العودة الى مكتبة
المرتضى
شرح العروة
الوثقى
السيد محمد باقر
الصدر ج 1
[ 1 ]
محمد باقر الصدر بحوث في شرح العروة الوثقى الجزء الاول الطبعة
الاولى مطبعة الاداب - النجف الاشرف 1391 ه - 1971 م بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على الرسول الاعظم وآله الطاهرين حماة الشريعة الخاتمة وقادة
البشرية الصالحة. وبعد: فان هذا الجزء من هذا الكتاب يعبر في بحوثه عن ممارسة علمية
لفترة زمنية بدأت يوم الاربعاء العاشر من شهر جمادي الثانية عام ألف وثلاثمائة وخمس
وثمانين تناولت عددا من مسائل المياه من العروة الوثقى بالشرح والاستدلال بأساليب
البحث العلمي السائد وبنفس صيغة التي تعارف عليها علماؤنا الابراء انسجاما مع
الظروف التدريسية العامة. وواضح لدي - وأنا الاحظ بحوث هذا الكتاب - ان المنهج
بحاجة إلى تطوير أساسي يعطي للبحث الفقهي ابعاده الكاملة، كما أن عبارة الكتاب بحكم
أنها لم تعد لغرض التأليف وانما تمت صياغتها وفق متطلبات الموقف التدريسي، تتسم
بقدر كبير من استهداف التوضيح والتوسع في الشرح، وبهذا فقدت جانب الاختزال والتركيز
اللفظي الذي يميز الكتاب الفقهي عادة. وهذه النقاط إن كان لابد من الاعتراف بها
فالمبرور لها هو ان الكتاب يمثل - كما ذكرنا - ممارسة تدريسية قد خضعت لنفس الاعراف
المتبعة في مجال التدريس السائد من ناحية المنهج ولغة البحث والتوسع في الشرح
والتوضيح واتجهت إلى تعميق المحتوى والمضمون كلما اتيح لها ذلك تاركة تطوير المنهج
ولغة البحث إلى حين تتوفر الظروف الموضوعية التي يتطلبها ذلك، وحافظت
[ 2 ]
على نفس العبارة التي استعملت خلال تلك الممارسة عن طريق
تسجيلها - مع شئ من التغيير والتهذيب -. ولئن فات هذا الكتاب أن يبرز بالعبائر
المضغوطة التي تستوعب المعنى بأصغر حجم لفظي ممكن، فقد استطاع أن يوفر بدلا عن ذلك
درجة كافية من الوضوح لما عبر عنه من أنظار ومباني. وآخر دعوانا أن الحمد الله رب
العالمين محمد باقر الصدر
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على محمد
وآله المعصومين وبعد: فقد كان من توفيقات الله سبحانه وتعالى ومننه علي ما شرفني به
سيدي المفدى واستاذي الكبير - دامت ظلاله الوارفة - من خدمة هذا السفر الفقهي
الجليل، حيث أولاني سماحته شرف القيام بتحقيقه وتخريج أحاديثه ومصادر الروايات التي
يشار إليها في مجال البحث والاستدلال دونما تعرض لتفاصيلها، وتفصيل بعض المباني
الاصولية التي أفادها سماحته في ابحاثه في علم الاصول، والتي اكتفى في متن الكتاب
بالاشارة إليها على سبيل الاجاز، فكان من الجديران تشرح تلكم المباني في الحدود
التي تتناسب مع المقام وتسنح بها الفرص. ومن الله نستمد العون إنه ولي التوفيق.
محمود الهاشمي
[ 5 ]
كتاب الطهارة
[ 7 ]
الماء المطلق والمضاف (تعريف الماء المطلق والمضاف. طهارة الماء
المطلق ومطهريته. طهارة الماء المضاف. عدم مطهريته من الحدث والخبث. إنفعاله
بملاقاة النجاسة. صور الشك في الاطلاق والاضافة. فروع وتطبيقات).
