصرف الخارجي، فهل هذا مسقط للخيار أم لا؟ فقد يظهر من جماعة سقوطه به، بل صرح به العلامة كما تقدم. وقد استدل على ذلك بوجوه: الوجه الاول: انه ذكر الجماع في الرواية في كونه مسقط للرد، مع أنه تصرف لا يوجب احداث الحدث في الامة بوجه، بل يبقى على ما هي عليها بعد ذلك ايضا، فيعلم من ذلك ان مطلق التصرف يكون موجبا لسقوط الرد هنا. وفيه ان هذه الرواية على عدم سقوط الرد بمطلق التصرف ادل، فانه لو كان مطلق التصرف موجبا لسقوط الرد لم تصل النوبة الى التعبير بالجماع، إذ يستحيل عادة خلو الجماع عن المقدمات والتصرفات من اللمس والتقبيل والنظر الى ما لا يحل لغير المولى ونحو ذلك، فحيث اعتبر الجماع مسقطا دون غيره من مقدماتها فيعلم من ذلك ان مطلق التصرف لا يكون مسقطا للرد، وانما الجماع مسقط للنص الخاص فلا يمكن التعدي منه الى غيره. الوجه الثاني: دعوى الاجماع على ذلك. وفيه انه لا سبيل الى دعوى الاجماع في المقام، بحيث يكون هنا اجماع تعبدي على كون التصرف على وجه الاطلاق مسقطا للرد، وذلك لان أكثر الكلمات التي نقلها المصنف مشحونة بأن التصرف انما يكون مسقطا للرد إذا كان مع العلم بالعيب والا فلا، فيعلم من ذلك ان ذهاب الفقهاء الى ذلك من جهة قولهم بأن التصرف كاشف نوعا عن الرضا بالعقد فيكون ذلك مسقطا للرد.

[ 26 ]

وحيث استشكلنا في ذلك وان التصرف لا يكون كاشفا عنه، فاذن لا وجه للاجماع والتمسك به ليكون التصرف مسقطا للاجماع التعبدي، وهذا واضح لا يخفى. الوجه الثالث: ما ورد في خيار الحيوان من تفسير الحدث بمثل التقبيل واللمس والنظر الى ما لا يحل لغير المولى، فيعلم من ذلك ان المراد من الحدث ليس هو حدوث تغيير في العين، بل المراد منه هو مطلق التصرف، والا لما فسره الامام (عليه السلام) بمثل اللمس ونحوه، وان كان ذلك في اللغة بمعنى التغيير كما لا يخفى. وفيه أولا: انه قد ورد سقوط الخيار بالامور المذكورة في مورد خاص، وهو خيار الحيوان، وقلنا: ان ذلك ليس من جهة ان معنى الحدث هو ذلك بل للتعبد الخاص، وقد عرفت في خيار الحيوان انه لا يمكن التعدي من ذلك الى بقية التصرفات في نفس خيار الحيوان، أي يكون التصرف موجبا لسقوط خيار الحيوان فضلا عن التعدي الى غير خيار الحيوان. وثانيا: لو تعدينا الى خيار الحيوان وقلنا بسقوطه باي تصرف في الحيوان فبأي وجه نتعدي الى غير خيار الحيوان ايضا. وكيف كان فلا يمكن التعدي من تلك الرواية الى المقام والقول بأن معنى الحدث هو أي تصرف وان لم يكن مغيرا للعين. بيان آخر فتحصل انه لا دليل على كون مطلق التصرف موجبا لسقوط الخيار، بل نقول ان لنا دليل على عدم سقوط الرد بمطلق التصرف، وهو وجوه: 1 - رواية الجماع على التقريب المتقدم.

[ 27 ]

2 - ما دل على أنه لو اشترى أحد امة ولم يطأها في ستة اشهر جاز ردها (1)، ومن البديهي انه لا يخلو عادة في هذه المدة ان المشتري يتصرف فيها، ولو بالامر بكنس الدار وبمثل ناولني الماء ونحو ذلك، فلو كان مطلق التصرف موجبا لسقوط الرد لم يحكم الامام (عليه السلام) بالرد في ستة أشهر، فذكر الجماع دون غيره دليل على عدم سقوط ردها بمطلق التصرف. 3 - ما دل على جواز رد المملوك من احداث السنة، أي العيوب التي ظهرت في مدة السنة، فانها تكشف عن كون سبها قبل الشراء، فان العادة جارية بظهور العيوب السابقة في مثل هذه المدة، وتسمى ذلك أحداث السنة، ومن الواضح ان من المستحيل عادة ان لا يتصرف المشتري في هذه المدة اصلا ولو بتصرف لا يغير العين اصلا. 4 - نفس الرواية التي دلت على عدم جواز الرد باحداث الحدث، فانها تدل على ذلك إذا كان في المبيع عيب أو عوار واحداث المشتري فيه الحدث وبمفهومها تدل على جواز الرد ما لم يحدث فيه الحدث، ومن الواضح انا علمنا من الخارج ان مطلق التصرف ليس من مصاديق احداث الحدث لا عرفا ولا لغة ولا شرعا، فمقتضى مفهوم هذه الرواية يجوز رده لذلك كما هو واضح. وعلى الجملة ان مطلق التصرف لا يكون مسقطا لخيار العيب أولا لعدم الدليل والمقتضى على ذلك، وثانيا: لقيام الوجوه المذكورة على عدم السقوط بمطلق التصرف.


1 - عن داود بن فرقد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية مدركة ولم تحض عنده حتى مضي لذلك ستة أشهر وليس بها حبل؟ قال: ان كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب ترد منه (الكافي 3: 108، عنه الوسائل 2: 338)، صحيحة.

[ 28 ]

نعم يسقط بمثل احداث الحدث للنص، بحيث لو لم يكن هنا نص لم نقل بالسقوط بمثله ايضا بل باتلاف العين ايضا، فان الفسخ لم يتعلق بالعين حتى يسقط الخيار بنقلها بل بالعقد، فيمكن فسخه بتلف العين وتنتقل العين الى المثل أو القيمة كما هو واضح. ومن جميع ما ذكرناه ظهر لك حكم اتلاف العين كما هو واضح. احداث الحدث مسقط له بوجوده وان لم يبق اثره بقاءأ أم لا؟ ثم انه يقع الكلام في أن احداث الحدث الذي كان موجبا لسقوط الخيار هو مسقط له بوجوده حدوثا وان لم يبق اثره بقاءا، أو انما يكون مانعا عن الرد بقاء، الذي يظهر لنا من الرواية الدالة على مسقطية احداث الحدث الرد، فان الظاهر من قوله (عليه السلام): فاحدث فيه بعد ما قبضه شيئا وعلم بذلك العيب فانه يمضي عليه البيع، ان الحدث موجود في حال الرد، ولذلك قال (عليه السلام): يمضي عليه البيع. وبعبارة اخرى انك قد عرفت سابقا ان التصرف باي نحو كان لا يكون مسقطا للرد حتى التلف، فان الفسخ انما يتعلق بالعقد لا بالعين حتى لا يمكن الفسخ ورد العين بعد التلف أو التصرف المغير للعين، وانما ثبت لنا بالنص الخاص ان احداث الحدث يكون مانعا عن الرد، والحكمة في ذلك هو ارفاق البايع. ومن الواضح ان الارفاق انما يتحقق ويحصل إذا كان العيب موجودا في العين حال ردها الى البايع، وأما إذا برأ الى وقت الرد فلا يكون ذلك مانعا عن الرد، وهذا المعنى هو الذي يقتضيه مناسبة الحكم والموضوع.

[ 29 ]

فروع الفرع الاول: وطئ الجارية يمنع عن ردها قوله (رحمه الله): فرع: لا خلاف نصا وفتوى في أن وطئ الجارية يمنع عن ردها. أقول: المشهور بل المجمع عليه بين الاصحاب (1) هو ان وطئ الجارية مانع عن الرد، وانما الكلام في دليل ذلك، مع أنه لا دليل على كون التصرف مانعا عن الرد. وقد علل العلامة المنع في موضع من التذكرة بأن الوطئ جناية، ولهذا يوجب غرامة جزء من القيمة كسائر جنايات المملوك، وقد ذكر في كلام الاسكافي ايضا ان الوطئ مما لا يمكن معه رد المبيع الى ما كان عليه قبله، فانه لابد وأن يكون مراد الاسكافي ايضا ما ذكره العلامة، فانه لا مفهوم له الا ذلك، إذ النظر والتقبيل ونحو ذلك ايضا يوجب ان الامة مع ذلك فلا يمكن ردها الى ما كانت عليه قبل النظر والتقبيل، فلابد وأن يراد ما ذكره العلامة من كون الوطئ جناية. وقد أيد المصنف ذلك بما ورد في جملة من الروايات من قوله (عليه السلام): معاذ الله أن يجعل لها أجر (2)، فان فيه اشارة الى انه لو ردها لابد أن يراد معها شيئا تداركا للجناية، إذ لو كان الوطئ مجرد استيفاء منفعة


1 - المقنعة: 597، النهاية 2: 157، المبسوط 2: 125، المهذب 1: 392، الكافي: 358، المراسم: 175، السرائر 2: 298. 2 - عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنه سأل عن الرجل يبتاع الجارية فيقع عليها ثم يجد بها عيبا بعد ذلك؟ قال: لا يردها على صاحبها ولكن تقوم ما بين العيب والصحة فيرد على المبتاع، معاذ الله أن يجعل لها أجرا (الكافي 5: 215، التهذيب 7: 61، عنهما الوسائل 18: 103)، صحيحة.

[ 30 ]

لم يتوقف ردها على رد عوض المنفعة لكون الاستيفاء واقعا في ملكه فلا يجب مع الرد رد المنفعة كما هو واضح، فان الفسخ فسخ للعقد من حين الفسخ لا من الاول. أقول: أما كون الوطي جناية فهو بديهي البطلان، ولم يلتزم به أحد في بقية الموارد، ولذا لو زنى أحد بامرأة - العياذ بالله - أو وطأ غلاما لم يتوهم أحد انه يؤخذ منه الجناية، نعم ثبت الجناية في ازالة البكر، ولكن ذلك من جهة كونه ازالة صفة كمال لا من جهة الوطئ، فما ذكره العلامة والاسكافي مما لا وجه له. ومن هنا انه لا فرق في التصرفات الغير المغيرة بين الوطئ وغيره، فانه ايضا من التصرفات الغير المغيرة كما لا يخفى. وأما ما ذكر في الروايات من قوله (عليه السلام): معاذ الله أن يجعل لها أجر، لا يدل على أن ذلك من باب الجناية وان الاستعاذة من جهة نفي الاجرة. وأما ما ذكره المصنف من حمل الرواية على التقية، وان امير المؤمنين (عليه السلام) تكلم بذلك رعاية لحال رعيته، فهو بعيد، بل ذلك من جهة ان امير المؤمنين (عليه السلام) تكلم بذلك اشعارا الى ان الحكم هنا أمر ثابت بالتعبد، لا انه من تلقاء نفس، لاني ليست مشرعا حتى اجعل لها اجرا، ولذا قال (عليه السلام) في رواية ميسر: معاذ الله أن أجعل لها أجرا (1). بل التحقيق ان عدم جواز الرد مع الوطئ من جهة التعبد بالروايات الواردة في المقام، فانها دلت على ذلك كما هو واضح.


1 - عن محمد بن ميسر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان على (عليه السلام) لا يرد الجارية بعيب إذا وطئت، ولكن يرجع بقيمة العيب، وكان على (عليه السلام) يقول: معاذ الله ان اجعل لها أجرا (الفقيه 3: 139، عنه الوسائل 18: 104).

[ 31 ]

الوطئ يمنع من الرد مطلقا أو استثنى منه صورة كون الجارية حاملة؟ وقد انتهى الكلام الى ان الوطئ يمنع من الرد أم لا، وقلنا بكونه مانعا عن الرد للروايات الخاصة لا من جهة انه احداث الحدث، ولا من جهة انه تصرف، ولا من جهة انه جناية كما ذهب إليه العلامة، وانما الكلام في أنه مانع عن الرد مطلقا وليس منه استثناء أو استثنى منه صورة كون الجارية حاملة، كما ان اصل مانعية الوطئ عن الرد مستثنى عن اصل عدم مانعية التصرف عن الرد. والمشهور هو الثاني، وان الحمل مع كونه عيبا والوطئ ليس مانعا عن الرد، وكلمات اكثرهم في ذلك مطلقة، أي اعم من أن يكون هنا عيب آخر غير الحمل أو يكون هو الحمل فقط، سواء كان الحمل هو العيب أم لم يكن الحمل عيبا. وقد ذكروا هنا ايضا ان الجارية ترد ويرد معها العشر كما هو المشهور، واستندوا في ذلك الى ظاهر من الروايات، منها صحيحة ابن سنان الدالة على رد الجارية الحاملة ورد نصف عشر قيمتها (1). وكذلك في روايتي عبد الملك (2) وابن أبي عمير (3)، وفي صحيحة


1 - عن ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية حبلى ولم يعلم بحبلها فوطأها، قال: يردها على الذي ابتاعها منه ويرد معها نصف عشر قيمتها لنكاحه اياها - الحديث (الكافي 5: 214، التهذيب 7: 61، الاستبصار 3: 80، عنهم الوسائل 18: 105)، صحيحة. 2 - عن عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها وله أرش العيب، وترد الحبلى ويرد معها نصف عشر قيمتها (الكافي 5: 214، التهذيب 7: 62، عنهما الوسائل 18: 105)، ضعيفة بعبد الملك. 3 - عن ابن أبي عمير عن بعض اصحابنا عن سعيد بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في رجل باع جارية حبلى وهو لا يعلم فنكحها الذي اشترى، قال: يردها ويرد نصف عشر قيمتها (التهذيب 7: 62، الاستبصار 3: 80، عنهما الوسائل 18: 108)، ضعيفة بالارسال.

[ 32 ]

محمد بن مسلم: يردها ويكسوها (1)، وفي رواية عبد الملك: يردها و يرد عشر ثمنها (2). وهذه الروايات تدل على ما ذهب إليه المشهور بل ادعى الاجماع على العمل بظاهرها، ولكن خلافا لما عن الاسكافي حيث حملها على كون الجارية ام ولد من المولى، والتزام بوجوب الرد لبطلان بيع ام الولد، ويكون رد نصف عشر القيمة في مكان مهر المثل في الحر الموطوءة بشبهة. وقد اختار ذلك في المختلف (3) بل هو ظاهر الشيخ في النهاية (4)، حيث قال: فان وجد بها عيبا بعد ان وطأها لم يكن له ردها وكان له ارش العيب خاصة الا أن يكون العيب من حبل فيلزمه ردها على كل حال وطأها أو لم يطأها ويرد معها إذا وطأها نصف عشر قيمتها. ثم ذكر المصنف: ويمكن استفادة هذه من اطلاق المبسوط (5) القول بمنع الوطئ من الرد، فان من البعيد عدم استثناء وطئ الحامل وعدم


1 - عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يشتري الحبلى فينكحها وهو لا يعلم، قال: يردها ويكسوها (الكافي 5: 215، الفقيه 3: 139، التهذيب 7: 62، الاستبصار 3: 81، عنهم الوسائل 18: 107)، صحيحة. 2 - عن عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يشتري الجارية وهي حبلى فيطأها، قال: يردها ويرد عشر ثمنها إذا كانت حبلى (التهذيب 7: 62، الاستبصار 3: 81، الفقيه 3: 139، عنهم الوسائل 18: 107)، ضعيفة بعبد الملك. 3 - المختلف 5: 179. 4 - النهاية 2: 161. 5 - المبسوط 2: 125.

[ 33 ]

تعرضه لحكمه، مع اشتهار المسألة في الروايات والسنة القدماء واطلاع الشيخ على الروايات الدالة على ذلك، وهذا القول هو ظاهر الرياض والوسيلة (1). ثم اختاره المصنف ايضا وقال: ان الروايات المتقدمة وان كان في بادئ النظر ما ذكره المشهور الا ان العمل على هذا الظهور يستلزم مخالفة الظاهر من وجوه: 1 - انه يلزم المخالفة على هذه الرواية من أحد الطرفين، اما مخالفة ظهورها في وجوب رد الجارية فانها ظاهرة في وجوب رد الجارية وحملها على الرد مع الوطي وصحة البيع لا يستقيم الا برفع اليد عن حملها على وجوب الرد، إذ مع صحة البيع لا يجب الرد بل كان جائزا، وأما القول بوجوب الرد فلا يمكن القول بصحة البيع بل يلتزم بفساد البيع لكونه بيع ام ولد، فيكون الرد واجبا لوجوب رد مال الغير إليه، ومن الواضح هذا الحمل مخالف للظاهر بلا شبهة، لكون الجملة الخبرية الوارد فيها ظاهرة في الوجوب كما حقق في الاصول، وحملها على مجرد الجواز خلاف الظاهر منها. واما أن يقيد الحمل بكونه من غير المولى حتى يكون الجملة الخبرية واردة في مقام دفع توهم الحظر الناشئ من الاخبار المتقدمة المانعة من رد الجارية بعد الوطئ، إذ لو بقي الحمل على اطلاقه لم يستقم دعوى وقوع الجملة الخبرية في مقام دفع توهم الحظر. وبالجملة ان دعوى جواز رد الجارية الحاملة وعدم مانعية الحمل من الرد من آثار البيع الصحيح، فبعد كون البيع بيع ام ولد أم اطلاقه وكونه


1 - الوسيلة: 256، رياض المسائل 2: 535.

