شرح العروة الوثقى

السيد محمد باقر الصدر ج 4

العودة الى مكتبة المرتضى


 

[ 1 ]

بحوث في شرح العروة الوثقى تأليف السيد محمد باقر الصدر دامه ظله الجزء الرابع


 

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين


 

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم إذا كان تكريس الجهود وحشد الطاقات لخدمة العلم والشريعة من التوفيقات الربانية فالعمل في تحقيق هذا الكتاب الجليل والعناية بابحاثه القيمة وافكاره العميقة نعمة عظيمة وفرصة ثمينة اتاحها لي سيدي الاستاذ المجدد - ابقاه الله نورا يضئ درب الامة - فعقدت العزم على تدقيق هذه البحوث المنحدرة من منبع فياض بالفكر الناضج والاستدلال المتكامل فخرجت ما بين من نصوص الروايات وذكرت ما اجمل فيه منها وصرحت بمصادر ما ذكر من كلمات فقهائنا - رضوان الله عليهم - وفصلت ما اشير إليه من الابحاث السندية على ضوء النظريات الرجالية التي يرتضيها السيد الاستاذ - رعاه الباري عز وجل بعينه - الى غير ذلك مما يتطلبه التحقيق ومنه تعالى النصر وله الحمد. زهير الحسون


 

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام (1). (1) ذهب جماعة من فقهائنا المتقدمين الى نجاسته (1)، بل نسب ذلك الى المشهور بين المتقدمين (2)، بل ادعي في بعض الكلمات - كما في الغنية - الاجماع عليها (3). وما ينبغي ان يتأمل في كونه مدركا لذلك هو الروايات لا الاجماع، لان جملة من المتقدمين الذين نسب إليهم القول بالنجاسة لم يظهر من كتبهم سوى عدم جواز الصلاة في الثوب الذي عرق فيه الجنب من الحرام (4)، ولا نعلم باستلزام ذلك في نظرهم للنجاسة.


 
(1) منهم المفيد في المقنعة حيث قال كما ذكره في التهذيب الجزء الاول ص 268 من الطبعة الحديثة " ولا بأس بعرق الحائض والجنب ولا يجب غسل الثوب منه الا ان يكون الجنابة من حرام فيغسل ما اصابه من عرق صاحبها من جسد وثوب " ومنهم الشيخ في النهاية في باب تطهير الثياب من النجاسة حيث قال " ولا بأس بعرق الجنب والحائض في الثوب واجتنابه افضل اللهم الا ان يكون الجنابة من حرام فانه يجب عليه غسل الثوب إذا عرق فيه ". (2) نسب ذلك صاحب شرح المفاتيح على ما نقله عنه صاحب الجواهر في كتابه الجزء السادس ص 71 من الطبعة الحديثة. (3) قال في الغنية في اخر الفصل الثاني " وقد الحق اصحابنا بالنجاسات عرق الابل الجلالة وعرق الجنب إذا جنب من الحرام ". (4) فمثلا قال في التنقيح الجزء الثاني ص 162 " بل عن الامالي ان من دين الامامية الاقرار بنجاسته وظاهره ان النجاسة اجماعية عندنا " =

 

[ 6 ]

وظاهر عبارة الحلي الاجماع على الطهارة، وان كل من ذهب الى النجاسة عدل عن ذلك (1)، وهذا ينفي على الاقل ثبوت الاجماع على النجاسة. ومهم الروايات ثلاث: - الاولى: - رواية علي بن مهزيار عن العسكري، وقد ورد فيها انه اراد ان يسأله عن عرق الجنب إذا عرف في الثوب. فقال عليه السلام " ان كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام لا تجوز الصلاة فيه، وان كانت جنابته من حلال فلا بأس " (2). الثانية: - رواية الكفر ثوثي الذي اراد ان يسأل أبا الحسن عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب ايصلي فيه؟. فقال (ع) " ان كان من حلال فصل فيه، وان كان من حرام فلا تصل فيه " (3). الثالثة: - رواية الفقه الرضوي: " ان عرقت في ثوبك وانت جنب وكانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه، وان كانت حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتى تغسل " (4). وهذه الروايات الثلاث مفادها المباشر هو عدم جواز الصلاة في الثوب لا النجاسة، ومن هنا قد يقال بدلالتها على المانعية دون النجاسة، فلابد


 
= مع ان الصدوق قال في الامالي المجلس 93 ص 578 - 579 عند ذكر دين الامامية " وإذا عرق الجنب في ثوبه وكانت الجنابة من حلال فحلال الصلاة في الثوب وان كانت من حرام فحرام الصلاة فيه ". (1) السرائر كتاب الطهارة باب تطهير الثياب من النجاسات. (2) مستدرك الوسائل باب 20 من ابواب النجاسات حديث 5. (3) الوسائل باب 27 من ابواب النجاسات حديث 12. (4) البحار الجزء الثمانون ص 117 من الطبعة الحديثة والمجلد الثامن عشر ص 27 من الطبعة الحجرية.

 

[ 7 ]

لاستفادة النجاسة من ابراز عناية، وذلك اما بتقريب: ان السائل وان سأل عن جواز الصلاة في الثوب، ولكن لما كان عدم جواز الصلاة المحتمل لا منشأ لا حتماله بحسب الارتكاز المتشرعي سوى النجاسة كان السؤال ظاهرا في الاستعلام عن حال الثوب في الصلاة من هذه الناحية، فيدل الجواب على النجاسة. واما بتقريب: ان اطلاق الجواب يقتضي عدم جواز الصلاة في الثوب حتى مع جفاف العرق أو ازالته بالمسح، وهذا يكشف عن انه بنكتة النجاسة لا بنكتة المانعية الاستقلالية للعرق التي لا معنى لبقائها عرفا بعد زواله. واما بتقريب: ان جعل الغسل غاية لعدم الجواز في رواية الفقه الرضوي ظاهر في ثبوت النجاسة، لان الغسل هو ازالة القذر عرفا، وكذلك الامر في غيرها لوضوح ان النهي فيها لا يؤخذ على اطلاقه جزما فاما ان يقيد بعدم مطلق الازالة، أو بعدم الازالة بالغسل، والقدر المتيقن هو التقييد الثاني، لكونه اقل من التقييد الاول، فبضم ارتكازية عدم كون الثوب الذي اصابه العرق المذكور كعين النجس ينتج التقييد المذكور فإذا تم الاستدلال باحد هذه التقريبات ثبتت النجاسة، وكانت هذه الروايات مقيدة لاطلاق ما دل على نفي البأس عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب (1). وقد يستبعد التقييد، اما باعتبار ان عدم ورود اي سؤال عن عرق الجنب من حرام من قبل الرواة مع شيوع الجنابة من الحرام كاشف عن ارتكاز طهارته، إذ لو كان في معرض احتمال النجاسة بحسب تصورات


 
(1) من قبيل رواية أبي بصير " قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب حتى يبتل القميص فقال: لا بأس " الحديث: الوسائل باب 27 من ابواب النجاسات حيدث 8.

 

[ 8 ]

المتشرعة وقتئذ لكثر السؤال عنه. واما باعتبار ما يتراءى من بعض المطلقات من اصرار الامام (ع) على الفتوى بنفي البأس، كما في رواية علي بن أبي حمزة (1)، حتى بعد الحاح السائل على احتمال البأس بنحو تأثر الامام من اصرار السائل على ان يسمع منه النهي، فلو كان في العرق تفصيل لكان من المناسب جدا ان يذكر في مقام ارضاء نزعة السائل، فمثل هذا الاطلاق يأبى عن التقييد. ويندفع هذا الاستبعاد بكلاشقيه، بان اسئلة الرواة كانت على الاكثر تعبيرا عن الحاجات التي يواجهونها مباشرة، والجنابة من حرام لم تكن شائعة في طبقة الرواة، ومن النادر ان يتفق لهم احراز صغراها في غيرهم فعدم توافر الاسئلة عن عرق الجنب من حرام لا يوجب استبعاد التقييد. كما ان نظر السائل في الاصرار على ان يسمع من الامام النهي كان الى ما هو المتعارف من عرق الجنابة، وحينما اراد ان يستدرج الامام للفتوى بالبأس فرض كثرة العرق وقال " انه يعرق حتى لو شاء ان يعصره عصره " ولم يفرض خصوصية في الجنابة. فالمهم اذن ملاحظة التقريبات التي ذكرناها كمحاولة لتتميم الاستدلال. اما التقريب الاول، فهو يتوقف على انحصار الجهة المحتملة للسؤال بحسب ارتكاز اذهان المتشرعة بالنجاسة، وهذا غير معلوم، فان المدقق في اسئلة الرواة فيما يتصل بالجنب وعرقه يمكنه ان يحدس انهم كانوا


 
عن علي بن أبي حمزة قال " سئل أبو عبد الله عليه السلام وانا حاضر عن رجل اجنب في ثوبه فيعرق فيه فقال: ما ارى به بأسا قال: انه يعرق حتى لو شاء ان يعصره عصره قال: فقطب أبو عبد الله عليه السلام في وجه الرجال فقال: ان ابيتم فشئ من ماء فانضحه به " الوسائل باب 27 من ابواب النجاسات حديث 4.

 

[ 9 ]

يجوزون وجود محذور ناشئ لا من سراية النجاسة، بل من سراية حدث الجنابة، ويحتملون ان الجنابة بنفسها قد تسري الى الثوب أو الماء بنحو يوجد محذورا في استعماله، والشاهد على هذا الحدس ان اسئلة الرواة في أمثال المقام من الصعب تفسيرها جميعا على اساس استعلام الحال من حيث النجاسة والطهارة، وذلك لعدة امور: - منها - انه لو كان النظر الى احتمال نجاسة الثوب بعرق الجنب فلماذا اتجهت الاسئلة في عرق الجنب الى الثوب خاصة، ولم يسأل عن بدن الجنب، مع انه من الواضح ان عرقه إذا كان ينجس ثوبه فهو ينجس بدنه ايضا؟!. واما إذا كان النظر الى احتمال سراية الجنابة الى الثوب فالسكوت عن البدن متعين، لان البدن جنب، وانما الشك في ترشح الجنابة منه بالعرق على الثوب بنحو يحتاج الى الغسل " بالفتح "، كما يحتاج بدن الجنب الى الغسل " بالضم ". ومنها - رواية محمد بن مسلم " قال: سألته عن الرجل يبول ولم يمس يده شئ ايغمسها في الماء؟. قال: نعم وان كان جنبا " (1) فان من البعيد في حق محمد بن مسلم انه كان يحتمل ان يد المجنب الذي يبول تنجس الماء دون ان يكون قد اصابها شئ، وانما الاقرب الى الافتراض احتمال سراية الحدث الى الماء. ومنها - اسلوب التعبير في جملة من الروايات، من قبيل قوله: " لا يجنب الثوب الرجل ولا يجنب الرجل الثوب (2)، فان هذا اللسان


 
(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاسئار حديث 4. (2) كما في معتبرة حمزة بن حمران: الوسائل باب 27 من ابواب النجاسات حديث 5.

 

[ 10 ]

واضح في رفع احتمال سراية الجنابة لا سراية النجاسة، ولهذا لم يقل لا ينجس المجنب الثوب. ومن قبيل ما عن النبي (ص) إذ سئل عن الجنب والحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما فقال: " ان الحيض والجنابة حيث جعلهما الله عز وجل، ليس في العرق، فلا يغسلان ثوبهما " (1). وهذا ايضا واضح في نفي احتمال سراية الجنابة دون النجاسة. وفي رواية اخرى قال: " ليس الماء جنابة " (2). وهكذا يبدو ان فكرة سراية الحدث لم تكن بعيدة عن اذهان المتشرعة وعليه فلا ينصرف السؤال الى حيثية النجاسة. واما التقريب الثاني، فهو يكفي لدفع احتمال المانعية المستقلة للعرق، ولكنه لا ينفي احتمال كون عدم الجواز بلحاظ سراية الجنابة المحرمة - بمعنى من المعاني - بتوسط العرق الى الثوب، فكأن الثوب يصبح فيه شئ من الجنابة يحتاج الى الغسل، كحاجة البدن الجنب الى الاغتسال، فان هذا الاحتمال يلائم مع بقاء عدم الجواز بعد زوال العرق ايضا. وبما ذكرناه يظهر حال التقريب الثالث. هذا كله مضافا: الى سقوط الروايات المذكورة سندا (3)، وعليه


 
(1) كما في رواية زيد بن علي: الوسائل باب 27 من ابواب النجاسات حديث 9. (2) كما في رواية ميمونة: الوسائل باب 7 من ابواب الاسئار حديث 6. (3) اما رواية علي بن مهزيار فقد نقلها ابن شهراشوب في المناقب عن كتاب المعتمد في الاصول وطريقه إليه مجهول واما رواية الكفرثوثي فقد نقلها الشهيد (ره) في الذكرى عن محمد بن همام باسناده الى ادريس الكفرثوثي وطريق الشهيد الى محمد بن همام مجهول كما ان طريق ابن همام الى الكفرثوثي مجهول واما رواية الفقه الرضوي فساقطة لعدم اعتبار كتاب الفقه الرضوي.

 

[ 11 ]

سواءا خرج حين الجماع أو بعده (1) فالظاهر هو الطهارة عملا بالاصول، وبالمطلقات الدالة على طهارة عرق الجنب مطلقا، وان كان الاحتياط بعدم الصلاة في الثوب لا ينبغي تركه، نظرا لاشتهار الفتوى بذلك بين المتقدمين (1)، غير انه احتياط استحبابي ولو كان وجوبيا لاشكل الرجوع الى مطلقات الباب أو بعضها على اقل تقدير لاثبات طهارة عرق الجنب مطلقا، لورودها بلسان الاذن في الصلاة فيه صريحا أو انصرافا (2)، فمع عدم الالتزام والجزم بانطباق هذا الاذن في محل الكلام لا يمكن التمسك بها لاثبات الطهارة. (1) وذلك لا طلاق الروايات بناءا على صلاحيتها لاثبات النجاسة. ويمكن ان يستشكل في اطلاق رواية علي بن مهزيار (3) المتقدمة، بناءا


 
حتى ادعي الاجماع من قبل الصدوق في الامالي كما مر في هامش ص 1 والشيخ في الخلاف المجلد الاول ص 180 من الطبعة الحديثة قال " إذا كانت الجنابة من حرام يحرم الصلاة فيه " ثم قال " دليلنا اجماع الفرقة ". (2) من المطلقات ما هو صريح في جواز الصلاة من قبيل رواية الجعفريات عن علي (ع) في حديث قال " لو ان رجلا جامع في ثوبه ثم عرق فيه منه حتى ينعصر لامرناه بالصلاة فيه ولم نامره بغسل ثوبه لان الثوب لا ينجسه شئ " (مستدرك الوسائل باب 20 من ابواب النجاسات حديث 1). ومنها ما ليس كذلك كرواية أبي بصير المذكورة في هامش ص 7 وهذه وان لم تكن صريحة كالسابقة ولكنها كالصريحة لان المنظور فيها هو محذور الصلاة في القميص الحاوي على العرق انصرافا أو لكونه القدر المتيقن. (3) مرت في ص 6.

