السجود على الأرض

الشيخ علي الأحمدي

العودة الى مكتبة المرتضى
 


[ 1 ]

السجود علي الأرض


[ 3 ]

آية الله الشيخ علي الأحمدي  

 


[ 7 ]

تقديم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله الذي من على بني الانسان إذ بعث فيهم رسولا هاديا وارسل إليهم نبيا منذرا فاكمل به نعمته واتم به حجته وهداهم به إلى الصراط المستقيم والطريق القويم ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة، والصلاة على سيد رسله وأشرف انبيائه محمد وآله الطاهرين الطيبين الذين هم عدل الكتاب وفلك نجاة لاولي الالباب وخزان علمه وكهوف كتبه. وبعد: هذه وجيزة في مسألة من المسائل الخلافية التي كثر الابتلاء بها، وكثر اللغط والحوار حولها، واشتدت فيها العصبية حتى انجر الامر فيها إلى البهت والفرية، كتبتها رجاء الاصلاح واتمام الحجة، والله المستعان وهو الموفق والمعين. علي احمدي


[ 9 ]

السجود بداية ونهاية: ما يسجد عليه في الصلاة؟ التطورات الحاصلة في السجدة. الادوار الاربعة في السجود. اقوال الصحابة والتابعين والفقهاء، فتاوى الصحابة. فتاوى التابعين وتابعيهم. أقوال الفقهاء وكلماتهم.


[ 11 ]

ما يسجد عيه في الصلاة؟ لا خلاف بين المسلمين في وجوب السجدة في الصلاة في كل ركعة مرتين، وانما الخلاف في فروعها واحكامها من كيفيتها واركانها وشرائطها وموانعها واذكارها. وقد تفاقم الامر واشتد النزاع بين المسلمين فيما يصح السجود عليه، أي فيما يضع المصلي عليه جبهته: فقال أئمة المذاهب الاربعة - كما هو المشهور المنقول عنهم في كتاب الفقه على المذاهب الاربعة - بجواز السجود على كل شئ من تراب وحجر ورمل وحصى وصوف وقطن وغير ذلك، بل على ظهر انسان آخر عند الزحام. قال في بداية المجتهد: ومن هذا الباب - اي ابراز اليد في السجود - اختلافهم في السجود على طاقات العمامة، وللناس فيه ثلاثة مذاهب: قول بالمنع، وقول بالجواز، وقول بالفرق بين أن يسجد على طاقات يسيرة من العمامة أو كثيرة، وقول بالفرق بين ان يمس من جبهته الارض شئ أولا يمس منها شئ، وهذا الاختلاف كله موجود في المذاهب وعند فقهاء الامصار.


[ 12 ]

وقالت الامامية الاثنا عشرية - تبعا لائمتهم ائمة اهل البيت عليهم السلام -: إنه لا يجوز السجود الا على الارض من تراب ورمل وحصى وحجر، أو ما أنبتته الارض غير ماكول ولا ملبوس، ويحتجون على ذلك بالاحاديث المنقولة عن ائمة اهل البيت عليهم السلام عن رسول الله (ص)، وبما رواه أئمة الحديث عن الصحابة رضي الله عنهم عن النبي (ص)، وبما جرى عليه عمله وعملهم. التطورات الحاصلة في السجدة: إننا إذا دققنا النظر في هذه المسالة، نرى انها قد مرت بعدة ادوار وتطورت تطورا ملحوظا على مدى العصور ابتداء من عصر الرسول (ص)، وانها مما لعبت فيها عوامل التغير والتبدل بها كما تلعب بكل موجود ممكن، ولم تكن تلك العوامل مقصورة على الخطأ في الاجتهاد أو سوء الفهم للحديث والسنة، بل لعل البواعث السياسية والتعصبات القومية والاهواء غير المرضية قد أثرت فيها أيضا أثرها. ولا نبالغ إذا قلنا اننا في حين نرى السجدة ذات احوال وشرائط خاصة في بدء تشريعها، نعود فنرى فيها التغير التدريجي شيئا فشيثا حتى تنقلب إلى حالة مباينة لما كانت عليه اولا. ويتضح ذلك بالتدبر التام في المأثور من ادلتها وتاريخها وعمل النبي (ص) والصحابة والتابعين وفتوى الفقهاء والمجتهدين. الادوار الابعة للسجود: وقد قسمنا التطورات الحاصلة بأدوار اربعة ورسمناها بالترتيب الآتي. الدور الاول: السجود على الارض من تراب ورمل وحصى


[ 13 ]

وحجر ومدر لاغير. الدور الثاني: السجود على الارض واجزائها ونباتها وعلى الخمرة المصنوعة منها، وكذا الحصير والبسط المصنوعة من السعف ونحوه. وكان للخمرة في دورها حظ وافر وانتشار، حتى ملأت م لمساجد والبيوت كما سيأتي " ونحن نرى التقيد بالسجود على الخمرة إلى زمن بعيد، وكان كل رجل من اهل مكة في العصر الحديث يؤدي الصلاة في المسجد الجامع على سجادة هي في العادة طنفسة صغيرة لا تتسع الا للسجود فحسب، فإذا فرغ من الصلاة طواها وحملها على كتفه فكان خادم يحفظها لهم " (1). وما زال النبي (ص) واهل بيته يسجدون على الخمرة حتى قال الامام موسى بن جعفر عليهما السلام في حديث " لا يستغني شيعتنا عن أربعة خمرة يصلى عليها و... " (2) وفي هذا الدور أيضا نرى ان جمعا كبيرا من الصحابة والتابعين كانوا يتجنبون السجود على غير التراب حتى انهم يضعون التراب على الخمرة فيسجدون عليه احتياطا في صلاتهم ذهولا عن عمل الرسول (ص) أو خطأ في ا لاجتهاد (3). وذكر ان الباعث لصنع الخمرة، هو ان الرسول العظيم (ص) والمسلمين كانوا يسجدون على التراب والحجر والمدر والحصى،


(1) دائرة المعارف الاسلامية ج 11 ص 276. (2) سيأتي ذكر المصادر. (3) سوف يوافيك أقوالهم ونظرياتهم.

[ 14 ]

ولكن الحر والبرد قد آذاهم واحرقت الرمضاء وجوههم وايديهم وفي ايام المطر لطخ الماء والطين وجوههم وايديهم (الامر الذي دفعهم إلى فرش المساجد بالحصى) فشكى المسلمون الي رسول الله (ص) ما يلاقونه من ألم الرمضاء وبرودة الهواء (بحيث كانوا يعالجون اما بتقليب الحصى حتى يخرج منه ما كان فيه من حرارة الشمس، وإما بتبريد الحصى في ايديهم حتى يصلح لوضع الجبهة عليه) فلم يشكهم، ثم بعد مدة رخص لهم في الابراد بالصلاة، أي تأخيرها إلى وقت برودة الجو، ثم صنعوا الخمرة بامره (ص) أو من عند انفسهم فاقرهم عليه، واستمر عمله (ص) وعملهم عليه. الدور الثالث: السجود على كل شئ من الارض وغيرها كالثياب بانواعها من الحرير والقطن والصوف والكتان والبسط من السجاجيد المنسوجة من الحرير والصوف والقطن. الدور الرابع: عد السجود على الثياب شعار التسنن، وعد التقيد بالسجود على التراب بدعة ومن شعار الشيعة شيعة اهل البيت عليهم السلام بل عد ذلك من الشرك والزندقة (معاذ الله).


[ 15 ]

اقوال الصحابة والتابعين والفقهاء: فتاوى الصحابة: كان عبد الله بن مسعود الصحابي الكبير لا يرى الا السجود على التراب (1). 2 - كان أبو بكر بن ابي قحافة لا يسجد الا على الارض (2). 3 - عبد بن عمر كان يمنع عن السجود على كور العمامة


(1) سيأتي لفظ الحديث ومصادره. عبد الله بن مسعود هو أبو عبد الرحمن الهذلي حليف بني زهرة، أسلم قديما وهاجر الهجرتبن وشهد المشاهد ولازم النبي صلى الله عليه وآله وحدث عنه كثيرا، وروى عنه كثير من الصحابة والتابعين (راجع الاصابة والاستيعاب واسد الغابة وغيرها من المعاجم). (2) سيأتي نص الحديث ومصادره. أبو بكر هو عبد الله بن عثمان القرشي التيمي الخليفة الاول عند السنة توفي سنة 13 (راجع المصادر المتقدمة).

[ 16 ]

ويسجد على الخمرة، وفي رواية لا يضع يده ولا جبهته الا على الارض مباشرة (1). 4 - كان عبادة بن الصامت الانصاري الخزرجي يرى وجوب السجود على الارض مباشرة (2). 5 - جابر بن عبد الله الانصاري لا يرى السجود الا على الحصباء (3).


(1) سيوافيك النص بلفظه ومصادره. هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي، قد أكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وتعزز به كسائر المكثرين للحديث، وتخلف عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبايع الحجاج. قيل انه قتله الحجاج أمر رجلا معه حربة مسمومة فوضع الحربة على ظهر قدمه فمرض منها ومات وذلك سنة 74 (راجع المصادر المذكورة). (2) سيأتي الحديث ومصادره. عبادة بن الصامت هو أبو الوليد الخزرجي الانصاري، شهد العقبتين وشهد المشاهد كلها واستعمله النبي صلى عليه وآله على بعض الصدقات وتوفي سنة 34 - 45. (3) ستوافيك مصادر النقل. هو جابر بن عبد الله الانصاري شهد العقبة الثانية وهو صبي وشهد المشاهد بعد احد، وقيل شهد غزوات وشهد صفين مع امير الؤمنين علي بن ابي طالب وعمي في آخر عمره، وهو آخر من مات بالمدينة ممن شهد العقبة، وتوفي سنة 74 - 77.

[ 17 ]

6 - عثمان بن حنيف الانصاري كان يسجد على الخمرة (1). 7 - وكان خباب بن الارت متقيدا بالسجود على الحصى (2). 8 - كان أمير المؤمنين علي (ع) ينهى عن السجود على كور العمامة ويأمر بالسجود على الارض مباشرة، وتبعه الائمة من عترته عليهم السلام (3). 9 - عبد الله بن عباس كان يفتي بوجوب لصوق الجبهة والانف بالارض (4)، ونسبت إليه الرواية في جواز السجود على الثياب كما ياتي.


(1) هو أبو عمرو الاوسي شهد احدا والمشاهد بعدها، واستعمله عمر على مساحة سواد العراق، واستعمله امير المؤمنين علي عليه السلام على البصرة إلى ان قدم عليها وظفر واستعمل عليها عبد الله بن عباس، وسكن عثمان الكوفة وبقي إلى ايام معاوية وله مواقف محمودة. (وسنتلو عليك مصدر الحديث). (2) يأتي مصدر الحديث: هو خباب بن الارت التيمي أو الخزاعي حليف بني زهرة، من السابقين الاولين وممن عذب في الله، وهو سادس ستة في الاسلام نزل بالكوفة وبهامات واومى ان يدفن بالظهر. (3) تأتي أخبار ائمة اهل البيت عليهم السلام في المسألة فيما بعد. (4) ستأتي الاحاديث والمصادر هو عبد الله بن عبد المطلب الحبر البحر الصحابي العظيم المشهور ذو المواقف المشهورة وروى احاديث كثيرة، وله انظار في تفسير القرآن الكريم والاحاديث النبوية، لازم أمير المؤمنين عليا عليه السلام ولم يفارقه أبدا واستعمله على البصرة بعد فتحها، وشهد مشاهده ثم استعمله الحسن (ع) ثم رجع إلى المدينة وسكن مكة، ونفاه ابن الزبير إلى الطائف فمات فيها سنة 68.

