شرح العروة الوثقى

السيد محمد باقر الصدر ج 3

العودة الى مكتبة المرتضى


 

[ 1 ]

بحوث في شرح العروة الوثقى تأليف محمد باقر الصدر الجزء الثالث مطبعة الآداب في النجف الأشرف


 

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم


 

[ 5 ]

[ فصل النجاسات اثنتا عشرة الأول والثاني - البول والغائط من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه (1). ] (1) يشرع الماتن - قده - في ذكر النجاسات مدعيا أنها اثنتا عشرة وسوف يتضح خلال لبحث أنها أقل من ذلك. ثم يبدأ باستعراض كل قسم منها، فيذكر البول والغائط من كل حيوان لا يؤكل لحمه. أما البول فنجاسته في الجملة من الواضحات، بل من الضروريات، إلا أن الكلام في إطلاق هذا الحكم لجملة من الموارد، إذ قد يقال أن عمدة الدليل على نجاسة البول هو الإجماع القطعي، لأن الأخبار التي استدل بها على نجاسة البول بوجه عام مفادها الأمر بالغسل، وهو أعم من النجاسة، إذ قد يكون ملاكه التخلص من فضلات غير المأكول فلا يبقى إلا الإجماع وهو دليل لبي لا يصلح لإثبات النجاسة في موارد الخلاف والكلام. ويرد عليه: أولا - أن دليل نجاسة البول من الأخبار لا ينحصر بما ورد فيها بلسان الأمر بالغسل، بل من جملة أدلتها الأخبار الواردة في انفعال الماء القليل بملاقاة البول (1) وهي تدل على نجاسة البول. وكذلك ما ورد في تشديد البول، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع). قال: " ذكر المني وشدده وجعله أشد من البول " (2). وثانيا أن أوامر الغسل تقتضي بإطلاقها وجوب الغسل حتى مع


 
(1) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 16 من أبواب النجاسات.

 

[ 6 ]

زوال الأثر، وهذا لا يبقى له وجه إلا النجاسة، فتثبت النجاسة بإطلاق الأمر بالغسل. وثالثا - إن بعض تلك الأوامر نص في وجوب الغسل مع زوال العين، خصوصا ما كان منها مشتملا على الأمر بالتعدد في الغسل، لوضوح عدم بقاء الأثر بعد الغسلة الأولى. ورابعا - أن المتيقن من مطلقات الأمر بالغسل هو بول الإنسان، ومانعية ما لا يؤكل لحمه لا يشمل موضوعها الإنسان. والتفكيك في مفاد الأمر بالغسل غير عرفي. نعم إذا كان النظر في الاستشكال إلى الأمر بالغسل فيما لا يؤكل لحمه فقد يدعى أن موضوعه مطابق لموضوع المانعية، ولكن الأمر لا ينحصر بذلك. وخامسا - أن الأمر بالغسل يدل عرفا على النجاسة في المقام وفي سائر المقامات المماثلة. وهذه الدلالة إما باعتبار ظهور الغسل المأمور به بمادته في أنه تنظيف وتخلص من القذر لدخل ذلك في مدلول المادة لغة أو دخله فيها عرفا باعتباره الاستعمال المطهر عرفا، أو بملاحظة مناسبات الحكم والموضوع حيث إن مركوزية كبرى وجود النجاسات في الشريعة وكبرى أن الماء مطهر ومزيل لها شرعا وعدم ارتكازية نكتة أخرى للغسل كبرويا، يوجب انسباق ذهن الإنسان العرفي المتشرعي من خطاب اغسل إلى كون الغسل بملاك النجاسة. وهذا الملاك بكلا تقريبيه هو الوجه العام في استفادة النجاسة من الأمر بالغسل في مختلف الموارد. وعليه، فالأخبار الدالة على الأمر بالغسل تصلح لإثبات النجاسة، ودليل النجاسة لا ينحصر بالإجماع. وعلى هذا الأساس لا بد من ملاحظة العناوين الواقعة موضوعا للنجاسة في الروايات لنرى ما إذا كان بالإمكان


 

[ 7 ]

تحصيل مطلق يرجع إليه في إثبات نجاسة كل بول ليكون مرجعا في موارد الخلاف والشك. وحاصل ما دل على نجاسة البول من الأخبار طوائف: الأولى: ما دل على نجاسة البول بلا تخصيص أو إضافة، كرواية ابن أبي يعفور. قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن البول يصيب الثوب. قال: اغسله مريتن " (1) وخبر أبي بصير. قال: " إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة " (2). الثانية: ما دل على نجاسة بول الدواب، كخبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) " سئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب. قال: إذا كان قدر كر لم ينجسه شئ " (3). بدعوى أن ظاهر الجواب إمضاء التنجس في فرض قلة الماء وعدم ردع السائل عما في ذهنه من كون ما ذكره موجبا للانفعال. وعنوان الدواب ينطبق على كل حيوان يدب على وجه الأرض إذا لم يسلم بالانصراف إلى الدابة العرفية. ولو نوقش بعدم إمكان التمسك بإطلاق الإمضاء المقتنص لعدم كون الإمام (ع) في مقام البيان من تلك الجهة، أمكن الاستدلال - لولا الخدشة في السند - برواية أخرى لأبي بصير عن أبي عبد الله (ع) " أنه سأل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: إن تغير الماء فلا تتوضأ منه " (4). مع ضم العلم من الخارج بأن التغير بغير النجس لا ينجس. الثالثة: ما دل على نجاسة بول كل دابة لم تعد للأكل وإن حلل أكلها


 
(1) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب النجاسات. (2) سائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق. (3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق. (4) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الماء المطلق.

 

[ 8 ]

شرعا كخبر زرارة عن أحدهما (ع) " في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه. فقلت: أليس لحوهما حلالا. فقال: بلى ولكن ليس مما جعله الله للأكل " (1). بناء على استفادة النجاسة من لفظ الكراهة في الرواية. الرابعة: ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه. كخبر عبد الله ابن سنان عن أبي عبد الله (ع). قال: " اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (2). أما الطائفة الأولى، فباعتبار فرض الإصابة فيها للثوب ونحوه وكون البول الذي يكون في نطاق ذلك عادة هو بول الإنسان، لا يبعد انصراف البول فيها إلى بول الإنسان. وأما الطائفة الثانية، فلو تمت فيها رواية سندا ودلالة أمكن الإشكال في إطلاقها لاحتمال انصراف كلمة الدواب إلى الدابة الخاصة. ويبقى بعد ذلك عنوانان. أحدهما عنوان بول ما لا يؤكل، والآخر عنوان بول ما لا يكون معدا للأكل. فإن كان ما لا يؤكل ظاهرا فيما يحرم أكله اختلف العنوانان وأمكن حينئذ دعوى: رفع اليد عن هذا الظهور وتنزيل عنوان ما لا يؤكل على عنوان ما لا يكون معدا للأكل، بدعوى: حكومة خبر زرارة لما فيه من النظر إجمالا إلى القضية المركوزة في الذهن التي يناط فيها حكم النجاسة بالمأكولية. وسيأتي في بحث أبوال الخيل والبغال والدواب تتمة تحقيق لذلك. وعلى أي حال، يتحصل إطلاق يدل على النجاسة في حدود بول ما يحرم أكل لحمه على كل حال، لأنه أضيق العنوانين.


 
(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب النجاسات.

 

[ 9 ]

وأما الخرء، فلم نعثر على ما يصلح جعله مطلقا يرجع إليه في مورد الشك. وما قد يدعى كونه مطلقا صالحا للرجوع إليه في إثبات الموجبة الكلية أحد أمور. الأول: صحيح ابن بزيع. قال: " كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (ع) عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيه قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها. فوقع (ع) بخطه في كتابي: ينزح دلاء منها " (1) بدعوى: أن لفظ العذرة وإن كانت منصرفة إلى خرء الإنسان خاصة إلا أنها مستعملة هنا في الأعم بقرينة التشبيه بالبعرة. وفيه: بعد الإغماض عن أن التشبيه لعله بلحاظ تحديد الكمية لا بيان جنس العذرة. والإغماض عن أنها واردة في بئر تكون في المنزل للوضوء، مما يكون بعيدا عادة عن خرء غير الإنسان والدواب المأكولة. أن البعرة خرء الحيوان المأكول. ولا إشكال في عدم نجاسته فدلالتها على النجاسة ساقطة في موردها فلا يمكن استفادة النجاسة منها في غيره. أضف إلى ذلك، أن الأمر بالنزح وإن كان صالحا للإرشاد إلى النجاسة وانفعال البئر - على ما تقدم في أبحاث ماء البئر - إلا أننا أثبتنا بملاحظة مجموع روايات الباب اعتصام البئر فتحمل أومر النزح على درجة من الحزازة والتنزه، وهو غير كاشف عن نجاسة الملاقي معه. نعم، الإنصاف أن هذا لا يمنع عن ظهور شخص هذه الرواية في أن السائل كان المرتكز في ذهنه نجاسة العذرة وانفعال البئر بها. خصوصا بقرينة قوله (ما الذي يطهرها) وظاهر سكوت الإمام (ع) هو إمضاء


 
(1) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق.

 

[ 10 ]

كلا هذين الارتكازين وقد سقط ظهور السكوت في الإمضاء عن الحجية - بلحاظ انفعال ماء البئر وهذا لا يمنع عن التمسك بظهوره في الإمضاء لإثبات نجاسة العذرة. إلا أن هذا التقريب للاستدلال بالرواية لا يجدي في إثبات نجاسة الخرء من كل حيوان بنحو الموجبة الكلية، إذ لا يوجد دال على أن الارتكاز كان منعقدا بنحو الموجبة الكلية في ذهن السائل. الثاني: نفس دليل نجاسة البول. بدعوى الملازمة بين نجاسة البول من حيوان ونجاسة خرئه. فتكون الروايات الدالة على نجاسة البول من الحيوان مطلقا - لو كان فيها إطلاق - أو في الموارد الخاصة دالة على نجاسة خرئه أيضا. وفيه: أنه لو أريد الملازمة المتشرعية باعتبار أنهم يرون أن نكتة قذارة البول والخرء مشتركة. فهي وإن كانت غير بعيدة في الجملة، إلا أنها لا جزم ببلوغها مرتبة تشكل ظهورا لدليل نجاسة البول في نجاسة الخرء أيضا، كيف وقد ثبت التفصيل بين الروث والبول في كثير من الموارد، فحكم بكراهة بول الخيل والحمير والبغال وورد الأمر بالغسل منها في روايات كثيرة مع عدم ورود شئ من ذلك في روثها. وثبت أيضا أن بول الإنسان أشد قذارة من خرئه، وأن الغسل من بوله لا بد فيه من التعدد بخلافه في خرئه بل يكتفى في التطهير منه بالحجر عند الاستنجاء. فمع ثبوت مثل هذه الأحكام كيف يمكن الجزم بوجود ارتكاز متشرعي على عدم الفرق لكي يشكل لدليل نجاسة البول مدلولا التزاميا عرفيا؟ ولو أريد عوى الملازمة العرفية الأعم من المتشرعية ففسادها أوضح، إذ العرف لا يملك ارتكازا على أصل استقذار بول كل حيوان أو خرئه


 

[ 11 ]

فضلا عن ارتكاز الملازمة بينهما في القذارة. الثالث: رواية عمار التي نقلها العلامة في المختلف عن كتابه، حيث جاء فيه، أن الصادق (ع) قال: " خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه ولكن كره أكله لأنه استجار بك وآوى إلى منزلك وكل طير يستجير بك فأجره " (1). وتقريب الاستدلال بها: أن قوله (هو مما يؤكل لحمه) ظاهر في كونه تعليلا للحكم بنفي البأس عن خرء الخطاف الذي هو نوع من الطيور، وليس جملة مستقلة تبرع بها الإمام (ع) لبيان حلية أكل لحم الخطاف، إذ لو كان الأمر كذلك لناسب عرفا الإتيان بما يدل على كون الجملة مستأنفة ومنفصلة عن سابقتها مع أنه لم يؤت بشئ من ذلك، بل جعلت الجملة تتمة وفضلة لما قبلها ولم يفصل بينهما بالعطف فيكون هذا سببا في ظهورها في الارتباط بالحكم السابق وأنه تعليل له. وعليه، يدل التعليل بمفهومه على أن ما لا يحل أكله في خرءه بأس. وهذا يحقق المطلوب. ويرد عليه: أن التعليل لا يدل على العلية الانحصارية المستلزمة لانتفاء الحكم المعلل عند انتفاء العلة، فلو قيل أكرم زيدا لأنه عالم لم يدل على عدم وجوب إكرامه لكونه جارا ولو لم يكن عالما فلا ينعقد للرواية المذكورة مفهوم دال على الانتفاء عند الانتفاء. ومن ذلك يظهر الحال أيضا في مثل رواية عمار عن أبي عبد الله (ع): قال: " كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " (2). فإن لسانها ليس لسان الحصر لينتزع منها المفهوم ويجعل دالا على نجاسة مطلق ما يخرج من


 
(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

 

[ 12 ]

الحيوان غير مأكول اللحم. الرابع: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: " سألته عن الدجاجة والحمامة وأشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة. قال: لا إلا أن يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء " (1). بدعوى أن كلمة العذرة مطلقة شاملة لتمام أفراد المدفوع. ويرد عليه: مضافا إلى منع شمول كلمة العذرة لأنها لو لم تكن مختصة بعذرة الإنسان فلا أقل من إجمالها وكون عذرة الإنسان بنفسها معنى عرفيا لها بحيث يكون إرادتها من اللفظ من باب إرادة معنى اللفظ منه لا من باب التقييد. أن الرواية ناظرة سؤالا وجوابا إلى تحقيق حال انفعال الماء وعدمه وليست في مقام البيان من ناحية نجاسة العذرة ليتمسك بإطلاق جواب الإمام (ع) من هذه الجهة. ومنه يظهر الحال في مثل رواية موسى بن القاسم عن علي بن محمد (ع) في حديث قال: " سألته عن الفأرة والدجاجة والحمام وأشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أيغسل؟ قال: إن كان استبان من أثره شئ فاغسله وإلا فلا " (2). فإنه مضافا إلى المناقشة في إطلاق كلمة العذرة في نفسها، يلاحظ ظهور الرواية في النظر إلى حيثية قابلية الحيوان لنقل النجاسة إلى الثوب وهذا يعني أن أصل النجاسة للعذرة مفروغ عنه فلا يمكن التمسك بإطلاق الجواب لإثبات نجاسة مطلق العذرة. الخامس: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (ع) قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو


 
(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات.

 

[ 13 ]

[ إنسانا أو غيره (1) ] كلب أيعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد " (1). بدعوى: أن الترديد بين الإنسان والسنور والكلب قرينة عرفا على أن هذه العناوين مجرد أمثلة وأن المقصود جنس العذرة بمعناها العام الشامل لمدفوع الإنسان وغيره وبعد حمل العناوين المذكورة على المثالية يثبت الإطلاق. ويرد عليه: أن الحمل على المثالية لا يقتضي أكثر من ملاحظة جامع عرفي بين العناوين الثلاثة وهذا لا يعين تقديره بنحو من السعة بحيث يشمل الطير مثلا أو السمك ليكون مطلقا فوقيا يرجع إليه في موارد الشك. هذا مضافا إلى النكتة التي أشرنا إليها سابقا، وهي كون النظر متجها إلى حكم آخر مترتب على النجاسة وهو بطلان الصلاة مع الجهل، فحيثية السؤال أن ما يبطل الصلاة مع العلم هل يبطلها مع الجهل أو لا. وكلما كان هناك حكمان طوليان من قبيل نجاسة العذرة وانفعال الماء بالنجس منها، أو نجاسة العذرة ومانعية نجاستها في حق المصلي الجاهل بوجودها وكان النظر إلى استطلاع حال الحكم الثاني وحدوده كان للرواية بقرينة هذا النظر ظهور في الفراغ عن أصل الحكم الأول وافتراضه، فلا يتمسك بإطلاقها من ناحيته. وهكذا يتبين: أنه لا يوجد ما يصلح أن يكون مرجعا للحكم بالنجاسة إلا في البول من الحيوان غير المأكول خاصة. وأما في غير ذلك من البول والخرء فلا بد فيه من ملاحظة الأدلة الخاصة في كل مورد فإن ثبت بها النجاسة فهو وإلا كان المرجع قاعدة الطهارة أو غيرها من الأصول المؤمنة. (1) لا إشكال في أن بول الإنسان هو القدر المتيقن من أدلة نجاسة البول. إلا أنه ربما يقع الإشكال في بول الصبي قبل أن يطعم حيث


 
(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب النجاسات.

 

[ 14 ]

نسب إلى الإسكافي القول بطهارته ولا ريب في أن مقتضى إطلاق أدلة نجاسة البول شمولها لبول الصبي أيضا بحيث لا بد في القول بالطهارة من التماس مقيد لها. وما يتوهم كونه مقيدا رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا (ع) قال: " لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لأن لبنها يخرج من مثانة أمها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله قبل أن يطعم، لأن لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين " (1). حيث يستفاد من نفي الغسل عن الثوب الملاقي مع بوله الإرشاد إلى الطهارة وقد يورد على ذلك أن الغسل إن كان لا يشمل الصب فنفيه لا يدل على الطهارة لإمكان افتراض نجاسة تطهر بالصب وإن قيل بشموله للصب فهو إنما يدل على الطهارة بإطلاق النفي لتمام مراتب الغسل بما فيها الصب فيقيد هذا الإطلاق بما دل على وجوب الصب في بول الصبي غير المتغذي. ولكن دلالة الرواية على الطهارة ليست بلحاظ مجرد نفي الغسل بل بلحاظ تعليل هذا النفي في الصبي وتعليل ثبوت الغسل في الجارية بما يناسب أن يكون النظر إلى أصل الطهارة والنجاسة. هذا غير أن الصحيح عدم إمكان التعويل على الرواية، باعتبار سقوطها سندا ومتنا ومضمونا. أما السند فلأنه قد ورد فيه النوفلي وهو ممن لا طريق لإثبات توثيقه عدا مجيئه في رجال كامل الزيارات ونحن لا نقول بوثاقة جميع رجال كامل الزيارات. وأما المتن، فلأن مفاد الرواية الحكم بنجاسة لبن الجارية أيضا وهذا مما لم يفت به فقيه ولا يحتمل في نفيه فقهيا، مما يكشف عن وجود وهن


 
(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب النجاسات الحديث 4.

 

[ 15 ]

[ بريا أو بحريا صغيرا أو كبيرا (1) بشرط أن يكون له دم سائل حين الذبح (2)، نعم في الطيور المحرمة الأقوى عدم النجاسة لكن الأحوط فيها أيضا الاجتناب (3). ] في الرواية من جهة من الجهات ومعه لا يمكن التعويل عليها ولو كانت نقية السند. وأما المضمون ففي نفسه غريب وبعيد وذلك باعتبار أن بول الغلام لو كان طاهرا في نفسه لا يحتاج إلى التطهير منه ولا التجنب عنه لاشتهر هذا الحكم وذاع بين المتشرعة وكثرت الروايات الدالة عليه باعتبار شدة الحاجة والابتلاء في حياة الناس به مع أن الأمر على العكس تماما مضافا إلى غرابة نفس التعليل الوارد فيها من أن لبن الجارية تخرج من مثانة الأم ولبن الغلام من بين عضديها ومنكبيها، مع وضوح خلافه. فالصحيح ما أفتى به الماتن - قده - من عدم الفرق في نجاسة البول بين الصبي وغيره وإن كان بوله أخف مؤونة في مقام التطهير منه على ما سوف يأتي البحث عنه مستوعبا في فصول المطهرات. (1) بمقتضى إطلاق ما تمت دلالته على نجاسة بول غير المأكول وأما الخرء فقد قلنا أنه لا يوجد مطلق يمكن التمسك به في تمام الموارد بل لا بد من الرجوع إلى القدر المتيقن من الضرورة الفقهية والارتكازات المتشرعية وما يمكن التعدي إليه من الموارد المنصوصة بنكتة عدم الفرق عرفا وأثر ذلك يظهر في موارد الخلاف على ما سيأتي. (2) سوف يأتي وجه هذه الشرطية. (3) اختلفت كلمات الفقهاء في نجاسة بول وخرء غير المأكول من الطير بين قائل بنجاستهما معا وقائل بطهارتهما معا ومتردد في نجاسة بوله


 

[ 16 ]

مع الجزم بطهارة خرءه. والسبب في ذلك يرجع إلى كيفية الاستفادة من الروايات المتعارضة بهذا الشأن، فهناك موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: " كل شئ يطير فلا بأس ببوله وخرئه " (1). الواضحة في الدلالة على عدم النجاسة في مطلق الطير فتقع طرفا للمعارضة مع ما دل على نجاسة بول غير المأكول. ومورد التعارض هو البول من الطير غير المأكول بناء على ارتكاز الملازمة بين نجاسة البول ونجاسة الخرء. وهو مع الخرء بناء على الملازمة. ويمكن أن تذكر عدة وجوه في علاج هذا التعارض. الأول - أن يقال بتقديم دليل النجاسة باعتبار موافقته مع السنة الدالة على نجاسة البول مطلقا تطبيقا لكبري الترجيح بموافقة الكتاب والسنة. وفيه: أولا - ما حققناه فيما سبق من عدم وجود مطلق دال على نجاسة البول، وكل ما ورد من الروايات الدالة على نجاسة البول من دون تقييد كانت منصرفة إلى بول الآدمي خاصة. فلا تكون موافقة مع دليل نجاسة بول غير المأكول في مورد تعارضه مع دليل طهارة بول الطير كي ترجح بها، بل لا تكون موافقة معه حتى في غير مورد التعارض أيضا لمكان دعوى انصراف دليل نجاسة بول غير المأكول إلى غير الإنسان من الحيوان غير المأكول فيختص كل من دليل نجاسة البول من دون تقييد ودليل نجاسة بول غير المأكول بموضوع غير الموضوع الآخر. وثانيا - أن ترجيح أحد المتعارضين على الآخر إنما يكون بموافقة السنة القطعية، بناء على إلغاء خصوصية الكتابية في الترجيح بموافقة الكتاب واستظهار أن مناط الترجيح هو موافقة دليل قطعي السند. وفي المقام لم يبلغ ما دل على نجاسة البول بقول مطلق مبلغ القطع والتواتر.


 
(1) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب النجاسات.

 

[ 17 ]

وثالثا - أن الترجيح بموافقة الكتاب والسنة من الترجيح السندي الذي مورده ما إذا كان التعارض بين الدليلين بحسب سنديهما كما في مورد التباين، فلا يجري في مورد تكاذب الدليلين بحسب الدلالة فقط كما فيما نحن فيه، على ما حقق في محله. ورابعا - إن الرجوع إلى المرحجات المذكورة في أخبار العلاج إنما يكون بعد فقد الجمع الدلالي بين المتعارضين، فإذا تم شئ من وجوه الجمع الدلالي الآتية لم تصل النوبة إلى هذا العلاج. ثم إن السيد الأستاذ - دام ظله - بعد أن ذكر هذا الوجه أورد عليه بأن المقام ليس من موارد الترجيح بموافقة الكتاب والسنة، لأن ذلك إنما يكون فيما إذا كان عموم الكتاب أو السنة لفظيا لا بالإطلاق ومقدمات الحكمة لأن مقدمات الحكمة ليست من الكتاب والسنة كي تكون موافقتها موافقة الكتاب وروايات نجاسة البول في المقام لو سلم دلالتها فهو بالإطلاق ومقدمات الحكمة لا بالعموم (1). وهذا بيان يطبقه الأستاذ - دام ظله - في تمام موارد المعارضة مع إطلاق الكتاب الثابت بمقدمات الحكمة. إلا أن هذه المناقشة غير صحيحة. إذ مضافا إلى عدم تمامية التفصيل المذكور بين العموم والإطلاق في نفسه على ما أوضحناه مفصلا في بعض الأبحاث السابقة من هذا الشرح. أن تطبيقه في المقام على موافقة السنة قياسا على الكتاب في غير محله. إذ الإطلاق ومقدمات الحكمة في الكتاب لو سلم أنه ليس قرآنا فلا ريب في أن الإطلاق في السنة سنة أيضا إذ السنة تعم القول والفعل والسكوت كما هو واضح.


 
(1) التنقيح ج 1 ص 406. (1) راجع هامش الجرء الأول ص 73.

 

[ 18 ]

الثاني - أن يقال بتعارض الموثقة مع دليل نجاسة بول غير المأكول وتساقطهما والرجوع بعد ذلك إلى مطلقات نجاسة البول بوصفها عموما فوقيا. وقد اعترض عليه السيد الأستاذ - دام ظله -: بأن تلك المطلقات على القول بانقلاب النسبة تكون هي أيضا طرفا للمعارضة بالعموم من وجه مع موثقة أبي بصير للعلم بتخصيص المطلقات بما دل على طهارة بول ما يؤكل لحمه من البقر والغنم فيكون حالها بعد هذا التخصيص حال ما دل على نجاسة بول غير المأكول (1). وهذا الاعتراض غريب في بابه. ذلك أن القائلين بانقلاب النسبة لا يقولون به فيما إذا كان هناك عام ومخصصان إذ لا موجب لملاحظة العام أولا مع أحد الخاصين ثم ملاحظته مع الآخر كي تنقلب النسبة بينهما. مقامنا من هذا القبيل إذ كل من دليل طهارة بول المأكول وموثقة أبي بصير مخصص في عرض واحد لمطلقات النجاسة. والصحيح في إبطال هذا العلاج أن يقال: أولا - بعدم تمامية مطلق دال على نجاسة البول في نفسه على ما تقدم تحقيقه. ثانيا - بعدم الانتهاء إلى هذا الموقف فيما إذا صح شئ من وجوه الجمع الدلالي بين المتعارضين. الثالث - إيقاع المعارضة بين موثقة أبي بصير ورواية عبد الله بن سنان اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه (2) باعتبار أنهما معا بالعموم وبعد التساقط نرجع إلى رواية عبد الله بن سنان الأخرى " اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (3) باعتبارها بالإطلاق المحكوم في نفسه لموثقة


 
(1) التنقيح ج 1 ص 406. (2) و (3) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب النجاسات.

 

[ 19 ]

أبي بصير لولا ابتلائها بالمعارض فيكون مرجعا بعد التساقط بنفس نكتة الرجوع إلى العام الفوقاني. وهذا الوجه في العلاج أيضا غير تام، وذلك: أولا - لعدم تمامية سند رواية عبد الله بن سنان الدالة على النجاسة بالعموم لأنها منقولة في الكافي عن علي بن محمد عن عبد الله بن سنان، ونحن نعلم بأن علي بن محمد الذي ينقل عنه صاحب الكافي إن كان هو شيخه فقد وقع بينه وبين عبد الله بن سنان سقط في السند للعلم بعدم معاصرته له. وإن كان شخصا آخر مما يمكن افتراضه معاصرا مع ابن سنان فيعلم أن نقل صاحب الكافي عنه لا يكون إلا مع الواسطة فيكون في السند إرسال على كل حال. وثانيا - أنه موقوف على أن لا يتم وجه من وجوه الجمع الدلالي بين المتعارضين. الرابع - تقديم رواية أبي بصير على رواية عبد الله بن سنان باعتبار أن دلالتها بالعموم ودلالة الأخيرة بالإطلاق والعموم مقدم على الإطلاق على ما حقق في محله - ولو فرض تساويهما في الظهور أيضا كانت النتيجة التساقط والرجوع إلى قاعدة الطهارة. وهكذا يكون هذا الوجه للعلاج، خلافا للوجوه السابقة مثبتا لطهارة البول والخرء من الطير غير المأكول. الخامس - دعوى حكومة موثقة أبي بصير على أدلة نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، باعتبار ظهورها في الاستثناء والتقييد، لأنها تفترض ثبوت النجاسة للبول بنحو القضية المهملة فتتعرض لنفي إطلاقها لبول الطير والقرينة على هذا الافتراض هي أن كل نفي للحكم عن حصة إذا لم يكن من المحتمل عادة اختصاص الحكم المنفي بها يكون له ظهور في أنه نفي استثنائي وأنه


 

[ 20 ]

استثناء من الحكم الثابت على المطلق. ولهذا قلنا بأن لسان لا ضرر - مثلا - لسان الاستثناء لأن ما هو المحتمل في نفسه شمول الحكم لحال الضرر لا تشريع الأحكام الضررية خاصة فيكون للسان لا ضرر نظر إلى أدلة الأحكام وبذلك يحكم عليها وهكذا في المقام فإن المحتمل في نفسه شمول الحكم بنجاسة البول لبول الطائر لا اختصاصها به، فيكون النفي ظاهرا عرفا في اللسان الاستثنائي المساوق للنظر إلى دليل نجاسة البول وهو يقتضي الحكومة. السادس: تقديم دليل طهارة بول الطير وخرئه على دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه باعتبار أن العكس يؤدي إلى إلغاء عنوان الطير المأخوذ موضوعا في دليل الطهارة حيث يتقيد الحكم بما إذا كان الطير حلال اللحم والطهارة ثابتة على عنوان ما لا يوكل لحمه في نفسه سواء كان طيرا أم لا. وتوضيح هذا الوجه وتمحيصه أن: هنالك ظهورين لكل عنوان يؤخذ في موضوع حكم. أحدهما: الظهور في دخالته في الحكم وعدم كونه أجنبيا عنه بالمرة. الثاني: ظهوره في كونه دخيلا بنحو تمام الموضوع للحكم وأنه كلما صدق ذلك العنوان صدق الحكم أيضا. والظهور الأول ظهور عرفي ناشئ من أخذ عنوان وإيراده في موضوع الكلام والثاني إطلاق معتمد على مقدمات الحكمة وعلى هذا الأساس كلما وقع التعارض بين الظهور الأول في دليل مع الظهور الثاني في دليل آخر قدم الأول على الأخير لأن رفع اليد عن إطلاق موضوعية عنوان للحكم أخف مؤونة من إلغاء العنوان المأخوذ في موضوع الكلام عن الموضوعية رأسا ومقامنا من هذا القبيل، فإن دليل طهارة بول الطير لو قيد بالمأكول كان ذلك إلغاء لعنوان الطير عن الموضوعية رأسا وجعل موضوع الحكم عنوانا


 

[ 21 ]

آخر قد يكون طيرا وقد لا يكون. وهذا بخلاف ما لو قيد دليل نجاسة بول غير المأكول بما إذا لم يكن طيرا، إذ غاية ما يلزم هو رفع اليد عن إطلاق موضوعيته للنجاسة. وهذا البيان موقوف على أن يكون كل ما يحل أكل لحمه من الحيوان طاهر البول وأما لو قيل باختصاص الطهارة بما إذا كان الحيوان المحلل غير الطير مما يتعارف أكله لا من قبيل الخيل والبغال - كما اختار صاحب الحدائق - قده - فلا يلزم من تخصيص طهارة بول الطير بما إذا كان محلل الأكل طاهر البول بل لا بد إما أن يكون مما يتعارف أكله أو طائرا فيحفظ بذلك دخل عنوان الطير في موضوع الحكم. وعلى أي حال يرد على هذا الوجه أنه موقوف على أن يكون عنوان ما يؤكل لحمه ملحوظا على نحو الموضوعية لا المعرفية إلى واقع العناوين التي تثبت فيها الحلية. ومقتضى الطبع الأولي في أخذ عنوان وإن كان هو الموضوعية لا المعرفية إلا أن المقام خاصة يستظهر فيه العرف بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة لديه أن الطهارة والنجاسة لا تكون بملاك الحرمة التكليفية وحليتها إنما تكون بملاك الطيب والاستقذار الذي يثبت لواقع تلك العناوين التفصيلية في عرض الحلية والحرمة. وبناء على هذا الفهم لا يلزم من تخصيص الحكم بطهارة بول الطير بما إذا كان حلالا إلغاء عنوان الطير عن الموضوعية بل لعل طهارة بول الطير الحلال إنما كان بلحاظ كونه طيرا كما هو مقتضى دليل طهارة بول الطير وطهارة بول ما لا يؤكل لحمه ليس إلا معرفا إلى ما يثبته دليل طهارة بول الطير. ثم إن هنا رواية أخرى ربما يستدل بها على التفصيل في الطير بين ما يؤكل وما لا يؤكل، وهي رواية عمار التي نقلها العلامة في المختلف عن


 

[ 22 ]

كتابه عن الصادق (ع) قال: " خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه ولكن كره أكله لأنه استجار بك وآوى إلى منزلك وكل طير يستجير بك فأجره " (1). وتقريب الاستدلال بها مبني على أن يكون جملة (هو مما يؤكل لحمه) تعليلا للحكم بطهارة خرء الخطاف لا جملة مستقلة تبرع بها الإمام (ع) وقد تقدم أن هذا هو ظاهر السياق حيث لم يأت بما يدل على كون الجملة مستأنفة ومنفصلة عن سابقتها وإنما ذكرت في سياق واحد ظاهر في الارتباط والتعليل للحكم بالطهارة. وحينئذ يقال: بأنه لو كان الطير طاهر الخرء من حيث هو طير لم يكن وجه للتعليل المذكور بعد افتراض كون السؤال عن الخطاف الذي هو نوع من الطير لأن العدول عن الأمر الذاتي في مقام التعليل إلى الأمر العرضي ليس عرفيا فالتعليل المذكور دليل على أن الميزان في طهارة خرء الطيور ونجاسته أيضا هو حلية الأكل وحرمته، فتقيد بها موثقة أبي بصير الدالة على طهارة بول الطير وخرئه فيحكم بنجاسة خرء الطير غير المأكول بل بنجاسة بوله أيضا. إما لتمامية الملازمة بين نجاسة الخرء ونجاسة البول وإن لم تتم الملازمة بين نجاسة البول ونجاسة الخرء. وإما لعدم احتمال الفرق بين الخرء والبول بأن يكون الميزان في نجاسة الأول هو حلية اللحم وحرمته دون نجاسة الثاني مع كون روايات التفصيل واردة في البول. وإما بدعوى أن الطيور تدفع البول والخرء معا من مخرج واحد وكثيرا ما تكون أبوالها مختلطة مع خرءها فلا يفهم العرف إرادة خصوص الخرء المجرد عن البول في الحكم المذكور بل يفهم أن المراد بخرء الطير الفضلات التي تخرج منه سواء كانت خرءا خالصا أو بولا أو مختلطا وقد يجاب عن ذلك بأن العدول في مقام التعليل عن الأمر الذاتي إلى الأمر العرضي إنما لا يصح عرفا إذا


 
(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

 

[ 23 ]

[ خصوصا الخفاش وخصوصا بوله (1) ] كان دخلهما على حد واحد وأما إذا كان دخل الأمر العرضي من باب نفي المقتضي ودخل الأمر الذاتي من باب وجود المانع فلا بأس بالعدول والمقام من هذا القبيل فإن حرمة اللحم هي المقتضي للحكم بالنجاسة ولو بحسب مقام الإثبات وألسنة الروايات. والصحيح في الجواب على الاستدلال المذكور هو التشكيك في سند الرواية ومتنها أما الأول فلعدم معلومية طريق العلامة إلى كتاب عمار وأما الثاني فلأنها منقولة بطريق الشيخ عن كتاب عمار مع حذف كلمة الخرء مما يجعلها بيانا لحكم الخطاف في نفسه وأنه لا بأس به من حيث الحلية وجواز الأكل فتكون بهذا المتن أجنبية عن محل الكلام ومع هذا التهافت لا يمكن الاعتماد على نقل العلامة بعد استبعاد تعدد المنقول مع التشابه المطلق في فقراتها من غير ناحية كلمة الخرء وكونها منقولة عن كتاب واحد وهو كتاب عمار. وهكذا يتلخص أن الصحيح هو طهارة بول الطير وخرئه مطلقا. (1) البحث عن خرء الخفاش وبوله يقع تارة بلحاظ دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه باعتبار كونه من الحيوان محرم الأكل، وأخرى بلحاظ دليل طهارة بول الطير باعتبار كونه طائرا، وثالثة بلحاظ الروايات الخاصة، فالكلام في مقامات. أما المقام الأول - فقد يقال فيه إن دليل اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل شامل لبول الخفافيش أيضا فلا بد من الحكم بنجاسته لولا الدليل المخصص وأما خرءه فشمول الدليل له مبني على الملازمة المتقدمة. إلا أن هذا الإطلاق يمكن منعه بأحد وجهين.


 

[ 24 ]

الأول ما أفاده السيد الأستاذ - دام ظله -. من أن الخفاش مما لا نفس سائلة له - على ما شهد بذلك جماعة - فيحكم بطهارة بوله وخرءه من باب أنه لا نفس له. ولو فرض الشك في كونه كذلك كفى ذلك أيضا في عدم إمكان التمسك بعموم النجاسة لكون الشبهة مصداقية بالنسبة إليه فتجري أصالة الطهارة أو استصحاب عدم كونه ذا النفس. بناء على جريانه في الأعدام الأزلية (1). وهذا الوجه موقوف على تمامية كبرى طهارة بول وخرء ما لا نفس له. وهي غير تامة على ما يأتي إن شاء الله تعالى. الثاني - أن موضوع الإطلاق هو ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات فلا يشمل الحيوان غير اللحمي عرفا. والخفاش لا يكون حيوانا لحميا عند العرف فإسراء الحكم إليه يحتاج إلى إلغاء خصوصية اللحمية وجعل تمام الموضوع حرمة الأكل وهو بلا موجب بعد احتمال الفرق عقلا وعرفا بينهما. وهذا الوجه صحيح وبه يثبت في هذا المقام عدم تمامية مقتضي النجاسة في نفسه لبول الخفاش وخرئه. وأما المقام الثاني - فلو افترض تمامية الإطلاق في المقام الأول لدليل نجاسة البول لبول الخفاش يقع البحث عن النسبة بينه وبين موثقة أبي بصير الدالة على طهارة بول الطير. حيث قد يقال بأنه في خصوص الخفاش لا بد من تقديم الموثقة والحكم بطهارة بوله ولو فرض عدم تقدمها على دليل النجاسة في غير الخفاش من الطيور المحرمة. وذلك بدعوى انحصار البول في دائرة الطيور بالخفاش إذ سائر الطيور لا بول لها بصورة منفصلة عن الخرء، فتكون الموثقة كالنص في طهارة بول الخفاش. وفيه أنه لو سلم انحصار البول في دائرة الطيور بالخفاش، وسلم أن


 
(1) التنقيح الجرء الأول ص 409.

 

[ 25 ]

المايع الخارج مع الخرء ليس بولا عرفا إلا بالعناية. فلا بد من حمل قوله (ع) كل شئ من الطير فلا بأس ببوله، على إرادة هذا المايع نفسه الذي يكون بولا عناية إذ لا يمكن أن يكون مثل هذا الخطاب المشتمل على أداة العموم والواضح في إعطاء قاعدة عامة في باب الطير. ناظرا إلى خصوص بول الخفاش كما هو واضح. وأما المقام الثالث - فقد استدل على نجاسة بول الخفاش برواية داود الرقي " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده. فقال: اغسل ثوبك. " (1) حيث يستفاد من الأمر بغسل الملاقي في أمثال المقام الإرشاد إلى نجاسة الملاقي وفيه: أن الرواية ضعيفة سندا لا باعتبار داود الرقي فإنه وإن لم يوثق ولكنه ممن روى عنه الأزدي بسند صحيح ولكن باعتبار غيره كيحيى بن عمر الواقع في السند والإرسال الواقع في طريق السرائر إلى داود مضافا إلى أنها معارضة مع ما لا يقل عنها شأنا - وإن كان غير نقي السند أيضا - وهي رواية غياث " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " (2) فتكون قرينة على إرادة مرتبة من التنزه والاستحباب في الأمر بغسل الثوب بناء على ما هو الصحيح من ثبوت مراتب التنزه والاستحباب عرفا في مثل النجاسة رغم كونها حكما وضعيا. هذا. مضافا إلى إمكان منع دلالتها على النجاسة حيث لم يسأل فيها عن نجاسة بول الخشاف أو طهارته وإنما افترض إصابته للثوب وتصديقه لتشخيص موضعه والتنزه عنه ولكنه لم يجده فكأن النظر إلى كيفية الموافقة القطعية وأن الجهل لا يرفع الحكم سواء كان ذلك الحكم لزوميا أو تنزيهيا. ومعه لا يمكن


 
(1) وسائل الشيعة باب 10 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 10 من النجاسات.