 

[ 12 ]

من الرجل أو المرأة (1) على ان تكون (كان) في قوله (ان كان عرق الجنب في الثوب) ناقصة، ويكون عرقه اسمها، وتكون كلمه جنابته معطوفة على الاسم، ويكون الخبر كلمة (من حرام). فان معنى الحديث حينئذ: انه ان كان العرق والجنابة من حرام فلا تجوز الصلاة والعرق الناشئ من حرام لا اطلاق فيه للمتأخر كما هو واضح. الا انه قد يقال مع هذا: بان المستفاد من الرواية - بقرينة قوله بعد ذلك وان كانت جنابته من حلال - ان المناط هو نشوء الجنابة من حرام أو حلال، وان نظر الشرطيتين معا الى ذلك، واشتمال الاولى على فرض نشوء العرق من حرام مجرد تعبير. كما انه قد يستشكل في اطلاق رواية الكفرثوثي (1)، بناءا على ان اسم كان في قوله (وان كان من حرام فلا تصل فيه) هو العرق، فيرجع الى ان العرق إذا كان ناشئا من الاتصال المحرم فلا تصل فيه فلا يشمل العرق المتأخر، واما إذا كان اسم كان هو الرجل أو حدث الجنابة وكان الضمير المجرور راجعا الى الثوب فلا اشكال في الاطلاق. (1) وذلك لان مدرك الحكم ان كان احدى الروايتين الاوليين (2) فاطلاقها اللفظي تام، لان الجنب يوصف به الرجل والمرأة، وان كان الرواية الثالثة (3) فاطلاقها اللفظي وان كان قابلا للمناقشة، ولكن الاطلاق المتحصل من الغاء خصوصية الرجل بالارتكاز ومناسبات الحكم والموضوع المركوزة حاصل.


 
(1) مرت في ص 6. (2) مرتا في ص 6. (3) مرت في ص 6.

 

[ 13 ]

سواءا كان من زنا أو غيره (1)، كوطي البهيمة أو الاستمناء أو نحوهما مما حرمته ذاتية، بل الاقوى ذلك في وطي الحائض والجماع في يوم الصوم الواجب المعين، أو في الظهار قبل التكفير (2)


 
(1) إذ لم يفرض في الروايات المذكورة خصوص الزنا فالاطلاق محكم. نعم هناك بحث صغروي في حصول الجنابة في وطئ البهيمة موكول الى مجله في بحث غسل الجنابة. (2) الحرمة تارة تكون ذاتية، واخرى عرضية والمراد بثبوت هذين الوصفين للحرمة في المقام الذاتية والعرضية بلحاظ عالم الادلة ولسان الشارع فالحرمة الثابتة بعنوان ابتدائي ذاتية، والحرمة الثابتة بعنوان الاستثناء والتخصيص عرضية، لا الذاتي بالمعنى المقصود في الجنس والفصل أو في لوازم الماهية كما هو واضح. فان كانت الحرمة ذاتية من قبيل مواقعة الاجنبية، فهو القدر المتيقن من نجاسة عرق الجنب من حرام على القول بها. وان كانت الحرمة عرضية، فهي اما ان تكون عرضية متعلقة بنفس العنوان الاولي لما يوجب الجنابة، كالحرمة المتعلقة بالجماع في حال الحيض أو في نهار شهر رمضان، واما ان تكون حرمة عرضية متعلقة بعنوان ثانوي منطبق على الجماع الموجب للجنابة، كما لو انطبق على الجماع عنوان حنث النذر أو الضرر فحرم بهذا العنوان، فهل النجاسة على القول بها تشمل فرض الحرمة العرضية بكلا قسميها، أو يفصل بين القسمين، أو لا تشمل شيئا منها؟. ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - ان ثبوت النجاسة في مورد الحرمة العرضية وعدمه يتفرع على ان الحرمة المأخوذة في موضوع الدليل هل الحرمة الفعلية أو الحرمة الذاتية بمعنى كونه بحسب طبعه حراما؟ فعلى

 

[ 14 ]

الاول يترتب امران: احدهما انه لو عرض مجوز على الحرام الذاتي - كما لو زنى عن اكراه - لم تثبت النجاسة، لعدم الحرمة الفعلية والاخر: ثبوت النجاسة في مورد الحرمة العرضية، لان الحرمة فعلية. وعلى الثاني يترتب عكس الامرين السابقين، ففي مورد الاكراه على الزنا تثبت النجاسة، وفي مورد الحرمة العرضية لا تثبت، لانها تدور مدار الحرمة الذاتية، وهي حاصلة في الاول دون الثاني (1). وتحقيق الحال بنحو يتضح معنى الحرمة الذاتية والفعلية، ويتضح عدم امكان المساعدة على ما افيد من الملازمة بين المسألتين، وان كلا منهما تتبع مبانيها الخاصة. هو اننا تارة نتكلم في الفرع الاول، وهو الزنا عن اكراه. واخرى في الفرع الثاني الذي هو عنوان المسألة في الاساس، اي الحرمة العرضية. اما الفرع الاول، فالنجاسة في تتفرع على ملاحظة ان الحرمة هل اخذت موضوعا لنجاسة العرق بنحو الموضوعية، أو بنحو المعرفية التي مرجعها الى ان موضوع الحكم بالنجاسة ليس هو الحرمة بل ذوات المحرمات التي يشار إليها بهذا العنوان وهذا سنخ ما يقال في (اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه)، من ان موضوع نجاسة البول هل هو حرمة اكل لحم الحيوان أو نفس العناوين الخاصة للحيوانات، كالهر والفارة مثلا، وعنوان الحرام أو ما لا يؤكل اخذ مشيرا إليها. ونفس الشئ يقال ايضا عن موضوع المانعية في (لا تصل فيما لا يؤكل لحمه). والحاصل: ان هذين الاحتمالين سيالان في جملة من الموارد، فان بنينا على المعرفية كان عرق الزاني المكره نجسا لان الموضوع - على هذا - ذوات العناوين التي يشار إليها بالحرمة واحدها الزنا وهو ثابت، نظير ما يقال على المعرفية ايضا من نجاسة بول ما لا يؤكل


 
(1) التنقيح الجزء الثاني ص 168.

 

[ 15 ]

لحمه وان حل لعارض. وان بنينا على الموضوعية تساءلنا ان الحرمة المأخوذة موضوعا هلى هي ذات الحرمة الفعلية أو الوجود المشروط للحرمة، اي الحرمة لولا الاضطرار، وهذا يعبر عنه الاستاذ بالحرمة الذاتية؟. فعلى الاول ترتفع نجاسة العرق بارتفاع الحرمة، دونه على الثاني، لان صدق الشرطية لا يستدعي صدق طرفيها. هذه مباني الفرع الاول. والصحيح منها ان الحرمة مأخوذة في موضوع النجاسة بنحو الموضوعية وبوجودها الفعلي، اما الموضوعية في مقابل المعرفية فهو ظاهر اخذا اي عنوان في موضوع الحكم، بمققتضى اصالة التطابق بين مقام الاثبات ومقام الثبوت، ما لم تأب مناسبات الحكم والموضوع عن ذلك فتصبح بنفسها قرينة على المعرفية، ولا اباء من قبلها في المقام. واما كون الموضوع الحرمة الفعلية لا الشرطية، فلأن ظاهر اخذ اي عنوان في موضوع الحكم لزوم ثبوته بالفعل، لان الوجود التقديري للشئ ليس فردا حقيقيا له، ما لم تقم قرينة على ملاحظته. وعليه فالمكره على الزنا لا ينجس عرقه. واما الفرع الثاني، فالحرمة العرضية اما ثابتة لعنوان ثانوي ينطبق على الجماع كعنوان حنث النذر، أو ثابتة لنفس العنوان الاولى للجماع في حالة مخصوصة كحالة الحيض. اما في القسم الاول. فالمسألة مبنية على ان الموضوع للنجاسة هل هو حرمة العمل الموجب للجنابة - الجماع مثلا - بعنوانه، أو حرمته ولو بعنوان ثانوي منطبق عليه. فعلى الاول لا تثبت النجاسة في القسم الاول، لان الحرمة لم تثبت فيه للجماع بعنوانه، من دون فرق بين ان يبنى في الفرع الاول على الموضوعية أو المعرفية وعلى الفعلية أو الذاتية، فانه على اي حال يكون الموضوع أو المعرف حرمة الجماع بعنوانه، وهي منتفية في الفرض. وعلى الثاني يصبح حال هذا القسم حال القسم الثاني.


 

[ 16 ]

والصحيح في المقام هو الاول، لأن الظاهر من اخذ الحكم المضاف الى عنوان في موضوع حكم فرض كونه ثابتا لذلك العنوان بنفسه، لا بعنوان آخر منطبق عليه، وعليه فالحكم في هذا القسم هو الطهارة. واما في القسم الثاني، وهو ما إذا كانت الحرمة العرضية ثابتة للجماع بعنوانه، فالمسألة تتفرع على أن نرى ان موضوع الحكم بالنجاسة هل هو مطلق الحرمة بنحو يشمل الحرمة الاستثنائية، أو الحرمة المطلقة بمعنى الحرمة الاصلية والمجعولة ابتداءا لا استثناءا؟. فعلى الاول تثبت النجاسة هنا على جميع المباني المتقدمة في الفرع الاول التي كان بعضها يقتضي النجاسة هناك وبعضها يقتضي الطهارة. وعلى الثاني تثبت الطهارة هنا على جميع تلك التقادير ايضا. والصحيح هنا هو الاول، لان تقييد الحرمة المأخوذة في موضوع الدليل بخصوص الحرمة الاصلية واخراج الحرمة الاستثنائية منها خلاف اطلاق الدليل. وبما ذكرناه اتضحت اوجه النظر في افادات السيد الاستاذ - دام ظله -، إذا اتضح: اولا: أنه لا ملازمة بين الطهارة في الفرع الاول والنجاسة في الفرع الثاني بحسب المباني. وثانيا: ان الصحيح في الفرع الاول الطهارة وفي الفرع الثاني التفصيل بين القسمين، فيحكم بالطهارة في الاول وبالنجاسة في الثاني. وثالثا: أن تعليله - دام ظله - للطهارة في الفرع الثاني بظهور الدليل في كون الحرمة متعلقة بنفس عنوان المواقعة انما يناسب القسم الاول منه ولا يصدق على القسم الثاني، فان فرض الحرمة العرضية لا يساوق دائما فرض تعلقها بعنوان ثانوي كما عرفت. بقي الكلام في تشخيص الصغريات، وتمييز الحرمة العرضية المتعلقة بالعنوان الثانوي عن الحرمة العرضية المتعلقة بالجماع بعنوانه.


 

[ 17 ]

(مسألة 1) العرق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس (1) وعلى هذا فليغتسل في الماء البادر، وان لم يتمكن فليرتمس في الماء الحار والمتيقن دخوله في القسم الثاني الجماع المحرم في ايام العادة، والمتيقن دخوله في الحرمة بعنوان ثانوي الجماع المحرم بوصفه حنثا للنذر واليمين أو باب الضرر، وتبقى امثلة لا يخلو حالها عن شوب اشكال. منها المقاربة المحرمة بملاك صوم واجب معين، فقد يتخيل انها بعنوان ثانوي وهو الافطار. وفيه ان عنوان الافطار منتزع من كون الصوم في الرتبة السابقة عبارة عن الامساك عن امور معينة، فليس هذا حراما لانه مفطر، بل هو مفطر لانه اخذ الامساك عنه في الصوم الواجب، فالجماع إذن حرام على الصائم بعنوانه. ومنها الايلاء. والظاهر انه بعنوان ثانوي، لان الايلاء نحو من العهد واليمين امضاه الشارع ولكن بنحو مخصوص. ومنها الجماع في الظهار قبل التكفير. وتحقيق حاله يدور مدار استظهار نكتة من دليل الظهار، فان قيل: ان المستفاد منه الامضاء لإنشاء المظاهر من قبيل امضاء النذر كان الحكم بالعنوان الثانوي، وان قيل: انه تحريم ابتدائي ولو من باب العقوبة و الزجر كان الحكم بالعنوان الاولى.


 
(1) لانه ما لم يتم الاغتسال يكون مجنبا فيدخل تحت الاطلاق. وهذا بناءا على ان الجنابة لا ترتفع عن أي عضو الا بانتهاء الغسل في غاية الوضوح، وكذلك الامر لو فرض انها امر قابل للتجزئة في الاعضاء، فكل عضو غسل ترتفع جنابته، فان عنوان الجنب لا يزال صادقا على المكلف ولو بلحاظ سائر اعضائه، وموضوع النجاسة عرق الجنب لا عرق العضو الجنب.

 

[ 18 ]

وينوي الغسل حال الخروج، أو يحرك بدنه تحت الماء بقصد الغسل (1).


 
(1) فلا يبتلى بالعرق النجس في اثناء الغسل المانع عن صحة الغسل، لانه ما دام في الماء لا يعرق عادة اولا يكون لعرقه وجود عرفي إذ يستهلك وهذا بخلاف ما إذا اراد ان يغتسل ترتيبا بنحو الصب فيبتلى بالعرق المانع عن صحة الغسل. وتحقيق الكلام هنا: انه تارة الاول يراد بالعرق المتجدد اثناء الغسل العرق فيما تم غسله. واخرى الثاني: يراد فيما لم يغسل بعد. 1 - غير مضر، لان الطهارة المعتبرة في صحة الغسل فيها اربعة احتمالات، إذ يحتمل كفاية الطهارة المعلولة لنفس غسلة الغسل، بدعوى انه المتيقن من دليل الشرطية الذي هو الاجماع. 2 - ويحتمل لزوم تقدم الطهارة في كل عضو على غسله، اخذا بظهور ما دل (1) على الامر بغسل الفرج ثم الغسل 3 - ويحتمل اشتراط غسل كل عضو بالطهارة المسبقة لذلك العضو وما بعده، جمودا على الظهور الاولى لدليل الامر بغسل الفرج ثم الغسل. 4 - ويحتمل اشتراط غسل كل عضو بان تكون تمام الاعضاء طاهرة حينه، استنادا الى نفس ذلك الظهور مع الغاء خصوصية التقدم والتأخر. واوجه الاحتمالات الثاني، واضعفها الرابع على ما يأتي في محله. والعرق المفروض في العضو المفروغ عن غسله انما يضر على الاحتمال الرابع، دون الاحتمالات الثلاثة الاولى. واما الثاني، اي العرق فيما لم يغسل بعد، فتارة 1 - يفرض استمراره.

 
(1) من قبيل صحيحة زرارة " قلت كيف يغتسل الجنب فقال ان لم يكن اصاب كفه شئ غمسها في الماء ثم بدأ بفرجه فانقاه بثلاث غرف ثم صب على راسه ثلاث اكف... " الوسائل باب 26 من ابواب الجنابة حديث 2.