[ 9 ]
[ فصل (في المياه) الماء إما مطلق أو مضاف (1) كالمعتصر من
الاجسام أو الممتزج بغيره مما يخرج عن صدق اسم الماء. ] (1) قسم المصنف - قدس سره -
تبعا للفقهاء في بحث المياه عنوان الماء إلى قسمين: مطلق ومضاف. حديث ان كلمة (إما)
هنا للتقسيم وليست للترديد، ولهذا لابد من فرض قدر جامع يكون مقسما وجامعا بين
المطلق والمضاف ليحصص إلى هاتين الحصتين. ومن هنا توهم في المقام أن لفظ الماء
بنفسه موضوع لمعنى شامل للماء المطلق والمضاف، واستدل على ذلك بنفس صحة التقسيم،
بدعوى أنها تكشف عن أن لفظ (الماء) يدل على سنخ معنى قابل للانقسام إلى هاتيم
الحصتين، وهو مساوق مع فرض كونه موضوعا للجامع، فيكون اطلاق لفظ (الماء) على ماء
الرمان اطلاقا حقيقا. وهذا الاستدلال سنخ ما وقع في علم الاصول من الاستدلال في عدة
موارد على عمومية المعنى بصحة التقسيم، فقد استدل بصحة تقسيم الامر إلى الوجوب
والاستحباب على انه موضوع للاعم، واستدل الاعمي في بحث الصحيح والاعم بصحة تقسيم
الصلاة إلى الصحيحة والفاسدة على وضعها للاعم.. وهكذا. وفي مقابل ذلك: ذهب المشهور
إلى ان لفظ (الماء) موضوع لخصوص المطلق، وأن إلاقه على الماء المضاف مجاز، ولهذا
يحتاج في مقام استعماله في الماء المضاف إلى قرينة، وهي اضافة الماء إلى ما بين
المقصود
[ 10 ]
ففي قولنا (ماء الرمان) تكون كلمة الرمان هي القرينة على التجوز،
ككلمة (يرمي) بالنسبة إلى (الاسد). وهناك وجه ثالث يتراءى من بعض كلمات السيد
الاستاذ - دام ظله - (1) وحاصله هو: أن كلمة (ماء الرمان) مثلا هي بنفسها موضوعة
لهذه الحصة من المائع المعتصر من حبات الرمان، فاستعمال كلمة الماء في قولنا (ماء
الرمان) في هذا المائع المعتصر يكون استعمالا حقيقيا لانها موضوعة له، غاية الامر
إنها موضوعة على وجه التقييد. فالفرق بين المضاف والمطلق - مع أن لفظة الماء موضوعة
لكل منهما - هو أن لفظة (الماء) بلا قيد موضوعة للمطلق) ومع قيد الرمان موضوعة لهذا
المائع المخصوص. فهذه وجوه ثلاثة، يتلخص أولها في تخيل دلالة التقسيم على ان لفظ
الماء موضوع للمعنى الجامع بين المضاف والمطلق، بحيث يكون إطلاق لفظ الماء على
المضاف حقيقيا. ويتلخص ثانيها في أن المطلق معنى حقيقي والمضاف معنى مجازي، ويحتاج
استعمال اللفظ فيه إلى نصب قرينة. والوجه الثالث كأنه متوسط بين الوجهين، وهو أن
لفظة الماء حقيقة في كل من المطلق والمضاف، لا أنه مجاز في المضاف كما هو الحال على
الوجه الثاني، ولكنها لا تكون حقيقة في كل منهما بلا قيد كما هو على الوجه الاول،
بل هي بلا قيد موضوعة للمطلق ومع قيد الرمان مثلا موضوعة للمقيد. وكل هذه الوجوه
محل نظر في المقام: أما الوجه الاول، فيرد عليه: أن صحة التقسيم متفرعة على أن
المعنى الذي استعمل فيه لفظ المقسم من جملة التقسيم عام، وليست متفرعة على عموم
المعنى الموضوع له. وكون المعنى المستعمل فيه اللفظ عاما أحيانا
(1) التنقيح الجزء الاول ص 7
[ 11 ]
لا يثبت عموم المعنى الموضوع له، لان الاستعمال أعم من الحقيقة.