 

[ 26 ]

[ ولا فرق في غير المأكول بين أن يكون أصليا كالسباع ونحوها أو عارضيا كالجلال وموطوء الإنسان والغنم الذي شرب لبن الخنزيرة (1). ] أن يستظهر من الأمر بالغسل الإرشاد إلى لزومية المحذور. وهكذا يتضح عدم دليل تام على نجاسة بول الخفاش فضلا عن خرئه. (1) وذلك تمسكا بإطلاق الروايات الدالة على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه بعد استظهار أن المراد ما لا يؤكل بحسب نظر الشارع أي ما يحرم أكل لحمه. وقد يمنع عن هذا الإطلاق بدعوى أن عنوان ما لا يؤكل معرف إلى العناوين التفصيلية من الحيوانات التي لا يؤكل لحومها كالسباع ونحوها والتمسك بالإطلاق المذكور مبني على أن يكون عنوان ما لا يؤكل بنحو الموضوعية وهذا خلاف الظاهر كما تقدم فيما سبق أيضا ولهذا لا يتوهم إطلاقه لما إذا حرم أكل الحيوان لجهة طارئة كالغصبية مثلا. وفيه: أن المستظهر من روايات نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه أن موضوع الحكم هو الحيوان حرام اللحم الذي تكون حرمته ثابتة للحمه بما هو لحم لا بما هو غصب أو ضرر أو نحو ذلك، وهذا شامل للحيوان الذي حرم لحمه ولو كانت الحرمة لطرو حالة في اللحم كالجلال. ولا يمنع عنه كون عنوان ما لا يؤكل مشيرا إلى العناوين التفصيلية الواقعة من الحيوان فإن العناوين الواقعية التفصيلية قد تكون دائمية وقد تكون عارضة كالجلال والموطوء. وقد يتوهم أن الإطلاق على تقدير تسليمه معارض بالعموم من وجه مع مثل ما دل على طهارة بول الشاة الشامل بإطلاقه للجلال منها، وبعد التعارض والتساقط وعدم وجود مطلق فوقي للنجاسة يرجع إلى أصالة الطهارة. ويندفع بأن ما دل على طهارة بول الشاة يتكفل حكما ترخيصيا وهو


 

[ 27 ]

[ وأما البول والغائط من حلال اللحم فطاهر حتى الحمار والبغل والخيل (1). ] نفي النجاسة وغاية ما يقتضيه عدم كون العنوان المأخوذ موضوعا فيه مقتضيا للنجاسة وهو لا ينافي ثبوت المقتضي لها بعنوان آخر. نعم لو كان يدل على اقتضاء العنوان المأخوذ في موضوعه للنفي لحصلت المعارضة ولكن ارتكازية نشوء الأحكام الترخيصية من عدم المقتضي لا مقتضي العدم تكون قرينة عرفية على تعيين مفاد الدليل في بيان عدم المقتضي من ناحية عنوان بول الشاة لا لمقتضي للعدم. وهذه هي النكتة العامة في عدم المعارضة بين أدلة الأحكام الترخيصية وأدلة الأحكام الإلزامية في أمثال المقام. وعلى هذا، فالإطلاق تام. ويمكن أن نضيف إليه أيضا ما دل على نجاسة عرق الجلال بضم الملازمة العرفية المتشرعية بين العرق والبول في النجاسة، ولو باعتبار ارتكازية أهونية العرق من البول فما يدل على نجاسة العرق يدل على نجاسة البول بالفحوى العرفية. ثم إن هذا كله في بول الجلال وأما خرءه فالإطلاق غير تام بالنسبة إليه كما تقدم، فإن أمكن إجراء الفحوى العرفية التي أشرنا إليها أمكن إثبات نجاسة خرء الجلال بلحاظ دليل نجاسة عرقه على القول بتمامية ذلك الدليل. (1) لا إشكال في طهارة بول وخرء الحيوان المحلل شرعا والمأكول خارجا كالشاة. وإنما البحث والإشكال في بول الحمار والبغل والخيل من ناحيتين إحداهما من ناحية كونه بول ما لا يعتاد أكله والأخرى من ناحية كونه بول هذه الأشياء بعناوينها التفصيلية. أما الناحية الأولى: فيقع البحث عنها تارة بلحاظ مقتضي النجاسة


 

[ 28 ]

وأخرى بلحاظ المانع فهنا مقامان. أما مقام المقتضي للنجاسة فهو يرتبط بكيفية فهم الروايات الدالة على نجاسة بول ما لا يؤكل. وتفصيل الكلام في ذلك: أن جملة ما لا يؤكل لحمه تارة تحمل على كون عدم الأكل بلحاظ الذوق العرفي ولو كان من ناحية استعماله في غرض آخر كالركوب مثلا وأخرى تحمل على ما لا يجوز أكل لحمه شرعا وثالثة تحمل على الجامع بينهما أي مطلق وجود نكتة لعدم الأكل سواء كانت عرفية أو شرعية فعلى الأول والثالث يتم الإطلاق لدليل النجاسة لبول الحمار والبغل والخيل لأنها مما لا تؤكل بحسب الذوق العرفي. وعلى الثاني لا يتم الإطلاق والاحتمال الأول من هذه الاحتمالات غير وارد في نفسه إذ لا يحتمل أن يكون عنوان (ما لا يؤكل) الوارد في لسان الشارع غير ناظر إلى ذوقه هو ولا يبعد دعوى أن مناسبات الحكم والموضوع العرفية تقتضي أن نكتة الحكم بالنجاسة هي الحزازة في لحم الحيوان التي تكون الحرمة كاشفة عنها لا مجرد عدم المأكولية عرفا ولو من جهة استعماله في غرض آخر كالركوب مثلا. ولا أقل من احتمال ذلك المساوق للإجمال وعدم انعقاد الإطلاق. لا يقال: مثل رواية عبد الرحمن عن أبي عبد الله (ع) " قال: يغسل بول الحمير والفرس والبغل فأما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (1) قرينة على أن المراد من عنوان ما يؤكل لحمه في ألسنة الروايات ما يكون حلالا شرعا ومأكولا عرفا حيث جعل مقابلا للحمير والبغال. فإنه يقال: غاية ما تدل عليه الرواية إرادة المعنى الأخص من الحلية الشرعية في شخص الاستعمال الواقع في هذه الرواية ولا يمكن أن يستظهر منها اصطلاح عام للشارع يقصده من عنوان ما لا يؤكل دائما، فالصحيح


 
(1) وسائل الشيعة باب 9 من النجاسات.

 

[ 29 ]

عدم تمامية المقتضي لنجاسة غير المأكول الحلال من الحيوان. وأما المقام الثاني - فلو سلمنا تمامية المقضتي للنجاسة فهنالك ما يمنع عنه وهو رواية عبد الله بن بكير التي جاء فيها: " فأخرج (ع) كتابا زعم أنه إملاء رسول الله (ص) أن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شئ منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه جائز إذا علمت أنه ذكي وقد ذكاه الذابح، وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شئ منه فاسد ذكاه الذابح أو لم يذكه " (1) فإنها وإن كانت ناظرة إلى حكم المانعية لا النجاسة إلا أن تجويزها الصلاة في كل شئ مما أحل الله أكله حتى بوله وروثه يدل على عدم نجاستهما أيضا وهي واضحة الدلالة على أن ما أخذ في موضوع الحكم إنما هو حلية الأكل وأن لا يكون مما قد نهينا عن أكله أو حرم علينا أكله، ولو فرض كونه غير متعارف الأكل. وحينئذ يقع التعارض بين إطلاقها وإطلاق ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل وبعد التساقط يرجع إلى أصالة الطهارة. فالصحيح هو طهارة بول وخرء غير المأكول من الحيوان المحلل شرعا. وأما الناحية الثانية - وهي في حكم بول الحمير والبغال والخيل بلحاظ عناوينها. فقد وقع الخلاف بين الأصحاب في نجاسة بولها بعد التسالم تقريبا على طهارة أرواثها استنادا إلى عدة نصوص ادعي دلالتها على نجاسة أبوالها.


 
(1) وسائل الشيعة باب 2 من لباس المصلي.

 

[ 30 ]

والإنصاف أن هنالك في الروايات الواردة بهذا الشأن ما لا ينبغي الاستشكال في تماميتها سندا ودلالة على التفصيل بين أبوال الخيل والبغال والحمير وأرواثها. من قبيل رواية الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن أبوال الخيل والبغال، فقال: اغسل ما أصابك منه " (1) ورواية أخرى عنه أيضا " عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بروث الحمير واغسل أبوالها " (2) ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله عن الرجل يمسه بعض أبوال البهائم أيغسله أم لا؟ قال: يغسل بول الحمار والفرس والبغل فأما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (3). نعم مثل رواية أبي مريم " ما تقول في أبوال الدواب وأرواثها قال: أما أبوالها فاغسل ما أصاب ثوبك وأما أرواثها فهي أكثر من ذلك " (4) ونحوها رواية عبد الأعلى (5). لا يمكن أن يستفاد منها النجاسة وذلك باعتبار ما جاء في ذيلها من قوله (ع) " وأما أرواثها فهي أكثر من ذلك " فإنه سواء حمل على التفصيل بين البول والروث بأن يراد من الأكثرية الكثرة في الكم الموجب لعسر التجنب عنه، أو حمل - ولو بعيدا - على أن الروث أولى بالغسل باعتباره أكثر قذارة وأشد، كان شاهدا على عدم المحذور اللزومي في الغسل من البول أما على الأول فلوضوح أن مجرد الأكثرية لا تكون موجبة بحسب المناسبات العرفية لرفع اليد عن الحكم بالنجاسة إلا في الأحكام التنزيهية مما يجعل الأمر بالغسل عن البول ظاهرا في التنزه وأما على الثاني، فبعد البناء المتشرعي فتوى ونصا على طهارة الروث من الحيوانات المذكورة لا يبقى للأمر بالغسل من البول الذي هو أقل محذورا من الروث


 
(1) (2) (3) (4) (5) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

 

[ 31 ]

دلالة على غير التنزه والاستحباب. ومثلهما أيضا رواية محمد بن مسلم التي جاء فيها " فإن لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله وإن شككت فانضحه " (1) حيث قد يقال إن المستفاد من أمره بالنضح في فرض الشك أن المحذور المراد التخلص عنه ليس محذور النجاسة اللزومية فإنها لا ترتفع بالنضح بل تزداد وتتسع وباعتبار وحدة السياق يفهم أن الأمر بالغسل في فرض العلم أيضا ليس لزوميا ولا أقل من صلاحيته للإجمال وعدم ظهوره في اللزوم. وعلى أي حال. ففي الروايات الأولى الواضحة في الدلالة على نجاسة البول كفاية. غير أن المشهور ذهبوا إلى القول بالطهارة حيث لم ينقل القول بالنجاسة عن غير ابن جنيد (ره) والشيخ (ره) في بعض كتبه من المتقدمين وصاحب الحدائق والمحقق الأردبيلي - رهما - من المتأخرين. وما يمكن أن يذكر لتخريج فتوى المشهور أحد طريقين. الأول - ما أفاده السيد الأستاذ - دام ظله - بعد أن ناقش في سند بعض الروايات التي استدل بها لإثبات الطهارة من دعوى قيام السيرة القطعية على معاملة أبوال هذه الحيوانات وأرواثها معاملة الطاهر فلا بد من حمل ما يأمر بالغسل منها على التنزه. والتحقيق: أن السيرة المدعاة في المقام بالإمكان تقريبها بأحد أنحاء النحو الأول - أن يراد بها السيرة العملية لدى المتشرعة بما هم متشرعة ويستند في ثبوت هذه السيرة في عصر الأئمة عليهم السلام إلى قيامها في العصور المتأخرة التي تعلم حالها مباشرة فيستكشف من قيامها في هذه العصور أنها كانت قائمة منذ عصر الأئمة، وعمل المتشرعة في ذلك العصر


 
(1) وسائل الشيعة باب 9 من النجاسات.

 

[ 32 ]

يكشف إنا عن الدليل على الطهارة. وهذا الطريق في إثبات السيرة عهدته على مدعيه. لأن تكون السيرة في زمان متأخر بمجرده وبدون ضم نكتة خاصة لا يكشف عن ذلك إذ قد يكون متأثرا بعوامل حادثة كانتشار الفتوى بالطهارة تدريجا ونحو ذلك لا إلى انعقادها منذ عصر الأئمة عليهم السلام. ومما يؤيد ذلك ذهاب بعض العلماء المتقدمين إلى النجاسة - كما أشرنا إليه - فإنه لا يناسب استقرار السيرة القاطعة منذ ذلك الزمان على الطهارة. النحو الثاني أن يقال إن مقتضى الطبع العقلائي أو مقتضى شدة ابتلاء الناس بأبوال الدواب وصعوبة التحرز عنها هو مساورتها، وكل ما توفرت الدوافع النوعية على الإقدام عليه لو كان ممنوعا شرعا لحصل الردع عنه وحيث لم يحصل ردع عن ذلك في المقام فيستكشف إمضاء ما يقتضيه طبع القضية من مساورة تلك الأبوال. وهذا استدلال بالسيرة العقلائية، ولهذا يحتاج إلى ضم دعوى عدم الردع بينما التقريب السابق استدلال بسيرة المتشرعة التي هي بنفسها دليل إني على الطهارة. والجواب عليه، أن أوامر الغسل الواردة في الروايات صالحة للردع لو سلم اقتضاء طبع القضية للإقدام على مساورة تلك الأبوال. النحو الثالث - أن يدعى ثبوت سيرة المتشرعة في عصر الأئمة (ع) على الطهارة لكن لا يستدل على هذه السيرة بقيامها في العصور المتأخرة كما هو الحال في النحو الأول بل ببيان آخر، وحاصله: أن هذه المسألة حيث إنها كانت محل ابتلاء المتشرعة آنذاك كثيرا فلا بد وأن يكون الحكم فيها واضحا عندهم، كما هي العادة في المسائل التي يعم فيها الابتلاء ويكثر التعرض لها. وعليه نتساءل: ما هو الحكم الذي كان واضحا عندهم


 

[ 33 ]

وثابتا في ارتكازهم؟ فإن كان هو الطهارة ثبت المطلوب، وإن كان هو النجاسة فكيف نفسر ذهاب مشهور فقهاء الإمامية إلى الحكم بالطهارة رغم تظافر الروايات الآمرة بالغسل والمطابقة لارتكاز النجاسة المفترض. وبقدر ما يضعف احتمال ذهاب المشهور إلى خلاف ارتكاز متشرعي عام متطابق مع روايات عديدة يقوى الظن بأن الارتكاز كان منعقدا على الطهارة. ولكن في قبال ضعف احتمال ذهاب المشهور إلى خلاف ارتكاز متشرعي عام مطابق لعدد من الروايات يوجد استبعاد آخر وهو استبعاد قيام ارتكاز متشرعي عام على الطهارة مع أن الارتكازات تعتمد في نشوئها عادة على بيان الأئمة (ع). وما وصلنا من بياناتهم مما يدل بظاهره على النجاسة لعله أضعاف ما وصل مما يدل على الطهارة. ولكن هذا على أي حال إن أزال وثوقنا بانعقاد الارتكاز المتشرعي المعاصر للنصوص على الطهارة بنحو يمتنع الاستدلال بالسيرة مباشرة فلا يزيل احتمال ذلك بنحو معتد به. وهذا الاحتمال ينفع حينئذ لا في تتميم الاستدلال بالسيرة، بل في إيجاد الإجمال في البيانات الآمرة بالغسل المروية، لأن الارتكاز المذكور على تقدير ثبوته يصلح أن يكون بمثابة القرينة اللبية المتصلة للحمل على التنزه والاستحباب فيكون احتماله من احتمال القرينة المتصلة. واحتمال القرينة المتصلة كاحتمال قرينية المتصل يوجب الإجمال عندنا حيث لا يكون المحتمل من سنخ القرائن اللفظية ونحوها مما تدخل في نطاق تعهد الراوي بنقلها ويعتبر عدم نقله لها شهادة بعدمها. وذلك كما في القرائن اللبية الارتكازية التي لا يوجد من الراوي تعهد بالتعرض لها ليكون سكوته شهادة بعدمها. اللهم إلا أن يقال: إن بعض الروايات الدالة على النجاسة قوية الظهور في ذلك على نحو لا يصلح الارتكاز المفترض أن يكون قرينة على تأويل ظهورها أو إسقاط صراحتها. من قبيل ما يأتي مما دل على أن أبوالها كبول


 

[ 34 ]

الإنسان، فإن حمل مثل هذا اللسان على التنزه بعيد جدا. الثاني: تصحيح ما يدل على الطهارة من الروايات. من قبيل رواية أبي الأغر النحاس قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) إني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت فيضرب أحدها برجله فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه. فقال: ليس عليك شئ " (1) وهي واضحة الدلالة في نفي المحذور عن أبوالها وأرواثها، والاشكال في سندها بأبي الأغر النحاس يمكن دفعه بالتوثيق العام لمن يروي عنه أحد الثلاثة، فإنه قد روى عنه ابن أبي عمير وصفوان والطريق صحيح. فتتم الرواية سندا ودلالة وبها يحمل الأمر بالغسل في الروايات الأخرى على التنزه والاستحباب. ومنها رواية عبد الله بن أبي يعفور قال: " كنا في جنازة وقدامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا وثيابنا فدخلنا على أبي عبد الله (ع) فأخبرناه. فقال: ليس عليكم بأس " (2) وهي كسابقتها في الدلالة. كما أن الاشكال في سندها بالحكم بن مسكين يندفع برواية ابن أبي عمير والبزنطي عنه فتصح وتكون قرينة على حمل الأمر بالغسل على الاستحباب. نعم هنا إشكال. وهو أن هاتين الروايتين إذا صحتا لا تصلحان قرينة في مقابل رواية سماعة قال: " سألته عن أبوال السنور والكلب والحمار والفرس قال: كأبوال الإنسان " (3). لقوة ظهورها في النجاسة على نحو يكون حمل تشبيه بول الحمار ببول الإنسان على مجرد التنزه غير عرفي. وحينئذ تحصل المعارضة بين رواية سماعة


 
(1) و (2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

 

[ 35 ]

[ وكذا من حرام اللحم الذي ليس له دم سائل كالسمك المحرم ونحوه (1). ] وما دل على الطهارة وبعد التساقط يمكن الرجوع إلى الأوامر بالغسل في سائر الروايات. لأن تلك الأوامر لا تقع طرفا في هذه المعارضة لصلاحية ما دل على الطهارة للقرينية بالنسبة إليها، فتكون بمثابة العام الفوقي فتثبت النجاسة. وقد يمكن التخلص عن ذلك بدعوى عدم تسليم التساقط ولزوم ترجيح روايات الطهارة لأنها مخالفة للعامة، ومع وجود المرجح العلاجي لا تصل النوبة إلى التساقط. (1) مما استثني عن كبرى نجاسة بول ما لا يؤكل، ما لا نفس سائلة له. والبحث فيه يقع تارة بلحاظ مقتضي النجاسة وإطلاقه له في نفسه، وأخرى بلحاظ ما نخرج به عن ذلك. أما البحث عن المقتضي. فالظاهر تمامية الإطلاق في روايات اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل فإنه شامل لكل حيوان لحمي محرم الأكل شرعا. ولا وجه لدعوى الانصراف عما ليس له نفس سائلة منه. نعم الحيوان غير اللحمي قد أشرنا فيما سبق إلى أنه لا يبعد انصراف العنوان المذكور عنه فالمقتضي لنجاسة بول مثل السمك المحرم تام. وأما الخرء منه فنجاسته مبنية على دعوى الملازمة المتقدمة، أو عدم القول بالفصل. وأما البحث عن المانع الذي نرفع اليد به عن إطلاق دليل النجاسة فيتمثل في إحدى روايتين. الأولى: رواية حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه - عليهما السلام - قال: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (1).


 
(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات.

 

[ 36 ]

وتقريب الاستدلال بها، هو دعوى إطلاقها لما إذا لاقى الماء مع بول أو خرء ما ليس له نفس سائلة. وفيه بقطع النظر عن الاشكال في سند الرواية الذي سوف يأتي حله في بعض الأبحاث المقبلة أنها لا تدل على المدعى فإن تمام النظر فيها إلى حيثية فساد الماء بالحيوان أو بميتته من حيث كونه حيوانا ذا نفس أو ليس ذا نفس، فلا تكون الرواية في مقام بيان فساد الماء بنجاسة حيثيات الحيوان ذي النفس وعدم فساده بشئ من حيثيات الحيوان غير ذي النفس كي يتمسك بالإطلاق فيها. ثم لو فرضنا إطلاقها تقع طرفا للمعارضة مع عموم نجاسة بول الحيوان غير المأكول بنحو العموم من وجه، فهل تقدم الرواية أو ذاك العموم؟ الصحيح: أن تقديمها على ذلك العموم موقوف على تمامية أحد وجهين: الوجه الأول - دعوى حكومتها عليه بملاك النظر المستفاد من ظهور سياقها في الاستثناء بعد الفراغ عن ثبوت النجاسة في الجملة بنحو القضية المهملة. الوجه الثاني - دعوى أن هذه الرواية أخص مطلقا من مجموع أدلة نجاسة الميتة وأدلة نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، لأن تقديم هذا المجموع عليها يوجب إلغاءها. وحينئذ، فتارة نقول بأن أخصية دليل من مجموع دليلين توجب صلاحيته للقرينية عليهما وتقدمه عليهما معا بلحاظ أن الأخص من مجموع الدليلين لو فرض اتصالهما واتصاله بهما لكان صالحا للقرينية على تقييد كل منهما، وكل ما كان كذلك في فرض الاتصال فهو موجب لهدم الحجية والتقدم بالقرينية في فرض الانفصال. وأخرى نقول: بأن الدليل الأخص من مجموع دليلين يستحق التقدم بملاك الأخصية على المجموع بما هو مجموع لا على الجميع، وبعد التقديم على المجموع يحصل التعارض بين إطلاق الدليلين المكونين للمجموع الأعم. فعلى الأول تقدم الرواية على كل من دليلي نجاسة الميتة ونجاسة البول


 

[ 37 ]

ابتداء. وعلى الثاني تقدم الرواية على مجموع الدليلين لا جميعهما، وتقع المعارضة بعد ذلك بين إطلاق دليل نجاسة الميتة وإطلاق دليل نجاسة البول فيتساقطان وتكون النتيجة هي الطهارة أيضا. إلا أن جعل المعارضة بين الرواية ومجموع دليلي نجاسة الميتة ونجاسة البول يتوقف أولا، على افتراض وجود إطلاق في كل من الدليلين. مع إمكان نفي الإطلاق في أدلة نجاسة الميتة لمثل ميتة السمك ونحوها مما لا نفس له سائلة، كما سيأتي. وثانيا: بعد فرض تسليم الإطلاق في كل منهما، على أن تكون نسبة الرواية إلى كل من الإطلاقين على حد واحد، مع أن الرواية صريحة في نفي نجاسة الميتة، فإطلاق دليل نجاسة الميتة ساقط على كل حال وليس الأمر دائرا بين سقوطه وسقوط إطلاق دليل نجاسة البول. الرواية الثانية - موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) قال " سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه؟ قال: كل ما ليس له دم فلا بأس " (1) وتقريب دلالتها: أنها نفت البأس عن موت ما ليس له نفس وتفسخه في شبه الزيت والسمن من المايعات فتدل على طهارته وطهارة ما في جوفه من البول أو سائر الفضلات (2). ويرد عليه: أن المنفي عنه البأس في قوله (كل ما ليس له دم فلا بأس) إما أن يكون هو الميت من الحيوان بمعنى أن كل ما ليس له دم فلا بأس بميتته. وإما أن يكون هو موت الحيوان في الزيت والسمن بمعنى أنه لا بأس بموت الحيوان الذي ليس له دم في الزيت ونحوه. فعلى الأول تكون الرواية بمدلولها المطابقي دالة على نفي النجاسة عن الميتة الواقعة في


 
(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات. (2) التنقيح ص 418 ج 1.

 

[ 38 ]

[ (مسألة - 1) ملاقاة الغائط في الباطن لا توجب النجاسة كالنوى الخارج من الإنسان أو الدود الخارج منه إذا لم يكن معه شئ من الغائط، وإن كان ملاقيا له في الباطن. نعم لو أدخل من الخارج شيئا فلاقى الغائط في الباطن كشيشة الاحتقان إن علم ملاقاتها له الأحوط الاجتناب عنه، وأما إذا شك في ملاقاته فلا يحكم عليه بالنجاسة، فلو خرج ماء الاحتقان ولم ] الزيت التي ليس لها دم، ولا تكون ناظرة إلى نفي النجاسة عن بولها وخرئها. ولا معنى للتمسك بإطلاقها لصورة تفسخ الميتة واشتمالها على البول والخرء لأن الإطلاق إنما يقتضي تعميم ما هو المنظور والمقصود بالإفادة في الرواية وهو طهارة الميتة لا طهارة شئ آخر. نعم لو ثبتت الملازمة العادية أو الغالبية بين اشتمال الزيت على الميتة وتفسخها وظهور مدفوعها بولا وخرءا أمكن جعل الرواية دليلا بالالتزام على طهارة المدفوع لئلا يلزم كون الحكم بالطهارة ونفي البأس جهتيا محضا. ولكن هذه الملازمة غير ثابتة خصوصا أن مورد الرواية هو الذباب والجراد ونحوهما. وأما على الثاني، فمن الواضح أن موت ما ليس له دم في الزيت بما هو ليس مما يحتمل كونه محذورا وإنما يحتمل كونه منشأ للمحذور فنفي البأس يعني نفي نشوء محذور منه. فإن ادعي انصراف هذا المحذور المنفي إلى محذور الميتة فالأمر كما تقدم. وإن أنكرنا هذا الانصراف وتمسكنا بالإطلاق أمكن تتميم الاستدلال في المقام. وهكذا يتضح عدم وجود ما يمكن أن يخرج به عن إطلاق دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه من الحيوان غير ذي النفس السائلة، وإن كانت الشهرة منعقدة على الطهارة فيكون الحكم بالنجاسة هو الأحوط.


 

[ 39 ]

[ يعلم خلطه في الغائط ولا ملاقاته له لا يحكم بنجاسته (1). ] (1) بعد الفراغ عن تنجس الملاقي مع النجس في الخارج يقع البحث عن النجاسة الداخلية والملاقاة في الداخل. وتحقيق هذه المسألة يقع في جهات: الأولى: فيما إذا كان النجس الملاقى - بالفتح - داخليا بالمعنى الأخص أي على نحو لا يمكن إدراكه والوصول إليه عادة، كالبول في المثانة ونحو ذلك. والظاهر في مثل ذلك عدم انفعال الملاقي - بالكسر - سواء كان داخليا أو خارجيا، وذلك لعدم ثبوت نجاسة تلك الأعيان في حالة كونها داخلية لكي يترتب على ذلك انفعال الملاقي لها. لأن أدلة نجاسة النجاسات كالبول والغائط والدم وغيره لم تدل عليها بعناوينها المطلقة المنطبقة على مصداقها في الداخل أيضا وإنما هي روايات خاصة واردة كلها في موارد النجاسات في الخارج وليس لها إطلاق للمصداق الداخلي المذكور، ولا يقتضي الارتكاز العرفي التعدي وإلغاء الخصوصية لاحتمال الفرق عرفا بين الداخلي والخارجي على حد الفرق بين ماء الريق والبصاق، وعليه فلا مقتضي لنجاسة الملاقي في مثل ذلك بل مقتضى القاعدة الطهارة سواء كان الملاقي داخليا أو خارجيا. وقد يستدل على طهارة الملاقي الداخلي بالخصوص بتقريبات أخرى كما في كلمات السيد الأستاذ - دام ظله -. منها - الاستناد إلى ما دل على طهارة المذي أو البلل الخارج من فرج المرأة (1) فإنه يلاقي مجرى البول والدم والمني فلو كانت ملاقاة شئ من ذلك موجبة لنجاسة مواضعها الداخلية لكان البلل الملاقي لتلك المواضع محكوما عليه بالنجاسة لا محالة.


 
(1) وسائل الشيعة باب 55 من أبواب النجاسات.

 

[ 40 ]

ومنها - الاستناد إلى ما دل على عدم وجوب غسل ما عدا الظاهر في الاستنجاء وفي دم الرعاف، ففي رواية إبراهيم بن أبي محمود " إنما عليه أن يغسل ما ظهر منه " (1) مع أن البواطن ملاقية للدم والغائط وهذا يدل على عدم انفعالها. ومنها - أن النجاسة تستفاد من الأمر بغسلها ولم يرد أمر بغسل البواطن فيستكشف من ذلك عدم انفعالها بالملاقاة (2). أما التقريب الأول، فهو لا يثبت عدم انفعال الملاقي الداخلي وإنما يثبت - على أفضل تقدير - أنه على فرض انفعاله ليس مما تبقى نجاسته بعد انفصاله عن عين النجاسة وزوالها عنه. وهذا متيقن على أي حال سواء قيل بالنجاسة أو لا، للفراغ عن أن البواطن إذا لاقت مع النجاسة لا تحتاج إلى غسل لكي تطهر فأي محذور في فرض نجاسة المجرى بالملاقاة للبول وارتفاع النجاسة عنه بزوال عين النجاسة عنه، بل في فرض نجاسة الرطوبة الخارجة نفسها عند ملاقاتها للبول وزوال النجاسة عنها بانفصالها عن البول. والحاصل أن تنجس الباطن بالملاقاة شئ وعدم بقاء النجاسة بعد انفصال عين النجاسة شئ آخر، وما يثبت بالتقريب المذكور الثاني وما يراد نفيه الأول. فإن قيل: إن مقتضى إطلاق دليل طهارة البلل الخارج من فرج المرأة طهارته ولو كان المجرى متلوثا بالبول فعلا وهذا يعني عدم انفعاله بملاقاة البول وهو المراد. قلنا: إن الإطلاق المذكور لو سلم لا ينفي انفعال البلل عند ملاقاته للبول، غاية الأمر أنه يطهر بانفصاله عن عين النجاسة باعتباره شيئا باطنيا


 
(1) وسائل الشيعة باب 24 من أبواب الماء المطلق. (2) التنقيح الجزء الأول ص 420.

 

[ 41 ]

ما لم يخرج فيكون زوال العين عنه من المطهرات، وهذا غير عدم الانفعال رأسا. هذا على أن دليل طهارة البلل المذكور ناظر مطابقة إلى نفي النجاسة الذاتية ولا ينفي فرض النجاسة العرضية أحيانا. نعم لو التزم بنجاسته العرضية غالبا للزم حمل دليل الطهارة على أمر جهتي وحيثي غير مفيد في مقام العمل وهو خلاف ظاهر الدليل، فبدلالة الاقتضاء العرفية تنفى النجاسة العرضية أيضا بمقدار يخرج به مفاد الدليل عن كونه مجرد أمر جهتي غير عملي، ويكفي في ذلك الالتزام بعدم النجاسة العرضية في موارد عدم العلم بالملاقاة مع البول في الداخل وإن علم بالملاقاة مع المجرى لأن المجرى لو تنجس يطهر بزول العين. وأما التقريب الثاني، فيرد عليه: أن نفي الأمر بغسل البواطن كما قد يكون بنكتة طهارة تلك الأشياء الداخلية وعدم تنجس البواطن كذلك قد يكون بنكتة أن نجاسة البواطن غير مضرة بالوظايف العملية الشرعية لأن المطلوب في الصلاة طهارة الظاهر فقط. وأما التقريب الثالث ففيه أن نجاسة الباطن على تقدير ثبوتها لا إشكال في عدم احتياجها في مقام التطهير إلى الغسل لكفاية زوال العين في طهارتها فلا يمكن أن يستكشف من عدم ورود أمر بغسل البواطن أنها لا تتنجس أصلا. فالعمدة في إثبات عدم النجاسة الرجوع إلى الأصل بعد قصور أدلة النجاسات عن الشمول للبول والدم الداخليين وأمثالهما. الجهة الثانية: فيما إذا كان النجس داخليا بالمعنى الأعم من قبيل الدم المتكون في فضاء الفم أو في داخل الأنف وكان الملاقي داخليا أيضا كالأسنان الملاقية لذلك الدم. وفي مثل ذلك إذا منعنا من إطلاق أدلة نجاسة الدم ونحوه لمثل هذا المصداق الداخلي أيضا فلا إشكال في عدم الانفعال، وإذا سلمنا بالإطلاق المذكور فلا موجب أيضا للحكم بانفعال الملاقي لأن الحكم


 

[ 42 ]

بانفعاله وإنما يثبت بإطلاقات الأمر بالغسل وحيث إن من المفروغ عنه في البواطن عدم توقف طهارتها على الغسل وكفاية زوال العين في ارتفاع النجاسة عنها على تقدير انفعالها فلا تشملها الإطلاقات المزبورة، ومع عدم الشمول لا يبقى دليل على انفعال البواطن بالملاقاة، فيرجع إلى القاعدة المقتضية للطهارة. الجهة الثالثة: فيما إذا كان النجس خارجيا وكان الملاقي باطنيا ولو بالمعنى الأعم، وفي مثل ذلك لا إشكال في نجاسة الملاقى - بالفتح - لفرض كونه خارجيا، ولكن لا دليل على انفعال الباطن بملاقاته لنفس التقريب السابق حيث إن دليل الانفعال هو إطلاقات الأمر بالغسل وهي غير شاملة للبواطن حتى لو قيل بانفعالها بالملاقاة فلا يبقى دليل على تنجس الباطن بالملاقاة. الجهة الرابعة: فيما إذا كان النجس داخليا بالمعنى الأعم كما فرض في الجهة الثانية وكان الملاقي خارجيا، كما إذا أدخل الإنسان إصبعه إلى فمه فلاقى مع الدم في الداخل ولم يعلق به شئ عند إخراجه. وثبوت التنجيس هنا موقوف على أمرين: أحدهما شمول دليل نجاسة الدم للدم الداخلي بالمعنى الأعم. والآخر، عدم الفرق في الملاقاة المنجسة بين الملاقاة الواقعة في الخارج والملاقاة الواقعة في الداخل. والأمر الثاني تام على ما يأتي، وإنما الكلام في الأمر الأول، إذ قد يقال: إن دليل نجاسة الدم كما يكون قاصرا عن الشمول للدم الداخلي بالمعنى الأخص كذلك يقصر عن الشمول للدم الداخلي بالمعنى الأعم. وقد يقال: بأن إطلاقات روايات الأمر بغسل ما أصابه الدم كافية لإثبات نجاسة الدم المفروض في المقام وانفعال الأمر الخارجي بملاقاته، إذ يصح أن يقال حين يدخل الشخص إصبعه في فمه فيلاقي الدم أن إصبعه أصابه الدم فتشمله إطلاقات الأمر بالغسل. ولكن الإنصاف، أن الحصول على إطلاقات تشمل محل الكلام في غاية الإشكال لأن الروايات التي فرض فيها


 

[ 43 ]

أن الثوب ونحوه أصابه الدم مسوقة على الأكثر لبيان حكم طولي بعد الفراغ عن النجاسة، من قبيل الحكم بوجوب الإعادة على من صلى في ذلك الثوب وعدم وجوبها. ويأتي في بحث نجاسة الدم الاستشكال في أصل وجود إطلاق يدل على نجاسة كل دم فضلا عن أن يشمل الدم الداخلي. ولعل أحسن ما يدعى هناك من إطلاق قوله في موثقة عمار: " إلا أن ترى في منقاره دما فلا تتوضأ ولا تشرب " (1) ومن الواضح أن هذا الإطلاق لو تم شموله لكل دم خارجي فلا يشمل محل الكلام. الجهة الخامسة: فيما إذا كان الملاقي والملاقى معا خارجيين غير أن ظرف ملاقاتهما كان في الباطن، كما لو أدخل الإنسان إصبعه النجس إلى فمه فلاقى مع إصبعه الآخر داخل فضاء الفم. والحكم بعدم التنجيس هنا موقوف على أن تتم دعوى احتمال الفرق عرفا بين الملاقاة بين شيئين في الخارج والملاقاة بينهما في الداخل، بعد افتراض عدم الإطلاق اللفظي في أوامر الغسل. وكلا المطلبين محل تأمل بل منع. إذ لا وجه للمنع عن إطلاق الأمر بالغسل في رواية عمار لكل ما أصابه ذلك الماء من الأمور الخارجية سواء كانت الإصابة في الخارج أو الداخل. كما أن دعوى إلغاء العرف خصوصية الخارج وكون الملاقاة في هذا المكان أو ذاك لا غبار عليها. لا يقال: هذا الارتكاز مناقض بارتكاز عدم الفرق بين ملاقاة الخارجيين في الباطن كملاقاة الإصبع مع دم محمول إلى جوف الفم من الخارج وبين ملاقاة الخارجي مع الدم الداخلي في جوف الفم التي حكم فيها بعدم الانفعال كالدم الخارج من الأسنان فإن كليهما حسب النظر العرفي من سنخ واحد، ولعله إليه استند من أفتى بالطهارة في هذه الجهة.


 
(1) وسائل الشيعة باب 4 من الأسسئار.

 

[ 44 ]

[ (مسألة - 2) لا مانع من بيع البول والغائط من مأكول اللحم (1) وأما بيعها من غير المأكول فلا يجوز (2) نعم يجوز ] فإنه يقال - أولا: إنه يوجد احتمال الفرق بينهما، لما تقدم من اختلاف النظر العرفي في باب الاستقذارات بين المادة الخارجة عن موطنها وغير الخارجة. وثانيا: لو سلم ارتكاز عدم الفرق فهو يقتضي الحكم بالنجاسة في الصورتين لا الطهارة، لوضوح أن الحكم بالطهارة في المسألة الثانية لم يكن من جهة عدم الدليل عليه وإنما كان من جهة عدم الدليل المثبت للنجاسة فلو فرضت الملازمة عرفا بينهما كانت أوامر الغسل دالة على النجاسة في المسألتين معا كما هو واضح. (1) تمسكا بإطلاقات أدلة حلية البيع بعد فرض وجود المالية بلحاظ بعض المنافع المحللة، أو فرض إنكار دخل المالية في مفهوم البيع، أو تمسكا بإطلاقات صحة العقود والتجارات لو سلم تقوم عنوان البيع بالمالية وعدمها في المقام، ولا مقيد لكل تلك الإطلاقات إلا النبوي المرسل " إذا حرم الله أكل شئ حرم ثمنه " (1) وهو ساقط عن الحجية. وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله. (2) إما للإجماع، أو لعدم المالية، أو لقيام دليل على عدم جواز بيع النجس بعنوانه، أو للملازمة بين تحريم الشئ وتحريم ثمنه المستفادة من النبوي المرسل، أو للروايات الخاصة المانعة في العذرة المبتلاة بالمعارض. وكل هذه الوجوه لا يمكن التعويل عليها كما حققناه في محله، فالظاهر جواز بيعها.


 
(1) المستدرك باب 6 من أبواب ما يكتسب به.

 

[ 45 ]

[ الانتفاع بها في التسميد ونحوه (1). (مسألة - 3) إذا لم يعلم كون حيوان معين أنه مأكول اللحم أو لا لا يحكم بنجاسة بوله وروثه (2). ] (1) لعدم تمامية ما استدل به المانعون على عدم جواز الانتفاع بالنجس ولو تم الدليل على ذلك لاقتضى سلب المالية عنه وبطلان بيعه والصحيح عدم وجود دليل يقتضي المنع من سائر الانتفاعات بالنجس على نحو يحتاج جواز الانتفاع إلى مخصص بل الأصل جواز الانتفاع إلا حيث يقوم دليل على حرمته ولم يقم دليل على ذلك في المقام. وتفاصيل هذه المسائل موكولة إلى محلها. (2) تارة يكون الشك في نجاسة البول والخرء من جهة الشك في كون الحيوان شاة فيكون مأكول اللحم أو ذئبا فلا يكون مأكولا، وهذه شبهة موضوعية. وأخرى يكون من جهة الشك في أن الحيوان المتولد من أبوين حلال وحرام هل يلحق بالحرام أو الحلال وهذه شبهة حكمية من حيث حلية اللحم وحرمته وإن كانت بلحاظ النجاسة قد يترائى أنها شبهة موضوعية دائما لدليل نجاسة بول غير المأكول، غير أنه سوف يتضح أنه ليس بصحيح على إطلاقه. وتفصيل الكلام في هذا الفرع: أنا تارة نفترض أخذ عنوان غير المأكول في دليل النجاسة بنحو المعرفية إلى العناوين التفصيلية من الحيوان المحرم، وأخرى نفترضه بنحو الموضوعية فالبحث يقع على تقديرين. الأول: ما لو كان عنوان المأكول مأخوذا بنحو المعرفية إلى العناوين التفصيلية للحيوان، فوقع الشك في حلية لحم حيوان وحرمته بنحو الشبهة الموضوعية أو الحكمية. والبحث على هذا التقدير على مستوى الأصل اللفظي


 

[ 46 ]

تارة والأصل العملي أخرى. أما الأصل اللفظي ففيما إذا كانت الشبهة موضوعية من جهة تردد الحيوان بين الشاة والذئب مثلا، لا يوجد أصل لفظي يمكن أن يثبت به النجاسة أو الطهارة، لأن الشك في موضوع دليل النجاسة فلا يمكن التمسك به. وأما إذا كانت الشبهة حكمية من جهة تردد الحيوان بين اللحوق بالحرام أو الحلال من أبويه، فالشبهة تكون حكمية أيضا بلحاظ دليل نجاسة غير المأكول لأن موضوعه واقع الحيوان غير المأكول من الذئب والسبع ونحوه، كما إذا قال اغسل من أبوال الكلب والذئب والسبع. وحينئذ إن تم مطلق فوقاني على نجاسة كل بول وخرج عنه بول المأكول، كان المقام من موارد الشك في التخصيص الزائد بعد إجمال المخصص المنفصل. فيتمسك فيه بالعام لإثبات النجاسة. وإذا منعنا عن وجود مطلق فوقاني وكان المطلق الثابت في حدود غير المأكول من الحيوان أصبح المقام من موارد الشك في شمول العام وإجماله بالنسبة للمشكوك، فلا يمكن التمسك به لإثبات النجاسة. وأما الأصل العملي فلا يفيد لإثبات الطهارة أو نفي النجاسة إجراء استصحاب عدم الحرمة بنحو العدم الأزلي الثابت قبل وجود الحيوان - على القول به في الأعدام الأزلية - أو إجراء أصالة الحل، إذ المفروض عدم ترتب الحكم على عنوان الحرام أو الحلال. بل التحقيق أن يقال: إن الشك إن كان من جهة الاشتباه الخارجي وتردد الحيوان بين أن يكون ذئبا أو شاة، أمكن إجراء استصحاب عدم كونه ذئبا لنفي موضوع النجاسة لو كان دليل نجاسة البول موضوعه ما يحرم أكله بالخصوص، أو استصحاب عدم كونه شاة لإثبات موضوع


 

[ 47 ]

النجاسة لو كان موضوعه مطلق البول خرج منه ما يحل أكله. وقد يتوهم: عدم جريان هذه الاستصحابات للأعدام الأزلية في المقام على أساس أن المشكوك عنوان ذاتي وليس عرضيا، بناء على التفصيل في جريان استصحاب العدم الأزلي بين العناوين الذاتية وغيرها. ويندفع هذا التوهم: بأن موضوع الحكم هو العنوان العرفي للذئب والشاة مثلا، ولا شك في تقومه بجملة من الخصوصيات العرضية القابلة لاستصحاب العدم الأزلي حتى عند من يقول بالتفصيل المذكور. وأما إذا كانت الشبهة من جهة الشك في حلية الحيوان المتولد من أبوين مخلتفين - والمفروض عدم تحصيل دليل اجتهادي على الحلية إثباتا ونفيا - فبالإمكان إثبات الحكم بالطهارة باستصحاب عدم نسخها الثابت في أول عصر التشريع حيث أمضى ما كان على العرف والعقلاء أولا ثم استثنى عنه شيئا فشيئا. بناء على أن لا يكون هنالك استقذار عرفي لبول الحيوان المتولد على نحو يمنع عن استفادة إمضاء الحكم بالطهارة. وأما التمسك بأصالة الطهارة فسوف نبحث عن تماميتها في التقدير الآتي. التقدير الثاني: أن يكون عنوان غير المأكول مأخوذا بنحو الموضوعية في دليل النجاسة والبحث هنا أيضا فيما تقتضيه الأدلة الاجتهادية تارة، والأصل العملي أخرى. أما الدليل الاجتهادي، فقد يقال فيه بأن التمسك بمطلقات نجاسة البول الفوقانية - بناء على القول بها - متعذر حتى لو كانت الشبهة في حلية الحيوان وحرمته الحكمية، لأن الشبهة بلحاظ ما هو موضوع نجاسة البول وطهارته مصداقية بين العام ومخصصه، لأن الحرمة والحلية موضوعان للنجاسة والطهارة. ولكن الصحيح إمكان التمسك بعموم نجاسة البول - لو تم في نفسه -


 

[ 48 ]

إذا كانت الشبهة في حرمة الحيوان وحليته حكمية - كما في المتولد من أبوين مختلفين - وذلك بناء على ما سلكناه وحققناه في الأصول من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه فيما إذا كانت الشبهة حكمية في نفسها (1). وفي المقام الشك في حلية الحيوان وحرمته شبهة حكمية في نفسها وإن كانت مصداقية بلحاظ العام المخصص فيجوز التمسك فيها بالعام. غير أن هذا البيان موقوف على أن يكون دليل نجاسة البول قد دل على ذلك بالعموم لا بالإطلاق فإنا إنما صححنا التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه في العمومات دون المطلقات. مع أنك عرفت عدم تمامية ما يدل على نجاسة البول بالإطلاق فضلا عن العموم. وعليه فلا أصل على مستوى الأدلة الاجتهادية يمكن التمسك به لإثبات النجاسة أو الطهارة في المقام. وأما الأصل العملي. فإن كانت الشبهة حكمية كالحيوان المتولد من حلال وحرام، فإن فرض وجود عموم يدل على حلية كل حيوان أو حرمته إلا ما خرج بالتخصيص كان هو المرجع وبه يتنقح موضوع دليل الطهارة أو النجاسة. وإن لم يكن هناك عموم من ذك القبيل فالمرجع استصحاب عدم الحرمة الثابت ولو في صدر التشريع، بناء على جريان استصحاب عدم النسخ، وبه يتنقح موضوع نفي النجاسة أو الحكم بالطهارة، ولو لم نبن على جريان استصحاب عدم النسخ كان المرجع أصالة الحل وحيث أنها أصل تنزيلي فيترتب عليها آثار الحلية الواقعية التي منها طهارة المدفوع. نعم لو لم نبن على تنزيليتها، أو بنينا على أصالة الاحتياط في اللحوم تعذر تنقيح موضوع الحكم بالطهارة بالأصل وتعين الرجوع إلى أصل حكمي كأصالة الطهارة على تقدير جريانها في أمثال المقام على ما سنشير إليه.