[ 34 ]

اعم من بيع ام الولد وغيره كان البيع باطلا ووجب رد الجارية الى مالكها، فلابد اما من رفع اليد من ظهور الرد في الوجوب الذي هو ظاهر الجملة الخبرية وحملها على الجواز، أو حمل الوجوب على دفع توهم الحظر الناشئ من الاخبار، فكان السائل توهم عدم جواز الرد مع الوطئ مطلقا فسأل عن ذلك مع كون الجارية حاملة. ومن الواضح ان كلاهما ارتكاب على خلاف الظاهر، فلابد من بقاء ظاهرها وثبوت الرد على حال، فتكون الروايات حينئذ محمولة على ام الولد وتكون خارجة عما نحن فيه. على أنه يبعد حمل تلك الروايات على الجواز اختلاف السياق، فانه ذكر فيها انه يرد الجارية ويرد نصف عشر قيمتها، فانه من البعيد أن تحمل كلمة يرد الجارية على الجواز، وكلمة يرد نصف عشر قيمة على الوجوب، فمقتضى اتحاد السياق هو أن يراد من كلمة يرد وجوب الرد في كلا الموردين، وعليه فتكون الروايات محمولة على ام ولد المولى. 2 - ان الروايات المذكورة منطبقة على وجوب رد نصف عشر القيمة أو عشرها، وهذا لا يجتمع مع القواعد، فان مقتضى القاعدة منافع مال كل شخص عائدة إليه وإذا استوفاها فتكون له، وعليه فلا مقتضى لاعطاء عشر قيمة الجارية أو نصف عشر قيمتها لكون استيفاء المنفعة واقعا في ملكه. وعليه فلابد اما من الالتزام بأن استيفاء المنفعة هنا من المالك الاول وان كان في ملكه فيكون ما نحن فيه تخصيصا للقاعدة المذكورة المسلمة وهو بعيد، أو لابد من الالتزام بكون المورد تخصيصا لما هو المسلم، من أن بطلان العقد من حين الفسخ لا من حين العقد ومن أول الامر، ويقال في المقام بأن الفسخ من الاول فيكون العقد باطلا من الاول ويكون ما استوفاه

[ 35 ]

المشتري من المنافع من اموال البايع، وعليه يجب ردها إليه ورد نصف عشر القيمة أو عشرها من جهة ذلك. وبعبارة اخرى ان كون العقر على المشتري مخالف لقاعدة عدم العقر في وطئ الملك أو مخالف لقاعدة كون الرد بالعيب فسخا من حينه لا من اصله، وهذا ايضا بعيد. 3 - ان الالتزام بعدم كون الوطئ مانعا عن الرد مع كون الجارية حبلى مخالف لما ورد عموما من كون احداث الحدث مانعا عن الرد، وما ورد خصوصا من كون الوطئ مانعا عن الرد، وهذا ايضا بعيد. 4 - انه ذكر المصنف (رحمه الله) ايضا ان هذا المعنى يستفاد من روايتين: الاولى: رواية ابن أبي عمير في رجل باع جارية حبلى وهو لا يعلم (1)، فان السؤال في هذه الرواية عن بيع ام الولد، والا لم يكن لذكر جهل البايع في السؤال فائدة، فان ما له فائدة انما هو جهل المشتري فانه مع الجهل يكون له خيار العيب، وأما مع عدم الجهل فلا يكون له خيار لاقدامه بذلك البيع، وأما إذا كانت الجارية ام ولد فجهل البايع له فائدة، فانه مع عدم الجهل بالحمل لا يمكن له بيع الجارية لكونها ام ولد. الثانية: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل يشتري الجارية الحبلى فينكحها قال: يردها ويكسوها (2)، فان قوله (عليه السلام) يكسوها مشعرة بما ذكرناه، حيث انه ثبت في الشريعة المقدسة ان


1 - عن ابن أبي عمير عن بعض اصحابنا عن سعيد بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في رجل باع جارية حبلى وهو لا يعلم فنكحها الذي اشترى، قال: يردها ويرد نصف عشر قيمتها (التهذيب 7: 62، الاستبصار 3: 80، عنهما الوسائل 18: 108)، ضعيفة بالارسال. 2 - عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يشتري الحبلى فينكحها وهو لا يعلم، قال: يردها ويكسوها (الكافي 5: 215، الفقيه 3: 139، التهذيب 7: 62، الاستبصار 3: 81، عنهم الوسائل 18: 107)، صحيحة.

[ 36 ]

الكسوة ثبت للحرة يطيها، وحيث ان ام الولد فيها شأنية الحرية فلهذا اثبت الامام (عليه السلام) فيها الكسوة. بيان آخر والحاصل انه ذكر المصنف ان الاخبار المذكورة وان كانت ظاهرة في بادئ النظر فيما ذهب إليه المشهور، من كون الوطئ غير مانع عن رد الجارية الحاملة، ولكن لابد من رفع اليد عن هذا بوجوه، وحملها عن ام الولد: 1 - ان الجملة الخبرية الفعلية فيها، وهي قوله (عليه السلام): يردها، ظاهرة في الوجوب، وهي لا تصح الا في حمل الجارية على ام الولد، لوجوب ردها الى مالكها من جهة بطلان البيع فيها، فلو حملناها على غير ام الولد فاما لابد من رفع اليد عن ظهور الجملة الخبرية في الوجوب وحملها على جواز الرد، وهو خلاف الظاهر منها، وأما ابقائها في ظاهرها ولكن يحمل الوجوب على دفع توهم الحظر من جهة الاطلاقات الدالة على مانعية رد الوطئ، وهذا ايضا خلاف الظاهر من الوجوب. وبعبارة اخرى حمل البيع على البيع الصحيح يستلزم الارتكاب باحد خلافي الظاهر، من كون الجملة الخبرية الواقعة في الرواية ظاهره في الوجوب كما هو واضح. 2 - ان المنافع المستوفاة انما هي للمشتري لكونها في ملكه، وحمل الروايات على غير ام الولد يستلزم أن تكون تلك المنافع للبايع، لان تلك الاخبار تدل على رد عشر القيمة أو نصف عشر القيمة، وعليه فلابد اما من الالتزام بكون المنفعة هنا للبايع تخصصا، للقاعدة الدالة على أن منافع الملك للمالك، أو من الالتزام بكون الفسخ من الاول لا من حين الفسخ، وهذا ايضا بعيد جدا.

[ 37 ]

3 - ان الالتزام بعدم حملها على ام الولد والقول بجواز وطئ الجارية الحاملة غير مانع عن الرد للزم الالتزام بتقييد ما دل باطلاقه على مانعية الحدث والتصرف من الرد لكونه كاشفا عن الرضا بالعقد ومنافيا لاطلاق ما دل على مانعية خصوص الوطئ عن الرد، وهذا ايضا بعيد. 4 - قد وقعت الاشارة في مرسلة ابن أبي عمير الى كون الجارية ام ولد، لانه وقع في السؤال فيها انه باع جارية حبلى وهو لا يعلم، ومن الواضح انه لا اثر لجهل البايع في بيع غير ام الولد، وأما في بيع ام الولد فله اثر لانه مع العلم بكونها ام ولد لا يبعها. وايضا ذكر في الصحيحة انه يرد الجارية ويكسوها، ومن الواضح ان الكسوة انما هي وقعت في طلاق الحرة مع عدم فرض المهر لها، وحيث ان ام الولد متشبثة بالحرية قد ذكر الامام (عليه السلام) فيها الكسوة. 5 - ان هذه الاخبار الدالة على جواز رد جارية الحاملة بعد الوطئ و عدم مانعية الوطئ عن الرد فيها ظاهرة في أن الرد انما وقع بعد تصرف المشتري في الجارية بغير الوطي، من مثل اسقني الماء واغلق الباب ومقدمات الوطئ وغير ذلك من التصرفات التي يبعد عادة بل يستحيل خلو المشتري عنها، ولا ان الجارية تنفك عنها، وتقييد هذه الروايات بصورة عدم هذه التصرفات تقييد بها بالفرض النادر. نعم التزمنا بالتقييد بذلك في غير هذه الاخبار مما دل على رد الجارية بعد مدة طويلة كستة اشهر على ما تقدم، وانما التزمنا على ذلك من جهة الدليل الدال على لزوم العقد بالتصرف، ولكن لا داعي لهذا التقييد هنا، لعدم امكان تقييد ما دل على رد الجارية بعد مدة طويلة بنحو آخر، ولكنه يمكن تقييدها بنحو آخر في المقام، فانه يمكن تقييد الحمل هنا بكونه من المولى لتسلم هذه الاخبار الدالة على رد الجارية الحاملة بعد الوطي عن جميع التقييدات المتقدمة كما لا يخفى.

[ 38 ]

غاية الامر ان هذه الاخبار تعارض مع ما دل على منع الوطئ عن الرد بالعموم من وجه، فيبقى ما عدا الوجه الثالث مرجحا لتقييد هذه الاخبار. وتوضيح ذلك: ان هذه الاخبار اخص من حيث اختصاصها بصورة الحبل وعدم شمولها لموارد الوطئ باجمعها، ولكنها مطلقة من حيث كون الحمل من المولى لتكون الجارية ام ولد أم من غير المولى، لئلا تكون الجارية ام ولد، والاخبار الدالة على مانعية الوطئ عن الرد فهي اخص من حيث موردها، وهو البيع الصحيح، وعدم شمولها الجارية التي هي ام الولد. لان الكلام فيها قد فرض في البيع الصحيح، ومن الواضح ان بيع ام الولد سواء كان مع العلم أو بدونه ليس بصحيح، فلا تكون شاملة لام الولد، ولكنها اعم من حيث كون الوطي وطيا للجارية الحاملة أو الحائلة لاطلاقها، وحينئذ تقع المعارضة بينهما. والوجوه المتقدمة مرجحة لها، وعلى تقدير التكافؤ والتساقط وجب الرجوع الى عموم ما دل ان احداث الحدث مطلقا مانع عن الرد لكونه رضا بالبيع. ثم ذكر انه يمكن الرجوع الى ما دل على جواز الرد مع قيام العين كمرسلة جميل بن دراج المتقدمة (1). ثم ذكر انه مع المناقشة في عموم ما دل على عدم جواز الرد بمطلق التصرف وجب الرجوع الى أصالة جواز الرد الثابت قبل الوطئ، ولكن


1 - عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد به عيبا، قال: ان كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه واخذ الثمن، وان كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب، (الكافي 5: 207، الفقيه 3: 136، التهذيب 7: 60، عنهم الوسائل 18: 31)، ضعيفة.

[ 39 ]

يبقى ان لزوم العقر على المشتري بنصف عشر القيمة أو عشرها بلا وجه، ولكن يمكن اثباته بعدم القول بالفصل لانه كل من قال بلزوم رد الجارية الحاملة بعد الوطئ قال بذلك مع العقر، وكل من لم نقل لم نقل بذلك مطلقا. والحاصل ان المصنف اثبت في النتيجة ما ذهب إليه صاحب الرياض (1) وغيره، من حمل الاخبار المذكورة على ام الولد، وان وطئ الجارية الحاملة ايضا مانع عن الرد كما هو واضح، فافهم، هذه هي محصل الوجوه التي ذكرها المصنف، والعمدة منها هي الوجه الاول والخامس. التحقيق في المقام أقول: الاولى ما ذهب إليه المشهور من جواز رد الجارية الحاملة بالوطئ وعدم حملها بام الولد، والوجوه التي ذكرها المصنف تأييدا لحملها على ام الولد وكونها اجنبية عن جواز رد الجارية الحاملة بعد الوطئ لا ترجع الى محصل. أما الوجه الاول الذي هو من عمدة الوجوه، فجوابه ان ما ذكره من كون الجملة الخبرية ظاهرة في الوجوب فهو متين، ولكن ذلك لا يوجب حملها على ام الولد حفظا لظاهرها، بل هي ظاهر في الجارية الحاملة من غير المولى. فالجملة وان كانت ظاهرة في الوجوب ولكن القرينة دلت على كون الوجوب في مقام دفع توهم الحظر الناشئ من المطلقات الدالة على


1 - رياض المسائل 2: 535.

[ 40 ]

مانعية الوطئ من الرد، فلا تحمل الجملة الانشائية على الجواز ابتداء ليكون ذلك الحمل على خلاف الظاهر، بل تدل على دفع توهم الحظر، ولازم ذلك هو جواز الرد لا وجوبه. فالجملة باقية على استعمالها في الوجوب ولكن في الوجوب في دفع توهم الحظر ويلزم عليه الجواز، والذي يدل على ارادة الحمل من غير المولى ما وقع في بعض تلك الروايات المقابلة بين الجارية الحبلى إذا وطأها المشتري فحكم الامام (عليه السلام) بردها، وبين الجارية التي ليست بحبلى ووطأها المشتري حيث حكم الامام (عليه السلام) بعدم جواز ردها. فهذه المقابلة تدل على أن الرد وعدم الرد قد وردا على الورد واحد، ومن الواضح أن يقبل هذه المقابلة أي الرد تارة وعدم الرد اخرى هو البيع الصحيح لا الباطل، فتكون ام الولد خارجة عن حدود تلك الاخبار، بل الامر كذلك إذا لم تكن هنا مقابلة، حيث ان كلمة: ترد الجارية، صريحة في ارادة البيع الصحيح دون الفاسد، فلا يمكن حمل الجارية حينئذ على ام الولد. وذلك ان من الواضح جدا ان المراد من الرد ليس هو الرد الخارجي الحقيقي، لبداهة عدم وجوب ذلك حتى مع كون الجارية ام ولد وبطلان البيع لجواز ابقاء الجارية عند المشتري بالاجازة أو بالاجارة ونحوهما، بل المراد من الرد هو الرد الاعتباري، أي الرد الى ملك البايع. وبعبارة اخرى ان المراد هو الرد الخارجي، ولكنه كناية عن الرد الاعتباري، ومن الواضح ان الرد الى ملك البايع لا يمكن الا بالفسخ بعد كون البيع صحيحا فلا يعقل صحة المعاملة مع كون الجارية ام ولد لبطلان البيع مع ذلك. والذي يدل على هذا المعنى، وعلى كون الوجوب لدفع توهم الحظر

[ 41 ]

ما في صحيحة ابن سنان، من استشهاد الامام (عليه السلام) بقوله: لا ترد الجارية التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها (1)، حيث انه لا وجه لذلك بعد كون الجارية ام ولد وبطلان البيع، فانه مع بطلان البيع أي معنى لاستشهاده (عليه السلام) بقسم خاص من البيع الصحيح، وانه لا ترد الجارية في هذا القسم فتدل هذه المقابلة على كون الصورة الاولى، وهو رد الجارية الحاملة مع الوطئ في البيع الصحيح ايضا. وهذه الفقرة أي الاستشهاد بكلام على (عليه السلام) ايضا تدل على كون الوجوب لدفع توهم الحظر، حيث انه توهم السائل من المطلقات عدم جواز رد الجارية بعد الوطي مطلقا، فدفع الامام (عليه السلام) ذلك التوهم باختلاف الموردين. وبالجملة ففي الرواية قوة ظهور على ما ذكرناه كما لا يخفى. فالجملة الخبرية انما استعملت في الوجوب وفي مقام انشاء الحكم من غير ارادة الجواز منها ليكون خلاف الظاهر منها، ولكن في دفع توهم الحظر، ولازم ذلك هو الجواز، فانه بعد بيان اختلاف الموردين بدفع توهم الحظر يعلم ان فيما نحن فيه يجوز الرد، كما ان للرواية قوة ظهور في أن المراد من الرد هو الكناية عن فسخ العقد وان الرد خارجي، ولكن ذلك كناية عن الرد الاعتباري وهو الرد الى الملك وفسخ العقد، فافهم ذلك واغتنم. والحاصل ان المستفاد من كلمة يرد في الروايات ان المراد منها هو جواز رد الجارية الحاملة من غير المولى بعد وطئ المشتري لها، فان


1 - عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: قال على (عليه السلام): لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها ويوضع عنه من ثمنها بقدر عيب ان كان فيها (الكافي 5: 214، التهذيب 7: 61، عنهما الوسائل 18: 102)، صحيحة.

[ 42 ]

الرد كناية عن الرد الى الملك لعدم وجوب الرد الخارجي قطعا لو كان المراد من الحمل كونها حاملة من المولى، فتكون الروايات خارجة عن أم الولد موضوعا. وتدل على ذلك مقابلة الرد مع عدم رد الجارية بعد الوطئ إذا لم تكن حاملة، وتكون نفس هذه المقابلة قرينة على كون الجملة الخبرية الدالة على الوجوب واقعة في مقام توهم الحظر. المناقشة فيما ذكره المصنف (رحمه الله) وما افاده المصنف من الوجه الاول الذي هو العمدة لا يتم، اما ما افاده ثانيا من بعد كون المنافع المستوفاة في ملك المشتري للبايع كما يقتضيه وجوب رد نصف العشر على البايع، وهذا بخلاف ما إذا حملنا الروايات على ام الولد فان اعطاء نصف العشر أو العشر من القيمة في مقابل الوطئ، كما ان في وطئ الحرة شبهة يوجب مهر المثل على الواطي، فهو ايضا واضح الدفع، فان ذلك حكم قد صدر من الشارع في مورد تعبدا فلابد من العمل به كما هو واضح. وأما الوجه الثالث، من أن كون الحمل من غير المولى يستلزم التقييد في الروايات الدالة على أن الوطئ مانع عن الرد، فهو محض استبعاد، فأي مانع من التقييد والتخصيص بعد قيام الدليل على ذلك كما هو واضح، وقد شاع تخصيص العام حتى قيل ما من عام الا وقد خص. وأما الوجه الرابع أعني دلالة بعض الروايات على حمل الجارية الحاملة على ام الولد، وهي تقييد البيع بجهل البايع ففيه: أولا: ان ذلك التقييد انما وقع في كلام الراوي ولا فائدة له حينئذ، فان من يبتلي باسالة العوام يعلم ان في سؤالاتهم قيود لا فائدة في ذكرها أصلا.