[ 18 ]

10 - ظاهر كلام الامام مالك وغيره ان عمر بن الخطاب كان يفتي بعدم جواز السجود على غير الارض اختيارا (1). كما ان الظاهر من حديثي خباب وابن مسعود الآتيين ان الصحابة جلهم كانوا متقيدين بالسجود على الحصى. 11 - وعن ابي هريرة وانس بن مالك والمغيرة بن شعبة وابن مسعود جواز السجود على الثياب والبسط والمسح، وستأتي الاشارة إلى ادلتهم والكلام حولها (2). 12 - عن مسيب بن رافع ان عمر بن الخطاب قال من أذاه الحر يوم الجمعة فليبسط ثوبه فليسجد غليه، ومن زحمه الناس يوم


(1) سيأتي عن المدونة الكبرى ج اص 75 / 74 وسيأتي فتواه. (2) أبو هريرة الدوسي اسلم سنة خيبر ومات سنة 57 / 58، وأكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى اتهمه الخليفة الثاني، وعظم الخطب في جعله الاحاديث في زمن عثمان ومعارية ومؤازرته في جنايات بني امية، وإذا اردت الوقوف على سيرته فعليك بكتاب (أبو هريرة " و " أبو هريرة في التيار " وشيخ المضيرة " وغيرها من كتب التاريخ والمعاجم. أنس بن مالك الانصاري الخزرجي البخاري خادم رسول الله صلى الله عليه وآله، كان عمره حين قدم النبي (ص) المدينة عشر سنين وخدمه صلى الله عليه وآله ومات سنة 91 / 92 / 93 / 90 اكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يخفى حاله على من له ادن إلمام بالتاريخ والحديث والسيرة. والمغيرة بن شعبة الثقفي الفاسق المعلن بالزناء الركن العظيم في حكومة معاوية وتوطيد سلطنته.

[ 19 ]

الجمعة حتى لايستطيع ان يسجد على الارض فليسجد على ظهر رجل (1). فتاوى التابعين وتابعيهم: 1 - كان مسروق بن الاجدع من اصحاب ابن مسعود لا يرخص في السجود على غير الارض حتى في السفينة (2). 2 - كان ابراهيم النخعي الفقيه الكوفي التابعي يقوم على البردى ويسجد على الارض، قال الراوي: قلنا ما البردى؟ قال: الحصير (3).


(1) المصنف لعبد الرزاق ج ا ص 398. (2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 6 ص 53، والمصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 583، وسيرتنا ص 136 عن المصنف لابن أبي شيبة ج 2 باب ماكان يحمل في السفينة شيئا يسجد مليه فاخرجه بسندين. هو عبد الرحمن بن مالك، وفد إلى عمر بن الخطاب وروى عن جمع من الصحابة ولم يشهد مشاهد علي عليه السلام، ومات سنة 63. ذكره ابن سعد في الطبقات ج 6 ص 50 فيمن لم يرو عن علي عليه السلام، والاصابة ج 3 ص 492. 31) المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 397، وسيرتنا ص 128 عن الطبراني في الكبير، وتحفة الاحوذي في شرح جامع الترمذي ج 1 ص 273، ومجمع الزوائد ج 2 ص 57. هو ابراهيم بن يزيد بن الاسود الفقيه الكوفي التابعي، احد الائمة المشاهير عند العامة، ذكره ابن سعد في الطبقات ج 6 ص 188 فيمن روى عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو. وجابر بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وأبي هريرة ومات سنة 96 في خلافة الوليد بن عبد الملك بالكوفة وهو ابن تسع واربعين أو نيف وخمسين (راجع ايضا ميزان الاعتدال ج 1).

[ 20 ]

وفي لفظ " انه كان يصلي على الحصير ويشجد على ا لارض ". 3 - أفتى عطاء تلميذ الحبر ابن عباس بعدم جواز السجود على الصفا ولزوم السجود على البطحاء. قال ابن جريج قلت لعطاء: اصلي على الصفا وأنا اجد ان شئت بطحاء قريبا مني؟ قال: لا قلت أفتجزي عني من البطحاء ارض ليس فيها بطحاء مدراة فيها تراب وانا اجد ان شئت بطحاء قريبا مني؟ قال: ان كان التراب فحسبك (1). وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء أرأيت صلاة الانسان على الخمرة والوطاء؟ قال: لا باس بذلك إذا لم يكن تحت وجهه ويديه، وان كان تحت ركبتيه من أجل أنه يسجد على حر وجهه (2). وعن ابن جريج قال: قال انسان لعطاء: أرأيت أن صليت في مكان جدد أفحص عن وجهي التراب؟ قال: نعم (3).


(1) المصنف لعبد الرزاق ج ا ص 391. (2) المصنف لعبد الرزاق ج (ص 392. (3) المصنف لعبد الرزاق ج ا ص 392. عطاء بن ابي رباح سيد التابعين علما وعملا واتقانا في زمانه بمكة، روى عن عاثشة وأبي هريرة والكبار، وعاش تسعين سنة أو ازيد، وكان حجة اماما (ميزان الاعتدال ج 3 ص 75) مات سنة 115 / 114 (راجع الطبقات ج 5 ص 344) وكان بنو امية يعظمونه جدا حتى امروا المنادي ينادي لا يفتي الناس الا عطا، وان لم يكن فعبد الله بن نجيح. وكان عطا اعور وافطس واعرج واشل واسود كما في الطبقات والسفينة ج 2 ص 205، وقاموس الرجال ج 6 ص 306.

[ 21 ]

عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: اصلي في بيتي في مسجد مشيد أو بمرمر ليس فيه تراب ولا بطحاء؟ قال: ما احب ذلك، البطحاء احب الي، قلت أرأيت لو كان فيه حيث أضع وجهى قط قبضة بطحاء أيكفيني؟ قال: نعم إذا كان قدر وجهه أو انفه وجبينه، قلت: وان لم يكن تحت يديه بطحاء؟ قال: نعم، (قلت) فاحب اليك أن اجعل السجود كلها بطحاء؟ قال نعم (1). 4 - عن ابن سيرين قال: اصابتني شجة في وجهي، فعصبت عليها فسالت عبيدة السلماني اسجد عليها فقال: انزع العصاب (2). ليس الامر بنزع العصاب الا من اجل منعه عن مباشرة الجبهة الارض، فعبيدة احد القراء ومن كبار التابعين يفتي بوجوب السجود


(1) المصنف ج ا ص 392 ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح أبو خالد المكي، احد الاعلام الثقات يدلس وهوفي نفسه مجمع على ثقته مع كونه قد تزوج نحوا من سبعين امرأة نكاح المتعة، كان يرى الرخصة في ذلك وكان فقيه اهل مكة في زمانه. (انظر ميزان الاعتدال ج 2 وقاموس الرجال ج 6) وجريج مصغر بالحجم أولا وآخرا. (2) المصنف ج 1 ص 401. هو سمع من اكابر الصحابة، واشتهر بصحبة علي عليه السلام وكان اعور، وكان يروي عنه، وكان يعد من اصحاب ابن مسعود (اسمه عبيدة بفتح العين المهملة ابن قيس السلماني من مراد (راجع الطبقات لابن سعد ج 6 ص 62 وقاموس الرجال ج 6) ومات سنة 72.

[ 22 ]

على الارض مباشرة. 5 - كان صالح بن خيوان السبائي يحدث وجوب السجود على الارض عن رسول الله (ص) وظاهر نقله الافتاء بمضمون لحديث (1). قال البيهقي بعد نقل الحديث: انه - يعني صالح بن خيوان - ثقة من التابعين قال: ان رسول الله (ص) رأى رجلا يسجد بجنبه وقد اعتم على جبهته، فحسر رسول الله (ص) عن جبهته. 6 - قال الحارث الغنوي: سجد مرة بن شراحيل الهمداني حتى أكل التراب جبهته، فلما مات رآه رجل من اهله في منامه كأن موضع سجوده كهيئة الكوكب الدري يلمع (2). 7 - عمر عبد العزيز الخليفة الاموي، كان لا يكتفي بالخمرة


(1) السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 105، والمدونة الكبرى ج 1 ص 73 / 76، وسيرتنا ص 128 عن السنن الكبرى وعن نصب الراية للزيلعي ج 1 ص 386. صالح بن خيوان - بالخاء المعجمة كما عن اللتهذيب وابن ابي حاتم، وبالحاء المهملة كما عن اللتهذيب وعن عبد الحق الازدي - تابعي ثقة كما في ميزان الاعتدال ج 2 ص 293، والاصابة ج 2 ص 201، واسد الغابة ج 3 ص 9. (2) صفة الصفوة ج 3 ص 34. مرة بن شراحيل، هو من المتخلفين عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام قال: ان عليا سبقني بخير اعماله ببدر وذواتها، وانا اكره ان اشركه في ما هان فيه (قاموس الرجال ج 8).

[ 23 ]

بل يضع عليها التراب ويسجد عليه (1). 8 - روي عن عروة بن الزبير انه كان يكره الصلاة على شئ دون الارض، وكذا روي عن غير عروة (2). 9 - عن ابن عيينة قال: سمعت رزين مولى ابن عباس يقول: كتب إلي علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن " إبعث الي بلوح من احجار المروة اسجد عليه " (3). 10 - الحسن البصري قال: لا بأس بالسجود على كور ا لعمامة.


(1) فتح الباري ج 1 ص 410 وشرح الاحوذي ج 1 ص 272. هو عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الاموي، ولد سنة 69 وولي سنة 99 ومات سنة 101، وتزهد واظهر العدل ورد فدك إلى ولد فاطمة عليها السلام ومنع لعن علي أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر (راجع الطبقات ج 5 ص 242 وقاموس الرجال ج 7). (2) فتح الباري ج (ص 410، وشرح الاحوذي ج 1 ص 272 عروة بن الزبير بن العوام، مات سنة 94، روى عن جمع من الصحابة وكان شديد العداوة في بني هاشم وفي علي عليه السلام خاصة. راجع قاموس الرجال ج 6، والسفينة ج 2 ص 183، والطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 132 وما بعدها. (3) اخبار مكة للازرقي ج 2 مر 151. هو علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ولد ليلة قتل علي بن ابي طالب سنة اربعين وتوفي سنة 118 / 117 (راجع الطبقات ج 5 ص 229).

[ 24 ]

وعنه قال: ادركنا القوم وهم يسجدون على عمائمهم ويسجد احدهم ويديه في قميصه (1). وقد حمل البخاري هذا الكلام على الاضطرار. 11 - عن ابي الضحى ان شريحا كان يسجد على برنسه (3). 12 - كان عبد الرحمن بن يزيد يسجد على عمامته (3). 13 - عن الزبير عن ابراهيم (النخعي) انه ساله أيسجد على كور العمامة فقال: اسجد على جبيني احب الي (4). 14 - عن ابن جريج قال: قلت لنافع مولى ابن عمر: أكان


(1) المصنف لعبد الرزاق ج ا ص 398، والبخاري ج 1 ص 107. الحسن هو ابن يسار (أبي الحسن) مولى الانصار سيد التابعين في زمانه بالبصرة، عنونه كش في الزهاد الثمانية قائلا: والحسن كان يلقى كل اهل فرق بما يهوون ويتصنع للرياسة، وكان رئيس القدرية واستاذ ابن ابي العوجاء، مات سنة 110 (راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 114 وما بعدها، وميزان الاعتدال ج 1 ص 527، وقاموس الرجال ج 3 ص 134). (2) المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 399 / 400. الظاهر انه شريح بن الحارث الاقضي المعروف، وقد ترجمه ابن سعد في الطبقات الكبرى ج 6 ص 90، وقاموس الرجال ج 5 ص 67 فراجعهما وسائر المعاجم والتواريخ. (3) المصنف ج 1 ص 399 / 400 ستأتي الاشارة إلى ترجمته. (4) المصنف ج 1 ص 401.

[ 25 ]

ابن عمر يكره ان يصلي في المكان الجدد ويتتبع البطحاء والتراب؟ قال لم يكن يبالي (1). 15 - عن معمر قال: سالت الزهري عن السجود على الطنفسة فقال: لا باس بذاك، كان رسول الله (ص) يصلي على الخمرة (2). 16 - عن الحسن قال: لا باس أن يصلي على الطنفسة وا لخمرة (3). 17 - عن ابن طاووس قال: رأيت ابي بسط له بساط فصلى عليه، فظننت ان ذلك لقذر المكان (4). 18 - عن ليث قال: رأيت طاووسا في مرضه الذي مات فيه


(1) المصنف ج 1 صر 392. (2) المصنف ج 1 ص 394. الزهري هو أبو بكر محمد بن مسلم الفقيه المدني التابعي المعروف الحافظ الحجة، قيل انه حفظ علم الفقهاء السبعة ولقي عشرة من الصحابة، ولد سنة 52 ومات سنة 124 (راجع قاموس الرجال ج 8 ص 386، والكنى للمحدث القمي ج 2 ص 274، وميزان الاعتدال ج 4 ص 40). (3) المصنف ج 1 ص 396. (4) المصنف ج 1 ص 396. هو طاوس بن كيان اليماني، كان من التابعين الكبار والزهاد أو العباد روى عن ابن عباس وبريدة سنة 106 وصلى عليه هشام بن عبد الملك (راجع الطبقات الكبرى ج 5 ص 391، وقاموس الرجال ج 5 ص 156).