 

[ 19 ]

2 - يفرض انقطاعه وتوقفه مادام الماء ينصب بسبب ضغط الماء. 3 - يفرض انقطاعه في آن حدوث الصب وتجدده في الآن الثاني ولو استمر الصب. ففي الفرض 1 - لا يصح الغسل على جميع الاحتمالات الاربعة المتقدمة، إذ حتى لو قيل بكفاية الطهارة الخبثية المعلولة لنفس الغسل - بضم الغين - لا يمكن الالتزام بحصول ذلك في المقام، لان مطهرية الغسل مع وجود عين النجس وهو العرق غير معقولة، إلا ان يقال: بان الغسل - بضم الغين - له معلولان طوليان، احدهما: رفع حدث الجنابة، والثاني: رفع النجاسة عن البدن حتى مع استمرار العرق، إذ لم يعد نجسا بعد رفع حدث الجنابة. ولما كان المعلول مقارنا لعلته زمانا فالغسل والطهارة من الخبث والطهارة من الحدث تحصل جميعا في وقت واحد. ولابد مع هذا من الالتزام بان الشرط في ترتب الطهارة الحدثية على الغسل ليس هو الطهارة الخبثية لئلا يلزم الدور، بل عدم كون البدن نجسا بنجاسة غير قابلة للارتفاع يرفع الجنابة، وذلك لان مدرك الاحتمال الاول هو دعوى ان دليل الشرطية الاجماع ولزوم الاقتصار على المتيقن منه والمتيقن هو ما ذكرناه. وفي الفرض الثاني، لا اشكال في صحة الغسل ولو باستمرار الصب، فتحصل الطهارة من الخبث اولا ثم الطهارة من الحدث، ويكون الشرط متوفرا حتى مع الالتزام بلزوم سبقه الزمني. وفي الفرض الثالث، لا يصح الغسل بناءا على عدم كفاية الطهارة الخبثية المعلولة لنفس الغسل الغسلي، ويصح بناءا على كفاية ذلك كما هو مقتضى الاحتمال الاول من الاحتمالات الاربعة المتقدمة. ولا يحتاج في هذا الفرض إلى ارجاع شرطية الطهارة إلى كون الغسل منوطا بعدم نجاسة غير


 

[ 20 ]

(مسألة 2) إذا اجنب من حرام ثم من حلال، أو حلال ثم من حرام، فالظاهر نجاسة عرقه ايضا خصوصا في الصورة الاولى (1). قابلة للارتفاع برفع الجنابة كما ذكرنا في الفرض الاول، بل تصحيح الغسل في هذا الفرض يلائم مع شرطية الطهارة بعنوانها، ولا يلزم دور لعدم نشوء الطهارة الخبثية من رفع الحدث ليلزم من اخذها شرطا فيه محذور وانما تنشأ الطهارة الخبثية والطهارة الحدثية معا من الغسل الغسلي. واما العلاجات التي ذكرها في المتن من نية الغسل حال الخروج، أو بتحريك البدن تحت الماء، فكأن النظر فيها الى افتراض ان العرق يتوقف عرفا ما دام جسم الانسان مغموسا في الماء فيطهر بدنه اولا ثم ينوي الغسل بالخروج أو التحريك، ولكنها علاجات غير صحيحة بناءا على ما يأتي من اشتراط صحة الغسل باحداث الغسل، وبالتحريكات أو الدخول والخروج لا يتعدد الغسل.


 
(1) توضيح الحال في ذلك: انه ان قيل: بان الجنابة امر تكويني من لوازم خروج المني مثلا، كما قد يترائى من بعض الروايات الضعيفة الواردة في تعليل غسل الجنابة بانها تخرج من كل البدن (1)، فينبغي القول بالنجاسة في كلا فرضي هذه المسألة، لان الامر التكويني حاصل على أي حال. وان قيل بان الجنابة امر اعتباري ولكنها اخذت في موضوع دليل النجاسة بما هي معرف لذوات الاسباب المحرمة من الزنا ونحوه، فالامر كذلك ايضا، لان ذات السبب المحرم حاصل على اي حال. وان قيل

 
(1) من قبيل رواية محمد بن سنان " علة غسل الجنابة النظافة ولتطهير الانسان مما اصابه من اذاه وتطهير سائر جسده لان الجناية خارجة من كل جسده فلذلك وجب عليه تطهير جسده كله " الوسائل باب 2 من ابواب الجنابة حديث 1.

 

[ 21 ]

بان الجنابة امر اعتباري عقلائي جرى الشارع على طبقه لوضوح ان كلمة جنب كانت مستعملة لغويا وعربيا قبل الشريعة، وان الجنابة المأخوذة في موضوع دليل النجاسة هنا هي بهذا المعنى العقلائي وعلى نحو الموضوعية، فلابد من ملاحظة الاعتبار العقلائي للجنابة، فان كانت الجنابة قد لو حظت فيه بحسب المرتكز العقلائي على نحو قابل للتكرر فالامر كما تقدم ايضا، والا تعين التفصيل بين الفرضين، والحكم بالنجاسة فيما إذا كان السبب المحرم هو السابق خاصة. وان قيل: بان الجنابة المأخوذة في موضوع الدليل قد اخذت على وجه الموضوعية بما هي اعتبار شرعي مترتب على اسباب مخصوصة، فلابد من ملاحظة دليل هذا الاعتبار من ناحية شموله للوجود الثاني للسبب وعدمه، فان تم فيه اطلاق يقتضي تكرر الجنابة بتكرر وجود السبب فالحكم هو النجاسة في الفرضين، والا تعين التفصيل على ما تقدم. والظاهر ان الجنابة المأخوذة في موضوع النجاسة قد اخذت بما هي حكم شرعي وضعي لا يقبل التكرار، وان اخذها على نحو الموضوعية، فيتعين التفصيل بين الفرضين. اما انها حكم شرعي وضعي، فلما يأتي ان شاء الله تعالى في بحث الجنابة من انها من الاعتبارات العقلائية التي امضاها الشارع مع نوع من التصرف سعة وضيقا، وكل امر اعتباري عقلائي إذا امضاه الشارع ثم اخذه في موضوع حكم فظاهره النظر الى امضائه هو سعة وضيقا لا الى النظر العقلائي. ومثاله الملكية التي هي عقلائية وامضاها الشارع بتصرف فحين يأخذها موضوعا لحرمة التصرف في مال الغير يراد بها ما كان ملكا للغير شرعا. واما عدم قبولها للتكرار فلقصور دليل ترتب الجنابة على الاسباب


 

[ 22 ]

(مسألة 3) المجنب من حرام إذا تيمم لعدم التمكن من الغسل فالظاهر عدم نجاسة عرقه (1)، وان كان الاحوط الاجتناب عنه ما لم المخصوصة عن الشمول للوجود الثاني للسبب. لا لاستحالة اجتماع جنابتين عقلا. ولا لاستلزامه تعدد الغسل بتعدد موجب الجنابة، نظرا الى ان الجنابة استفيدت من لسان الامر بالغسل فما لم يتعدد الأمر بالغسل لا تكثر الجنابة، ومع تعدده يجب غسلان ولا للزوم لغوية جعل الجنابة الثانية بعد وضوح عدم وجوب غسل آخر. إذ يرد على الاول ان الجنابة اعتبار ولا محذور في اعتبار وجوده مرتين. وعلى الثاني بان الامر بالغسل ارشاد إلى حصول الجنابة، وان المطهر هو الغسل، وفي الاوامر الارشادية القاعدة تقتضي التداخل لا عدمه. وعلى الثالث بامكان دعوى اندفاع اللغوية فيما إذا كان للجنابة الثانية أثر زائد، كما فيمن اجنب من حرام بعد الجنابة من حلال. بل لقصور الدليل، اما لعدم الاطلاق في نفسه، واما لتحكيم المرتكز العقلائي القاضي بعدم التكرر بعد ان عرفت ان الجنابة اعتبار عقلائي، وتفصيل الكلام يأتي في محله. نعم قد يقال ان دليل نجاسة عرق الجنب من حرام لا يشمل باطلاقه اللفظي من زنى بعد ان اجنب من حلال، ولكنه يتعدى من مورده إليه بالفحوى العرفية، لان العرف يأبى بمناسباته المركوزة عن التفرقة بين هذا الزاني ومن زنا قبل ان يجنب من حلال، لان سبق الجنابة من حلال لا يتعقل عرفا تأثيره في تخفيف أثر الزنا المتأخر. ولكن يرجع تحكيم هذا الارتكاز - لو سلم - إلى حمل الجنابة على المعرفية، واما مع التسليم بالموضوعية فواضح ان التفرقة بسبب عدم حصول الجنابة بالزنا المتأخر، لا بسبب سبق جنابة على جنابة. (1) وذلك لانه خرج بالتيمم عن كونه جنبا خروجا موقتا ما دام


 

[ 23 ]

يغتسل، وإذا وجد الماء ولم يغتسل بعد فعرقه نجس، لبطلان تيممه بالوجدان. العذر باقيا، فمع بقاء العذر يكون عرقه طاهرا لعدم كونه عرق الجنب، وإذا ارتفع العذر ولم يغتسل عادت النجاسة إلى عرقه لحصول الجنابة من جديد، لا بمعنى ان وجدان الماء - مثلا - من موجبات الجنابة، بل ان نفس السبب السابق يقتضي الجنابة، والتيمم يزاحم اقتضاؤه ويغلبه فترة العذر خاصة، ومرجعه الى جعل الجنابة مترتبة على السبب السابق باستثناء الفترة الواقعة بين التيمم وزوال العذر. وقد يقال بنجاسة عرق الجنب المتيمم في المقام، ويقرب بعدة وجوه: الاول: وهو مبني على انكار طهورية التيممم وكونه مبيحا، فيقال ان لازم ذلك شمول اطلاق دليل النجاسة لعرق المتيمم. ويرد عليه: ان المبنى باطل لظهور الادلة كتابا (1) وسنة في كون التيمم مطهرا (2) وكون التراب احد الطهورين (3). الثاني بعد التسليم بان التيمم مطهر يقال: بان مطهريته تنزيلية لا حقيقية، والتنزيل انما يكون بمقدار ما لوحظ من الآثار في مقام التنزيل، والمتيقن إنما هو ملاحظة جواز الدخول في الصلاة ونحوه لا طهارة العرق.


 
(1) ففي الآية 6 من سورة المائدة " فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ". (2) ففي معتبرة سماعة " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته قال: يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء فان الله عز وجل جعلهما طهورا الماء والصعيد " الوسائل باب 25 من ابواب التيمم حديث 3. (3) ففي معتبرة زرارة " فان التيمم احد الطهورين " الوسائل باب 21 من ابواب التيمم حديث 1.

 

[ 24 ]

وفيه: اولا: ان ظاهر ادلة طهورية التراب والتيمم الطهورية الحقيقة لا الحكمية التنزيلية. وثانيا: أن اطلاق دليل التنزيل يقتضي سوقه بلحاظ جميع الآثار. الثالث: وهو مبني ايضا على ان دليل مطهرية التيمم مفاده التنزيل فيقال: ان اطلاقه وان كان يقتضي ترتيب كل آثار الطهارة الحدثية، غير ان طهارة العرق ليست من آثار الطهارة الحدثية، بل من آثار نفي ضدها وهو حدث الجنابة، وتنزيل شئ منزلة احد الضدين لا يستلزم تنزيله منزلة عدم ضده في الاثار المترتبة على عدم الضد، فالطهارة واقعا مساوقة لعدم الجنابة، ولكن الطهارة تنزيلا لا تساوق الحكم بعدم الجنابة تنزيلا. ويرد عليه - مضافا الى ان دليل طهورية التيمم ظاهر في الطهورية التشريعية الواقعية لا التنزيلية -: ان الطهارة ليست ضدا للجنابة بحسب ما هو المجعول فيها، فان مرجعها الى اعتبار النقاء والنظافة من الحدث المقابل لها، فإذا نزل شئ منزلة الغسل في كونه نقاءا من الجنابة ترتب على ذلك بمقتضى اطلاق التنزيل كل ما لعدم الجنابة والنقاء منها من آثار. الرابع: ان يقال بان دليل طهورية التيمم مفاده الطهورية الحقيقية لا التنزيلية غير انه لا يقتضي رفع الجنابة، فالمتيمم المذكور جنب ومتطهر وحيث ان نجاسة العرق من آثار الجنابة فهي باقية ببقاء موضوعها. وهذا ما اختاره السيد الاستاذ - دام ظله - (1) حيث بنى على ان التيمم يوجب الطهارة ولكنه لا يرفع حدث الجنابة، ولا حدث الموت فيما إذا يمم الميت وفرع على ذلك وجوب غسل المس بمسه بعد التيمم. ويرد عليه: انه ان رجع ذلك في المقام إلى التفكيك بين الحدث والجنابة بافتراضهما امرين متغايرين، وان الغسل يرفعهما معا، والتيمم لا


 
(1) التنقيح الجزء الثاني ص 174 - 175.

 

[ 25 ]

يرفع الا الحدث، إذ لم يثبت الا كونه طهورا، ولا يقتضي ذلك الا ازالة الحدث دون الجنابة. فيرد عليه: ان هذا التفكيك ليس مفهوما عرفا من الادلة، بل ليس الحدث الا عنوانا للجنابة نفسها، لا ان هناك اعتبارين متغايرين للجنابة وللحدث. وهذا التفكيك لو تعقلناه. في مورد الجنابة فكيف يمكن تصويره في الميت، لوضوح انه لا يتصور بشأنه الا أمر واحد وهو حدث الموت. وان رجع ذلك - بعد التسليم بوحدة الحدث والجنابة - إلى ان طهورية التيمم لا تعني كونه رافعا لشئ، وان الرافعية تحتاج الى دليل خاص كما في الغسل، ومع عدمه في التيمم يكون مقتضى الجمع بين الادلة الالتزام ببقاء الحدث وحصول الطهارة للمتيمم. فهذا اغرب، لان الطهارة معناها النقاء والنظافة من شئ، فالرافعية مستبطنة فيها، واعتبارها شرعا للتيمم عبارة اخرى عن جعله رافعا ومنظفا من شئ. وهل استفيدت رافعية الغسل للجنابة من قوله تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا) (1) إلا بلحاظ ان مادة الطهارة بنفسها مساوقة للنقاء والنظافة؟!، فالامر بها بعد افتراض الجنابة ظاهر عرفا في كون الغسل رافعا لها. والشي نفسه يقال في دليل طهورية التيمم. واما وجوب غسل المس بمس الميت الميمم فهو غير مبني على ما ذكر بل على اطلاق دليله، إذ لم يؤخذ في موضوعه سوى عنوان الميت وانه لم يغسل، فلا بد من بحث في ان التغسيل المأخوذ عدمه هل لوحظ بعنوانه أو بوصفه طهورا أو رافعا للحدث، فعلى الاول يجب غسل المس في الفرض المذكور، دونه على الثاني. الخامس: ان يقال ان دليل طهورية التيمم مفاده الطهورية التشريعية


 
(1) المائدة آية 6.