 
(1) راجع الجزء الأول من هذا الكتاب هامش ص 45.

 

[ 49 ]

وإن كانت الشبهة موضوعية، فإن فرض عدم وجود عموم يدل على حرمة كل حيوان وخرج منه بالتخصيص ما خرج أمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي لعنوان المخصص كاستصحاب عدم الغنمية مثلا، وبذلك يثبت موضوع الحرمة وفي طول ذلك يثبت موضوع النجاسة، وإن فرض وجود عموم يدل على حلية كل حيوان، خرج منه بالتخصيص ما خرج أمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي لعنوان المخصص كاستصحاب عدم السبعية مثلا وبذلك يثبت موضوع الحلية وفي طول ذلك تثبت الطهارة. وإن فرض عدم العموم من الطرفين وإنما دل الدليل على حلية بعض الحيوانات وحرمة بعضها فالمرجع حينئذ استصحاب عدم الحرمة بنحو العدم الأزلي أو أصالة الحل، وفي كيفية إثبات الطهارة ونفي النجاسة بهما إشكال حتى مع فرض أصالة الحل أصلا تنزيليا، لأن إجراءهما في شخص هذا الفرد المشكوك يثبت حليته الواقعية تعبدا، فإن كان موضوع نفي النجاسة عدم حرمة الحيوان شخصا ثبت هذا الموضوع وأما إذا كان الموضوع عدم حرمته نوعا أي عدم كونه من نوع محرم فلا يثبت هذا الموضوع بإجراء الأصل في شخص هذا الحيوان، بل لا بد من محاولة إجراءه حينئذ في نوع هذا الفرد المردد على إجماله وتردده بين ما هو معلوم الحلية وما هو معلوم الحرمة فإن منع عن مثل ذلك في أصالة الحل أيضا كما يمنع عن استصحاب الفرد المردد تعين الرجوع إلى الأصول الحكمية كاستصحاب عدم النجاسة الأزلي وكأصالة الطهارة في مدفوع الحيوان المشكوك، بناء على جريان القاعدة في موارد الشك في النجاسة الذاتية وفي حالة كون المشكوك النجاسة من أول الأمر. وقد مر تحقيق ذلك مفصلا في مباحث قاعدة الطهارة في الجزء الثاني من هذا الشرح (1).


 
(1) راجع الجزء الثاني ص 199.

 

[ 50 ]

[ وإن كان لا يجوز أكل لحمه بمقتضى الأصل (1) ] (1) لأن الأصل سواء أريد به أصالة الاحتياط في اللحوم أو استصحاب الحرمة الثابتة قبل الذبح لا يثبت الحرمة الذاتية الواقعية ولو تعبدا لكي يكون منقحا لموضوع الحكم بالنجاسة، أما أصالة الاحتياط فواضح، لأن مفادها وجوب الاحتياط وهو لا يثبت الحكم الواقعي ولو تعبدا، وأما الاستصحاب المذكور فلأنه يثبت الحرمة الفعلية بعد ذبح الحيوان ولا يثبت كونها حرمة بعنوانه الذاتي إلا من باب الملازمة والأصل المثبت. وتحقيق الكلام في حكم أكل لحم الحيوان المشكوك: أنه لو أحرز قابليته للتذكية وشك في حليته وحرمته الذاتية فالمرجع العملي أصالة الإباحة سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية. والمرجع الاجتهادي عمومات وإطلاقات الحل إذا كانت الشبهة حكمية من قبيل قوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي.. إلخ (1). ولا يوجد في مقابل الرجوع إلى أصالة الإباحة إلا دعوى تخصيص أدلتها بأصالة الحرمة في اللحوم أو دعوى حكومة استصحاب الحرمة الثابتة حال الحياة قبل تذكيته فإنه كان محرما قبل التذكية على أي حال ويشك في زوال تلك الحرمة بالتذكية فتستصحب حرمته. أما الدعوى الأولى فلا دليل عليها لعدم ثبوت أصالة الحرمة في اللحوم بدليل معتبر ليخصص به عموم أصالة الحل. وأما الدعوى الثانية، فقد يورد عليها بوجوه. الأول - أن الحرمة المعلومة حال حياة الحيوان كانت بعنوان عدم التذكية والمفروض قابلية الحيوان لها ووقوعها، ومعه يقطع بارتفاع تلك الحرمة بارتفاع موضوعها فيمتنع استصحابها (2).


 
(1) الأنعام: 145. (2) التنقيح ج 1 ص 437.

 

[ 51 ]

والتحقيق أن حيثية عدم التذكية المأخوذة في موضوع الحرمة المجعولة على هذا العنوان إما أن تكون حيثية تعليلية عرفا غير مكثرة للموضوع وإما أن تكون حيثية تقييدية وموجبة لتعدد الموضوع، فعلى الثاني يمتنع جريان الاستصحاب لأجل عدم وحدة الموضوع. وعلى الأول يكون الموضوع واحدا وبوحدته تعتبر الحرمة المشكوكة بقاء للحرمة المعلومة وإن كان كل منهما مجعولا بجعل مغاير لجعل الآخر، لأن مناط الحدوث والبقاء في استصحاب المجعول إنما هو الموضوع الذي له حدوث وبقاء ويكتسب المجعول بتبعه الحدوث والبقاء فالمجعول إذا لوحظ في عالم وجود الموضوع فلا يتعدد بتعدد الجعل بل بتعدد الموضوع والجعل يرى عرفا كحيثية تعليلية لوجوده على موضوعه والمفروض وحدة الموضوع في المقام. وإذا لوحظ في عالم الجعل فليس له حدوث وبقاء أصلا في هذا العالم ولا معنى لإجراء استصحابه بلحاظ هذا العالم. وبتعبير آخر: أن المجعول إذا لوحظ وجوده الحقيقي بالذات الثابت بنفس الجعل فلا محالة يتعدد ويتغاير بتعدد الجعل وتغايره ولكنه بهذا اللحاظ لا يتصور له حدوث وبقاء فلا يمكن إجراء الاستصحاب في الشبهات الحكمية بهذا اللحاظ، وإذا لوحظ ما للمجعول من نحو ثبوت تابع لفعلية وجود موضوعه فهذا النحو من الثبوت يتصف بالحدوث والبقاء تبعا لاتصاف الموضوع بذلك وهذا النحو من الثبوت يكون الجعل بالنسبة إليه بمثابة الحيثية التعليلية فلا يتغاير ويتعدد بتعدد الجعل بل بتعدد الموضوع فمع تعدد الجعل تنحفظ الوحدة في الحرمة المجعولة ويجري استصحابها كما هو الحال فيما إذا كان بياض الجسم ثابتا حدوثا بعلة واحتمل بقاؤه بعلة أخرى فيجري استصحابه. الثاني - أن الاستصحاب المذكور من القسم الثالث من استصحاب الكلي وذلك لأن الحرمة المحتملة التي يراد تنجيزها بالاستصحاب هي الحرمة


 

[ 52 ]

الذاتية، ومن الواضح أنها على تقدير ثبوتها تكون موجودة من أول الأمر مع وجود الحرمة الأخرى التي كانت ثابتة بعنوان عدم التذكية ومتى كان المشكوك على تقدير وجوده ثابتا من أول الأمر على نحو يكون معاصرا للمتيقن السابق، فيمتنع إجراء استصحاب شخص الحرمة السابقة المتيقنة ويتعين إجراء استصحاب جامع الحرمة وهو من القسم الثالث من استصحاب الكلي لأنه جامع بين فرد معلوم الارتفاع وفرد مشكوك الوجود من أول الأمر. والفرق بين هذا الوجه وسابقه أن نكتة امتناع استصحاب شخص الحرمة المتيقنة سابقا في ذلك الوجه هو تعدد الجعل بقطع النظر عن المعاصرة بين المجعولين، والنكتة هنا أن المعاصرة بين المشكوك والمتيقن تمنع عن صدق كون أحدهما بقاء للآخر. ويرد عليه: أن هذا مبني على أن يكون دليل الحرمة الثابتة بعنوان عدم التذكية شاملا للحيوانات المحرمة ذاتا أيضا، وأما إذا قيل باختصاصه بالحيوان الذي يحل بالتذكية لوروده في ذلك المورد فلا تحتمل المعاصرة بين الحرمتين بل يعلم إجمالا بثبوت إحدى حرمتين على الحيوان المشكوك قبل الذبح إما حرمة بملاك العنوان الذاتي وإما حرمة بملاك عدم التذكية، وهذا المعلوم الإجمالي يحتمل بقاؤه لأنه على تقدير باق وعلى تقدير مرتفع فيجري استصحابه. هذا مضافا إلى أننا لو التزمنا بشمول دليل الحرمة الثابتة بعنوان عدم التذكية للحيوانات المحرمة ذاتا فهذا لا يقتضي ثبوت الحرمة المتيقنة والحرمة المشكوكة في وقت واحد قبل الذبح على الحيوان المشكوك لو كان حراما ذاتا في الواقع لكي يمتنع أن يكون المشكوك بقاء للمتيقن بل يلتزم بثبوت حرمة واحدة مؤكدة بناء على التأكد عند اجتماع فردين من حكم واحد وهذا يوجب بطلان النكتة التي كانت تسبب عدم صدق عنوان البقاء على الحرمة


 

[ 53 ]

المشكوكة إذ لا يكون في الحيوان المشكوك قبل الذبح إلا حرمة واحدة وهي إما حرمة مؤكدة إذا كان الحيوان محرم الأكل ذاتا وإما حرمة غير مؤكدة إذا لم يكن الحيوان كذلك وتعتبر الحرمة المشكوكة بعد الذبح بقاء لها وإن لم يكن لها ذلك التأكد المحتمل في الحرمة المتيقنة فيجري الاستصحاب. ودعوى استحالة التأكد بين الحرمتين في أمثال المقام لأن الحرمة الناشئة من الخصوصية الذاتية ليست في رتبة الحرمة الناشئة عن الجهة العرضية وهي عدم التذكية فلا يمكن تأكدهما المساوق لوحدتهما مع تعدد الرتبة. مدفوعة، بأنه لا موجب للطولية بين الحرمتين رتبة لمجرد الطولية بين الموضوعين فإن كلا من الحرمتين في طول موضوعها وفي طول ما يكون موضوعها متأخرا عنه رتبة وليست في طول الحرمة الأخرى. الثالث - أن الاستصحاب المذكور إنما يجري لو سلم في مقابل أصالة الحل ولا يجري في الشبهة الحكمية في مقابل عمومات الحل ولا في الشبهة الموضوعية في مقابل الاستصحاب الموضوعي المنقح لموضوع الحلية وذلك لأن كل حيوان حكم عليه بالحلية بمقتضى العمومات إلا ما خرج فيجري استصحاب العدم الأزلي للعنوان المخصص ويكون هذا الاستصحاب موضوعيا وحاكما على استصحاب الحرمة. الرابع - ما ذكره السيد الأستاذ - دام ظله - من إنكار الحالة السابقة رأسا لعدم قيام الدليل على حرمة أكل الحيوان الحي، وإنما الثابت حرمة أكل الميت إلا ما ذكي فالحرمة بملاك عدم التذكية موضوعها ليس مطلق الحيوان بل موضوعها الحيوان الميت غير المذكى فلا علم بالحرمة السابقة لكي تستصحب (1). وهذا اعتراض متين، ومعه يسقط الاستصحاب المذكور. هذا كله فيما إذا كان الشك في حلية الحيوان وحرمته بعد إحراز


 
(1) التنقيح ج 1 ص 437.

 

[ 54 ]

قابليته للتذكية، فقد اتضح أن المرجع في الشبهة الحكمية عمومات الحل، وفي الشبهة الموضوعية أصالة الحل وكذلك يجري أيضا الاستصحاب الموضوعي المثبت للحلية واستصحاب عدم الحرمة، بناء على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية. وأما إذا كان أصل قابلية الحيوان للتذكية مشكوكة، فتارة تكون الشبهة موضوعية كما إذا شك في أن الحيوان غنم أو خنزير، وأخرى تكون حكمية ففيما إذا كانت الشبهة موضوعية، إن قلنا بأن التذكية عبارة عن نفس فعل الذابح بلا قيد فهو خلف الفرض لأن معناه إحراز القابلية للتذكية والشك في الحرمة من غير تلك الناحية فيدخل في الكلام المتقدم. وإن قلنا بأن التذكية عبارة عن فعل الذابح المقيد بخصوصية في الحيوان، أو عن اعتبار شرعي مترتب على ذلك الفعل مع تلك الخصوصية كان استصحاب عدم تلك الخصوصية - ولو بنحو العدم الأزلي - تام الأركان في نفسه وكذلك استصحاب عدم ذلك الاعتبار الشرعي المسبب، ونسبة الاستصحاب الثاني إلى الاستصحاب الأول نسبة الاستصحاب الحكمي إلى الموضوعي. ولكن الكلام في أن هذا الاستصحاب الموضوعي أو الحكمي النافي للتذكية هل تترتب عليه الحرمة أو لا أثر له فيلغو جريانه؟ وتفصيل ذلك: أن موضوع الحكم بالحرمة إن أخذ مركبا من موت الحيوان وعدم تذكيته أمكن إثبات الحرمة في المقام بإجراء الاستصحاب المذكور، إذ يحرز به الجزء الثاني والجزء الأول محرز وجدانا، ويكون الاستصحاب الحكمي، أي استصحاب عدم المسبب، جاريا حتى عند من لا يقول بالاستصحاب في الأعدام الأزلية. نعم الاستصحاب الموضوعي وهو استصحاب عدم الخصوصية الدخيلة في التذكية يكون من استصحاب العدم الأزلي إذا كانت الخصوصية المشكوكة من الخصوصيات المحتمل حدوثها


 

[ 55 ]

مع الحيوان. وإذا كان موضوع الحرمة عدم تذكية الميت، أي عدم التذكية المضافة إلى الميت بما هو ميت جرى الاستصحاب أيضا وثبت به الحرمة، غير أنه يكون من استصحاب العدم الأزلي على أي حال لأن عدم تذكية الميت غير محرز إلا بانتفاء الموت. وإذا كان موضوع الحرمة عدم التذكية المضاف إلى الميت بما هو ميت أي العدم النعتي للتذكية الملحوظ بما هو وصف للميت فلا يمكن إثبات الحرمة باستصحاب عدم التذكية، لأنه من إثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي وهو متعذر. وعلى جميع هذه المحتملات لا يمكن إثبات النجاسة بالاستصحاب المذكور، لأن موضوعها في أدلتها عنوان الميتة لا مجرد عدم التذكية، ولا يثبت عنوان الميتة باستصحاب عدم التذكية. ولا شك أن الأخير من الاحتمالات المذكورة ساقط جدا، لأن لسان (إلا ما ذكيتم) لا يقتضي أخذ العدم النعتي للتذكية في موضوع الحكم بالحرمة، بل غاية ما يقتضيه الاستثناء أخذ نقيض المستثنى في موضوع حكم العام فيكون المأخوذ العدم المحمولي للتذكية، وحينئذ إن كانت التذكية المأخوذ عدمها المحمولي في الموضوع قد لوحظت مضافة إلى الميت بما هو ميت تعين الاحتمال الثاني، وإن كانت قد لوحظت مضافة إلى ذات الحيوان تعين الاحتمال الأول، وهناك تتمة تفصيل وتحقيق سوف تأتي الإشارة إليها في أبحاث الميتة. وأما إذا كانت الشبهة حكمية كما إذا شك في قابلية نوع مخصوص من الحيوان للتذكية - بناء على أن التذكية ليست مجرد فعل الذابح الذي لا شك في قابلية الحيوان له - فإن كانت هناك عمومات دالة على قابلية الحيوان للتذكية إلا ما خرج فهي المرجع، وإلا فإن كانت التذكية اعتبارا مسببا عن فعل الذابح جرى استصحاب عدم التذكية مع أخذ الاحتمالات


 

[ 56 ]

السابقة في دليل حرمة غير المذكى بعين الاعتبار، وإن كانت التذكية نفس فعل الذابح مع الخصوصية امتنع إجراء استصحاب عدم التذكية، إذ لا شك في خصوصيات الحيوان وإنما الشك في تقيد التذكية شرعا بغيرها، فالمتعين حينئذ هو الرجوع إلى أصالة الحل. وأما تحقيق الحال في وجود عمومات دالة على قابلية الحيوانات للتذكية فقد استدل السيد الأستاذ - دام ظله - على وجود عموم كذلك برواية علي ابن يقطين قال: " سألت أبا الحسن (ع) عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود. قال: لا بأس بذلك " (1) بتقريب أن معنى نفي البأس في جميع الجلود أنه لا مانع من لبسها مطلقا ولو في حال الصلاة فتدل بالدلالة الالتزامية على تذكيتها، إذ لو لم تكن كذلك لم يجز لبسها، إما مطلقا لو قلنا بعدم جواز الانتفاع بالميتة، أو في خصوص حال الصلاة. وكل ما ثبت من الخارج عدم قابليته للتذكية يكون خارجا بالتخصيص عن العموم المذكور (2). ويرد على ذلك: أولا - أنه إذا بني على عدم حرمة الانتفاع بالميتة في غير حال الصلاة لا يتم هذا الاستدلال، لوضوح أن النظر في السؤال والجواب إلى لبس تلك الأشياء من حيث الجواز التكليفي والحرمة، ولا نظر إلى الجواز الوضعي لاستعمالها في الصلاة. ولهذا حكم الإمام (ع) بنفي البأس مع أن جملة من العناوين المأخوذة في مورد السؤال مما لا يؤكل لحمه وهو مما لا تجوز الصلاة فيه على أي حال ولو كان قابلا للتذكية، فحال الرواية حال ما لو سأل شخص عن شرب الحليب فأجيب بالجواز فإنه لا يستفاد من ذلك جوازه وضعا في الصلاة أيضا، وإن كانت الاستفادة


 
(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب لباس المصلي. (2) التنقيح ج 1 ص 439.

 

[ 57 ]

[ وكذا إذا لم يعلم أن له دما سائلا أم لا (1). ] في المقام أقل غرابة منها في هذا المثال. لأن من يلبس الشئ يصلي فيه عادة فقد يقال على هذا الأساس أن النظر المطابقي وإن كان إلى الحكم التكليفي ولكن يدل بالملازمة العرفية على عدم بطلان الصلاة في تلك الملابس أيضا. وثانيا - أن الرواية المذكورة تدل على جواز استعمال كل الجلود، ولا شك في أن دليل عدم جواز استعمال غير المذكى يكون مخصصا لذلك العموم فإذا شك في كون حيوان مذكى أو لا للشك في قابليته للتذكية كان شبهة مصداقية لذلك العموم فمن يقول بعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية مطلقا لا يمكنه أن يتمسك في المقام بالعام لنفي عنوان المخصص عن الفرد المشكوك. نعم من يرى جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فيما إذا كانت الشبهة مصداقية للعام شبهة حكمية في نفسها جاز له التمسك المذكور، لأن الشك في قابلية الحيوان للتذكية في المقام شبهة حكمية في نفسها وإن كانت شبهة مصداقية بلحاظ العام المخصص. والأولى اقتناص عموم دال على قابلية الحيوان للتذكية من مثل موثقة سماعة قال: " سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده، وأما الميتة فلا " (1) غير أن هذا العموم مخصوص بالسباع ويتعدى منه بمقدار ما تساعد عليه القرائن المتصلة أو المنفصلة، فإن ظاهر جواب الإمام (ع) بقرينة المقابلة بين الرمي والتسمية وبين الميتة أن الحكم بعدم البأس في الانتفاع بالجلد في فرض الرمي والتسمية إنما هو بلحاظ حصول التذكية بذلك وهذا هو المطلوب. ولا يؤثر فيه أن يكون النهي عن الانتفاع في غير فرض الرمي والتسمية إلزاميا أو تنزيهيا. (1) لقاعدة الطهارة إذا قيل بجريانها في أمثال المقام من موارد الشك


 
(1) وسائل الشيعة باب 59 من أبواب النجاسات.

 

[ 58 ]

[ كما أنه إذا شك في شئ أنه من فضلة حلال اللحم أو حرامه (1) أو شك في أنه من الحيوان الفلاني حتى يكون نجسا أو من الفلاني حتى يكون طاهرا، كما إذا رأى شيئا لا يدري أنه بعرة فأر أو بعرة خنفساء (2) ففي جميع هذه الصور يبنى على طهارته. (مسألة - 4) لا يحكم بنجاسة فضلة الحية لعدم العلم ] في النجاسة الذاتية للشئ، أو لاستصحاب عدم النجاسة الأزلي، أو لاستصحاب موضوعي هو استصحاب عدم كون الحيوان ذا نفس سائلة نظرا إلى أن موضوع النجاسة أمر وجودي وهو كونه ذا نفس سائلة كما يتحصل من ضم عموم نجاسة البول إلى المخصص الذي حصر النجاسة بعنوان وجودي هو عنوان ذي النفس السائلة، فمع الشك يجري استصحاب عدمه الأزلي وتنفى بذلك النجاسة. وكل ذلك بناء على عدم شمول أدلة النجاسة لمدفوع ما لا نفس له وإلا فلا مجال لفرض المسألة. (1) كما إذا شك في أنه من فضلة الغنم أو الهرة فتجري قاعدة الطهارة بناء على شمولها لأمثال المقام. كما يجري استصحاب عدم النجاسة الأزلي الثابت قبل صيرورة الشئ المشكوك فضلة. (2) فتجري قاعدة الطهارة أو استصحاب العدم الأزلي للنجاسة ويشكل في المقام الاستصحاب الموضوعي الذي أشرنا إليه فيما إذا شك في كون الحيوان ذا نفس سائلة أم لا، إذ لا شك هنا في كون الفأر ذا نفس والخنفساء ليست كذلك، وإنما الشك في انتساب العذرة إلى أحدهما، فيكون إجراء الاستصحاب المذكور في الحيوان هنا من استصحاب الفرد المردد بخلافه في الفرض الأول من فروض المسألة الذي يتعين فيه انتساب الفضلة إلى حيوان ويشك في حاله.


 

[ 59 ]

[ بأن دمها سائل (1). نعم حكي عن بعض السادة أن دمها سائل ويمكن اختلاف الحيات في ذلك وكذا لا يحكم بنجاسة فضلة التمساح للشك المذكور وإن حكي عن الشهيد أن جميع الحيوانات البحرية ليس لها دم سائل إلا التمساح، لكنه غير معلوم والكلية المذكورة أيضا غير معلومة. الثالث - المني من كل حيوان له دم سائل حراما كان أو حلالا، بريا أو بحريا (2) ] (1) يندرج الشك المذكور في الفرض الأول من الفروض المتقدمة في ذيل المسألة السابقة. (2) تارة يتكلم في نجاسة المني بنحو القضية المهملة وأخرى يبحث عن حدودها، فهنا مقامان. المقام الأول: في إثبات نجاسته في الجملة وهو ما لا إشكال فيه فتوى بين الأصحاب. وقد استدل عليه بعدة روايات. كرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: " ذكر المني وشدده وجعله أشد من البول. ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك وكذلك البول " (1). وهي باعتبار تشبيهها للمني بالبول، بل جعله أشد منه تكون واضحة الدلالة على نجاسته. وفى قبال هذه الروايات طائفة أخرى يظهر منها عدم نجاسة المني. ففي صحيحة زرارة أنه قال: " سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف


 
(1) وسائل الشيعة باب 16 من أبواب النجاسات.

 

[ 60 ]

فيه من غسله؟ فقال: نعم لا بأس به إلا أن تكون النطفة فيه رطبة، فإن كانت جافة فلا بأس " (1) فإنه يستفاد من نفي البأس عن التجفيف مع افتراض رطوبة البدن عدم نجاسة الثوب الملاقي مع المني وأما استثناءه صورة رطوبة النطفة في الثوب فلعله للتنزه عن علوقها، لوضوح عدم الفرق في السراية بين فرضي رطوبة الملاقي أو الملاقى. وحملها على ما إذا لم يكن التنشف بموضع المني - كما فعله الشيخ قده - في غاية البعد، إذ يأباه تفصيل الإمام (ع) بين صورتي جفاف النطفة ورطوبتها. ومثلها رواية أبي أسامة قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) تصيبني السماء وعلي ثوب فتبله وأنا جنب فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني فأصلي فيه؟ قال: نعم " (2). وهي أيضا واضحة الدلالة على نفي البأس عن الصلاة في ملاقي المني مع الرطوبة فتدل على عدم نجاسته. وكذلك أيضا روايتا الشحام وأبي أسامة عن أبي عبد الله (ع): " عن الثوب يكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتى يبتل علي؟ قال: لا بأس " (3). وحمل قوله - يكون فيه الجنابة - على وقوع الجنابة فيه لا وجود أثر الجنابة عليه فعلا فيكون محط النظر فيها الحزازة النفسية في ذلك بعيد، لظهور قوله - يكون فيه الجنابة - في فعلية الجنابة في الثوب لا مجرد حدوثها فيه وذلك لا يكون إلا بأن يراد بالجنابة الأثر الذي يتقذر به الثوب لا حدث الجنابة - وكذلك يبعد حملها على أن نفي البأس بملاك تطهير المطر للثوب،


 
(1) وسائل الشيعة باب 27 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 27 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 16، 27 من أبواب النجاسات.

 

[ 61 ]

باعتبار أن الجنابة في الثوب من البعيد زوالها بمجرد الابتلال بالمطر من دون فرض شئ من الفرك والعناية في مقام التطهير. والتحقيق: أن في الروايات المذكورة جميعا توجد قرينة عرفية على أن النظر سؤالا وجوابا ليس إلى الحكم بنجاسة أصل المني وطهارته. وتفصيل ذلك: أن السائل قد فرض المني في ثوبه تارة، كما في الأولى والثالثة، أو في بدنه أخرى، كما في الثانية، وبعد ذلك فرض ملاقاة الجسد للثوب الذي فيه المني، أو الثوب للجسد الذي عليه المني، فلو كان نظر السائل إلى الاستفهام عن أصل حكم المني لما احتاج التعبير عن هذا الاستفهام إلى فرض ملاقاة الجسد للثوب أو الثوب للجسد وراء فرض ملاقاة المني لأحدهما مباشرة، بل يكفي للتعبير عن ذلك نفس الفرض الأول لوقوع المني على أحد الأمرين، لأن المكلف بحاجة إلى طهارة بدنه وثوبه معا، وإنما تصح الاستعانة بفرض ملاقاة أخرى في مقام الاستفهام فيما إذا كانت الملاقاة الأولى مع شئ لا يدخل في محل الابتلاء طهارته ونجاسته، فلو قال السائل: أصاب البول الأرض فوقع ثوبي عليها أمكن أن يكون النظر إلى استعلام حال البول من حيث الطهارة والنجاسة، ويفسر افتراضه للملاقاة الثانية وعدم اكتفائه بفرض ملاقاة البول للأرض بأنه يقصد إيصال الملاقاة إلى ما يلزم طهارته وهو الثوب والبدن. وأما لو قال: أصاب البول بدني فأصاب بدني الثوب لم يفهم منه عرفا كون النظر إلى استعلام حال أصل البول، إذ يكفي في ذلك فرض الملاقاة الأولى، بل يكون ضم فرض الملاقاة الثانية في كلام السائل قرينة على أن المقصود استعلام حيثية كانت تتوقف على فرض الملاقاة الثانية من قبيل حيثية أن المتنجس بالبول ينجس أو لا. ومقامنا من هذا القبيل، فيكون ما ذكرناه قرينة على الفراغ في تلك الروايات عن أصل نجاسة المني وكون النظر إلى حيثية أخرى كحيثية


 

[ 62 ]

أن الثوب المتنجس بالمني ينجس أو لا، أو حيثية تشخيص الوظيفة عند الشك في الملاقاة مع فرض الرطوبة ونحو ذلك. وعليه، فإن تمت هذه القرينة ولو بنحو توجب الإجمال على أقل تقدير فلا إشكال، وإلا وقعت المعارضة بين روايات النجاسة وروايات الطهارة، والتخلص من مأزق هذه المعارضة يكون بأحد وجوه. الأول: حمل روايات الطهارة على التقية، باعتبار موافقتها مع فتاوى الشافعية والحنابلة. وفيه: أن هذين المذهبين قد نشئا في زمان متأخر عن صدور هذه الروايات، حيث إنها صادرة عن الصادق (ع) بينما نشأة المذهبين متأخرة عن زمانه (ع). وأما احتمال كون الفتوى المتأخرة بالطهارة امتدادا لشيوع ذلك بين فقهاء العامة المعاصرين للإمام الصادق على نحو يصح حينئذ معه حمل روايات الطهارة على التقية فيرد عليه أولا أن الأمر كان على العكس في أيام الإمام الصادق فإن الحنفي والمالكي معا كانا يفتيان بالنجاسة (1). وثانيا: أنه لو لم يمكن التأكد من واقع الحال في أيام الإمام الصادق لم يكف مجرد احتمال ذلك لإسقاط أخبار الطهارة عن الحجية لإمكان إجراء استصحاب عدم كونها موافقة للعامة ولو بنحو العدم الأزلي. الثاني: سقوط روايات الطهارة عن الحجية في نفسها، باعتبار حصول الظن الاطمئناني ولو نوعا على خلافها من اتفاق علماء الإمامية في تمام العصور والأزمنة على النجاسة ولم يشذ عنهم أحد في حدود المنظور من كلماتهم. وكذلك الاتفاق العملي من المتشرعة على الاحتراز من المني والتجنب عنه حتى عد نجاسة المني من ضروريات المذهب، وقد حققنا في الأصول سقوط الخبر عن الحجية إذا ما حصل الوثوق ولو نوعا بوجود


 
(1) راجع المحلى لابن حزم.

 

[ 63 ]

خلل فيه. ومعه تبقى روايات النجاسة بلا معارض، فيعول عليها، وإن كان الاتفاق المذكور قولا وعملا قد يكفي بنفسه للقطع أو الاطمئنان الشخصي بنجاسته أيضا بنحو القضية المهملة. الثالث: إيقاع المعارضة بين روايات الطهارة الصريحة في نفي النجاسة مع الصريح من روايات النجاسة، كرواية محمد بن مسلم التي ورد فيها التشديد على المني وأنه أشد من البول، فإنها لا تقبل الحمل على التنزه، ويرجع بعد التساقط إلى سائر روايات النجاسة الظاهرة فيها ظهورا قابلا للحمل على التنزه في نفسه بقرينية روايات الطهارة لولا ابتلاءها بالمعارض، تطبيقا للقاعدة التي استخلصناها من الرجوع إلى العام الفوقاني بعد تساقط الأدلة الخاصة على ما تقدم توضيحها مرارا. وهكذا يثبت نجاسة المني بنحو القضية المهملة التي قدرها المتيقن مني الإنسان. المقام الثاني: في تشخيص حدود تلك القضية. ويقع البحث عنه ضمن جهات. الجهة الأولى: في شمولها للحيوان ذي النفس غير المأكول. ولا إشكال في أن أكثر روايات الباب منصرفة إلى المني من الإنسان بقرينة ما ورد فيها من فرض الإصابة للثوب أو البدن أو نحو ذلك مما لا يكون عادة بغير مني الإنسان. غير أن رواية محمد بن مسلم المتقدمة حيث لم يفرض في صدرها الملاقاة مع الثوب أو البدن وإنما ذكر المني فشدده وجعله أشد من البول، قد يدعى إطلاقها للمني من غير الإنسان أيضا وكون الحكم بالنجاسة المستفاد من قوله ذكر المني فشدده من شؤون طبيعة المني بما هو. وقد منع عن الإطلاق المذكور المحقق الهمداني (ره) باعتبار ما ورد


 

[ 64 ]

في ذيل الرواية " إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك وكذلك البول " حيث يكون قرينة على أن النظر فيها أيضا إلى مني الإنسان كما هو الحال في سائر الروايات. ويرد عليه: أنه فرق بين أن يأتي الحكم بالنجاسة على فرض إصابة المني للثوب وبين أن يأتي على طبيعي المني ثم يفرع عليه أنه إن أصاب الثوب فالصلاة فيه حكمها كذا. ففي الأول لا يكون للحكم بالنجاسة إطلاق لغير المني الذي يتعارف إصابته للثوب وهو مني الإنسان، وأما الثاني فلا يكون فرض الإصابة بلحاظ حكم آخر مترتب على النجاسة وهو البطلان قرينة على اختصاص موضوع الحكم الأول وهو النجاسة بمني الإنسان. وهكذا يثبت بمثل هذا الإطلاق في الأدلة اللفظية على نجاسة المني الشمول لمني الحيوان غير المأكول إذا كان ذا نفس سائلة. الجهة الثانية - في حكم مني ما يؤكل لحمه من الحيوانات ذات النفس السائلة، والبحث فيه تارة يقع بلحاظ المقتضي للحكم بالنجاسة إثباتا، وأخرى بلحاظ المانع عن ذلك. أما البحث بلحاظ الأول، فأكثر روايات الباب وإن كان من الممكن دعوى انصرافها عن مني غير الإنسان كما عرفت، إلا أن إطلاق رواية محمد ابن مسلم لا بأس به للشمول لمني ما يؤكل لحمه أيضا، لأن موضوع التشديد هو طبيعي المني الشامل بإطلاقه لذلك. ودعوى اختصاص نجاسة المني المستفادة من هذه الرواية بمني الحيوان الذي يكون بوله نجسا لأن ذلك مقتضى الأشدية. وأما حيث يكون البول طاهرا فأشدية المني منه لا تقتضي نجاسته. مدفوعة، بأن الرواية لم تقتصر على الحكم بأشدية المني من البول، بل شددته وجعلته أشد من البول، والنجاسة تستفاد من التشديد المذكور


 

[ 65 ]

أولا والذي موضوعه طبيعي المني والأشدية من البول التي بينت ثانيا وإن كانت لا تقتضي نجاسة مني حيوان طاهر البول ولكنها لا تأبى عن نجاسته أيضا، إذ لا يستفاد منها الملازمة بين النجاستين فيبقى إطلاق التشديد الدال على النجاسة على حاله. وأما البحث عن وجود المانع على تقدير تمامية الإطلاق، فقد ذكر السيد الأستاذ - دام ظله - في المقام روايتين اعترف بمعارضة أحدهما مع الإطلاق ومنعها في الأخرى (1). أما التي قبل معارضتها، فهي ما تقدم في بحث نجاسة البول مما دل على أن ما يؤكل لحمه لا بأس بما يخرج منه، كرواية عمار عن أبي عبد الله (ع) " قال: كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " وهي شاملة بإطلاقها للمني الذي يخرج منه أيضا، فيقع التعارض بينها وبين إطلاق رواية محمد ابن مسلم في نجاسة المني بنحو العموم من وجه ويرجع بعد التساقط إلى الأصول العملية. وفيه: أن هذه الرواية حاكمة بإطلاقها على إطلاق دليل النجاسة، باعتبار ما أشرنا إليه فيما سبق من أن لسانها لسان الاستثناء عن المحذور المفروغ عن ثبوته فيما يخرج من الحيوان بنحو القضية المهملة، ودليل الاستثناء يكون ناظرا إلى دليل المستثنى منه فيتقدم عليه بالحكومة. وأما الرواية التي لم يقبل معارضتها مع دليل النجاسة فصحيحة ابن بكير المتقدمة في " أن ما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وشعره وبوله وكل شئ منه جائز " حيث يشمل عمومها المني أيضا وإنما منع عن إيقاع المعارضة بينها وبين دليل النجاسة بدعوى أنها ناظرة إلى حيثية المانعية ونفيها فلا يستفاد منها نفي النجاسة.


 
(1) التنقيح الجزء الأول ص 244.

 

[ 66 ]

[ وأما المذي والوذي والودي فطاهر من كل حيوان إلا نجس العين (1) ] والصحيح أن هذه الرواية أيضا معارضة مع دليل النجاسة، فإن المحذور المنظور فيه في الرواية وإن كان هو المانعية في الصلاة إلا أن تجويز الصلاة في كل شئ مما يؤكل لحمه يدل بالالتزام على نفي محذور النجاسة فيها أيضا، إذ لولا ذلك لكان الحكم بالجواز جهتيا وهو خلاف ظاهر حال المولى وتصديه بنفسه بالعموم لبيان جواز الصلاة في كل شئ منه. نعم لو كان الجواز معلقا على عنوان ما يخرج من المأكول من دون استعمال أدوات العموم لم يكن يستفاد منه ذلك إذ لا يقتضي أكثر من الجواز وعدم المانعية من ناحية ذلك العنوان. وهكذا يتلخص تمامية المانع إثباتا عن الحكم بنجاسة المني مما يؤكل لحمه على تقدير تمامية المقتضي. الجهة الثالثة - في حكم مني ما لا نفس له من الحيوانات. والبحث فيه من ناحية المقتضي هو البحث في الجهة السابقة، إذ لا بأس بالإطلاق في رواية محمد بن مسلم، إلا إذا شكك في أصل صدق عنوان المني حقيقة على ماء الحيوانات التي ليس لها نفس سائلة، وهو تشكيك ليس بالبعيد. وأما البحث من ناحية المانع فالمقيد للإطلاق إما الإجماع المدعى على الطهارة، وإما مثل قولهم (ع) لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة، حيث يتمسك بإطلاق المستثنى منه للمني من الحيوان غير ذي النفس. غير أنه قد تقدم النظر في الاستدلال به على طهارة بول ما لا نفس له فراجع. (1) المعروف بين فقهائنا هو الحكم بطهارة المذي والوذي والودي الخارج من حيوان طاهر العين، بل لا يبعد دعوى حصول الاطمئنان


 

[ 67 ]

الشخصي بالطهارة حيث لم نجد مخالفا عدا ما نسب إلى ابن الجنيد من الحكم بنجاسة المذي إذا كان عن شهوة، وهو غير ضائر بحصول الوثوق أو الجزم من إجماع فقهاء الطائفة. وبه يحمل بعض الروايات التي قد يستظهر منه نجاسة المذي ولزوم الغسل منه على التنزه والاستحباب وذلك من قبيل رواية الحسين بن أبي العلاء قال: " سألت أبا عبد الله عن المذي يصيب الثوب؟ قال (ع): إن عرفت مكانه فاغسله وإن خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله " (1) فإن الأمر بغسل الملاقي دال عرفا على نجاسته ونجاسة الملاقى، ولو قطع النظر عن الإجماع يتعين أيضا حمل الأمر بالغسل على التنزه، بقرينة الروايات الظاهرة في عدم وجوب الغسل ونفي النجاسة، كرواية محمد بن مسلم " عن المذي يصيب الثوب، فقال (ع): ينضحه بالماء إن شاء " (2) ورواية الحسين بن أبي العلاء " سألت أبا عبد الله (ع) عن المذي يصيب الثوب؟ قال: لا بأس به، فلما رددنا عليه فقال: ينضحه بالماء " (3). وأما دعوى حمل الرواية الآمرة بالغسل على فرض خروج المذي بشهوة والروايات النافية على فرض خروجه بدون شهوة، فمدفوعة: بأن هذا الحمل إن كان بلحاظ تقييد كل من الإطلاقين بالمتيقن من معارضه فهو جمع تبرعي كما حقق في محله، مضافا إلى أن التقييد بعدم الشهوة تقييد بالفرد النادر. وإن كان بلحاظ وجود مفصل بين الفرضين وهو يوجب تقييد مطلقات الأمر بالغسل بفرض الشهوة ومطلقات نفيه بفرض عدمها، فيرد عليه: مضافا إلى عدم صحة التقييد الثاني لندرة فرض عدم الشهوة، أن ما يتوهم كونه مفصلا كذلك رواية أبي بصير " قال: قلت لأبي عبد الله (ع): المذي يخرج من الرجل؟ قال: أحد لك فيه حدا؟


 
(1) (2) (3) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب النجاسات.

 

[ 68 ]

[ وكذا رطوبات الفرج والدبر ما عدا البول والغائط (1) ] قال: قلت نعم جعلت فداك. فقال: إن خرج منك على شهوة فتوضأ، وإن خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء " (1) بعد حمل الوضوء فيها على الغسل، ولكنه حمل بلا قرينة، ومع فرض إرادة الوضوء المقابل للغسل منها تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام. وأما الوذي والودي، فلا يوجد ما يتوهم دلالته على نجاستهما فيكفي في نفي نجاستهما الأصل، مضافا إلى ما دل على طهارة البلل المشتبه بالبول الكاشف عن عدم نجاسة البديل المحتمل للبول واقعا. ورواية زرارة " عن أبي عبد الله (ع) قال: إن سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي أو وذي وأنت في الصلاة فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء وإن بلغ عقبيك فإنما ذلك بمنزلة النخامة وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل أو من البواسير وليس بشئ فلا تغسله من ثوبك إلا أن تقذره " (2). (1) كما دلت على ذلك رواية زرارة المتقدمة، ورواية إبراهيم بن أبي محمود " سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن المرأة عليها قميصها، أو إزارها يصيبه من بلل الفرج وهي جنب أتصلي فيه؟ قال إذا اغتسلت صلت فيهما " (3) وقد يدعى الإطلاق في هذه الرواية لمني الرجل الذي يدخل إلى فرج المرأة بالجماع ثم يخرج بالتدريج، فتكون الرواية دليلا على طهارة المني المذكور إذا خرج من فرج المرأة، وقد يؤيد ذلك فرض المرأة جنبا الذي قد يكون إشارة إلى ترقب خروج مني الرجل من فرجها. ولكن وجود مثل هذا الإطلاق محل إشكال، لاحتمال النظر في الرواية


 
(1) (2) وسائل الشيعة باب 12 من أبواب نواقض الوضوء. (3) وسائل الشيعة باب 55 من أبواب النجاسات.