[ 26 ]

يصلي على فراشه قائما ويسجد عليه (1). 19 - عن محمد بن راشد قال: رأيت مكحولا يسجد على عمامته فقلت: لم تسجد عليها؟ فقال: اتقي البرد على انساني (2).


(1) الطبقات الكبرى ج 5 ص 395. (2) المصنف ج 1 ص 400. المراد بانساني: عيني، يدل عليه ما اخرجه " ش " من طريق عبيد الله عن محمد بن راشد " اني اخاف على بصري من برد الحصى " وانسان العين سوادها، هذا ما في هامش المصنف، وفي اقرب الموارد: الانسان:.... المثال يرى في سواد العين. مكحول الدمشقي مفتي اهل دمشق وعالمهم، روى عن واثلة وابي امامة، وعد ابن قتيبة مكحولين احدهما من ذكرنا والثاني الازدي يروي عن ابن عمر. والذي يظهر ان مكحولا رجلان، احدهما صحابي ذكره ابن حجر في الاصابة ج 3 ص 456 وهو مولى رسرل الله صلى الله عليه وآله، وابن الاثير في اسد الغابة ج 4 ص 412 وثانيهما مكحول الدمشقي المبغض لامير المؤمنين عليه السلام وهو المراد في كلمات الفقهاء والمحدثين إذا اطلقوا وهو في عداد الفقهاء كطاوس ومجاهد وعطا. (راجع ميزان الاعتدال ج 4 ص 177، وقاموس الرجال ج 9 ص 118، وسنينة البحار ج 2 ص 472.

[ 27 ]

اقوال الفقهاء، وكلماتهم: 19 قمال ابن بطال: لا خلاف بين فقهاء الامصار في جواز الصلاة عليها - أي على الخمرة - الا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليها. وروي عن عروة بن الزبير أنه كان يكره الصلاة على شئ دون الارض، وكذا روي عن غير عروة (1). قال الشافعي في كتاب الام: " ولو سجد على جبهته ودونها ثوب أو غيره، لم يجز السجود الا ان يكون جريحا، فيكون ذلك عذرا ولو سجد عليها وعليها ثوب متخرق فماس شئ من جبهته الارض اجزأة ذلك، لانه ساجد وشئ من جبهته على الارض واحب ان يباشر راحتيه الارض في البرد والحر فان لم يفعل وسترهما من حر أو برد وسجد عليهما فلا اعادة عليه ولا سجود سهو ثم اطال الكلام في فروع المسالة فقال: وانه امر بكشف الوجه ولم يؤمر بكشف ركبتيه ولا قدم (2). قال ابن حجر في فتح الباري ج 1 ص 414 في شرح حديث " كنا إذا صلينا مع النبي (ص) فيضع احدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود "، وفيه اشارة إلى أن مباشرة الارض عند السجود هو الاصل لانه علق بعدم الاستطاعة.


(1) شرح الاحوذي لجامع التزمذي ج 1 ص 272، وفتح الباري ج 1 ص 410. (2) كتاب الام ج 1 ص 99.

[ 28 ]

وقال الشوكاني في النيل في تفسير هذا الحديث: الحديث يدل على جواز السجود على الثياب لاتقاء حر الارض، وفيه اشارة إلى ان مباشرة الارض عند السجود هي الاصل ليتعلق بسط الثوب بعدم الاستطاعة (1). وقال في النيل في شرح حديث ثابت بن صامت ان رسول الله (ص) قام يصلي في مسجد بني عبد الاشهل وعليه كساء ملتف به يضع يده عليه يقيه برد الحصى، الحديث يدل على جواز الاتقاء بطرف الثوب الذي على المصلي ولكن للعذر، إما عذر المطر كما في الحديث، أو الحر والبرد كما في رواية ابن ابي شيبة (2). قال الترمذي بعد نقله عن أبي سعيد " ان النبي (ص) صلى على حصير " قال: وفي الباب عن أنس والمغيرة بن شعبة قال أبو عيسى وحديث أبي سعيد حسن والعمل على هذا عند اكثر اهل العلم، الا ان قوما اختاروا الصلاة على الارض استحبابا (3). قال البيهقي في السنن الكبرى بعد نقل حديث جابر بن عبد الله الانصاري قال: اكنت اصلي مع رسول الله (ص) صلاة الظهر فاخذ قبضة من الحصى في كفي حتى تبرد وأضعها بجبهتي إذا سجدت من شدة الحر ".


(1) سيرتنا ص 131. (2) سيرتناء ص 132. (3) سنن الترمذي ج 2 ص 153.

[ 29 ]

قال الشيخ: ولو جاز السجود على ثوب متصل به، لكان ذلك اسهل من تبريد الحصى في كف ووضعها للسجود وبالله التوفيق (1). اقول: من المعلوم ان لو كان السجود على الثوب جائزا مطلقأ متصلا أو غير متصل كالمنديل والسجادة المصنوعة من القطن والصوف والحرير وغيرها وقتئذ، لكان اسهل بمراتب من السجود على التراب والحصى والحجر المتقدة بحر الشمس أو الباردة في المطر والشتاء. قال مالك: يكره ان يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والادم، وكان يقول: لا بأس ان يقوم عليها ويركع عليها ويقعد عليها ولا يسجد عليها ولا يضع كفيه عليها، وكان لا يرى باسا بالحصباء وما أشبهه مما تنبت الارض أن يسجد عليها (2). وقال مالك: لا يسجد على الثوب الا من حر أو برد كتانأ أو قطنا. قال مالك: وبلغني ان عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر كانا يسجدان على الثوب في الحر والبرد. وقال مالك: لا باس ان يقوم الرجل في الصلاة على احلاس الدواب... ولمجعجد على الارض ويقوم على الثياب والبسط وما اشبه ذلك والمصليات وغير ذلك ويسجد على الخمرة والحصير (راجع المدونة الكبرى ج 1 ص 75 / 74).


(1) ج 2 ص 105 (2) وفي فتح الباري ج 1 ص 413 " قال مالك: لا ارى بأسا بالقيام عليها (أي الطنافس والفراء والمسوح) إذا كان يضع جبهته ويديه على الارض "

[ 30 ]

وقال في عون المعبود ج 1 ص 349 في شرح حديث أنس " كنا نصلي مع رسول الله (ص) في شدة الحر فإذا لم يستطع احدنا ان يمتهن وجهه من الارض، بسط ثوبه فسجد عليه)، وفي الحديث جواز استعمال الثياب، وكذا وغيرها من الحيلولة بين المصلي وبين الارض لاتقاء حرها، وكذا بردها. قال الخطابي: وقد اختلف الناس في هذا فذهب عامة الفقهاء إلى جوازه، مالك! الاوزاعي واحمد واصحاب الرأي واسحق بن راهويه، وقال الشافعي لا يجزيه ذلك كما لا يجزيه السجود على كور العمامة. ويشبه ان يكون تأويل حديث أنس عنده ان يبسط ثوبا هو غير لابسه (انتهى) قلت وحمله الشافعي على الثوب المنفصل، وايد البيهقي هذا الحمل بما رواه الاسماعيلي من هذا الوجه بلفظ " فيأخذ احدنا الحصى في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه " قال: فلو جاز السجود على شئ متصل به لما احتاجوا إلى تبريد الحص مع طول الامر فيه. وفي ارشاد الساري ج 1 ص 408 بعد نقله رواية أنس (كنا إذا صلينا مع النبي (ص) فيضع احدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود " قال: واحتج بذلك أبو حنيفة ومالك واحمد واسحق على جواز السجود على الثوب في شدة الحر والبرد، وبه قال عمر بن الخطاب وغيره وأوله الشافعية بالمنفصل أو المتصل الذي لا يتحرك بحركته كما مر، فلو سجد على متحرك بحركته عامدا عالما بتحريمه بطلت صلاته لانه كالجزء منه. وفي المدونة الكبرى ج 1 ص 73 / 75 / 76 / 80 نقل عن مالك فتاوى في المسالة وفروعها لا باس بنقلها بطولها. قال مالك: لا يسجد على الثوب الا من حر أو برد، كتانا كان


[ 31 ]

أو قطنا، قال ابن القاسم قال: بلغني ان عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر كانا يسجدان على الثوب من الحر والبرد ويضعان ايديهما عليه، قلت لابن القاسم: فهل يسجد على اللبد والبسط من الحر والبرد؟ قال: ما سألنا مالكا عن هذا ولكن مالكا كره الثياب وان كانت من قطن أو كتان فهي عندي بمنزلة البسط واللبود، فقد وسع مالك ان يسجد على الثوب من حر أو برد. قلت: أفترى أن يكون اللبد بتلك المنزلة؟ قال: نعم، إلى أن قال: وقال مالك: لا بأس ان يقوم الرجل في الصلاة على احلاس الدواب التي قد حلست به اللبود التي تكون في السروج ويركع عليها ويسجد على الارض ويقوم على الثياب والبسط وما أشبه ذلك، ويسجد على الخمرة والحصير وما اشبه ذلك، ويضع يديه على الذي يضع عليه جبهته. وقال: واخبرني ابن وهب قال اخبرني رجل عن ابن عباس ان النبي (ص) كان يتقي بفضول ثيابه برد الارض وحرها، قال ابن وهب: ان رسول الله (ص) رأى رجلا يسجد إلى جانبه وقد اعتم على جبهته فحسر رسول الله (ص) عن جبهته. وقال وكيع: عن سفيان عن عمر - شيخ الانصار - قال: رأيت انس بن مالك يصلي على طنفسة متربعا متطوعا وبين يديه خمرة يسجد عليها. وقال فيمن يسجد على كور العمامة، قال: احب الي ان يرفعها عن بعض جبهته حتى يمس بعض جبهته الارض قلت: فان سجد على كور العمامة؟ قال: اكرهه، فإن فعل فلا اعادة عليه. قال: وقال مالك: ولا يعجبني ان يحمل الرجل الحصباء أو التراب من موضع الظل إلى موضع الشمس فيسجد عليه. قال: وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والادم


[ 32 ]

وكان يقول: لا باس ان يقوم عليها ويركع عليها ويقعد عليها، ولا يسجد عليها ولا يضع كفيه عليها، وكان لا يرى باسأ بالحصباء وما اشبهه مما تنبت الارض ان يسجد عليها وأن يضع كفيه عليها. رقال مالك: ارى ان لا يضع الرجل كفيه الا على الذي يضع عليه جبهته. قال: وان كان حرا أو بردا فلا باس ان يبسط ثوبا يسجد عليه ويجعل كفيه عليه. قال الاحوذي في الشرح ج 1 ص 273 بعد ذكر الحديث في الصلاة على الحصير: والعمل على هذا عند اكثر اهل العلم، إلا ان قوما من اهل العلم اختاروا الصلاة على الارض استحبابا. قال في النيل وقد روى عن زيد بن ثابت وابي ذر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب ومكحول وغيرهما من التابعين استحباب الصلاة على الحصير، وصرح ابن المستب بانها سنة. كان عبد الرحمن بن يزيد يسجد على عمامته (6). أفتى الامام مالك بن انس باستحباب السجود على الارض وما أنبتته (2).


(1) المصنف ج 1 ص 399 / 400. هو إما عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الدمشقي الذي يروي عن مكحول وغيره، أو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الازدي الذي يروي عن مكحول أيضا (ذكرهما الذهبي في ميزان الاعتدال ج 2 ص 598) أو عبد الرحمن بن يزيد الذي يروي عن حذيفة (ذكره ابن سعد في الطبقات ج 3 ص 109 في ترجمة ابن مسعود). (2) المدونة الكبرى ج 1 ص 74.