وتصوير معنى جامع يستعمل فيه لفظ الماء عند تقسيمه إلى المطلق والمضاف لا ينافي كون
احدهما حقيقيا والاخر مجازيا، إذ يمكن أن يتم ذلك إما بتقريب انتزاع عنوان جامع في
طول المعنى المجاري، كعنوان ما يطلق عليه اللفظ ويقسم إلى المطلق والمضاف. وإما
بتقريب: أن يكون الجامع معنى مجازيا في عرض المعنى المجازي الذي يراد تقسيم الجامع
إليه، بأن يؤخذ عنوان المائع مثلا، لكن لا يعرضه العريض، بل بنحو من التضييق،
فنستعمل لفظة الماء في طبيعي المائع المحدد ويقسم إلى المطلق والمضاف. وأما الوجه
الثاني الذي ذهب إليه المشهور، فحاصله كما عرفنا: أن لفظ الماء له معنيات: حقيقي
وهو الماء المطلق، ومجازي وهو الماء المضاف وفي استعمال لفظ الماء في الماء المضاف
نحتاج إلى ذكر المضاف إليه ليكون قرينة على الاستعمال المجازي. وهذا الكلام بحاجة
إلى تدقيق وتوسيع. وتوضيح ذلك: أنه في باب استعمال اللفظ في غير المعنى الموضوع له
مجازا يكون مقوم المجازية هو المشابهة التي تصحح الاستعمال المجازي ثبوتا وهذه
المشابهة تارة تكون قائمة بين المعنى الحقيقي للفظ ومعنى آخر مستقيل من نفسه، من
قبيل أن نستعمل كلمة (القلب) في الصورة الرسومة على الورقة باعتبار وجود مشابة بين
هذه الصورة وقلب الانسان. وهذا الاستعمال يكون صحيحا، سواء أقيمت قريمة على ذلك
أولا، فان صحة الاستعمال المحازي متقومة بالمشابهة، وهي موجودة في المقام، فلا
يستهجن هذا الاستعمال. غاية الامر انه في عدم قيام القرينة لا يفهم المطلب لمن لا
يكون ملتفتا إلى النكات، لانه يجري أصالة الحقيقة ويتخيل أن اللفظ استعمل في معناه
الحقيقي، ولكن الافهام وعدم الافهام شئ وكون الاستعمال المجاري في نفسه صحيحا شئ
آخر. هذا نحو من المجاز.
[ 12 ]
وأخرى، يكون التجوز بصورة اخرى، إذ قد نفرض أننا نستعمل كلمة
(القلب) مجازا في شئ لز خلينا نحن وهو فلا شباهة بينه وبين قلب الانسان اصلا، وإنما
الشباهة باعتبار الاضافة، كما نقول مثلا: (الصحن الشريف هو قلب النجف الاشرف). فنحن
إذا لاحظنا الصحن الشريف بما هو لانجد أي شباهة بينه وبين قلب الانسان كتلك الشباهة
التى كنا نجدها بين قلب الانسان والصورة المرسومة له على الورق. ففي هذه الحالة لو
أردنا أن نستعمل كلمة (القلب) في الصحن الشريف من دون إضافة كان الاستعمال غلطا ولا
يكون صحيحا لا حقيقة ولا مجازا، لعدم المشابهة بينهما، وانما يصبح الاستعمال بهذه
الصورة صحيحا إذا استعملت كلمة (القلب) مضافة إلى كلمة (البلد) فيقال مثلا: (الصحن
قلب البلد)، فحينئذ يكون هذا الاستعمال مجازيا صحيحا. والنكتة في ذلك هي: أن
المشابهة هنا قائمة بالاضافة لا بذات المضاف بما هو، ففي قولنا: (الصحن قلب البلد)
استعملنا كلمة (قلب) في شئ تكون نسبته إلى البلد كنسبة القلب إلى بدن الانسان،
فالمشابهة هنا بين النسبتين لابين ذات المعنيين المضافين بما هما معنيان اسميان
قائمان بأنفسهما. فبهذا نعرف: أن المجازية تحتاج دائما إلى المشابهة التي هي المصحح
الثبوتي للتجوز، وهذه المشابهة تارة تكون قائمة بمعنى نفسي بحد ذاته، وأخرى تكون
قائمة بالاضافة. فنحتاج في مقام تصحيح الاستعمال المجازي إلى الاضافة، فالاضافة في
قولنا (قلب البلد) ليس من قبيل كلمة يرمى في قولنا (اسد يرمى)، فان كلمة يرمى ليست
مقومة لصحة الاستعمال المجازي لكلمة اسد في الرجل الشجاع، بل هي قرينة على التجوز
في مقام التفهيم، فلو لم تكن هذه الكلمة واسعمل لفظ الاسد في الرجل الشجاع بدونها
لكان استعمالا مجاريا صحيحا، غاية الامر أن المتكلم لم يفهم مقصوده. وأما
[ 13 ]
لو استعملت كلمة (القلب) في الصحن دون أن تلحظ الاضافة كان
استعمالا غير صحيح، لان المصحح للاستعمال المجازي هو المشابهة قائمة بالاضافة الصحن
إلى البلد لا توجد مشابهة مصححة للاستعمال المجازي. فإذا استطعنا أن نفرق بين هذين
النحوين من المجازية نقول: إن كل ما نطلق عليه اسم الماء المضاف فهو مجاز بالنحو
الثاني، بمعنى أنه واجد لملاك النحو الثاني من التجور، وهو المشابهة بين الاضافتين.