 

[ 26 ]

(مسألة 4) الصبي غير البالغ إذا اجنب من حرام ففي نجاسة عرقه اشكال، والاحوط أمره بالغسل إذ يصح منه قبل البلوغ على الاقوى (1). الحقيقية لا التنزيلية، لكن بلحاظ بعض مراتب الحدث، بان يفترض ان لحدث الجنابة مراتب وبعضها يزول بالتيمم دون بعض. وهذا التبعيض وان كان على خلاف اطلاق دليل طهورية التيمم، ولكنه يتعين بلحاظ ما دل على سقوط التيمم عن التأثير عند وجدان الماء، إذ لو كان التيمم رافعا لتمام مراتب الحدث فلا يعقل عوده، واما مع كونه رافعا لبعضها فسقوطه عن التأثير عند وجدان الماء لمكان وجوب رفع ما تبقى من مراتب الحدث لا لعود ما ارتفع، وعليه يمكن الالتزام بنجاسة عرق المتيمم في المقام لانه لا يزال جنبا. ويرد عليه: ما اشرنا إليه من ان الحدث يعود عند ارتفاع العذر بنفس السبب السابق، فان كان الاستنكار لاجل استحالة عود المعدوم فهو اجنبي عن باب الاعتبار الذي مرجعه الى ان الحدث المجعول في دليله مجعول على نحو يشمل فترة ما بعد زوال العذر، وان كان الاستنكار لاجل ان وجدان الماء ليس من موجبات الحدث فحله ان الحدث الحاصل عنه ارتفاع العذر ناشئ من نفس السبب السابق على ما بيناه. وتلخص من مجموع ما ذكرناه ان الصحيح ما عليه الماتن " قدس سره "


 
(1) الكلام يقع تارة: في اصل نجاسة عرق هذا الصبي بعد افتراض كبرى النجاسة في عرق الجنب من حرام، واخرى: في انه على فرض نجاسة عرقه فهل ينفع الغسل منه في رفع النجاسة؟ فهنا إذن جهتان: اما الجهة الاولى، فقد ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - انها مبنية على انه هل يستظهر من روايات النجاسة ان الحرمة اخذت بنحو المعرفية أو اخذت بنحو الحرمة الفعلية واستحقاق العقاب، فعلى الاول - ينجس عرق الصبي في المقام، وعلى الثاني لا ينجس لعدم فعلية الحرمة وعدم

 

[ 27 ]

العقاب (1). وحول ما افيد عدة تساؤلات: فأولا: ما معنى ايقاع التقابل بين المعرفية والفعلية، مع ان التقابل انما يكون بين المعرفية والموضوعية، ثم الموضوعية تارة تكون باخذ الحرمة الفعلية موضوعا، واخرى بأخذ الحرمة الذاتية أو الشأنية كذلك؟!. وثانيا: ما الموجب لادخال استحقاق العقاب في موضوع الحكم بالنجاسة بناءا على الفعلية، مع ان فعلية الحرمة شئ واستحقاق العقاب المتوقف على تنجزها شئ آخر، ويكفي في المقام لنفي نجاسة عرق الصبي ان يكون الموضوع الحرمة الفعلية ولو لم يؤخذ استحقاق العقاب؟!. وثالثا: انه إذا فرض ان موضوع الدليل هو الحرمه الفعلية المستبطنة لاستحقاق العقاب أو مطلق الحرمة الفعلية، فلماذا يحكم - دام ظله - بنجاسة عرق الزاني عن اكراه (2)، مع انه لا استحقاق ولا حرمة فعلية بشأنه؟!. والتحقيق: ان الحرمة ان أخذت بنحو المعرفية إلى ذوات العناوين فالحكم هو نجاسة عرق الصبي المذكور وعرق الزاني المكره. وان اخذت الحرمة بنحو الموضوعية فهنا ثلاثة فروض: أحدها: أن تكون الحرمة المأخوذة بنحو الموضوعية هي الحرمة التي تكون فعلية من ناحية ذات الفعل ولو لم تكن فعلية من ناحية الفاعل، اي ان الفعل لا قصور فيه من حيث الانصاف بالحرمة وان كان قد لا يتصف بالحرمة باعتبار عدم تمامية شرائط الحرمة الراجعة الى الفاعل. ويترتب على ذلك نجاسة عرق الصبي المذكور وعرق الزاني المكره معا، لان فعلهما من حيث هو جماع بلا ملك يمين ولا عقد يكون حراما بقطع النظر عن فقدان شرائط


 
(1) التنقيح الجزء الثاني ص 176 - 177. (2) قال في التنقيح الجزء الثاني ص 169 " نعم إذا اكره على الزنا أو اضطر إليه حكم بنجاسة عرقه ".

 

[ 28 ]

الحرمة الراجعة الى الفاعل كالبلوغ والاختيار. ثانيها: ان تكون الحرمة المأخوذة بنحو الموضوعية بمعنى الحرمة الفعلية بلحاظ الفعل والفاعل معا، فلا ينجس عرق الصبي ولا المكره. ثالثها: اشتراط الفعلية في الحرمة بلحاظ ذات الفعل وكذلك الفعلية بلحاظ الفاعل، من غير ناحية الطوارئ والعوارض، فلا يضر عدم الحرمة الناشئ من هذه الطوارئ كالاكراه مثلا، بخلاف عدم الحرمة الناشئ من الصغر، فيفصل حينئذ بين المكره والصغير. وهذا الفرض هو الذي يناسب فتاوى السيد الاستاذ - دام ظله - إذ حكم في الصبي بالطهارة وفي المكره بالنجاسة. والصحيح استظهار الموضوعية والفعلية على الاطلاق من الدليل، كما هي القاعدة في كل موضوع يؤخذ في دليل حكم، فالصحيح طهارة عرق الصبي والمكره معا. واما الجهة الثانية، فقد يقال: ان غسل الصبي غير نافع، لتوقف صحته على وقوعه بوجه قربي، وهو متوقف على مشروعيته في حق الصبي ولا دليل على ذلك بعد اختصاص الخطابات الواقعة بالبالغين. ويجاب عن ذلك، تارة: بان الامر وان كان يختص بالبالغ ولكن الملاك يعم الصبي تمسكا بالدلالة الالتزامية لدليل الامر، وهو كاف في المشروعية. واخرى: بما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - وغيره: من ان الولي مأمور بامر الصبي بالعبادة، وهذا مع ضم كبرى اصولية وهي: ان الامر بالامر بشئ امر بذلك الشئ، ينتج المطلوب (1). وثالثة: بان المخصص لادلة الخطابات الواقعية بالبالغ انما يجدي لنفي الالزام لا لاصل الطلب بنحو ينتج الاستحباب وهو كاف للمشروعية. اما الاول، فيرد عليه: انه مبني على صحة التمسك بالدلالة


 
(1) التنقيح الجزء الثاني ص 179.

 

[ 29 ]

الالتزامية في موارد سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية. واما الثاني، فيرد عليه أولا: ان هذا الوجه تطويل للمسافة بلا طائل، إذ استعين فيه بالكبرى الاصولية، مع ان جملة من الروايات التي يشار إليها توجه الامر الى الصبي راسا، منها صحيحة محمد بن مسلم " في الصبي متى يصلي؟. قال: إذا عقل الصلاة. قلت: متى يعقل الصلاة وتجب عليه؟. قال: لست سنين " (1). ومثلها: رواية اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) " قال إذا اتى على الصبي ست سنين وجب عليه الصلاة، وإذا اطاق الصوم وجب عليه الصيام " (2). والوجوب هنا بمعنى الثبوت، فهو انشاء متعلق بالصبي مباشرة. وكأن السيد الاستاذ - دام ظله - ينظر الى رواية من قبيل معتبرة الحلبي: (فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين) (3)، الا اننا لسنا بحاجة الى مثل هذه الرواية التي لا يتم الاستدلال بها الا بضم تلك الكبرى الاصولية. وثانيا: ان الروايات التي تأمر الولي بان يأمر الصبي بالصلاة مثلا اما ان يستظهر منها ان المقصود امر الولي للصبي بالصلاة الحقيقية الصحيحة، أو يستظهر ان المقصود امره للصبي بصورة الصلاة. فعلى الاول تكون هذه الروايات بنفسها دليلا على مشروعية صلاة الصبي بمقدماتها، بلا حاجة الى ضم تلك الكبرى الاصولية، لوضوح ان امر الصبي بالصلاة الصحيحة فرع مشروعية الصلاة في حقه، وعلى الثاني لا يستفاد منها مطلوبية غسل الجنابة، لان اداء صورة الصلاة لا يتوقف على غسل الجنابة، فغايته استفادة محبوبية صدور صورة الصلاة من الصبي، واما محبوبية الغسل فلا تستفاد


 
(1) الوسائل باب 3 من ابواب اعداد الفرائض حديث 2. (2) الوسائل باب 3 من ابواب اعداد الفرائض حديث 4. (3) الوسائل باب 3 من ابواب اعداد الفرائض حديث 5.

 

[ 30 ]

ولا وجه لالغاء خصوصية الصلاة والتعدي الى الغسل وغيره من العبادات بدعوى الجزم بعدم الفرق، كما لعله ظاهر كلام السيد الاستاذ، وذلك لوجود الفرق بين الصلاة والغسل من ناحية ان الصلاة المتقنة تحتاج الى تمرين طويل، بخلاف الغسل، ومن ناحية ان الصلاة يبتلي بها الصبي في أول بلوغه وكثيرا ما لا يبتلي بالغسل كذلك. واما الوجه الثالث، فقد يستشكل فيه بان المخصص هو حديث رفع القلم، وظاهره قلم التسجيل الشرعي، وهو اعم من الالزام. ويمكن الجواب على ذلك: بأن الاطلاق وان كان مقتضى الجمود على اللفظ، ولكن ورود الحديث مورد الامتنان مع اختصاص الامتنان برفع الالزام دون الاستحباب قرينة على التقييد. هذا، مضافا الى امكان المناقشة في حجية روايات رفع القلم، لضعف سند بعضها كرواية أبي البختري الضعيفة به (1)، ورواية ابن ظبيان (2) المشتملة على ضعفاء عديدين (3)، واشتمال بعضها على ما لا يلتزم به، كما في معتبرة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) " قال سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال إذ اتى عليه ثلاث عشرة سنة، فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم والجارية مثل ذلك... الحديث " (4). والحديث مشتمل منطوقا على مالا يلتزم به، فإذا ادعي عدم امكان التفكيك في الحجية بين مداليل عبارة الحديث سقط عن الاعتبار، وانحصر


 
(1) الوسائل باب 36 من ابواب القصاص في النفس حديث 2. (2) الوسائل باب 4 من ابواب مقدمة العبادات حديث 11. (3) وهم الحسن بن محمد السكوني والحضرمى وابراهيم بن أبي معاوية وابوه وابن ظبيان. (4) الوسائل باب 4 من ابواب مقدمة العبادات حديث 12.

 

[ 31 ]

المخصص في الاجماع والروايات الخاصة، ولا يكون له اطلاق حينئذ لرفع غير الالزام. وقد تعرض السيد الاستاذ - دام ظله - الى هذا الوجه واعترض عليه باعتراضين (1): احدهما: ان الاحكام بسائط، فإذا ارتفع الالزام ارتفع الجامع، وليس مركبا من مراتب يرتفع بعضها ويبقى البعض. اقول: ان هذا إنما يبطل التمسك بادلة الاحكام الالزامية، ولا ينحصر اثبات المقصود بذلك، بل يكفي التمسك بادلة المستحبات التي تتكفل جعل الاستحباب ابتداءا، كدليل الاستحباب النفسي لغسل الجنابة (2) ولبعض غاياته (3)، فبها نثبت مشروعية غسل الصبي، إذ المفروض ان المخصص لا يرفع عن الصبي سوى الالزام. والاعتراض الآخر، ان دليل التخصيص لا يرفع الالزام، لانه ليس مجعولا شرعيا، وانما هو منتزع من حكم العقل عند عدم الاذن في المخالفة ولابد ان ينصب الرفع الشرعي على ما هو المجعول الشرعي وهو اصل الطلب. ويرد عليه - بعد تسليم مبناه الاصولي -. اولا: ان الرفع وان كان ينصب على الطلب، ولكنا ندعي اختصاصه بتلك الحصة من الطلب غير المقرونة بالترخيص، لانه وارد مورد الامتنان ولا امتنان برفع الحصة الاخرى من الطلب المقرونة بالترخيص.


 
(1) التنقيح الجزء الثاني ص 178. (2) من قبيل قوله تعالى " ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " البقرة آية 222. (3) من قبيل رواية أبي بصير " لا ينام المسلم وهو جنب ولا ينام الا على طهور " الوسائل باب 25 من ابواب الجنابة حديث 3 ومن قبيل سائر ادلة الصلوات المستحبة.

 

[ 32 ]

(الثاني عشر) عرق الابل الجلالة، بل مطلق الحيوان الجلال على الاحوط (1). وثانيا: ان اللزوم وان فرض عقليا، لكنه قابل للوضع والرفع شرعا بتبع منشأ انتزاعه، كما هو الحال في كل آثار الاحكام الشرعية كالسببية والشرطية ونحو ذلك، فإذا استظهرنا من دليل التخصيص انه رفع للالزام كان مرده الى رفع منشأ انتزاعه، ورفع المنشأ برفع المجموع من الطلب وعدم الترخيص لا رفع الجميع، فان الالزام منتزع من المجموع. وقد تحصل مما تقدم ان الوجه الثالث تام، فعلى الاقل نتمسك بادلة الاحكام الاستحبابية، ويؤيد المدعى: ما قد يستشعر من نفس حديث رفع القلم من ثبوت المقتضي والملاك في نفسه، فتثبت المشروعية على مستوى الملاك فتدبر جيدا. (1) توجد في المقام روايتان - باستثناء مرسلة الصدوق (1) التي لا تعويل عليها - يمكن دعوى الاستدلال بهما للنجاسة. احداهما: رواية حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع): " قال لا تشرب من ألبان الابل الجلالة، وان اصابك شئ من عرقها فاغسله " (2). والاخرى: رواية هشام بن سالم عن أبي عبد الله: " قال لا تأكل اللحوم الجلالة، وان اصابك من عرقها شئ فاغسله " (3). والكلام يقع تارة: في عرق الابل الجلالة بالخصوص، واخرى: في


 
(1) ونصها " ونهى عليه السلام عن ركوب الجلالة وشرب ألبانها وقال: ان اصابك شئ من عرقها فاغسله " الوسائل باب 27 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 6. (2) الوسائل باب 15 من ابواب النجاسات حديث 2. (3) الوسائل باب 15 من ابواب النجاسات حديث 1.

 

[ 33 ]

عرق غيره من الحيوانات الجلالة، فهنا فرعان: اما الفرع الاول فالكلام في الروايتين، تارة من حيث السند، واخرى من حيث الدلالة. اما سندا فالرواية الاولى معتبرة، واما الثانية فهي كذلك، على خدشة تنشأ من انها رواها الشيخ الطوسي بطريقه الى الكليني على نحو تنتهي بهشام بن سالم (1)، وكذلك رواها في الوسائل عن الكافي مباشرة (2) غير ان الموجود في المطبوع من الكافي انتهاؤها الى هشام بن سالم عن أبي حمزة (3)، فان عين بالانصراف والشهرة في أبي حمزة الثمالي الثقة فهو، وان ابدي احتمال انطباقه على أبي حمزة سالم البطائني الذي لم يثبت توثيقه حصل نحو تهافت في السند. وحله: ان النسخ التي ثبتت ابا حمزة في السند لا معول عليها الا من باب الاطمئنان، لعدم وجود طريق شخصي معتبر الى كل نسخة، بينما يوجد للشيخ طريق معتبر الى الكليني وقد روى عنه باسقاط أبي حمزة، فيزول الاطمئنان عن تلك النسخ، ويكون التعارض من تعارض الحجة واللا حجة (4).