[ 33 ]

قال ابن القيم في زاد المعاد ج 1 ص 59 كان النبي (ص) يسجد على جبهته وأنفه دون كور العمامة، ولم يثبت عنه السجود على كور العمامة من حديث صحيح ولا حسن، ولكن روى عبد الرزاق في المصنف من حديث ابي هريرة قال: كان رسول الله (ص) يسجد على كور العمامة وهو من رواية عبد الله بن محرز وهو متروك، وذكره أبو احمد من حديث جابر ولكنه من رواية عمرو بن شهر عن جابر الجعفي متروك عن متروك. وقد ذكر ابو داود في المراسيل: ان رسول الله (ص) رأى رجلا يصلي في المسجد فسجد بجبينه وقد اعتم على جبهته فحسر رسول الله (ص) عن جبهته وكان رسول الله (ص) يسجد على الارض كثيرا، وعلى الماء والطين وعلى الخمرة المتخذة من خواص النخل وعلى الحصير المتخذ منه (انتهى). هذا ملخص ما وصل الينا من عقائد الصحابة واقوال العلماء في المسألة، فمنهم من قال بوجوب السجود على التراب والرمل والحصباء ان امكن وإلا فالارض كلها كما عن عطاء وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز. ومنهم من قال بوجوب السجود على الارض فقط مطلقا كأبي بكر ومسروق وعبادة وابراهيم النخعي. ومنهم من قال بوجوب السجود على الارض وما انبتته اختيارا، وجواز السجود على الثياب للحر والبرد كابن عمر وعمر ومالك وابي حنيفة وابن حجر والشوكاني واحمد والاوزاعي واسحق بن راهويه واصحاب الرأي. ومنهم من قال بوجوب السجود على الارض وما انبتته


[ 34 ]

اختيارا، وجواز السجود على الثياب المتخذة من القطن والصوف لحر أو برد مع استحباب السجود على الارض كما عن الشافعي ومالك. ومنهم من قال أو نسب إليه القول بجواز السجود على الارض ونباتها والثياب بانواعها كابي هريرة وانس ومكحول وعامة الفقهاء فيما بعد القرن الرابع. وهنا قول قصد وهو وجوب السجود على الارض وما انبتته اختيارا، وجواز السجود على غير الارض ونباتها اضطرارا (دون مطلق الحر والبرد) وان كان الاضطرار من غير جهة الحر والبرد. فانتظر حتى توافيك الادلة إن شاء الله تعالى.


[ 35 ]

الدور الاول القسم الاول من أدلة وجوب السجود على الارض حديث " جعلت لي الارض " ألفاظه واسناده حديث تبريد الحصى، شكوى الصحابة بحصيب المسجد حديث تريب الوجه حديث السجود على كور العمامة حديث لزوم الجبهة ولصوقها وتمكينها بالارض حديث عايشة وغيرها في عمل النبي (ص) أحاديث أهل البيت " عليهم السلام " ما ورد عن الصحابة والتابعين في ذلك في الاحاديث المرفرعة حديث يشير الى الدور المذكور


[ 37 ]

أدلة الامامية: وكيف كان، فقد استدل الامامية لمذهبهم بما ورد عن اهل البيت عليهم السلام باسانيد متصلة عن آبائهم عليهم السلام عن رسول الله (ص)، وبما رواه اهل السنة في كتبهم من اقوال النبي (ص) في ذلك وافعاله، وبما نقلوه من اقوال الصحابة واعمالهم. واليك ما وقفنا عليه من الادلة: 1 - يدل على وجوب السجود على الارض قوله (ص) " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " (1).


(1) صحيح مسلم ج 1 ص 371، والبخاري ج 1 ص 91 / 119، ومسند احمد ج 1 ص 250 / 301، وج 2 ص 222 / 250 / 442 / 502 / 411، وج 3 ص 304 / 803، وج 4 ص 416، وج 5 ص 145 / 248 / 148 / 161 / 256 / 383، والبداية والنهاية ج 6 ص 41، واقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية =

[ 38 ]

وفي لفظ: " جعلت لنا الارض كلها مسجدا وطهورا " (1) وفي لفظ. " جعلت لي الارض طيبة وطهورا ومسجدا " (2) وفي لفظ: جعلت لك ولامتك الارض كلها مسجدا وطهورا (3) وفي لفظ. (ان الله جعل لي الارض مسجدا وطهورا اينما كنت أتيمم واصلي عليها (4)


= ص 332 والوسائل ج 2 ص 969 وج 3 ص 422، عن الكافي والخصال والفقيه والفتيه ج 1 ص 231 ط الغفاري، والسنن للبيهقي ج 2 ص 433 / 435، وج 1 ص 4 / 5 / 212 باسانيد متعددة، والبحار ج 18 ص 305، وج 80 ص 147، وج 83 ص 276، وارشاد الساري ج 1 ص 435، وفتح الباري ج 1 ص 370 / 371، والينابيع ص 244، وابو داود ج 1 ص 132، وسنن الدارمي ج 2 ص 224، والنسائي ج 1 ص 210 / 56، والترمذي ج 2 ص 131 - 133، وج 4 ص 123، والمغازي للواقدي ج 3 ص 1021، ومنحة المعبود ج 1 ص 81، والجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 144، ومجمع الزوائد ج 1 ص 261، والوافي ج 1 ص 87 في باب التيمم. (1) صحيح مسلم ج 1 ص 371، وسيرتنا عن ابي داود والنسائي والترمذي. (2) صحيح مسلم ج 1 ص 371، والسنن للبيهقي ج 6 ص 291، وسيرتنا ص 126، ويقرب منه ما في تاريخ الذهبي ج 2 ص 375، وفتح الباري ج 1 ص 371 عن ابن المنذر وابن الجارود، وقريب منه ما في الجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 144. (3) البحار ج 83 ص 277. (4) البحار ج 83 ص 277 عن مجالس ابن الشيخ بسندين.

[ 39 ]

وفي لفظ: " الارض لك ولامتك طهورا ومسجدا... " (1). وفي لفظ: " جعلت لي الارض مسجدا ترابها طهورا " (2). وفي لفظ: " جعلت الارض مسجدا ترابها وطهورا " 31). وفي لفظ: " عن ابي امامة الباهلي: ان رسول الله (ص) قال فضلني ربي على الانبياء عليهم الصلاة والسلام أو على الامم باربع قال ارسلت إلى الناس كافة، وجعلت الارض كلها لي ولامتي مسجدا وطهورا فاينما ادركت رجلا من امتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره " الحديث (4). فقه الححيف: لا اشكال في الحديث سندا، لتواتره ونقل كبار الحفاظ له في كتبهم المعتبرة وأما دلالته، فهو يدل على ان الذي يسجد عليه في الشريعة الاسلامية هو الارض، لان ما هو طهور هو الذي يكون مسجدا بحكم السياق، إذ الموضوع الذي حمل عليه الطهور هو الذي حمل عليه المسجد، فلو كان فرق بين موضوعي المحمولين لزم تكراره، فحينئذ كما ان الطهورية ثابتة لنفس الارض فكذا كونها مسجدا.


(1) البحار ج 83 ص 278. (2) البحار ج 83 ص 278 ومسند ابي غواته ج 1 ص 303. (3) شرح عون المعبود ج 1 ص 182. (4) مصباح المسند للشيخ قوام الدين القمي الوشنوي (مخطوط)، وقريب منه ما في تيسير الوصرل ج 1 ص 315.

[ 40 ]

ولا ينافي ذلك استفادة معنى آخر من الحديث الشريف، وهو ان العبادة والسجود لله سبحانه لا يختص بمكان دون مكان، بل كل الارض مسجد للمسلمين اينما كانوا وحيثما حلوا وشاءوا، وليسوا كغير المسلمين الذين خصوا العبادة بالبيع والكنائس، وذلك لانه قد يستفاد من كلام واحد معان متعددة واحكام كثيرة ونكات عديدة، بل هذا من بديع الكلام ولا سيما كلام سيد الانبياء وامام الفصحاء والبلغاء، وقد اعطي جوامع الكلام ونزل على لسانه القرآن الكريم، وربي في حجور الفصاحة وارتضع من ثدي الحكمة وا لبلا غة. وقد استفاد هذا المعنى من هذا الحديث الجصاص حيث قال: " ان ما جعله من الارض مسجدا هو الذي جعله طهورا " (1) والى هذا المعنى اشار ابن حجر في الفتح ايضا في شرحه لهذا الحديث حيث قال: " وجعلت لي الارض مسجدا " أي موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره (2) اقول: يعني لم يجعل المسجد بمعنى المصلى مجازا بل حمله على حقيقته، واليه اشار ايضا القسطلاني في شرح الحديث حيث قال " مسجد اي موضع سجود " (3) كما أنه قال في باب التيمم في شرحه للحديث: " جعلت لي الارض طهورا... احتج به مالك وأبو حنيفة على جواز


(1) احكام القرآن للجصاص ج 2 ص 389. (2) فتح الباري ج 1 ص 370. (3) ارشاد الساري ج 1 ص 435.

[ 41 ]

التيمم بجميع أجزاء الارض، لكن في حديث حذيفة عند مسلم " وجعلت لنا الارض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " وهو خاص فيحمل العام عليه فتختص الطهورية بالتراب... وفي رواية ابي امامة عند البيهقي " فايما رجل من امتي أتى الصلاة فلم يجد ماءا وجد الارض طهورا ومسجدا " وعند احمد " فعنده طهوره ومسجده " (3). وفي البحر الرائق ج 1 ص 156 / 155 بعد نقل حديث " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " استدل به على جواز التيمم على مطلق الارض قال: لان اللام للجنس فلا يخرج شئ منها، لان الارض كلها جعلت مسجدا وما جعل مسجدا هو الذي جعل طهورا (انتهى ملخصا). وفي المعتصر من المختصر من مشكل الاثار ج 1 ص 16: قال رسول الله (ص): لقد اعطيت الليلة خمسا ما اعطيهن احد قبلي: ارسلت إلى الناس عامة... وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا اينما ادركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك انما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم (الحديث) واستدل بهذا على ان ما كان من الارض مسجدا كان منها طهورا.. الخ. ويؤيد ما ذكرنا (من كون المراد من المسجد محل السجود وان ما هو طهور هو المسجد) ما تقدم من لفظ الحديث " فاينما ادركت رجلا من امتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره " حيث


(3) ارثاد الساري ج 1 ص 367 / 368.

[ 42 ]

يصرح بان المراد من المسجد في الحديث الشريف ليس هو المصلى ليكون المراد كما تقدم انه يصلي اي مكان شاء ومتى اراد، بل المراد موضع السجود، اي جعلت لي الارض محل سجود، فمتى صلى انسان فعنده ما لسجد عليه، وان كان يستفاد الترخيص بالنسبة إلى مكان الصلاة ايضا كما لا يخفى على المتدبر ويؤيد هذا المعنى ايضا ما في شرح عون المعبود لسنن ابي داودج 1 ص 182 حيث قال: " ومسجدا أي موضع سجود، ولا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازا من المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه لانه إذا جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد قاله الحافظ في الفتح (راجع الفتح ج 1 ص 369 وما بعدها) حيث جعل الشارح مفاد الحديث حقيقة فيما ذكرنا من السجود على الارض وجعل المعنى الاخر محتملا مجا زا ". نعم في بعض الروايات اشارة إلى المعنى المجازي ايضا منها قوله (ص) كما عن حذيفة " جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا (1) " حيث خص الطهور بالتراب فقط دون سائر اجزاء الارض. ومنها ما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): " الارض كلها مسجد الا المقبرة والحمام " (2).


(1) شرح عرن المعبود ج 1 ص 182. (2) تحفة الاحوذي ج 1 ص 262.