وقد يكون اضافة إلى ذلك واجدا لملاك النحو الاول من التجوز، وهو المشابهة بين ذات
الشيئين، وقد لا يكون واجدا لملاك النحو الاول اصلا، ففي قولنا (ماء الرمان) و (ماء
الذهب) و (ماء الوجه) و (ماء الورد) يكون استعمال لفظ الماء مجازيا على أساس
المشابهة بين اضافتين، فماء الرمان أو ماء الذهب يعني شيئا نسبته إلى الرمان أو إلى
الذهب من حيث أن له ذوبانا كنسبة ماء العين إلى العين، فهو من قبيل استعمال البلد
وارادة الصحن به. وكلمة الرمان أو الذهب ليست مجرد قرينة على التجوز في مقام
التفهيم ككلمة يرمي، بل هي مقومة للملاك المصحح للتجوز في هذه الاستعمالات وهو
المشابهة بين الاضافتين والنسبتين، فبدون ذكر المضاف إليه لا يكون محط المشابهة
ملحوظا. وأما المشابهة بين ذات الشيئين فهذا كثيرا ما لا يكون متحققا، كما في (ماء
الذهب) و (ماء الفضة) و (ماء الوجه) ونحو ذلك، ولهذا نجد أن استعمال كلمة الماء
بدون اضافته إلى الذهب أو الوجه وارادة ماء الذهب وماء الفضة وماء الوجه منها ليس
استعمالا صحيحا أصلا ولو نصب المستعمل قرينة على مراده، لان المشابهة قائمة بين
الاضافنين لابين الذاتين.
[ 14 ]
نعم في بعض أقسام المياه المضافة زائدا على المشابهة القائمة
بين الاضافتين توجد مشابهة أخرى قائمة بنفس الذات بلا اضافة من قبيل ماء الرمان،
فيصح عرفا إطلاق لفظ الماء عليه بلا قيد على سبيل التجوز، فيقال عنه (ماء) بلحاظ
المشابهة في الميعان والصفات بينه وبين الماء المطلق بينما لا يصح ولو مجازا إطلاق
لفظ الماء من دون لحاظ الاضافة على ما انحصرت المشابهة فيه بالمشابهة في الاضافة.