 

[ 69 ]

[ الرابع: - الميتة من كل ما له دم سائل حلالا كان أو حراما (1). ] إلي رطوبات الفرج بما هي لا إلى ما يدخل إليه من خارج، وفرض المرأة جنبا قد يكون لاحتمال الاختلاف في حكم رطوبات الفرج بين الجنب وغيرها. ولو سلم الإطلاق فهو معارض بإطلاق ما دل على نجاسة المني لعدم حصول الاستحالة بمجرد مكثه في فرج المرأة أو خروجه منه ومع التساقط يرجع إلى استصحاب النجاسة. (1) قد اختلفت كلمات الأصحاب في مدرك الحكم بنجاسة الميتة، بين من يقول باستفاضة الأخبار الدالة عليها، وبين من ينكر وجود دليل واحد لفظي تام الدلالة على النجاسة، كصاحب المدارك والمعالم - قدهما -. حيث ادعيا: انحصار مدرك القول بالنجاسة في الإجماع، والتسالم الفقهي الذي يكون دليلا لبيا. ونحن نذكر فيما يلي الروايات التي استدل بها على النجاسة، ثم نذكر ما قد يجعل معارضا لها. فالكلام في مقامين: (المقام الأول) في الروايات التي يستدل بها على النجاسة، وهي طوائف: الأولى: - روايات النزح من البئر إذا وقعت فيه الميتة (1) وهي لو لاحظناها في نفسها لا ينبغي الارتياب في دلالتها عرفا على نجاسة الميتة التي لاقت الماء، كما يدل الأمر بالغسل على نجاسة ملاقي الغسول. ولا يصغى إلى ما قد يقال: من أن النزح الذي هو مجرد تقليل من الماء المتنجس لا يكون تطهيرا كالغسل، كي يرشد إلى نجاسة الملاقى. فإنا قد أوضحنا في أبحاث ماء البئر: أن نزح البئر غير تقليل الماء، بل هو


 
(1) وردت جملة منها في باب (17) من أبواب الماء المطلق من وسائل الشيعة.

 

[ 70 ]

نوع تطهير للبئر بحسب النظر العرفي، لأن البئر لا يكون مجرد مستودع للماء، وإنما هو منبع له بحيث كلما نزح منه نبع فيه الماء النقي ثانيا فيكون بهذا الاعتبار تنظيفا. غير أن الإشكال على الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات، معارضتها بما دل على اعتصام البئر من الروايات التي استعرضناها في أبحاث ماء البئر. وهذه المعارضة إن فرض استحكامها بدرجة تؤدي إلى سقوط روايات النزح عن الحجية سندا، إما وحدها لمرجح في أخبار الاعتصام، أو معها، فلا إشكال حينئذ في عدم إمكان الاستدلال بها في المقام على نجاسة الميتة. وإن فرض عدم سريان التعارض إلى سندها، بل غاية ما يلزم سقوط ظهور الأمر بالنزح فيها وحمله على التنزه والاستحباب. فينفتح حينذاك بحث في المقام عن إمكان الاستدلال بها على نجاسة الميتة وعدمه. وتفصيل الكلام في ذلك: أن هناك وجوها ثلاثة لتقريب دلالتها على نجاسة الميتة، بعد سقوط دلالتها على نجاسة ماء البئر. الوجه الأول: - دعوى كفاية الأمر بنزح ماء البئر ولو تنزها في الإرشاد إلى وجود محذور النجاسة في الملاقي، وأن النزح المذكور كان بملاكه، وإن كان الماء معتصما مما أدى إلى عدم لزوم النزح. وفيه أن الأمر التنزيهي بالنزح لا يدل على وجود حزازة تنزهية في الملاقي دون اللزومية، ومن هنا لم يستكشف من الأمر بالنزح فيما إذا لاقاه الجنب نجاسة بدنه. الوجه الثاني: - دعوى أن جهة السؤال في هذه الروايات لم تكن هي الشك في نجاسة الميتة وعدمها، كي يقال بأن الأمر التنزيهي بالنزح لا يستلزم الإرشاد إلى نجاستها، وإنما السؤال عن ماء البئر واعتصامه، وهذا لا يكون إلا بعد فراغ السائل عن نجاسة الملاقي معه، لاستكشاف اعتصام


 

[ 71 ]

الماء وعدمه والإمام عليه السلام قد أمضى ما فرغ عنه السائل ارتكازا من نجاسة الميتة الملاقية مع الماء. فيكون ذلك دليلا على النجاسة، وإن لم تكن منجسة للبئر باعتبار اعتصامه. والحاصل: أن في روايات النزح ظهورين عرضيين: ظهورا في إمضاء ما ارتكز في ذهن السائل وفرغ عنه من نجاسة الميتة، وظهورا للأمر بالنزح في انفعال ماء البئر. والساقط من الظهورين هو الأخير بقرينة روايات الاعتصام دون الأول. وفيه: أن استظهار كون جهة السؤال في هذه الروايات هو اعتصام البئر وعدمه مع المفروغية عن نجاسة الميتة يتوقف على ثبوت ارتكازية نجاسة الميتة في ذهن المتشرعة، على حد بعض النجاسات الأخرى المعروفة المركوزة لديهم. ومثل هذا الارتكاز المتشرعي وإن لم يكن ببعيد، إلا أنه لو كان فهو بنفسه كاف للكشف القطعي عن الحكم بالنجاسة، دون حاجة إلى استئناف الاستدلال عليه بالروايات. وأما حيث لا يدعى الجزم بثبوته فلا يبقى ما يعين جهة السؤال لروايات النزح فيما ذكر، بل لعل السائل كان يسأل عن حكم الميتة بلسان السؤال عن ملاقياتها التي أحدها ماء البئر، فلا يستفاد من النزح التنزهي عندئذ محذور النجاسة. الوجه الثالث: - إنا نثبت نجاسة الميتة حتى لو فرض أن حيثية السؤال عن الميتة ونجاستها، وذلك بقانون حجية الدلالة الالتزامية بعد سقوط الدلالة المطابقية. فإن روايات النزح تدل بالمطابقة على لزوم النزح، وبالالتزام على نجاسة الميتة. والذي يسقط بأدلة اعتصام ماء البئر هو حجية المدلول المطابقي مع بقائه ذاتا فيكون المدلول الالتزامي أيضا باقيا ذاتا، فيشمله دليل الحجية بلا مانع. وفيه: أنا أوضحنا في محله من علم الأصول أن الدلالة الالتزامية كما هي تابعة للمطابقية ذاتا كذلك هي تابعة لها حجية.


 

[ 72 ]

وهكذا يتلخص إن الاستدلال بروايات نزح البئر من الميتة على نجاستها غير تام. الطائفة الثانية: - الروايات الدالة على نجاسة البئر بالتغير بالميتة. وتمتاز هذه الطائفة على سابقتها بعدم معارضتها مع أدلة اعتصام البئر، فتكون حجة في كلا مدلوليها المطابقي والالتزامي، فتكون سليمة عن الاعتراض السابق. وربما يناقش في الاستدلال بهذه الطائفة: بأن الأمر بالنزح في هذه الطائفة لم يرد منفصلا عن الطائفة السابقة، وإنما الروايات تكفلت بيان حكم صورة الملاقاة من دون تغير والملاقاة مع التغير معا، مع التفريق بينهما في مقدار النزح، فإذا فرض أن الأمر بالنزح بلحاظ فرض الملاقاة من دون تغير تنزيهي لا لزومي، بقرينة أدلة الاعتصام، لا ينعقد للأمر بالنزح في فرض التغير ظهور في الإلزام، كي يستفاد منه الإرشاد إلى نجاسة الميتة، لاتحاد سياقه مع سياق الأمر بالنزح في صورة عدم التغير. وفيه عدم انحصار روايات هذه الطائفة فيما يكون ظاهرا في وحدة سياق الأمر بالنزح للصورتين، بل هناك عدة روايات يمكن الأخذ بظاهر الأمر فيها بالنزح لصورة التغير. منها: ما ورد في فرض التغير فقط، كرواية محمد بن مسلم " أنه سأل أبا جعفر (ع) عن البئر يقع فيها الميتة. فقال إن كان لها ريح نزح منها عشرون دلوا " (1) إذ هي مختصة بصورة التغير، بناء على رجوع الضمير في (لها ريح) إلى البئر لا إلى الميتة.


 
(1) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب الماء المطلق.

 

[ 73 ]

ومنها: ما تكفل حكم الصورتين معا، ولكن مع عدم اتحاد السياق فيه، كرواية سماعة " قال: سألت أبا عبد الله عن الفأرة تقع في البئر أو الطير. قال: إن أدركته قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء، وإن كانت سنورا أو أكبر منه نزحت منه ثلاثين دلوا أو أربعين دلوا، وإن أنتن حتى يوجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء " (1) بناء على أنه يستظهر من الترديد والتخيير في النزح بين الثلاثين والأربعين دلوا أن النزح في صورة عدم التغير تنزهي، بخلاف صورة التغير فإنه لا بد من النزح حتى يذهب النتن الظاهر في اللزوم. ومنها: ما أمر فيها بالنزح فيما إذا وقعت الميتة في البئر من دون تفصيل بين ما إذا تغير الماء بها أم لم يتغير، وهي بعد تخصيصها بصورة التغير - بقرينة أدلة الاعتصام - تكون دالة على النجاسة لا محالة. الطائفة الثالثة: - وهي أحسن الطوائف الثلاث في مقام الاستدلال على نجاسة الميتة - ما دل على انفعال المائع غير المعتصم بملاقاة الميتة، من قبيل ما ورد من الروايات المتفرقة الآمرة بإراقة المايعات الملاقية مع الميتة، وهي روايات عديدة تامة الدلالة على نجاسة الميتة عرفا (2). لأن الأمر بإراقة مثل السمن والزيت والمرق لو كان ذائبا يفهم منه عرفا، بقرينة ارتكازية سراية النجاسة في فرض الذوبان، أن الأمر المذكور من جهة النجاسة السارية، لا لجهة تعبدية نفسية، كما هو واضح. ومن جملة روايات هذه الطائفة ما دل على إفساد الميتة للماء، من قبيل: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة ". ودليل منجسية شئ يدل


 
(1) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب ما يكتسب به وباب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة وباب 4 من الماء المطلق.

 

[ 74 ]

بالالتزام العرفي على نجاسته. الطائفة الرابعة: - ما دل على تنجيس الميتة أو المائع الملاقي للميتة لما يلاقيه من الجامدات، من قبيل ما دل على الأمر بغسل كل ما أصابه الماء الذي وقعت فيه الميتة، وما دل على النهي عن الأكل في آنية أهل الكتاب إذا كانوا يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير، كما في رواية محمد ابن مسلم عن أحدهما (ع) " قال: سألته عن آنية أهل الكتاب فقال: لا تأكل في آنيتهم، إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير " (1) بناء على ظهور النهي - سواء كان إلزاميا أو تنزيهيا - في كونه بلحاظ الصفة المشتركة، المنسبقة إلى الذهن من عناوين الميتة والدم ولحم الخنزير وهي النجاسة. وهناك طائفة خامسة ربما يستدل بها على النجاسة، وهي الروايات الناهية عن الصلاة في الميتة، فيؤخذ ذلك إرشادا إلى نجاستها. غير أن الاستدلال المذكور غير وجيه، بعد وضوح احتمال أن يكون النهي المذكور بملاك المانعية النفسية في الصلاة في الميتة، كما هو كذلك فيما لا يؤكل لحمه ولو كان طاهرا. ولذلك ذهب بعض الفقهاء إلى المنع عن الصلاة في الميتة ولو كانت طاهرة، كميتة ما لا نفس سائلة له. وعليه ففيما تقدم من الطوائف الدالة على النجاسة، وغيرها من الروايات المتفرقة التي لم نذكرها، علاوة على التسالم الفقهي والارتكاز المتشرعي على نجاسة الميتة كفاية لإثبات تمامية المقتضي للنجاسة. المقام الثاني: في الروايات التي قد يدعى معارضتها لما تقدم وهي روايتان: الأولى: مرسلة الصدوق التي ذكرها الفقهاء في المقام، وهي قوله في الفقيه: " سئل الصادق (ع) عن جلود الميتة، يجعل فيها اللبن والماء


 
(1) وسائل الشيعة باب 54 من الأطعمة المحرمة.

 

[ 75 ]

والسمن ما ترى فيه؟ قال: لا بأس أن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن، وتتوضأ منه وتشرب، ولكن لا تصل فيها " (1). وهي واضحة الدلالة على طهارة الميتة، خصوصا وقد عطف فيها اللبن والسمن على الماء، مما يسد باب احتمال أن يكون الحكم بجواز الوضوء أو الشرب من الماء الملاقي مع الميتة باعتبار عصمة الماء مثلا وعدم انفعاله حتى بعين النجاسة، لو احتمل ذلك في نفسه. وقد ادعى صاحب المدارك: أن نقل الصدوق لهذه الرواية ثلم للإجماع والتسالم على نجاسة الميتة، إذ قد تعهد في صدر كتابه أنه لا يروي إلا ما يعتمد عليه في مقام الإفتاء، فيدل على أنه كان يفتي بعدم النجاسة. ومن هنا ينفتح البحث حول هذه المرسلة، تارة: من ناحية الاستدلال بها كرواية معارضة مع الروايات الظاهرة في نجاسة الميتة. وأخرى: من ناحية ثلمها للإجماع والتسالم الفقهي. أما الاستدلال بها فيرد عليه: - أولا: ضعف السند، باعتبار الإرسال. والصدوق (ره) وإن كان يرويها بنحو الجزم، حيث يقول سئل الصادق (ع)، إلا أن ذلك لا يكفي في شمول دليل الحجية له، ما دام لا يحتمل في حق مثل الصدوق أن ينقل الرواية عن الصادق (ع) بالحس، أو ما يكون بحكمه، كأن تكون الرواية المذكورة متواترة النقل إلى زمانه، وأن النقل المذكور يكشف عن تأكد الصدوق من صدور الرواية، وهذا لا يكفي لحجيتها ثانيا: - لو فرض صحة سندها - لا تكون - أيضا - مشمولة لدليل الحجية، باعتبار ما لدينا من الظن القوي والوثوق بخلاف مضمونها، على ضوء ملاحظة مجموعة الفتاوى والنصوص الدالة على النجاسة.


 
(1) وسائل الشيعة باب 24 من النجاسات.

 

[ 76 ]

وأما ثلم نقل الصدوق لها في كتاب من لا يحضره الفقيه للإجماع، فقد أجيب عليه تارة: بعدم قدح مخالفة الواحد، وأخرى بأن نقل الصدوق له غاية ما يدل عليه أنها لم تكن من الروايات الشاذة الضعيفة، فإن المستفاد من تعهده في أول كتابه أنه لا يروي إلا ما يكون صحيحا في نفسه، وهذا لا يلزم أن تكون الرواية تامة الجهات في نظره - سندا ودلالة - مع عدم المعارض لها، ولا قرينة على خلافها، كي يستفاد من ذلك إفتاؤه بمضمونها، فيلزم انثلام الإجماع. والواقع: أن كلا هذين الجوابين مما لا تقنع النفس به، بل يبقى لكلام صاحب المدارك شئ من الوجاهة. إذ دعوى عدم قدح مخالفة الواحد ليست صحيحة في كل مقام، بحيث يمكن فرضه قاعدة كلية، بل لا بد من ملاحظة خصوصيات ذلك المخالف ومركزه وموقعه. فمخالفة مثل الصدوق (ره) القائم على رأس حوزة يكثر فيها الفقهاء والمشايخ قد تكشف عن عدم التسالم الارتكازي على النجاسة. كما أن دعوى: عدم إفتائه بمضمون ما يرويه في كتابه، أيضا خلاف ظاهر تعهده في أول الكتاب: بأنه ينقل فيه ما يعتمد عليه في مقام الإفتاء. ويدل عليه: أنه صنف ذلك الكتاب لمن لا يحضره الفقيه من مقلديه، الذين يبغون الإطلاع على فتاواه. نعم ربما يدعى: عدم الجزم باعتماده على إطلاقها، فلعله كان يحملها على فرض كون الميتة مما لا نفس سائلة له، وإن كان يوحي عدم تقييده بذلك اعتماده على إطلاقها. وعلى أي حال: فلو فرض قدح مثل هذه العبارة في كتاب الصدوق في التسالم والإجماع، يكفينا لإثبات النجاسة الأدلة اللفظية المتقدمة. الثانية: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع): " قال:


 

[ 77 ]

سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل يصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال: ليس عليه غسله، وليصل فيه ولا بأس (1) " فإن نفي الأمر بالغسل، مع ضم ارتكاز سراية النجاسة بالملاقاة، يدل عرفا على عدم نجاسة الميتة. ويمكن أن يدفع هذا الاستدلال: بأن مورد الرواية مطلق من حيث وجود الرطوبة وعدمها، ونفي الأمر بالغسل إنما يدل على عدم النجاسة بإطلاقه لفرض الرطوبة، وعليه يتعين تقييد هذا الإطلاق بما دل على نجاسة الميتة وعلى انفعال المائعات بها، فتختص هذه الرواية بفرض عدم الرطوبة. ودعوى: أن هذه الرواية ليست مطلقة بل هي منصرفة إلى فرض وجود الرطوبة، لأن نفس ارتكاز عدم السراية بدون رطوبة، قرينة على أن استشكال السائل في لزوم غسل الثوب الداعي إلى سؤاله إنما هو منصب على فرض الرطوبة، ولا أقل من كون ذلك منظورا إليه بصورة أساسية، على نحو لا يمكن تقييد الجواب بفرض الجفاف الذي هو خارج عن معرض استشكال الإنسان العرفي في السراية. مدفوعة: بأن هذا إنما يتم لو استظهر كون نظر الراوي إلى جهة سراية النجاسة بالملاقاة حسب قواعد السراية العرفية، أما لو افترضنا أن نفس الملاقاة مع الميتة بما هي ملاقاة معها كانت موضوع استشكال لدى المتشرعة، فلا يتجه ما تقدم من دعوى اختصاص الرواية بفرض السراية وهكذا الافتراض يوجد عليه شاهد بلحاظ شخص علي بن جعفر راوي الرواية، حيث جاء في صحيحة أخرى له: " أنه سأل عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت. قال: ينضحه بالماء ويصلي فيه ولا بأس " (2) فإنه


 
(1) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 26 من النجاسات.

 

[ 78 ]

بعد استبعاد خفاء نجاسة الكلب على مثل علي بن جعفر يتعين أن يكون السؤال ناظرا إلى فرض عدم الرطوبة، للاحتمال أن يكون مجرد الملاقاة مع الميت موضوعا لأثر شرعي، بلحاظ خصوصية في الموت. بقي الكلام في الميتة من الإنسان: فهل يحكم بنجاستها مطلقا أيضا، أو بطهارتها كذلك، أو فيهما تفصيل؟. الحق هو التفصيل بين ميتته قبل الغسل وميتته بعده، فيحكم بالنجاسة في الأول والطهارة في الثاني، للروايات الآمرة بغسل ما يلاقي ميتة الإنسان إذا كان قبل الغسل، كرواية إبراهيم بن ميمون، عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت. قال: إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، وإن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه يعني إذا برد الميت " (1) ويحمل عليه أيضا ما ورد فيه الأمر بالغسل مطلقا، كرواية الحلبي، عن أبي عبد الله: " قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت. فقال: يغسل ما أصاب الثوب " (2). وقد يشك في دلالة روايات الباب الآمرة بالغسل على النجاسة. إما بلحاظ ارتكازية أن نجس العين لا يطهر مع وضوح أن الميت ليس بنجس بعد التغسيل، فيكون الارتكاز المذكور قرينة على رفع اليد عن ظهور الأمر بالغسل في نجاسة الميت، وحمله على كونه حكما تعبديا. وإما باعتبار البناء على ثبوت الأمر بغسل الملاقي لميت الإنسان مطلقا مع الرطوبة أو الجفاف، فيكون ارتكاز عدم سراية النجاسة مع عدم الرطوبة قرينة على أن الأمر بالغسل ليس بلحاظ نجاسة الميت، وإلا لاختص بحال الرطوبة.


 
(1) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات.

 

[ 79 ]

وإما بدعوى أن المراد بغسل الثوب غسل ما لصق به من رطوبة الميت وقذارته، ولا يدل ذلك على النجاسة الحكمية. وكل ذلك مدفوع: أما الأول فيرد عليه: أولا: أن ارتكاز عدم زوال النجاسة عن نجس العين إلا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع - من قبيل طهارة الكلب بصيرورته ملحا، أو طهارة الكافر بصيرورته مسلما - إنما يتم في الموارد التي تكون النجاسة الشرعية فيها بنكتة القذارة، لا بنكات معنوية، كما في المقام وكما في نجاسة الكافر والخمر، لأن زوال تلك النكتة المعنوية بالتطهير ليس على خلاف الارتكاز، بخلاف خروج ما تكون بذاته قذرا عن القذارة. وثانيا: أنه كما ينافي مع الارتكاز ارتفاع النجاسة عن نجس العين، كذلك ينافي مع الارتكاز حمل الأمر بالغسل على نجاسة الثوب الملاقي مع طهارة الملاقى - بالفتح - لأن الارتكاز يقتضي بعدم منجسية الطاهر. وكذلك يعتبر إيجاب غسل النظيف والطاهر تعبدا على خلاف الارتكاز. فإذا كانت كل المحتملات على خلاف الارتكاز فليؤخذ بظهور الأمر بالغسل في النجاسة. وأما الثاني فيرد عليه: أولا: أن ما تقدم من الروايات مشتمل على ما هو مختص بفرض الرطوبة، إذ قد فرض فيه أن شيئا ما قد أصاب الثوب من الميت، وهذا لا يتصور مع الجفاف. ووجود ما يدل على الأمر بالغسل مطلقا لا يكون مضرا. وثانيا: لو سلم الإطلاق فظهور مادة الغسل في ثبوت النجاسة في مورده، مع ارتكاز عدم سراية النجاسة بلا رطوبة، يكون كالقرينة المتصلة على تقييد الإطلاق. وأما الثالث: فيرد عليه: أن حمل الأمر بغسل الثوب على إرادة إزالة العين التي التصقت به من الميت خلاف الظاهر، لأن المفهوم عرفا


 

[ 80 ]

[ وكذا أجزائها المبانة منها، وإن كانت صغارا (1). ] من الأمر بالغسل ملاحظة الغسل لا بوصفه مجرد مزيل، بل باعتباره منظفا للمحل. واعتباره كذلك يساوق النجاسة عرفا. ومن جملة ما يمكن أن يستدل به على النجاسة موثقة عمار: " قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر فقال: ينزح منها دلاء، هذا إذا كان ذكيا فهو هكذا. وما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء فيموت فيه: فأكثره الإنسان ينزح منها سبعون دلوا، وأقله العصفور ينزح منها دلو واحد، وما سوى ذلك فيما بين هذين " (1). فإن هذه الرواية تفرق بين جيفة المذكى وجيفة الميتة، والمنسبق إلى الذهن العرفي المتشرعي من هذه التفرقة أنها بلحاظ نجاسة الميتة، بعد أن كان أهم فارق مركوز بين الجيفتين نجاسة الميتة وطهارة المذكى. وحيث جعلت ميتة الإنسان معطوفة على ميتة غيره، بل أشد منها، استفيد من ذلك نجاستها سواء كان الأمر بالنزح إلزاميا أو تنزيهيا. ومثل هذا التقريب لم يكن بالإمكان إجراؤه فيما تقدم عند محاولة الاستدلال بروايات النزح على أصل نجاسة الميتة لأن هذا التقريب يعتمد على افتراض المفروغية عن ارتكاز نجاسة ميتة الحيوان. (1) قد يشك في الحكم بنجاسة الجزء المبان، بدعوى أن العنوان المأخوذ في موضوع روايات النجاسة هو الميتة، والجزء من الحيوان الميت لا يصدق عليه هذا العنوان، فلا يشمله دليل النجاسة. ويمكن دفع هذا التشكيك: تارة: بأن اتصال بعض الأجزاء ببعض لما كان دخله في النجاسة على


 
(1) وسائل الشيعة باب 21 من أبواب الماء المطلق.

 

[ 81 ]

خلاف الارتكاز العرفي ومناسبات الحكم والموضوع، فتلغى هذه الخصوصية، ويكون للدليل إطلاق لفرض الانفصال. وأخرى بالتمسك بمثل رواية قاسم الصيقل - لو تم سندها - " قال: كتبت إلى الرضا (ع): إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فيصيب ثيابي، أفأصلي فيها؟ فكتب إلى: اتخذ ثوبا لصلاتك.. إلخ " (1) فإن النظر في الرواية إلى سراية النجاسة إلى الثوب بالملاقاة، فهي تدل على أن الجلد المنفصل نجس فكذلك سائر الأجزاء المبانة. وثالثة: بالتمسك بظهور ما دل على طهارة الأجزاء التي لا تحلها الحياة، كرواية حريز قال: " قال أبو عبد الله لزرارة ومحمد بن مسلم: اللبن، واللباء، والبيضة، والشعر، والصوف، والقرن، والناب، والحافر، وكل شئ يفصل من الشاة والدابة. فهو ذكي وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " (2). فإن أمره بالغسل على تقدير الأخذ بعد الموت قرينة على النظر إلى الطهارة في قوله: (فهو ذكي). وحينئذ يدل على أن الجزء المبان في الجملة محكوم بالنجاسة، وإلا لم يكن هناك معنى للتنصيص على هذه الأجزاء فقط. ورابعة: بالاستناد إلى ما دل على أن القطعة المبانة من الحيوان الحي ميتة، بدعوى: التعدي عرفا، وكون ذلك الدليل قرينة على أن الميتة عنوان لوحظ موضوعا للحكم الشرعي بنحو ينطبق على الجزء أيضا. وخامسة: بلحاظ ما دل على نجاسة الميتة، معلقا للحكم على عنوان الجيفة، من قبيل: قوله - في رواية حريز - " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء، وتغير الطعم فلا تتوضأ


 
(1) وسائل الشيعة باب 34 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.

 

[ 82 ]

منه ولا تشرب " (1). بدعوى: أن الجيفة كما تصدق على الكل تصدق أيضا على القطعة المبانة من الميت، فيتمسك بإطلاقها. وسادسة: بصحيحة محمد بن مسلم، الناهية عن الأكل من آنية أهل الكتاب، معللة ذلك بأنهم يأكلون فيها الميتة (2). مع وضوح أنهم إنما يأكلون فيها جزءا من الميتة بعد اقتطاعه، فلو لم يكن نجسا لما تنجس الإناء. وسابعة: بالاستناد إلى استصحاب النجاسة الثابتة قبل فصل الجزء عن الميتة. والمهم هو التقريب الأول. وأما التقريبات الأخرى فأكثرها قابلة للمناقشة أما الثاني: فلضعف سند الرواية. وأما الثالث: فلأن قوله: (فهو ذكي) لعله في مقام بيان التذكية في مقابل الميتة وآثارها، فلو التزم بأن القطعة المبانة طاهرة مطلقا لا يلزم من ذلك إلغاء خصوصية العناوين المذكورة في الرواية، إذ يكفي في خصوصيتها جواز الصلاة فيها. وأما الرابع: فلإمكان منع التعدي عرفا من تنزيل القطعة المبانة من الحي منزلة الميتة إلى تنزيل القطعة المبانة من الميت، لأن الموت بالنحو المناسب للجزء عرض على تلك القطعة مستقلا، وعرض على هذه ضمنا، فلا غرابة - بقطع النظر عن الارتكاز الملحوظ في التقريب الأول - في أن تكون النجاسة في القطعة المبانة من الحي استقلالية، وتكون النجاسة في القطعة من الميتة منوطة باتصالها. اللهم إلا أن يقال: إن مثل ما جاء عن أبي عبد الله (ع) في رواية أبي بصير - لو تم سندها - من أنه قال " في إليات الضأن تقطع وهي أحياء: أنها ميتة " قد علق فيه الحكم بالميتة


 
(1) وسائل الشيعة باب 3 من الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 54 من الأطعمة المحرمة.

 

[ 83 ]

وما تستتبع من نجاسة على عنوان (إليات الضأن تقطع)، وهذا العنوان كما ينطبق على الإلية المقطوعة حال اتصالها كذلك ينطبق عليها بعد تقطيعها، فيثبت بالإطلاق أنها ميتة ونجسة بعد التقطعة أيضا، وإذا ثبت هذا في الإلية المقطوعة يثبت في أصل الميتة أيضا. وأما الخامس: فلأن تلك الروايات ليست في مقام البيان من ناحية أصل نجاسة الجيفة، يتمسك بإطلاقها، بل هي في مقام بيان انفعال الماء وعدم انفعاله. نعم لا بأس بالتقريب السادس. وأما السابع، وهو الاستصحاب فقد يستشكل في جريانه فيما إذا حصل الانفصال والموت في آن واحد، إلا أن يتمسك بالاستصحاب التعليقي ويقال: بأن هذا لو مات قبل ساعة لكان نجسا، فتستصحب هذه القضية التعليقية إلى حين الانفصال. وهكذا نعرف: أن أوضح التقريبات في دفع التشكيك هو الأول، أي إلغاء خصوصية الاتصال والهيئة التركيبية بالارتكاز العرفي. بل يمكن أن يقال في دفع التشكيك: أن ميتة الحيوان إذا قسمت إلى أجزاء فكل جزء وإن كان لا يصدق عليه عنوان الميتة فلا يكون فردا مستقلا من موضوع دليل النجاسة، ولكن مجموع الأجزاء يصدق عليها أنها ميتة ذلك الحيوان، لأن كونها كذلك غير موقوف على اتصال بعضها ببعض، فيثبت بإطلاق الدليل نجاسة المجموع، من دون حاجة إلى الاستعانة بالارتكاز العرفي لإلغاء دخل الهيئة التركيبية في موضوع النجاسة، وإنما نحتاج إليه لإلغاء دخل ما يكون دخله أوضح بطلانا، وهو انحفاظ سائر الأجزاء وعدم تلفها، فإنه بعد تجزئة الميتة إلى أجزاء تثبت النجاسة للمجموع على تجزئته لكونه ميتة. ولا يحتمل عرفا دخل بقاء جزء وعدم تحلله في بقاء النجاسة في الجزء


 

[ 84 ]

[ عدا ما لا تحله الحياة منها (1) كالصوف، والشعر، والوبر، والعظم، والقرن، والمنقار، والظفر، والمخلب، والريش، والظلف، والبيضة إذا اكتست القشر الأعلى. ] الآخر المنفصل عنه، وبذلك يثبت المطلوب. (1) دراسة حكم ما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة تارة: يكون بلحاظ أدلة نجاسة الميتة الأولية. وأخرى: بلحاظ الروايات الخاصة الواردة فيما لا تحله الحياة. فهنا مقامان: أما المقام الأول: فقد يقال: بأن المستفاد من الأدلة الأولية نجاسة الميتة، ومقتضى ذلك نجاستها بتمام أجزائها، فتثبت النجاسة بالإطلاق للصوف والشعر ونحوهما أيضا. ويمكن التشكيك في هذا الإطلاق بدعوى: أن نجاسة الميتة استفيدت من روايات من قبيل: ما فرض فيه وقوع الميتة في الماء، أو تفسخ الفأرة في الإناء، أو سقوط الحيوان وموته في السمن والزيت ونحو ذلك، وأمر فيه بنزح الماء، أو إراقة المائع، أو غسل ما أصابه ذلك الماء، ونحو هذا. ومن الواضح أن ذلك لا يستكشف منه نجاسة تمام أجزاء الميتة حتى صوفها وشعرها، لأن نجاسة ما عدا ذلك من أجزائها التي تحلها الحياة تكفي لتصحيح الأمر بالنزح أو الإراقة أو الغسل، لأن المفروض وقوع الميتة في الماء أو السمن لا وقوع شعرها أو صوفها خاصة. نعم لو تم ما كان بلسان الفقه الرضوي: " إن مس ثوبك ميتا فاغسل ما أصاب، وإن مسست ميتة فاغسل يديك " (1) فقد يقال بإطلاقه لمس صوف الميتة، لأن مس صوفها مس لها، فيثبت بإطلاق الأمر بالغسل


 
(1) مستدرك الوسائل باب 26 من النجاسات.

 

[ 85 ]

نجاسة الصوف أيضا. وكذلك لو قيل بالتوسعة في مفهوم جسد الميت في قوله: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت "، بدعوى: أن شعر الميت من جسده. ولكن الرضوي ساقط سندا. والتوسعة المذكورة غير واضحة عرفا. والروايات التي ذكرناها في المسألة السابقة لإثبات نجاسة جزء الميتة، والتي أخذ في موضوعها عنوان الجلود أو إليات الغنم المقتطعة من الحي أو الجيفة أو الميتة التي توجد في أواني أهل الكتاب، لا تشمل مثل الصوف والشعر مما لا تحله الحياة كما هو واضح. ولا يمكن التعدي من القدر المتيقن لدليل النجاسة وهو ما تحله الحياة إلى ما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة، بعد فرض عدم وجود الإطلاق اللفظي، لأن الارتكاز العرفي ومناسبات الحكم والموضوع توجب احتمال الفرق وجدانا، بل قد يدعى: أنه لو تم دليل نجاسة الميتة بعنوانها لما اتجه الأخذ بإطلاقه لإثبات نجاسة مثل الصوف والشعر: إما لخروج مثل ذلك العنوان موضوعا بعد عدم شمول الموت له في نظر العرف، وإما لخروجه حكما لو سلم شمول لفظ الميتة اصطلاحا حتى لما لا يشمله الموت للتبعية وذلك بمناسبات الحكم والموضوع. فعلى أي حال للتشكيك في وجود الإطلاق في نفسه - بقطع النظر عن الأخبار الخاصة - مجال، ومعه يكون المرجع الأصول النافية للنجاسة. المقام الثاني: فيما تقتضيه الروايات الخاصة. والكلام في ذلك يقع في جهتين إحداهما: في الروايات التي يستدل بها على طهارة ما لا تحله الحياة من الميتة والأخرى: في الروايات التي قد يستدل بها على نجاسة تلك الأجزاء، إما على نحو النجاسة العينية المطلقة، أو على نحو النجاسة


 
(1) وساائل الشيعة باب 34 من النجاسات.

 

[ 86 ]

العينية التي تزول بالغسل، كنجاسة ميتة الإنسان. أما الجهة الأولى: فروايات الطهارة طائفتان: الأولى: ما دلت على طهارة العناوين المذكورة واستثنائها من حكم الميتة بدون إعطاء العنوان الكلي الجامع لها، من قبيل رواية الحسين بن زرارة: قال: " كنت عند أبي عبد الله (ع) وأبي يسأل عن اللبن من الميتة، والبيضة من الميتة، وأنفحة الميتة. فقال: كل هذا ذكي " (1) ورواية الصدوق: " قال الصادق (ع) عشرة أشياء من الميتة ذكي: القرن، والحافر، والعظم، والأنفحة، واللبن، والشعر، والصوف، والريش، والبيض " (2). وهذه الطائفة - والتي فيها ما هو معتبر السند - لا إشكال في دلالتها على الطهارة. ولكن قد يستشكل في دلالتها على الضابطة الكلية وهي طهارة كل ما لا تحله الحياة، ويقال: بلزوم الاقتصار على العناوين المذكورة فيها غير أنه لا يبعد دعوى: استفادة قاعدة كلية منها بحمل ما ورد فيها من العناوين على المثالية، واقتناص الجامع المنتزع منها بحسب فهم العرف والمناسبات التي يراها للحكم المذكور وجعله هو موضوع الحكم بالطهارة، فمن القريب أن يقال: إن العرف يفهم من العناوين المذكورة أنها كلها بنكتة مشتركة قد حكم عليها بالطهارة، وهي كونها مما لا تحلها الحياة ولم تكن مصب الروح الحيوانية، وإن كانت بالنظر العقلي الدقيق فيها شئ من الحياة وبذلك يستفاد من هذه الطائفة ما يستفاد من الطائفة الثانية من الحكم بطهارة كل ما لا تحله الحياة من أجزاء الحيوان.


 
(1) وسائل الشيعة باب 68 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.

 

[ 87 ]

الثانية: ما دلت على الطهارة بعنوان كلي ينطبق على ما ليس فيه روح ولا تحله الحياة من الأجزاء، من قبيل رواية الحلبي عن أبي عبد الله (ع) " قال: لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، إن الصوف ليس فيه روح " (1) ودلالتها على القاعدة الكلية واضحة. كما أن المقصود من الروح فيها الحياة الحيوانية، لا مجرد النمو كما هو واضح عرفا، فيشمل كل جزء غير لحمى من الحيوان، لأنه ليس فيه روح، إما بالإطلاق اللفظي لو قيل بأن ما فيه الروح تعبير عرفي عن اللحم، أو بالإطلاق المقامي باعتبار أن العرف يفهم أن ما فيه الروح والحياة الحيوانية هو اللحم فقط، وقد أمضى ذلك في الرواية ولم ينبه على خلافه. ومن جملة روايات هذه الطائفة أيضا صحيحة حريز قال: " قال أبو عبد الله (ع) لزرارة ومحمد بن مسلم: اللبن، واللباء، والبيضة، والشعر، والصوف، والقرن، والناب، والحافر، وكل ما ينفصل من الشاة والدابة فهو ذكي. وإن أخذته بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " (2). فإنها تدل على طهارة عنوان كلي هو (كل ما يفصل عن الدابة) أي ما يعتاد فصله عنه خارجا أو ما يكون من شأنه ذلك، كناية عن كل ما كان عارية في جسم الحيوان بحسب الفهم العرفي، وهو ضابط قريب عرفا مع عنوان ما لا تحله الحياة من الحيوان، وإن كانا يفترقان في صدق الأخير على العظم دون الأول. ولا يقدح في الاستدلال بها اختصاص صدرها بحال الحياة، فإن ذيلها قد دل على عدم النجاسة بعد الموت أيضا، وإن أمر فيها بالغسل بلحاظ النجاسة العرضية، التي سوف يقع الكلام


 
(1) وسائل الشيعة باب 68 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.

 

[ 88 ]

فيها إنشاء الله تعالى. كما أن ورود عنوان الشاة في موردها لا يضر بالاستدلال أيضا، إذ يتعدى منها - عرفا - إلى غيرها إما بقرينة عطف الدابة عليها بعد حملها على مطلق ما يدب على الأرض، أو بالفهم العرفي وارتكازهم عدم الفرق المستوجب لحمل المورد على المثالية. ولكن قد يستشكل في دلالة هذه الرواية: بأن صدرها وارد فيما أخذ من الحيوان وهو حي، وما هو محل الكلام - وهو المأخوذ من الميت من الأجزاء التي لا تحلها الحياة - تعرضت له الرواية في الفقرة الأخيرة في قوله: " وإن أخذته بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " وهذه الفقرة - بقرينة افتراضها للصلاة في المأخوذ - تختص بمثل الصوف والشعر، فلا يستفاد منها طهارة جميع الأشياء المذكورة. وهذا الإشكال يمكن دفعه بأن ظاهر قوله: (وإن أخذته) كون مرجع الضمير تمام ما ذكر في الفقرة الأولى. وإرادة خصوص الصوف والشعر مما ذكر قبله وبعده أشياء أخرى في صدر الرواية خلاف المتفاهم العرفي جدا، على نحو لا يصح قوله: (وصل فيه) قرينة عليه، بل يكون ظهور الضمير قرينة على أن المراد بالصلاة المثال للانتفاع به على نحو ما ينتفع بالطاهر، فيتم الاستدلال. ومن جملة روايات هذه الطائفة أيضا: الرواية التي ينقلها الشيخ بإسناده عن صفوان عن حسين بن زرارة عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال: العظم والشعر والصوف والريش وكل ذلك نابت لا يكون ميتا " (1) وقد أرسلها الكليني عن صفوان، غير أنه ورد فيها عنوان: " أن كل


 
(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 12.

 

[ 89 ]

نابت لا يكون ميتة " (1) وهو أظهر في الدلالة على الضابط العام وهو: (أن كل نابت ليس بميتة) مما ورد في نقل الشيخ، إذ أنه قد يمنع دلالته على ذلك، حيث لم ينف الميتة عن كل نابت وإنما نفى العناوين المذكورة. إلا أن الصحيح استفادة العموم منه أيضا بحسب المتفاهم العرفي، حيث يفهم منه أن النابتية هي علة الحكم عليها بأنها ليست بميتة. الجهة الثانية: في الروايات التي قد يستدل بها على النجاسة، فمن تلك الروايات رواية الحلبي قال: " سألته (ع) عن الثنية تنفصم وتسقط، أيصلح أن تجعل مكانها سن شاة؟ قال: إن شاء فليضع مكانها سنا، بعد أن تكون ذكية " (2). فقد اشترط عدم كون السن من الميتة، فلو كان السن من الميتة طاهرا، لما وجد مبرر لهذا الاشتراط. ويرد عليه أن الاشتراط ليس له ظهور في كونه ناظرا إلى ناحية النجاسة، فلعله بلحاظ وجود حزازة في الانتفاع بسن الميتة، أو حزازة في الصلاة معه، ولا يكفي ذلك لإثبات النجاسة. وغاية الأمر: أن ذلك يكون مقيدا لعموم التعليل في مثل رواية الحلبي، المتكفلة لتعليل جواز الصلاة في الصوف بأنه ليس فيه روح، بإخراج السن من عموم التعليل فيه، دون أن تثبت النجاسة، بعد قصور أدلة النجاسة في نفسها كما عرفت. هذا مضافا إلى أن الناب صرح به في رواية حريز، ومعه يتعين حمل الاشتراط في رواية الحلبي على الاستحباب. ومن تلك الروايات رواية مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه " قال: قال جابر بن عبد الله: إن دباغة الصوف والشعر غسله بالماء، وأي


 
(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 8. (2) وسائل الشيعة باب 68 من أبواب النجاسات.