[ 43 ]

ويحتمل ان يكون وضع الوجه على الارض مباشرة مأخوذ في حقيقة السجود لغة وكذا عند اهل العرف، ويدل عليه ما رواه البخاري ج 5 ص 57: قال قرأ النبي (ص) النجم فسجد فما بقي احد الا سجد الا رجل رأيته أخذ كفا من حصى فرفعه فسجد عليه " (1) إذ الظاهر منه ان السجود هو الوقوع على الارض بهيئة خاصة، ولذا قال الرجل " يكفيني منه " أي يكفي من السجود الحقيقي لا أنه نفسه، ولو كان السجود على غير الارض كافيا لما كان التكلف لازما، لامكان السجود على الثوب. فالاصل في السجود أن يضع الانسان وجهه على الارض، على ترابها ورملها وحصاها وحجرها ومدرها ونباتها غير ماكول ولا ملبوس، الا أن تعرض عناوين حكم الشارع فيها بجواز السجود على الثياب ونحوها كضرورة الحر والبرد والزحام، وسياقي الكلام عليها ان شاء الله تعالى. وذلك هو الذي اعترف به الفقهاء كما تقدم. حديث تبريد الحصى: 2 - عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: كنت اصلي مع النبي (ص) الظهر فاخذ قبضة من الحصى فاجعلها في كفي ثم احولها إلى الكف الاخرى حتى تبرد ثم اضعها لجبيني حتى اسجد


(1) راجع البخاري ايضا ج 5 ص 96، وصحيح مسلم ج 1 ص 405، وأبا دواد ج 2 ص 59، والدارمي ج 2 ص 342، ومسند احمد ج 1 ص 388 / 401 / 437 / 443 / 462.

[ 44 ]

من شدة الحر (1). وفي لفظ احمد عنه قال: " كنت اصلي مع رسول الله (ص) الظهر فآخذ قبضة من حصى في كفي لتبرد حتى اسجد عليها من شدة الحر ". وفي لفظ البيهقي عنه قال: " كنت اصلي مع رسول الله (ص) صلاة الظهر فآخذ قبضة من الحصى في كفي حتى تبرد واضعها لجبهتي إذا سجدت من شدة الحر. 3 - عن انس قال: " كنا مع رسول الله (ص) في شدة الحر فيأخذ احدنا الحصباء في يده، فإذا برد وضعه وسجد عليه ". قال البيهقي بعد نقله حديث انس: قال الشيخ: ولو جاز السجود على ثوب متصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكف ووضعها للسجود وباللة التوفيق. اقول: لو كان السجود على الثياب لكان جائزا لكان اسهل من التبريد جدا إذ كما ان السجود على الثوب المتصل سهل، فكذا حمل منديل أو خرقة طاهرة سهل لاريب فيه. فهذا الحديث كما يدل على عدم جواز السجود على الثوب


(1) كنز العمال ج 4 ص 188، وفي طبعة ج 8 ص 24، والنسائي ج 2 ص 2 0 4، وابو داود ج 1 ص 110، ومسند احمد ج 3 ص 327، وسنن البيهقي ج 1 ص 439 عن جابر، وج 2 ص 105 / 106 عن جابر وأنس، وشرح الاحوذي لجامع الترمذي ج 1 ص 405، وشرح عون المعبود لسنن ايى داود ج 1 ص 249 عن أنس، وسيرتنا ص 127 نقلوه بالفاظ متقاربة.

[ 45 ]

المتصل على ما فهمه الشيخ، يدل أيضا على عدم جواز السجود على غير الارض مطلقا. 4 - عن خباب بن الارت قال: شكونا إلى رسول الله (ص) شدة الرمضاء في جباهنا واكفنا فلم يشكنا (لفظ البيهقي). وفي لفظ مسلم " عن خباب قال: أتينا رسول الله (ص) فشكونا إليه حرالرمضاء فلم يشكنا. وفي لفظ " شكونا إلى رسول الله (ص) الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا " (عن خباب). 5 - عن ابن مسعود: " شكونا إلى النبي (ص) حر الرمضاء فلم يشكنا " كذا في لفظ ابن ماجة وسيرتنا ص 127 عن نيل الاوطار، وفي لسان الميزان ج 2 ص 63 عن جابر (1). فهذه الروايات تدل على ان الشاكي ليس هو خباب وجابر وابن مسعود فحسب، بل الصحابة عموما لانهما بقولهما " شكونا " و " فلم يشكنا " إنما يحكيان حال كثير من الصحابة كما لا يخفى. قال ابن الاثير في النهاية في " شكى " بعد نقل حديث خباب كما اخرجناه عن مسلم: والفقهاء يذكرونه في السجود، فانهم كانوا


(1) راجع صحيح مسلم ج 1 ص 433 بسندين، وارشاد الساري ج 1 ص 487، وسيرتنا ص 127، ومسند احمد ج 5 ص 108 - 110، والمصنف ج 1 ص 544 والسنن للبيهقي ج 1 ص 438 بسندين، وج 2 ص 105 / 107، والنسائي ج 1 ص 247 وابن ماجة ج 1 ص 222، وتنوير الحوالك ج 1 ص 37 والرصف ص 225، ومنحة المعبود ج 1 ص 70، ومسند ابي عوانة ج 1 ص 345، ونقل في لسان الميزان ج 2 ص 63، وميزان الاعتدال ج 1 ص 352 عن جابر.

[ 46 ]

يضعون اطراف ثيابهم تحت جباههم في السجود من شدة الحر فنهوا عن ذلك، وانهم لما شكوا إليه ما يجدون من ذلك لم يفسح لهم ان يسجدوا على طرف ثيابهم. وقال السيوطي في حاشيته على سنن النسائي بعد ذكره ما نقلناه عن النهاية: وقال القرطبي: يحتمل أن يكون هذا منه (ص) قبل أن يؤمر بالابراد الخ (النسائي ج ا ص 247). أقول: المستفاد من الروايات ان الصحابة شكوا إلى رسول الله (ص) ما يلقون من الحر والبرد حيث كانت تحترق جباههم وايديهم - شكوا له - حتى يرخص لهم في السجود على غير الارض مما يدفع عنهم هذه المشاق والمتاعب، كالثياب المتصلة ككور العمامة أو المنفصلة كالمناديل والسجاجيد المصنوعة (بعد قرون) من القطن والكتان والحرير وغيرها فلم يشكهم رسول الله (ص) ولم يعتن بشكواهم وهو الرؤوف المتحنن الكريم العطوف، وليس ذلك الا لعدم جواز السجود على غير الارض. 6 - قال ابو الوليد سألت ابن عمر عما كان بدء هذه الحصباء التي في المسجد قال: غم مطر من الليل فخرجنا لصلاة الغداة، فجعل الرجل يمر على البطحاء فيجعل في ثوبه من الحصباء فيصلي فيه قال: فلما رأى رسول الله (ص) ذاك قال: ما احسن هذه البساط، فكان ذلك اول بدئه (1).


(1) سنن البيهقي ج 2 ص 440 / 106، ووفاء الوفاء ج 2 ص 655 / 656، وسيرتنا ص 128، والسيرة الحلبية ج 2 ص 80، وسنن ابي داود ج 1 ص 174 في المطبوع مع شرح عون المعبود، وص 125 في المطبوع مستقلا باشراف محمد محيي الدين. =

[ 47 ]

ولفظ السمهودي: عن ابي الوليد قال سالت ابن عمر عن الحصباء الذي في المسجد فقال: مطرنا ذات ليلة فاصبحت الارض مبتلة، فجعل الرجل ياتي بالحصباء في ثوبه ويبسطه تحته، فلما قضى رسول الله (ص) قال: ما أحسن هذا. تدل الرواية ان الصحابة حتى مع نزول المطر وابتلال الارض، كانوا متعبدين بالسجود على التراب والطين ولا يسجدون على شئ سوى ذلك، بل الرسول (ص) كان أيضا متقيدا بذلك ومتعبا نفسه الشريفة فيه، وذلك ايضا يكشف عن عدم جواز السجود على غيرها. بل نقل السمهودي ص 656 ان المسجد بقي غير مفروش بالحصباء إلى زمن عمربن الخطاب (1). 7 - عن هشام بن الحكم قال: قلت لابي عبد الله جعفر بن


- وفي الفتوحات الاسلامية ج 2 ص 368، ووفاء الوفاء ج 2 ص 656 ان تحصيب المسجد كان في عهد عمر، ولكن في السيرة الحلبية بعد نقل ان التحصيب كان بامر رسول الله (ص) قال: اول من فرش الحصر في المسجد عمر بن الخطاب وكان قبل ذلك مفروشا بالحصباء اي في زمنه (ص). وفي الاحياء: اكثر معروفات هذه الاعصار منكرات في عصر الصحابة رضي التعالى عنهم، إذ من غريز المعروف في زماننا فرش المساجد بالبسط الرقيقة فيها وقد كان يعد فرش البواري في المسجد بدعة، كانوا لا يرون ان يكون بينهم وبين الارض حائل. (1) قال السمهودي: والذي يقتضيه كلام المؤرخين ان تحصيب المسجد انما حدث في زمان عمر بن الخطاب، فقد روى يحيى عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الازهري قال: قال عمر بن الخطاب حين بنى مسجد رسول (ص) ما ندري ما نفرش في

[ 48 ]

محمد الصادق (ع) اخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز، قال: السجود لا يجوز الا على الارض أو ما أنبتت الارض الا ما أكل أو لبس، فقلت له: جعلت فداك ما العلة في ذلك: قال: لان السجود هو الخضوع لله عزوجل، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لان السجود هو الخضوع لله عزوجل، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس لان أبناء الدنيا عبيد ما ياكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عزوجل، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها، والسجود على الارض أفضل وأبلغ في التواضع والخضوع لله عزوجل (1).


= مسجدنا، فقيل له افرض الخصف والحصر قال: هذا الوادي مبارك فاني سمعت رسول الله (ص) يقول: " العقيق واد مبارك " قال فحصبه عمر بن الخطاب. (راجع الطبقات ج 3 ق 1 ص 204). ونقل عن عبيد الله بن عمر قال: قدم سفيان بن عبد الله الثقفي على عمر بن الخطاب ومسجد النبي (ص) غير محصوب فقال: اما لكم واد؟ فقال عمر: بلى قال: فاحصبوه منه، فقال: عمر احصبوه من هذا الاودي المبارك عقيق. أقول: لا منافاة بين نقل ابن عمر من كون التحصيب في زمن الرسول صلى الله عليه وآله، وبين نقل الازهري في كونه زمن عمر، لاحتمال ان يكون التحصيب زمن الرسول الله صلى الله عليه وآله فثاور عمر بعد تجديد البناء في فرشه بالحصير أو الحصباء فاشير إلى التحصيب، فبقي محصوبا إلى ان فرشه بعد بالحصير كما تقدم عن السيرة الحلبية. (1) البحارج 85 ص 147 عن علل الشرايع للصلوق محمد بن علي بن الحسين رحمه الله، وراجع الوسائل ج 3 ص 591، اخرجها عن الفقيه والعلل والتهذيب وسيأتي الكلام في التعليل.

[ 49 ]

حديث التتريب: 8 - روى عبد الرزاق عن خالد الجهني قال: رأى النبي (ص) صهيبا يسجد كانه يتقي التراب فقال له النبي: " ترب وجهك يا صهيب (1). لم يذكر الراوي بماذا كان صهيب يتقي التراب أن يصيب وجهه بكور عمامته ام بمنديل ام بثوب آخر، ولكنه نقل فقط امره (ص) بالتتريب والامر للوجوب. ولو أنه كان يتقي ذلك بالسجود على حصير أو خمرة أو حجر صاف فيصرف الامر عن الوجوب إلى الاستحباب والفضل، وذلك لما يأتي من جواز السجود على أجزاء الارض غير التراب 9 - عن أم سلمة ام المؤمنين رضي الله عنها قالت: رأى النبي (ص) غلاما لنا يقال له أفلح ينفخ إذا سجد فقال: " يا افلح ترب " (2). 10 - قال النبي (ص): " يا رباح ترب " (3).


(1) المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 392، وكنز العمال ج 4 ص 100 الرقم 2129، وفي طبعة ج 7 ص 328. (2) كنز العمال ج 4 ص 99 / 212، وفي طبعة ج 7 ص 324، وج 8 ص 86 الرقم 295 / 4559، والاصابة ج 1 ص 58، وشرح الاحوذي لجامع الترمذي ج 1 ص 272، واسد الغابة ج 1 ص 106 بعنوانين، والترمذي ج 2 ص 221. (3) كنز العمال ج 4 ص 99 / 212، وفي طبعة ج 7 ص 324، وج 8 ص 85 الرقم 209 / 4560، والاصابة ج 1 ص 502 الرقم 2562، واسد الغابة ج 2 ص 161، والترمذي ج 2 ص 221.