[ 43 ]

وثانيا: ان فائدة التقييد ليس منحصرا بكون الجارية ام ولد، بحيث لو لم يكن البايع عالما بذلك لما باع، وأما لو كانت الجارية غير ام ولد فلا فائدة للتقييد اصلا فيكون لغوا، لامكان أن يكون التقييد من جهة بيان موضوع الخيار وانه لو كان عالما لبين عيب الجارية وهو الحمل، وحينئذ لما كان للمشتري خيار اصلا فيكون الغرض من التقييد وهو الاثر الوضعي. ويمكن أن يكون الغرض من ذلك هو رفع الحكم التكليفي ايضا، فانه لو كان البايع عالما بالعيب لكان بيعه بدون بيان غشا محرما وبعيد من المسلم أن يرتكب ذلك وانما اقدم عليه جهلا، وكيف كان فلا دلالة في هذا التقييد على ما ذكره المصنف. وأما ذكر الكسوة في رواية ابن مسلم (1) فهو انما يشعر بما ذكره المصنف، إذا قلنا ان الواجب على المشتري لزوم رد نصف عشر القيمة أو عشر القيمة، وأما إذا قلنا انها أحد افراد الواجب المخير كما سنذكره فلا اشعار فيها اصلا بما ذكره المصنف. وأما الوجه الخامس، من أنه لو حملنا الجارية على غير ام الولد فيلزم تقييد ما دل على كون التصرف مسقطا، لان الوطئ لا ينفك عن التصرفات، وهذا بخلاف ما لو حملناها على ام الولد، فانه لا داعي لهذا لتقييد اصلا. وفيه أولا: انه لا دليل على كون التصرف مطلقا مسقطا للرد، وانما المسقط هو احداث الحدث للنص الخاص على ما تقدم، بل يلتزم به


1 - عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يشتري الحبلى فينكحها وهو لا يعلم، قال: يردها ويكسوها (الكافي 5: 215، الفقيه 3: 139، التهذيب 7: 62، الاستبصار 3: 81، عنهم الوسائل 18: 107)، صحيحة.

[ 44 ]

المصنف ايضا الا إذا كان كاشفا عن الرضا بالعقد نوعا، وقد ناقشنا في ذلك ايضا. وثانيا: انه بعد ما قلنا بجواز رد الجارية الحاملة بعد وطئ المشتري بها، فيدل ذلك بالالتزام على أن التصرفات التي لا تخلو الجارية عنها من مقدمات الوطئ، أو مثل ناولني الماء واغلق الباب لا يكون مانعا عن الرد، فتكون هذه الروايات مقيدة لما دل على كون التصرف مسقطا للرد كما هو واضح. وأما ما ذكره من أن غاية الامر وقوع المعارضة بين ما دل على مانعية الوطئ عن الرد مطلقا، وبين ما دل على عدم مانعيه إذا كان الوطئ للحاملة بالعموم من وجه. فبناء على ما ذكرناه من حمل الاخبار الثانية على الحمل من غير المولى فلا تصل النوبة الى التساقط كما هو الصحيح، وقد عرفت عدم تمامية شئ مما ذكره المصنف ليكون مرجحا لما ذكره، وقلنا ان المتعين حمل هذه الاخبار على غير ام الولد، ومع الغض عن ذلك فتسقط كلتا الطائفتين بالمعارضة. فحينئذ فلا مانع من الرجوع الى عموم ما دل على جواز الرد بالعيب الا مع احداث الحدث، وهو روايتان: احداهما حسنة زرارة المتقدمة، فانها بعمومها تدل على الجواز، لقوله (عليه السلام): أيما رجل - الخ (1).


1 - عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار لم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، أنه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك، لو لم يكن به (الكافي 5: 207، التهذيب 7: 60، عنهما الوسائل 18: 30)، صحيحة.

[ 45 ]

والثانية: مرسلة جميل بن دراج (1)، فانهما تدلان على جواز الرد مع بقاء العين وعدم احداث الحدث، فمفهوم الحسنة هو ان التصرف ما لم يحدث حدثا في المتاع لا يوجب الرد، والخارج من المفهوم هو وطئ المشتري الجارية، للروايات الدالة على أن الوطئ مانع من الرد، والمفروض انها ابتليت بالمعارضة في صورة كون الجارية حاملة وسقطت كلتا الطائفتين. فحينئذ نرجع الى هاتين الروايتين الدالتين على جواز الرد بالعيب مطلقا الا في صورة احداث الحدث. وبالجملة فمقتضى الروايتين هو جواز الرد بالعيب مطلقا وعدم مانعية التصرف عنه الا إذا كان موجبا لاحداث الحدث، وقد خرج عن ذلك وطئ الجارية، فإذا سقط دليله بالمعارضة فنرجع الى ذلك ايضا، فنحكم بجواز الرد لهذا العموم، فان قوله (عليه السلام): ايما رجل عام، وأما لزوم العقر على المشتري فنثبت ذلك بعدم القول بالفصل، فافهم. وهذا الذي ذكرناه غير ما ذكره المصنف على فرض التساقط، فانه ذكر انه إذا تساقطت كلتا الطائفتين ووقعت الخدشة في عموم ما دل على المنع عن الرد بمطلق التصرف وجب الرجوع الى أصالة جواز الرد الثابت قبل الوطئ، ثم اثبت لزوم العقر على المشتري بالاجماع المركب. أما ما ذكره على تقدير الخدشة في عموم ما دل على مانعية التصرف عن الرد فهو مسلم، لما عرفت من عدم الدليل على كون التصرف مانعا عن


1 - عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد به عيبا، قال: ان كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه واخذ الثمن، وان كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب، (الكافي 5: 207، الفقيه 3: 136، التهذيب 7: 60، عنهم الوسائل 18: 31)، ضعيفة.

[ 46 ]

الرد بل التلف ايضا كذلك، بل لم يلتزم به المصنف ايضا على اطلاقه، وانما ذكر كون التصرف مسقطا إذا كان كاشفا نوعيا عن الرضا بالعقد، وأما اثبات الجواز باصالة الجواز ثم اثبات العقر على المشتري بعدم القول بالفصل فلا يمكن المساعدة عليه. امكان وقوع التفكيك في مفاد الاصول فان التفكيك في مفاد الاصول مما ليس بغريب، فلا بعد من الالتزام بجواز الرد، ومع ذلك لم نقل بثبوت العقر على المشتري وان كان في الواقع بينهما تلازم، فان الاستصحاب وان كان له نظر الى الواقع ايضا ولكن مع ذلك لا يترتب عليه الملازمات العقلية وان كانت ثابتة في الواقع. ومن هنا ذكر المصنف في كتاب الرسائل (1) انه لو توضأ أحد بماء أحد الانائين المقطوع أحدهما بالنجاسة وتوضأ غفلة، فانه يحكم بطهارة بدنه لمكان استصحاب الطهارة، وبقاء الحدث على حاله لاستصحاب الحدث، مع أنه نقطع بالملازمة بينهما في الواقع. والمقصود ان الملازمة الواقعية لا تقتضي القول بها في مفاد الاصول ففي المقام ان جواز الرد وان كان ثابتا بالاصل، ولكن لا يترتب عليه عدم القول بالفصل بين جواز الرد وبين ثبوت العقر على المشتري، لعدم غرابة التفكيك بينهما. وأما بناءا على ما ذكرناه فلا يجري ذلك لان جواز الرد قد ثبت بالاصل اللفظي وبالرواية، فلا محالة لا يمكن التخطي من لوازمه ايضا، فيجوز اثبات كون العقر على المشتري بعدم القول بالفصل.


1 - فرائد الاصول: 743.

[ 47 ]

عدم الفرق بين البكر والثيب ثم انه مما لابد من التنبيه عليه وهو انه بناءا على حمل تلك الاخبار على الحامل من غير المولى كما اخترناه، فلا فرق فيه بين البكر والثيب حتى مع كون ازالة البكارة جناية، لانه مع دلالة النص على جواز الرد فلا مجال للمناقشة في ذلك. وأما مع الاغماض عن ذلك والحكم بالتساقط على التقريب الذي ذكرناه فلابد من الفرق بين البكر والثيب، لان الروايات التي رجعنا إليها بعد تساقط هاتين الطائفتين انما دلت على جواز الرد مع عدم احداث الحدث، وأما مع احداث الحدث فلا يجوز الرد، ومن الواضح جدا ان ازالة البكارة من البكر من أوضح افراد احداث الحدث، فلا يجوز الرد مع ذلك. وجه آخر لتقييد الاخبار ثم انه ربما يقيد هذه الاخبار بكون الحمل من المولى بوجه سادس غير ما ذكره المصنف من الوجوه، وحاصله: ان هذه الاخبار الدالة على جواز الحامل بعد الوطي مطلق من حيث كون الواطي عالما بالحمل أو جاهلا به، وحينئذ ان قلنا بعدم سقوط الرد بالوطي مع العلم بالحمل فهو بعيد، وان قلنا بكون هذه الروايات مقيدة بحال الجهل فهو تقييد بلا موجب، وهذا بخلاف ان نحملها على الحمل من المولى، فانه حينئذ تبقى الروايات على حالها من غير أن تكون مقيدة بالعلم والجهل، فانه سواء علم المشتري بكون الجارية حاملا أو لم يعلم بها ووطأها فانه يجب عليه ردها ورد نصف العشر من قيمتها كما هو واضح.

[ 48 ]

وقد اشار المصنف الى حكم الوطئ مع العلم أو بدونه في آخر كلامه من هذا البحث، وقد أشار الى هذا الوجه المحقق الايرواني ايضا (1). أقول: يرد عليه أولا: ان الروايات المطلقة من حيث جهل المشتري بالحمل أو علمه به ضعيفة السند، فان هنا ستة روايات أو سبعة، ان كان ما ذكره في الكافي بعنوان روي رواية مستقلة، والصحاح منها وهي ثلاثة مقيدة بجهل المشتري، وما لم يقيد به ضعيف السند. وثانيا: ان النسبة بين وطئ الجارية مع العلم بكونها حاملا وبين سقوط الرد بالوطي عموم من وجه، فانه قد يكون الواطي مع العلم به راضيا بالعقد، فحينئذ يسقط الرد، وقد يكون الرضا بالعقد بدون الوطئ وقد يطأها ولكن ناسيا للحمل، أو غفلة من ذلك، أو مترددا في أنه يفسخ أو لا، أو بانيا على أنه لا يفسخ، ففي هذه الصور كلها لا يسقط الرد، فان مجرد الوطئ لا دليل على كونه مسقطا للرد الا في غير مورد الحمل للروايات المطلقة المقيدة بهذه الروايات. واذن فلا دلالة في وطئ الجارية مع العلم بحملها على الرضا بالعقد كما هو واضح. فتحصل ان الظاهر هو كون هذه الاخبار ناظرة الى ما ذهب إليه المشهور، فلا وجه لما ذهب إليه الاسكافي وتبعه جملة من الاعاظم و قربه المصنف بالوجوه المذكورة. الفرع الثاني: الحكم بثبوت نصف عشر القيمة يشمل الثيب والبكر أم لا؟ ثم انه يحكم بثبوت نصف عشر القيمة مطلقا، سواء كانت الجارية بكرا


1 - حاشية المحقق الايرواني (رحمه الله) على المكاسب 2: 53.

[ 49 ]

ام ثيبا، أو يحكم بثبوت نصف العشر في الثيب وأما البكر فلا فيها من رد عشر القيمة، فالمشهور بين الاصحاب بل عن الانتصار (1) دعوى الاجماع على اختصاص نصف العشر بالثيب وعدم شمول ذلك للبكر، إذا كانت حاملا بالسحق أو بالوطئ من الدبر أو نحو ذلك. ولكن ذكر المصنف: الا أن يدعي انصراف اطلاق الفتاوي ومعقد الاجماع كالنصوص الى الغالب، من كون الحامل ثيبا فلا يشمل فرض البكر بالسحق أو بوطئ الدبر، ولذا ادعي عدم الخلاف في السرائر (2) على اختصاص نصف العشر بالثيب وثبوت العشر في البكر، ثم ذكر: بل معقد اجماع الغنية بعد التأمل موافق للسرائر - الخ. أقول: لا مدرك لما ذكره في السرائر من ثبوت نصف عشر القيمة في الثيب وعشر القيمة في البكر الا مرسلة الكافي، من أنه ان كانت بكرا فعشر قيمتها وان كانت ثيبا فنصف عشر قيمتها (3)، وان قلنا بكون الشهرة جابرة لضعف الرواية صغرى وكبرى، ان قلنا بكون المشهور استندا في فتياهم على نصف عشر القيمة في الثيب وعشر القيمة في البكر الى هذه الرواية، وقلنا بكون الشهرة جابرة لضعف الرواية، فلا بأس بكونها مستندا للتفصيل، ولكن ذلك ممنوع صغرى وكبرى. وأما ما ورد في رواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) من أنه يرد الجارية ويرد معها شيئا (4)، غير مناف لاعطاء نصف عشر


1 - الانتصار: 439، 2 - السرائر 2: 298. 3 - الكافي 5: 215، عنه الوسائل 18: 106، ضعيفة. 4 - عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الجارية فيقع عليها فيجدها حبلى؟ قال: يردها ويرد معها شيئا (الكافي 5: 215، الفقيه 3: 139، التهذيب 7: 62، الاستبصار 3: 81، عنهم الوسائل 18: 106).

[ 50 ]

القيمة، لامكان انطباق الشئ عليه، على أن المظنون ان الرواية ضعيفة السند. وأما ما في رواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل يشتري الجارية وهي حبلى فيطأها، قال: يردها ويرد عشر قيمتها (1). فهي ايضا لا تدل على وجوب رد عشر القيمة في البكر، لانها أولا: ضعيفة السند. وثانيا: ان حملها على البكر حمل للمطلق على المورد النادر، فان كون البكر حاملا بالسحق أو بالوطئ بالدبر لا يتفق الا نادرا، ولعله لم يتفق الى الان الا مرة أو مرتين، فلا يمكن حمل المطلق على مثل هذا الفرد النادر، وحينئذ ابقاؤها على اطلاقها يقتضي المعارضة مع الروايات الكثيرة، فلابد من تقديمها على هذه الرواية لكونها مشهورة، فان نصف العشر قد رواها المشهور بخلاف عشر القيمة. ومن هنا ذكر بعضهم انه سقط منها لفظ النصف قبل كلمة عشر قيمتها، وانها كسائر الروايات من حيث المفاد، بل قيل ان الصدوق ردها مع اضافة كلمة نصف قبل كلمة عشر. وأما ما في صحيحة محمد بن مسلم، من أنه يرد الجارية ويكسوها، فحمل الكسوة على كونها مساوية لنصف عشر القيمة كما صنعه المصنف بعيد وحمل بلا موجب، بل الصحيح أن يقال: انه أحد افراد الواجب المخير، فيكون المشتري مخيرا بين رد نصف عشر القيمة واعطاء السكوة، لكون الرواية صحيحة من حيث السند وواضحة الدلالة، فلا وجه لرفع اليد عنها وحملها على شئ آخر.


1 - التهذيب 7: 62، الاستبصار 3: 81، الفقيه 3: 139، عنهم الوسائل 18: 107، ضعيفة بعبد الملك.

[ 51 ]

كما إذا ورد وجوب الاتمام في مورد وورد فيه ايضا تعين القصر، فحيث انه قامت الضرورة على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد فنرفع اليد عن كون الامر ظاهر في التعين فيهما، فنحملهما على التخيير. ودعوى ان ازالة البكر أمر آخر وراء الوطئ، بل قد عرفت انها جناية فكيف يمكن الحكم باتحادهما في ردها والرد معها نصف عشر القيمة، دعوى فاسدة، لانه يختلف نصف عشر القيمة في الثيب مع نصف عشرها في البكر، حيث ان قيمة البكر اكثر من الثيب، فإذا رد معها الى البايع نصف عشر قيمتها تنجبر معه جناية البكر وارش ازالة البكارة. مثلا إذا كانت قيمة الثيب عشرين وقيمة البكر خمسين فيكون نصف العشر في الثيب دينار وفي البكر دينارين ونصف، فيكون التفاوت بينهما تفاوتا بين وطئ الثيب ووطئ البكر وازالة بكارتها. شموله للوطئ بالدبر ثم انه هل يشمل الوطئ في الدبر ايضا أم لا؟ فقد توقف المصنف في ذلك، من حيث ان اطلاق الوطئ يشمله، فيجوز ردها مع وطئها في دبرها ايضا، ومن حيث انه يمكن دعوى انصرافه الى الوطئ المتعارف، فيقتصر في مخالفة العمومات على ظاهر اللفظ، فلا يجوز ردها بعد الوطئ في دبرها. ولكن الظاهر انه لا وجه لتوقف المصنف، سواء قلنا بشمول الاطلاقات له أو قلنا بانصرافها عنه، وذلك اما بناءا على شمول الاطلاق له فواضح، وأما بناءا على انصراف لفظ الوطئ عنه وعدم شمول الاطلاق له، فمن جهة انه لا يكون حينئذ مشمولا لما دل على عدم جواز الرد بالوطئ ايضا.