 

[ 90 ]

شئ يكون أطهر من الماء " (1). فإن التعبير بالدباغة إنما هو انسياق مع ما اشتهر من مطهرية الدباغة للجلود. ومفاد الرواية هو أن الصوف والشعر يطهر بالماء، وحيث لم تفرض نجاسة عرضية للصوف والشعر كانت الرواية دالة على النجاسة الذاتية، ولكنها سنخ نجاسة ترتفع بالغسل، كنجاسة الميت من الإنسان التي ترتفع بتغسيله. ويرد عليه - مضافا إلى ضعف سند الرواية، حيث لم تثبت وثاقة مسعدة بن صدقة، وغرابة رواية الأئمة عن جابر - أن الرواية في مقام بيان المطهر للصوف والشعر، وليست في مقام البيان من ناحية أصل نجاستهما ليتمسك بالإطلاق لفرض عدم الملاقاة مع الرطوبة، فلعل النجاسة الملحوظة هي النجاسة العرضية الحاصلة من الملاقاة بالرطوبة في فرض النتف. ولكن هذا لا يخلو من تأمل: لأن الظاهر من الرواية كونها في مقام دفع استغراب مطهرية الماء، ولهذا تقول: وأي شئ يكون أطهر من الماء، ولا غرابة في مطهرية الماء من النجاسة العرضية، الحاصلة بالملاقاة، فنفس ذلك قد يكون قرينة على أن النظر إلى ارتفاع النجاسة الذاتية بالماء، وهو أمر غريب يناسب سياق الرواية الوارد في مقام دفع الاستغراب. غير أن المتعين حينئذ الحمل على المطهرية التنزيهية جمعا بينها وبين روايات الطهارة. ومن تلك الروايات رواية حريز المتقدمة، التي ورد فيها قوله: " وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " بدعوى: أن الأمر بالغسل حيث لم يفرض في موضوعه الملاقاة مع الرطوبة يدل على النجاسة الذاتية للصوف ونحوه. ويرد عليه: أن ارتكازية عدم ارتفاع النجاسة الذاتية بالغسل، تكون بنفسها قرينة على أن الأمر بالغسل، إنما هو في مورد الملاقاة مع ما تحله الحياة


 
(1) وسائل الشيعة باب 68 من النجاسات.

 

[ 91 ]

من أجزاء الميتة بالرطوبة، لا مطلقا. هذا مضافا: إلى تعين الحمل على الاستحباب والتنزه في مقام الجمع مع مثل رواية الحلبي، لأبعدية الجمع بينهما بحمل رواية الحلبي على ما بعد الغسل. وإن فرض تساوي الجمعين في نظر العرف كفى ذلك في الحكم بعدم النجاسة، لعدم الدليل. وهكذا نعرف أن العناوين التي ذكرها السيد الماتن (قده) من أجزاء الميتة التي لا تحلها الحياة كلها محكوم عليها بالطهارة. غير أنه ينبغي البحث في خصوص البيضة منها، حيث إنهم اشترطوا في الحكم بطهارتها اكتسابها القشر الأعلى، فنقول: أما وجه الحكم بالطهارة فيها: فأولا: عدم تمامية مقتضي النجاسة، حيث ناقشنا في تمامية الإطلاق في دليل نجاسة الميتة كي يشمل البيضة. وثانيا: أنه لو سلم الإطلاق لكل جزء من الميتة فالبيضة خارجة عن أجزائها عرفا، خصوصا بعد اكتساب القشرة. وثالثا: الروايات التي استثنت البيضة عن الميتة تفصيلا، أو باعتبار اندراجها في الضوابط العامة المستثناة فيها. والمهم من البحث في البيضة يقع في جهتين: الأولى: في حكمها قبل اكتساب القشرة. الثانية: في شمول الحكم المذكور للبيض من الحيوان حرام اللحم. أما الجهة الأولى: فلا إشكال في نجاسة البيضة قبل اكتساب القشر، ولو من جهة الملاقاة مع النجس من أجزاء الميتة. وأما بعد اكتسابه بنحو يمنع عن السراية فمقتضى ما ذكرناه الآن هو الحكم بطهارتها، دون فرق بين أن تكون قد اكتسب القشر الأعلى أم لا. والمشهور بين الفقهاء: اشتراط القشرة الصلبة، مستندين في ذلك إلى رواية غياث عن أبي عبد الله (ع): " في بيضة خرجت من أست


 

[ 92 ]

[ سواء كانت من الحيوان الحلال أو الحرام (1). ] دجاجة ميتة. قال (ع): إن كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها " (1). والاستدلال بها موقوف على تمامية سندها، وأن يكون البأس الملحوظ فيها هو النجاسة، لا حرمة الأكل قبل اكتساب القشر ولو بملاك كونها من الخبائث كالميتة نفسها. ولا قرينة على أن الملحوظ في البأس هو النجاسة، لأن حرمة الأكل نحو بأس وشدة أيضا. والنجاسة تستتبع حرمة الأكل، وبهذا كانت حرمة الأكل متيقنة، فتنفى النجاسة بالأصل، أو بالفحوى من أدلة طهارة ما ليس فيه روح. (1) هذه هي الجهة الثانية في شمول الحكم بالطهارة لما إذا كانت من حرام اللحم الطاهر العين في حال الحياة، ذلك أنه نسب إلى بعض القول باختصاص الحكم بالبيض من حلال اللحم. ويمكن توجيهه بدعوى أن مدرك الحكم بالطهارة هو الروايات المخصصة لأدلة النجاسة الواردة في البيض، أو في مطلق ما لا تحله الحياة وهذه الروايات لا تشمل بيض حرام اللحم، لأنه قد ورد بعضها في أكل بيض الدجاج (2)، وبعضها في جواز الصلاة (3) وورد في بعضها التعبير بأن فيها منافع الخلق (4)، المنصرفة عرفا إلى منفعة الأكل، وعطف في بعضها البيض على اللبن واللباء (5) مما قد يدعى إيجابه للانصراف إلى البيض الذي يكون في معرض الاستعمال والغذاء. ولكن الصحيح أن هذا لا يكفي للحكم بنجاسة البيضة من حرام اللحم الطاهر العين وذلك: أولا: لعدم تمامية مقتضي النجاسة في نفسه، على ما مضى من عدم


 
(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 6. (2) و (3) و (4) و (5) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.

 

[ 93 ]

[ وسواء أخذ ذلك بجز أو نتف أو غيرهما. نعم يجب غسل المنتوف من رطوبات الميتة (1). ] تمامية الإطلاق. وثانيا لأنه لو فرض تمامية الإطلاق في روايات النجاسة لكل جزء من الميتة، فالبيضة ليست منها عرفا. وثالثا: - لتمامية الإطلاق في بعض روايات الاستثناء، كرواية الحسين ابن زرارة المتقدمة، لخلوها من تلك القرائن المدعاة. (1) يمكن أن يستدل على التفصيل بين النتف والجز بوجوه: الأول: إن الأخذ بالنتف يوجب قطع أصول الشعر وهي مما تحله الحياة فيتعين الحكم بالنجاسة. وفيه أولا: - أن غايته الحكم بنجاسة أصول الشعر المنتوف، كما هو واضح. وثانيا: أن الصحيح هو الحكم بطهارة أصوله أيضا، إذ لو سلمنا أنها مما تحله الحياة في نظر العرف فلا يمكن إثبات نجاستها، لعدم وجود إطلاق في دليل النجاسة على ما تقدم. الثاني: الاستدلال برواية الجرجاني عن أبي الحسن (ع) قال: " كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيا. فكتب: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب وكلما كان من السخال الصوف إن جز، والشعر، والوبر، والأنفحة، والقرن، ولا يتعدى إلى غيرها إن شاء الله " (1) وهي المكاتبة التي يدعى وجود السقط فيها حيث إنها بعد أن استثنت " كلما كان من السخال... إلخ " لم يصرح بحكمها، وإن كان يفهم من


 
(1) فروع الكافي كتاب الأطعمة باب ما ينتفع به من الميتة ج 6 الحديث 6 وقد نقلت في الوسائل من الكافي بتوسيط أبي إسحاق بين الجرجاني وأبي الحسن (ع).

 

[ 94 ]

[ ويلحق بالمذكورات الأنفحة (1) ] السياق أن حكمها نقيض ما ذكر أولا: أي جواز الانتفاع بها. وتقريب الاستدلال بها هو: التمسك بمفهوم قوله: " الصوف إن جز " لما إذا نتف الصوف عن جلد الميتة، حيث يكون دالا على المنع من الانتفاع به، فيكون ظاهرا عرفا في نجاسته بناء على انصراف دليل عدم جواز الانتفاع إلى النجاسة. وفيه أولا: ضعف سندها. وثانيا: أنها معارضة برواية حريز المتقدمة التي جاء فيها قوله: " وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " إذا فرض ظهور تلك الرواية في النظر إلى النجاسة العرضية الحاصلة بالملاقاة بالرطوبة لما تحله الحياة من الميتة على ما تقدم، لأن من الواضح حينئذ كون موردها هو النتف، إذ في حالة الجز لا توجد الملاقاة المزبورة عادة، فيكون الأمر بالغسل بنفسه دليلا على نفي النجاسة الذاتية. (1) وذلك للروايات العديدة التي استثنت الأنفحة ضمن ما استثنت من العناوين لو فرض تمامية المقتضي للنجاسة فيها كصحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) " قال: سألته عن الأنفحة تخرج من الجدي الميت قال: لا بأس به قلت اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت. قال: لا بأس به الحديث " (1) فالحكم باستثناء الأنفحة عن الميتة مما لا ينبغي الإشكال فيه. ومهم البحث في المقام عن جهتين: الجهة الأولى: في تشخيص الصغرى، فإن الأنفحة قد اختلف في أنها اسم الظرف، أو المظروف، أو هما معا. وقد خرجت الكلمة المذكورة عن مجال المحاورات العرفية اليوم،


 
(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.

 

[ 95 ]

وتحديدات اللغويين لها أيضا لا تخلو من تشويش واختلاف، كما يظهر لمن راجع كلماتهم. فالمدلول اللغوي للكلمة في عصر صدور هذه الروايات مجمل لدينا لا يمكن تحديده. وبناء على ذلك ينبغي أن يقال: إنه تارة: يبنى على إنكار وجود إطلاق في دليل النجاسة يشمل كل جزء جزء من الميتة. وأخرى: يفترض تمامية الإطلاق. فعلى التقدير الأول: يكون الحكم هو طهارة الظرف والمظروف معا، تمسكا بالأصول المؤمنة. وعلى الثاني: فإما أن يستفاد من استثناء الأنفحة أن المظروف متيقن الإرادة فيها على كل حال، باعتبار نظرها إلى ما فيه منافع الناس، ويستعمل في الجبن ونحو ذلك من التعبيرات الواضحة في النظر إلى المظروف. أو يقال بالإجمال فيها أيضا، واحتمال أن يكون نظرها إلى الظرف فقط. فعلى الأول: يقتصر في الحكم بالطهارة على المظروف فقط، ويبقى الظرف مشمولا لإطلاق أدلة النجاسة. لا يقال: على هذا يمكن التمسك بدليل تنجيس النجس لملاقيه، لإثبات نجاسة المظروف أيضا. فإنه يقال: دليل استثناء الأنفحة وإن كانت ناظرة إلى النجاسة الذاتية الناشئة من الميتة، إلا أنه لا إشكال في ظهورها بل صراحتها في الطهارة الفعلية المسوغة للانتفاع بها، فلو كانت نجاسة الظرف تسري إلى المظروف لسقط عن الانتفاع الفعلي، بمجرد موت الحيوان عادة. لا يقال: يقع التعارض بين دليل نجاسة الميتة ودليل تنجيس المتنجس، حيث يكون دليل استثناء الأنفحة تخصيصا لأحدهما، وبعد التساقط يحكم بطهارة الظرف أيضا. فإنه يقال: دليل التنجيس نعلم بسقوط إطلاقه في المقام، إما تخصيصا


 

[ 96 ]

أو تخصصا، فلا يمكن أن يعارض به الإطلاق من دليل نجاسة الميتة، إلا بناء على جواز التمسك بأصالة عدم التخصيص لإثبات التخصص، وهو باطل عندنا. لا يقال: ارتكازية السراية بين المتلاقيين مع الرطوبة توجب ظهور روايات استثناء الأنفحة في طهارة الظرف والمظروف معا. فإنه يقال: هذا الارتكاز وإن كان ثابتا في ذهن العرف والمتشرعة، وعلى أساسه نستفيد طهارة المتلاقيين في سائر الموارد، إلا أنه في خصوص المقام لا يمكن التعويل عليه، باعتبار أن ارتكازية السراية يقابلها ارتكاز عدم الفرق في نجاسة الميتة بين هذا الجزء وسائر الأجزاء، وكما أن الالتزام بطهارة المظروف دون الظرف يعني تحديد الارتكاز الأول، كذلك الالتزام بنجاسة الظرف يعني تحديد الارتكاز الثاني. وأما على التقدير الثاني وهو إجمال روايات استثناء الأنفحة وترددها بين الظرف والمظروف، وهذا ما لا نقول به فتارة: يفرض أن كلا من الظرف والمظروف جزء من الميتة مشمول لإطلاق دليل النجاسة وأخرى: يفرض أن الجزء هو الظرف فقط، وأما المظروف فهو كالبيض ليس من أجزاء الميتة. أما على الفرض الأول فيمكن إثبات طهارة المظروف بدعوى: أن العرف لا يحتمل نجاسة المظروف مع طهارة الظرف، باعتبار أن جزئية الظرف والتصاقه بالميتة، واقتضاء الموت لنجاسته بحسب المناسبات المركوزة لدى العرف آكد وأشد من المظروف، فتنعقد ببركة هذا الفهم العرفي دلالة عرفية في دليل الاستثناء لشمول المظروف، حتى لو كان النظر فيه إلى الظرف خاصة. ولو أنكرنا هذا الوجه اندرج المقام في موارد دوران أمر المخصص


 

[ 97 ]

المنفصل بين المتباينين - وهما الظرف والمظروف - فلو قيل في مثله: بأن عموم العام لكل من الفردين يعارض عمومه للآخر فيسقطان معا، حكم بطهارة الظرف والمظروف معا، رجوعا إلى الأصول العملية وإن قيل: بسقوط أحد الإطلاقين وبقاء الآخر بإجماله على حجيته، لزم الاحتياط لا محالة، باعتبار العلم بالحجية على النجاسة في أحدهما. وأما على افتراض عدم جزئية المظروف للميتة، فبالإمكان إثبات طهارته مع الاستغناء عما سبق بأحد وجهين آخرين: الأول: التمسك بإطلاق دليل النجاسة في الظرف لرفع إجمال دليل الطهارة وتعيينه في المظروف. الثاني: التمسك بالأصول المؤمنة بعد عدم شمول دليل النجاسة له، فيحكم بعدم نجاسة المظروف ذاتا وعرضا، ونجاسة الظرف ذاتا. أما عدم نجاسة المظروف ذاتا فللأصل، وأما عدم نجاسته عرضا فلدليل الاستثناء، فإنه سواء كان شاملا للظرف أو المظروف يدل على عدم النجاسة العرضية للمظروف كما هو واضح، وأما نجاسة الظرف فللتمسك بإطلاق دليل النجاسة فيه. الجهة الثانية من البحث في شمول الحكم بالطهارة لأنفحة ما لا يؤكل لحمه ويمكن تقريب الحكم بطهارتها بأحد وجوه: الأول: أن الأنفحة بمعنى المظروف ليست جزءا من الميتة، فلا مقتضي للحكم عليها بالنجاسة، فيرجع فيها إلى أصالة الطهارة. وفيه: أنه لو أريد بهذا الوجه نفي النجاسة الذاتية عن الأنفحة من غير المأكول باعتبار قصور مقتضيها عنها فهو صحيح، غير أنه لا ينتج الطهارة الفعلية. وإن أريد به نفي النجاسة العرضية أيضا - بدعوى: أن دليل انفعال ملاقي الميتة مخصوص بموارد الملاقاة الخارجية مع الميتة، فلا


 

[ 98 ]

إطلاق له لمثل الملاقاة الداخلية في محل الكلام فهو فاسد، إذ لو سلم عدم وجود إطلاق لفظي في أدلة انفعال ملاقي الميتة فلا إشكال في أن العرف يلغي خصوصية الملاقاة مع النجس من خارج أو من داخل، ويفهم من الدليل مدلولا أوسع من مورد الملاقاة الخارجية. الثاني: دعوى قصور دليل نجاسة الميتة في نفسه عن الأنفحة بكلا جزئيها الظرف والمظروف، أما المظروف فلعدم كونه من أجزاء الميتة، وأما الظرف فلأنه وإن كان جزء منها غير أنه لا يوجد في دليل النجاسة إطلاق لكل جزء من الميتة، كي يشمل مثل هذا الجزء أيضا. وهذا الوجه يتوقف تماميته على قصور الإطلاق في أدلة نجاسة الميتة لأجزائها، وعدم كونه من القدر المتيقن بضم ارتكاز عدم الفرق. الثالث: بعد افتراض تمامية المقتضي للنجاسة في نفسه يتمسك بعموم الضابط الكلي الذي استثني من النجاسة في روايات الاستثناء، من قبيل ما ورد في رواية الحلبي المتقدمة " لا بأس بالصلاة في صوف الميتة إن الصوف ليس فيه روح " فإنها مطلقة وغير مختصة بمأكول اللحم. وفيه: أن روايات الاستثناء لا تنفي إلا النجاسة الذاتية الناشئة من الموت، فهي تدل على أن النجاسة التي تحصل بالموت لا تكون إلا فيما له روح من أجزاء الحيوان، وأما النجاسة العرضية الحاصلة بالملاقاة مع الميتة برطوبة فلا نظر إلى نفيها، فلا بد في نفي النجاسة العرضية للمظروف من التشبث ببعض ما سبق. الرابع: التمسك بالإطلاق في بعض روايات استثناء الأنفحة لما إذا كانت من غير المأكول، فإن جملة منها وإن كانت ناظرة إلى الانتفاع بها ووضعها في الجبن مما يعني اختصاصها بالمأكول، غير أن هنالك ما يمكن دعوى الإطلاق فيه، من قبيل رواية الحسين بن زرارة المتقدمة، حيث


 

[ 99 ]

[ وكذا اللبن في الضرع. ولا ينجس بملاقاة الضرع النجس، لكن الأحوط الاجتناب (1). ] كان السؤال فيها عن الأنفحة من الميتة بقول مطلق. وهذا الوجه يتوقف على أمرين: الأول: عدم استظهار انصراف عنوان الأنفحة إلى خصوص ما كان متعارفا وضعه في الجبن، وهو الأنفحة من المأكول. الثاني: أن يكون المراد من الأنفحة الظرف أو الظرف والمظروف معا أما لو أريد منها المظروف فقط، فغاية ما يثبت بالإطلاق المذكور هو انتفاء النجاسة الذاتية التي تنشأ من الموت، ولا يثبت به الطهارة الفعلية والوجه في ذلك هو: أنه وإن كان المستظهر دلالتها على الطهارة الفعلية لا الحيثية، إلا أن ذلك لم يكن باعتبار ظهور الخطاب لفظا، وإنما كان بنكتة دفع اللغوية فيما لو كان الجواب حكما جهتيا حيثيا لا ينفع السائل في وظيفته العملية، ومن الواضح أن هذه النكتة لا تقتضي الإطلاق إذ يكفي لدفع اللغوية المذكورة أن يكون الحكم فعليا بلحاظ ما هو المتيقن من الخطاب ومحل ابتلاء المكلفين، وهو الأنفحة من مأكول اللحم، وعليه فلا بأس بالتمسك بإطلاق أدلة الانفعال في أنفحة غير المأكول. (1) يقع البحث أولا عن طهارة اللبن في ضرع الميتة من مأكول اللحم، وبعد الفراغ عن ذلك يبحث عن لبن الميتة من غير المأكول. والبحث عن لبن الميتة من الحيوان المأكول، تارة: على مستوى القاعدة والروايات العامة. وأخرى: على مستوى الروايات الواردة في لبن الميتة خاصة. أما على مقتضى القواعد العامة: فالصحيح هو عدم ثبوت النجاسة


 

[ 100 ]

الذاتية إما لعدم الإطلاق في دليل نجاسة الميتة لكل جزء منها، أو لعدم كون اللبن من أجزائها، أو لشمول ضابط ما ليس له روح المستثنى من دليل النجاسة للبن أيضا. وأما النجاسة العرضية - باعتبار الملاقاة مع الضرع - فنفيها مبني على الالتزام بأحد الأمرين: من دعوى قصور دليل الانفعال للملاقاة الداخلية مع الميتة، أو دعوى عدم نجاسة الضرع لقصور دليل نجاسة الميتة عن شمول كل جزء منها وكلاهما ممنوع. وأما الروايات الخاصة: فهي متنافية فيما بينها. فمثل رواية الحسين ابن زرارة المتقدمة دلت على طهارة اللبن، ومثلها رواية زرارة المتقدمة وغيرها، ومفادها نفي النجاسة الذاتية والعرضية للبن معا. وهناك من الروايات الخاصة ما قد يجعل معارضا لذلك، من قبيل رواية وهب: " إن عليا (ع) سئل عن شاة ماتت فحلب منها اللبن. فقال (ع): ذلك الحرام محضا " (1). ودلالتها وإن كانت على الحرمة دون النجاسة، غير أن هذا لا يرفع التعارض بينها وبين الطائفة الأولى الدالة على الطهارة، وذلك باعتبار أن دلالتها عن ذكاة اللبن في الضرع وأنه لا بأس به بلحاظ الحلية وجواز الانتفاع به، لا مجرد الطهارة المستوجبة لعدم غسل ملاقيه فحسب. ورواية الجرجاني المتقدمة، حيث حصرت المستثنى من الميتة في عناوين ليس اللبن منها، ثم ذيلت بأنه لا يتعدى إلى غيرها، وهو مما يأبى عن التخصيص عرفا، فيكون دليلا على عدم الانتفاع بغيرها، فيعارض أخبار الطهارة بالتقريب المتقدم. ولكن رواية وهب ساقطة سندا بوهب. وكذلك لا اعتبار برواية الجرجاني سندا، لعدم ثبوت وثاقته. وبهذا تبقى روايات الطهارة بلا معارض


 
(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة. ح 11.

 

[ 101 ]

[ خصوصا إذا كان غير مأكول اللحم (1) ] فلا تصل النوبة إلى إيقاع التعارض بين الطائفتين من الروايات، ليعالج التعارض تارة: بالالتزام باستحكامه، وترجيح روايات النجاسة لموافقتها للسنة القطعية الدالة بالإطلاق على نجاسة اللبن باعتباره جزءا من الميتة أو ملاقيا لها بالرطوبة. وأخرى: بالالتزام بالجمع العرفي بحمل روايات المنع على التنزه، وثالثة: بالالتزام باستحكام التعارض بين دليل الحلية ورواية وهب لصراحتها في الحرمة على نحو يأبى عن الحمل على التنزه، ويرجع بعد ذلك إلى إطلاق قوله - في رواية الجرجاني - (ولا يتعدى إلى غيرها) بدعوى: أن هذا الإطلاق في نفسه قابل لأن يقيد بروايات الطهارة، فيكون كالمرجع الفوقاني بعد تساقط الخاصين. (1) والحكم بطهارته على مقتضى القاعدة مبني على نفي النجاسة الذاتية والعرضية فيه. والأول وإن كان ممكنا باعتبار قصور في دليل النجاسة الذاتية في نفسه، إلا أن نفي النجاسة العرضية بحاجة إلى ضم الضميمة المتقدمة في لبن ميتة المأكول، وقد تقدم عدم تماميته. وأما مقتضى الروايات الواردة في لبن الميتة: فما ورد منها بعنوان جواز الشرب والانتفاع وإن كان خاصا بميتة المأكول، إلا أن مثل رواية حسين بن زرارة المتقدمة - " يسأله عن اللبن من الميتة والبيضة من الميتة وأنفحة الميتة. فقال: كل هذا ذكي " - يمكن دعوى إطلاقها للبن من ميتة غير المأكول أيضا. غير أنه مع ذلك يمكن المنع عن الإطلاق المذكور من جهتين: الأولى: دعوى انصراف عنوان اللبن فيها إلى لبن المأكول، باعتبار أن النظر إلى حيثية الانتفاع باللبن وليس النظر إلى الطهارة من حيث هي، ومن الواضح أن الانتفاع المتعارف باللبن يكون بالشرب ونحوه، وهو


 

[ 102 ]

[ ولا بد من غسل ظاهر الأنفحة الملاقي مع الميتة (1) هذا في غير نجس العين، وأما فيها فلا يستثنى شئ (2) ] مخصوص بالمأكول. الثانية: إن غاية ما يستفاد من الرواية هو طهارة اللبن في نفسه، أي عدم نجاسته ذاتا، وأما نفي نجاسته العرضية من جهة ملاقاة الضرع فإنما يكون بملاك دفع اللغوية عرفا، ومن الواضح أن هذا لا يقتضي العموم، إذ يكفي في دفع ذلك نفي النجاسة العرضية في ما هو القدر المتيقن وهو لبن المأكول: فيبقى دليل انفعال ملاقي النجس شاملا له. وهكذا يكون الحكم بالطهارة الفعلية في لبن الميتة من غير المأكول محل إشكال. (1) باعتبار وجود الرطوبة عادة. (2) على ما هو المشهور، بل المتفق عليه بين الأصحاب عدا ما ينسب إلى السيد المرتضى (قده). وتفصيل البحث عن وجه عدم الاستثناء يقتضي أن يتكلم في جهتين: الجهة الأولى: أنه لا إشكال في عدم اقتضاء أدلة النجاسة العينية في الكلب والخنزير - التي جاءت بلسان الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب والخنزير - لنجاسة كل منهما، بحيث يشمل مثل الشعر، لوضوح عدم انطباق ذلك العنوان على الملاقاة مع الشعر. واحتمال الفرق موجود عرفا. ولكنه مع ذلك يمكن استفادة الإطلاق من مثل ما ورد بلسان الأمر بغسل ما أصابه الكلب أو الخنزير (1)، فإنه صادق أيضا فيما إذا أصابه بشعره ونحوه مع الرطوبة، فيدل على نجاسته أيضا. ويلحق به مثل العظم


 
(1) وسائل الشيعة باب 12 و 13 من النجاسات.

 

[ 103 ]

أو غيره من الأجزاء الداخلية بالفهم العرفي، وارتكازية عدم الفرق وأن الملاك كونه من الكلب. وكذلك يمكن الاستدلال بمثل قوله في الكلب: " رجس نجس " (1) فإن مقتضى إطلاق كونه رجسا نجسا كونه كذلك بتمام أجزائه. وهكذا يثبت نجاسة كل أجزاء الحيوان النجس العين في حال الحياة. وأما بعد الموت فحيث ثبتت نجاسة جميع أجزائه في حال الحياة بلا استثناء تثبت نجاستها بعد الموت أيضا، لا من جهة شمول عنوان الكلب أو الخنزير له كي يقال: بأنه متقوم بالحياة، بل من جهة أن العرف لا يحتمل أن يكون الموت مطهرا للنجس، وإنما العكس هو المركوز عرفا ومتشرعيا، مما يجعلنا نفهم من دليل النجاسة العينية أن موضوع الحكم هو جسم الحيوان المذكور من دون دخل حياته فيه، فيكون باقيا بعد الموت أيضا. الجهة الثانية: أن روايات استثناء العناوين السابقة إنما تنفي النجاسة الثابتة في الميتة بملاك الموت، وأما النجاسة العينية الثابتة للحيوان في نفسه فلا نظر فيها إلى نفيها. وعليه فحتى لو تم الإطلاق في روايات الاستثناء للميتة من نجس العين لا يقتضي ذلك إلا الحكم بارتفاع النجاسة عن المستثنيات من جهة الميتة مع بقاء نجاستها العينية على حالها. وهكذا يتضح عدم تمامية الاستثناءات المذكورة في الميتة من نجس العين، غير أنه في خصوص شعر الخنزير ربما يستدل بروايتين على الطهارة: الأولى: صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته: عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس " (2).


 
(1) وسائل الشيعة باب 12 و 13 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 14 من الماء المطلق.

 

[ 104 ]

[ (مسألة - 1) الأجزاء المبانة من الحي مما تحله الحياة كالمبانة من الميتة (1) ] وتقريب الاستدلال بها مبني على: أن يكون نظر السائل إلى الماء القليل في الدلو بعد افتراض أن الماء يتقاطر عادة من الحبل فيه، وافتراض ارتكازية سراية النجاسة وعدم اعتصام الماء القليل. وقد تقدمت الاحتمالات المتصورة في الرواية، وما هو الظاهر منها في مباحث المياه، فراجع. الثانية: ذيل رواية الحسين بن زرارة المتقدمة، حيث جاء فيها " قلت له: فشعر الخنزير يعمل حبلا ويستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها. فقال: لا بأس به " (1). وهي أظهر في أن حيثية السؤال فيها نجاسة الشعر، باعتبار وقوعه في سياق السؤال عن نجاسة شعر الميتة، فتكون دالة على طهارة شعر الخنزير فإذا أمكن إلغاء خصوصية الخنزير والتعدي منه إلى الكلب، بل إلى غير الشعر أيضا من الأجزاء غير اللحمية من الحيوان، ثبت الحكم بطهارة المستثنيات من الحيوان النجس العين أيضا. إلا أن مثل هذا التعدي مشكل، بل ممنوع في مثل الأنفحة واللبن واللباء ونحوها، لوضوح احتمال الفرق بينها وبين الشعر الخارجي للحيوان عرفا. هذا مضافا إلى أن ذهاب الأصحاب - كلا أو جلا - إلى عدم استثناء شئ عن نجس العين يمنع عن الرجوع إلى هذه الرواية، إذ ربما يوجب الوثوق والاطمئنان بخلافها، فالاحتياط متعين. (1) وذلك لا لصدق عنوان الميتة بنحو تشمله الإطلاقات لو تمت، فإن الميتة عرفا هي الحيوان الذي ذهبت عنه روحه فلا تشمل الجزء المبان


 
(1) وسائل الشيعة باب 14 من الماء المطلق.

 

[ 105 ]

منه. بل للتمسك بإطلاق دليل التنزيل المتمثل في عدة روايات: منها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال في إليات الضأن تقطع وهي أحياء: أنها ميتة " (1) ورواية محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع): " قال: قال أمير المؤمنين (ع): ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا ورجلا فذروه فإنه ميت " (2). وقد يستشكل في الاستدلال بهذه الروايات: تارة بدعوى: أن التنزيل منصرف إلى كونه بلحاظ الحكم بالحرمة، فلا تثبت به نجاسة المنزل وأخرى بدعوى: أن هذا ليس تنزيلا بل تطبيقا حقيقيا لما يقصده الشارع من عنوان الميتة، ومعه يكون كل أثر من آثار الميتة ثابتا له بإطلاق دليله لا بنفس تلك الروايات، وفي المقام لا إطلاق في دليل نجاسة الميتة يشمل هذا المصداق من الميتة، فلا موجب لنجاسته. أما الدعوى الأولى فتندفع: بأن ظاهر التعليل في قوله: " ذروه فإنه ميت " المغايرة بين العلة والمعلول، فلو كان مفاد العلة هو التنزيل بلحاظ الحرمة خاصة لما حفظ ظهور التعليل في المغايرة عرفا، بخلاف ما إذا بني على كلية التنزيل فإن المغايرة بالجزئية والكلية تكون محفوظة بين المعلول والعلة. هذا مضافا إلى أن مجرد كون الحرمة أظهر من النجاسة بالنسبة إلى الميتة لا ينافي إطلاق التنزيل، ما لم تكن الأظهرية بالغة إلى درجة توجب انصراف الذهن عن النجاسة إلى الحرمة رأسا. وأما الدعوى الثانية فقد أجيب عليها: بأن بيان الأفراد الحقيقية لما لم يكن من وظيفة الشارع فتعرضه لذلك إنما يكون لأجل تعميم الحكم، وليس الحال كما لو علم بفردية فرد له لا من قبل الشارع، فإنه لا يعمه


 
(1) وسائل الشيعة باب 62 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 24 من الصيد والذباحة.

 

[ 106 ]

الحكم إلا إذا كان الدليل في نفسه عاما له. فبيان الشارع للفرد الحقيقي كبيانه للفرد التنزيلي يقتضي عموم الحكم له ولو كان الدليل قاصرا عن إثبات ذلك. ولا يخلو هذا الجواب من تأمل، لأن غاية ما يقتضيه هذا التقريب: أن بيان الشارع للفرد الحقيقي ظاهر عرفا في كونه استطراقا إلى إثبات الحكم، بنكتة أن بيان الأفراد الحقيقة بما هو ليس من وظيفة الشارع. ولكن هذه الدلالة السياقية الحالية ليس لها إطلاق بلحاظ تمام الأحكام التي يترقب ثبوتها للعنوان الذي تصدى الشارع لبيان مصداقه، فإن الظهور في الاستطراقية يكفي في حفظه في المقام أن يكون بيان الفرد الحقيقي بقصد تعميم الحكم بالحرمة، ولا قرينة على تعميم النجاسة ملحوظا أيضا. وهذا بخلاف ما إذا حملنا العبارة على التنزيل، لأن مفادها حينئذ أن حكم الميتة يجري عليه، فيتمسك بإطلاقه لإثبات كل ما يصدق عليه أنه حكم الميتة للمنزل. فالأحسن في دفع الدعوى الثانية: إنكار أصلها الموضوعي واستظهار كون التطبيق تنزيليا، فإن نفس عدم كون القطعة المبانة مصداقا عرفا لعنوان الميتة يوجب ظهور الدليل الشرعي في التنزيل، لا في التطبيق الحقيقي لمعنى غير عرفي للكلمة على القطعة المبانة. ومما يؤيد الحكم بالنجاسة رواية الحسن بن علي قال: " سألت أبا الحسن (ع) فقلت: إن أهل الجبل تثقل عندهم إليات الغنم فيقطعونها قال: هي حرام. قلت: فنصطبح بها. فقال: أما تعلم أنه يصيب اليد والثوب وهو حرام " (1) وهي بقرينة ما فرضه من محذور في إصابة اليد والثوب يعلم أنها تتكفل الحكم بالنجاسة. وإنما جعلناها مؤيدة لضعف سندها بالمعلى بن محمد.


 
(1) وسائل الشيعة باب 32 من الأطعمة المحرمة.

 

[ 107 ]

[ إلا الأجزاء الصغار (1) كالثالول، والبثور، وكالجلدة التي تفصل من الشفة، أو من بدن الأجرب عند الحك، ونحو ذلك ] (1) وذلك لقصور دليل النجاسة، وهو الروايات السابقة المتكفلة لتنزيل القطعة المبانة من الحي منزلة الميتة، لورودها في اليد والرجل وإلية الغنم ونحو ذلك. ويؤيد ذلك رواية علي بن جعفر: " عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح أن يقطع الثالول وهو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه. قال (ع): إن لم يتخوف أن يسيل الدم فلا بأس، وإن تخوف أن يسيل الدم فلا يفعله " (1). وتقريب الاستدلال بالرواية: إما بدعوى: أنها رخصت في قطع الثالول مع عدم التخوف من خروج الدم، وقطع الثالول يساوق عادة حمله، فلو كان في نظر الشارع ميتة لكان من حمل الميتة في الصلاة، وهو غير جائز. وإما بدعوى: أن قطع الثالول يعرض المصلي عادة لمس الثالول بيده، فلو كان الثالول نجسا عند اقتطاعه لتنجست يده مع الملاقاة بالرطوبة، فإطلاق نفي البأس يدل على عدم النجاسة. ولا بأس بالاستعانة بهذه الرواية كمؤيد، وأما جعلها كدليل على نحو يصلح لتقييد دليل النجاسة لو تم إطلاقه فهو محل إشكال، لإمكان المناقشة في الدعويين المذكورتين: أما الدعوى الأولى فيرد عليها أولا: أنها تتوقف على الالتزام بقيام دليل على عدم جواز حمل الميتة في الصلاة، وأما إذا قيل بأن الممنوع في الدليل الصلاة في الميتة ولو في شسع منها لا ما يشمل الحمل فلا تتجه الدعوى المذكورة. وثانيا: أنه لو سلم قيام دليل لفظي على عدم جواز


 
(1) وسائل الشيعة باب 63 من النجاسات.

 

[ 108 ]

[ (مسألة - 2) فأرة المسك المبانة من الحي طاهرة على الأقوى (1) ] حمل الميتة، فغاية ما تدل عليه الرواية جواز حمل الثالول، وهذا لا يعارض دليل النجاسة لو فرض أنه يقتضي بإطلاقه نجاسة هذا الثالول، لأن الدليل المفترض للنجاسة إن كان هو نفس دليل نجاسة الميتة، بدعوى انطباق عنوان الميتة حقيقة على القطعة المبانة فلا بأس بالالتزام بإطلاقه إذا تمت هذه الدعوى، مع البناء على جواز حمل الثالول في الصلاة واستلزام الجمع بين النجاسة وجواز الحمل التخصيص في دليل عدم جواز حمل الميتة، مندفع بأن دليل عدم جواز الحمل إن كان موضوعه طبيعي الميتة فالتخصيص معلوم على كل حال بعد فرض أن الثالول ميتة، وإن كان موضوعه الميتة النجسة فالأمر فيه بالنسبة إلى الثالول يدور بين التخصيص والتخصص، ولا معين حينئذ للتخصص المقتضي للطهارة. وإن كان دليل النجاسة المفترض إطلاقه للثالول روايات القطعة المبانة، فمن الواضح أن الخروج عن إطلاق التنزيل فيها بلحاظ جواز الحمل في الصلاة لا يبرر رفع اليد عن اقتضائه للحكم بالنجاسة. وأما الدعوى الثانية فيرد عليها: أن الملاقاة مع الرطوبة ليست أمرا ملازما عادة لقطع الثالول، وإنما هو أمر اتفاقي. والسؤال ليس ناظرا إلى ما قد يتفق وقوعه من المحاذير المحتملة، بل إلى ما هو ملازم لعملية قطع الثالول من إيقاع فعل أجنبي في الصلاة أو أمر غالب الاتفاق كخروج الدم، فنفي البأس لا يكون نافيا للمحذور من ناحية الأمور الاتفاقية التي قد تترتب على قطع الثالول، من قبيل سراية النجاسة بسبب الملاقاة مع الرطوبة رغم عدم خروج الدم. (1) المسك: اسم لمادة متجمدة من دم الغزال، يحوطها جلد يسمى


 

[ 109 ]

بفأرة المسك. وهي تؤخذ من الحيوان - تارة - بعد تذكيته، وأخرى في حياته، وثالثة حال كونه ميتة. فإذا أخذت بعد التذكية، فلا إشكال في طهارتها وطهارة المسك داخلها أيضا، حتى لو كان دما غير مستحيل باعتباره من الدم المتخلف. وأما إذا أخذت منه حيا، فقد سبق أن القطعة المبانة من الحي لا يشملها إطلاق أدلة نجاسة الميتة، وإنما حكم بنجاستها على أساس الروايات الواردة في إليات الغنم وما قطعته الحبالة من يد ورجل. وعليه فقد يفصل في المقام بين الفأرة التي يلقيها الغزال بطبعه، وما ينتزع منه انتزاعا قبل أوان انفصاله، فالأول غير مشمول لمفاد تلك الروايات، لاحتمال الفرق عرفا بينه وبين مواردها التي كانت القطعة المبانة فيها غير متهيئة بطبعها للانفصال، كالفأرة، فلا يبقى فيها دليل على النجاسة. وأما الثاني فلا بأس بدعوى: أن تلك الروايات - بعد إلغاء ما يساعد العرف على إلغائه من خصوصيات المورد فيها - شاملة له. اللهم إلا أن يقال: إن تلك الروايات موردها هو الأجزاء التي تحلها الحياة من الحيوان، وليست فأرة المسك كذلك إما لأنها ليست جزءا من الحيوان رأسا، بل نسبتها نسبة البيضة إلى الدجاجة. وإما لأنها ليست مما تحلها الحياة من أجزائها، فإنها وإن كانت من قبيل الجلد، ولكن تهيأها بحسب طبعها للسقوط تدريجا يجعل نسبتها إلى الحياة أضعف من نسبة سائر الأجزاء. وبتعبير آخر: إن روايات الحبالة وإليات الغنم ناظرة إلى الجزء الذي لو كان متصلا بالحيوان حين موت ذلك الحيوان يحكم بنجاسته، فتدل على نجاسته بفصله عنه حال الحياة أيضا، فلا بد في الرتبة السابقة من إثبات أن فأرة المسك مما يتنجس إذا مات الغزال وهي متصلة به، فإذا منع من ذلك لعدم الإطلاق في دليل نجاسة الميتة لمثل ذلك، فلا تشملها روايات الحبالة أيضا.