[ 50 ]

وفي لفظ الاصابة: " مر النبي بغلام لنا يقال له رباح وهو يصلي فنفخ فقال: ترب وجهك " (عن ام سلمة رضي الله عنها). وفي رواية: فقال له النبي (ص): يا رباح " أما علمت أن من نفخ فقد تكلم (راجع اسد الغابة). هاتان الروايتان تدلان على افضلية التتريب ان كان موضع السجود من أجزاء الارض، والا فالامر للوجوب على ما هو مقتضى القاعدة من افادة الامر للوجوب، هذا مع قطع النظر عن ان النفخ مبطل للصلاة ام لا كما تقدم في الحديث. 11 - قال النبي (ص) كما روي عن ام سلمة ام المؤمنين رضي الله عنها " ترب وجهك لله " (1). هذا الحديث يأمر بتتريب الوجه مطلقا، وظاهره اللزوم والوجوب إلا فيما ثبت دليل على التخصيص كموارد الضرورة، أو كون المسجود عليه من نبات الارض وأجزائها. 12 - قال (ص) لمعاذ: " عفر وجهك في التراب " (2). 13 - ينبغي للمصلي ان يباشر بجبهته الارض ويعفر وجهه في التراب لانه من التذلل لله تعالى (3). 14 - عن أبي صالح قال: دخلت على ام سلمة فدخل عليها


(1) كنز العمال ج 4 ص 100، وفي طبعة ج 7 ص 328. (2) ارشاد الساري ج 1 ص 405. (3) البحار ج 85 ص 156 عن دعائم الاسلام.

[ 51 ]

ابن أخ لها فصلى في بيتها ركعتين، فلما سجد نفخ التراب فقالت ام سلعة. ابن أخي لا تنفخ، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول لغلام له يقال له يسار ونفخ " ترب وجهك لله " (1). حديث كور العمامة: 15 - روي عن علي أمير المؤمنين (ع) أنه قال: (إذا كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن وجهه " يعني لا يسجد على كور ا لعمامة (2). 16 - روي ان النبي (ص) كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته (3). 17 - روي صالح بن خيوان السبائي. ان رسول الله (ص) رأى رجلا يسجد بجنبه وقد اعتم على جبهته، فحسر رسول الله (ص) عن جبهته (4).


(1) مسند احمد ج 6 ص 301. (2) كنز العمال ج 4 ص 212، وفي طبعة ج 8 ص 86، والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 105، ومنتخب كنز العمال هامش المسند ج 3 ص 194، وسيرتنا ص 128. (3) الطبقات ج 1 ص 151 ق 2. (4) السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 105، وسيرتنا ص 128 عنه، وعن نصب الراية للزيلعي ص 386، والبحار ج 85 ص 157، وفي الاصابة ج 2 ص 201 في ترجمة صالح بن خيوان، واسد الغابة ج 3 ص 9 في ترجمة صالح والمدونة الكبرى ج 1 ص 73.

[ 52 ]

18 - عن عياض بن عبد الله القرشي قال: رأى رسول الله (ص) رجلا يسجد على كور عمامته فاومأ بيده: ارفع عمامتك وأوما إلى جبهته (1). وفي لفظ الاصابة: " ان رجلا سجد إلى جنب النبي (ص) على عمامته فحسر النبي (ص) عن جبهته " 19 - عن النبي (ص): انه نهى أن يسجد المصلي على ثوبه أو على كمه أو على كور عمامته (2). أقول: النهي عن السجود على كور العمامة قد يحمل على انه من أجل كونه ثوبا محمولا للمصلي يتحرك بحركته، ولكن لا وجه لهذا الحمل لكونه احتمالا محضا من دون شاهد، فلا يترك من اجله اطلاق الحديث، مع أنه لا خصوصية لكونه ثوبا متحركا بحركته إذ اتصال الثوب بالمصلي وتحركه بحركته، قيد اختلقته اذهاننا لا قيمة له في سوق الاعتبار. وقد يقال بان الاتصال بالجبهة مانع عن صدق السجود عرفا، فلو كانت العمامة أو الخشب أو الحصى أو الحجر أو التربة لاصقة بالجبهة فسجد المصلي كذلك، لا يصدق الوضع على الارض، ولكنه كما ترى لان صدق السجود على الارض ووضع الجبهة على الارض امر وجداني لا يحتاج إلى برهان، ولذا لو لصق الحصى بجبهة المصلي لا يجب إزالتها ولا يلزم مسح الجبهة من اجل


(1) المصادر المتقدمة. (2) البحار ج 85 ص 156 عن الدعائم.

[ 53 ]

ذلك، بل ورد في روايات كثيرة النهي عن مسح الوجه في الصلاة لازالة التراب والحصى اللاصقة فيها (راجع المصنف ج 2 ص 42 / 43، ولسان الميزان ج 1 ص 488 / 489، وميزان الاعتدال ج 1 ص 293، وكنز العمال ج 7 ص 325) فلو كان اللصوق مانعا عن صدق السجود لامر بازالتها ومسح الجبهة لاجلها لا ان يمنع عن المسح. أحاديث لزوم الجبهة ولصوقتا وتمكينها بالارض: 20 - قال (ص): إذا صلى احدكم فليلزم جبهته وأنفه الارض حتى يخرج منه الرغم " (1). من ارغم الله انفه أي الصقه بالرغم وهو التراب، هذا هو الاصل ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره فالمراد من قوله (ص): " حتى يخرج منه الرغم " أي يظهر ذله وخضوعه. 21 - وعن ابن عباس أنه قال: " إذا سجدت فالصق انفك بالارض " وقال: " لاصلاة لمن لا يمس انفه الارض " (2). 22 - وقال ابن عباس: " من لم يلزق أنفه مع جبهته الارض إذا سجد لم نجز صلاته " (3).


(1) في النهاية لابن الاثير كلمة " رغم ". (2) المصنف ج 2 ص 181 / 182، والمستدرك للحاكم ج 1 ص 270، والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 103 / 104 باسانيد متعددة. (3) كنز العمال ج 4 ص 100، وفي طبقة ج 7 ص 328، ومجمع الزواند ج 2 ص 126 عن الطبراني في الكبير والاوسط.

[ 54 ]

الدلالة في الحديث الاول بالاولوية، إذ ايجاب الصاق الانف يدل على ايجاب إلصاق الجبهة طبعا، كما في قوله تعالى: (ولا تقل لهما اف) حيث تدل على حرمة الايذاء والعقوق بالاولوية وأما الحديث الثاني، فقد صرح فيه ابن عباس بحكم الجبهة وأن الصلاة تكون باطلة مع عدم الالصاق. 23 - روي عن النبي (ص): " إذا سجدت فمكن جبهتك وأنفك من الارض (1). 24 - قال (ص) لابي ذر: " الارض لك مسجد فحيثما ادركت الصلاة فصل " (2). 25 - عن رفاعة بن رافع مرفوعا: ثم يكبر فيسجد فيمكن جبهته من الارض حتى تطمئن مفاصله وتستوي (3). 26 - روي عن ابن عباس عن النبي (ص): إذا سجدت فمكن جبهتك وأنفك من الارض (4). 27 - تمسحوا بالارض فإنها بكم برة (عن سلمان ره) (5). نقل العلامة المجلسي عن السيد في المجازات النبوية بعد


(1) احكام القرآن للجصاص ج 3 ص 36 وفي طبعة ج 5 ص 36. (2) النسائي ج 2 ص 32، وسيرتنا ص 126 عنه. (3) سيرتنا ص 127 عن السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 102. (4) احكام القرآن للجصاص ج 3 ص 209، وفي طبعة ج 5 ص 36. (5) كنز العمال ج 7 ص 325، والبحار ج 85 ص 158.

[ 55 ]

نقل الحديث وشرحه: والكلام يحتمل وجهين: احدهما أن يكون المراد التيمم منها في حال الحدث والجنابة والوجه الاخر أن يكون المراد مباشرة ترابها بالجباه في حال السجود عليها وتعفير الوجه، فيها أو يكون هذا القول أمر تأديب لا أمر وجوب، لانه يجوز السجود على غير الارض أيضا الا ان مباشرتها بالسجود أفضل. وقد روي أن النبي (ص) كان يسجد على الخمرة، وهي الحصير الصغير يعمل من سعف النخل (انتهى). ذكرها المتقي الهندي في باب السجود وان كان مضمونها عاما. وفي البحار ج 85 ص 156 نقل الحديث عن دعائم الاسلام هكذا: " عن علي (ع) ان رسول الله (ص) قال: ان الارض بكم برة تيممون منها وتصلون عليها في الحياة، وهي لكم كفاة في الممات، وذلك من نعمة الله له الحمد، فافضل ما يسجد عليه المصلي الارض نقية ". 28 - لا يقبل الله صلاة لا يصيب الانف من الارض ما يصيب الجبين (1). 29 - لاتقبل صلاة من لا يصيب أنفه الارض (عن ام عطية) (2).


(1) كنز العمال ج 7 ص 327. (2) كنز العمال ج 7 ص 328.

[ 56 ]

30 - لاصلاة لمن لا يمس أنفه الارض ما يمسه الجبين (عن عكرمة) (1). 31 - لا يقبل الله صلاة لا يصيب الانف منها ما يصيب الجبين (عن عكرمة) (2). 32 - إذا سجدت فالصق أنفك بالارض (عن إبن عباس) (3). 33 - اسجدوا على الارض أو على ما انبتت الارض (4). 34 - عن ام عطية قالت: قال رسول الله (ص): ان الله لا يقبل صلاة لا يصيب أنفه الارض (5). 35 - لاصلاة لمن لم يضع أنفه بالارض مع جبهته في الصلاة (1). 36 - لاصلاة لمن لم يضع أنفه على الارض (6). 37 - لاصلاة لمن لا يصيب أنفه من الارض ما يصيب الجبين (7).


(1) كنز ترعمال ج 7 ص 328. (2) كنز العمال ج 7 ص 328. (3) كنز العمال ج 8 ص 85. (4) البحار ج 85 ص 154. (5) مجمع الزوائد ص 162 ج 2 عن الطبراني في الكبير والاوسط. (6 - 7) الدار قطني ج 2 ص 349.

[ 57 ]

حديث عائشة وغيرها في عمل النبي (ص): 38 - روي عن عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله (ص) متقيا وجهه بشئ " تعني في السجود (1). هذا الحديث يدل على العمل المستمر لرسول الله (ص)، وهو يدل على الوجوب، لانه لو كان فضلا لخالف في عمله مرة أو مرات لبيان عدم الوجوب، أو لصرح بذلك، ولنا برسول الله (ص) اسوة حسنة، وما جاء به الرسول (ص) يجب أخذه وإن كان بيانه بالعمل، لان فعله (ص) حجة كقوله يجب اتباعه. 39 - عن أبي سعيد الخدري أنه رأى الطين في أنف رسول الله (ص) من أثر السجود وكانوا مطروا من الليل (2). وفي لفط البخاري (حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله (ص) وأرنبته). وفي لفظ البخاري أيضا (رأيت رسول الله (ص) يسجد في الماء والطين حتى أثر الطين في جبهته).


(1) المصنف ج 1 ص 397، وكنز العمال ج 4 ص 212، وفي طبعة ج 8 ص 85، ومنتخب كنز العمال: هافر المسند ج 3 ص 194، ومسند احمد ج 6 ص 58. (2) المصنف ج 2 ص 181، والبخاري ج 1 ص 207 / 212 / 171، وج 3 ص 60 / 62 / 64 / 66، والسنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 104 وج 2 ص 285 / 286 / 287، واحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 209، وفي طبعة ج 5 ص 36، والنسائي ج 2 ص 208 / 209، وابو داود ج 1 ص 209 / 236، وفي طبعة ص 203 / 204 وسيرتنا ص 126، وارشاد الساري ج 2 ص 121، ومسند احمد ج 3 ص 60 / 74 / 96 كلهم نقلوه بألفاظ متقاربة.