[ 52 ]

فكلمة الوطئ في كلا الموردين قد استعملت على نسق واحد، فلا وجه لدعوى شموله للوطئ في الدبر في تلك الاخبار وعدم شموله في هذه الاخبار، وقد ذكرنا سابقا ان الوطئ بما هو وطئ ليس احداثا للحدث حتى يمنع عن الرد كما هو واضح. فعلي كل حال فلا وجه لدعوى ان الوطئ في الدبر يمنع عن رد الجارية. وأما اللمس والتقبيل ونحوهما من مقدمات الوطئ فلا ينبغي التعرض لها اصلا، فان من الواضح جدا ان الوطئ لا يخلو عن تلك المقدمات الا إذا كان الواطئ حيوان، فالملازمة العادية تقتضي عدم الانفكاك بينهما، وإذا فالنص الدال على جواز رد الحامل بعد الوطئ يدل على جواز ردها مع وقوع هذه المقدمات عليه بتلك الملازمة العادية، فلا نحتاج حينئذ الى دعوى الاولوية اصلا. لو انضم الى الحمل عيب آخر ثم انه لو انضم الى الحمل عيب آخر، فقد استشكل في سقوط الرد بالوطئ هنا، من صدق كونها معيبة بالحمل وكونها معيبة بغيره، فأجاب عنه المصنف (رحمه الله) بأن كونها معيبة بغير الحمل لا يقتضي الا عدم تأثير ذلك العيب في الرد مع التصرف لا نفي تأثير عيب الحمل. وبعبارة اخرى ان سقوط الرد بالوطئ للمطلقات من ناحية العيب الذي غير الحمل لا يقتضي سقوط الرد من ناحية العيب الاخر الذي هو الحمل، بل يجوز الرد لهذا، فانه يصدق حينئذ انها جارية حامل وطأها المشتري، فلا تنافي بين سقوط الرد لعيب وبقاء حق الرد لعيب آخر كما لا يخفى، فافهم.

[ 53 ]

3 - حدوث عيب عند المشتري قوله (رحمه الله): الرابع من المسقطات: حدوث عيب عند المشتري (1). أقول: ذكر المصنف ان حدوث العيب في المبيع قد يكون قبل القبض وقد يكون بعده، وما كان بعده قد يكون في زمن الخيار للمشتري وقد يكون بعده، فقال: ان مورد البحث هنا هو العيب الحادث بعد القبض و بعد مضي زمان الخيار، أي خيار الحيوان والشرط والمجلس، بناءا على الحاقه بهما، فان ذلك يوجب سقوط حق الرد وعدم جواز رده على البايع لكونه احداثا للحدث، وأما إذا كان قبل القبض أو بعده ولكن في زمن الخيار فلا يكون مسقطا للرد. أما الاول فلعدم الخلاف في أنه كالعيب الحادث قبل العقد حتى في ثبوت الارش كما يذكر في احكام القبض، وأما الثاني فلعدم الخلاف في أنه غير مانع عن الرد بل هو سبب مستقل موجب للرد بل الارش ايضا، على الخلاف السابق فيما قبل القبض. أقول: ان قلنا بأن نفس حدوث العيب بعد البيع وقبل القبض أو بعد القبض ولكن في زمن الخيار، فلا شبهة في أن هذا العيب الحادث لا يوجب سقوط الرد، فان هذا كحدوث العيب قبل العقد سبب مستقل لجواز الرد، فلا يكون موجبا للسقوط بل مع وجود عيب آخر قبل العقد يكون هذا مؤكد جواز الرد، فكيف بالسقوط كما هو واضح. وعلى هذا فلا يكون الجزء المتقدم الدال على سقوط الرد باحداث الحدث شاملا للمقام.


1 - في كلام الشيخ (رحمه الله) في كتاب المكاسب المسقط الثالث هو تلف العين أو صيرورته كالتالف، لكن السيد الخوئي (رحمه الله) ذكرها في ضمن البحث عن المسقط الثاني، فتذكر.

[ 54 ]

ولكن التحقيق هو التفصيل في المسألة، بأن نقول ان حدوث العيب بعد العقد ان كان قبل القبض فلا يكون مانعا عن الرد، وأما إذا كان بعد القبض كان مانعا عن الرد، وان كان في زمن الخيار، وان كان الضمان على البايع، وذلك لان رواية زرارة دلت على أن من أحدث في المبيع بعد ما قبضه ليس له أن يرده، فتدل هذه الرواية على عدم جواز الرد بعد القبض، وأما قبل القبض فلا. نعم يكون الضمان على البايع بمقتضى الدليل الدال على أن العيب والتلف قبل القبض من البايع، وبمقتضى الدليل الدال على أن العيب في زمان خيار الحيوان والشرط والمجلس الحاقا له بهما من البايع. ودعوى الملازمة بين كون الضمان على البايع وبين جواز الرد كما في المتن دعوى لا يمكن تصديقها كما ذكرناه، فان ثبوت الضمان بقاعدة ان التلف قبل القبض أو في زمن خيار الحيوان والشرط والمجلس الحاقا من البايع وجواز الرد قبل القبض وعدم جوازه بعده، فمن جهة رواية زرارة (1) ومرسلة جميل (2) الدالة على عدم سقوط الرد مع قيام العين وسقوطه مع عدم قيامها على حالها، فلا تنافي بينهما كما لا يخفى.


1 - عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام): أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار لم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، أنه يمضى عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك، لو لم يكن به (الكافي 5: 207، التهذيب 7: 60، عنهما الوسائل 18: 30)، صحيحة. 2 - عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد به عيبا، قال: ان كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه واخذ الثمن، وان كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب، (الكافي 5: 207، الفقيه 3: 136، التهذيب 7: 60، عنهم الوسائل 18: 31)، ضعيفة.

[ 55 ]

فروع 1 - إذا كان التعيب في زمان الخيار هل يبقى حكم الضمان بعده أم لا؟ ثم ان هذا الذي ذكرناه من البحث تطفلي من جهة واستقلالي من جهة اخرى، من جهة انه يجوز الرد بعد حدوث العيب قبل القبض أو بعده في زمن الخيار أو بعد زمان الخيار فالبحث استقلالي، فمن جهة ان الضمان على البايع أولا فالبحث تطفلي، فانه يأتي في احكام الخيار واحكام القبض. وانما المهم الذي عقد له البحث هنا هو ان التعيب في زمان الخيار هل يبقى حكمه أعني الضمان بعد زمان الخيار أم لا؟ وحاصل الكلام ان مورد بحثنا هو حدوث العيب في المبيع المعيوب عند المشتري، وانه هل يكون مانعا عن الرد أو لم يكن كذلك، سواء كان قبل القبض أو بعده في زمان الخيار أو بعد زمان الخيار، فذكر المصنف ان مورد بحثنا هو حدوث العيب في المبيع الذي كان معيوبا عند المشتري هو حدوث العيب بعد زمان الخيار، وانه هل يكون مانعا عن الرد بالعيب السابق أو لا؟ وأما حدوث العيب قبل القبض وبعد البيع أو في زمان الخيار فلا شبهة في عدم كونه مانعا عن الرد. تفصيل الكلام هنا يقع في جهتين: الجهة الاولى: ان العيب الحادث بعد زمان البيع وقبل القبض أو في زمان الخيار وبعد القبض أو بعدهما هل يكون موجبا لحدوث الخيار الاخر غير خيار الثابت بالعيب الحادث قبل البيع عند البايع أم لا؟ والجهة الثانية في أن العيب الحادث بعد البيع وقبل القبض أو بعده

[ 56 ]

وفي زمان الخيار أو بعده هل يكون مانعا عن الرد بالعيب السابق على العقد ام لا يكون كذلك؟ والظاهر المشهور بل المجمع عليه انه لا يجوز الرد بالعيب الحادث عند المشتري وانما له مطالبة الارش فقط كما هو ظاهر، والمدرك لذلك مرسلة جميل المتقدمة الدالة على عدم جواز الرد مع عدم بقاء العين بعينها، ومن الواضح ان حدوث العيب يوجب عدم بقاء العين على حالها. وتدل على ذلك ايضا رواية زرارة التي هي العمدة في المقام، فانا ذكرنا ان قوله (عليه السلام): احدث، كناية عن حدوث الحدث في الحيوان باي نحو كان، وان لم يكن باختيار من المشتري أو بفعله، بل صدر منه الحدث في حال الغفلة أو عن الغير، إذ لا خصوصية في حدوثه من المشتري بحيث يستند الحدث إليه في حال اختيار، فتدل الرواية على مانعية احداث الحدث في يد المشتري باي نحو كان عن الرد في الجملة كما هو واضح. وانما الكلام في أن حدوث العيب بعد البيع وقبل القبض أو بعد القبض وفي زمان الخيار هل يكون سببا لحدوث الخيار أو مانعا عن الرد أم لا؟ فنقول: ان مرسلة جميل وان كانت مطلقه بالنسبة الى بعد البيع مطلقا وانها دلت على عدم جواز الرد بالعيب الحادث بعد العقد، ولكن العمدة في المقام هي رواية زرارة، وهي دلت على جواز الرد بالعيب الحادث قبل القبض وبعد العقد للعيب السابق على العقد، وان حدث هنا عيب ايضا وانه لا تمنع عن الرد بالعيب السابق. وعلى الجملة ان مقتضى القاعدة ومقتضى رواية جميل وان كان هو

[ 57 ]

مانعية العيب الحادث بعد العقد وقبل القبض عن الرد بالعيب السابق والخيار بنفس هذا العيب الحادث بعد العقد وقبل القبض، ولكن مقتضى رواية زرارة هو عدم مانعية العيب الحادث بعد العقد وقبل القبض عن الرد بالعيب اللسابق على العقد. وأما إذا حدث العيب بعد القبض وفي زمان الخيار فهل يكون ذلك مانعا عن الرد بالعيب السابق على العقد أم لا؟ فنقول: ان الظاهر وان كان عدم ثبوت الملازمة العقلية بين كون العيب الحادث في زمان الخيار سببا للخيار وبين كونه مانعا عن الرد بالعيب السابق وان احدى الجهتين غير مربوطة بالجهة الاخرى عقلا، الا ان مقتضى الفهم العرفي والارتكاز العرفي هو ثبوت الملازمة بين كون العيب الحادث قبل القبض وبعد العقد أو بعد القبض وفي زمان الخيار بنفسه سببا للخيار وغير مانع عن الرد بالعيب السابق، بأن يكون مؤكدا له وبين عدم كونه سببا للخيار ومانعا عن الرد بالعيب السابق، وان قلنا في المسألة الاولى أعني مانعية العيب عن الرد في صورة حدوث العيب قبل القبض وبعد العقد من جهة رواية زرارة كما هو واضح. وتظهر الثمرة بين كون العيب الحادث في زمان الخيار أو قبل القبض بنفسه سببا للخيار أو لا، هو انه بناءا على كونه بنفسه سببا للخيار ومانعا عن الرد بالعيب السابق وبين عدم مانعيته هو انه لو اسقط المشتري خياره الثاني يبقى خياره الاول، أي الحاصل بسبب العيب الاول، والا فلا خيار له أصلا. 2 - حدوث العيب هل يكون سببا لثبوت الخيار أم لا؟ وحيث ان العرف يفهم الملازمة بين كون حدوث العيب في زمان

[ 58 ]

الخيار أو قبل القبض سببا للخيار، وبين عدم كونه مانعا عن الرد فلابد من التكلم في الجهة الاخرى، وهي ان حدوث العيب هل يكون سببا لثبوت الخيار أم لا؟ فنقول: انه قد ثبت في الشريعة المقدسة ان التلف أو العيب قبل القبض يكون من مال البايع، فهذا المعنى يتصور على وجوه: 1 - أن يكون المراد من كون ضمانه عليه ان دركه عليه بأن يخرج البايع عن عهدة ضمان المال حين التلف على النحو الذي تلف، أي على القيمة التي تلف عليها، مثلا إذا كان المال حين التلف يساوي بعشرة دنانير فيكون ذلك من البايع، وهذا المعنى بديهي البطلان، فان لازم ذلك أن يكون اضعاف قيمة المبيع على البايع في بعض الاحيان، كما إذا باع المتاع بقيمة رخيص أو ترقت قيمة السوقية، وهذا لم يلتزم به أحد بل لم يحتمله أحد على ما نعلم. 2 - ان المراد من كون الضمان قبل القبض أو في زمن الخيار أي خيار الحيوان والشرط بالاصالة كما تقدم وخيار المجلس بالالحاق هو كون عهدة المال من التلف والتعيب على البايع كما كان له قبل البيع، فحينئذ كان للقول بكون العيب موجبا لجواز الرد له وجه وجيه، ولكن لا دليل على تنزيل العيب في زمن الخيار أو قبل القبض على التعيب قبل العقد بحيث يكون هذا مثله. بل الظاهر هو الوجه الثالث، وهو أن يكون ضمان العيب والتلف في زمن الخيار وقبل القبض على البايع، بمعنى أن يفرض البيع كلا بيع، وكأنه لم يكن هنا بيع، والتعيب والتلف انما كان في ملك البايع. وعلى هذا فان تلف المبيع ينفسخ البيع من اصله، والا فكان له مطالبة ضمانه، وهو الارش، أي يطلب من البايع جزء من الثمن، وأما جواز الرد

[ 59 ]

فلا يستفاد من هذه القاعدة، نعم ثبت برواية زرارة جواز الرد ايضا قبل القبض. والحاصل انه لا دليل على جواز الرد بعد تعيب المبيع، الا إذا كان ذلك قبل القبض وبعد البيع، وأما في غير هذه الصور فلم يثبت الرد بل لا شئ على البايع اصلا، كما إذا كان التعيب بعد انقضاء الخيار أو عليه اعطاء الارش، كما إذا كان التعيب في زمن الخيار، كما هو واضح. 3 - المراد بالعيب هنا مجرد النقص لا خصوص ما يوجب الارش قوله (رحمه الله): والمراد بالعيب هنا مجرد النقص لا خصوص ما يوجب الارش فيعم عيب الشركة. أقول: قد ذكر المصنف ان المراد بالعيب هنا مجرد النقص، فإذا حدث نقص في المبيع يكون مانعا عن الرد بالعيب السابق، وهذا يشمل كلما يكون موجبا لنقص المالية، كنسيان العبد الطحن أو الخياطة ونحو ذلك، لا خصوص العيب والنقص الذي يكون موجبا للارش فقط، كزوال وصف الصحة. أقول: قد عرفت انه لم يرد في روايات الباب لفظ العيب حتى نجمد في ظهوره وصدقه، بل المدرك لما نحن فيه انما هو رواية زرارة أو مرسلة الجميل، فالمذكور في الاولى هو ان احداث الحدث مانع عن الرد، والمذكور في الثانية هو ان عدم قيام العين بعينها مانع عن الرد صدق شئ من أحد هذين العنوانين، فلا يجوز الرد بالعيب السابق بل يطالب المشتري من البايع الارش، والا فجاز الرد، سواء صدق عليه لفظ العيب أم لم يصدق، فانه على كل تقدير ليس مناطا للحكم في المقام. وعلى هذا فلا شبهة في شمول الروايتين لما حدث فيه عيب، كما إذا

[ 60 ]

اشترى عبدا كان اعمى وصار اخرس عند المشتري أو اعرج، فانه لا يجوز حينئذ الرد بالعيب السابق، فان ذلك من أظهر أفراد احداث الحدث وكل من اظهر افراد عدم قيام العين بعينها، وهذا لا كلام فيه. وأما إذا كان الناقص عند المشتري هو وصف الكمال الذي له دخل في زيادة المالية، كما إذا كان العبد خياطا فزال عنه وصف الخياطة، أو كان كاتبا فزال عنه صفة الكتابة، وهكذا، أو اشترى دابة كانت تحسن الطحن فنسيت ذلك. ففي هذه الصورة وان كان يصدق على العين انها قائمة بعينها ولكنه يصدق عليه انه حدث فيه حدث، فانه أي حدث اعظم من الجهل ومن النسيان، فيكون ذلك مشمولا لرواية زرارة وان لم يكن هذا الحدث بغير اختيار من المشتري على ما ذكرناه من أن أحدث كناية عن حدوث الحدث في المبيع وان لم يكن باختيار من المشتري كما لا يخفى. بل يمكن الاستدلال على ذلك بمرسلة الجميل ايضا، فان قيام العين وان لم يناف بظاهره مجرد نقص الاوصاف، كما اعترف به بعضهم في مسألة تقديم قول البايع في قدر الثمن مع قيام العين. الا ان الظاهر من التمثيل لعدم قيام العين بمثل الصبح وخياطة الثوب يعلم ان المراد من عدم قيام العين هو مطلق حدوث الحدث وان لم يكن نقصا موجبا لعدم بقاء العين على ما هو عليه، فان مجرد صبغ الثوب وخياطته ليس موجبا لنقصان العين، بل ربما يزيد قيمة الثوب، ولكن من حيث ان الثوب بعد الصبغ والخياطة لا يكون قابلا لصبغ آخر وخياطة اخرى يكون حدثا وموجبا للنقص. ومن هذا القبيل الوصف الكمال الذي يكون موجبا لزيادة القيمة عند بعض ولكن يوجب النقص عند نوع الناس كطحن الحنطة، فان الطحن

[ 61 ]