 

[ 110 ]

وأما طهارة المسك فيها فيمكن تقريبها من وجوه: الأول: إنه ليس بدم عرفا، سواء كان دما بحسب تحليله العلمي، أو مادة مغايرة للدم حقيقة - كما هو كذلك عرفا - على ما نقل عن بعض الخبراء بذلك. الثاني: قصور مقتضي النجاسة لشمول المسك ولو فرض أنه دم، لما سوف يأتي من عدم تمامية مطلق أو عموم على نجاسة دم الحيوان، وإنما الدليل قد دل على نجاسته في موارد مخصوصة لا يمكن التعدي منها إلى مثل هذا الدم الذي يحتمل فيه الفرق قويا. الثالث: أنه لو فرض تمامية إطلاق على نجاسة كل دم من الحيوان، يقال: بعدم الشمول لهذا الدم، باعتباره متكونا من مواد في داخل الفأرة - نظير الدم المتكون في البيضة - فلا يكون دم الحيوان. الرابع: التمسك بسيرة المتشرعة على معاملة المسك بل وفأرته أيضا معاملة الطاهر في استعمالاتهم الكثيرة، مما يكشف عن تجويز الشارع ذلك وإمضائه. وهذا الوجه باعتباره دليلا لبيا يقتصر فيه على القدر المتيقن، وهو المتخذ من الحي وكان منفصلا بنفسه. وأما فأرة المسك من ميتة الغزال فقد يتمسك لإثبات نجاستها بإطلاق دليل نجاسة الميتة، باعتبارها جزءا من الميتة. ويمكن التشكيك في ذلك: إما بتقريب: أن دليل نجاسة الميتة لا إطلاق فيه من ناحية الأجزاء على نحو يشمل فأرة المسك، كما يظهر من مراجعة ما تقدم من الروايات، إلا إذا بني على أن الفأرة مما تحلها الحياة، واستفيد المفهوم بنحو الموجبة الكلية من أخبار استثناء ما لا تحله الحياة، بحيث كانت تدل على أن غيرها محكوم بالنجاسة مطلقا، وهو في غاية الإشكال،


 

[ 111 ]

لأن استثناء شئ لا ينفي استثناء شئ آخر. وعليه فاحتمال الفرق بين فأرة المسك وغيرها من الأجزاء موجود عرفا، ولو بعناية أن كونها متهيئة بطبعها للانفصال يجعل نسبتها إلى الحياة أضعف من نسبة سائر الأجزاء، بنحو لا يلزم عرفا من نجاسة سائر الأجزاء نجاستها، ولا إطلاق ينفي هذا الاحتمال. وإما بتقريب: أن فأرة المسك ليست جزء من الميتة أصلا، بل نسبتها إلى الحيوان نسبة البيضة إلى الدجاجة، فلا تثبت نجاستها ولو تم إطلاق على نجاسة الميتة. وربما يستدل على طهارتها: بالمدلول الالتزامي العرفي لما دل على طهارة المسك الملاقي معها من الداخل، بعد ظهوره في إثبات الطهارة الفعلية لا الجهتية، فلو كانت نجسة لتنجس المسك في داخلها بالعرض. وفيه أولا: ما تقدم في مسألة اللبن في الضرع وأنفحة الميتة، من عدم تمامية مثل هذه الدلالة الالتزامية. وثانيا: إن روايات طهارة المسك تثبت طهارته الذاتية فعلا، وأما عدم نجاسته بالسراية فليس مدلولا لها، وإنما تدل عليه لو فرض أن المسك كان كاللبن في الضرع مائعا، وأما لو كان منجمدا حين الموت - إن كان مائعا قبل ذلك - فلا تنعقد الدلالة المزبورة لنفي نجاسته العرضية لو لاقى النجس مع الرطوبة. وأما المسك المتخذ من الميتة فأيضا يحكم بطهارته بالوجوه التي تقدمت في إثبات طهارة المسك المتخذ من الحي، عدا الوجه الأخير كما أشرنا سابقا. هذا كله على مقتضى القاعدة الأولية. وأما في ضوء الروايات الخاصة: فقد وردت عدة روايات أهمها ثلاث: الأولى: رواية علي بن جعفر سأل أخاه موسى (ع) " عن فأرة المسك تكون مع من يصلي، وهي في جيبه أو ثيابه؟ فقال: لا بأس


 

[ 112 ]

بذلك " (1) فإنها تدل بالمطابقة على جواز حمل فأرة المسك في الصلاة، وبالملازمة على عدم نجاستها حيث لا يجوز حمل النجس في الصلاة، وحيث أطلق فيها فأرة المسك دون تفصيل بين ما يتخذ من الحي وما يتخذ من الميتة فيستفاد منها - لولا دعوى كون المتعارف خارجا أخذها من الحي لا الميتة - طهارتها حتى لو كانت من الميتة. وهذا الاستدلال في غير محله: ذلك أن الملازمة المذكورة بين جواز حمل شئ في الصلاة وعدم نجاسته، إن أريد بها الملازمة العرفية فهي ممنوعة إذ لم يثبت مركوزية هذا الحكم عند العرف بدرجة ينعقد ببركتها ظهور للفظ في نفي النجاسة. وإن أريد بها الملازمة الثبوتية شرعا، فإما أن يفترض ثبوتها بدليل قطعي، أو يفترض ثبوتها بإطلاق في دليل لفظي: فعلى الأول تقع المعارضة بين المدلول الالتزامي المذكور مع دليل نجاسة الميتة المفترض إطلاقه لفأرة المسك. وهذه المعارضة بين الرواية ودليل نجاسة الميتة بنحو العموم من وجه، لأن شمول الرواية للمتخذ من الميتة إنما كان بالإطلاق ومقدمات الحكمة، ومعه ربما يرجح دليل النجاسة، إما لكونه قطعي الصدور إجمالا، أو لكونه أقوى دلالة. وعلى الثاني لا يثبت بهذه الرواية سوى جواز الحمل في الصلاة. وأما إثبات طهارتها فهو موقوف على التمسك بإطلاق دليل عدم جواز حمل النجس في الصلاة للمقام أيضا، كي نثبت به أنها ليست من النجس، وهذا من التمسك بالعام في مورد دورانه بين التخصيص والتخصص، حيث يعلم بانتفاء هذا الإطلاق إما تخصيصا أو تخصصا، وإثبات التخصص بأصالة عدم التخصيص غير صحيح عندنا، على ما أشرنا إليه مرارا.


 
(1) وسائل الشيعة باب 41 من لباس المصلي.

 

[ 113 ]

إلا أن الصحيح عدم ثبوت الملازمة الشرعية المذكورة في نفسها على ما يأتي تحقيقه في محله. الرواية الثانية: ما في مكاتبة الحميري إلى أبي محمد (ع) " يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة المسك؟ فكتب (ع): لا بأس به إذا كان ذكيا " (1) وهي تفصل بين فرض التذكية وعدمها. ومن هنا وقع الاستدلال بها على نجاسة فأرة المسك من الميتة، بل من الحي أيضا تمسكا بإطلاق المفهوم. غير أن الإنصاف أن استفادة مثل هذا الإطلاق على خلاف الفهم العرفي بحسب مناسبات الحكم والموضوع، لأن الذكاة بحسب الفهم العرفي ليست صفة أولية للحيوان في عرض صفة الموت والحياة، بل صفة ثانوية في طول زهاق روحه، ويقابلها في مرتبتها الميتة التي هي القسم الآخر للحيوان الذي زهقت روحه. فالتعليق على مثل هذه الصفة الثانوية يكون ظاهرا عرفا في افتراض الصفة الأولية في أصل الموضوع، واقتناص المفهوم في حق البديل المناسب للصفة الثانوية الوقع في مرتبتها، وهذا يعني أن مورد مفهوم قوله: " إذا كان ذكيا " هو فرض الموت فلا يشمل الحي. فالمهم ملاحظة دعوى دلالتها بالمفهوم على نجاسة المتخذ من الميتة بتقريب: أنها تدل بالمفهوم على عدم جواز حمل فأرة المسك من الميتة في الصلاة، ولا وجه له إلا كونها ميتة نجسة، فتكون الرواية دليلا على النجاسة. غير أن هذا الاستدلال غير تام: لأن المنع عن حمل فأرة المسك من الميتة في الصلاة لا يلزم أن يكون من جهة نجاستها، لاحتمال أن يكون


 
(1) وسائل الشيعة باب 41 من لباس المصلي.

 

[ 114 ]

من جهة كونها من غير المذكى ولو كانت طاهرة في نفسها، لإمكان أن يكون موضوع المانعية أوسع من الميتة النجسة. والعنوان الوارد في هذه الرواية أيضا مقتضى الأخذ به اعتبار عنوان التذكية في صحة الصلاة إيجابا وسلبا، لا أنه مشير إلى حيثية النجاسة والطهارة، وبناء على هذا تكون الرواية الدالة على عدم جواز حمل غير المذكى في الصلاة ولو لم يصدق عليه عنوان اللبس. وربما يناقش في الاستدلال بالرواية بوجه آخر حاصله: دعوى قوة احتمال أن يكون المقصود من قوله: " إن كان ذكيا " أن يكون المسك ذكيا، أي طاهرا، وبناء عليه لا تكون دليلا على نجاسة الفأرة بوجه من الوجوه، وإنما تكون من أدلة عدم جواز حمل النجس في الصلاة. وقد استقرب هذا التفسير في المستمسك، باعتباره أوفق مع التذكير في اسم كان وخبره، دون أن نحتاج إلى تأويل أو تقدير (1). إلا أن هذا الوجه للنقاش في الاستدلال بالرواية غير صحيح. وتفصيل الكلام في ذلك: أن محتملات اسم كان ثلاثة: أن يكون هو الظبي نفسه، فإنه وإن كان غير مصرح بذكر إلا أنه باعتبار ذكر أثر من آثاره ومستلزماته يمكن إرجاع الضمير إليه. أو فأرة المسك، وتذكير الضمير باعتبار ملاحظة عنوان مذكر ينطبق عليه، كعنوان ما يكون معه في الصلاة، أو المسك. ومحتملات معنى الذكاة ثلاثة أيضا: التذكية الشرعية المقابلة للموت حتف الأنف. والطهارة الذاتية في قبال النجاسة ذاتا والطهارة الفعلية. والمستخلص من ذلك بدوا تسعة احتمالات في تفسير جملة " إذا كان ذكيا ". غير أن الاحتمال الأول في اسم كان وهو إرادة الحيوان نفسه لا ينسجم إلا مع المعنى الأول للتذكية دون الأخيرين، لأن الظبي طاهر ذاتا


 
(1) المستمسك الجزء الأول ص 316 ط 4.

 

[ 115 ]

وليس فيه نوعان طاهر ونجس. والنجاسة العرضية وإن كانت قد تعرض على الحيوان بالملاقاة، إلا أنها لا ربط لها بجواز حمل فأرته في الصلاة كي يعلق على عدمها. فلا يبقى من الاحتمالات إلا سبعة لا بد من ملاحظة النتيجة على كل منها. الأول: أن يراد باسم (كان) الظبي وبالذكاة ما يقابل الموت حتف الأنف. والمعنى: أنه لا بأس بحمل فأرة المسك في الصلاة إذا كان الظبي المتخذ منه الفأرة مذكى شرعا. ولا يبعد أن يكون هذا الاحتمال هو المستظهر عرفا من الرواية، لأن هذا هو المعنى المتبادر من الذكاة في عرف المتشرعة - وإن كان قد يطلق على الطهارة أيضا - وهو من صفات الحيوان حقيقة حيث يطلق عليه أولا، وإن كان قد يطلق على جزئه أيضا بالعناية، وهي عناية لا يبعد أن تكون أشد عرفا من عناية إرجاع الضمير إلى الظبي مع عدم ذكره صريحا لو سلمت العناية فيه. وبناء على هذا الاحتمال تكون دلالة مفهوم الجملة على عدم جواز حمل فأرة المسك المتخذة من الميتة في الصلاة واضحة. وحينئذ لو اعترف بالملازمة المدعاة بين ذلك وبين النجاسة لاستفيد من الرواية نجاسة فأرة المسك من الميتة ذاتا لا محالة، فإن التعليق المذكور لا يمكن أن يصح إلا بذلك. ودعوى: أن الملحوظ في التفصيل بين ذكاة الحيوان وعدم ذكاته لعله كان تنجس فأرة المسك بالملاقاة مع الميتة في فرض عدم التذكية، ولو فرض طهارتها ذاتا. مدفوعة: بأنها إلغاء لظاهر الجملة في أخذ عدم التذكية بنحو الموضوعية في المحذور، وتحويل له إلى عنوان آخر مفارق وهو عنوان النجاسة الحاصلة بالملاقاة، التي قد تحصل في المتخذ من المذكى أيضا. الثاني: أن يكون اسم (كان) فأرة المسك، ويراد بالذكاة التذكية،


 

[ 116 ]

باعتبار أنها وإن كانت صفة للحيوان حقيقة، إلا أنها تطلق عرفا على أجزائه أيضا باعتبار ما يرى من أنها صفة لبدنه ولحمه، فتنحل بلحاظ كل جزء منه. وبناء على هذا الاحتمال أيضا تكون النتيجة كما في الاحتمال السابق. الثالث: أن يكون اسم (كان) فأرة المسك، ويراد بذكاتها طهارتها ذاتا، فيكون معنى الجملة: أنه يجوز حملها في الصلاة إذا كانت طاهرة ذاتا. وبناء على هذا الاحتمال وإن لم تكن الرواية ناظرة إلى المتخذ من الميتة إلا أنه مع ذلك يستفاد منها نجاسته، باعتباره المتيقن لو كان في فأرة المسك ما يكون نجسا ذاتا. بل - لولا أن هذا الاحتمال خلاف ظاهر الرواية - كان الاستدلال بها على النجاسة سالما عما أوردناه عليه، إذ على هذا لا يكون ثبوت النجاسة من ناحية ملازمتها مع عدم جواز الحمل في الصلاة، وإنما يكون بملاك ما يستبطنه تفصيل الإمام (ع) من وجود فأرة المسك النجسة ذاتا، بعد وضوح أن القدر المتيقن لذلك هو المتخذ من الميتة، حيث لا يحتمل طهارتها وأن يكون غيرها نجسا. الرابع: أن يكون الاسم فأرة المسك، ويراد بالذكاة الطهارة الفعلية، والمعنى: أنه يجوز حملها في الصلاة لو كانت طاهرة. وبناء على هذا لا يستفاد من مفهوم الرواية نجاسة المتخذ من الميتة كما هو واضح. الخامس: أن يكون الاسم المسك نفسه، ويراد بالذكاة التذكية قبال الميتة، باعتبار أن المسك أيضا يتصف بها لكونه جزءا من الحيوان. وهذا الاحتمال من حيث النتيجة كالاحتمال الثاني من حيث دلالة المفهوم على النجاسة الذاتية في المتخذ من الميتة، غاية الأمر أن ذلك الاحتمال لا يثبت فيه أكثر من نجاسة الفأرة نفسها، بينما الثابت على هذا الاحتمال نجاسة المسك والفأرة معا، لعدم احتمال طهارة الفأرة مع نجاسة مسكها لكونه غير مذكى، فإن عدم التذكية في الفأرة أولى منه في المسك، فالدال على الثاني يدل بالأولوية


 

[ 117 ]

على الأول. إلا أن هذا الاحتمال بنفسه بعيد غايته، إذ السؤال عن حمل الفأرة، فالأولى أن يعلق الحكم على ذكاتها مباشرة. مضافا إلى أن الذكاة بالمعنى المقابل للميتة أنسب عرفا بالفأرة منها بالمسك. السادس: أن يراد من اسم (كان) المسك، ومن الذكاة الطهارة الذاتية. والمعنى: أنه يجوز حمل فأرة المسك لو كان مسكها طاهرا ذاتا. وعلى هذا الاحتمال تارة: يفترض انحصار المسك في الطبيعي المتخذ مع الفأرة من الحيوان. وأخرى: نفرض اتخاذ المسك أيضا عن طرق أخرى، كغمس الفأرة في دم الظبي وحفظ شئ منه فيه ثم وضعه حتى ينجمد فيصبح مسكا. فعلى الأول: يكون هذا الاحتمال كالاحتمال الثالث من حيث دلالة التفصيل المذكور في الرواية على وجود النجس الذاتي في المسك، وقدره المتيقن ما يتخذ من الميتة. نعم هذا الاحتمال موهون في نفسه. لما قلنا في الاحتمال السابق من أن المناسب إسناد التذكية إلى الفأرة نفسها بعد أن كان السؤال عنها. وعلى الثاني: يمكن أن يكون النظر إلى ذلك المسك المصنوع المتخذ من دم الغزال، ويكون المقصود أنه لو كان المسك الموجود في الفأرة قد اتخذ من دم الغزال النجس ذاتا فلا يجوز حمله في الصلاة. وحينئذ لا يمكن أن يستفاد من الشرطية المذكورة نجاسة المتخذ من الميتة، إلا أن إرادة مثل هذا المعنى من الحديث في نفسه بعيد. السابع: أن يراد من اسم (كان) المسك، ومن الذكاة الطهارة بالفعل. وبناء عليه لا تثبت نجاسة فأرة المسك المتخذ من الميتة، كما هو الحال مع الاحتمال الرابع المتقدم. إلا أن هذا الاحتمال موهون غايته، إذ لا وجه لاعتبار طهارة المسك في حمل فأرته أثناء الصلاة، والحال أن نفس


 

[ 118 ]

الفأرة قد تبتلى بالنجاسة ولو كان مسكها طاهرا. الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) " قال: كانت لرسول الله (ص) ممسكة، إذا هو توضأ أخذها بيده وهي رطبة، فكان إذا خرج عرفوا أنه رسول الله (ص) برائحته " (1). ودلالتها على الطهارة باعتبار حجية عمل النبي، وظهور استشهاد الإمام (ع) وعنايته في نقل عمل النبي (ص) مصرحا بأنه كان يمسه برطوبة في أن نظره إلى الطهارة مما لا ينبغي إنكاره. إلا أن الكلام في نقطتين فيها: الأولى: في تشخيص المراد بالممسكة. فإن أريد منها محل المسك الطبيعي، أي الفأرة، كانت الرواية دليلا على طهارتها، فضلا عن طهارة المسك فيها. وإن أريد منها الوعاء الذي يجعل فيه المسك ويحفظ، فلا يكون فيها دلالة على طهارة الفأرة، وإنما تدل على طهارة المسك نفسه، باعتبار أن المسك إنما يراد من أجل الاستعمال والتطيب به، وهو ملازم عادة مع مساورته. فالرواية تدل على أن النبي (ص) كان يقوم بذلك بعد الوضوء مما يدل على طهارته. مضافا إلى أن العناية التي جاءت في الرواية من أنه كان يأخذها بيده وهي رطبة دليل على النظر إلى جهة المحذور، ومن الواضح أن ما يحتمل فيه المحذور لم يكن هو الممسكة بما هي وعاء، فإذا لم يكن النظر إلى فأرة المسك فيتعين أن يكون النظر إلى المسك الملوث به الوعاء. الثانية: أنه هل يستفاد من الرواية طهارة الفأرة أو المسك مطلقا، أم لا بد من الاقتصار فيها على القدر المتيقن، وهو المتخذ من المذكى، باعتبار أن القضية المروية قضية خارجية لا يمكن استظهار الإطلاق منها. والصحيح: أن الرواية وإن كانت تنقل عملا خارجيا للنبي (ص)،


 
(1) وسائل الشيعة باب 58 من أبواب النجاسات.

 

[ 119 ]

[ وإن كان الأحوط الاجتناب عنها (1) نعم لا إشكال في طهارة ما فيها من المسك. وأما المبانة من الميت ففيها إشكال، وكذا في مسكها (2). نعم إذا أخذت من يد المسلم يحكم بطهارتها، ولو لم يعلم أنها مبانة من الحي أو الميت (3). ] إلا أن كون الرواي لها هو الإمام (ع) الذي ظاهر حاله أنه في مقام بيان الحكم الشرعي، لا مجرد نقل القصة والتاريخ، وظهور سياق الرواية أيضا في أنه كان بصدد الاستشهاد بعمل النبي (ص)، واقتناص الحكم الشرعي منها حيث فرض فيها عناية رطوبة يده حين استعماله للممسكة، يكسب الرواية ظهورا - على أقل تقدير - في أن ما كان متعارفا في زمان صدور هذا النص لدى الناس من المسك، أو الممسكة - على تقدير إرادة الفأرة بها - كان طاهرا - فإذا استطعنا أن نثبت من الخارج أن المسك المتخذ من الحي أيضا كان متعارفا في الاستعمالات العرفية آنذاك - كما هو الظاهر - كانت الرواية دليلا على طهارته. نعم المسك وفأرته المتخذ من الميتة إثبات طهارته بالرواية مشكل. (1) قد ظهر خلال ما تقدم من الأبحاث ما يمكن أن يكون وجها للاحتياط. (2) قد اتضح مما سبق أن فأرة المسك ومسكها طاهرتان مطلقا فالاستشكال المذكور منحل. (3) لا موضوع للبحث عن فرض الشك في كون الفأرة متخذة من الحي أو الميت، بناء على القول بطهارتها مطلقا وإنما يتأتى هذا البحث إذا قيل بالتفصيل وهناك تفصيلان محتملان: أحدهما: التفصيل بين المتخذ من المذكى، وغيره حتى المتخذ من الحي.


 

[ 120 ]

الثاني: التفصيل بين المتخذ من المذكى أو الحي، والمتخذ من الميت. فإذا اختير التفصيل الأول وأن موضوع الطهارة هو المتخذ من المذكى تمسكا بظاهر قوله في المكاتبة " إذا كان ذكيا " - فعند الشك وفقدان أمارة مثبتة للتذكية من يد أو سوق يكون مقتضى الأصل هو النجاسة، تمسكا باستصحاب عدم التذكية، بناء على أن نجاسة الفأرة مترتبة على عدم تذكيتها، لا على عنوان الميتة الذي هو أمر وجودي لا يثبت باستصحاب عدم التذكية. وتحقيق ذلك: أن نجاسة فأرة غير المذكى تارة: تثبت بلحاظ أدلة نجاسة الميتة وأدلة نجاسة القطعة المبانة من الحي. وأخرى: بلحاظ مفهوم قوله: " إذا كان ذكيا " في رواية علي بن جعفر. فعلى الأول: تكون النجاسة مترتبة على عنوان الميتة، فلا تثبت باستصحاب عدم التذكية. وعلى الثاني: يكون العنوان المأخوذ في الدليل عدم التذكية، إلا أن المفهوم في الرواية لا يدل بصورة مباشرة على النجاسة ليثبت ترتبها على عنوان عدم التذكية، وإنما يدل المفهوم مباشرة على عدم جواز حمل الفأرة المأخوذة من غير المذكى في الصلاة، فإن احتمل عدم الجواز ولو مع الطهارة فلا دلالة على النجاسة، وإن علم من الخارج بانتفاء هذا الاحتمال - كما هو المفروض - دل المفهوم بالالتزام على النجاسة. ولكن الدلالة الالتزامية حينئذ لا تعين أن موضوع النجاسة هل هو نفس العنوان الواقع موضوعا لعدم جواز الصلاة، لأن غاية ما ثبت الملازمة بين ذاتي الحكمين، لا تطابقهما في العنوان، وما لم يحرز كون النجاسة مترتبة على عدم التذكية لا يمكن إثباتها باستصحاب عدم التذكية. نعم لو استظهر من رواية علي بن جعفر أنها ناظرة ابتداء - سؤالا وجوابا - إلى النجاسة والطهارة، وأن الاستفهام عن الصلاة مع الفأرة تعبير عرفي في مقام السؤال عن النجاسة، كان نفي البأس المعلق على التذكية


 

[ 121 ]

في منطوق الجواب يعني الطهارة، ويدل المفهوم حينئذ على تعليق النجاسة على عنوان عدم التذكية. وقد يوقع حينئذ نحو من التعارض بين ظهور رواية علي بن جعفر في موضوعية عدم التذكية للنجاسة المساوق لعدم دخل عنوان الميتة الوجودي فيها، وبين ظهور أدلة نجاسة الميتة في دخل هذا العنوان بعد عدم وجود احتمال عرفي للتفكيك بين نجاسة الفأرة ونجاسة غيرها من أجزاء الميتة من حيث الموضوع، والفراغ عن وحدة النجاسة المجعولة في سائر تلك الأدلة. ومع التعارض المذكور يتعذر أيضا إجراء الاستصحاب لإثبات النجاسة. وإذا اختير التفصيل الثاني - كما هو مختار السيد الماتن قده - فتارة: يعلم بأن الفأرة متخذة من حيوان زهق روحه، ولكن يشك في كونه مذكى أو ميتة. وأخرى: يشك في كونها من الحي أو من الميتة. وثالثة: يشك في كونها من الحي أو المذكى أو الميتة. وعلى كل واحد من هذه التقادير، تارة: يفترض وجود أمارة في البين، كما لو اشتريت من السوق أو أخذت من يد مسلم. وأخرى: لا يوجد شئ من ذلك. أما على تقدير وجود يد مسلم أو سوقه فلا بد وإن ينظر إلى دليل الحجية، ليرى حدود مفاده، فإذا استفيد منه - ولو بمناسبات الحكم والموضوع العرفية - أن اليد أو السوق اعتبرت أمارة على أن المشكوك مما لا محذور فيه شرعا، لأن كونه مما فيه المحذور شرعا خلاف ما يقتضيه إسلام صاحب اليد أو السوق، فلا إشكال في شئ من الصور الثلاث للشك، حيث يكون قيام اليد أو السوق أمارة على عدم المحذور في فأرة المسك. وأما إذا استفدنا من دليل أمارية اليد والسوق أماريتهما في إثبات التذكية في قبال الميتة فقط، فأيضا لا إشكال في صحة الاستناد إليهما لإثبات الطهارة في الصورة الأولى، حيث يدور الأمر بين كون الحيوان المتخذ


 

[ 122 ]

منه الفأرة مذكى أو ميتة. كما لا إشكال في عدم إمكان الاستناد إليهما في الصورة الثانية، حيث يقطع بعدم التذكية فيها، وإنما يحتمل أخذها من الحي أو أخذها من الميتة. وأما الصورة الثالثة: فالصحيح أيضا إمكان الاستناد فيها إلى الأمارة لإثبات الطهارة، فإن الأمارية وإن كانت ثابتة بمقدار إثبات التذكية في قبال الميتة، مما يعني أن موضوعها ما إذا أحرز زهاق الروح وشك في كونها بنحو التذكية أو بغيرها، إلا أن ذلك لا يقدح في المقام لإثبات الطهارة، حيث يقال: إن المشكوك لو كان متخذا من الحي فهو طاهر. ولو فرض أنه كان متخذا من حيوان زهق روحه فأمارية اليد أو السوق تقتضي أن يكون مذكى، وبذلك يحرز موضوع الطهارة على كل تقدير. لا يقال: المفروض استظهار اختصاص الأمارية بما إذا كان الشك في التذكية مع إحراز زهاق روح الحيوان، فالتعدي منه إلى مورد دوران الاحتمال بين ثلاثة أطراف - كما في المقام - غير صحيح، حيث لا يحرز فيه أصل زهاق الروح. فإنه يقال: لا وجه لاستظهار الاختصاص المذكور، وإنما غاية ما يثبت من الاختصاص أن الأمارية مجعولة في مورد الشك في التذكية وعدمها لإثبات التذكية، قبال احتمال الموت. وفي المقام يوجد شك في التذكية فتثبت التذكية قبال احتمال الموت، وإن لم تثبت التذكية في قبال الحياة، كما هو واضح. وأما على تقدير عدم وجود أمارة في المقام من قبيل اليد أو السوق، فلا بد من الرجوع إلى الأصل فنقول: تارة: يفرض أن الحكم بنجاسة المتخذ من الميتة باعتباره بنفسه ميتة، حيث يصدق عنوان الميتة والمذكى على جزء الحيوان أيضا بلحاظ الحياة الضمنية فيه. وأخرى: يفرض أن ذلك


 

[ 123 ]

باعتباره بنفسه غير مذكى، كما لو أرجع الضمير في قوله: إذا كان ذكيا إلى الفأرة نفسها، وثالثة: باعتبار كون الحيوان المتخذ منه غير مذكى، كما لو أرجع الضمير إلى الحيوان لا الفأرة، أو باعتبار كون ذلك الحيوان ميتة. فعلى الأول: لا إشكال في جريان استصحاب عدم كون المشكوك ميتة باعتبارها عنوانا وجوديا. وعلى الثاني: يجري استصحاب عدم التذكية في المشكوك. بناء على جريانه لإثبات آثار عدم التذكية - وسوف يأتي تحقيق ذلك - فتثبت النجاسة حينئذ. ولا فرق في حكم هذين الفرضين بين ما إذا علم اتخاذه من حيوان وشك في كونه ميتة أو لا، وبين ما إذا شك في أخذه من الحيوان المعلوم كونه ميتة أو من غيره. وعلى الثالث: لا بد من إجراء الأصل في الحيوان المتخذ منه الفأرة، لأن تذكيته أو موته موضوع للحكم بطهارة الفأرة أو نجاستها. وعليه فهناك صور: الأول: أن يعلم بكون الفأرة مأخوذة من حيوان معين، ويشك في حال هذا الحيوان حين أخذ الفأرة منه فلا يعلم هل كان حيا، أو مذكى، أو ميتا، ولا يزال هذا الشك قائما بشأن ذلك الحيوان حتى الآن فيجري استصحاب حياة الحيوان لنفي نجاسة الفأرة. الثانية: الصورة السابقة نفسها، ولكن يعلم بأن الحيوان ميتة فعلا. فيجري في نفسه استصحاب بقاء الحيوان حيا إلى حين أخذ الفأرة منه، لنفي موضوع النجاسة. وقد يعارض باستصحاب بقاء الفأرة على الحيوان إلى حين موته لإثبات النجاسة. وهذا إنما يتم إذا كان موضوع النجاسة مركبا من اتصال الفأرة بحيوان، وعدم كونه حيا، وعدم كونه مذكى في ذلك الزمان. فإنه - حينئذ - باستصحاب اتصال الفأرة بالحيوان إلى زمان عدم حياته، واستصحاب عدم تذكيته إلى ذلك الزمان، يثبت موضوع


 

[ 124 ]

[ (مسألة - 3) ميتة ما لا نفس له طاهرة (1) ] النجاسة. وبعد التعارض بين الاستصحابين يرجع إلى قاعدة الطهارة. الثالثة: أن يعلم بأخذ الفأرة من حيوان معين بعد موته، ويشك في كونه مذكى. فيجري استصحاب عدم التذكية إذا كانت نجاسة الفأرة مترتبة على عدم تذكية الحيوان، لا على كونه ميتة. الرابعة: أن تتردد الفأرة بين أن تكون مأخوذة من هذا الحيوان أو من ذاك، وكل من الحيوانين لا يشك في حاله، وإنما الشك في أخذ الفأرة من هذا أو ذاك. فلا يجري الاستصحاب في الحيوان الذي اتخذت الفأرة منه، لأنه من استصحاب الفرد المردد، فتجري قاعدة الطهارة. (1) المعروف بين الفقهاء استثناء ميتة ما لا نفس له من الحكم بالنجاسة، حتى ادعي الإجماع على ذلك في كثير من كلماتهم. والبحث في ذلك: تارة فيما تقتضيه عمومات النجاسة. وأخرى: فيما تقتضيه الروايات الخاصة. أما البحث الأول: فروايات نجاسة الميتة، وإن كان أكثرها واردا في موارد ما له نفس سائلة، غير أنه بالإمكان دعوى الإطلاق في مثل روايات النهي عن أكل طعام أهل الكتاب وفي أوانيهم، معللة ذلك بأن فيه الميتة، مع وضوح أنهم لا يقتصرون على أكل ميتة ما له نفس سائلة، بل يأكلون مثل السمك مما لا نفس سائلة له أيضا. ومقتضى إطلاق التعليل ثبوت النهي حتى في موارد أكلهم الميتة التي لا نفس لها، فيستفاد منه الإرشاد إلى نجاستها أيضا. اللهم إلا أن يدعى الفراغ في تلك الروايات عن كبرى نجاسة الميتة، بنحو لا تكون في مقام البيان من تلك الناحية، ليتمسك بإطلاقها. وأما البحث الثاني: فالروايات الخاصة التي قد تصلح لتقييد الإطلاق في دليل النجاسة - على فرض ثبوته - عدة أخبار.


 

[ 125 ]

الأول: رواية حفص بن غياث عن الصادق (ع) " عن أبيه أنه قال لا يفسد الماء إلا ما كان له نفس سائلة " (1). ودلالتها على طهارة ميتة ما لا نفس له واضحة، فإنها - بقرينة التفصيل بين ما له نفس وما ليس له نفس - تكون ناظرة إلى نفي النجاسة مما ليس له نفس، لا إلى اعتصام مطلق الماء، وإلا لم يكن فرق بين ما ليس له نفس وغيره. وهذه النجاسة المنفية ليس المراد بها النجاسة الذاتية للحيوان، لأن وضوح أن الحيوان الحي ليس نجسا ولا منجسا حتى فيما له نفس يصرف ظهور الرواية عن ذلك. وليس المراد بها نجاسة ما قد ينضم إلى الحيوان من فضلاته، لأن إضافة الإفساد المنفي إلى نفس الحيوان قرينة على كون المنظور بدن الحيوان، أو كونه على الأقل هو القدر المتيقن على نحو لا يمكن حمل الرواية على غيره، فيتعين اتجاه نظر الرواية نحو نجاسة الحيوان باعتبار موته. ولكن في الرواية إشكالا من ناحية السند، لأن الشيخ ينقلها في التهذيب: عن المفيد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد ابن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن عيسى، عن حفص. وأحمد بن محمد الذي يروي عنه المفيد غير ثابت التوثيق. وينقلها الشيخ في الاستبصار: عن الحسين بن عبد الله، عن أحمد ابن محمد بن يحيى، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد بن يحيى... إلخ. وقد وقع فيه أحمد بن محمد أيضا. ولكن التحقيق إمكان دفع هذا الإشكال السندي، باعتبار أن الشيخ له ثلاث طرق في الفهرست إلى جميع كتب وروايات محمد بن أحمد بن يحيى الواقع بعد الضعف في سلسلة السند، وأحدها صحيح قد اشتمل بدلا عن


 
(1) وسائل الشيعة باب 35 من النجاسات.

 

[ 126 ]

أحمد بن محمد على الصدوق، فتصح الرواية. فإن قيل: كيف نثبت أن الشيخ ينقل هذه الرواية بذلك الطريق الصحيح إلى محمد بن أحمد بن يحيى ما دام قد صرح في كتابيه بطريق معين إليه في مقام نقل تلك الرواية؟. قلنا: إن الظاهر من عبارة الفهرست وحدة المنقول بالطرق الثلاثة، وحيث إن الطريق المصرح به في الاستبصار هو أحد الطرق الثلاثة المذكورة في الفهرست، ثبت أن رواية محمد بن أحمد بن يحيى لخبر حفص واصلة إلى الشيخ بالطرق الثلاثة جميعا. وهذا هو المقدار الذي نقبله من نظرية التعويض. ومن جملة الروايات موثقة عمار: " سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنمل، يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه؟ فقال (ع): كل ما ليس له دم فلا بأس " (1) وقريب من مضمونها رواية أبي بصير: " كل شئ وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب والخنافيس وأشباه ذلك فلا بأس " (2) ودلالتها علي طهارة ميتة ما لا دم له أوضح من سابقتها، لصراحة نظرها إلى محذور الميتة ونجاستها. غير أنه ربما يقال: بدلالتها - بمقتضى إطلاق المفهوم - على نجاسة ميتة ما له نفس غير سائلة، كالسمك مثلا. فتقع طرفا للمعارضة مع رواية حفص المتقدمة بنحو العموم من وجه، وبعد التساقط يرجع فيما له نفس غير سائلة إلى عموم نجاسة الميتة باعتباره مرجعا فوقانيا. وفيه: أولا: إن الجملة التي استعملها الإمام (ع) غير مشتملة على أدوات المفهوم، وغاية ما يوهم كونه مقتضيا للمفهوم استظهار سياق التحديد منها. ومن الواضح: أنه يكفي لإشباع الحاجة إلى التحديد أن يذكر ما يكون جامعا محددا للأمثلة التي سأل عنها السائل، والتي كلها مما لا


 
(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الماء المطلق.

 

[ 127 ]

[ كالوزغ والعقرب والخنفساء والسمك (1) ] نفس له أصلا. وثانيا: لو فرض تمامية المفهوم فيها، فلا محيص عن تقديم رواية حفص على إطلاق هذا المفهوم، وذلك لورود قيد السيلان في رواية حفص بحيث يكون الالتزام بإطلاق المفهوم - المقتضي لنجاسة دم ما له دم غير سائل - إلغاء لخصوصية القيد المذكور المأخوذ في رواية حفص، وهذا ليس تقييدا، وإنما هو رفع لليد عن موضوعية قيد مأخوذ في الحكم. وهناك روايات أخرى وردت في موارد خاصة من ميتة بعض الحيوانات التي لا نفس سائلة لها، وهي تدل على الطهارة. إلا أن الاستدلال بها على القضية الكلية بحاجة إلى ضم نكات ومناسبات عرفية، تقتضي إلغاء خصوصية تلك الموارد. وسوف يأتي التعرض لجملة منها، إلا أن في رواية حفص المطلقة والتامة سندا ودلالة غنى وكفاية. (1) تمسكا بإطلاق ما دل على طهارة ميتة ما ليس له نفس سائلة، بعد فرض طهارة هذه الحيوانات في أنفسها، وعدم نجاستها الذاتية بقطع النظر عن الموت. وقد يدعى نجاسة مثل الوزغ والعقرب، تمسكا ببعض الروايات، إلا أنها - لو تمت دلالتها - فهي ناظرة إلى النجاسة الذاتية لا إلى حدوث النجاسة بالموت، إذ لم يفرض في موضوعها ملاقاة الماء ونحوه لميتة الوزغ والعقرب، بل لنفسها، فيكون ذلك أجنبيا عن محل الكلام، إذ لا يرجع إلى تخصيص في دليل طهارة ميتة ما لا نفس له. وسوف يأتي تفصيل الكلام في احتمال النجاسة الذاتية لهذه الحيوانات في آخر بحث النجاسات. فإن قيل إن ما دل على نجاسة الوزغ أو العقرب - مثلا - أو انفعال البئر به، وإن لم يؤخذ في موضوعه فرض الموت، ولكن إذا ضم إلى ذلك


 

[ 128 ]

[ وكذا الحية والتمساح، وإن قيل بكونهما ذا نفس، لعدم معلومية ذلك، مع أنه إذا كان بعض الحيات كذلك لا يلزم الاجتناب عن المشكوك كونه كذلك (1) ] ما دل على طهارته في حال حياته تعين تقييد دليل النجاسة بما بعد الموت، فيكون تخصيصا في دليل طهارة الميتة. قلنا: إن هذا ليس تقييدا عرفيا لظهور تلك الروايات في أن ملاك الحزازة نفس سقوط الوزغ أو العقرب في الماء، والتقييد يعني إلغاء هذا الملاك رأسا، وجعل هذا السقوط مقدمة لأمر مطوي وهو موت الحيوان في الماء، وافتراض هذا الأمر المطوي ملاكا للحزازة. ومن الواضح أن الحمل على التنزه أولى من هذا التأويل عرفا. (1) ذهب بعض إلى نجاسة ميتة الحية والتمساح، لا باعتبار ورود دليل خاص على ذلك، فإنه لم يرد ما يدل على نجاستها، بل بدعوى كونهما مما له نفس سائلة. والجدير بالبحث الفقهي أن نلاحظ حكم الشك في كون حيوان مما له نفس سائلة أو لا؟ فنقول: قد يشك في أن الحيوان ذو نفس سائلة بنحو الشبهة المفهومية، بأن يشك في صدق العنوان المزبور على درجة معينة من الدم في الحيوان. وقد يشك فيه بنحو الشبهة المصداقية، بأن لا يعلم مقدار الدم وسيلانه. أما الفرض الأول: فحكمه التمسك بعموم نجاسة الميتة على فرض وجوده، بناء على ما هو المقرر في محله من التمسك بالعام في الشبهة المفهومية لمخصصه المنفصل. وأما الفرض الثاني فتارة: يفرض أن الحيوان المشكوك متعين نوعا،


 

[ 129 ]

كميتة الحية التي يشك بنحو الشبهة الموضوعية في سيلان دمها. وأخرى: يفرض عدم تعين نوعه، كميتة مرددة بين الحية والفأرة. فهنا صورتان: أما الصورة الأولى: فإن بني على عدم جريان الاستصحاب في العدم الأزلي جرت في المقام أصالة الطهارة، حتى إذا افترض وجود العموم في دليل نجاسة الميتة، لوضوح عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وإن بني على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، فإما أن يلتزم بوجود العموم في دليل نجاسة الميتة، وإما أن يلتزم بعدمه. فإن التزم بعدمه كان المتيقن نجاسته هو عنوان ما له دم، فيجري استصحاب العدم الأزلي لهذا العنوان وأصالة الطهارة. وإن التزم بوجود العموم في دليل نجاسة الميتة، فلا بد من ملاحظة ما هو الخارج بالتخصيص. فإن كان الخارج موضوعا مركبا من ميتة حيوان وعدم كونه ذا نفس سائلة، أمكن إحراز عنوان الخارج باستصحاب العدم الأزلي، لكونه ذا نفس سائلة. وإن كان الخارج موضوعا مقيدا - وهو ميتة الحيوان المتصف بعدم سيلان الدم - فهذا يعني أن عدم السيلان المأخوذ في العنوان الخارج لوحظ بنحو العدم النعتي، فلا يمكن إثباته باستصحاب العدم الأزلي، بل يمكن نفيه بهذا الاستصحاب بنحو يثبت موضوع العام، فيحكم بالنجاسة. هذه هي تقادير المسألة. وأما تشخيص الواقع منها: فمن ناحية وجود العموم في دليل نجاسة الميتة وعدمه تقدم الحال في ذلك. ومن ناحية تشخيص العنوان الخارج بالتخصيص، قد يقال: إن المخصص هو مثل قوله: " كل ما ليس له دم فلا بأس به " وظاهره أخذ العدم بنحو العدم النعتي. ويرد عليه - مضافا إلى إمكان منع هذا الظهور - أن دليل التخصيص لا ينحصر بذلك بعد أن صح سند رواية حفص، وهي تحصر النجاسة بعنوان وجودي، فتعطي هذا العنوان لنفس العمومات، ويكون المستصحب عدمه الأزلي.