كما انه بالنسبة إلى بعض أقسام الماء المجازي قد يكون التجوز بلحاظ المشابهة في
نفسه، بحيث يكون مركزها نفس الذات لا الاضافة، فلا تصح فيه الاضافة. وذلك كما في
الماء المخلوط بمقدار من التراب بحيث يخرجه عن صدق اسم الماء المطلق عليه، فانه لا
يصح أن يقال له (ماء التراب) وأن كان اطلاق لفظ الماء عليه مجازا صحيحا بدون اضافة،
لا المشابهة المصححة للتجوز هنا بين الذاتين لابين الاضافتين. وبهذا ظهر أن الماء
المجازي له ملا كان، ولكل، ولكن منهما مركز غير مركز الاخر، والنسبة بينهما هي
العموم من وجه. فأحد الملاكين هو المشابهة القائمة بين النسبتين والاضافتين، وتكون
اضافة كلمة الماء إلى المعتصر منه والمأخوذ منه مصححة للاستعمال المجازي ثبوتا،
لاأنها مجرد قرينة كاشفة اثباتا. والملاك الاخر هو المشابهة بين الذاتين، من دون أن
يكون للاضافة دخل في تتميم هذه المشابهة، وانما هي مجرد قرينة على المقصود. ويجتمع
الملاكان في مثل (ماء الرمان) و (ماء الورد)، ويفترق الملاك الاول في مثل (ماء
الذهب) و (ماء الوجه)، ويفرق الملاك الثاني في مثل الماء المخلوط بمقدار من التراب.
وكل ما نطلق عليه اسم الماء المضاف ونستتعمل لفظ الماء فيه مضافا إلى مصدر المأخوذ
منه فهو جار وفق الملاك الاول، وكل ما يصح أن
[ 15 ]
نطلق عليه لفظ الماء المجرد عن الاضافة على سبيل التجوز فهو جار
وفق الملاك الثاني، وما كان جاريا وفق الملاك الاول كثيرا مالا يصح اطلاق اسم الماء
المجرد عليه ولو على سبيل التجوز فضلا عن أن يكون إطلاقا حقيقيا. وعلى هذا الاساس
نعرف أن المقصود من الماء المضاف الذي يقع الكلام فقيها في شمول بعض أحكام الماء
المطلق له وعدم الشمول ليس ما يصح اطلاق لفظ الماء عليه مع الاضافة، إذ قد يصح
اطلاق لفظ الماء مع الاضافة على شئ مع عدم وجود أي مشابعة نفسية بينه وبين الماء
المطلق ومثل هذا لا معنى للتكلم عن إسراء أحكام الماء المطلق إليه. بل المقصود من
قسم الماء المطلق الذي يقع الكلام فيه فقهيا ما يصح إطلاق لفظ الماء مجارا عليه بلا
اضافة، بحيث تكون الاضافة مجرد قرينة على المعنى المجاري لامقومة لملاك التجوز،
فيشمل الماء المخلوط بالتراب، فانه يصح إطلاق لفظ الماء المجرد عليه الماء المضاف،
فلا يقال (ماء التراب) ولا يشمل (ماء الذهب) مثلا، لانه لا يصح إطلاق لفظ الماء
المجرد عليه ولو مجازا، بالرغم من كونه ماء مضافا، بمعنى صحة اطلاق لفظ الماء عليه
مع الاضافة. فالنسبة بين الماء المقابل للماء المطلق الذي يقع الكلام فقهيا في شمول
أحكام المطلق له، وبين الماء المضاف هي العموم من وجه، واضافة كلمة الماء إلى
المصدر المأخوذ منه الشئ هي في استعمالات المجازي وتصحيحه ثبوتا وليست مجرد قرينة
عليه اثباتا، كما هو الحال في كلمة (يرمى) في قولنا: (رأيت اسدا يرمى).. أما الوجه
الثالث: وحاصله أن اطلاق لفظ (الماء) على ماء الرمان أن كان بلا إضافة إلى الرمان
فهو مجاز، وإذا كان معها فهو اطلاق حقيقي، لان كلمة (الماء) بما هي مضافة تدل حقيقة
على ماء الرمان، فان أريد
[ 16 ]
بهذا دعوى كبرى كلية في باب المجاز والحقيقة، وهي أن كل لفظ له
وضع لمعناه المجازي ولكنه وضع نوعي، وبذلك يختلف عن المعنى الحقيقي. فالكلام في ذلك