صفة كمال وتوجب زيادة القيمة ايضا، ومع ذلك الوصف لا يصدق قيام العين بعينها، فيكون مانعا عن الرد لكونه موجبا لعدم رغبة نوع الناس إليه كالتجار، فانهم يرغبون في شرائهم للتجارة الحنطة دون الطحن لعدم بقاء الطحن مدة مديدة بخلاف الحنطة فلا يجوز رد العين معه ايضا. وعلى الجملة فالمناط في عدم جواز رد العين بالعيب السابق هو احداث الحدث وعدم قيام العين بعينها وان لم يكن الحدث عيبا وموجبا لنقصان المالية، اما الاول بنص رواية زرارة، وأما الثاني فبقرينة التمثيل بالصبغ والخياطة الذي ليسا من قبيل ما يوجب عدم قيام العين بعينها عرفا. ولكن الذي ينبغي أن يقال: انا لا نعقل حدوث زوال وصف الكمال في المبيع، ومع ذلك لا يكون سببا لنقص المالية، وأما مثل الشركة التي مثل بها المصنف فسياتي الكلام فيها، وعليه فإذا زال وصف الكمال يكون موجبا لنقصان المالية ايضا، فيكون ذلك مانعا عن الرد من جهة صدق احداث الحدث عليه وعدم قيام المال بعينها الذي اعم من حدوث تغير في العين أو حدوث تغير في الوصف على ما استفدناه من التمثيل بالصبغ والخياطة. وأما توهم ان وصف الكمال لا يقابل بالمال، وأما وصف الصحة فيقابل بالمال فيثبت الارش في الثاني دون الاول، كما اشار إليه المصنف فيما يأتي في جواب العلامة، فقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا، وقلنا ان مطلق الاوصاف وان كانت موجبة لزيادة المالية في العين ولكن شئ منها لا يقابل بالمال، فلا يقال ان العين قيمتها كذا وقيمة بياضها كذا كما لا يخفى. ومن هنا ظهر حكم الوصف الذي ليس بوصف صحة ولا وصف

[ 62 ]

كمال، فزواله لا يوجب المنع عن الرد بالعيب السابق، لعدم صدق احداث الحدث على زواله وعدم صدق عدم قيام العين بعينها مع انتفائه كما هو واضح. وإذا كان التغير بزيادة وصف الكمال في المبيع، بأن كان العبد كاتبا أو عالما ورعا أو خياطا، فانه لا شبهة في جواز الرد هنا بالعيب السابق، ولا يكون حدوث ذلك مانعا عن الرد بالعيب السابق، فان هذا لا يوجب عدم قيام العين بعينها الذي ذكر في مرسلة الجميل، وليس ذلك ايضا نقصا في العين، فان الظاهر من احداث الحدث المذكور في رواية زرارة هو أن يكون الحدث موجبا لنقص كما هو الظاهر منها بمناسبة الحكم والموضوع ايضا، وأما ما يكون وصفا للكمال فلا يكون ذلك نقصا كما هو واضح. بيان آخر وعلى الجملة إذا اشترى المشتري متاعا فوجدها معيوبا بعيب قبل العقد، ومع ذلك حدث عنده حدث، وهذا يكون على أقسام: 1 - أن يحدث في العين عيب عنده وزال عنها وصف الصحة، كما إذا كان العبد أعمى وصار أخرس، وهذا لا شبهة في كونه مانعا عن الرد بالعيب السابق وينتقل الى الارش. 2 - أن يكون الحدث نقصان وصف كمال بحيث لا يوجب نقصان الماليه ولا يستلزم الارش، على ما ذكره المصنف، وقد ذكرنا عدم معقولية ذلك، وعلى تقدير تعقله فلا يكون ذلك مانعا عن الرد. 3 - أن يكون الحادث وصفا ولكن وصف كمال عند بعض وموجبا للنقص عند نوع الناس كطحن الحنطة، فان الطحن إذا كان قليلا فهو

[ 63 ]

يوجب المزية، وأما في الكثير بحيث يكون من أمتعة التجارة فهو نقص فلا يرغب به التجار كما يرغبون الحنطة. 4 - أن يكون الزائل وصف كمال كنسيان العبد وصف الكتابة ونسيان الدابة الطحن، فلا شبهة في كون ذلك مانعا عن الرد ايضا كما تقدم. 5 - أن يكون الحدث وصفا لا يوجب زوال وصف الكمال ولا زوال وصف الصحة، بأن لا يكون دخيلا في المالية بوجه، وهذا ايضا لايمنع عن الرد. 6 - أن يكون الحادث وصف كمال، فقد عرفت عدم مانعية ذلك ايضا عن الرد بالعيب السابق كما هو واضح، ولا يفرق في ذلك بين كون الحادث وصفا خارجيا أو معنويا. ومن جميع ما ذكرناه ظهر الجواب عما ذكره العلامة في التذكرة (1) من جعل مدرك الحكم دليل لا ضرر، وأن تحمل البايع النقص الحاصل في يده ليس باولى من تحمل المشتري لما حدث عنده من العيب، فانه يرد عليه مضافا الى عدم كون المدرك هو لا ضرر بل النص كما تقدم، وانه من الوجوه الاستثنائية ما ذكره المصنف، فراجع. 4 - عدم الفرق في سقوط الخيار بين بقاء العيب الحادث وزواله قوله (رحمه الله): ثم مقتضى الاصل عدم الفرق في سقوط الخيار بين بقاء العيب الحادث وزواله. أقول: وقع الخلاف في أنه إذا زال العيب الحادث في ملك المشتري هل يمنع ذلك من الرد بالعيب السابق أو لا يمنع، وقد اختلف كلمات العلامة في كتابيه، فذكر في التذكرة: عندنا ان العيب المتجدد مانع عن


1 - التذكرة 1: 522.

[ 64 ]

الرد بالعيب السابق سواء زال أم لا (1)، ولكن ذكر في التحرير: لو زال العيب الحادث عند المشتري ولم يكن بسببه كان له الرد والارش عليه (2). وذكر المصنف (رحمه الله) ان مقتضى الاصل هو عدم الفرق في سقوط الخيار بين بقاء العيب وزواله، فلا يثبت الخيار بعد زواله، ومراده من الاصل هو الاستصحاب، فان اللزوم قد ثبت باحداث الحدث، فزواله يحتاج الى دليل فنستصحب اللزوم وعدم الخيار. أقول: ان كان المدرك لسقوط الرد هو رواية زرارة، كما بنينا عليه، فلا شبهة في سقوط الرد وعدم عوده بزوال العيب، وان كان المدرك لذلك هو مرسلة جميل أو هي مع رواية زرارة فيعود جواز الرد بزوال العيب. وتوضيح ذلك: ان رواية زرارة انما دلت على اللزوم وعدم الرد باحداث الحدث، ومن الواضح ان اطلاق ذلك محكم حتى بعد زوال العيب، ودعوى انصرافها الى صورة بقاء الحدث فاسدة، فان ذلك انما يتم إذا استدللنا بها بكلمة أحدث، بما انه فعل ماض، وقلنا بانه إذا ارتفع العيب يكشف ذلك ان الخيار من الاول لم يرتفع، فان المنصرف من احدث هو أن يكون الحدث حين الرد موجودا وان البايع لا ياخذ ماله على النحو الذي اعطاه للمشتري كما تقدم ذلك سابقا، وأما إذا لم يكن موجودا فلا يوجب السقوط، ولكن لا نقول هنا هكذا، بل نقول ان مقتضى الرواية هو اللزوم بمجرد احداث الحدث واطلاقها عدم الفرق بين الزوال والبقاء، فناخذ باطلاقها ونحكم باللزوم على وجه الاطلاق كما هو واضح.


1 - التذكرة 1: 534. 2 - التحرير 1: 167.

[ 65 ]

وأما إذا قلنا بأن المدرك لعدم جواز الرد بالعيب السابق بما حدث عند المشتري من العيب، فحينئذ نقول ان المدار حينئذ هو صدق بقاء العين عند الرد، ومن الواضح انه يصدق على العين انها باقية إذا تعيبت وزال عنها العيب، وعلى هذا فلا يسقط الخيار إذا تعيبت العين وزال عنها حين الرد، بناءا على كون المدرك هي المرسلة. وأما إذا كان المدرك هو المرسلة مع رواية زرارة، فلان مرسلة جميل دلت على جواز الرد مع بقاء العين، سواء حدث فيها حدث ثم زال عنها الحدث أم لا، بل كانت العين باقية على حالها لصدق بقاء العين عرفا حينئذ وان لم يصدق عليها البقاء بالدقة العقلية، ورواية زرارة انما دلت على جواز الرد باحداث الحدث مطلقا، سواء زال عنها الحدث أم لم يزل، فالنسبة بينهما هي العموم من وجه. فتقع المعارضة بينهما فيما إذا حدث في العين حدث فزال عنها ذلك، فان مقتضى المرسلة هو جواز الرد ومقتضى رواية زرارة هو عدم جواز ذلك، فتسقطان في مورد المعارضة فيرجع الى عموم ما دل جواز الرد بالعيب السابق. ولكن هذا الكلام هنا مبنى على مسألة اصولية، وهي ان أدلة حجية الخبر الواحد هل تشمل مثل مرسلة جميل وابن أبي عمير ونحوهما التي قيل ان مراسيل هؤلاء مثل الروايات الصحيح وادعوا الاجماع على صحة ما يصح عن هؤلاء، وإذا وصل السند الى هؤلاء سقط السؤال عن كيفية السند، هل يحكم بصحة روايتهم وان كانت مرسلة، وان عبر صاحب الحدائق (1) عن مرسلة جميل بالصحيحة.


1 - الحدائق 19: 61.

[ 66 ]

وعلى هذا المبنى تقع المعارضة المذكورة، فمقتضى القاعدة هو الذي حققناه، ولكن ذكرناه في الجزء الاول انه لا دليل على حجية مراسيل هؤلاء، والاجماع الذي ادعوه لا نقطع بتحققه ولا بحجيته، إذ لا نعلم ان الواقع بين هؤلاء وبين الامام (عليه السلام) اشخاص موثقين كما هو واضح. وعلى هذا فالمدرك ينحصر برواية زرارة، وما ذكرناه من ثمرة تلك الكبرى الكلية الاصولية. إذا كان الحدث مانعا عن الرد فهل يجوز رده مع رضا البايع بالرد؟ ثم إذا كان الحدث مانعا عن الرد فهل يجوز رده مع رضا البايع بالرد اما مع الارش أو بدونه أم لا يجوز؟ فنقول: ان المشهور هو كون المشتري مخيرا بين امور ثلاثة: الرد والامضاء مطلقا أو مع الارش، وان هذا التخيير ابتدائي، ولكن قد ذكرنا سابقا ان الظاهر من الرواية رواية زرارة (1) هو ان التخيير بدوا، وانما هو بين الرد والامضاء ومع سقوط الرد فيثبت له الارش، فللمشتري حينئذ مطالبة الارش فقط ليس الا، وقد حملنا على ذلك فيما سبق عبارة المبسوط حيث التزم بثبوت الارش مع اليأس عن الرد، وقلنا ان ما اشكل عليه المصنف من أن الاطلاق يدفع ما ذكر في المبسوط (2)، وقلنا هناك: انه لا اطلاق هنا حتى ينافيه.


1 - عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار لم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، أنه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك، لو لم يكن به (الكافي 5: 207، التهذيب 7: 60، عنهما الوسائل 18: 30)، صحيحة. 2 - المبسوط 2: 130.

[ 67 ]

ولكن الظاهر ان ما ذكره المصنف صحيح، حيث ان اطلاق رواية زرارة الدالة على اللزوم بمجرد احداث الحدث مطلقا محكم، فيكون دافعا لما ذكره في المبسوط، إذ بناءا على الاخذ بالاطلاق انه لا يجوز الرد مع احداث الحدث بل تصل النوبة الى الارش، ولكن مع رضاية البايع بالرد جاز الرد لا من جهة الرواية بل لكونه اقالة لجوازها. وأما مع عدم رضاء المشتري بالرد حتى مع عدم الارش لما أحدثه من الحدث فلا ملزم للرد بل تصل النوبة الى الارش، وأما بناءا على ما ذكره الشيخ في المبسوط فلا تصل النوبة الى الارش مع رضي البايع بالرد مع الارش بما أحدثه المشتري أو بدونه، إذ لم يحصل اليأس من الرد بعد حتى تصل النوبة الى الارش. وعلى الجملة بناءا على الاخذ باطلاق رواية زرارة لا يجوز للمشتري أن يرد المبيع مع احداث الحدث وتصل النوبة الى الارش، وأما مع رضاء البايع بالرد ورضاء المشتري بذلك فلا شبهة في جوازه لكون ذلك مثل الاقاله فلا يحتاج الى رواية، ولكن للمشتري أن يرضي بذلك وان لا يرض ويطالب الارش، ولكن بناءا على قول المبسوط فلا تصل النوبة الى الارش لعدم يأس المشتري عن الرد. ثم إذا رضي البايع بالرد مع الارش فيرضي المشتري ايضا بذلك، فلابد له من رده على البايع. وهذا الارش غير الارش الذي لزم رده للبايع على المشتري، فانه هو التفاوت بين الصحيح والمعيب والرد من الثمن بذلك التفاوت، فهذا الارش لازم بالضمان المعاملي. وهذا بخلاف الارش الذي وجب للمشتري رده على البايع، فانه انما ثبت بضمان اليد والارش هنا هو للتفاوت فيما بين الصحيح والمعيب بالقيمة الفعلية، سواء ترقت العين عن القيمة الاولى أم لا؟ كما هو واضح.

[ 68 ]

5 - من العيب المانع من الرد بالعيب القديم تبعض الصفقة قوله (رحمه الله): تنبيه: ظاهر التذكرة (1) والدروس (2) ان من العيب المانع من الرد بالعيب القديم تبعض الصفقة. أقول: ذكر المصنف أن توضيح المقام هو ان التعدد المتصور فيه التبعض اما في العوض ثمنا أو مثمنا أو في البايع أو في المشتري، ثم ذكر أمثلة ذلك. ثم قال: أما التعدد في الثمن بأن يشتري شيئا واحدا بعضه بثمن وبعضه الاخر بثمن آخر، فلا اشكال في كون هذا عقدين ولا اشكال في جواز التفريق بينهما، اما الاول أي التبعض في العوض، فالمعروف انه لا يجوز التبعيض فيه من حيث الرد، بل الظاهر المصرح به في كلمات بعض الاجماع عليه. وذكر في ابداء المنع عن ذلك بأن المردود ان كان جزءا مشاعا من المبيع الواحد فهو ناقص من حيث حدوث الشركة، وان كان معيبا فهو ناقص من حيث حدوث التفريق فيه، وكل منهما نقص يوجب الخيار لو حدث في المبيع الصحيح. الف - تعدد المبيع وتفصيل المقام: 1 - ان المبيع قد يكون شيئا واحدا شخصيا بالدقة العقلية مع كون جزء منه معيبا، كما إذا اشترى عبدا فظهر ان رجله معيوب أو يكون المبيع


1 - التذكرة 1: 534. 2 - الدروس 3: 284.