[ 58 ]

هذا الحديث أيضا كحديث عائشة أم المؤمنين يدل على اهتمامه (ص) بالسجود على الارض وعدم اتقاء الوجه عن مباشرة الارض بشئ حتى مع المطر والطين. 40 - عن وائل قال: (رأيت النبي (ص) إذا سجد وضع جبهته وأنفه على الارض) (1). 41 - عن ابن عباس (ان النبي (ص) سجد على الحجر) (2). 42 - عن وائل قال: رأيت رسول الله (ص) يسجد على الارض واضعا جبهته وأنفه في سجوده (3). وعنه أيضا: " رأيت النبي (ص) وضع جبهته وأنفه على الارض " 43 - قال ابن عباس: " رأيت رسول الله (ص) يصلي في كساء أبيض في غداة باردة يتقي بالكساء برد الارض بيده ورجله " (4). وفي لفظ: " لقد رأيت رسول الله (ص) في يوم مطير وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه إلى الارض إذا سجد (سيرتنا عن احمد).


(1) احكام القرآن للجصاص ج 3 ص 36، ومسند (ج 4 ص 315 - 317. (2) سيرتنا ص 127 عن السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 102. (3) مسند احمد ج 4 ص 317، واحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 209، وفي طبعة ج 5 ص 36. (4) السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 106، وسيرتنا ص 132.

[ 59 ]

45 - عن ثابت بن صامت قال: ان رسول الله (ص) صلى في بني عبد الاشهل وعليه كساء متلفف به يضع يديه عليه يقيه برد الحصى (1). 46 - عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: جاءنا النبي (ص) فصلى بنا في مسجد بني عبد الاشهل فرأيته واضعا يديه على ثوبه (2). هذه الاحاديث الواردة عن ابن عباس الحبر وأبي سعيد ووائل وثابت وعبد الله بن عبد الرحمن، الحاكية لعمل النبي (ص) في سجدته في يوم مطير في الماء والطين والبرد، تارة بانه سجد على الطين ولم يق وجهه بشئ، وأخرى بانه وقى يديه من دون تعرض للوجه، مع أن تدقيق الرواة في بيان عمل النبي (ص) في اتقاء يديه بالكساء عن البرد والطين وتركهم ذكر الجبهة يكشف عن أنه (ص) لم يق وجهه بشئ حتى يذكره الرواة، وهذا التقيد منه (ص) يفيد الوجوب الاكيد كما لا يخفى. 47 - عن أبي هريرة قال: سجد رسول الله (ص) في يوم مطير حتى اني لانظر إلى أثر ذلك في جبهته وارنبته (3). هذه الاخبار المتقدمة بأسرها إما آمرة بمس الارض الظاهر في المباشرة في التيمم والسجود كما صرح به في بعض الروايات، أو آمرة بالسجود عليها، وعلى كل حال ظاهرها لزوم المباشرة أو آمرة


(1) ابن ماجة ج 1 ص 329، وسيرتنا ص 132. (2) ابن ماجة ج 1 ص 328 / 329. (3) مجمع الزوائد ج 2 ص 126 عن الطبراني في الاوسط.

[ 60 ]

بمس الانف ووضعه على الارض فيفهم حكم السجود بالجبهة بالاولوية. أحاديث أهل البيت (عليهم السلام): 20 - عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام انه قال: (لا تسجد الا على الارض أو ما أنبتت الارض الا القطن والكتان) (1). 21 - وعنه عليه السلام أنه قال: " دعا أبي بالخمرة - السجادة الصغيرة من سعف النخل - فابطات عليه، فاخذ كفا من حصى فجعله على البساط فسجد عليه " (2). 22 - وعنه عليه السلام أو عن أبيه عليه السلام أنه قال: (لا باس بالقيام على المصلى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الارض فان كان من نبات فلا باس بالقيام عليه والسجود عليه) (3). 23 - وعن الصادق أو أبيه الباقر علهما السلام. " كان أبي - علي ابن الحسين عليهما السلام - يصلي على الخمرة يجعلها على الطنفسة ويسجد عليها فإذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسة


(1) الكافي ط الاخوندي ج 3 ص 330 / 331، وفي البحارج 85 ص 149 - 159 نقل اخبارا كثيرة في هذا المعنى فراجع وتدبر. (2 - 3) الكافي ج 3 ص 330 / 331، وفي البحار ج 85 ص 148 عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال (الراوي عنه) سمعته يقول: " السجود على ما أنبتت الارض الا ما اكل ولبس ".

[ 61 ]

حيث يسجد عليها " (1). 24 - روى عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن أبي عبد الله الصادق (ع): " عن الرجل يسجد وعليه العمامة لا يصيب وجهه الارض قال: " لا يجزئه ذلك حتى تصل جبهته الارض) (2). 25 - عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: (السجود على ما انبتت الارض الا ما أكل ولبس (3). 26 - وعنه عليه السلام: " لا يسجد الا على الارض أو ما أنبتت الارض الا المأكول والقطن والكتان " (4). 27 - عن احدهما عليهما السلام قال: " لا باس بالقيام على المصلى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الارض وان كان من نبات الارض، فلا بأس بالقيام عليه والسجود عليه " (5). 28 - عن الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يصلي على البساط والشعر والطنافس قال لا تسجد عليه وان قمت عليه وسجدت على الارض فلا بأس، وان بسطت عليه الحصير وسجدت على الحصير فلا بأس " (6).


(1) الكافي ج 3 ص 332، والوسائل ج 3 ص 594 الطبعة الحديثة. (2) الكافي ج 3 ص 334، والتهذيب ج 2 ص 334 الطبعة الحديثة. (3) الوسائل ج 3 ص 592، والبحار ج 85 ص 149. (4) الوسائل ج 3 ص 592، والبحار ج 85 ص 149. (5 - 6) الوسائل ج 3 ص 592 / 594، والروايات من طرق اعلامنا الامامية رضوان الله عليهم كثيرة جدا وانما تركناها مخافة الاطناب وإذا اردت الوقوف عليها =

[ 62 ]

ولا يخفى على من له أدنى المام بكتب الامامية وأحاديث أئمة اهل البيت عليهم السلام أن احاديثهم عليهم السلام مسندة إلى النبي (ص) بسند واحد وهو أن الامام الذي يروي عنه الحديث رواه عن ابيه عن آبائه عليهم السلام عن النبي (ص). مثلا يروي جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن ابيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم الصلاة السلام عن رسول الله (ص) وقد صرح بذلك أئمة أهل البيت (ع) في مواطن متعددة كثيرة فلا يبقى إذن ريب لمتوهم في اسناد احاديثهم فيزعم الارسال فيها فيتركها ويطرحها - والعياذ بالله - من أجل ذلك. وقد صرحوا بلزوم السجود علي الارض واجزائها ونباتها الا المأكول والملبوس وبطلان الصلاة مع السجود على غيرها، وليس ذلك رأيا من عند أنفسهم، بل رووا ذلك حديثا صحيحا وصريحا عن رسول الله (ص)، وهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. 29 - وعن الصادق (ع): " السجود على الارض فريضة وعلى الخمرة سنة " (1).


فراجع الوسائل ج 3 باب السجود، والكافي ج 3 باب السجود والبحار ج 85، والتهذيب ج 2، والفقيه ج 1، ومستدرك الوسائل ج 1 ص 247، والوافي ج 3 ص 110. (1) الكافي ج 3 ص 331، والرسائل ج 3 ص 593 عنه، وعن العلل. سيأتي الكلام في الخمرة فانتظر.

[ 63 ]

اقول: روي هذا الحديث في البحارج 85 عن كتاب العلل هكذا: " السجود على الارض فريضة وعلى غيرها سنة " وظاهره ان السجود على الارض فرض من الله عزوجل، والسجود على غير الارض (أو على الخمرة) مما سنه الرسول (ص) يعني ان الذي شرع في السجود أولا من الله تعالى هو السجود على الارض فقط، وأما السجود على النباتات أو على الخمرة التي هي أيضا من النبات (إذ هي مصنوعة من سعف النخل) فهو ترخيص وتسهيل من الله تعالى بلسان نبيه الاعظم (ص). وبعبارة أخرى إلحاق نبات الارض بالارض في هذا الحكم سنة، ويشهد لهذا المعنى تقيد النبي (ص) وتقيد الصحابة بالسجود على الارض وأجزائها من الحجر والحصى والرمل والتراب أولا كما تقدم، ثم رخص لهم في السجود على النباتات ومنها الخمرة ثانيا (1). قال ابن الاثير في النهاية في " السنة ": إذا اطلقت في الشبرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي (ص) ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في ادلة الشرع الكتاب والسنة، أي القرآن والحديث (انتهى). فعلى هذا يفيد الحديث أن السجود على الارض قد ورد في الكتاب العزيز، مع أنه ليس في ظاهر الكتاب ما يدل على وجوب


(1) روى في البحار ج 85 ص 158 عن مجالس ابن الشيخ باسناده عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله عاد مريصا فرآه يصلي على وسادة فاخذها فرمى بها وأخذ عودا ليصلي عليه فاخذه فرمى به وقال: على الارض إن استطعت، والا فأوم إيماءا واجعل سجودك أخفض من ركوعك.

[ 64 ]

السجود على الارض، الا ان يقال ان كلمة السجود يفهم منها وضع الجبهة على الارض كما تقدم، أو يقال: ان السجود هو الخضوع والتطامن وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله سبحانه وعبادته، وهو عام في الانسان والحيوان والجماد، وذلك ضربان الاول سجود اختيار وليس ذلك الا للانسان (أو عام لجميع الموجودات بحسب ما يظهر بالدقة في القرآن الكريم) وبه يستحق الثواب وهو مامور به بنحو قوله تعالى: (فاسجدوا لله واعبدوا) وسجود جبر وتسخير، وهو في الانسان والحيوان والنبات وعلى ذلك يحمل قوله تعالى: (ولله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظلالهم). وغاية الخضوع والتذلل لله تعالى بحقيقته، هو وضع الجبهة على الارض، فعندئذ إذا أطلق الامر بالسجود في القرآن الكريم، نستفيد منه المرتبة الكاملة، فهي الواجبة بحسب دلالة القرآن الكريم، وكفاية ما أنبتت الارض ترخيص للعباد وتسهيل لهم مستفاد من قول النبي (ص) وفعله (1). وقد قيل في توجيه الحديث وجه ثالث: وهو أن السحود على (2) الارض ثوابه ثواب الفريضة وعلى ما أنبتته ثوابه ثواب السنة، أو أن المراد بالارض الاعم منها وما أنبتته، والمراد من غير الارض تعيين شئ خاص للسجود كالخمرة واللوح أو الخريطة من طين قبر الحسين (ع) وهو بعيد، وان كان يؤيده في الجملة ما رواه في


(1) هذا التقرير للعلامة المجلمسي رحمه الله تعالى في البحار ج 85 ص 154، والعلامة الكاشاني في الوافي ج 3 ص 110 بتوضيح منا.

[ 65 ]

الكافي مرسلا أنه قال: " السجود على الارض فريضة وعلى الخمرة سنة " (1). النصوص المروية عن الصحابة والتابعين أو الاحاديث المرفوعة: 1 - عن ابي امية ان ابا بكركان يسجد أو يصلي على الارض مفضيا إليها (2). 2 - عن أبي عبيدة ان ابن مسعود لا يسجد - أو قال لا يصلي - الا على الارض (3). 3 - عن عبد الله بن عمر أنه كان يكره أن يسجد على كور


(1) هذان الوجهان للعلامة المحقق المجلسي رحمه الله تعالى وكلاهما بعيد. وهنا وجه رابع، وهو أن الفريضة ما وجب من الله سبحانه. إما في القرآن أو بلسان نبيه الاقدس صلى الله عليه وآله من التوسعة والتضييق باذنه تعالى، فما وجب أولا هو السجود على الارض فقط، ثم شرع صلى الله عليه وآله ترخيص السجود على ما أنبتته بعد، ولعل الايجاب أولا كان بقوله جعلت لي الارض مسجدا وطهورا والترخيص ثانيا. (2) المصنف ج 1 ص، 397 وسيرتنا ص 128 عن السنن الكبرى للبيهقي، ونصب الراية للزيلعي، وكنز العمال ج 4 ص 212 الرقم 4534، وفي طبعة ج 8 ص 83، ومنتخب كنز العمال ج 3 ص 193 هامش المسند. (3) المصنف ج 1 ص 367، وتحفة الاحوذي ج 1 ص 273، وسيرتنا ص 128 عن الطبراني في الكبير، ومجمع الزوائد ج 2 ص 57 / 56 عن الطبراني في الكبير.