كبرويا موكول إلى بحث تصوير الحقيقة والمجاز كلية، وقد حققنا في علم الاصول عدم
احتياج المجاز إلى الاوضاع النوعية. وأن اريد بيان مطلب يختص بالمقام - بعد
الاعتراف بأن التجوز كلية لا يحتاج إلى الوضع، فيرد عليه: أن هذا لا يستقيم على
المباني المشهورة في باب الوضع، إذ يكون وضع كلمة (الماة) المضافة إلى الرمان بما
هي مضافة لماء الرمان لغوا، لانه إن أريد بهذا الوضع تصحيح الاستعمال واخراجه عن
كونه غلطا، فالمفروض أن صحة الاستعمال المجازي كلية لا تحتاج إلى وضع، وهذا استعمال
مجازي فلا يحتاج تصحيحه إلى وضع، وأن اريد بهذا الوضع جعل الاستعمال مستغنيا عن
القرينة وفي عرض المعنى الحقيقي الاول فهذا أيضا غير صحيح، لان الموضوع مقيد بفرض
وجود القرينة، لان كلمة (الرمان) هي القرينة في المقام، وقد قيدت بها كلمة الماء،
فكيف يطلب من هذا الوضع الاستغناء عن القرينة مع أنه مقيد بوجودها. فالذي ينبغي أن
يقال مستخلصا من مجوع ما ذكرناه: أن لفظ (الماء) حقيقة في الماء المطلق واستعماله
في غيره مجاز، عير أن التجوز تارة يكون بلحاظ المشابهة بين الاضافبين، وأخرى يكون
بلحاظ المشابهة بين الذاتين ففي الاول تكون الاضافة مقومة لصحة الاستعمال المجازي
ثبوتا، وفي الثاني تكون مجرد قرينة على تفهيم المقصود اثباتا. وما يقع الكلام في
إسراء احكام الماء المطلق إليه انما هو الماء المجازي بالنحو الثاني لا الماء
المجازي بالنحو الاول، والنسبة بين الماءين المجاريين العموم من وجه.
[ 17 ]
[ والمطلق أقسام: الجاري، والنابع غير الجاري، والبئر، والمطر،
والكر، والقليل (1). ] (1) بعد أن قسم الفقهاء الماء إلى مطلق ومضاف، قسموا المطلق
بدوره إلى أقسام: الجاري، والبئر، والمحقون. إلى: القليل، والكثير. واعترض عليهم
باهمال ماء المطر مع انه من اقسام الماء المطلق، وباهمال الماء النابع الذي له مادة
وليس اه عمق في الارض. وقد تدارك المصنف - قدس سره - ذلك فقسيم الماء المطلق إلى:
الجاري، والنابع غير الجاري، والبئر، والمطر، والكر، والقليل. وقد ذكر السيد
الاستاذ - دام ظله - في مقام الاشكال على هذا التقسيم: أنه مادام الملحوظ في هذا
التقسيم بيان أحكام هذه الاقسام - من حيث الاعتصام والانفعال - فلامن اضافة قسم آخر
إليه، وهو ماء الحكام لانه يتميز بالاعتصام رغم كونه ماء قليلا (1). والتحقيق: أنا
إذا بنينا في ماء الحمام على أن تقوي السافل بالعالي على القاعدة، كما هو المختار،
فماء الحمام يدخل في الكر حقيقة، ولا موجب لجعله قسما برأسه. وإذا بنيبا على أن هذا
البقوي ثابت بأخبار ماء الحمام - بدعوى: أنها تتكفل تنزيل مجموع السافل والعالي
منزلة الماء الواحد وإلغاء شرطية تساوي السطوح، كما ذكر السيد الاستاذ في أخبار
الحمام - فمعنى ذلك أن ملاك اعتصام ماء الحمام هو الكرية ايضا، ولكن بعناية التعبد
الشرعي فهو مصداق لاحد الاقسام المعتصمة المذكورة في التقسيم، وهو الكر، بعد فرض
إعمال العناية في توسعته، فلاضرورة لجعل ماء الحمام قسيما له. هذا مضافا إلى أن
الظاهر أنه ينبغي أن يكون المراد من أمثال هذا التقسيم بيان اقسام واقعية مستوعبة
للماء استطراقا إلى الحريث عن أحكامها،
(1) التنقيح الجزء الاول ص 9.