[ 69 ]

واحدا شخصيا بالنظر العرفي، وان كان في الواقع امورا متعددة، كما إذا كان المبيع دارا فانها وان كانت متعددة حقيقة ومركبة من عدة امور، ولكنها واحدة بالنظر العرفي الاعتباري، وكان جزء منها معيوبا من قبته أو سردابه ونحو ذلك، والظاهر انه لا خلاف في عدم جواز فسخ العقد في الجزء المعيب فقط والامضاء في الجزء الاخر الصحيح. وما ربما يظهر من المصنف وجود الخلاف في ذلك، حيث عبر بالمعروف ثم ذكر ابداء المانع عنه الظاهر انه لا يمكن المساعدة عليه، والحاصل إذا كان المبيع واحدا حقيقيا أو واحدا عرفيا فظهر جزء منه معيبا فلا شبهة في عدم جواز الفسخ في الجزء المعيب، بل ان كان يفسخ فانما يفسخ في المجموع لكون مجموعه مبيعا واحدا، وإذا لم يفسخ لم يفسخ في المجموع ايضا هذه هي المسألة الاولى. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون المردود جزءا مشاعا أو جزءا معينا فانه لا دليل على رد جزء من المبيع. 2 - أن يشتري شيئا واحدا ببيعين، كما إذا اشترى نصفا معينا من الدار بقيمة ثم اشترى نصفها الاخر بقيمة اخرى، ثم وجد عيبا في أحد النصفين فهل يجوز تسرية خيار العيب الى الثاني أو لا؟ فالظاهر انه لم يخالف أحد في أنه لا يجوز فسخ العقدين بظهور العيب في متعلق أحدهما، فان كل منهما عقد مستقل غير مربوط بالاخر، فإذا اراد الفسخ لعيب يفسخ فيما ظهر فيه العيب والا فيأخذ الارش، وهذه المسألة ليست موردا للخلاف. 3 - ما إذا اشترى امور متعددة مستقلة ببيع واحد بحيث ان كل منها أمر مستقل يمكن وقوع البيع عليه، وليس مثل رجل العبد وراس الحيوان ونحوهما حتى لا يمكن التفكيك بينهما ولكن اشترها أحد ببيع واحد

[ 70 ]

بصرف فرضها أمرا واحدا بالاعتبار والا فهي في الحقيقة امور متعددة عقلا وعرفا كما هو واضح، وهذا نظير شراء الدار والفرس بعقد واحد ثم وجد في أحدهما عيب، فهل يجوز فسخ مجموع العقد أولا أو يجوز في المتاع الذي ظهر فيه العيب ولا يجوز في الاخر، وجوه، بل أقوال ثلاثة: الاول: جواز الفسخ في الفرد المعيب دون الصحيح من جهة كون كل واحد منهما، منها ضامن الاخر ومستقلا في نفسه، ففسخ العقد في احدهما دون الاخر لا باس به وان كانا قد تعلق بهما عقد واحد، غاية الامر يثبت للبايع خيار تبعض الصفقة مع دخالة الهيئة الاجتماعية في القيمة، ومع اسقاط جميع الخيارات الا خيار العيب لا يثبت له ذلك ايضا. الثاني: أن يكون الخيار من أحدهما ساريا الى الاخر، ويكون الفسخ متعلقا بمجموع العقد، فان البيع بيع واحد قد تعلق بهما معا فيكون المجموع من حيث المجموع في حكم مبيع واحد، وهذا القول هو المعروف بين الاصحاب. الثالث: ان لا يكون هنا خيار اصلا، فان هذا الذي فيه عيب فليس بمبيع بل هو كرجل الحيوان فيكون في حكم الجزء، وما هو مبيع أعني المجموع المركب ولو بالاعتبار أي المركب الذي فرض واحدا بالاعتبار، فكما لا يجوز فسخ البيع في رجل الحيوان إذا كان معيوبا، وكذا لا يجوز فسخ البيع في فرد من المبيع كالفرس الذي يبيع مع الدار. والظاهر الاقوى هو الوجه الاول، فان العقد وان كان بحسب الانشاء الذي يسميه المصنف بيعا فان المبرز أمر واحد، ولكن كل منهما مبيع مستقل بحسب الانحلال، فالبيع ينحل هنا الى بيوع متعددة حسب تعدد

[ 71 ]

متعلقه، وليس بينهما اتحاد حقيقي ولا عرفي اصلا ليفرض المبيع واحدا والبيع واحدا، بل هما متغائران وأحدهما اجنبي عن الاخر، غاية الامر جامعهما أمر اعتباري وهو البيع أي ابرز البايع بيعهما بمبرز واحد، وهذا لا يوجب الاتحاد من جميع الجهات. كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) والمناقشة فيه ولا يرد على ذلك ما ذكره صاحب الجواهر (1)، من أن المقام نظير فسخ العقد في جزء المبيع وانه بديهي البطلان، فان متعلق العقد أمر واحد فلا يجوز الفسخ في بعضه دون بعضه، فانه بعد الالتزام بالانحلال فلا يلزم ذلك اصلا، فانه فرق بين المقامين، فانه مع وحدة المبيع عقلا أو عرفا لا معنى للفسخ في البعض دون بعض، بل لا خلاف في عدم جوازه، وهذا غير كون المبيعين في بيع واحد. وهل يلتزم صاحب الجواهر بانتفاء خيار الحيوان فيما لو باع فرسا مع الدار، أو هل يلتزم بانه إذا نهى المولى عبده تكليفا عن بيع حيوان فباعه العبد مع الدار، فانه يقال: ان المبيع ليس هو الحيوان هنا بل المجموع المركب، وايضا لازم كلامه ان لا يكون لاحد الشريكين خيار الاخذ بالشفعة إذا كان باع شريكه الاخر حقه مع ضميمة شئ آخر، فان المبيع هو المجموع المركب وهو بديهي البطلان، ولا يلتزم بشئ منها صاحب الجواهر، بل على مقالته لابد من الالتزام ببيع ما يملك وما لا يملك معا، فان ما لا يملك ليس مبيعا حتى لا يجوز بيعه بل هو المجموع.


1 - جواهر الكلام 23: 250.

[ 72 ]

وكل ذلك لا يمكن الالتزام به، وقد تقدم في البحث عن خيار الحيوان ان الخيار يثبت فيه للمشتري في كل مورد صدق عليه بيع الحيوان ولو كان في ضمن امور آخر متعددة كما لا يخفى، فانه فرق بين كون المبيع واحدا عقلا أو عرفا. فانك قد عرفت عدم جريان الخيار في الجزء المعيب فيه بلا خلاف وبين كونه واحدا بالاعتبار البيعي فقط كما لا يخفى، ولم يكن في دليل خيار العيب ان لا يكون المبيع المعيوب مع غيره ايضا، لاطلاق قوله (عليه السلام): أيما رجل باع شيئا فيه عيب أو عوار - الخ، الدالة على ثبوت خيار العيب للمشتري ما دام لم يحدث فيه حدثا. وهذا الكلام جار في جميع الخيارات ايضا كخيار الحيوان ونحوه، فانه ليس في دليل خيار الحيوان ان لا يكون مع الحيوان شئ آخر مبيعا كما لا يخفى. وعلى الجملة فإذا كان الحيوان مثلا أو المعيب مبيعا يترتب عليه حكمه الوضعي والتكليفي. بيان آخر في كون المبيع معيبا ووجود العيب فيه وحاصل الكلام من الاول انه كان كلامنا في كون المبيع معيبا ووجود العيب فيه، ولا شبهة ان فرعين هنا لا خلاف فيهما: 1 - أن يكون العيب في مبيع منضم الى مبيع آخر في الخارج من غير أن يكون البيع الواحد واقعا عليهما في الخارج، كما إذا اشترى نصف الدار ببيع ونصف الاخر ببيع آخر، فانه لا يسري الخيار من أحدهما الى الاخر بوجه. 2 - ما إذا كان المبيع واحدا اما بالدقة العقلية أو بالوحدة الاعتبارية

[ 73 ]

العرفية كالعبد والدار فظهر عيب في جزء من ذلك، فانه حينئذ لا يجوز الفسخ في البعض دون الاخر. والوجه فيه ليس هو ان الجزء ليس بمبيع بل هو ايضا مبيع كالجزء الاخر وتمامه بحسب الانحلال، والانحلال كما يجري فيما إذا باع امورا متعددة صفقة واحدة، فكذلك يجري فيما إذا كان المبيع واحدا ولو بالوحدة الحقيقية، فان كل جزء منه مبيع بحسب الانحلال، ومن هنا صح بيع نصف العبد وربعه مشاعا. ومن هنا ايضا قلنا فيما تقدم بصحة بيع ما لا يملك ولا يملك، وبيع ما لا يملك وما لا يملك على طبق القاعدة، فعدم جريان الخيار أي خيار كان في الجزء في صورة وحدة المبيع حقيقية أو عرفية ليس من جهة عدم الانحلال هنا كما عرفت، فان الانحلال محقق في جميع موارد المبيع مركبا كان أم واحدا، وانما نمنع جريان الخيار في الجزء من جهة اخرى. وتوضيح ذلك: ان الخيار الثابت في البيع تارة بعنوان البيع كخيار المجلس، فان الدليل المتكفل لاثبات خيار المجلس انما هو قوله (عليه السلام): البيعان بالخيار ما لم يفترقا (1)، وظاهر ذلك هو ثبوت الخيار بالنسبة الى مجموع المبيع المتحد بالاعتبار عرفا أو عقلا، لا بالنسبة الى جزء مشاع أو الى جزء معين.


1 - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): البيعان بالخيار حتى يفترقا (الكافي 5: 170، عنه الوسائل 18: 5)، صحيحة. عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (الكافي 5: 170، التهذيب 7: 20، الخصال: 127، عنهم الوسائل 18: 5)، صحيحة.

[ 74 ]

وأوضح من ذلك ما يكون دليل الخيار فيه من ناحية الشرط الضمني كخيار الغبن ونحوه، حيث ان الشرط انما هو ثبوت الخيار بالنسبة الى مجموع المبيع لا في الجزء الخاص المعين أو المشاع، فلا يجوز له الفسخ في الجزء دون جزء. هذا فيما إذا ثبت الخيار بعنوان البيع، وقد علمت ان الخيار انما لم يثبت في الجزء لا من جهة عدم كون الجزء مبيعا بل من جهة اقتضاء الدليل ذلك، وأما فيما كان بعنوان آخر أي ثبوت الخيار بعنوان آخر كعنوان الحيوان والمعيب، فالظاهر هنا ايضا أن يكون الخيار ثابتا لذي الخيار بالنسبة الى مجموع المعيب والحيوان، فلا يكون له الخيار في الجزء الخاص فقط كما هو واضح. وإذا كان موضوع خاص من الكتاب أو الدار معيبا فيقال: ان مجموع الدار معيب ومجموع الكتاب معيب، فلا يقال: ان هذا الجزء الخاص فقط معيب، وكذا كل شئ يكون كذلك أي شيئا واحدا وكان مبيعا، فانه سواء كان الخيار ثابتا فيه بعنوان البيع أو بعنوان الحيوان والمعيب، أو كان الدليل شرطا ضمنيا، فانه يكون الخيار ثابتا في المجموع كما عرفت، فافهم. وأما إذا كان المبيع امور متعددة وباعها البايع صفقة واحدة، ولا يكون المبيع واحدا لا بالحقيقة ولا بالاعتبار العرفي، بل انما جمع البايع بينها في انشاء البيع واظهاره فقط، فإذا ظهر شئ من تلك الامور معيبا فهل يكون خيار العيب مسريا الى المجموع أو يختص بخصوص المعيب أو لا يكون للمشتري حينئذ خيار اصلا؟ والتحقيق ان الخيار يختص بخصوص المعيب، فله فسخ العقد في خصوصه أو رضائه به ومطالبة الارش كما هو واضح.

[ 75 ]

نعم يثبت له خيار تبعض الصفقة الثابت بالشرط الضمني، حيث انه قد اشترى هذه الصفقة المركبة من امور متعددة أن يكون كلها له ولم يكن له بل تبعضت الصفقة. ومن هنا ظهر الجواب عن صاحب الجواهر ايضا حيث ذكر ان مقتضى أدلة الخيار هو ثبوته في مجموع المبيع لا في كل جزء منه، فان له مجال في الشق المتقدم من كون المبيع شيئا واحدا حقيقة أو عرفا كما هو واضح. وظهر ايضا انه لا وجه للقول بثبوت الخيار في المجموع أو عدم ثبوته في المجموع كما لا يخفى، فافهم. والحاصل انه لا قصور في شمول دليل خيار العيب، أعني قوله (عليه السلام) في رواية زرارة المتقدمة: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب أو عوار، لصورتي كون المعيب أمرا مستقلا أو منضما الى غيره، فانه يثبت له الخيار في كلا الصورتين. فحينئذ ان كان العيب في جزء المبيع موجبا لسراية الحكم الى الجميع لكون المبيع شيئا واحدا حقيقة أو عرفا فيثبت الخيار في الجميع، والا فيثبت الخيار في خصوص المعيب فيثبت خيار تبعض الصفقة في الجزء الصحيح. كلام المصنف (رحمه الله) في ابداء المانع عن ذلك ولكن المصنف ابدى المانع عن ذلك، وحاصل كلامه: ان المعيب الذي يرده المشتري على البايع ان كان جزءا مشاعا من المبيع الواحد فهو ناقص من حيث حدوث الشركة فيه، وان كان جزءا معينا ومحروزا فهو ناقص من حيث تبعض الصفقة، ولا شبهة ان كلا منهما نقص يوجب الخيار.

[ 76 ]

ثم ذكر ان ثبوت الخيار هنا أولى من ثبوته في نسيان الدابة الطحن، فان ذلك أي نسيان الدابة الطحن ليس بعيب في المبيع، وهذا بخلاف الشركة أو تبعض الصفقة، فان ذلك عيب في المبيع كما هو واضح. ثم ذكر ان رد بعض المبيع بخيار العيب دون بعضه وان كان ضررا للبايع وينجبر بخياره في رد الصحيح من المشتري بخيار تبعض الصفقة ولكنه معارض بكونه موجبا للضرر على المشتري، إذ قد يتعلق غرضه بامساك الجزء الصحيح. ثم أيد ذلك بمرسلة الجميل المانعة عن رد المعيب بمثل صبغ الثوب وخياطته، فان المانع هنا ليس الا بالنسبة الى حصول الشركة في الثوب بنسبة الصبغ والخياطة لا مجرد تغير الهيئة. ثم ذكر في آخر كلامه ان العمدة في المسألة هو ان مرجع جواز الرد منفردا الى اثبات سلطنة للمشتري على الجزء الصحيح من حيث امساكه ولو كان ذلك من حيث الحدوث ثم سلب سلطنته عنه بخيار البايع، ومنع سلطنته على الرد أولا أولى ولا اقل من التساوي، فيرجع الى أصالة اللزوم. والذي ينبغي أن يقال انه تارة يناقش في شمول الادلة للمقام ويكون المقتضى قاصرا عن اثبات الخيار للجزء المعيب، وهذا لا باس به، ولكن قد عرفت تمامية المقتضى لذلك. ما يستدل به على المانعية والمناقشة فيه وقد يناقش من جهة المانع، وقد ذكرت وجوه للمانعية وشئ منها لا يصلح للمنع عن ذلك: 1 - كون ذلك نقصا للمبيع فلا يكون العين حينئذ قائمة بعينها.

[ 77 ]

وفيه ان دليل ثبوت خيار العيب في المعيب انما دل على ذلك فيما حصل النقص قبل الفسخ بحيث يوجب ذلك النقص والحدث الحاصل قبل الفسخ المنع عن رد المعيب. وفي المقام ليس كذلك، حيث ان النقص انما يحصل برد المشتري المعيب لا قبله، فلا يكون دليل مانعية النقص عن الرد شاملا لذلك الا بتنقيح المناط، وهو واضح الدفع. 2 - قاعدة نفي الضرر فان فسخ المشتري العقد في المعيب دون الصحيح ضرر على البايع بناءا على شمول دليل نفي الضرر لامثال المقام وعدم المناقشة في ذلك. أقول: لابد من ملاحظة ان الضرر من أي جهة ينشأ، فانه اما من جهة رد المعيب الى البايع، بأن يكون البايع متضررا من هذه الجهة، فلا شبهة أن هذا الضرر انما ثبت من جهة جعل الخيار في المبيع المعيوب، فلا تكون أدلة نفي الضرر حاكما على أدلة الخيار، بل تكون أدلة الخيار متقدمة على أدلة نفي الضرر ومخصصة لها، فالضرر هنا لم ينشأ من رد المعيب لكي يرتفع بدليل نفي الضرر، بل انما نشأ من ناحية جعل الخيار كما هو واضح، فلو كان دليل نفي الضرر شاملا للمقام لزم ارتفاع خيار العيب بل ارتفاع مجموع الخيارات، على أنه يجري فيما إذا كان كل واحد من الجزئين مبيعا مستقلا ولا يختص بصورة كونها مبيعا واحدا في صفقة واحدة. وان كان الضرر من جهة عدم رد الصحيح الى البايع، فانه يتضرر من ناحية تبعض الصفقة، فدليل الضرر انما يرفع لزوم العقد، بناءا على شموله للمقام ويكون للبايع حق رد الجزء الصحيح ايضا، وأما عدم ثبوت الخيار للمشتري في الجزء المعيوب فانه أي ربط لثبوت الضرر

[ 78 ]

على البايع في عدم رد الجزء الصحيح بعدم ثبوت الخيار للمشتري في رد الجزء المعيوب. وبعبارة اخرى مقتضى تضرر البايع من عدم رد الجزء الصحيح هو ثبوت الخيار له في ذلك لا نفي خيار المشتري في رد المعيب، على أنه يمكن منع شمول قاعدة نفي الضرر للمقام على ما تقدم في بعض الخيارات، لامكان دفع الضرر بنحو آخر من الارش والتفاوت ونحو ذلك. 3 - وهنا وجه ثالث، وهو ان كل واحد من المتبايعين قد اشترط على الاخر أن يكون المبيع سالما عن التبعض اشتراطا في ضمن العقد، فإذا تخلف ذلك ثبت لكل منهما خيار تبعض الصفقة، بل هذا الاشتراط بديهي في بعض الموارد، كما إذا اشترى مصراعي الباب، فان الضرورة قاضية على اشتراط ان لا يكون أحدهما منفكا عن الاخر في مقام التخلف، وعلى هذا فلا يلزم من ذلك ان لا يكون للمشتري خيار في الجزء المعيب بل يثبت له خيار العيب في ذلك، نعم يثبت لكل منهما خيار تبعض الصفقة في الجزء الصحيح كما هو واضح. وأما ما ذكره المصنف من تأييد مراده بمرسلة الجميل ففيه: أولا: انها مرسلة قد تقدم الكلام فيها، ولا يمكن العمل بها للارسال وانها ليست بمدركنا، وانما مدركنا رواية زرارة. وثانيا: لا دلالة فيها على كون الشركة عيبا ومانعة عن الرد لما ذكر، لا انها دلت على عدم الخيار مع قيام العين، وان ذكر الامثلة من خياطة الثوب وصبغه يدل على أن عدم قيام العين تحقق بمثل ذلك ايضا كما هو كذلك في العرف، فانه ليرغب نوع بالثوب الغير المخيط ازيد من رغبتهم بالثوب الغير المصبوغ، وكذلك يرغبون بالثوب الابيض ازيد من رغبتهم

[ 79 ]