 
(1) التهذيب الجزء الاول ص 263. (2) الوسائل باب 15 من ابواب النجاسات حديث 1. (3) الكافي الجزء السادس ص 250. (4) توجد بيانات اخرى منها: ان نقل صاحب الوسائل عن الكافي بدون أبي حمزة يعارض نسخ الكافي الموجودة فنرجح ما في الوسائل لان له طريقا صحيحا الى الكليني كما صرح به في خاتمة الوسائل وفي اجازاته. ومنها: ان نقل صاحب الوسائل بدون أبي حمزة عن الكافي يكشف على الاقل عن تعارض نسخ الكافي فتسقط فنأخذ بنقل التهذيب عن الكليني. ومنها: ان تتبع الكتب التي نقلت عن الكافي قبل قرون يثبت عدم =

 

[ 34 ]

واما دلالة فقد يستدل بالروايتين على النجاسة، لظهور الامر بالغسل في الارشاد إليها. وكبرى هذا الظهور مسلمة، ولكن قد يناقش فيه في خصوص المقام، بدعوى امكان حمل الامر بالغسل على كونه بلحاظ المانعية، لان عرق الجلال من تبعات ما لا يؤكل لحمه فلا تجوز الصلاة فيه وهذا الحمل وان كان خلاف ظاهر الامر بالغسل في نفسه، ولكن قد يدعى وجود قرينتين عليه توجبان على الاقل الاجمال وعدم الظهور في النجاسة. احداهما: تفريع الامر بالغسل على الحكم بحرمة الجلال. والاخرى: ان الامر بالغسل لو كان منصبا على الشئ الذي اصابه


 
= وجود أبي حمزة في الكافي فيبرهن على حدوث التحريف بعد ذلك فمثلا في الروضة الجزء السابع ص 290 ينقل الرواية بدون أبي حمزة عن الكافي بقرينة ذكره لعبارة (وهي التي تأكل العذرة) الموجودة في الكافي فقط وفي شرح الارشاد للمحقق الاردبيلي في كتاب الاطعمة والاشربة كذلك وفي جامع الرواة لم ينقل ان هشام بن سالم روى عن أبي حمزة وفي الحبل المتين بدون أبي حمزة ايضا. وذكر في الهامش ان في الكافي بدل الجلالة الجلالات فلو كان اختلاف في نسخة الكافي لبينه. ومنها: انه لو فرض تعارض نسخ الكافي مع ما ينقله في التهذيب عن الكليني فيتساقطان فنرجع الى ما نقله الشيخ باسناده عن احمد بن محمد في التهذيب الجزء التاسع ص 45 وليس فيه أبو حمزة ومنها: ان نفترض ان الرواية واردة في الكافي في موردين احدهما فيه أبو حمزة والاخر ليس فيه فناخذ به والذي يشهد على هذه الفرضية هو المحدث الكاشاني في الوافي حيث نقل الرواية عن الكافي والتهذيب بدون أبي حمزة ثم نقلها عن الكافي مع أبي حمزة ولكني لم اعثر على رواية ليس فيها أبو حمزة في الكافي.

 

[ 35 ]

العرق لقيل انه يكشف عن النجاسة ولا يلائم المانعية لا طلاقه حتى لحالة جفاف العرق وزواله، ولكنه قد انصب في الروايتين على نفس العرق فالمأمور بغسله هو العرق، فلا اطلاق فيه لفرض زواله لكي يجعل هذا الاطلاق شاهدا على انه بلحاظ النجاسة لا المانعية. وكلتا القرينتين غير مانعتين عن الاستدلال. اما الاولى، فلعدم وجود ما يدل على التفريع اصلا، وانما هناك ترتب في الذكر، وهو بمجرده لا يكون قرينة على التفريع وكون الامر بالغسل ناظرا الى مانعية ما لا يؤكل لحمه، خصوصا ان الرواية ليس فيها ذكر للصلاة أو افتراض للتهيوء لها، والعرق الذي يصيب الانسان من الابل الجلال يجف عادة في مدة قصيرة، وكبرى مانعية مالا يؤكل لحمه ليست امرا مر كوزا وقتئذ في اذهان المتشرعة ارتكازا يساعد على انصراف الذهن إليها من الامر بالغسل. واما الثانية، فلأن دلالة الامر بالغسل على النجاسة لا مجرد المانعية ليست نكتتها منحصرة بالاطلاق المذكور، ليقال بعدم تأتي هذه النكتة في المقام، بل يمكن ان يكون بنكتة ظهور نفس مادة الغسل في قذارة المغسول أو بنكتة ظهور الامر في تعين الغسل، مع ان النظر لو كان الى المانعية لما انحصر دفع المحذور بذلك كما هو واضح. وعليه فالمصير الى دلالة الروايتين على النجاسة ليس ببعيد. واما الفرع الثاني، فمدرك النجاسة فيه الروايتان السابقتان ايضا. اما الاولى، فبما تقدم مع ضم دعوى ان الابل اخذ بنحو المثالية، وان مناسبات الحكم والموضوع المركوزة تلغي خصوصيته. واما الثانية، فبلحاظ اطلاقها. وقد يناقش في هذا الاطلاق، تارة: بالحمل على خصوص الابل الجلالة، بناءا على اختصاص الرواية الاولى بها، من باب حمل المطلق


 

[ 36 ]

(مسألة - 1) الاحوط الاجتناب عن الثعلب، والارنب والوزغ، والعقرب، والفأر، بل مطلق المسوخات، وان كان الاقوى طهارة الجميع (1). على المفيد. واخرى: بابداء احتمال ان اللام في قوله (اللحوم الجلالة) للعهد، وقد اشير به الى الابل الجلالة. وثالثة: بان مرجع الضمير في قوله وان اصابك من عرقها شئ غير مصرح به في الرواية، إذ لا يناسب ارجاعه الى اللحوم الجلالة، لان العرق شأن الحيوان لا اللحم، ومع عدم التصريح بالمرجع يكون مجملا فيقتصر فيه على المتيقن. ورابعة: بان الاجماع على الطهارة في غير الابل يمنع عن الاخذ بالاطلاق، بل لابد من التقييد أو الحمل على التنزه. أما الاول، فيرد عليه: ان المقام ليس من موارد حمل المطلق على المقيد، لعدم التنافي. واما الثاني، ففيه: ان العهدية تحتاج الى قرينة ولا يجدى مجرد الاحتمال. واما الثالث، ففيه: ان المرجع هو نفس اللحوم الجلالة، إذ المراد باللحوم هنا الحيوانات بقرينة توصيفها بالجلالة، مع ان الجلل شأن الحيوان لا اللحم. ولو سلم عدم تعين ذلك للمرجعية فان ذلك لا يوجب الاجمال، بل يقدر ما يناسب العنوان المصرح به من حيث الاطلاق واما الرابع، فهو العمدة في المقام، وان كان لا ينبغي رفع اليد عن الاحتياط لا حتمال كونه مدركيا ومستندا إلى بعض ما تقدم. (1) الحيوان إما انسان أو غيره، وهذا الغير إما مأكول اللحم أو غيره، وغير مأكول اللحم اما من المسوخ أو السباع أو غيرهما. ولا شبهة في طهارة الانسان، على كلام تقدم في الكافر منه. كما لا شك في طهارة ما يؤكل لحمه من الحيوان. وإنما الكلام في الحيوان الذي لا يؤكل لحمه اما


 

[ 37 ]

مطلقا أو بلحاظ اقسام خاصة منه كالسباع والمسوخ. وتحقيق ذلك بالكلام اولا: عن وجود عموم يدل على نجاسة ما لا يؤكل لحمه، بحيث يكون هو المرجع في كل مورد لم يدل دليل خاص على الطهارة. وبعد افتراض عدم وجود عموم من هذا القبيل يقع الكلام ثانيا: في افتراض عموم كذلك في المسوخ. وثالثا: في البحث عن وجود العموم المذكور في السباع. ورابعا: نفتش عن ادلة خاصة على النجاسة في حيوانات خاصة، كالثعلب والارنب والعقرب، ونحوها. فهنا حسب هذه المنهجة اربعة مقامات: المقام الاول: ويمكن ان يستدل فيه على نجاسة كل ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات بمفهوم بعض الروايات الواردة فيما يؤكل لحمه، كمعتبرة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " قال: لا بأس أن تتوضأ مما شرب منه ما يؤكل لحمه " (1). ومعتبرة عمار بن موسى عن أبي عبد الله (ع) " قال: سئل عما تشرب منه الحمامة. فقال: كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب... الحديث " (2) وتقريب الاستدلال: أنها تدل بالمفهوم على النهي عن سؤر مالا يؤكل لحمه، وهو ظاهر عرفا في الارشاد الى النجاسة. ويرد عليه: اولا: ان ظهوره في ذلك مرده إلى انسباق ذهن العرف الى كون الامر بالغسل بنكتة النجاسة، فان هذا الانسباق هو منشأ ظهور النهي في الارشاد الى النجاسة، وهذا الانسباق انما يتم في مورد لا يوجد فيه احتمال عرفي لنكتة اخرى للنهي غير النجاسة، وهذا الاحتمال العرفي موجود في المقام، بلحاظ ان السؤر ما يتقبل العرف امكان اكتسابه منقصة أو شأنا بلحاظ صاحب السؤر، فاحتمال كون سؤر ما لا يؤكل لحمه بعنوانه


 
(1) الوسائل باب 5 من ابواب الاسئار حديث 1. (2) الوسائل باب 4 من ابواب الاسئار حديث 2.

 

[ 38 ]

مانعا عن الوضوء والشرب من الماء امر عرفي في اذهان المتشرعة. ويدل على ذلك: تتبع اخبار السؤر وملاحظة ما ورد من السؤال عن سؤر ما يؤكل لحمه، مع ان طهارة ما يؤكل لحمه من الحيوانات واضحة وليست موردا للسؤال (1). ورواية عمار المتقدمة نفسها ورد فيها السؤال عن سؤر الحمامة، مع وضوح طهارتها متشرعيا، وكل ذلك ينفي انحصار الجهة في الذهن المتشرعي والعرفي العام بالنجاسة. وثانيا: ان من الواضح طهارة عدد كبير من الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، حتى ان الامام في بعض الروايات (2) يقرب طهارة السئور بانه سبع، والسائل في بعض الروايات (3) يستشكل في نجاسة الكلب بقوله: أليس هو سبع؟، مما يكشف عن ارتكازية طهارة السباع. وهذا الوضوح المرتكز يشكل قرينة متصلة على صرف العبارة المذكورة عن النجاسة، على تقدير ظهورها في نفسها في ذلك. وثالثا: لو سلم عدم الوضوح المرتكز فلا اقل من استلزام الحمل على النجاسة لتقييد الاكثر في طرف المفهوم. هذا مضافا إلى انه لا مفهوم للعبارة المذكورة بنحو ينتج سالبة كلية، اما معتبرة عبد الله بن سنان فلو ضوح


 
(1) من قبيل معتبرة جميل بن دراج! " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن سؤر الدواب والغنم والبقر ايتوضأ منه ويشرب؟. قال: لا بأس " الوسائل باب 5 من ابواب الاسئار حديث 4. (2) كما في رواية أبي الصباح عن أبي عبد الله (ع) قال " كان علي (ع) يقول: لا تدع فضل السئور ان تتوضأ منه انما هي سبع " الوسائل باب 2 من ابواب الاسئار حديث 4. (3) كما في معتبرة معاوية بن شريح: الوسائل باب 1 من ابواب الاسئار حديث 6.

 

[ 39 ]

عدم الشرطية، واما معتبرة عمار فقد تستشم الشرطية من التفريع بالفاء، ولكن ذلك لا يكفي لظهور الجملة في الشرطية بنحو ينتج المفهوم، خصوصا ان الشرط فيها نفس موضوع الحكم، وفي مثل ذلك لا مفهوم. المقام الثاني في المسوخ: وقد يستدل على نجاستها برواية أبي سهل القرشي " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن لحم الكلب. فقال: هو مسخ. قلت: هو حرام؟ قال: هو نجس. اعيدها ثلاث مرات كل ذلك يقول: هو نجس " (1). وتقريب الاستدلال بها: ان السؤال عن الكلب لم يصرح بالحيثية المنظورة فيه، فهي اما حيثية تكوينية " أو حيثية الحرمة، أو حيثية النجاسة. والاول خلاف الظهور المقامي للسؤال من الامام (ع). والثاني ينصرف عنه الذهن، لعدم كون الكلب في معرض الاكل من لحمه عرفا فان لحمه لا يتعاطى عرفا في سائر المجتمعات، والسؤال العرفي ينبغي ان يحمل على جهة عرفية، فيتعين الثالث بحسب الانسباق العرفي، ومعه يكون الجواب بانه مسخ كأنه اعطاء للحكم بالنجاسة ببيان ضابط كلي وهو المسخ، فيدل على نجاسة كل مسخ. ويرد عليه: ان لفظ السؤال بنفسه قرينة على تعين الثاني، لانه يسأل عن لحم الكلب لا عن الكلب نفسه، والسؤال عن اللحم ظاهر في النظر الى حيثية الحرمة، ويؤيده قول السائل بعد ذلك " هو حرام " (2). المقام الثالث في السباع: وما يمكن ان يدعى الاستدلال به على نجاستها رواية يونس عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله (ع) " قال: سألته هل يحل أن يمس الثعلب، والارنب، أو شيئا من السباع، حيا أو ميتا؟.


 
(1) الوسائل باب 2 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 4. (2) مضافا الى ضعف سند الرواية بسهل بن زياد وأبي سهل القرشي.

 

[ 40 ]

قال: لا يضره ولكن يغسل يده " (1). وذلك لدلالة الامر بالغسل على النجاسة. وقوله " لا يضره " وان كان يشمل باطلاقه نفي النجاسة، ولكن الامر بالغسل يكون مقيدا له. والجواب: بلزوم حمل الامر بالغسل على التنزه بقرينة ما دل على طهارة السباع، وهو عدة طوائف: منها - ما دل على طهارة السباع وجواز سؤرها صريحا، كمعتبرة معاوية بن شريح (2). ومنها - ما دل على ذلك بلسان الحكم بطهارة السنور وجواز سؤره وتبرير ذلك بانه سبع، كرواية محمد بن مسلم (3) ورواية أبي الصباح (4). ومنها - الروايات الواردة في جواز استعمال جلود ما لا يؤكل لحمه والاستفادة منها في غير حالة الصلاة (5)، فان سكوتها عن التنبيه على النجاسة - مع أن السباع هي اوضح افراد مالا يؤكل لحمه واكثرها دخولا في محل الابتلاء بجلودها - ان لم يدل


 
(1) الوسائل باب 34 من ابواب النجاسات حديث 3. (2) الوسائل باب 1 من ابواب الاسئار حديث 6 وجاء فيها " سأل عذافر أبا عبد الله (ع) وانا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه فقال: نعم اشرب منه وتوضأ منه " الحديث. (3) الوسائل باب 2 من ابواب الاسئار حديث 3. (4) مر ذكرها في هامش صفحة 38. (5) من قبيل معتبرة سماعة قال " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن جلود السباع فقال اركبوها ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه " الوسائل باب 5 من ابواب لباس المصلي حديث 4.