 

[ 130 ]

[ (مسألة - 4) إذا شك في شئ أنه من أجزاء الحيوان أم لا؟ فهو محكوم بالطهارة (1). وكذا إذا علم أنه من الحيوان لكن شك في أنه مما له دم سائل أو لا؟ (2). (مسألة - 5) المراد من الميتة: أعم مما مات حتف أنفه، أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي (3). ] وأما الصورة الثانية فتوضيح الحال فيها أن: موضوع الحكم بالنجاسة، إن كان هو ميتة الحيوان الذي له بشخصه نفس سائلة، فاستصحاب العدم الأزلي يجري لنفي موضوع النجاسة، كما هو الحال في الصورة السابقة. وإن كان هو ميتة الحيوان الذي يكون نوعه ذا نفس سائلة، بحيث لو اتفق وجود النفس السائلة في فرد من السمك مثلا بنحو الشذوذ، لم يستوجب نجاسة ميتة ذلك الفرد، لأن العبرة بالنوع، فيشكل جريان الاستصحاب لأنه إن أريد إجراؤه في واقع النوع الذي ينتسب إليه هذا الحيوان المردد فهو من استصحاب الفرد المردد، لأن واقعه إما الحية التي يعلم بعدم النفس لها أو الفأرة التي يعلم بثبوت النفس السائلة لها. وإن أريد إجراؤءه في هذا الشخص الخارجي من الحيوان، فهو لا أثر له، لأن المفروض أخذ صفة السيلان للنوع لا للفرد، فيرجع إلى أصالة الطهارة. (1) لاستصحاب عدم كونه من الحيوان، ولأصالة الطهارة. (2) لاستصحاب عدم كونه من الحيوان ذي النفس السائلة، ولأصالة الطهارة. (3) كما هو المتفق عليه فتوى وارتكازا فما مات بقتل أو ذبح غير شرعي يحكم عليه بالحرمة والنجاسة ويشهد لذلك ما دل من الأخبار على النهي عن أكل ما تقطعه الحبال معللا بأنه ميتة بعناية عدم وقوع التذكية عليه وقد


 

[ 131 ]

[ (مسألة - 6) ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة، وإن لم يعلم تذكيته (1) ] يستشهد لذلك بروايات أخرى أيضا وهذا المقدار لا كلام فيه وإنما الكلام في تحقيق أن موضوع الحكم بالحرمة أو النجاسة هل هو عنوان الميتة بهذا المفهوم العام أو ما لا يكون مذكى وقد اخترنا في موضع آخر من هذا الشرح التفصيل بين الحرمة والنجاسة فالأولى موضوعها أمر عدمي ولهذا يمكن إثباته بالاستصحاب والثانية موضوعها عنوان وجودي فيتعذر إثباتها باستصحاب عدم التذكية فلاحظ. (1) يقع الكلام أولا: في استصحاب عدم التذكية ومقدار ما يمكن أن يثبت به من آثار. وثانيا: في الأمارات الخاصة الحاكمة عليه. أما تحقيق حال استصحاب عدم التذكية: فمحصل ما ينبغي إيراده في المقام، أنه تارة: يراد إثبات الحرمة تكليفا أو وضعا في الصلوة بالاستصحاب المذكور. وأخرى: يراد إثبات النجاسة. فالكلام في مقامين: المقام الأول: في إثبات الحرمة بالاستصحاب المذكور. وهو موقوف على ملاحظة موضوع الحكم بالحرمة، وهل هو عنوان وجودي أو عدمي بنحو العدم النعتي أو المحمولي؟ فهنا صور لا بد من ذكر كل منها، وملاحظة أن الاستصحاب فيها هل يكون من استصحاب العدم الأزلي أم لا؟ الصورة الأولى: أن يكون موضوع الحرمة الميتة بما هي أمر وجودي، مسبب عن الأسباب غير الشرعية للموت. وبناء عليه لا يجري استصحاب عدم التذكية بوجه أصلا، لأنه لا يثبت عنوان الموت إلا على القول بالأصول المثبتة، لأن هذا الموضوع الوجودي ملازم عقلا لعدم التذكية. الصورة الثانية: أن يكون موضوع الحرمة عنوانا عدميا هو عدم


 

[ 132 ]

الموت بسبب شرعي بنحو العدم المحمولي، وقد أضيف إلى ذات الحيوان لا الحيوان الميت، فيكون موضوع الحرمة مركبا من زهاق روح الحيوان وعدم تذكيته. وهذا يعني أن القيدين عرضيان في نسبتهما إلى ذات الحيوان، دون أخذ تقييد بينهما. وبناء على هذا يجري استصحاب عدم التذكية لإثبات الحرمة، حتى لو أنكرنا الاستصحاب في الأعدام الأزلية، لأن عدم تذكية الذابح للحيوان له حالة سابقة للموضوع الذي هو ذات الحيوان بحسب الفرض، فيجري استصحابه، ويضم إلى القيد الآخر للموضوع المحرز بالوجدان وهو زهاق روحه، ويلتئم به الموضوع المركب. الصورة الثالثة: نفس الصورة مع افتراض العدم نعتيا لا محموليا. والحكم فيها كما في الصورة السابقة، لأن العدم النعتي أيضا له حالة سابقة حال حياة الحيوان، فيحرز بالاستصحاب، ويضم إليه الجزء الآخر المحرز بالوجدان، فيثبت المركب. الصورة الرابعة: أن يكون عدم التذكية مضافا إلى الحيوان الزاهق روحه، لا إلى نفس الحيوان، مع كونه بنحو العدم المحمولي. وهذا معناه أن قيدي زهاق الروح وعدم التذكية طوليان لا عرضيان. وبناء عليه يجري أيضا استصحاب عدم كون هذا الحيوان الزاهق روحه مذكى. ولكنه من الاستصحاب في العدم الأزلي، إذ لا حالة سابقة للحيوان الزاهق روحه بما هو كذلك. الصورة الخامسة، نفس الصورة من حيث طولية القيدين، ولكن مع افتراض عدم التذكية بنحو النعتية، أي الحيوان الزاهق روحه الموصوف بأنه غير مذكى. وبناء عليه لا يمكن إجراء الاستصحاب، حتى على القول بالأصل في الأعدام الأزلية، لأنه لا يثبت العدم النعتي إلا بناء على الأصل


 

[ 133 ]

المثبت، فالمرجع حينئذ أصالة الحل والإباحة لا محالة. هذه هي صور المسألة ثبوتا. والمترائى من ألسنة أدلة الحرمة - إثباتا - الصورة الرابعة منها. ذلك: أن الآية الكريمة قد رتبت الحكم بالحرمة - أولا - على كل حيوان زهقت روحه، ثم استثنت المذكى بقوله تعالى: " إلا ما ذكيتم ". وقد حققنا في محله أن القيد الوارد بالتخصيص يؤخذ عدمه المحمولي في موضوع العام. وهذا يعني جريان استصحاب عدم التذكية عند الشك، بناء على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية. هذا ما تقتضيه القاعدة الأولية العامة عند الشك في التذكية بنحو الشبهة الموضوعية. غير أن في المقام روايات ظاهرة في خلاف ذلك: كرواية علي بن حمزة التي ورد فيها: " ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه " (1) ورواية ابن مهران: " لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة " (2)، حيث رتب فيهما الجواز على فرض عدم العلم بالميتة الذي يعني إلغاء استصحاب عدم التذكية في مورد الشك. وقد استند صاحب المدارك - قده - إلى هذه الروايات في إبطال استصحاب عدم التذكية. وهناك محاولتان للجواب على ذلك: الأولى: إن هذه الروايات - كأدلة أصالة الحل والبرائة - تكون محكومة للاستصحاب، باعتباره علما تعبديا بموضوع الحرمة، فتتحقق الغاية في هذه الأدلة. وفيه: أولا - عدم تمامية كبرى حكومة الاستصحاب على الأصول العملية الأخرى - على ما حققناه في علم الأصول - وإنما نقدمه عليها بنكات الجمع العرفي المقتضي لملاحظة النسبة بين دليله وأدلتها.


 
(1) و (2) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات.

 

[ 134 ]

وثانيا: لو سلمنا حكومة الاستصحاب على أصالة الحل في مطلق الشبهات، فلا نسلم حكومته على هذه الروايات باعتبارها واردة في مورد الشك في التذكية الذي يكون مسبوقا دائما بالحالة السابقة لعدم التذكية، فيكون تقديمه عليها بالحكومة طرحا لها، والدليل الحاكم إنما يتقدم على محكومه فيما إذا لم يستلزم منه الطرح، وإلا خصص الحاكم بالمحكوم. لا يقال: هذه الروايات أعم من دليل الاستصحاب من جهة، حيث إنها تشمل موارد العلم الوجداني بالتذكية، فلا يلزم من تحكيم الاستصحاب عليها في مورد الشك إلغائها. فإنه يقال: صريح الروايات أخذ عدم العلم بموضوع الحرمة موضوعا للحلية، والتحكيم المذكور إلغاء لهذا العنوان، فيكون بحكم الطرح والتأويل عرفا. فإن قيل: إن الأعمية من جهة محفوظة على أي حال بلحاظ شمول الروايات المذكورة لحالات قيام الأمارة على التذكية، وعدم شمول دليل الاستصحاب لها. قلنا: إن المغيى في تلك الروايات، إن كان مخصوصا بموارد الأمارة على التذكية - فلا يعقل حكومة الاستصحاب على الغاية وتحقيقه فردا تعبديا لها، وإلا يلزم حكومته على الأمارة المثبتة للتذكية، وهو خلاف المقصود وإن كان المغيى شاملا لموارد الشك المجرد من الأمارة، فهذا بنفسه يعني شمول الترخيص لمورد الاستصحاب، وبالتالي عدم تحقق الغاية المجعولة للترخيص في تلك الروايات. وثالثا: إن الحرمة أنيطت في الروايات المذكورة بالعلم بأنه ميتة، لا بالعلم بعدم التذكية. فإن استظهر منها كونها بصدد إناطة الجواز بالعلم بما هو موضوع الحرمة وكون ذكر الميتة بما هي موضوع لها كانت بنفسها ظاهرة في موضوعية الميتة للحرمة. وهذا يبطل جريان الاستصحاب في


 

[ 135 ]

نفسه، فضلا عن حاكميته، لأن عنوان الميتة لا يثبت باستصحاب عدم التذكية وإن لم يستظهر منها ذلك واحتمل كونها بصدد إناطة الجواز بالعلم بالميتة، وإن كان موضوع الحرمة أمرا عدميا، فاستصحاب عدم التذكية في نفسه وإن كان يثبت الحرمة، ولكن تمتنع حكومته على تلك الروايات، لأن مفاده العلم التعبدي بعدم التذكية لا بعنوان الميتة، وما جعل غاية، العلم بالميتة. والمحاولة الثانية التي يفرض فيها الاعتراف بعدم الحكومة المدعاة في المحاولة الأولى أن: هذه الروايات واردة في موارد الأمارة الشرعية على التذكية، كما يظهر من ورود السؤال في بعضها عن الجلد يؤخذ من السوق، ولا جريان للاستصحاب في مواردها كي يتعارض مع هذه الروايات، فتبقى موارد الشك وعدم الأمارة مجرى للاستصحاب. وهذه المحاولة، إن أريد بها أن هذه الروايات منصرفة انصرافا كليا إلى موارد الأمارة على التذكية من سوق أو يد، فهذا الانصراف - إذا ثبت - يصلح أن يكون جوابا، ولكنه في نفسه غير صحيح إذ لا موجب لهذا الانصراف بعد فرض الإطلاق في جواب الإمام (ع) لكل ما لا يعلم أنه ميتة. وإن أريد بها أن هذه الروايات أعم من موارد اليد وغيرها، ودليل الاستصحاب إنما يقتضي إجراء استصحاب عدم التذكية في غير مورد اليد، فتخصص بدليل الاستصحاب، فيخرج عنها موارد الشك وعدم السوق أو اليد، فيرد عليها: أولا: إن خروج موارد اليد والسوق عن إطلاق دليل الاستصحاب بدليل منفصل، لا يخرجه عن كونه أعم مطلقا من الروايات المذكورة، بل يكون من قبيل العام الذي ورد في مقابله خاصان: أحدهما دليل أمارية اليد والسوق، والآخر الروايات المذكورة، فيخصص بهما معا.


 

[ 136 ]

وثانيا: لو فرض خروج موارد اليد والسوق موضوعا عن دليل الاستصحاب، كما لو كان الخروج بنحو حكومة موجبة لرفع الموضوع حقيقة بالتعبد، فهذا لا يكفي لإنتاج أخصية دليل الاستصحاب، بل تكون النسبة بينه وبين الروايات العموم من وجه، لشموله لسائر الشبهات، وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى أصالة الحل. فإن قيل: بل يقدم دليل الاستصحاب مع ذلك، للقرينية، كما يقدم على دليل البراءة، ولو لم نقل بالحكومة. قلنا: إن قرينية دليل الاستصحاب على دليل البراءة متقومة بكون مفاد الاستصحاب مطابقا مع مفاد الغاية، وهذا التطابق غير موجود في المقام، لأن مفاد الاستصحاب التعبد بعدم التذكية، ومفاد الغاية إحراز عنوان الميتة، فلا تتم القرينية. فالصحيح: أن هذه الروايات لو لوحظت وحدها لأنتجت أصالة التذكية في موارد الشك. غير أن هناك روايات أخرى دلت على الخلاف من قبيل: موثقة ابن بكير: " فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه، جائز إذا علمت أنه ذكي " (1) فإنها دالة على عدم الجواز في فرض عدم العلم بالتذكية. وهي مطلقة من حيث وجود أمارة عليها أم لا. وحينئذ لو قلنا بانقلاب النسبة، كانت الرواية - بعد تخصيصها بإخراج موارد الأمارة - أخص مطلقا من الروايات المتقدمة، الدالة على الجواز مطلقا، وإلا فالتعارض والتساقط. وعلى كلا التقديرين تثبت أصالة عدم التذكية في موارد الشك. ومثل رواية ابن بكير، نفس ما دل على أمارية أرض الإسلام وحجيته في إثبات الجواز، فإن هذا دال على أن المرجع - لولا الحجية - سنخ أصل منجز، وإلا لم يكن هناك


 
(1) وسائل الشيعة باب 2 من لباس المصلي.

 

[ 137 ]

معنى عرفا لجعل مثل تلك الأمارية. المقام الثاني: في إثبات النجاسة باستصحاب عدم التذكية وقد ذكر أن إثباتها بالاستصحاب مبني على تمامية أحد أمرين: أن يكون موضوعها عدم التذكية، أو أن يكون موضوعها عنوان الميتة مع إرجاعها إلى الموت لا بالسبب الشرعي. أما الأمر الأول فهو خلاف ظاهر روايات الباب الدالة على النجاسة، حيث أخذ في موضوعها عنوان الميتة. إلا أن المحقق الهمداني (قده) حاول إثباته بمثل رواية الصيقل قال: " كتبت إلى الرضا (ع): إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فتصيب ثيابي فأصلي فيها؟ فكتب إلي: اتخذ ثوبا لصلاتك. وكتب إلى أبي جعفر الثاني (ع): إني كنت كتبت إلي أبيك (ع) بكذا وكذا. فصعب علي ذلك، فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية. فكتبت إلي: كل أعمال البر بالصبر يرحمك الله، فإن كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس " (1) حيث يمكن أن يستدل بالجملة الأخيرة على أن البأس - وهو النجاسة بحسب فرض السائل المستفاد من قوله: " فتصيب ثيابي فأصلي فيها " - موضوعه أن لا يكون ذكيا. وفيه: أن الشرطية المذكورة مسوقة في قبال الشق الأول المفروض في كلام السائل، وهو اتخاذه أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، والذي عدل عنه إلى جلود الحمر الوحشية الذكية بعد عدم تجويز الإمام الرضا (ع) الصلاة في الثوب الملاقي معها. فالشرطية في المقام في قوة قوله: إن كان ما تعمله هو فرضك الثاني فلا بأس. ومفهومها حينئذ: أن الفرض الأول في كلام السائل وهو جلود الحمر الميتة فيه بأس. والشاهد على ذلك أنه


 
(1) وسائل الشيعة باب 49 من أبواب النجاسات.

 

[ 138 ]

وردت في كلام الإمام (ع) كلمة (وحشيا) التي كانت واردة في فرض السائل نفسه دون أن يكون له دخل في الحكم الشرعي، مما يشهد على أن نظر الإمام (ع) إلى فرض السائل. فالصحيح: عدم تمامية الأمر الأول، لأن أدلة النجاسة قد رتبتها على عنوان الميتة لا عدم التذكية. وأما الأمر الثاني، فقد قيل في عدم تماميته: أن الميتة عنوان وجودي عرفا وليس مجرد عدم التذكية، ولو فرض الشك والإجمال كفى ذلك في عدم جريان استصحاب عدم التذكية أيضا. والصحيح: أنا حتى لو جزمنا بكون الميتة عبارة عن الموت لا بالسبب الشرعي الذي هو عنوان عدمي، لم يجد ذلك في جريان استصحاب عدم التذكية، لوضوح أن هذا الوصف العدمي مأخوذ في عنوان الميتة بنحو وحداني نعتي مضاف إلى الموت، وهو الصورة الخامسة من الصور المتقدمة، لا بنحو التركيب، وإلا لم تكن الميتة عنوانا واحدا. واستصحاب عدم التذكية إنما يجدي فيما إذا كان الموضوع مركبا بأحد الأنحاء المتقدمة في الصورة الثانية والثالثة والرابعة من الصور الخمس السابقة. فبناء المسألة على الأمر الثاني كما فعله جماعة في غير محله. وقد اتضح من كل ما تقدم: أن الأصل عند الشك في التذكية هو عدمها بلحاظ حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة، وأصالة الطهارة بلحاظ النجاسة. وأما ما ادعي الخروج به عن الأصل المذكور باعتبار أماريته على التذكية فهي اليد، والسوق، وأرض الإسلام. والمدرك في أمارية هذه العناوين روايات الباب، ويمكن تصنيفها إلى طوائف: الأولى: ما دل على الحلية حتى يعلم أنه ميتة. وهذه الطائفة أجنبية


 

[ 139 ]

عن المقصود، لأن مفادها أصالة الحل لا جعل الأمارية. وقد تقدم أنها مبتلاة بالمعارض في رتبتها، مما دل على عدم الجواز حتى يعلم بالتذكية. الثانية: ما دل على ترتيب أثر التذكية، وكان مختصا موردا بما يؤخذ من السوق، كرواية الحلبي " سألت أبا عبد الله (ع): عن الخفاف التي تباع في السوق. فقال: اشتر وصل فيها، حتى تعلم أنه ميتة بعينه " (1) فإن مورد هذه الرواية هو المأخوذ من السوق، ولهذا كان الحكم بجواز ترتيب أثر التذكية عليه قابلا للتعبير عن جعل الأمارية للسوق، كما أنه قابل لأن يكون تعبيرا عن أصالة التذكية في المشكوك. الثالثة: ما كان ظاهرا في جعل الأمارية للسوق، مثل رواية الفضيل، وزرارة، ومحمد بن مسلم: " إنهم سألوا أبا جعفر (ع): عن شراء اللحوم من الأسواق ولا يدري ما صنع القصابون. فقال: كل، إذا كان ذلك في سوق المسلمين، ولا تسأل عنه " (2) فإن إناطة الحلية بالسوق ظاهرة في أنها بملاك أمارية السوق، لا لجعل أصالة التذكية في المشكوك. الرابعة: ما كان ظاهرا في جعل الأمارية للصنع في أرض الإسلام، كرواية إسحاق بن عمار عن العبد الصالح: " لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني، وفيما صنع في أرض الإسلام. قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس " (3). الخامسة: ما كان ظاهرا في اعتبار إسلام البائع دليلا على التذكية، وهو خبر إسماعيل بن عيسى: " سألت أبا الحسن (ع): عن الجلود


 
(1) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 29 من الذبائح. (3) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات.

 

[ 140 ]

والفراء، يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " (1). السادسة: ما دل على إناطة الجواز بكون التذكية مضمونة ومتعهدا بها من قبل البائع، كخبر محمد بن الحسين الأشعري: " كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (ع): ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال: إذا كان مضمونا فلا بأس " (2). والطائفة السادسة - مضافا إلى الإشكال السندي فيها، لعدم ثبوت وثاقة محمد المذكور - لا بد من حملها على الاستحباب، جمعا بينها وبين ما هو صريح عرفا في عدم وجوب السؤال. والطائفة الخامسة ساقطة سندا، لعدم ثبوت وثاقة إسماعيل بن عيسى. وعلى هذا فالمهم إنما هو الطوائف الثانية والثالثة والرابعة. وقد تكفلت عنوانين أحدهما: ما صنع في أرض الإسلام. والآخر: السوق. وهو مخصوص بسوق المسلمين، وإن ورد مطلقا في بعض الروايات. إما لأن ارتكاز مجرد كون المحل سوقا لا يكفي لإثبات التذكية قرينة على حمل مفاد تلك الروايات على القضية الخارجية والإشارة إلى ما هو المعهود وما هو المعهود خارجا أسواق المسلمين، أو على القضية الحقيقية مع تقييدها بنحو يجعلها غير منافية للارتكاز وذلك بإرادة سوق المسلمين خاصة. وإما للتقييد الوارد في بعض روايات السوق كما تقدم. والكاشفية المجعولة في تلك الروايات للسوق أو للصنع في أرض الإسلام عن التذكية يمكن تصويرها ثبوتا بعدة أنحاء:


 
(1) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات.

 

[ 141 ]

الأول: أن يكون ذلك كاشفا عن تذكية المشكوك ابتداء، باعتبار أن المشكوك لو كان في سوق المسلمين أو صنع في بلادهم فالغالب أنه يصنع حسب طريقتهم الشرعية المقتضية للتذكية. الثاني: أن يكون ذلك كاشفا عن إسلام من بيده مشكوك التذكية، باعتبار أن الغالب في السوق أو البلد المسلمون فتكون هذه الغلبة في السوق أو البلد أمارة إسلام البائع: وتكون يده هي الأمارة على التذكية. الثالث: أن يكون كاشفا عن مرور المشكوك على يد مسلم، إما صنعا أو بيعا أو غير ذلك، ولو فرض أن من بيده المشكوك في السوق لم يكن بمسلم، وتكون الأمارة على التذكية تلك اليد المسلمة التي كشف إجمالا وقوع المشكوك تحت حيازتها. وتختلف هذه الاحتمالات في نتائجها. فإنه بناء على الأول منها يحكم بتذكية المشكوك في السوق أو أرض المسلمين، ولو فرض كفر صاحب اليد بل والعلم بعدم سبق يد المسلم عليه أيضا. ولا يحكم بذلك في الأخيرين كما أنه لو احتمل مرور يد المسلم وسبقها على يد الكافر حكم بالتذكية على الاحتمال الثالث، دون الثاني. ولعل المنصرف إثباتا من الروايات هو النحو الثاني، خصوصا بلحاظ ارتكازية أمارية الغلبة على إلحاق الفرد المشكوك بالأعم الأغلب، ولا أقل من احتمال هذا الانصراف الموجب للزوم الاقتصار على المتيقن. وعليه: فتكون يد المسلم هي الأمارة، والسوق أو أرض الإسلام التي يغلب فيها المسلمون هي الأمارة على الأمارة. وهنا أمور لا بد من التنبيه إليها: الأول: أنه بناء على استظهار جعل الأمارة على الأمارة من روايات الباب، تكون يد المسلم أمارة ولو لم يكن موجودا في ضمن سوق أو في


 

[ 142 ]

أرض الإسلام. نعم لو بنينا على إجمال الروايات، وعدم استظهار أحد الأنحاء الثلاثة، فيشكل ذلك، لاحتمال كون سوق المسلمين هو الأمارة ابتداء. الأمر الثاني: أن أمارية اليد على التذكية المستفادة من هذه الروايات لا إطلاق فيها يثبت: أن مجرد وقوع الشئ تحت يد المسلم وفي حيازته أمارة على التذكية ولو كان مهملا من قبله، بل لا بد من فرض نحو اعتناء لصاحب اليد بالشئ من قبيل ترتيب آثار التذكية عليه أو صنعه أو عرضه للبيع ونحو ذلك، لقصور الروايات عن شمول غير هذه الموارد. الأمر الثالث: أن يد المسلم إذا كانت مسبوقة بيد الكافر، فإن احتمل أن يكون المسلم قد أعمل عناية في التعرف على كونه مذكى شمله إطلاق الروايات، وإلا فلا، لأن ظهورها في كون ترتيب الآثار على يد المسلم من باب الأمارية يكون قرينة على تقييد إطلاقها والمنع عن شمولها لهذه الحالة، لوضوح عدم الأمارية فيها ليد المسلم رأسا. ولو جاز ترتيب الآثار على يد المسلم في هذه الحالة، لأمكن لكل شخص أن يتسلم المشكوك تذكيته من الكافر ابتداء، ثم يسلمه إلى المسلم، وبعد ذلك يتسلمه منه. أو يكلف المسلم بأن يأخذ المشكوك من الكافر، ثم يتسلمه منه. ومن الواضح أن الارتكاز العرفي - المحكم في فهم روايات الباب - يأبى عن التفكيك بين أن يأخذه المسلم مباشرة من الكافر، أو أن يكلف مسلما آخر بأخذه وهو يأخذه منه. الأمر الرابع: أن أمارية يد المسلم تشمل غير المؤمن أيضا، ممن يستحل الجلود بالدبغ ويعتبره ذكاة لها أيضا. وقد يستشكل في ذلك: تارة: بدعوى قصور الروايات عن الشمول، لأن المستحل لا كاشفية ليده عن التذكية المطلوبة، وهي ظاهرة في اعتبار اليد من باب الكاشفية. وأخرى بدعوى: وجود المقيد لإطلاقها.


 

[ 143 ]

أما الدعوى الأولى: فيدفعها أن كون الغالب في سوق المسلمين وقتئذ المسلم المستحل وندرة المؤمن قرينة عرفا على شمول إطلاق الروايات له، ولكن لا بمعنى إسقاط ظهورها في الكاشفية رأسا، بل بمعنى إعمال عناية في مقام تطبيق الكاشف على هذا المورد. وأما الدعوى الثانية فتتمثل في روايتين: الأولى: رواية أبي بصير " قال: سألت أبا عبد الله عن الصلاة في الفراء فقال: كان علي بن الحسين (ع) رجلا صردا لا يدفئه فراء الحجاز لأن دباغها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه فكان يسئل عن ذلك فقال إن أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة ويزعمون أن دباغه ذكاته " (1) وقد يناقش في الاستدلال بها بوجهين: أحدهما: أن عمل السجاد (ع) لا يدل على الحرمة بل يلائم مع التنزه. ويندفع بأن الاستدلال ليس بعمله مباشرة، بل بنقل الإمام الصادق (ع) له في مقام الجواب عن الجواز وعدمه، فيكون ظاهرا في عدم الجواز. والآخر: أن سؤال الراوي إنما هو عن جواز لبس الفرو بنحو الشبهة الحكمية لا عن حكم الشبهة الموضوعية، فيتم الظهور المذكور في نقل الإمام الصادق (ع) لعمل الإمام السجاد (ع) والجواب: أن حمل السؤال على ذلك خلاف ظاهر الجواب، لأن ظاهر الجواب الاهتمام الخاص بنقل تفصيل عمل الإمام السجاد (ع) واجتنابه عن الفرو العراقي حال الصلاة، والمنصرف عرفا من ذلك كونه دخيلا في الجواب لا مجرد استطراد. فلو حمل السؤال على استعلام حال الشبهة الموضوعية كان بيان الإمام في مقام الجواب مطابقا للسؤال، ولو حمل على الشبهة الحكمية لزم كون الجواب مقتنصا من بيان الإمام، مع اتجاه بيان


 
(1) وسائل الشيعة كتاب الصلاة باب 61 من أبواب لباس المصلي.

 

[ 144 ]

الإمام إلى جهة استطرادية، وهو خلاف الظاهر عرفا. والصحيح، بطلان الاستدلال بالرواية، لضعف سندها بغير واحد من رجالها، كمحمد ابن سليمان الديلمي وغيره. مضافا إلى تعين حملها على التنزه في مقام الجمع، بعد عدم إمكان إخراج المستحل من إطلاق روايات الجواز على ما تقدم. الرواية الثانية: ما عن عبد الرحمن بن الحجاج: " قلت لأبي عبد الله (ع): إني أدخل سوق المسلمين، أعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام، فأشتري منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها أليس هي ذكية؟ فيقول: بلى فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟. فقال: لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها ذكية. قلت: وما أفسد ذلك. قال: استحلال أهل العراق للميتة، وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكاته، ثم لم يرضوا حتى أن كذبوا في ذلك على رسول الله (ص) " (1). وهي قد يستدل بها على عدم الاعتبار بيد البايع المستحل حتى مع شهادته بذكاته. إلا أنه قد يناقش فيها - دلالة - بدعوى: أن ظاهرها عدم جواز التعهد والشهادة بأن المشكوك مذكى استنادا إلى يد المستحل أو قوله، لا الحكم ظاهرا بأنه ليس مذكى، خصوصا مع ظهور الكلام في جواز البيع، بناء على عدم جواز بيع غير المذكى. فإن تمت هذه المناقشة فهو. وإلا كفى في سقوط هذه الرواية ضعفها سندا بمحمد بن هلال. وهكذا يتضح تمامية المقتضي وعدم المانع عن شمول الروايات ليد المستحل. الأمر الخامس: أن يد غير المسلم - بعد الفراغ عن عدم أماريتها على التذكية - هل توجب حجية إخبار صاحبها بالتذكية أو لا؟ قد يستدل على الحجية بوجوه: الأول: خبر الأشعري قال كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر


 
(1) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب النجاسات.

 

[ 145 ]

الثاني (ع): " ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال إذا كان مضمونا فلا بأس " (1) بناء على أن المراد بالضمان تعهد البائع وإخباره بالتذكية. ولما كان مورد الرواية مطلقا وشاملا للبائع الكافر دلت على حجية خبر البائع الكافر أيضا. وبعد إلغاء الخصوصية عرفا يستفاد حجية خبر صاحب اليد بالتذكية مطلقا ولو لم يكن في مقام البيع، لأن النكتة المركوزة عرفا للحجية كونه صاحب يد لا كونه بائعا. وقد يقال: إن هذه الرواية مع روايات حجية يد المسلم من قبيل الشرطيتين المتحدتين جزاء المختلفتين شرطا، فلا بد من الجمع بينهما بجعل المجموع شرطا، أو بجعل الجامع بينهما شرطا (التقييد بالواو أو بأو). ويندفع ذلك: بأن التقييد بالواو غير ممكن، لوضوح روايات يد المسلم في أن حجيتها غير منوطة بالإخبار. وقد يقال: بناء على هذا بأن المتعين تخصيص هذه الرواية بروايات حجية يد المسلم، لأن هذه الرواية أعم منها. ويندفع: بأن تخصيصها بالكافر مع غلبة المسلمين وندرة الكافر في أسواقهم ليس عرفيا. ومنه يظهر وقوع التعارض. غير أن هذه الرواية ساقطة سندا بسهل ابن زياد على أن بالإمكان حمل البأس المنوط نفيه فيها بالضمان على البأس التنزيهي، جمعا بين الرواية وروايات أمارية يد المسلم. الوجه الثاني: التمسك بخبر إسماعيل بن عيسى " قال: سألت أبا الحسن (ع): عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه


 
(1) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات.

 

[ 146 ]

فلا تسألوا عنه " (1) والاستدلال به مبني على أن يكون المراد بالسؤال السؤال من البايع، فيدل ذلك على حجية شهادته لا محالة. وفيه: - مضافا إلى سقوط الرواية سندا بإسماعيل بن عيسى وغيره - سقوطها دلالة، لأن الظاهر كون المقصود من السؤال هو الفحص عن كونه مذكى أم لا، وليس مجرد تحصيل شهادة البائع وإخباره، ولا أقل من قوة احتمال ذلك الموجب للإجمال. الوجه الثالث: التمسك بسيرة المتشرعة على الاعتبار والاعتناء بشهادة صاحب اليد. وهذه السيرة المدعاة وإن كانت مقبولة في الجملة، غير أنه لا يمكن الجزم بها بنحو القضية المطلقة الشاملة لصاحب اليد الكافر أيضا. كيف وهناك قرائن في بعض الروايات تدل على تحرج الشيعة من المسلمين غير الشيعة فيما تحت أيديهم من الجلود، بل تقدم في رواية عبد الرحمن بن الحجاج ما قد يدل على عدم حجية إخبار صاحب اليد المسلم المستحل، فضلا عن صاحب اليد الكافر. الأمر السادس: قد يدعى أمارية يد الكافر على كون الشئ ميتة. ويستدل على ذلك بمفهوم قوله: " إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس "، الدال على ثبوت البأس والمحذور على تقدير كون صاحب اليد كافرا. وفيه: أن المفهوم هو انتفاء الحكم بانتفاء الشرط، أي ثبوت نقيضه لا ثبوت ضده. وعليه فلو كان المستفاد من هذه الرواية أنها بصدد جعل الأمارية لليد إذا كانت لمسلم، فمفهومها هو عدم الأمارة على التذكية في فرض كون صاحب اليد كافرا، بحيث يرجع إلى الأصول العملية في المورد، لا أمارية يد الكافر على كونه ميتة.


 
(1) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات.

 

[ 147 ]

[ وكذا ما يوجد في أرض المسلمين مطروحا إذا كان عليه أثر الاستعمال (1) ولكن الأحوط الاجتناب. (مسألة - 7): ما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في أرضهم محكوم بالنجاسة (2) إلا إذا علم سبق يد المسلم عليه (3). (مسألة - 8) جلد الميتة لا يطهر بالدبغ (4). ] (1) وجه التقييد هو دفع احتمال أن تكون فريسة حيوان فإن مجرد الطرح في أرض المسلمين لا يكون أمارة على التذكية، وإنما الأمارة هي اليد المستعملة والتي يستكشف إسلام صاحبها بغلبة المسلمين على تلك الأرض. (2) لا من جهة أمارية ذلك على العدم بل من أجل الأصول العملية، وقد عرفت أن مقتضاها الطهارة وعدم التذكية. فلا بد من التفصيل بين أثار النجاسة فلا ترتب، وآثار عدم التذكية كحرمة الأكل والصلاة فيه فترتب. (3) باعتبار أماريتها على حد أمارية يد المسلم المباشر، ولا معنى لفرض الأمارية في يد الكافر اللاحق كي يدعى تعارض الأماريتين والرجوع إلى استصحاب عدم التذكية. (4) اختلف الفريقان الإمامية ومشهور العامة في طهارة جلد الميتة بالدبغ، وقد أجمعت الإمامية على عدم طهارته بذلك، عدا ما ينسب إلى ابن الجنيد من المتقدمين، وما استنتج من الفقيه حيث نقل الصدوق رواية تدل على طهارة الميتة وباعتبار وضوح عدمها فسر بالحمل على طهارتها بالدبغ، إلا أن مثل هذه النسب لعلها لا تضر بحصول مقدار معتد به من اتفاق الطائفة. وقد يستدل على مطهرية الدبغ بروايات: منها: رواية الفقه الرضوي: " دباغة الجلد طهارته " (1) ودلالتها على مطهرية الدبغ واضحة.


 
(1) الفقه الرضوي ص 41.

 

[ 148 ]

ومنها: خبر الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن أو الماء فأشرب منه وأتوضأ؟ قال: نعم، وقال: يدبغ فينتفع به ولا يصلى فيه " (1) وهي أيضا واضحة الدلالة على الطهارة إذ لو كان نجسا بعد الدبغ لتنجس الماء أو اللبن بملاقاته. ومنها: رواية الصدوق قال: سئل الصادق (ع) عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه؟ فقال: " لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن، وتتوضأ منه وتشرب ولكن لا تصلي فيها " (2) وهي وإن كانت مطلقة من حيث الدبغ إلا أن الوضوح والتسالم على نجاسة الميتة في نفسها يكون قرينة على إرادة المدبوغ، خصوصا وأن الجلد من غير الدبغ لا يتخذ زقا للاستعمال وحفظ اللبن أو السمن فيه، هذه روايات الطهارة، والعمدة منها رواية الحسين بن زرارة لسقوط الباقي سندا. وقد عورضت هذه الروايات بطائفة أخرى من الروايات أدعي دلالتها على النجاسة من قبيل رواية محمد بن مسلم، قال: سألته عن جلد الميتة أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال: لا. وإن دبغ سبعين مرة " (3) ورواية علي بن أبي المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله (ع) جعلت فداك الميتة ينتفع بها بشئ؟ فقال: لا. قلت: بلغنا أن رسول الله (ص) مر بشاة ميتة فقال: ما كان على أهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها (بجلدها)؟ فقال: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوجة النبي (ص) وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت فقال رسول الله (ص): ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها أي تذكى (4).


 
(1) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب النجاسات. (4) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب النجاسات.

 

[ 149 ]

[ ولا يقبل الطهارة شئ من الميتات سوى ميت المسلم فإنه يطهر بالغسل (1). ] ومنها: رواية عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة، والتي جاء فيها: " إن أهل العراق استحلوا الميتة وزعموا أن دباغه ذكاته ثم لم يرضوا حتى أن كذبوا في ذلك على رسول الله (ص) ". غير أن المتيقن ثبوته بمثل هذه الروايات إنما هو نفي كون الجلد مذكى بالدبغ بحيث ترتب سائر آثار التذكية عليه بما فيها جواز الصلاة، لا نفي الطهارة عن الجلد المدبوغ، ورواية الحسين بن زرارة لا تثبت كون الجلد المدبوغ مذكى بل تثبت طهارته وجواز الانتفاع به في غير الصلاة فلا تقع طرفا للمعارضة إلا اللهم مع إطلاق المنع عن الانتفاع بالميتة في رواية علي بن أبي المغيرة الشامل بإطلاقه للجلد المدبوغ إلا أن بالإمكان حمل المنع على الكراهة جمعا إن لم يفرض التقييد، فلو لوحظت الروايات وحدها لكان إثبات نجاسة المدبوغ بها لا يخلو عن إشكال غير أن التسالم على المسألة وارتكاز موقف الطائفة منها في مقابل موقف الآخرين يوجب تعذر المصير إلى الحكم بالطهارة. (1) تمسكا بالروايات المفصلة، كرواية إبراهيم بن ميمون قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت؟ قال: إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه وإن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه، يعني إذا برد الميت " (1) فإن نفي غسل الملاقي يكون إرشادا إلى عدم نجاسة الملاقى كما يكون الأمر بغسله إرشادا إلى نجاسته. وكذلك رواية محمد بن الحسن الصفار قال: " كتبت إليه: رجل


 
(1) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات.

 

[ 150 ]

أصاب يده أو بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسل هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقع إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل " (1). وقد تضعف الرواية الأولى سندا بإبراهيم بن ميمون الذي لم يثبت توثيقه ويندفع ذلك بثبوت وثاقته لرواية البجلي عنه. وأما الرواية الثانية فقد يناقش في دلالتها على نفي النجاسة بأحد وجهين: الأول - إجمال كلمة (الغسل) وترددها بين الغسل والغسل بالمعنى الرافع للحدث، وعلى التقدير الثاني يكون مفهوم الرواية عدم وجوب غسل المس لو كان الميت مغسلا، وهو أجنبي عن محل الكلام. وهذه المناقشة يمكن دفعها، باستظهار إرادة الغسل الخبثي لا الحدثي من الكلمة، بقرينة أن السائل إنما سأل عن غسل اليدين والبدن، ولا بد من حمل الجواب على معنى يكون معه مطابقا للسؤال. الثاني - إنكار المفهوم في الرواية، لأن الشرطية مسوقة لتحقق الموضوع وهو أصل الإصابة، فلا دلالة فيها على نفي لزوم الغسل في فرض إصابته بعد الغسل. ويرد عليه أن الشرط هو الإصابة الخاصة الواقعة قبل تغسيل الميت، وفرض عدمها في طرف المفهوم يلائم مع الإصابة بعد الغسل، فلا يكون النفي بلحاظ ذلك من السالبة بانتفاء الموضوع بل يتم المفهوم، هذا مضافا إلى إمكان التمسك بمفهوم القيد والوصف لقوله " قبل أن يغسل " لأن أخذ القيد ولو بنحو الوصف يدل على الانتفاء عند الانتفاء ولو في الجملة، وحيث لا نحتمل فقهيا الفرق في حالات ما بعد التغسيل يثبت المطلوب. وإضافة إلى كل ذلك يمكن فهم الحكم بطهارة الميت المغسل عرفا


 
(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب غسل المس.

 

[ 151 ]

[ (مسألة - 9) السقط قبل ولوج الروح نجس، وكذا الفرخ في البيض (1). ] من نفس أدلة تغسيل الميت على ما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى. (1) لا إشكال في نجاسة السقط بعد ولوج الروح، وكذا الفرخ في البيض، لكونه ميتة، وإنما الكلام فيهما قبل ولوج الروح، وقد أفتى الماتن (قده) بالنجاسة فيهما أيضا. ويمكن أن يقرب ذلك بأحد وجوه: الأول: التمسك بمطلقات نجاسة الميتة بدعوى صدقها عليهما عرفا وذلك بتقريب أن الموت هو عبارة عن فقد الحياة بمعناها الأعم الشامل للحياة الشأنية القريبة من الفعل أيضا الموجودة في هذا السقط قبل سقوطه وهذا أحسن من تقريب المقصود بدعوى أن التقابل بين الموت والحياة تقابل العدم والملكة فالموت هو عدم الحياة فيما من شأنه الحياة، فلا يشترط في صدق عنوان الموت سبق الحياة، إذ ما لم تعمم الحياة للحياة الشأنية لا يمكن الالتزام بذلك، وإلا للزم صدق عنوان الميتة على الجنين قبل أن يكون سقطا أيضا لعدم الحياة الفعلية فيه، ومع تعميم الحياة للشأنية لا يتوقف تتميم المدعى على إنكار دخل الحياة السابقة وارتفاعها في عنوان الموت كما هو واضح. وهذا الوجه وإن كان متينا صغرى لكنه ممنوع كبرى، إذ لا يوجد لدينا مطلقات تدل على نجاسة كل ميتة كي يرجع إليها، وإنما هي روايات متفرقة في موارد مختلفة كلها من الموت بعد ولوج الروح وفعليتها، واحتمال الفرق بينها وبين المقام موجود عقلا وعرفا. ودعوى التمسك بإطلاق كلمة الجيفة في رواية حريز عن الصادق


 

[ 152 ]

عليه السلام: " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب " (1) حيث دلت بإطلاقها على نجاسة كل جيفة وهو شامل للجنين الذي لم تلجه الروح، مدفوعة: بأن هذه الرواية ليست مسوقة لبيان نجاسة الميتة، وإنما هي مسوقة لبيان حكم آخر هو اعتصام الماء وعدم انفعاله إلا بالتغير فلا يكون في مقام البيان من ناحية النجاسة ليتمسك بإطلاقها، ولذا عبر بالجيفة وهو عنوان كما ينطبق على الميتة ينطبق على المذكى الطاهر أيضا. الثاني: التمسك بروايات الحبالة الدالة على نجاسة القطعة المبانة من الحي، بدعوى أن السقط قبل الولوج قطعة مبانة من الحي عرفا فتشمله رواياتها. وفيه: أن السقط قبل الولوج - فضلا عن الفرخ - نسبته إلى أمه نسبة البيض إلى الأصل لا نسبة الجزء المفصول من الحي إلى أصله، وروايات القطعة المبانة كلها واردة فيما يكون من قبيل الثاني والتعدي منه إلى المقام مما لا يحتمله العقل ولا العرف، ولو سلمت جزئية السقط فلا إطلاق في روايات القطعة المبانة لمثل ذلك الجزء. الثالث: الاستدلال بالحديث المستفيض " ذكاة الجنين ذكاة أمه " (2) بتقريب أنها تدل على أن الجنين يكتسب من أمه عنوان الذكاة والميتة فإذا ماتت الأم حتف أنفها كان الجنين ميتة أيضا، وبما أنه لا يحتمل الفرق بين جنين ماتت أمه وبين غيره فقهيا بل ولا عرفا يحكم بنجاسته مطلقا. وبتقريب آخر أن قوله (ع) " ذكاة الجنين ذكاة أمه " ينحل إلى قضيتين إحداهما مقدرة وهي أن الجنين بحاجة إلى التذكية، والثانية مصرح


 
(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 18 من أبواب الذبائح.