[ 18 ]
[ وكل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحرث
والخبث (1). ] وتحقيق ما يناسب كل قسم من الحكم بالانفعال أو الاعبصام أو البفصسل،
وليس التقسيم بلحاظ تحديد موضوعات الاحكام ابتداء، فحتى لو فرض أن ماء الحمام موضوع
مستقل للاعتصام لا موجب لجعله قسما. (1) لا اشكال في طهارة الماء في طهريته في
الجملة. وذلك واضح لا لضرورة، بل يمكن أن يقال بأن مطهرية الماء هي مقتضي الاطلاق
المقامي لنفس أدلة النجاسات الواردة بلسان (هذا قذر) أو (نجس)، لان ظاهرها بيان فرد
اعتباري وجعلي للمفهوم العام المعلوم عند العرف من القذر والنجس، ويفهم العرف
بالاطلاق المقامي لهذا البيان أنه يجب أن يصنع به في مقام دفعه ما يصنع بالقدر
الحقيقي من غسله بالماء. وانما يقع البحث حول تحصيل أدلة خاصة من الكتاب أو السنة
على الطهارة والمطهرية، لاجل الحصول على اطللاق في دليل الطهاة والمطهرية يرجع إليه
في موارد الشك، إذ لا إطلاق للضرورة لحالة الشك. وقد استدل على ذلك بالايات
والروايات: الدليل من الايات: أما الايات، فهناك آينان يستدل بهما على ذلك: (الاية
الاولى): فالاية الاولى قولى قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (1).
سورة الفرقان الاية 48.
[ 19 ]
والقريب الابتدائي للاستدلال بها واضح، وتحقيق ذلك يكون بلحاظ
الموضوع تارة، وبلحاظ الحكم اخرى، فهنا جهتان: (الجهة الاولى) - من ناحية الموضوع
وشمول الماء في الاية الكريمة لتمام أقسام الماء والوجه في دعوى شمولها لجميع
المياه هو إطلاق كلمة (ماء) في الاية الشريفة. وقد استشكل في ذلك بوجهين: الوجه
الاول - أن الموضوع فيها خصوص ماء المطر، بقرينة كلمة الانزال، فلا تشمل مطلق
المياه. ويمكن الجواب على ذلك بوجوه: الاول: ما في الجواهر، من تتميم الاستدلال بها
بالاجماع المركب (1). وفيه: أنه إن صح التمسك بالاجماع المركب في عدد من الموارد،
فلا يصح التمسك به في مثل هذا المورد، لان الاجماع على مطهرية تمام أقسام المياه
التي لم يقع فيها خلاف انما هو اجماه بسيط فعلي، ولم يثبت اجماع على مطهرية سائر
المياه غير المطر على تقدير مطهرية ماء المطر، بحيث لو لم يقم دليل الاعلى طهارة
ماء المطر لحكموا بطهارة باقي المياه. فان اريد التمسك بذلك الاجماع البسيط الفعلي،
فهو خروج عن الاستدلال بالاية وأن اريد التمسك بهذا الاجماع التعلبقي، فهو لم يثبت.
هذا مضافا إلى أنه لو فرض تمامية ذلك لم يتحصل لنا إطلاق نتمسك به في موارد الشك
والخلاف إذا اتفقت، لان المفروض تتميم الاية بالاجماع الذي هو دليل لبي لا إطلاق
له. الثاني: دعوى أنه ليس المراد من (الاينزال) و (السماء) الانزال والسماء الحسيين
بل المعنويين، فقد أطلق لفظ السماء على المعنوي في قوله
جواهر الكلام الجزء الاول ص 71.
[ 20 ]
تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) (1)، وأطلق لفظ الانزال
على المعنوي في قوله تعالى: (قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوأتكم) (2) فليكن
الانزال من السماء جمعا بين المعنويين، فيراد الانزال المعنوي من السماء المعنوية.