 

[ 41 ]

بالاطلاق المقامي على الطهارة فلا اقل من التأييد. المقام الرابع في الموارد الخاصة: وفيه جهات: الجهة الاولى في الثعلب والارنب: وما قد يستدل به على نجاستهما مرسلة يونس المتقدمة وقد عرفت تعين حملها على التنزه بلحاظ ما دل على طهارة السباع. ودعوى: امكان التبعيض في الامر بالغسل، فيرفع اليد عن لزومه بالنسبة الى سائر السباع ويلتزم بلزومه بالنسبة الى الثعلب والارنب خاصة، لعدم الدليل الخاص فيها على الترخيص. مدفوعة: بأن هذا التبعيض مبني على مسلك المحقق النائيني " قدس سره " في دلالة الامر على الوجوب وانها بحكم العقل، وهو غير تام في نفسه كما حققناه في موضعه وغير منطبق على محل الكلام لانه انما ينطبق على الاوامر المولوية، لا الاوامر الارشادية التي مفادها اعتبار وضعي كالنجاسة " فان مرتبة اللزوم من الحكم الوضعي مدلول للدليل اللفظي. هذا كله مضافا الى سقوط الرواية سندا، وامكان استظهار طهارة الثعلب مما ورد في جواز لبس جلده بالخصوص في غير حال الصلاة (1) باطلاقه المقامي. ويمكن ان يستدل لنجاسة الثعلب بما ورد في ابواب لباس المصلي من النهي عن الصلاة في جلده وفي الثوب الذي يليه، فان النهي عن هذا الثوب ليس بلحاظ المانعية، بل بلحاظ النجاسة، كمعتبرة أبي علي بن راشد في حديث: " قال: قلت لأبي جعفر (ع) الثعالب يصلي فيها؟ قال: لا، ولكن تلبس بعد الصلاة. قلت: اصلي في الثوب الذي يليه؟ قال: لا " (2). ومعتبرة علي بن مهزيار عن رجل سأل الرضا (ع) عن الصلاة في جلود الثعالب فنهى عن الصلاة فيها وفي الثوب الذي يليه


 
(1) من قبيل معتبرة أبي علي بن راشد الاتية بعد قليل. (2) الوسائل باب 7 من ابواب لباس المصلي حديث 4.

 

[ 42 ]

فلم أدر اي الثوبين الذي يلصق بالوبر أو الذي يلصق بالجلد؟ فوقع بخطه: الثوب الذي يلصق بالجلد. قال: وذكر أبو الحسن - يعني علي بن مهزيار - أنه سأله عن هذه المسألة فقال: لا تصل في الذي فوقه، ولا في الذي تحته " (1). والظاهر عدم تمامية الدلالة في ذلك على النجاسة، إذ لو كان النظر الى النجاسة لكان الانسب التنبيه ايضا على سراية النجاسة الى البدن، حيث يتعرض مع طول الزمان الى الملاقاة مع جلود الثعالب الملبوسة، فلم تعرف مزية للثوب الذي يليه على البدن من ناحية هذا المحذور، خصوصا مع رطوبة اليد بين حين وآخر ووقوعها على الملابس عادة. وهذا بخلاف ما إذا كان النظر الى ما يكتسبه الثوب الذي يليه من اجزاء ما لا يؤكل لحمه خصوصا إذا كان مما يليه من جانب الوبر، فانه سنخ محذور غير متجه في اليد ونحوها. وهذا إن لم يصلح قرينة على صرفه عن النجاسة فلا اقل من اقتضائه للاجمال. ومما يمكن ان يستدل به ايضا على نجاسة الثعلب - وامثاله من السباع التي ترد الحياض الواقعة بين مكة والمدينة عادة - الروايات الواردة في تحديد الكر، كمعتبرة صفوان بن مهران الجمال قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض التي ما بين مكة الى المدينة (و - خ ل)، تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، وتشرب منها الحمير، ويغتسل فيها الجنب، ويتوضأ منها؟. قال: وكم قدر الماء؟ قال: الى نصف الساق والى الركبة. فقال: توضأ منه " (2) ومثلها غيرها (3).


 
(1) الوسائل باب 7 من ابواب لباس المصلي حديث 8. (2) الوسائل باب 9 من ابواب الماء المطلق حديث 12. (3) وهي رواية اسماعيل بن مسلم عن جعفر عن ابيه عليهما السلام =

 

[ 43 ]

وتقريب الاستدلال: إما بلحاظ ظهور كلام السائل في ارتكاز نجاسة السباع في ذهنه، وظهور سكوت الامام (ع) عن ذلك في امضاء هذا الارتكاز وإما بلحاظ ظهور كلام الامام في التفصيل بين القليل والكثير، الذي يعني الحكم بانفعال الماء بذلك إذا كان قليلا. وكلا اللحاظين قابل للمنع. اما الاول: فلعدم ظهور كلام السائل في ان المحذور من السباع نجاستها الذاتية، بل قد يكون المحذور تلوث فمها بالدم والميته أو معرضيته لذلك، ومما يشهد به عطف الحمير على السباع مع انه لا يحتمل فيها النجاسة الذاتية عادة. واما الثاني فلأن كلام الامام (ع) يدل على التفصيل بين حالتي القلة والكثرة في النفعال وعدمه، ولكنه ليس في مقام البيان من ناحية موجبات الانفعال حتى يتمسك باطلاق ما يستفاد منه من الانفعال في القليل لاثبات النجاسة الذاتية للسبع الجهة الثانية في الفارة: ويمكن ان يستدل على نجاستها بعدة روايات: منها - رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع): " قال: سألته عن الفارة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب، ايصلى فيها؟ قال: اغسل ما رأيت من اثرها، وما لم تره انضحه بالماء " (1) والرواية تامة سندا. واما من حيث الدلالة فالامر بالغسل فيها يدل على النجاسة بتقريبات تقدمت. والاثر المذكور فيها قد يكون بمعنى الاثر العيني كالشعر والوسخ، فيكون الامر بالنضح مع عدم الاثر دالا على


 
= " ان النبي (ص) اتى الماء فاتاه اهل الماء فقالوا يا رسول الله ان حياضنا هذه تردها السباع والكلاب والبهائم قال: لها ما اخذت بافواهها ولكم سائر ذلك " الوسائل باب 9 من ابواب الماء المطلق حديث 10 والرواية ضعيفة بموسى بن عيسى ومحمد بن سعيد لانها لم يوثقا. (1) الوسائل باب 33 من ابواب النجاسات حديث 2.

 

[ 44 ]

النجاسة أيضا. وقد يكون بمعنى يشمل الرطوبة، فيكون الامر بالنضح في فرض عدم الاثر محمولا على التنزه لعدم سراية النجاسة بدون رطوبة، بل قد يجعل ذلك حينئذ موهنا لظهور الامر بالغسل في الحكم اللزومي. ومنها - روايات الامر بنزح شئ لدى وقوعها في البئر، كمعتبرة معاوية بن عمار: " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الفارة، والوزغة تقع في البئر؟ قال: ينزح منها ثلاث دلاء " (1). غير ان الاستدلال بها يتوقف اولا: على عدم البناء على اعتصام ماء البئر، والا لتعين حمل الامر بالنزح على التنزه، ومعه لا تبقى فيه دلالة على نجاسة الحيوان الساقط وثانيا: على ان يكون نظر السائل في سؤاله الى استعلام حال الحيوان الساقط من حيث طهارته ونجاسته، واما إذا كان النظر إلى استعلام حال ماء البئر من حيث انه ينفعل أو لا ينفعل بعد الفراغ عن كون الساقط منجسا لغير المعتصم، فلا يمكن التمسك بالرواية حينئذ لا ثبات نجاسة الفارة لان الامام (ع) يكون في مقام البيان من ناحية انفعال ماء البئر بعد الفراغ عن كون الساقط منجسا، ولو من ناحية انه يكون ميتة لغلبة موت الفارة في البئر إذا وقعت فيه، وليس الكلام مسوقا لحكم الفارة ليتمسك بالاطلاق من هذه الناحية لفرض عدم موتها. ولا نسلم كلا الامرين، فالاستدلال غير تام. ومنها - رواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله (ع): " قال: سألته عن الفارة والعقرب، واشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا، هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ منه؟ قال: يسكب منه ثلاث مرات، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة... الحديث " (2). وتقريب


 
(1) الوسائل باب 19 من ابواب الماء المطلق حديث (2) ويمكن =

 

[ 45 ]

الاستدلال: ان ظاهر الرواية اناطة جواز الوضوء والشرب بسكب شئ من الماء، ولا موجب لذلك الا انفعاله بتلك الاشياء الكاشف عن نجاستها ويكون السكب نحوا من التطهير كالنزح من البئر على القول به. ويرد عليه: ان السكب ليس الا تقليلا من الماء، وتقليل النجس ليس صالحا لمطهريته بحسب الارتكاز العرفي، فهذا الارتكاز بنفسه يكون قرينة على ان النظر الى حزازة نفسية لا الى الانفعال والنجاسة. ولا يقاس بالنزح، لانه يوجب تجديد الماء باعتبار ما للبئر من مادة. ومما يؤيد الحمل على الحزازة النفسية التصريح بتعميم الحكم للقليل والكثير، مع وضوح ان الكثير لا يتنجس، فلو حمل على النظر الى النجاسة لزم حمل الكثير على الكثير النسبي مع فرض عدم كريته. ومنها - حديث المناهي المعتبر سندا (1)، وقد ورد فيه: " ان النبي (ص) نهى عن أكل سؤر الفار " (2). وفيه: ان النهي عن الاكل إنما يكون ظاهرا في النجاسة إذا لم يوجد احتمال عرفي لمنشأ آخر على نحو يؤدي الى انسباق فهم النجاسة عرفا. والمنشأ الآخر محتمل عرفا في المقام وهو حزازة السؤر في نفسه على ما تقدم نظيره مرارا. ومنها - معتبرة علي بن جعفر (3) عن اخيه موسى (ع): " قال:


 
= اضافة المناقشة السندية الى الدلالية فانها ضعيفة بيزيد بن اسحاق إذ لم يثبت توثيقه. وسيشير السيد الاستاذ - دام ظله - الى ضعفها في ص 51. (1) لان في سنده من لم يوثق مثل حمزة بن محمد وعبد العزيز بن محمد وشعيب بن واقد. (2) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 7. (3) قد يقال بضعفها لان في سندها عبد الله بن الحسن وهو غير مذكور في الرجال ولكن يمكن تصحيحها باعتبار ان صاحب الوسائل =

 

[ 46 ]

سألته عن الفارة، والكلب إذا اكلا من الجبن وشبهه، ايحل اكله؟. قال: يطرح منه ما اكل، ويحل الباقي. قال: وسألته عن فارة أو كلب شربا من زيت أو سمن؟. قال: ان كان جرة أو نحوها فلا تأكله، ولكن ينتفع به لسراج أو نحوه، وان كان اكثر من ذلك فلا بأس باكله الا ان يكون صاحبه موسرا يحتمل ان يهريقه فلا ينتفع به في شئ " (1). والاستدلال: اما بالفقرة الواردة في صدر الرواية: " يطرح منه ما اكل ويحل الباقي "، لدلالته على حرمة ما باشره الحيوان المذكور. واما بالفقرة المتأخرة: " فلا ينتفع به في شئ "، لان سلب الانتفاع والامر بالاراقة وما بهذا المضمون لسان من السنة الحكم بالنجاسة عرفا. أما الفقرة الاولى فلا دلالة فيها، لان مجرد النهي عن الاكل لعله بلحاظ نكتة السؤر، وهي نكتة عرفية كما تقدم. واما الفقرة الاخيرة فهي وان كانت اوضح لبعد تنزيلها على نكتة السؤر، لان لسانها سلب الانتفاع، لا مجرد عدم الاكل، ولكن التفصيل بين الفقير والغني - مع ارتكاز ان فقر المالك وغناه لا دخل له في الطهارة والنجاسة - يصلح ان يكون قرينة على صرف الدليل عن النجاسة الى ضرب من التنزه. هذا في حال الروايات التي يمكن ان يستدل بها على النجاسة مع تحقيق حالها. وهناك روايات يمكن ان يستدل بها على طهارة الفارة في مقابل ذلك:


 
= ذكر بان هذه الرواية في كتاب علي بن جعفر وقد شهد بان الكتب التي ينقل عنها في الوسائل وصلت له عن طريق الشيخ الطوسي (ره) وطريقه الى الشيخ صحيح كما ان طريق الشيخ الى كتاب علي بن جعفر صحيح كما ذكره في فهرسته. (1) الوسائل باب 45 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 2.

 

[ 47 ]

منها - معتبرة سعيد الأعرج: " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الفارة والكلب، يقع في السمن والزيت ثم يخرج منه حيا؟. قال: لا بأس بأكله " (1). وتقريب دلالتها: انها تدل على جواز الاكل من السمن الملاقي للفارة المساوق لطهارته، وبضم ارتكاز سراية النجاسة بالملاقاة من عين النجس يكون البيان المذكور ظاهرا عرفا في نفي نجاسة الفارة. وبيان آخر: انه بعد دلالة الرواية على طهارة السمن نضم إليه الدليل الخارجي على سراية النجاسة من عين النجس بالملاقاة، فيثبت طهارة الفارة. وليس هذا من التمسك بدليل السراية لاثبات التخصص عند الدوران بينه وبين التخصيص، لان التخصيص والتفرقة بين نجس ونجس آخر في السراية غير محتمل فقهيا. نعم هنا اشكال في الرواية ينشأ من عطف الكلب على الفارة، مع الدليل القطعي على نجاسته، وهو يوجب وهنا في الرواية: إما للتشكيك في جريان اصالة الجد بلحاظ جزء من الكلام بعد سقوطها بلحاظ جزء آخر، لا ختلال الكشف النوعي الذي هو ملاك حجيتها عقلائيا بالاطلاع على تواجد حالة التقية في شخص ذلك الكلام، واما لكون الرواية مخالفة للسنة القطعية بلحاظ جزء من مفادها، وبعد عدم امكان التفكيك عرفا في التعبد بالصدور بين كلمة وكلمة تسقط الرواية بتمامها عن الحجية. ولكن يمكن ان يقال: ان عطف الكلب ورد في طريق الكليني ولم يرد في المتن الذي رواه الشيخ، فيتعين هذا بعد سقوط المتن المشتمل على الكلب عن الحجية في نفسه. ومنها - ما رواه علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع) في حديث... " وسألته عن فارة وقعت في حب دهن واخرجت قبل ان تموت، ايبيعه


 
(1) الوسائل باب 45 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 1.

 

[ 48 ]

من مسلم؟ قال: نعم وبدهن منه " (1). فان مفاده اللفظي أو اطلاقه المقامي يقتضى الطهارة وهي ضعيفة السند (2). ومنها - رواية أبي البختري الضعيفة به عن جعفر بن محمد عن ابيه: " ان عليا (ع) قال: لا بأس بسؤر الفار ان تشرب منه وتتوضأ ". ورواية اسحاق بن عمار المعتبرة (3) عن أبي عبد الله (ع): " ان أبا جعفر (ع) كان يقول: لا بأس بسؤر الفارة - إذا شربت من الاناء - ان تشرب منه وتتوضأ منه " (4). ودلالتها على طهارة الفارة، إما بضم ارتكاز انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة المنتج لظهور الكلام في طهارة الفارة، أو ضم ادلة انفعال الماء القليل من خارج بعد العلم بعدم الفرق بين نجس ونجس، فيتعين ان


 
(1) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 1. (2) لانها وردت في قرب الاسناد كما نقلها عنه في الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 1 والسند ضعيف بعبد الله بن الحسن ووردت في التهذيب الجزء الاول ص 419 باسناد الشيخ الى العمركي وطريقه إليه غير معروف لانه لم يذكره لا في مشيخته ولا في الفهرست ووردت في الاستبصار الجزء الاول ص 24 باسناد الشيخ الى علي بن جعفر وطريقه إليه في المشيخة ضعيف باحمد بن محمد بن يحيى. ولكن لليشخ طريق آخر الى من وقع بعد احمد بن محمد بن يحيى وهو محمد بن احمد بن يحيى بن عمران ولكن الكلام في ثبوت الرواية بهذا السند في الاستبصار فراجع (3) رواها الصدوق باسناد ضعيف بعلي بن اسماعيل عن اسحاق ورواها الشيخ في التهذيب عن اسحاق ولا طريق له إليه في المشيخة الا انه ذكر فيها انه اقتصر على بعض الطرق واحال الباقي على الفهرست وله فيه طريق صحيح الى اسحاق فنصحح الرواية على اساسه. (4) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 8.