[ 66 ]

عمامته حتى يكشفها (1). 4 - كان مسروق بن الاجدع من أصحاب ابن مسعود إذا خرج بلبنة يسجد عليها في السفينة (2). 5 - عن عبادة بن صامت أنه كان إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته، راجع السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 105. 6 - عن ابن عيينة قال: سمعت رزين مولى ابن عباس يقول كتب الي علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن " ابعث إلي بلوح من احجار المروة اسجد عليه " (3).


(1) المصنف ج 1 ص 401، وفي السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 105 هكذا " عن نافع أن ابن عمر إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع جبهته بالارض " وسيرتنا ص 128. (2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 6 ص 53، والمصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 83، وسيرتنا ص 136 عن المصنف لابن أبي شيبة ج 2 باب من كان يحمل في السفينة شيئا يسجد عليه فاخرجه بسندين. (3) أخبار مكة للازرقي ج 3 ص 151. علي بن عبد الله بن عباس ولد سنة 40 ليلة قتل علي أمير المؤمنين عليه السلام فسمي باسمه وكني بكنيته، ثم غير عبد الملك كنيته ومات سنة 117 أو 118 - 114. وحكى المبرد وغيره انه لما ولد علي بن عبد الله جاء به أبوه إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالى ما سميته؟ فقال: أو يجوز لي أن اسميه قبلك؟ فقال عليه السلام: قد سميته باسمي وكنيته بكنيتي وهو أبو الأملاك (راجع التهذيب لابن حجر، والعقد الفريد ج 5 ص 103 / 104 / 105، وابن أيى الحديد ج 7 ص 146 / 150).

[ 67 ]

هذا الخبر يعطي تقيد علي بن عبد الله بالسجود على الحجر وتبركه بحجر المروة في سجوده في صلاته، وسيأتي الكلام فيه فانتظر. 7 - عن ابراهيم انه كان يصلي على الحصير ويسجد على الارض (1). 8 - عن عبد الله بن عمر انه كان إذا سجد وضع كفيه على الذي يضع عليه وجهه، قال نافع: ولقد رأيته في يوم شديد البرد لانه ليخرج كفيه من تحت برنس له حتى يضعهما على الحصباء (2). 9 - عن عمر قال إذا وجد احدكم الحر فليسجد على طرف ثوبه (3). 10 - عن عمر قال: إذا لم يستطع أحدكم من الحر والبرد فليسجد على ثوبه (4).


(1) تحفة الاحوذي ج 1 ص 273، وسيرتنا ص 128. (2) سنن البيهقي ج 1 ص 107، والموطأ لمالك ج 1 ص 177. (3) كنز العمال ج 8 ص 83. (4) كنز العمال ج 8 ص 83.

[ 69 ]

القسم الثاني من أدلة وجوب السجود على الأرض السجود عند الضرورة حديث عمر ومصادره حديث أنس ومصادره الضرورة تقدر بقدرها أحاديث أهل البيت عليهم السلام في ذلك كلام ابن طاووس ره كلام الأميني ره


[ 71 ]

السجود عند الضرورة لقد رخص الشارع الحكيم عند الضرورة بالسجود على غير الارض وما أنبتته من غير المأكول والملبوس، كالثياب المصنوعة من الصوف والقطنن والكتان، فان الضرورات تبيح المحظورات، ولا يكلف الله نفسا الا وسعها ولا يكلف الله نفسا الا ما آتاها وما جعل عليكم في الدين من حرج وكل ما غلب الله عليه فهو اولى بالعذر. ومن الواضح ان الاحكام الاضطرارية تقدر بقدر الضرورة، ولا يجوز التعدي عنها فمن لم يجد ارضا من تراب وحجر ومدر ورمل ولا نباتا غير ماكول ولا ملبوس، فله أن يسجد على الثياب المتصلة والمنفصلة وغيرها. ولكن تحقق الاضطرار إنما هو إذا لم يمكن تبريد الحصى ولا دفع الحر والبرد بشئ. ويدل على ما ذكرنا سوى القواعد الكلية المتقدمة عدة من الاخبار واليك قسما منها: 1 - عن عمر بن الخطاب قال: إذا لم يستطع أحدكم من الحر


[ 72 ]

والبرد فليسجد على ثوبه (1). 2 - قال انس: كنا نصلي مع النبي (ص) فيسجد احدنا على ثوبه. وفي لفظ قال: (كنا نصلي مع النبي (ص) فيضع احدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود). وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه (نقله البخاري في باب السجود على الثوب من شدة الحر). قال ابن حجر في الفتح ج 1 ص 414 في شرح الحديث: " وفيه اشارة إلى ان مباشرة الارض عند السجود هو الاصل، لانه علق بعدم الاستطاعة " وكذا نجد البخاري والنسائي والدارمي وابن ماجة قد عنونوا الباب بالجواز عند شدة الحر والبرد، بل كذا فهم االصحابة والتابعون والفقهاء كما يستفاد من كلماتهم، وقد تقدم ذ كرها. وفي لفظ أبي عوانة وتيسر الوصول " كنا مع رسول الله (ص) في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته في الارض بسط ثوبه يسجد عليه " و " كنا إذا صلينا مع رسول الله (ص) سجدنا على ثيابنا مخافة الحر ". وفي لفظ مسلم " كنا نصلي مع رسول


(1) كنز العمال ج 8 ص 83، والسنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 1 82، وسيرتنا ص 130. ونقل عبد الرزاق في المصنف ج 1 ص 398 فتوى عمر وغيره وقد مضى.

[ 73 ]

الله (ص) في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الارض بسط ثوبه فسجد عليه ". وفي لفظ " كنا إذا صلينا مع النبي (ص) فلم يستطع احدنا ان يمكن جبهته من الارض من شدة الحر طرح ثوبه ثم سجد عليه " لفظ سيرتنا. راجع السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 160، وكنز العمال ج 4 ص 213، وفي طبعة ج 8 ص 86، وصحيح مسلم ج 1 ص 433، وسيرتنا ص 130 / 131، والبخاري ج 1 ص 143 / 107، وج 2 ص 81، والنسائي ج 2 ص 216، وابن ماجة ج 1 ص 329، وسنن الدرامي ج 1 ص 308، وسنن أبي داود ج 1 ص 177، وشرح عون المعبود ج 1 ص 249، ومسند أحمد ج 3 ص 100، والنسائي ج 2 ص 216، ومنتخب كنز العمال هامش المسند ج 3 ص 217، وشرح الاحوذي ج 1 ص 405، والترمذي ج 2 ص 479، ومسند أبي عوانة ج 1 ص 346، وتيسير الوصول ج 1 ص 315، وكلهم نقلوا هذا الحديث عن أنس بن مالك بالفاظ متقاربة. وفي لفظ للبخاري ايضا " كنا إذا صلينا خلف رسول الله (ص) بالظهائر فسجدنا على ثيابنا اتقاء الحر ". واهتمامنا بشأن هذا الحديث ليس إلا لاهتمام المحدثين الاعلام به، ولدلالته على جواز السجود على الثياب عند الضرورة وعدم جوازه في حال الاختيار كما فهمه المحدثون وشراح الحديث، ولعلنا نعود إلى ذكر الحديث فيما بعد ان شاء تعالى وبعد.. فان للمناقشة في تشخيص حد الاضطرار مجال، لان


[ 74 ]

أنسا يذكر أنه هو بل الصحابة كما قال الحسن كانوا يسجدون على الثياب عند شدة الحر، مع انه كان يمكن لهم دفع الحر إلى تبريد الحصى كما كان يفعل جابر ونقل انس أيضا انه كان يفعله، فهل مع هذا تصدق الضرورة؟ ليصح السجود على الثوب؟ الا أن يكون المدار على الحرج القليل والمشقة اليسيرة وهو مشكل، كيف وقد نقلوا - كما مر عن ابن عباس وثابت وعبد الله بن عبد الرحمن ان النبي (ص) اتقى بثوبه يديه من الحر والبرد دون وجهه، ولعلهم اجتهدوا في تشخيص مقدار الضرورة فاخطأوا. 3 - عن عيينة بياع القصب قال: قلت لابي عبد الله (ع): أدخل المسجد في اليوم الشديد الحر فاكره أن اصلي على الحصى فابسط ثوبي فاسجد عليه؟ قال: نعم ليس به بأس (1). 4 - عن القاسم بن الفضيل قال: قلت للرضا (ع): جعلت فداك الرجل يسجد على كمه من أذى الحر والبرد؟ قال: لا باس به (2). 5 - عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له أكون في السفر فتحضر الصلاة واخاف الرمضاء على وجهي كيف أصنع؟ قال: تسجد على بعض ثوبك، فقلت ليس علي ثوب يمكنني أن أسجد على طرفه وذيله، قال: اسجد على ظهر كفك فإنها احدى المساجد (3). 6 - وعنه قال: قلت لابي عبد الله (ع): جعلت فداك الرجل يكون في السفر فيقطع عليه الطريق فيقي عريانا في سراويل ولا


(1 - 3) الوسائل ج 3 ص 596 - 598.

[ 75 ]

يجد ما يسجد عليه يخاف إن سجد على الرمضاء أحرقت وجهه؟ قال: يسجد على ظهر كفه فإنها احدى المساجد (1). 7 - وعنه انه سال أبا عبد الله (ع) عن رجل يصلي في حر شديد فيخاف على جبهته من الارض قال: يضع ثوبه تحت جبهته (2). 8 - عبد الله بن جعفر عن أخيه (ع) قال: سألته عن الرجل يؤذيه الارض وهو في الصلاة ولا يقدر على السجود هل له أن يضع ثوبه إذا كان قطنا أو كتانا؟ قال إذا كان مضطرا فليفعل (3). 9 - عن عمار الساباطي قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يصلي على الثلج؟ قال: لا فإن لم يقدر على الارض بسط ثوبه وصلى عليه (4). 10 - في تحف العقول: " وكل شئ يكون غذاء الانسان في مطعمه أو مشربه أو ملبسه فلا تجوز الصلاة عليه ولا السجود الا ما كان من نبات الارض من غير ثمر قبل أن يصير مغزولا، فإذا صار غزلا فلا تجوز الصلاة عليه الا في حال الضرورة (5). 11 - عن علي بن يقطين قال: سألت ابا الحسن الماضي (ع) عن الرجل يسجد على المسح والبساط؟ قال: لا باس إذا كان في حال التقية (6). 12 - عن أبي بصير قال: سالت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يسجد على المسح؟ فقال: إذا كان تقية فلا باس (7).


(1 - 2) الوسائل ج 3 ص 596 - 598. (3) الوسائل ج 3 ص 593 - 596، والبحار ج 85 ص 152 / 149. (4 - 7) الرسائل ج 3 ص 593 - 596، والبحار ج 85 ص 152 / 149.

[ 76 ]

ويظهر من هذه الاحاديث الواردة عن طرق أئمة أهل البيت عليهم السلام ان السجود على الثياب والمسوح في حال الاختيار كان شائعا في زمانهم وصار من شعار التسنن، كما ان السجود على الارض كان من شعار اهل البيت حتى رخص الائمة عليهم السلام بالسجود على المسح والبساط لضرورة التقية حفظا لدماء شيعتهم ونعم ما قال بعض فقهاء الشيعة في ذلك ولا باس بنقل كلامه: قال علي بن طاوس رضي الله عنه في كتابه الطرائف ص 170 المطبوع على الحجر: (ومن طرائف أمور جماعة من الاربعة المذاهب (كذا) انهم ينكرون على من يعفر وجهه في سجوده، وقد رووا في صحاحهم عن نبيهم خلاف ما أنكروه وضد ما كذبوه، ورواه أيضا مسلم في صحيحه في المجلد الثالث باسناده عن أبي هريرة قال في الحديث ما هذا لفظه: قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين اظهركم؟ قال: فقيل نعم، قال: واللات والعزى لان رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولاعفرن وجهه بالتراب ثم قال: في الحديث ما هذا لفظه انه رآه يفعل فاراد أبو جهل أن يفعل به ما عزم عليه فحال الملائكة بينه وبينه. قال عبد المحمود (يعني نفسه) فهل التعفير بدعة كما تزعمون وهل تراه الا من سنن نبيهم التي لم يمنعه منها اللهديد والوعيد، وهل ترى انكار التعفير الا بدعة من أبي جهل، فكيف صارت سن