وفيه: أن هذا - وأن لم يكن بعيدا عن اللغة، إذ يمكن القول بأن معنى الا يزال
والسماء أعم لغة من المصداق الحسي، وانما ينصرف ذهننا إلى خصوص المصداق الحسي بدلا
عن المعنوي لشدة أنس ذهننا بالماديات - لكن ليس للاية ظهور على أي حال في ارادة
الانزال والسماء المعنويين، أن لم نقل بظهورها في ماء المطر، باعتبار شدة أنس الذهن
بأن (ماء السماء) هو المطر، وشيوع استعماله في ذلك عرفا. ويكفي مجرد الاجمال وتردد
الانزال بين المادي والمعنوي لتثبيت الاشكال والمنع عن الاطلاق، لانه يكون محفوفا
بما يحتمل قرينيته، فيبتلى بالاجمال ولا ينعقد للاية ظهور في الاطلاق. الثالث: أن
جميع المياه نزلت من السماء، كما تدعيه بعض الفرضيات الحديثة فلا تكون الانزال
موجبة للتقييد. وفيه: أن هذا - وإن كان ممكنا في نفسه - لكن التصديق به يحتاج إلى
دليل عقلي أو نقلي، وكلاهما مفقود في المقام: أما الاول، فلان الدليل العقلي
المتصور في المقام هو الادلة العلمية القائمة على أساس التجربة، ولم يقم أي دليل
علمي على ذلك، وانما هي فرضية فرضها بعض العلماء في مقام تفسير تكون المياه، وانه
بشدة الحرارة حصل البخار وأدى إلى هطول المطر، فتكون الماء على الارض. وأما الثاني،
فقد استدل السيد الاستاذ دام ظله على نزول المياه بأجمعها
(1) الذاريات 51: 22. (2) الاعراف 7: 26.
[ 21 ]
من السماء بآيات (1) منها قولله تعالى: (وإن من شئ الاعندنا
خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) (2)، ومنها قوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من
السماء ماء فسلكه بنابيع في الارض) (3)، ومنها قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء
بقدر فاسكناه في الارض وانا على ذهاب به لقادرون) (4). والظاهر أن لا دلالة في هذا
الايات الكريمة على نزول المياه بأجمعها من السماء: أما الاية الاولى، فهي مخصوصة
بماء الكلام، لان المراد من التنزيل فيها التنزيل المعنوي لا التنزيل من السماء،
لان التنزيل من السماء لا يمكن أن يشمل جميع الاشياء، وقد صرح في الاية بشمول
التنزيل لجميع الاشياء، فلا تدل إذن على المياه نازلة من السماء. وأما الاية
الثانية، فهي مخصوصة بماء المطر، ولا تدل على أن جميع المياه حتى البحار مثلا قد
أنزلت من السماء، بقرينة قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماة)، فان
الاية بصدد التنبيه على حادثة اعتيادية يراها الانسان في حياته، وهي نزول المطر وما
يترتب عليه من آثار تدل على الحكمة والتدبير. وأما الاية الثالثة، فليس فيها إطلاق،
بل هي إخبار عن إنزال ماء من السماء بقدر، وكلمة (ماء) نكرة في سياق الاثبات، فلا
يمكن التمسك باطلاقها لاثبات أن جميع المياه نازلة من السماء. ودعوى أن التهديد في
(1) التنقيح الجزء الاول ص 13. (2) الحجر 15:
21. (3) الزمر 39: 21. (4) المؤمنون 23: 18.
[ 22 ]
ذيل الاية المستفاد من قوله تعالى: (وإنا عن ذهاب به لقادرون)
يدل على إرادة مطلق الماء لا خصوص ماء المطر، لان الذهاب بماء المطر وحده لا يوجب
بلاء، لامكان اكتفاء الناس بسائر المياه. مدفوعة بأن ارادة ماء المطر وحده كافية في
صحة التهديد، لان لماء المطر آثارا عظيمة في حياة الانسان، وزراعته لا يمكن الحفاظ
عليها بدونه. هذا مضافا إلى أن قرينة التهديد لا توجب إثبات الاطلاق، بل كون النازل
من السماء مقرارا يصح التهديد بذهابه، وهذا لا يكفي لاثبات أن جمنع المياه حتى ماء
البحر مثلا نازل من السماء، لاننا إذا افترضنا أن المقصود بالماء المتوعد بذهابه هو
غير ماء البحر من بقية المياه مثلا لكفى ذلك في صدق التهديد، فلا يمكن جعل التهديد
قرينة على الاطلاق. على اننا يمكننا ان نفرض تبخير ماء وصيرورة البخار ماء، فان
سلمنا أن الماء الاول ك