 

[ 49 ]

يكون جواز استعمال الماء لطهارة الفارة. وقد يستشهد للطهارة ايضا ببعض ما تقدم الاستدلال به على النجاسة ايضا، كما في رواية علي بن جعفر ورواية الغنوي، فلاحظ. الجهة الثالثة في العقرب. وما يمكن ان يستدل به على النجاسة إضافة الى رواية الغنوي المتقدمة (1) التي توهم الاستدلال بها على نجاسة الفارة - روايتان هما: رواية أبي بصير عن أبي جعفر (ع): " قال: سألته عن الخنفساء تقع في الماء، ايتوضأ به؟ قال: نعم لا بأس به. قلت: فالعقرب قال: ارقه " (2). ورواية سماعة: " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن جرة وجد فيه خنفساء قد مات؟ قال: ألقه وتوضأ منه، وإن كان عقربا فأرق الماء وتوضأ من ماء غيره " (3). اما رواية الغنوي فقد تقدم حالها، واما الروايتان فهما تامتان سندا، وان وقع في السند عثمان بن عيسى لو ثاقته باعتبار نقل بعض الثلاثة عنه (4) ولكن الامر بالاراقة فيهما لا ينسبق منه النجاسة عرفا، ما دام احتمال الحزازة بلحاظ آخر عرفيا: على اساس سمية العقرب وامكان افسادها


 
(1) مرت في الكلام عن حكم الفارة. (2) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 5. (3) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 6. (4) فقد روى عنه صفوان كما في الوسائل باب 8 من ابواب الايلاء حديث 4 والطريق إليه صحيح مضافا الى امكان توثيق عثمان بن عيسى بوجهين اخرين الاول تصريح الشيخ في العدة ص 56 طبعة بمباي بعمل الطائفة برواياته باعتبار وثاقته والثاني تصريح الكشي في رجاله ص 556 من الطبعة الحديثة بكونه من اصحاب الاجماع على قول بعض وهذا كاف في الكشف عن وثاقته.

 

[ 50 ]

للماء من هذه الناحية. وقد يستدل في مقابل ذلك على الطهارة برواية الغنوي المتقدمة الساقطة سندا، وبرواية ابن مسكان قال: قال أبو عبد الله (ع): كل شئ يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس واشباه ذلك فلا بأس " (1) والاستلال بها، اما بناءا على انفعال البئر بملاقاة مطلق النجس فواضح، واما بناءا على عدم انفعاله فقد يقال ايضا: ان المستظهر من الدليل نفي البأس بملاك عدم نجاسة الساقط، سواء كان البأس المنفي لزوميا أو تنزيهيا فيدل على ان العقرب ليست نجسة ذاتا، والا فلا تأثير لعدم كونها ذات نفس سائلة في طهارتها. ويشكل سند هذه الرواية برواية الحسين بن سعيد لها عن ابن سنان، الممكن أو المتعين انطباقه بلحاظ الطبقة على محمد بن سنان. وبرواية علي بن جعفر عن اخيه (ع): " قال: سألته عن العقرب والخنفساء واشباههن تموت في الجرة أو الدن، يتوضأ منه للصلاة؟. قال: لا بأس به " (2) وتقريب الاستدلال يتضح من بعض البيانات السابقة. غير ان الرواية ليست تامة سندا بعبد الله بن الحسن العلوي. وقد افاد السيد الاستاذ - دام ظله - في مقام تبعيد القول بالنجاسة: ان مما يبعد القول بالنجاسة كون العقرب ليس لها نفس، وقد ثبت ان ميتة ما لا نفس له لا يكون محكوما عليه بالنجاسة (3). وهذا غريب، لأن ما دل على طهارة ميتة ما لا نفس له انما ينفي النجاسة من ناحية الموت، ولا نظر فيه الى نفي النجاسة الذاتية للحيوان بما هو ان قيل: ان قوله في رواية حفص بن غياث " لا يفسد الماء


 
الوسائل باب 10 من ابواب الاسئار حديث 3. (2) الوسائل باب 10 من ابواب الاسئار حديث 5. (3) التنقيح الجزء الثاني ص 185.

 

[ 51 ]

الا ما كانت له نفس سائله " (1) يشمل باطلاقه العقرب حال حياتها ايضا، فيدل على طهارتها الذاتية. قلنا: ان الكلام المذكور في مقام نفي النجاسة التي كانت محتملة في نفسها، ومن الواضح ان ما ليس له نفس سائلة لم يكن يحتمل نجاسته الذاتية بهذا العنوان، وانما يحتمل نجاسته بالموت، فينصرف النفي الى ذلك، ولهذا لا يتوهم شمول الاثبات في عقد المستثنى للحيوانات الحية ذات النفس السائلة. الجهة الرابعة في الوزغ. وقد تقدم ما يمكن ان يستدل به على النجاسة فيه وهو رواية الغنوي (2)، ومعتبرة معاوية بن عمار (3). ومضى الكلام عنها. ومما يمكن ان يستدل به على طهارة الوزغ رواية على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) في حديث... " قال: سألته عن العظاية والحية والوزغ يقع في الماء فلا يموت، ايتوضأ منه للصلاة؟ قال لا بأس به... الحديث " (4). وهي صحيحة سندا (5)، ودالة


 
(1) الوسائل باب 10 من ابواب الاسئار حديث 2. (2) مرت في ص 44. (3) مرت في ص 44. (4) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 1. (5) في سندها اشكال وهو انها وردت في قرب الاسناد كما نقلها عنه في الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار والسند ضعيف بعبدالله بن الحسن ووردت في التهذيب الجزء الاول ص 419 من الطبعة الحديثة باسناد الشيخ الى العمركي وطريقه إليه غير معروف لأنه لم يذكره لا في مشيخة التهذيب ولا في الفهرست ورواها الشيخ في الاستبصار الجزء الاول ص 23 من الطبعة الحديثة عن الحسين بن عبيد الله عن احمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن احمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر والطريق =

 

[ 52 ]

(مسألة - 2) كل مشكوك طاهر، سواءا كانت الشبهة لا حتمال كونه من الاعيان النجسة، أو لاحتمال تنجسه مع كونه من الاعيان الطاهرة. والقول بان الدم المشكوك كونه من القسم الطاهر أو النجس محكوم بالنجاسة ضعيف، نعم يستثنى مما ذكرنا الرطوبة الخارجة بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات، أو بعد خروج المني قبل الاستبراء بالبول، فانها مع الشك محكومة بالنجاسة (1) على طهارة الوزغ على نحو تقدم على ما تقدم لو تمت دلالته في نفسه على النجاسة. ولا يمكن دعوى تقييد هذه الرواية بفرض الماء الكثير جمعا، لانه تقييد بفرد نادر، ولان السؤال ظاهر في استعلام حال تلك الاشياء التي تقع في الماء وحكمها، فلا معنى لحمل الجواب على فرض اعتصام الماء. (1) اما الكلام عن اصل قاعدة الطهارة فتقدم مفصلا في الجزء


 
= ضعيف باحمد بن محمد بن يحيى ولكن هذا الاشكال يمكن دفعه بناءا على كبرى يلتزم بها السيد الاستاذ - دام ظله - وهي انه لو كان سند الرواية ضعيفا ولكن كان للشيخ الطوسي (ره) في فهرسته الى احد الرواة الذين يقعون فوق الراوي الضعيف طريقان الى جميع كتبه ورواياته احدهما شخص طريق الرواية والاخر صحيح فانه يعلم بظاهر عبارة الشيخ بان تمام ما وصل إليه بالطريق الضعيف وصل بالطريق الصحيح وهنا للشيخ في الفهرست طريقان الى جميع كتب وروايات محمد بن احمد بن يحيى احدهما شخص طريق الرواية اي عن الحسين بن عبيدالله عن احمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن احمد ابن يحيى والاخر عن جماعة عن محمد بن علي بن علي بن الحسين عن أبيه عن احمد بن ادريس عن محمد بن احمد بن يحيى وهو صحيح.

 

[ 53 ]

الثاني من هذا الشرح (1) ومر هناك البحث عن شمولها لموارد الشبهة الحكمية ولموارد الشك في النجاسة الذاتية. واما ما اشير إليه في عبارة المتن المذكورة من الاستثناء فهو في موردين احدهما رفضه السيد الماتن " قدس سره " والآخر اقره. اما المورد الاول فهو مورد الشك في ان الدم من النوع النجس أو الطاهر. فقد ادعي تارة: ان الحكم في ذلك - مطلقا - هو البناء على الاجتناب، تخصيصا لدليل القاعدة. وادعي اخرى: بأن ذلك الحكم في خصوص الدم المرئ على منقار الطير. والاصل في هاتين الدعويين موثقة عمار، حيث ورد فيها: "... وعن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب. فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا ان ترى في منقاره دما، فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب " (2) وهذه الفقرة تشتمل على جملتين، وقوله " فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب هو الذي يدعى كونه مخصصا لقاعدة الطهارة، لأنه حكم بالاجتناب بمجرد رؤية الدم، مع انه قد لا يكون من القسم النجس. واما قوله قبل ذلك: (كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه)، فلا يعارض قاعدة الطهارة بل يؤيدها، وانما قد يتوهم معارضتها للاستصحاب، حيث انها تقتضي باطلاقها عدم الاجتناب حتى مع رؤية الدم سابقا إذا لم يكن مرئيا فعلا واحتمل زواله، مع ان مقتضى الاستصحاب حينئذ وجوب الاجتناب. ففي الرواية المذكورة - إذن - جهتان من البحث: الاولى: في توهم معارضتها أو تخصيصها لقاعدة الطهارة. وتوضيح


 
بحوث في شرح العروة الوثقى الجزء الثاني ص 189 - 214. (2) الوسائل باب 4 من ابواب الاسئار حديث 2.

 

[ 54 ]

ذلك: ان مفاد الجملة الملزمة بالاجتناب إن كان حكما واقعيا كانت دليلا على نجاسة كل دم واقعا، ويكون ما دل على طهارة بعض اقسامه مقيدا لها ولا معنى حينئذ لدعوى كونها مقيدة لقاعدة الطهارة، لعدم كونها من سنخها مفادا. وان كان مفاد الجملة المذكورة حكما ظاهريا، بلحاظ حال الشك في هوية الدم امكن ان تكون مقيدة لاطلاق القاعدة. ومقتضى طبع كل دليل لم يؤخذ في موضوعه الشك هو الحمل على الحكم الواقعي، وحيث لم يؤخذ الشك في هوية الدم في الجملة المذكورة فظاهرها الاولي الحكم الواقعي فلابد من ابراز قرينة صارفة عن ذلك، وما يدعى كونه كذلك في المقام انها لو حملت على الحكم الواقعي لزم تقييدها بخصوص الدم النجس، وهذا وان لم يكن تقييدا بفرد نادر ولكن احراز ذلك نادر، فيلزم كون الحكم المفاد في الجملة غير عملي ولا مؤثرا فعلا لان موضوعه المتحصل بعد التقييد مشكوك ومؤمن عنه غالبا. وهذا خلاف ظهور الكلام في اتجاهه الى افادة الوظيفة الفعلية فلابد إذن إما من حمل مفاده على الحكم الظاهري ابتداءا، أو ابقائه على افادة الواقع مع إفادة حكم ظاهري بالاجتناب عند الشك التزاما، حفاظا على الظهور في الوظيفة الفعلية. وعلى اي حال يثبت المقيد لقاعدة الطهارة. ويرد عليه: اولا: ان الشك في كون الدم المرئي على المنقار من النجس أو الطاهر، تارة: للشك في كونه دما متخلفا من حيوان مذكى أو غيره، واخرى: للشك في كونه لذي نفس سائلة أو لغيره. وفي الشك الاول لا تجري قاعدة الطهارة بقطع النظر عن الموثقة، حيث يرجع الى الشك في تذكية الحيوان الذي نهش فيه الطير، فيجري استصحاب عدم التذكية بناءا على ان الطاهر هو الدم المتخلف في الحيوان المذكى بهذا العنوان، فبأستصحاب عدم تذكية الحيوان ينفى كون الدم من الطاهر


 

[ 55 ]

وينقح به موضوع النجاسة. واما في الشك الثاني، فالرجوع الى قاعدة الطهارة في نفسها مبني على تشخيص ان موضوع النجاسة هل هو أمر وجودي، أي كونه دما لذي نفس سائلة، أو أمر مطلق وخرجت منه عناوين وجودية كالبق والسمك ونحوها؟. فعلى الاول تكون الاصول مؤمنة بقطع النظر عن موثقة عمار، وعلى الثاني يجري استصحاب عدم كون الدم من تلك العناوين الوجودية الخارجة فثبتت النجاسة. وثانيا: ان الحمل على الحكم الواقعي هو مقتضى الظهور الاولي. وما ادعي قرينة صارفة من لزوم وروده عمليا بلحاظ الفرد النادر مدفوع بان حصول الاطمئنان بان الدم الذي على منقار الصقر من القسم النجس ليس امرا غريبا، لوضوح ان الصقر ليس طائرا اهليا، فهو يعيش في اجواء غير سكنية عادة، وفي مثلها لا يتواجد اللحم المذكى المطروح لنهش الطيور. كما ان بيئة الواقعة إذا كانت بيئة صحراوية بعيدة عن البحر كما في كثير من المواضع فبالأمكان ان يحصل الوثوق بأن هذا الصقر لا يتيسر له سمك أو حوت. فالظروف إذن كثيرا ما تبعث على الاطمئنان بأن الدم من القسم النجس، فلا محذور في الحمل على الحكم الواقعي. وثالثا: إنا لو سلمنا ندرة حصول الاطمئنان بان الدم من القسم النجس فلا ضرر في ذلك، إذا لم يكن المقصود من قوله: " فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب " بيان حكم آخر " بل تأكيد نفس ما تقدم من عدم الاجتناب بحصر غايته بأن يرى الدم على منقار الطير فان هذا بنفسه اسلوب عرفي للتأكيد على الاطلاق في المستثنى منه. وهو نظير ما وقع في فقرة أخرى من الرواية بالنسبة إلى حكم الدجاجة، إذ رخص في سؤرها مع عدم العلم بالقذر ومنع معه إذ قال ان كان في منقارها قذر


 

[ 56 ]