بالثوب المصبوغ كما هو واضح لا يخفى، ولاجل ذلك لا يكون العين باقية في العرف مع الخياطة والصبغ. والحق انه لا مانع من شمول أدلة خيار العيب للمعيب، سواء كان ذلك مبيعا مستقلا أو منضما الى الاخر كما هو واضح. ب - تعدد المشتري قوله (رحمه الله): أما الثاني، وهو تعدد المشتري. أقول: هذه هي المسألة الثالثة في عبارته المتقدمة المسوقة للتقسيم، وتوضيح الكلام هنا انه: إذا باع أحد ماله من اشخاص متعددين وظهر معيبا، فهل يثبت الخيار لكل منهم بحيث يكون له الخيار في حصته، سواء فسخ الاخر أم لا، أو كان لهم الخيار في المجموع، أي لجميعهم خيار واحد في ذلك المجموع من حيث المجموع؟ مقتضى اطلاق مفهوم قوله (عليه السلام): ايما رجل اشترى شيئا وبه عيب أو عوار ولم يحدث فيه حدثا لزم البيع ويلزم على البايع رد التفاوت، على ما هو مضمون الرواية، هو ثبوت الخيار لكل من المشترين، لصدق قوله (عليه السلام): ايما رجل - الخ، على كل منهم كما هو واضح. ولا يقاس ذلك بخيار الورثة الذي ثبت لهم بالارث، فان الذي انتقل إليهم بالارث انما هو حق واحد وخيار واحد لشخص واحد وهو المورث، ولا يقاس بما نحن فيه الذي ثبت خيار متعدد من الاول للمشتري، وهذا الذي ذكرناه جار في جميع موارد الخيارات إذا تعدد المشتري، ولا يختص بخيار العيب لاطلاق الادلة في جميع ذلك. وأما ما ذكره المصنف من الموانع فلا يصلح شئ منها لذلك:

[ 80 ]

منها: انه ليست العين قائمة بعينها، فانه إذا فسخ أحد المشتريين البيع وامضي الاخر فيلزم تبعض الصفقة وهو عيب في المبيع، فيكون ذلك موجبا لعدم قيام العين بعينها، ويكون ذلك حدثا في المبيع كما هو واضح. وفيه أولا: ما ذكرناه سابقا، من أن النقص في المبيع انما يوجب المنع عن الرد بالعيب السابق إذا كان حاصلا قبل الرد، وأما إذا تحقق ذلك بنفس الرد فلا يكون ذلك مشمولا للادلة كما هو واضح. وعلى تقدير شمول الادلة لذلك فهو انما يفيد في المسألة السابقة فقط لا في المقام، فان التعدد هنا كان من الاول ولم يحصل ذلك بفعل الراد، إذ المفروض ان المبيع هنا متعدد حسب تعدد المشتري وانه يصدق على كل منهم انه اشترى شيئا وبه عيب أو عوار - الخ. وثانيا: قاعدة نفي الضرر، فان مقتضى ذلك عدم ثبوت الخيار لكل من المشتريين، فانه إذا فسخ أحدهم في حصته دون الاخر ولم يفسخ غيرهم أو لم يفسخ هو في المجموع يلزم أن يتضرر البايع، فلازم ذلك عدم الخيار كما هو واضح. وفيه انه بناءا على شمول قاعدة نفي الضرر للمقام فمقتضى ذلك ثبوت الخيار للبايع في الجزء الاخر الذي هو حصته المشتري الاخر، لا عدم ثبوت الخيار للمشتري الذي فسخ في حصته كما تقدم، وأما ثبوت الضرر من جهة رد المشتري حقه من المعيب فهو ثابت باصل دليل الخيار فيكون مخصصا لادلة الضرر كما هو واضح. وثالثا: دعوى انصراف دليل خيار العيب عن ذلك، وذكر المصنف انه يظهر وجه الانصراف بالتأمل، ولم نفهم لذلك وجها بعد التأمل، بل الظاهر من الادلة هو عدم الفرق بين تعدد المشتري واتحاده كما هو واضح.

[ 81 ]

نعم يجري في المقام الشرط الضمني ولكن ذلك لا يكون مانعا عن ثبوت الخيار لكل من المشتريين، بل لازمه هو ثبوت الخيار للبايع من جهة التبعض كما هو واضح، وهذا لا يختص بخصوص المقام كما عرفت بل يجري في جميع الخيارات. ومن هنا ظهر انه لا فرق في ذلك كله بين كون البايع عالما بكون المشتريين متعددين أم لا، نعم في صورة الجهل ثبوت الخيار له من جهة ذلك الشرط الضمني أوضح. ج - تعدد البايع وأما إذا تعدد البايع التي هي المسألة الثالثة فالامر فيه أوضح، ولا يجري في ذلك شئ من دليل نفي الضرر، بل الظاهر من الادلة هو عده الفرق بين تعدد المشتري واتحاده كما هو واضح، ونحو ذلك من الموانع. نعم الشرط الضمني ايضا موجود هنا، ويمكن دعوى الانصراف الذي تقدم في المسألة السابقة هنا ايضا، بأن يقال: ان دليل خيار العيب منصرف عن ذلك الى كون الخيار ثابتا في مجموع المبيع مع كونه مبيعا واحدا، وجوابه هو الجواب. ثم انه قد يجتمع اثنان من هذه المسائل، وقد يجتمع ثلاثة منها، وحكم كل منها يجري في صورة الاجتماع ايضا.

[ 82 ]

مواضع سقوط الارش دون الرد قوله (رحمه الله): مسألة: يسقط الارش دون الرد في موضعين. أقول: قد عرفت ثبوت الارش فيما إذا باع شيئا وكان معيبا وحدث فيه حدث عند المشتري، فانه كان له مطالبة الارش، ولكن يسقط الارش في موضعين: 1 - الربويات وتفصيل الكلام هنا ان عدم ثبوت الارش انما هو باحد أمرين: 1 - أن يقال ان وصف الصحة في المبيع انما يقابل بجزء من الثمن، فإذا باع شيئا وكان فاقدا لوصف الصحة ثبت للمشتري خيار العيب ومع عدم الرد يثبت له الارش في مقابل ذلك الوصف المفقود ولكن قد خصص ذلك في الربويات، فلا يجوز اخذ الارش فيها مع فقدان وصف الصحة لان أخذه يستلزم الرباء، فانه إذا باع منا من الحنطة بمن من الحنطة وكان احدهما معيوبا فانه لا يجوز اخذ الارش هنا، فانه يستلزم الربا في ذلك الجزء الزائد، وكذلك الحال في جميع الربويات، وعلى هذا فيسقط الارش في الربويات. وفيه ان وصف الصحة مطلقا، سواء كانت في الربويات أو غيرها لا تقابل بالمال اصلا، وان كان يوجب زيادة القيمة، بل هو وصف الكمال على حد سواء، بل حكمها من حيث عدم مقابلتها بالمال كالاوصاف التي ليست بوصف الصحة ولا وصف الكمال.

[ 83 ]

نعم الفرق في ذلك ان وصف الصحة ووصف الكمال إذا كان مفقودا يوجب الخيار والارش في الاصل، أي في وصف الصحة وله مطالبة الارش بالتعبد الشرعي. ويدلنا على ذلك ان الظاهر هو تسالم الفقهاء على صحة البيع وعدم كون ذمة البايع مشغولة فيما إذا لم يطالب المشتري الارش من البايع، مع أنه لو كان وصف الصحة يقابل بالمال لكانت ذمة البايع مشغولة مع تخلف وصف الصحة في المبيع لبطلان البيع بالنسبة الى الثمن الذي يقابل بهذا الوصف. وايضا يدل على ما ذكرنا تسالم الفقهاء على أنه يجوز اعطاء الارش من غير الثمن، سواء كان باقيا أم لا، مع أنه لو كانت المعاملة باطلة فيما قابل الوصف وكان الوصف يقابل بالمال لكان الواجب اعطاء نفس الثمن لا شئ آخر. فيعلم من ذلك كله ان الارش حكم تعبدي محض قد ثبت في مورد خاص بالتعبد فلا يكون مخصصا بادلة الربا كما هو واضح. 2 - أن يقال ان الربا انما هو زيادة أحد المتماثلين على الاخر في المعاملة، سواء كانت الزيادة بالثمن ونحوه عند البيع أو بغيره من تبعات البيع من الارش ونحوه، فان ذلك ايضا زيادة أحد المتماثلين على الاخر، وعلى هذا فيسقط الارش هنا، فانه وان لم يكن ثمنا في المبيع ولم نقل ايضا بكون وصف الصحة يقابل بالمال، ولكن اخذه يوجب زيادة أحد المتماثلين الذين من الربويات على الاخر فيلزم الربا. وفيه انه يرد عليه ايضا انه لا دليل على أن الربا انما هو كون أحد المتماثلين زائدا عن الاخر في المعاملة ولو لم يكن الزيادة بالاصالة بل بالتبع، بأن يكون الزائد في مستتبعات البيع، وانما الدليل أي دليل حرمة

[ 84 ]

الربا انما هو مختص بكون أحد المتماثلين زائدا عن الاخر عينا أو حكما في نفس المعاملة لا في تبعاتها. ومن هنا لا نشك أن يفتوه أحد بلزوم الربا، في أنه لو تعامل اثنان بأن باع أحدهما من الاخر حليا ذهبا نفرضه سوارا الذي كان مقداره خمسة مثاقيل بخمسة مثاقيل من الذهب الذي ليس بحلي، بعد ما تم البيع والنقل والانتقال كسر البايع الحلي، فهل يتوهم أحد انه لا يضمنه، لانه لو ضمن ذلك واعطي شيئا في مقابل الصياغة يلزم الربا. ومن الواضح ان مقامنا من هذا القبيل، فانه كما ان الضمان بذلك انما هو بعد البيع ومن تبعاته وكذلك الارش، حيث انه يثبت بمطالبة المشتري ولا يثبت قبله، ولذا عرفت ان البايع لا يضمن به قبل المطالبة ولو مات لا يبقى مشغول الذمة. وكيف كان لا يلزم الربا من اخذ الارش في الربويات. المرجع في المسألة انما هو ما دل على حرمة الربا ثم ان المصنف قد ذكر بعد الاستشكال في المسألة ان المرجع انما هو ما دل على حرمة الربا من الادلة، واشكل عليه بعضهم بانه مع لزوم الربا من اخذ الارش لا مجال لرفع اليد عن دليله والرجوع الى أدلة حرمة الربا، وذلك لان النسبة بينهما هو العموم من وجه، إذ قد يكون الارش في غير الربويات وقد يكون الربا في غير صورة الارش، وقد يجتمعان، فبعد التعارض في مورد الاجتماع والتساقط فالنتيجة هو تقديم أدلة الربا من جهة انه لا دليل يدلنا على ثبوت الارش. حينئذ فاصبح المورد بلا دليل دل على ثبوت الارش، ولكن ليس ذلك من ناحية ترجيح أدلة حرمة الربا.

[ 85 ]

ولكن ما ذكره المصنف وجيه، فانا ذكرنا في مورده ان الدليلين إذا تعارضا بالعموم من وجه وتكافئا فتقدم منهما ما يكون موافقا للكتاب، لقوله (عليه السلام) في مقام المعارضة: خذ ما وافق الكتاب (1). ومن الواضح ان أدلة حرمة الربا موافقة للكتاب، لقوله تعالى: احل الله البيع وحرم الربا (2)، بل لا يكون حينئذ الطرف الاخر حجة حتى نحتاج الى الترجيح ونقول بأن الموافق للكتاب قد رجحناه على الاخر، فما ذكره المصنف متين. ذكر السيد (رحمه الله) موردا آخر للمسألة والمناقشة فيه ثم انه ذكر السيد في حاشيته (3) موردا آخر لسقوط الارش غير ما ذكره المصنف من الموردين، ولكنه عين المورد الاول الذي ذكر المصنف لسقوط الارش فيه من جهة الربا، وحاصله: ان العوضين إذا كانا من النقدين فظهر عيب في أحدهما بعد انقضاء المجلس، فانه ذكر عدم جواز أخذ الارش هنا للزوم الربا. ولكن قد عرفت ان الارش اجنبي عن العوضين، وانما هو غرامة خاصة قد اثبته الشارع تعبدا، فاي ربط له بالعوضين ليلزم الربا، وهو من تبعات المعاملة وقد عرفت عدم جريان الربا.


1 - عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق الكتاب فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه (الكافي 1: 69)، موثقة. عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل شئ مردود الى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف (الكافي 1: 69)، صحيحة. 2 - البقرة: 275. 3 - حاشية المحقق الطباطبائي (رحمه الله) على المكاسب 3: 86.

[ 86 ]

2 - إذا كان ثمن المعيوب مساويا مع الصحيح ما إذا كان ثمن المعيوب مساويا مع الصحيح بحيث لا ينقص من قيمته لاجل عيبه شئ، وذلك كالعبد الخصي، فانه لاجل بعض الاغراض كالربط بين الزوج والزوجة لبعض الحوائج يرغب به كثير من الناس ويكون قيمة ذلك لاجل هذا مساويا من العبد الغير الخصي، وان كان في غير الخصي ايضا بعض المنافع التي لا تكون في الخصي، كاخذ نسله ليكون عبد ايضا. وفي الحقيقة ان الخصاء عيب ولكن لا يوجب الارش فان الارش هو تفاوت القيمة ما بين الصحيح والمعيب، والمفروض أنهما على حد سواء في القيمة ولا تفاوت بينهما. ولكن الذي ينبغي أن يقال ان الخصاء في العبد مع كونه مرغوبا بين الناس ليس بعيب، بل ربما يكون وصف الكمال إذا كان موجبا لزيادة القيمة، فان العيب ليس هو كل نقص في المبيع حتى ما لا يوجب نقص القيمة، بل النقص الذي يوجب قلة المالية والثمن، ولو كان مجرد النقص عيبا سواء أوجب نقص القيمة أم لا لكان الختان وثقب الاناف والاذان ايضا من العيوب، ولم يفتوه به أحد من الطلبة فضلا عن الفقيه، واذن فلا مجال لتوهم انتفاء الارش في المورد الثاني ايضا. ثم انه قد فصل العلامة هنا تفصيلا لم نعرف وجهه، وهو ان الارش ان كان من جنس المبيع في الربويات فلا محذور فيه والا ففيه محذور. وفيه ان الربا يتحقق بمطلق الزيادة ولو كان شرطا، وإذا كان اخذ الارش موجبا للربا فلا يفرق فيه بينما كان من جنس المبيع أو من غير جنسه.

[ 87 ]

مواضع سقوط الارش والرد قوله (رحمه الله): مسألة: يسقط الرد والارش معا بامور: أحدها العلم بالعيب قبل العقد بلا خلاف. أقول: ذكروا لسقوط خيار العيب موارد: 1 - علم المشتري بالعيب حينئذ لا يثبت خيار العيب للمشتري، لان اخبار خيار العيب ناظرة الى صورة جهل المشتري بالعيب، فلا يشمل صورة علم المشتري بالعيب. بل استدل على ذلك في الجواهر (1) بصحيحة زرارة المتقدمة: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب أو عوار ولم يبين (2)، وقد تنظر فيه المصنف، ولكن لم يبين وجه النظر فيه. والذي يمكن أن يكون وجها له امور ثلاثة: 1 - ان المراد من الرواية هو انه إذا اشترى أحد شيئا وبه عيب أو عوار ولم ينبه فله الخيار على ما هو مقتضى المفهوم، سواء كان المشتري عالما بالعيب أو لم يكن عالما به، فالموضوع لسقوط الخيار هو تنبيه البايع المشتري لا علم المشتري بالعيب، فإذا كان المشتري عالما لكونه من اهل الخبرة ولكن لم ينبه به المشتري يثبت له خيار العيب كما هو واضح.


1 - جواهر الكلام 23: 238. 2 - عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار لم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، أنه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك، لو لم يكن به (الكافي 5: 207، التهذيب 7: 60، عنهما الوسائل 18: 30)، صحيحة.

[ 88 ]

وفيه ان هذا وان كان لا بأس به في نفسه وبه يرتفع التناقض بين كلامي المصنف هنا، حيث منع عن الاستدلال بالصحيحة على سقوط خيار العيب مع علم المشتري، ومع استدلال بها على سقوطه مع تبري البايع، مع أن ملاك الاستدلال فيهما واحد، وهو المفهوم، فانه يقال: ان وجه النظر هنا هو الوجه الذي ذكروا، اما وجه الاستدلال هناك هو المفهوم وعدم جريان هذا المانع هناك كما لا يخفى. ولكن هذا الوجه خلاف متفاهم العرف، حيث ان التنبيه ليس له موضوعية في سقوط الخيار، كما ان عدمه ليس موضوعا لثبوت الخيار، بل هو طريق الى معرفة المشتري العيب، والمراد من ذلك هو عدم التعريف ليكون المشتري جاهلا ويثبت الخيار له، وأما إذا نبهه كان عالما بالعيب فلا يكون له الخيار كما هو واضح. وبالجملة كون التنبيه موضوعا لسقوط الخيار وعدمه موضوعا لثبوته على خلاف المتفاهم العرفي. 2 - أن يكون وجه النظر فيه هو ان الاستدلال بالرواية في المقام اما بمقتضى مفهوم الشرط وهو كلمة أي، أو بمقتضى مفهوم الوصف والقيد وهو عدم التنبيه، فان الوجه هو الاول، فلا شبهة ان الشرط هنا قد سيق لبيان الموضوع، فان مفهوم قوله (عليه السلام): أيما رجل اشترى، هو انه أيما رجل لم يشتر، وهو سالبة بانتفاء الموضوع، فلا مفهوم للقضية الشرطية حينئذ، كما نقول: إذا ركب الامير فخذ ركابه. وقد ذكر ذلك المصنف آية النبأ عند الاستدلال به على حجية خبر الواحد، من أن مفهوم: ان جاءكم فاسق بنبأ، ان لم يجئ فاسق بنبأ (1)،


1 - فرائد الاصول: 116.