فلا تتوضأ منه ولا تشرب منه وان لم تعلم ان في منقارها قذرا توضأ منه واشرب والقذر هو النجس، فليس الامام (ع) في هذه الفقرة بصدد بيان النجاسة الظاهرية، بل في مقام بيان ان الطهارة لا يرفع اليد عنها إلا بالعلم بالقذر تأكيدا على شمولها ورحابة صدرها. الثانية: في توهم منافاتها لدليل الاستصحاب بالبيان المتقدم وتقريبه اما بدعوى: كونها معارضة لدليل الاستصحاب بالعموم من وجه، لشمولها لصورة العلم بالدم سابقا مع الشك في زواله. وإما بدعوى: كونها بحكم الاخص منه، لأن الغالب هو العلم عادة بتلوث منقار الصقر ونحوه في وقت متقدم. أما الدعوى الاولى فيرد عليها: انه لو سلم التعارض كذلك فدليل الاستصحاب مقدم في مادة الاجتماع، إما لكونه بالعموم بلحاظ كلمة ابدا والعام مقدم على المطلق ولو للاظهرية. وإما لكونه اصلا موضوعيا متضمنا للعلم تعبدا ببقاء الدم، فيدخل بالحكومة تحت الجملة الثانية القائلة " فان رأيت في منقاره دما "، بعد استظهار ان الرؤية مأخوذة بأعتبار الكاشفية وكونها مساوقة للعلم بوجود الدم، واستصحاب بقائه علم تعبدي بوجوده فعلا. وأما الدعوى الثانية فيرد عليها: ان وجود الدم على المنقار سابقا وان كان معلوما في الجملة ولكن عدمه سابقا معلوم في الجملة ايضا، إذ من الواضح ان منقار الطير لا يكون ملوثا بالدم دائما فيكون من توارد الحالتين، ويتعارض الاستصحابان. هذا كله لو بني على ان الاستصحاب في نفسه يجري بقطع النظر عن الموثقة المعارضة. ولكن قد يستشكل في جريانه: إما بناءا على ان بدن الحيوان لا يتنجس بالنجاسة العرضية في حال وجود العين، فلتعذر اجراء الاستصحاب في النجاسة العينية والنجاسة الحكمية. أما في الاولى فلان ابقاء الدم استصحابا لا يثبت ملاقاة الماء للدم إلا بالملازمة، وأما في الثانية فلعدم الحالة السابقة


 

[ 57 ]

بحسب الفرض. واما بناءا على ان بدن الحيوان يتنجس بالنجاسة الحكمية ما دامت العين موجودة، فقد يقال: بأجراء الاستصحاب في النجاسة الحكمية، ويترتب على ذلك نجاسة الماء، لأنه ملاق للمنقار بالوجدان وهو نجس بالاستصحاب فينجس الماء. ولكن يشكل ذلك تارة: في خصوص الماء المطلق بناءا على المختار من عدم انفعاله بملاقاة المتنجس، فان الاستصحاب المذكور لا ينقح موضوع الانفعال فيه حينئذ. واخرى: مطلقا حتى بناءا على ان المتنجس ينجس، وذلك للعلم بان المنقار في المقام غير منجس بما هو متنجس، لأن الدم ان كان باقيا فهو اسبق ملاقاة وتنجيسا للماء والمتنجس لا يتنجس، وان لم يكن باقيا فلا نجاسة حكمية اصلا. وقد يدفع هذا الاشكال: بان مقتضى اطلاق دليل السراية ان الوجود الثاني للملاقاة منجس كالوجود الاول، ولا يلزم من ذلك تعدد التطهير والغسل الواجب، لأن إصالة عدم التداخل انما تجري في الاوامر المولوية لا الاوامر الارشادية الى النجاسة، لوضوح ان تعدد الارشاد الى النجاسة لا يستوجب تعدد النجاسة المرشد إليها على ما أو ضحناه اكثر من مرة. وانما لا يلتزم بالاطلاق المذكور في دليل السراية للغوية بعد معلومية وحدة الغسل، وهذا انما يتم فيها إذا لم يكن للمتنجس الثاني أثر عملي كما في المقام، حيث يمكن بلحاظه اثبات النجاسة بالاستصحاب. غير ان دفع اللغوية بمثل هذا الأثر قد لا يكون في محله، لان المقصود بها اللغوية لا العقلية، واللغوية العرفية لا تندفع إلا بأثر عرفي مصحح في مرتكزات العرف للجعل المذكور، وليس الاثر العملي المقصود في المقام من هذا القبيل. على انه لو سلم الدليل على تنجيس المتنجس


 

[ 58 ]

فيشكل اطلاقه - حتى بقطع النظر عن اللغوية - للوجود الثاني من الملاقاة، كما يظهر بالتتبع. واما المورد الثاني للاستثناء فهو البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء، إذ يحكم عليه بالنجاسة - كما يحكم بالناقضية - على خلاف اطلاق قاعدة الطهارة، لروايات خاصة (1). وتحقيق حال هذه الروايات دلالة وسندا موكول الى محله، وانما نتكلم الآن بعد الفراغ عن تماميتها في امكان اثبات النجاسة بها في مقابل قاعدة الطهارة. وقد ذهب صاحب الحدائق قدس سره - خلافا للمشهور - الى قصور روايات الاستبراء عن اثبات النجاسة الخبثية، واختصاصها بأثبات الناقضية وهذا الاتجاه بالامكان تقريبه بأحد نحوين: الاول: ان يقال بقصور المقتضي في دلالتها، لأن مفادها التعبد بالنقض، ولا ملازمة بينه وبين التعبد بالنجاسة في مرحلة الحكم الظاهري. والثاني: ان يقال - بعد تسليم دلالتها بالاطلاق على التعبد بالنجاسة أيضا - ان هذه الروايات معارضة لكل من دليل الاستصحاب وقاعدة الطهارة، غير انها اخص من دليل الاستصحاب لانها منافية له بتمام مدلولها واما مع القاعدة فالنسبة بينهما العموم من وجه، لأن القاعدة تثبت الطهارة ولا تنفى النقض ظاهرا، وروايات الاستبراء تنفي الطهارة في البلل المشتبه ولا تتعرض لحال مشتبه آخر. وعليه فاما ان يقدم دليل القاعدة لكونه بالعموم ودلالة الروايات على النجاسة باطلاق التنزيل، واما ان يتساقطا في مادة الاجتماع ويرجع الى اصول مؤمنة أخرى ادنى مرتبة. اما الاتجاه الاول فقد يجاب بعدة وجوه:


 
(1) لاحظ وسائل الشيعة باب 13 من ابواب نواقض الوضوء وباب 11 من ابواب احكام الخلوة.

 

[ 59 ]

اولها: ما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - من ان هذه الروايات دلت على ناقضية البلل المشتبه للوضوء، وقد ثبت بالادلة القاطعة ان الناقض للوضوء من البلل منحصر بالبول، فتدل هذه الروايات على ان البلل المشتبه بول فتثبت النجاسة الخبثية (1). وهذا البيان بظاهره غريب ما لم يؤول على ما يأتي، وذلك لان هذين الدليلين ليسا في مرتبة واحدة لكي يجمع بينهما بالنحو المذكور ويضم أحدهما الى الآخر في قياس فقهي، فان أدلة حصر النواقض بالبول مفادها الحكم الواقعي، وروايات البلل المشتبه تنظر الى الحكم الظاهري المضروب كقاعدة في موارد الشك في ناقضية البلل، فلا يلزم من ثبوت هذه الناقضية ظاهرا - مع عدم ثبوت البولية - ما ينافي أدلة حصر النواقض واقعا بالبول لان الحصر الواقعي لا ينثلم إلا بجعل ناقض آخر واقعي كما هو واضح. ثانيها: إن في روايات الاستبراء ما يتعرض للنجاسة الخبثية. ففي موثقة سماعة قال: " سألته عن الرجل يجنب ثم يغتسل قبل أن يبول فيجد بللا بعدما يغتسل. قال: يعيد الغسل، فان كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي " (2). وتقريب الاستدلال: ان هذه الرواية تأمر بالاستنجاء من البلل المشتبه، وهو ارشاد الى الحكم بنجاسته ظاهرا. وقد يناقش في ذلك بان الرواية واردة في بلل مشتبه يحتمل كونه منيا، ولهذا أمر بالغسل منه إذا صدر قبل البول. والبلل المحتمل لكونه منيا تارة: يكون مرددا بين المني والبول، وأخرى: يتردد بنحو يحتمل فيه غير البول والمني معا. والامر بالاستنجاء يشمل كلتا هاتين الصورتين،


 
(1) التنقيح الجزء الثالث ص 435. (2) الوسائل باب 36 من أبواب الجنابة حديث 8.

 

[ 60 ]

وهو انما يعارض قاعدة الطهارة بلحاظ اطلاقه للصورة الثانية " لأن النجاسة في الصورة الأولى معلومة، فيكون التعارض بنحو العموم من وجه مع دليل قاعدة الطهارة. وسيأتي علاج ذلك في مناقشة الاتجاه الثاني. ثالثها: - وهو تطوير أو تأويل للتقريب الاول الذي نقلناه عن السيد الاستاذ - دام ظله - وحاصله: ان مفاد روايات الأستبراء وان كان هو النقض الحدثي، والتعبد بالحدث لا يلزم منه التعبد بالنجاسة أو البولية - فما أكثر التفكيك بين المتلازمات في مؤديات الاصول، ولهذا لا يثبت بأصالة الحل في المائع المردد بين الخمر والخل خليته - غير ان هذا المعنى ينبغي التفصيل فيه بين ما إذا كان الدليل على الحكم الظاهري عاما كأصالة الحل، وما إذا كان رواية في موضع خاص وبلحاظ أثر خاص. ففي الأول لا يكون للدليل نظر الى موضوع حكم بالخصوص، فيثبت به الحكم الظاهري ولا يثبت به تعبدا موضوع الحكم الواقعي المماثل لذلك الحكم الظاهري لان التعبد يستكشف بقدر إفادة الدليل له. وفي الثاني لما كان دليل الحكم الظاهري مسوقا بلحاظ تنجيز حكم واقعي معين وهو النقض واثباته تعبدا، فبضم أرتكاز كون البول موضوعا لهذا الحكم واقعا وارتباط الحكم بالأنتقاض به شرعا، يكون لدليل التعبد بالنقض ظهور عرفي ولو إلتزاما في التعبد بالموضوع وأثبات البولية ظاهرا. وعلى هذا فالمقتضى أثباتا لاستفادة النجاسة من روايات الاستبراء تام. يبقى علينا بحث الاتجاه الثاني القائل بايقاع المعارضة بين اطلاقها واطلاق القاعدة. ويمكن دفع ذلك. تارة: بتقديم مفاد روايات الأستبراء لكونه بمثابة الأصل الموضوعي لانه يتكفل بالتعبد بالبولية، إما بلحاظ الوجه الثالث المتقدم في دفع الاتجاه الاول، وإما بلحاظ التعبير بالاستنجاء في موثقة سماعة المخصوص بمورد


 

[ 61 ]

(مسألة 3) الاقوى طهارة غسالة الحمام وان ظن نجاستها (1) لكن الاحوط الاجتناب عنها. غسل البول بأعتبار ملازمته الغالبية للنجو، فالأمر بالاستنجاء يتكفل التعبد بالبولية. واخرى: بتقديمها لا ستظهار الا مارية بمناسبات الحكم والموضوع، وكون الحكم بناقضية البلل المشتبه بلحاظ جعل العادة كاشفة عن تخلف شئ في المجرى وخروجه بعد ذلك. والتبعيض في الا مارية بين النقض والنجاسة غير عرفي، لان نسبة الكاشفية الى الاثرين على نحو واحد، ولا يفهم العرف فرقا بين الاثرين من هذه الناحية. اللهم إلا زيادة اهتمام الشارع بأحدهما دون الآخر، على نحو يحكم الكاشف الظني على الاصول المؤمنة من ناحية النقض لا على الاصول المؤمنة من ناحية النجاسة. وثالثة: بتقديم الاطلاق في موثقة سماعة، لان حملها على خصوص مورد العلم بكون الخارج بولا أو منيا حمل على فرد نادر، فتكون بحكم الاخص من دليل قاعدة الطهارة. (1) وذلك عملا باطلاق قاعدة الطهارة غير انه قد يدعى وجود المقيد في الروايات الخاصة. وقد يدعى في مقابل ذلك ان المقيد مبتلى بالمعارض فيرجع على فرض التكافؤ الى اطلاق القاعدة. فهنا جهتان من البحث: الجهة الاولى: في الروايات المدعى كونها مقيدة وهي عديدة: منها: - رواية حمزة بن احمد عن أبي الحسن الاول (ع) قال: " سألته - أو سأله غيري - عن الحمام. قال: ادخله بميزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم " (1).


 
الوسائل باب 11 من ابواب الماء المضاف حديث 1.

 

[ 62 ]

والاستدلال بها يتوقف على أمرين احدهما: ان يستظهر كون الملحوظ حيثية النجاسة لا حيثية كون الماء من الماء المستعمل، ولو بقرينة عطف الناصب وولد الزنا على الجنب. والآخر: ان يستظهر كون الملحوظ معرضية الماء لسؤر هؤلاء الموجب للشك، لا كونه سؤرا بالفعل على أي حال، وإلا فقد يدخل في معلوم النجاسة ولا ينفع للمستدل. والرواية ساقطة سندا لعدم ثبوت وثاقة الراوي. ومنها: مرسلة علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن (ع) (في حديث) "... انه قال لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم " (1) وتقريب الأستدلال بها كما تقدم، وسندها ساقط بالارسال. ومنها: - معتبرة عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) "... قال: وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت فهو شرهم فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وإن الناصب لنا اهل البيت لا نجس منه " (2). وتقريب الاستدلال بها كما تقدم. ومنها: - رواية أخرى في طريقها ارسال تنتهي الى ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع): " قال لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام فان فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر الى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب وهو شرهما إن الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب... " (3).


 
(1) نفس المصدر السابق حديث 3. (2) نفس المصدر السابق حديث 5. (3) نفس المصدر السابق حديث 4.

 

[ 63 ]

وهناك رواية أخرى وهي معتبرة محمد بن مسلم عن احدهما (ع): " قال: سألته عن ماء الحمام فقال: أدخله بأزار ولا تغتسل من ماء آخر إلا ان يكون فيهم (فيه خ ل) جنب، أو يكثر أهله فلا يدري فيهم جنب أم لا " (1). وقد تقدم الكلام عنها في بحث الماء المستعمل من هذا الشرح (2)، وان المستظهر منها ارادة ماء الحياض الصغار من ماء الحمام، وعليه تكون خارجة عن محل الكلام، وهو غسالة الحمام أي المياه التي تتجمع في الحفرة نتيجة ما ينفق من ماء الحياض الصغار. ولو سلم ورودها في محل الكلام فلا دلالة فيها على النجاسة، لان عدم جواز الاغتسال كما يناسب ذلك كذلك يناسب افتراض مجذور في الماء المستعمل. ومرد الفرق بين هذه الرواية والروايات السابقة من هذه الناحية الى أقتصارها على ذكر الجنب على نحو لا يتم الامر الاول من الامرين المشار اليهما في تقريب الاستدلال. واما الروايات السابقة فالاستدلال بها على تخصيص قاعدة الطهارة غير تام " من ناحية ان كلمة الشريه المأخوذة في تلك الروايات ظاهرة في الحزازة المعنوية لانها مقابلة للخير، على عكس النجاسة المقابلة للنظافة فأنها ظاهرة في الحزازة المادية، وهذا على الاقل يوجب اجمالا في الروايات