[ 89 ]

لا انه ان جاء عادل، ومن الواضح ان القضية حينئذ سالبة بانتفاء الموضوع، فلا يكون له مفهوم. وفيه انه ان كان نظر المصنف الى هذا الوجه فيرد عليه: أولا: ان القضية الشرطية وان لم يكن لها مفهوم إذا سيقت لبيان الموضوع، ولكن إذا كان معها قيد آخر ثبت لها مفهوم بالنسبة الى ذلك القيد، وقد ذكرناه في محله. مثلا إذا قال المولى: إذا ركب الامير فخذ ركابه، بلا تقيد بقيد فلا مفهوم لها، وأما إذا قال: إذا ركب الامير فكان يوم الجمعة فخذ ركابه، فانها بالنسبة الى القيد الاول لا مفهوم لها، وأما بالنسبة الى القيد الثاني فلها مفهوم، وهو انه إذا ركب في غير يوم الجمعة فلا تأخذ ركابه. وفي المقام ايضا كذلك، حيث ان القضية لا مفهوم لها بالنسبة الى قوله (عليه السلام): أيما رجل اشترى شيئا، ليس لها مفهوم، ولكن بالنسبة الى القيود التي ذكرت بعدها فلها مفهوم، ومنها قوله (عليه السلام): ولم ينبه، كما هو واضح، فما ذكره صاحب الجواهر من الاستدلال بالصحيحة متين جدا. وثانيا: لو كان وجه النظر للمصنف هو هذا فلما ذا استدل بها على سقوط الرد والارش بالتبري بعد اسطر، فهل هذا الا المناقضة، فلا ينبغي ذلك من المصنف بهذا القريب. وأما إذا كان غرض صاحب الجواهر من الاستدلال بالصحيحة هو مفهوم القيد فلا شبهة انه ليس بحجة، وفيه: أولا: انه ايضا تناقض، لما سيأتي منه من الاستدلال بها على سقوط الخيار مع التبري عن العيب. وثانيا: ان مفهوم الوصف ليس بحجة إذا كان ذلك ملحوظا بنفسه، وأما مع احتفافه بقرائن اخر فلا شبهة في حجيته، كما قلنا به في قوله: كر

[ 90 ]

من الماء في جواب السائل عن انه أي مقدار لا ينجسه من الماء (1)، فانه قد ورد في مقام التحديد، فلا شبهة في كون مفهومه حجة، وكذا قوله (عليه السلام) في جواب السائل: كم يقصر الصلاة من السفر، قال (عليه السلام): بريد في بريد (2)، فان القرينة قائمة على كون كلامه في مقام التحديد، فلابد وأن يكون له مفهوم وان كان المفهوم مفهوم لقب. والحاصل ان أي مفهوم لم يكن حجة في نفسه فهو حجة إذا قامت القرائن عليه كما هو واضح، ففي المقام ان مفهوم القيد وان لم يكن حجة في نفسه ولكن القرينة قائمة على حجيته، وهو كون الامام (عليه السلام) في مقام ضبط مورد الخيار مقدمة لسقوطه باحداث الحدث، وانه (عليه السلام) في مقام تحديد ذلك كما هو واضح، فعلى هذا ايضا فكلام صاحب الجواهر متين. لو اشترط العالم بالعيب ثبوت الخيار له ثم انه إذا اشترط العالم بالعيب الذي سقط خيار العيب في حقه ثبوت الخيار له، أي خيار العيب بالاشتراط، فهل يصح ذلك أم لا؟ فنقول: ان كان غرض المشترط هو ثبوت الخيار له فقط فلا محذور فيه أصلا، حيث انه خيار ثابت بالشرط كسائر الخيارات الثابتة بالاشتراط،


1 - عن اسماعيل بن جابر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجسه شئ، فقال: كر، قلت: وما الكر؟ قال: ثلاثة اشبار في ثلاثة اشبار (الكافي 3: 3، التهذيب 1: 41، عنهما الوسائل 1: 159)، ضعيفة. 2 - عن سماعة قال: سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم، وذلك بريدان، وهما ثمانية فراسخ - الحديث (التهذيب 3: 207، الاستبصار 1: 222، عنهما الوسائل 8: 453)، موثقة.

[ 91 ]

كما إذا علم المشتري بعيب المتاع واشترط ثبوت الخيار لنفسه، واشتراه على هذا الشرط ليختبره ويشاور غيره ان المعيب يفيده أم لا، فهذا لا شبهة في صحته، فيكون ذلك كبقية الخيارات الثابتة بالشرط الضمني. وان كان غرض المشترط هو ثبوت خيار العيب له الذي هو خيار حتى مع احكامه الخاصة من الارش ونحوه، فذكر المصنف انه فاسد ومفسد للعقد لكونه مخالفا للسنة، فكأنه رأي ان هذا الشرط الفاسد ممتاز عن بقية الشروط الفاسدة التي لا توجب فساد العقد، ولكن هذا يوجب فساده كما هو واضح. ولكن الظاهر انه لا فارق بين هذا الشرط الفاسد وبقية الشروط الفاسدة، نعم ذكرنا فيما سبق ان مرجع الخيار الى تحديد الملكية الى زمان الفسخ، فكان البايع قد انشأ الملكية المحدودة. وعلى هذا فهذا الشرط يكون فاسدا ومفسدا للعقد، لان ما أنشأه البايع من الملكية المحدودة لم يمضه الشارع، لكون الشرط الذي أوجب تحديد الملكية المنشاة فاسدا، لكون اشتراط الارش في هذا الخيار أي خيار العيب الثابت بالشرط مخالفا للسنة، فان الارش انما ثبت في خصوص خيار العيب فقط، بل مخالف للكتاب ايضا من جهة قوله تعالى: اطيعوا الله واطيعوا الرسول (1)، فالقول بثبوت الارش هنا مخالفة لقول الرسول (صلى الله عليه وآله) فيكون فاسدا، وأما الملكية المطلقة فهي غير منشأة، فيكون هذا الشرط فاسدا ومفسدا للعقد على ما ذكرناه. وقد ذكرنا في تعليقة العروة عند قول السيد: هل يجوز جعل الخيار


1 - النساء: 59.

[ 92 ]

في النكاح أم لا، حيث توقف في ذلك كبعض المحشين، وقد ذكرنا هناك ان الاقوى كون جعل الخيار مفسدا لعقد النكاح، فانه إذا كان النكاح مقيدا بالفسخ فيكون مقيدا بالزماني، ومن الواضح انه غير مشروع في الشريعة انما المشروع هو العقد الدائم والعقد المنقطع المقيد بالزمان، اما الزماني فلا، فافهم. 2 - تبري البايع عن العيوب قوله (رحمه الله): الثاني: تبري البايع عن العيوب اجماعا في الجملة. أقول: من جملة ما يسقط فيه الرد والارش فيما كان المبيع معيبا أن يتبرأ البايع من العيوب، وقد ادعى الاجماع على ذلك، ولكن لا مجال لدعوى الاجماع التعبدي مع كون صحيحة زرارة دالة على المقصود. ثم انه لا يخفى ما في بعض نسخ المكاسب من الغلط من اسقاط الالف بين كلمة ارتفع وكلمة لا طلاق كما في حاشية ايضا كذلك، حيث قال: قوله: لا طلاق - الخ، إذ لا اطلاق في رواية زرارة هنا حتى يتمسك، بل التمسك بها من جهة المفهوم، والنسخة صحيحة قوله: والاصل في الحكم قبل الاجماع صحيحة زرارة، وكلمة الاطلاق بزيادة الالف قبل اللام فاعل لارتفع. وكيف كان فلا شبهة في دلالة رواية زرارة على المقصود، فانه قد علق ثبوت الخيار في مفهوم هذه الرواية المعتبرة، وان لم تكن صحيحة، كما تقدم على عدم التبري من العيب، وأما مع التبري منه فلا شبهة في سقوطه، فتدل بمفهومها على المقصود كما هو واضح. ثم انه مقتضى اطلاق مفهوم هذه الرواية انه لا فرق في سقوط الخيار بالتبري من العيوب الظاهرة أو الباطنة، فان مقتضى الاطلاق هو سقوط الخيار مع التبري من العيب مطلقا، وهذا واضح جدا.

[ 93 ]

وكل ذلك لا كلام فيه، وان ذكر الخلاف في بعضها، ولكن يدفعه الاطلاق، وايضا يجوز التبري من العيوب الموجودة حال العقد والعيوب المتجددة بعده قبل القبض أو بعده في زمان الخيار، أي خيار الشرط والحيوان بالنص وخيار المجلس بالاطلاق. ما يستشكل للتبري من العيب ولكن وقع الاشكال هنا في موضعين: 1 - فيما إذا تبرأ من العيوب الموجودة حال العقد. 2 - فيما إذا كان العيب متجددا بعد العقد. أما الاشكال في الاول، فهو ان اسقاطه أي الخيار والتبري من العيوب موجب للغرر فيكون موجبا لبطلان البيع. وفيه انه ان قلنا بأن رواية زرارة انما دلت على صحة البيع مع سقوط الخيار للعيب مع التبري مطلقا حتى فيما يلزم منه الغرر، فلا باس من الالتزام به بعد دلالة النص عليه، ودعوى كون البيع غرريا وباطلا لذلك اجتهاد في مقابل النص، فلا يكون ذلك اشكالا في المقام. وان قلنا ان التبري وعدم التبري من العيوب انما هو في البيع الصحيح لا في البيع الباطل، فالبيع الغرري باطل، فلا يكون التبري من العيب مصححا له والا كان التبري من العيب موجبا لصحة بيع الصبي وغيره من البيوع الباطلة. وعليه فلابد من التفصيل بين ما يرتفع كون البيع غرريا من غير جهة التزام البايع بكون المبيع صحيحا، وبين ما كان يرتفع ذلك بالتزام البايع بصحة المبيع، فانه على الاول يصح تبري البايع من العيوب، إذ دخل له في غررية المعاملة، فان الغرر لم يرتفع بالتزام البايع بصحة المعاملة حتى

[ 94 ]

يلزم الغرر من تبريه من العيوب، بل انما ارتفع بعلم المشتري بصحة المبيع أو برؤيته أو باخبار شخص آخر، وقد تقدم ما ينفعك في خيار الرؤية ظاهرا. وعلى هذا فلابد في المقام من التفصيل بين ما كان ارتفاع الغرر عن البيع بالتزام البايع بصحة المبيع، فلا يصح التبري لكونه موجبا للغرر، وبين ما كان ارتفاع الغرر بغير جهة التزامه بذلك كما عرفت، فيصح التبري كما لا يخفى. وأما الاشكال الثاني: وهو إذا كان التبري من العيوب المتجددة بعد العقد، فتارة يستشكل هنا من جهة لزوم الغرر، واخرى من جهة كون التبري عن العيوب المتجددة اسقاطا لما لم يجب، إذ لم يتعيب المبيع حال العقد حتى يجوز التبري عنه فلا يكون التبري حينئذ الا اسقاطا لما لم يجب. ولكن شئ من الاشكالين لا يرجع الى محصل، اما اشكال لزوم الغرر فهو واضح الدفع، إذ الغرر في المعاملة انما يلاحظ بالنسبة الى حال البيع والعقد، لا بالنسبة الى ما بعد العقد، ومن الواضح انه لا غرر في المعاملة في حال العقد مع التبري عن العيوب المتجددة بعد العقد، بعد ما كان المشتري عالما بالمبيع وخصوصياته وعدم العيب فيه حال العقد. وأما اشكال لزوم اسقاط ما لم يجب، فنعم حيث ان العيب لم يحصل حال العقد فيكون اسقاطه اسقاطا لما لم يجب، ولكن ذكرنا مرارا انه لا دليل على عدم جواز اسقاط ما لم يجب الا الاجماع، وهو انما فيما لم يكن المقتضى للساقط موجودا كالاسقاط قبل العقد. وفي المقام كالتبري قبل العقد حيث ان العقد موضوع للخيار فاسقاط خيار العيب قبل العقد بالتبري عن العيب فانه يدخل تحت الاجماع القائم

[ 95 ]

على عدم جواز اسقاط ما لم يجب، وأما الاسقاط حال العقد الذي هو مورد الخيار وموضوعه فلا باس من اسقاط خيار العيب حال العقد، وكذلك يجوز الاسقاط في كل مورد كان المقتضى موجودا. نعم الاسقاط الفعلي أي اسقاط امر معدوم فعلا بحيث يكون ساقطا بالفعل غير معقول، لانه اسقاط امر معدوم، وأما اسقاط امر استقبالي فعلا بحيث يكون ساقطا في محله أي في الاستقبال فلا بأس، كما لا يخفى. وعلى الجملة فلا باس لاسقاط خيار العيب بالتبري عنه حال العقد، سواء كان العيب موجودا حال العقد أو عيبا متجددا، كما هو واضح. ثم انه ذكر المصنف انه يندفع الغرر عن البيع مع التبري عن العيوب بالاعتماد على أصالة الصحة، ولكن يرد عليه ما ذكرناه سابقا، من أنه لا دليل على اعتبارها بوجه، على أنه لا يرتفع الغرر، فانه بمعنى الخطر وهو امر نفساني لا يرتفع بالاصل، فانه لا يزيل الصفة النفسانية. احتمال اضافة البراءة الى امور قوله (رحمه الله): ثم ان البراءة في هذا المقام يحتمل اضافتها الى امور. أقول: حاصل كلام المصنف ان البراءة من العيوب يحتمل أن يضاف الى امور: 1 - أن يتبرأ من نفس العيوب، بأن تبرأ عن الالتزام بسلامة المبيع عن العيوب الموجودة في المبيع حال العقد. 2 - ضمان العيب فقط، بأن يتبرأ من الارش فقط دون الخيار، فيكون المشتري مع ظهور العيب في المبيع مخيرا بين الرد والامضاء فقط. 3 - أن يكون المراد من التبري عن العيب التبري عن حكمه، وهو اسقاط الخيار.

[ 96 ]

ثم ذكر ان الانسب الى معنى البراءة هو الثاني، وقد تقدم عن التذكرة (1) المعنى الثالث، وهو بعيد عن اللفظ، الا أن يرجع الى المعنى الاول. ولكن الظاهر انه لا فارق بين المعنى الاول والثالث، وذلك لانه لا معنى للتبري عن نفس العيب الذي هو مفاد الوجه الاول. وتوضيح ذلك: انا قد ذكرنا سابقا انه لا معنى لاشتراط وصف في البيع بأن يبيع شيئا مع اشتراط كونه متصفا بوصف كذا، أي التزم بكونه على وصف كذا، وهذا لا معنى له، بل مرجعه اما الى التعليق، بأن يبيع على تقدير كون المبيع متصفا بوصف كذا، واما الى اشتراط الخيار على تقدير التخلف، بأن التزم المشتري البيع على تقدير كون المبيع موصوفا بوصف معلوم، وأما التخلف فلا يلتزم به بل يكون البيع متزلزلا. وأما التعليق فهو يوجب البطلان، فلا معنى لاعتبار الوصف في المبيع بهذا المعنى، وأما الثاني فقد عرفت ان مرجعه الى جعل الخيار، وعليه فمعنى التبري عن العيب أي عدم الالتزام بصحة المبيع ليس اسقاط الخيار، إذ التعليق في البيع باطلا، واذن فيكون مفاد الوجه الاول والوجه الثاني واحدا كما هو واضح. وأما الوجه الثاني، فالفرق بينه وبين الوجه الاول الذي مرجعه الى الوجه الثاني واضح، إذ الوجه الاول والثالث كما عرفت عبارة عن اسقاط الارش دون الخيار كما هو واضح، اما ان المراد هو الوجه الاول أو الثاني فيختلف ذلك باختلاف قصد المتبري وظهور كلامه، والظاهر من الاطلاق هو سقوط الخيار والارش معا. ودعوى ان التبري من الارش فقط لا دليل عليه، لكون الرواية دالة


1 - التذكرة 1: 534.

[ 97 ]

على التبري على وجه الاطلاق دعوى جزافيه، فان الرواية وان كانت كذلك ولكن قد ثبت من الخارج من الارش غرامة ومن قبيل الحقوق، فللمشتري أن يرفع اليد من حقه ولم يطلب الغرامة من البايع، فالتبري عن الارش فقط مع رضاء المشتري بذلك صحيح. وأما دعوى كونه اسقاطا لما لم يجب فقد عرفت جوابه، وانه لا بأس باسقاطه في ضمن العقد. لو تبري البايع عن العيوب مطلقا قوله (رحمه الله): ثم تبري البايع عن العيوب مطلقا. أقول: قد ذكر السيد (1) في المقام ان مقصود المصنف غير ما هو ظاهر من عبارته، فان عبارته ظاهرة في معنى ومقصود شئ آخر، وعليه فهنا مسألتان: الاولى ما فهمه السيد من عبارة المصنف، والثاني ما هو ظاهر كلام المصنف. أما الاولى، فذكر السيد ان مراد المصنف ان التبري انما يسقط الخيار فقط، وأما حكم التلف في زمان الخيار الذي هو كونه على من لا خيار له وهو البايع في المقام فلا يزول ولا يسقط، سواء كان التلف بسبب العيب أو غيره، لعموم ما دل على أن التلف في زمن الخيار على من لا خيار له. وبعبارة اخرى ان التبري انما هو مجرد سقوط الخيار، وأما ما تقتضيه قاعدة التلف في زمان الخيار من كونه على البايع فهو باق ولا يسقط بمجرد التبري، فانه يكفي في ثبوت ذلك شأنية الخيار، أي ثبوت الخيار لولا الاسقاط وان لم يكن الخيار ثابتا بالفعل.


1 - حاشية المحقق الطباطبائي (رحمه الله) على المكاسب 3: 87.