 

[ 153 ]

[ (مسألة - 10): ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة على الأقوى وإن كان الأحوط غسل الملاقي، خصوصا في ميتة الإنسان قبل الغسل (1). ] بها وهي أن تذكيته بتذكية أمه لا بذبحه مستقلا بالنحو المخصوص، فيستدل بالقضية الأولى على أن الجنين ما لم يذك ولو بذكاة أمه يعتبر ميتة. ويرد على التقريب الأول أن غاية ما تدل عليه الرواية أن ذكاة الجنين إنما تحصل بذكاة أمه، فمع عدم تذكية الأم لا يكون الجنين مذكى، لكن ذلك لا يكفي لإثبات كونه ميتة لأن كون شئ ميتة يتقوم بموته وعدم تذكيته معا، والكلام في المقام إنما هو في صدق عنوان الموت وعدمه، لا في حصول التذكية له مع الفراغ عن كونه ميتا. ويرد على التقريب الثاني أن القضية الأولى المقتنصة لما لم يكن الحديث مسوقا لبيانها فلا يمكن التمسك بإطلاقه من هذه الناحية، فلا يستفاد من الرواية عرفا سوى قضية شرطية وهي أن الجنين كلما احتاج إلى تذكية، فذكاته ذكاة أمه، وليس متعرضا مباشرة لإثبات حاجة الجنين إلى التذكية ليتمسك بإطلاقه من هذه الناحية. (1) تارة: يتكلم في ملاقاة ميتة غير الإنسان بلا رطوبة مسرية. وأخرى: في ملاقاة ميتة الإنسان. أما ميتة غير الإنسان، فقد يدعى إطلاق روايات الغسل منها لصورة الجفاف أيضا من قبيل رواية عمار: " اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ " (1) ورواية قاسم الصيقل قال: " كتبت إلى الرضا (ع): أني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي، فأصلي فيها؟ فكتب (ع): اتخذ ثوبا لصلاتك " (2)


 
(1) وسائل الشيعة باب 53 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 49 من أبواب النجاسات.

 

[ 154 ]

وفيه: أن ارتكازية عدم السراية مع الجفاف عرفا ومتشرعيا تصلح أن تكون كالقرينة المتصلة بالخطاب الصارفة له سؤالا وجوابا إلى فرض الرطوبة، بعد افتراض أن الأمر بالغسل إرشاد إلى النجاسة وليس أمرا تعبديا. ثم إنه ربما يمنع عن الإطلاق المذكور - على فرض تماميته في نفسه - بمثل صحيحة علي بن جعفر: " عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل يصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟. قال: ليس عليه غسله، وليصل فيه، ولا بأس " (1)، وموثقة ابن بكير: " كل يابس ذكي " (2). أما الصحيحة فلو فرض إطلاقها كانت معارضة مع المطلقات السابقة، فإما أن يحكم بتساقطهما والرجوع بعد ذلك إلى ما دل على سراية النجاسة من الميتة في صورة الرطوبة، أو يقال بانقلاب النسبة بينها - بعد إخراج صورة الرطوبة منها - وبين المطلقات المتقدمة، فتقيد بها، وتكون النتيجة هو التفصيل بين صورتي الجفاف والرطوبة أيضا، بناء على كبرى انقلاب النسبة. إلا أن في النفس من إطلاقها شيئا، فإن ما أشرنا إليه من ارتكازية عدم السراية مع الجفاف عرفا يتحكم فيها أيضا، ويصرف السؤال إلى فرض الرطوبة، بحيث لا يمكن تخصيص نظر السائل فيها بفرض الملاقاة مع الجفاف. ومعه تكون الرواية من أدلة طهارة الميتة. ولا بد حينئذ من إعمال قواعد التعارض بينها وبين أدلة نجاستها. وأما الرواية الثانية، فهي وإن كانت بحسب اللفظ أعم من وجه مع المطلقات المتقدمة، إلا أنها تتقدم: إما بنكتة النظر والحكومة، حيث أنها تفترض الفراغ عن ثبوت النجاسة والسراية بنحو القضية المهملة، وتستثنى منها صورة اليبوسة. أو باعتبارها عموما أداتيا، فيتقدم على


 
(1) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 31 من أحكام الخلوة.

 

[ 155 ]

الإطلاق الحكمي. غير أن الاستناد إلى هذه الرواية للمنع عن تلك المطلقات في غير محله أيضا، لأنه موقوف على أن يكون النظر فيها إلى نفي المحذور في صورة الملاقاة مع الجفاف، وهو خلاف الظاهر، فإن الرواية جاءت بالنحو التالي: " قلت لأبي عبد الله (ع): الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط؟ قال: كل شئ يابس ذكي ". وكما يمكن أن يكون نظر السائل إلى الاستفهام عن سراية النجاسة من اليابس، كذلك يمكن أن يكون نظره إلى التعرف على مطهرية المسح بالحائط وكونه استنجاء شرعيا، خصوصا بعد معروفية الفتوى بكفاية المسح بالأحجار إلى حد الإنقاء في موضعي البول والغائط معا بين العامة، فيكون الجواب ظاهرا في طهارة الموضع، ولا أقل من احتمال ذلك على نحو يوجب الإجمال. فالأولى الاستناد في الحكم بعدم لزوم غسل الملاقي مع الجفاف إلى ما قلناه من عدم تمامية الإطلاق في نفسه. وأما ملاقي ميتة الإنسان مع الجفاف - فبعد الفراغ عن نجاستها قبل الغسل، وتنجيسها لملاقيها على حد سائر النجاسات - ربما يدعى أشديتها في النجاسة من غيرها، بحيث يجب غسل ملاقيها مع الجفاف أيضا، وذلك: إما استنادا إلى إطلاق بعض روايات النجاسة، كرواية الحلبي: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت؟ فقال: يغسل ما أصاب الثوب " (1) أو استظهارا من التوقيعين الواردين فيما إذا مات الإمام أثناء الصلاة وزحزح عن محله، وأنه " ليس على من مسه إلا غسل اليد " (2) مع وضوح أن الغالب في مثل هذه الفروض الجفاف وعدم الرطوبة، على


 
(1) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب غسل الميت.

 

[ 156 ]

[ (مسألة - 11): يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده، فلو مات بعض الجسد ولم تخرج الروح من تمامه لم ينجس (1). ] نحو لا تصلح رواية ابن بكير لتقييدها بصورة الرطوبة بملاك الحكومة، لو سلمت عن المناقشة في نفسها، لأن ندرة فرض الرطوبة تجعل هذا التقييد غير عرفي. كما أنه مع الندرة المذكورة لا يفيد ارتكاز عدم سراية النجاسة مع الجفاف في التقييد، بل يكون ظهور التوقيعين ردعا عن الارتكاز المذكور. وفيه: أن كلا المستندين غير تام. إذ رواية الحلبي، لو فرض استفادة النجاسة منها لا غسل ما يعلق بالثوب من الميتة - وقد تقدم الكلام عن ذلك في بحث نجاسة ميتة الإنسان - فذلك بملاك استظهار أن الإصابة توجب سراية أثر من النجس إلى ملاقيه بحسب النظر العرفي يتخلص منه بالغسل، ومن الواضح أن ذلك لا يكون إلا مع فرض الرطوبة دون الجفاف. وأما التوقيعان فهما ساقطان سندا، مضافا إلى أنه لو تم سندهما، وسلمنا عدم إمكان تقييدهما بفرض الرطوبة وظهورهما عرفا في فرض الجفاف باعتباره الفرض المتعارف - يصبح ارتكاز عدم سراية النجاسة مع الجفاف قرينة على كون الأمر بالغسل تعبديا، على نحو يوجب ظهوره في ذلك أو سقوط ظهوره في النجاسة على أقل تقدير. (1) إذ مطلقات نجاسة الميتة من الحيوان لا تشمل الجسم الذي مات بعضه، لأنه ليس بحيوان ميت. كما لا تشمل الجزء الفاقد للحياة منه أيضا وإنما حكمنا بنجاسة الجزء المبان لروايات خاصة، وهي واردة في صورة الانفصال ولا يمكن التعدي منه إلى فرض بقاء الجزء متصلا بما فيه الحياة، فيحكم بطهارته على القاعدة.


 

[ 157 ]

[ (مسألة - 12): مجرد خروج الروح يوجب النجاسة، وإن كان قبل البرد، من غير فرق بين الإنسان وغيره (1). نعم وجوب غسل المس للميت الإنسان مخصوص بما بعد برده. ] (1) لا إشكال في وجود الإطلاق في دليل نجاسة الميتة لما قبل البرد، غير أنه توهم دلالة بعض الروايات على عدم نجاسة ميتة الإنسان بالخصوص قبل برده، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: " مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس فيها بأس " (1) والاستدلال بالفقرة الأولى منها بتقريب: أن المقصود من المس عند الموت هو المس في اللحظات الأولى بعد الموت التي هي لحظات ما قبل البرد عادة، ولا يراد منه مسه في لحظات النزع وقبل الموت، لأنه فرض أن المس مس للميت الذي لا يكون إلا مع استقرار الموت. وقد نفى الإمام (ع) البأس عنه مطلقا غسلا وغسلا، فيدل على عدم النجاسة، وإلا كان لا بد من الأمر بالغسل في صورة الرطوبة. والغريب أن السيد الأستاذ - دام ظله - أجاب على الاستدلال بهذه الرواية بأنها مطلقة شاملة لصورتي الجفاف والرطوبة، فنقيدها بصورة الجفاف، بمثل رواية الحلبي المتقدمة في غسل ما أصاب الثوب من الميت المختصة بصورة الرطوبة، انصرافا أو بعد تقييدها بما دل على أن كل يابس ذكي (2) مع أن مثل رواية الحلبي لا تكون أخص مطلقا من الصحيحة، حتى لو اختصت بفرض الرطوبة انصرافا، لأنها مطلقة من ناحية ما قبل البرد وما بعده، والصحيحة مخصوصة بفرض ما قبل البرد، فالنسبة عموم


 
(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب غسل المس. (2) التنقيح ج 1 ص 495.

 

[ 158 ]

[ (مسألة - 13): المضغة نجسة (1) وكذا المشيمة (2) ] من وجه. فلو فرض تمامية دلالة الصحيحة كان لا بد من إيقاع التعارض بينها وبين ما دل على النجاسة، ثم التساقط والرجوع إلى قاعدة الطهارة أو تقديم الصحيحة بملاك النظر والحكومة المستفادة من لسان الاستثناء فيها إلا أن الشأن في أصل دلالتها على نفي النجاسة، لقوة احتمال أن تكون الجهة المنظور فيها هو المحذور في مس الميت بما هو مس، المستوجب لحكم الغسل، وهو الذي كثر السؤال عنه في الروايات، ولذلك لم تفرض الرطوبة فيها أيضا، مع أنها شرط في السراية لو كان الملحوظ حيثية الخبث والنجاسة. وقد يستدل على الطهارة قبل البرد بما ورد في ذيل رواية إبراهيم ابن ميمون المتقدمة، الآمرة بالغسل من قوله " يعني إذا برد الميت " فإن ذلك يدل على عدم لزوم الغسل قبل البرد، وهو دال على الطهارة، ولا يضر عدم ورود الذيل المذكور في أحد طريقي الكليني للرواية، لأن الطريق الذي تجرد فيه متن الرواية عن هذا الذيل ضعيف بسهل بن زياد، بخلاف الطريق المشتمل على الذيل. إلا أن هذا إنما يتم لو سلم أن هذا الذيل جزء من الرواية، وليس من الراوي بلحاظ كلمة: (يعني)، التي توجب على الأقل الاحتمال الموجب للإجمال على نحو يسقط الاستدلال. فالصحيح: ما عليه المشهور - وأفتى به الماتن (قده) - من عدم الفرق في النجاسة بين ما قبل البرد وبعده. (1) المضغة: مرحلة من مراحل تكون الجنين، وهي تدخل تحت مسألة السقط قبل ولوج الروح والحكم بنجاستها مبني على الحكم بنجاسته. (2) وهي كيس يدخل فيه الجنين، أو برقع على وجهه، والحكم


 

[ 159 ]

[ وقطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل. (مسألة - 14): إذا انقطع عضو من الحي وبقي معلقا متصلا به طاهر ما دام الاتصال، وينجس بعد الانفصال. نعم لو قطعت يده مثلا وكانت معلقة بجلدة رقيقة فالأحوط الاجتناب (1). ] بنجاسته مبني: إما على القول بكونه جزء من الأم، فيكون من القطعة المبانة من الحي. أو على القول بكونه جزء من الجنين فينجس أيضا بناء على القول بصدق الميتة عليه لو مات. وكلا الأمرين محل تأمل. لأن نسبتها إلى الأم كنسبة البيضة إلى الدجاجة، وإلى الجنين نسبة الظرف إلى المظروف، لا الجزء إلى الكل، فيشكل التمسك فيها بأدلة النجاسة، لا بروايات نجاسة الميتة لعدم صدقها مستقلا عليه، ولا بروايات القطعة المبانة. نعم لو انفصلت عن الأم قطعة لحم من بدنها مع الطفل، فلا إشكال في شمول روايات القطعة المبانة لها. (1) الحكم بالطهارة في العضو غير المنفصل إذا اعتبر جزء من الحي واضح، فإنه ليس ميتة مستقلا، ولا تشمله روايات القطعة المبانة. وأما العضو المقطوع بنحو لا يعد جزء من الحي فالحكم بنجاسته مبني على القول بعدم الفرق بينه وبين مورد روايات الحبالة والقطعة المبانة، وهو مما لا جزم به في أكثر الفروض، وعليه فلا فرق بين صورتي اعتبار المنقطع جرءا من الحي وعدمه، إلا من ناحية إمكان إثبات الطهارة في صورة كونه جزءا من الحي بالدليل الاجتهادي الدال على طهارة ذلك الحيوان الشامل بإطلاقه لتمام أجزائه. اللهم إلا أن يمنع ذلك أيضا بدعوى: أن نظر ذلك الدليل الاجتهادي إلى نفي النجاسة الذاتية للحيوان، لا إلى نفي


 

[ 160 ]

[ (مسألة - 15): الجند المعروف كونه خصية كلب الماء، إن لم يعلم ذلك، واحتمل عدم كونه من أجزاء الحيوان فطاهر وحلال. وإن علم كونه كذلك فلا إشكال في حرمته. لكنه محكوم بالطهارة لعدم العلم بأن ذلك الحيوان مما له نفس سائلة (1). (مسألة - 16): إذا قطع سنه أو قص ظفره فانقطع منه شئ من اللحم، فإن كان قليلا جدا فهو طاهر (2)، وإلا فنجس. ] النجاسة المحتملة بملاك خروج الروح. (1) الجند: مادة تستعمل في طبخ بعض الحلويات، ولا يعلم أنه الجند الحقيقي الذي هو خصية كلب الماء. ومع الشك يحكم بالطهارة والحلية تمسكا بالأصول العملية. وأما إذا علم كونه من كلب الماء فيبنى على حرمته وعدم نجاسته. أما الحرمة فلعدم حلية كلب الماء، بل الجند - باعتبار خصيته - حرام حتى لو كان من مأكول. وأما عدم النجاسة فلعدم المقتضي له، لا من ناحية الكلبية، ولا من ناحية الميتة. إذ الكلب النجس هو البري خاصة، والميتة إنما تكون نجسة لو كانت مما له نفس سائلة، والحيوانات البحرية ادعي كونها قاطبة مما لا نفس سائلة لها، والشك كاف في جريان الأصول العملية المؤمنة. (2) لاختصاص دليل النجاسة بغير الأجزاء الصغار، على ما تقدم شرحه، بل وتقدم أن الجزء الصغير لا يمكن الجزم باندراجه في دليل النجاسة حتى لو كان لحميا، لأنه موقوف على إلغاء خصوصية الحجم في مورد روايات الحبالة والقطعة المبانة من الحي، وهو مما لا جزم بإلغائه عرفا.


 

[ 161 ]

[ (مسألة - 17): إذا وجد عظما مجردا وشك في أنه من نجس العين أو من غيره يحكم عليه بالطهارة (1). حتى لو علم أنه من الإنسان، ولم يعلم أنه من كافر أو مسلم (2). ] (1) وذلك تمسكا بالأصول المؤمنة، وإن كان التمسك بقاعدة الطهارة بالخصوص في المقام مبنيا على القول بجريانها في موارد كون النجاسة المحتملة ذاتية، وقد تقدم الكلام في ذلك. (2) تمسكا بقاعدة الطهارة ونحوها من الأصول المؤمنة، غير أنه قد يقرب الحكم بالنجاسة بوجوه: الأول: إجراء استصحاب عدم الإسلام إما بدعوى: أن موضوع النجاسة هو من لم يكن مسلما أو بدعوى: أن موضوع النجاسة هو الكافر، والكفر أمر عدمي يقابل الإسلام بتقابل التناقض فيمكن إثباته بالاستصحاب. أو بدعوى: أن الكفر مقابل للإسلام تقابل العدم والملكة، فهو مركب من عدم وملكة، والملكة محرزة وجدانا والعدم محزر بالاستصحاب، فيثبت الكفر الذي هو موضوع النجاسة. ويرد عليه: أن الاستصحاب المذكور لا يثبت النجاسة، إذ لم ترتب النجاسة في أدلتها - على تقدير تماميتها - إلا على الكافر، والكفر عنوان ثبوتي متحصل من العدم والملكة، فلا يثبت باستصحاب العدم إلا بنحو مثبت، كما لا يثبت عنوان العمى باستصحاب عدم البصر. وليس العدم والملكة مأخوذين بنحو التركيب لكي يمكن إحراز أحدهما بالوجدان والآخر بالتعبد، لأن ذلك خلف وحدة المفهوم. الثاني: إثبات نجاسته من جهة الموت، باستصحاب حكمي أو موضوعي وذلك: أن الميت نجس قبل غسله، والدليل إنما دل على ارتفاع النجاسة بغسل ميت المسلم، وحيث يشك في كونه من مسلم أو كافر فيجري استصحاب بقاء النجاسة المقطوعة بعد الموت، بل ويجري استصحاب عدم


 

[ 162 ]

[ (مسألة - 18): الجلد المطروح إن لم يعلم أنه من الحيوان الذي له نفس أو من غيره كالسمك - مثلا - محكوم بالطهارة (1). (مسألة - 19): يحرم بيع الميتة (2)، لكن الأقوى جواز الانتفاع فيما لا يشترط فيه الطهارة. ] كونه مسلما لنفي طهارته بالغسل أيضا، وبذلك ينقح موضوع النجاسة بملاك الموت بقاء، وإن لم يمكن إثبات النجاسة بملاك الكفر. وهذا التقريب صحيح لولا بطلان مبناه، حيث تقدم في أبحاث الميتة طهارة ما لا تحله الحياة من الأجزاء ومنها العظم. الثالث: أن يقال: إن العظم يعلم أنه لاقى مع الرطوبة الأجزاء التي تحلها الحياة من بدن ذي العظم، وهذا يكفي في الحكم بنجاسته ولو عرضا ولا مطهر إلا الغسل الواقع على المسلم، والمفروض نفي إسلام ذي العظم بالاستصحاب، ومعه لا مجال لقاعدة الطهارة. ويرد عليه: أن النجاسة العرضية للعظم معلومة العدم فعلا، لأن ذا العظم إن كان كافرا فالعظم نجس ذاتا، وإلا فهو طاهر فعلا لوقوع الغسل المطهر عليه، فلا يمكن إثبات النجاسة العرضية له بالتعبد الاستصحابي. (1) قد تقدم البحث عن هذا الفرع في فروض الشك في كون الحيوان مما له نفس أم لا. (2) الصحيح هو جواز بيعها، حيث تكون لها فائدة محللة عقلائية. لأن ما يستدل به على الحرمة بين ما يكون ضعيف السند أو الدلالة، وبين ما هو مبتلى بالمعارض. وحتى رواية البزنطي الواردة في إليات الغنم المقطوعة (1) - والتي عبر عنها في بعض الكلمات بالصحيحة - ليست تامة السند، لأنها


 
(1) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب ما يكتسب به.

 

[ 163 ]

[ الخامس: الدم من كل ما له نفس سائلة، إنسانا كان أو غيره، كبيرا أو صغيرا (1). ] مروية بطريقين أحدهما: ابن إدريس في مستطرفات سرائره عن جامع البزنطي والآخر: الحميري في قرب الإسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي ابن جعفر عن أخيه. والأول ضعيف بعدم معلومية طريق ابن إدريس إلى كتاب الجامع، والثاني ضعيف بعبد الله بن الحسن. وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله من المكاسب المحرمة. (1) يقع البحث عن نجاسة الدم في جهتين: الجهة الأولى: في إثبات نجاسته بنحو القضية المهملة. وهي رغم كونها من الوضوح الفقهي على مستوى الضروريات قد استدل عليها بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا، أو لحم خنزير فإنه رجس، أو فسقا أهل لغير الله به... " (1). بناء على رجوع التعليل بالرجس إلى كل ما سبقه من العناوين لا خصوص لحم الخنزير، وكونه بمعنى النجاسة أو ما يساوقها. وكلا الأمرين محل منع. أما الأول: فلأنه لا يمكن الجزم برجوع التعليل إلى غير لحم الخنزير من العناوين، لو لم يستقرب من موضعه في السياق ظهوره في ذلك باعتبار إيراده قبل إكمال تمام العناوين، خصوصا وقد كان لحم الخنزير موضع الخلاف بين أصحاب الديانات. وأما الثاني: فقد يمنع عنه بدعوى: أن الرجس معنى يطلق على


 
(1) الأنعام 145.

 

[ 164 ]

الفعل أيضا، كما في قوله تعالى: " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان "، والنجاسة لا يوصف بها إلا الأعيان. غير أن هذا الوجه للمنع غير سديد، إذ مضافا إلى أن مجرد استعمال الكلمة في معنى لا يمكن اتخاذه دليلا على معناها الحقيقي، لا شاهد في الآية على إطلاق الرجس على الفعل، لقوة احتمال أن يكون المراد من الميسر والأنصاب والأزلام آلاتها وأدواتها، كالأصنام والكعاب المستعملة في الرهان، وقد فسرت بذلك أيضا في بعض الروايات. مع أنه لو فرض إطلاق الكلمة بمعنى يصح انطباقه على الفعل فغايته أنها ذات معنى قابل لاتصاف الفعل والعين معا به، وهو الأمر المستقبح والمستنكر، كما فسر به في اللغة. ويكون استفادة الاستقذار منه حينما يطلق على العين، باعتباره المساوق مع ذلك المعنى في العين بحسب المناسبات. والصحيح في المنع أن يقال: أن كلمة الرجس لم يثبت لها وقتئذ حقيقة شرعية في النجاسة الشرعية الحكمية، كي تحمل عليه الآية، وإنما غاية ما يمكن افتراضه أنه إخبار عن القذارة التكوينية الثابتة عرفا أيضا في هذه العناوين، فلا يمكن أن يستدل بالآية على النجاسة الشرعية الحكمية وهذا تشكيك قد أبرزناه حتى في كلمة النجس المستعملة في صدر الإسلام كما في قوله تعالى " إنما المشركون نجس... ". وأما السنة، فقد ادعي تواترها واستفاضتها على نجاسة الدم. وهي وإن كانت - جلا أو كلا - ليست في مقام بيان أصل النجاسة، وإنما تبين أحكاما طولية متفرعة على النجاسة، إلا أنها تكفي لإثبات القضية المهملة على كل تقدير. وأما الإجماع فتوى وعملا، فلا إشكال في ثبوته على القضية المهملة أيضا. الجهة الثانية: في نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة في عموم أو إطلاق


 

[ 165 ]

يصلح للرجوع إليه في موارد الشك. والصحيح في هذه الجهة: هو عدم إمكان إثبات النجاسة للدم بنحو القضية المطلقة، لأن المعتبر من روايات الباب على قسمين: الأول: ما ورد في موارد خاصة، كدم الرعاف، والحكة، والقروح والجروح، ونحوها. ومن الواضح عدم الإطلاق فيها إلا بمقدار ما يلغي العرف من خصوصيات المورد ويساعد على التعدي. الثاني: ما ورد الحكم فيه على عنوان الدم بقول مطلق، ولكنه في سياق بيان ما يتفرع على نجاسته من الآثار، كروايات بطلان الصلاة نسيانا أو جهلا في الدم، أو مع العلم إذا كان أكثر من درهم. وكذلك روايات نزح البئر لو وقع فيه الدم. وكل تلك الروايات لا إطلاق فيها لعدم كونها في مقام البيان من ناحية أصل النجاسة، وإنما هي - بعد الفراغ عن أصل النجاسة - في مقام بيان حدود المانعية في الصلاة أو الاعتصام في البئر، أو غيرهما من الأحكام المتفرعة. وقد حاول السيد الأستاذ (دام ظله): استفادة القضية المطلقة من رواية عمار الساباطي، قال: " سئل عما تشرب منه الحمامة؟ فقال: كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب. وعن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب " (1)، لورودها في الدم بقول مطلق، فتصلح أن تكون مرجعا في مورد الشك. والتحقيق: أن السؤال ليس فيه أي ظهور في كون الحيثية المسؤول عنها هي حكم الدم نجاسة وطهارة، إذ لم يذكر الدم في السؤال أصلا


 
(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب الأسئار.

 

[ 166 ]

بل الحيثية الملحوظة إما: كون الباز والصقر في معرض التنجس بالدم والميتة ونحوهما، بعد الفراغ عن نجاسة هذه الأشياء في نفسها، فاقتضت هذه المعرضية السؤال عن سؤرها، وإما: الشك في جواز استعمال سؤرها في نفسه لاحتمال وجود حزازة في سؤر هذه الحيوانات، كما يناسب صدر الرواية المتكفل للسؤال والجواب بشأن سؤر الحمامة. فعلى الأول: يكون أصل نجاسة الدم مفروغا عنها في السؤال، ويكون الجواب متجها إلى علاج حكم المعرضية، فلا يصح التمسك بالإطلاق فيه من ناحية نجاسة الدم في نفسه. وعلى الثاني: يكون الإمام في مقام نفي الحزازة عن سؤر هذه الحيوانات، غير أنه التفت أيضا إلى محذور الدم فبين عدم جواز استعمال الماء مع رؤية الدم على منقار الطائر. والرؤية المذكورة إذا حملناها على الطريقية الصرفة كان موضوع عدم الجواز هو وجود الدم على منقار الطائر وكان عدم الجواز حكما واقعيا. فقد يدعى حينئذ إطلاقه المقتضي لنجاسة كل دم إلا ما خرج بالتخصيص. وأما إذا حملناها على الموضوعية، كان موضوع عدم الجواز العلم بالدم، وموضوع الجواز عدم العلم بالدم، لا عدم الدم واقعا، وهذا يناسب مع حمل الجواز - إثباتا ونفيا - على الوظيفة الفعلية، لا الحكم الواقعي. وحيث إن من الوضح أن مجرد إحراز الدم لا يكفي لترتب الوظيفة الفعلية بعدم الجواز، لأن الدم بعضه طاهر كما علمنا من الأدلة الخارجية، فلا بد من الالتزام بتقييد العلم بالدم بالعلم بكونه من القسم النجس أو بأن المولى جعل وجوده على منقار الطائر المفترس أمارة شرعية على كونه من النجس. والأول يستلزم التقييد بفرد نادر، لأن كون الدم من القسم النجس وإن لم يكن نادرا، ولكن العلم بذلك في مثل مورد الرواية نادر عادة، فيتعين الثاني. ومعه يتعذر الاستدلال بإطلاق الرواية على النجاسة الواقعية لكل دم، لأنه يفترض وجود دم طاهر ودم نجس ويكون الكلام


 

[ 167 ]

مسوقا لبيان الأمارة على أحدهما، لا لبيان نجاسة الدم واقعا. ويلاحظ بهذا الصدد: أن السيد الأستاذ (دام ظله) - رغم حمله للرواية على النظر إلى أمارية وجود الدم في المنقار على كونه من النجس - استفاد منها الدلالة على نجاسة الدم مطلقا، مع أن النظرين متهافتان. وقد يدعى: أن مجئ الدم مطلقا في كلام السائلين والرواة، قرينة على ارتكازية نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة في أذهانهم. ويندفع ذلك: بأن جل الروايات - كما عرفت - متجهة إلى أحكام ثانوية، بعد الفراغ عن أصل نجاسة الدم، وفي مثل ذلك لا يريد الراوي بكلمة الدم إلا مجرد الإشارة إلى ما يعهد نجاسته، فلا يكشف ذكر الكلمة بلا قيد عن الارتكاز المذكور، خصوصا أن طهارة بعض أقسام الدم - كالدم المتخلف - من الواضحات، عملا وسيرة، فمن البعيد افتراض ارتكاز خلافه. وعليه فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن وهو ما دلت عليه الروايات، وما يمكن التعدي عرفا وإسراء حكم الروايات إليه. وفي غير ذلك يكون مقتضى الأصل هو الطهارة. ثم إنه ربما يتوهم دلالة بعض الروايات على طهارة الدم، بحيث يخيل معارضتها مع روايات النجاسة. من قبيل رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سمعته يقول: لو رعفت دروقا، ما زدت على أن أمسح مني الدم وأصلي " (1) والدروق: اسم مقدار. حيث إنها بإطلاقها الشامل لما إذا كان الدم أكثر من درهم بحيث يجب التطهير منه، دلت على كفاية مسح الدم، مع العلم بعدم كفاية زوال العين في التطهير، فيكون ذلك دليلا عرفا على طهارة الدم، إذ عدم نجاسة الملاقي دليل على طهارة الملاقى بعد ارتكازية السراية.


 
(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب نواقض الوضوء.

 

[ 168 ]

إلا أن الظاهر - أو المحتمل بنحو يوجب الإجمال على أقل تقدير - أن النظر في هذا الحديث إلى مسألة ناقضية الرعاف للوضوء التي كانت مسألة معنونة في الفقه العام، وكانت هناك فتوى عامية فيها بالناقضية وقد ردع عنها الأئمة (ع) بهذه الرواية وأمثالها. وعليه فلا يكون قيد المسح مذكورا فيها قبال الغسل، بل قبال لزوم الوضوء والإعادة. أضف إلى ذلك: أن الرواية لو كانت غير ناظرة إلى تلك المسألة فغايته الإطلاق لما إذا كان الدم أكثر من درهم، وهذا لا ينافيه عنوان الدروق، فإن دم الرعاف يأتي تدريجا لا دفعة، بحيث يمكن فيه التحفظ عن الإصابة بأكثر من درهم. ومعه يمكن التصرف فيها بقرينة الأدلة الصريحة في النجاسة، إما بحمل عنوان المسح فيها على أنه في مقابل الوضوء لا الغسل، أو بتقييدها بما إذا كان أقل من الدرهم ويكون ذكر المسح من أجل التحرز عن التلوث بالدم. إلا أن التصرف الأخير مبني على القول بالعفو عن التنجس بالدم الأقل من الدرهم مع زوال العين. ومن هذه الروايات ما نقله الحسن بن علي الوشا قال: " سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: كان أبو عبد الله (ع) يقول: في الرجل يدخل يده في أنفه فيصيب خمس أصابعه الدم قال: ينقيه ولا يعيد الوضوء " (1). حيث لم يؤمر فيها بالغسل من الدم، فيكشف عن عدم نجاسته. إلا أن هذه أوضح من سابقتها في ورود المناقشة الأولى فيها، حيث صرح فيها بعدم إعادة الوضوء، كما إن التنقية بمعنى التنظيف الصادق على الغسل أيضا، فلا يمكن أن يكون في قباله حتى يستفاد منها عدم لزوم الغسل، بل عنوان التنقية والتنظيف بنفسه دال على قذارة ما ينقى عنه كما هو واضح، فهي على النجاسة أدل.


 
(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب نواقض الوضوء.

 

[ 169 ]

ومن هذه الروايات أيضا رواية عبد الأعلى عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته: عن الحجامة أفيها الوضوء؟ قال: لا، ولا يغسل مكانها، لأن الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه ولم يكن صبيا صغيرا " (1) حيث اكتفى فيها بالتنظيف، ولم يلزم بالغسل خاصة. إلا أن هذه الرواية أوضح من السابقة في كونها من روايات النجاسة لا الطهارة، لأن المراد من التنظيف فيها الغسل والمنفي لزومه إنما هو غسل نفس الإنسان لموضع حجامته في مقابل غسل الحجام، لا أصل الغسل في مقابل غيره. ولو فرض أن التنظيف أريد به ما يعم غير الغسل أيضا، فغايته دلالتها على كفاية غير الغسل في التطهير، مع الدلالة على أصل نجاسة الدم ولزوم التطهير منها. ومن الروايات رواية أبي حمزة قال: " قال أبو جعفر (ع): إن أدخلت يدك في أنفك وأنت تصلي فوجدت دما سائلا ليس برعاف ففته بيدك " (2) فإنها دلت على كفاية الفت وعدم لزوم الغسل. إلا أن الرواية لا يخلو متنها من تشويش، لأن الفت الذي أمر به فيها لا يكون إلا في الدم الجامد، مع أنه قيد الدم بأنه وجد سائلا فالمظنون أن الأصل وجدته غير سائل، ومعه لا تكون هناك سراية كي يجب الغسل. مضافا إلى أنها واردة بلحاظ حال الصلاة، فتكون من أدلة عدم ناقضيته في الصلاة، فتحمل على الأقل من درهم. ومن جملة الروايات أيضا رواية عمار الساباطي: " سألته عن الدمل


 
(1) وسائل الشيعة باب 56 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب قواطع الصلاة ح 13 وفيه محمد بن سنان وأبو خالد.

 

[ 170 ]

يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة؟ قال: يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض، ولا يقطع الصلاة " (1). وتقريب دلالتها أنها تشمل بإطلاقها أو ظهورها ما إذا كان في الدمل دم، وقد حكم بكفاية مسح اليد الملاقية معها بالحائط، فيكون كاشفا عن عدم نجاسته. والجواب: أن الرواية ناظرة إلى حال الصلاة وناقضية خروج الدم فيها، ومعه فلعل إطلاق الحكم المذكور فيها من جهة العفو عن دم الجروح والقروح، ولو مع السراية إلى الأطراف كاليد، كما أفتى به بعض. ولو فرض عدم ذلك، فيحمل إطلاق الرواية على ما إذا كان الدم أقل من درهم كما تقدم في غيرها. ومن الروايات رواية الحلبي: " سألت أبا عبد الله (ع): عن دم البراغيث يكون في الثوب، هل يمنع ذلك من الصلاة؟ فقال: لا وإن كثر، فلا بأس أيضا بشبهه من الرعاف، ينضحه ولا يغسله " (2) حيث نفى لزوم الغسل في دم الرعاف أيضا، فيكون دليلا على طهارة الدم المسفوح. وفيه: أنه يحتمل رجوع جملة ينضحه ولا يغسله إلى دم الرعاف خاصة وبذلك يكون دليلا على نجاسته، ولكن يكتفى في التطهير منه إذا كان ضئيلا بالنضح، كما يحتمل رجوع ذلك إلى دم البراغيث. ثم إن هذه الروايات جميعا واردة في موارد يقطع فيها بالنجاسة لأنها من القدر المتيقن من نجاسة الدم، فيكشف عن خلل فيها، إما سندا أو دلالة، أو من جهة، فلا يمكن الاعتماد عليها حتى لو تم ظهورها في نفسها.


 
(1) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب النجاسات ح 8. (2) وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات.

 

[ 171 ]

[ قليلا كان أو كثيرا (1) ] وقد اتضح من مجموع ما ذكرناه عدم ثبوت إطلاق يمكن أن يرجع إليه عند الشك في نجاسة الدم في كل مورد. (1) إما تمسكا بإطلاق رواية عمار لو قيل بالإطلاق فيها لكل دم. وإما باعتبار عدم الفرق عرفا بين القليل والكثير من حيث النجاسة وإن كان يحتمل الفرق في الآثار، فالقلة في الكم قلة في النجس لا في النجاسة، وبضم هذا الارتكاز إلى ما دل على نجاسة الدم من الروايات التي لا إطلاق لفظي لها، يستفاد إطلاق النجاسة عرفا للقليل أيضا. وإما باعتبار كون الدم القليل موردا لبعض روايات النجاسة، كما فيما دل على نجاسة الدم على منقار الطير فإنه من القليل عادة أو ما ورد من النزح فيما لو وقع قطرات من الدم في البئر، أو ما أمر فيه بالغسل من الدم أقل من الدرهم مع العفو عنه في الصلاة. نعم لو فرض الدم قليلا إلى درجة بحيث لا يكاد يرى بالعين المجردة لخرج بذلك عن صدق مفهوم الدم عليه عرفا، فلا يكون نجسا باعتبار عدم انطباق عنوان الدم عليه، فإن للكم والمقدار دخلا في صدق المفهوم عرفا. فالصحيح وفاقا للسيد الماتن (قده) عدم التفصيل فيما يطلق عليه اسم الدم بين قليله وكثيره. غير أن هنا أقوالا تتجه إلى التفصيل بين الدم القليل والدم الكثير لا بد من استعراضها: القول الأول: ما نسب إلى الشيخ (قده) من التفصيل بين ما يدركه الطرف وما لا يدركه. وعنوان ما لا يدركه الطرف لو أريد به الدم الذي لا يدرك بالطرف لقلته وضئالته جدا فالحكم بطهارته صحيح، ولكنه ليس تفصيلا في نجاسة الدم، وإنما هو من جهة عدم صدق الدم عليه كما عرفت ولذلك يجري في سائر النجاسات أيضا لاطراد النكتة فيها.


 

[ 172 ]

وأما إذا أريد به ما يدركه الطرف في نفسه إلا أنه باعتبار قلته وعروض حالة عليه كوقوعه في الماء واستهلاكه فيه - على ما هو مورد الرواية - عبر عنه بما لا يدركه الطرف، فهو محكوم عليه بالنجاسة بمقتضى الإطلاق اللفظي أو اللبي الذي نقحناه في مستهل البحث، ولا بد في الحكم بطهارته من التماس دليل مقيد. ومن هنا وقع الاستدلال على الطهارة برواية علي بن جعفر المتقدمة في مسألة انفعال الماء القليل: " سألته: عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إنائه، هل يصلح له الوضوء منه فقال (ع): إن لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس، وإن كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه " (1). وقد اعترض جملة من الفقهاء على الاستدلال بالرواية، بإبداء احتمال أن يكون السؤال فيها عن الشبهة الموضوعية لملاقاة الدم مع الماء، حيث لم يفرض في سؤال السائل أكثر من إصابة الدم للإناء لا للماء، وعليه فيحمل جواب الإمام (ع) على بيان الحكم الظاهري في الشبهة الموضوعية، وتكون الرواية على ذلك أجنبية عن محل الكلام. ولكن الظاهر عدم وجاهة هذا الجواب، لظهور كلام الإمام عليه السلام وكلام السائل معا في الشبهة الحكمية: أما كلام الإمام فلأنه أناط الحكم بكون الشئ مما يستبين أو لا يستبين، وهذا ظاهر في ملاحظة الاستبانة بما هي صفة وتقدير للشئ نفسه، لا بما هي صفة للمكلف من حيث إنه قد يعلم أو يشك، فهو من قبيل قوله تعالى: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ". وأما كلام السائل فهو وإن لم يفرض إلا إصابة الدم للإناء، غير أن قوله عقيب ذلك: " هل يصلح الوضوء منه "، مع ظهور السياق في أن مرجع الضمير المجرور هو نفس


 
(1) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق.

 

[ 173 ]

ما أصاب الدم، يوجب ظهور الإناء في ماء الإناء فيكون السؤال عن إصابة الدم لماء الإناء. والصحيح في المناقشة: أن غاية ما يثبت بجواب الإمام (ع) هو نفي البأس عن الماء القليل الملاقي مع قدر ضئيل من الدم لا يستبين في الماء. والنتيجة كما يمكن أن تكون بسبب طهارة الدم القليل، كذلك يمكن أن تكون من جهة عدم تأثيره في انفعال الماء، ولا معين لإحدى الحيثيتين قبال الأخرى، إن لم ندع تعين الثانية، باعتبار ما تقدم من أن الكمية لا دخل لها عرفا في قذارة القذر، وإنما يتعقل العرف دخلها في آثاره وأحكامه. وقد يقال: بأن احتمال كون الملاك في الرواية عدم انفعال الماء القليل منفي بأدلة انفعال الماء القليل ولكن الصحيح: أن الرواية إذا بني على حجيتها فهي توجب العلم بسقوط تلك الأدلة في موردها، إما تخصيصا وإما تخصصا، فلا يمكن التمسك بها، وتبقى أدلة نجاسة الدم بلا معارض. نعم لو كان مدركنا في نجاسة الدم القليل مثل إطلاق موثقة عمار الآمرة بالاجتناب عن الماء الملاقي مع الدم على المنقار، صح أن يقال: بأن الكاشف عن نجاسة الدم القليل إنما هو إطلاق دليل انفعال الماء الملاقي للدم، ورواية علي بن جعفر تدل على كل التقادير على عدم انفعال الماء الملاقي لدم لا يستبين، وبعد سقوط إطلاق الموثقة لا يبقى كاشف عن نجاسة الدم القليل. إلا أن أدلة نجاسة الدم القليل لما تكن منحصرة في الإطلاق اللفظي لهذه الموثقة، بل يكفي في الحكم بالنجاسة الرجوع إلى الإطلاقات الحاصلة بقرينة إلغاء خصوصية الكثرة والقلة عرفا في سائر الروايات. القول الثاني: هو القول بطهارة الدم إذا كان أقل من درهم وذلك استنادا إلى روايات العفو في الصلاة عن الدم الذي يكون أقل من درهم


 

[ 174 ]

إذ كما يكون ترتيب آثار النجاسة على شئ إرشادا إلى نجاسته، كذلك يكون نفيها عنه إرشادا إلى عدم نجاسته. وفيه: أن روايات العفو تتضمن بنفسها قرائن متصلة تدل على أن العفو يعني نفي المانعية لا النجاسة، فقد ورد في بعضها التصريح بالأمر بالغسل إلى جانب الحكم بالعفو (1). هذا مضافا إلى نفي أثر النجاسة والحكم بالعفو في المقام إن لم ندع الظهور في كونه بملاك رفع المانعية لا النجاسة - باعتبار ما قلناه من الارتكاز القاضي بعدم تأثير القلة في قذارة القذر، وإنما تؤثر عرفا في التهاون بآثاره - فلا أقل من أنه لا يكون نفي هذا الأثر في خصوص المقام كاشفا عن عدم النجاسة، بل مجملا من هذه الناحية. فإن كاشفية نفي أثر النجاسة عن عدمها إنما يصح في المورد الذي لا يتعقل العرف وجها له إلا عدم النجاسة، كما هو واضح. القول الثالث: التفصيل بين ما يكون أقل من الحمصة فيحكم بطهارته وما يكون بقدرها أو أكثر فيحكم بنجاسته. وذلك استنادا إلى خبر المثنى ابن عبد السلام عن أبي عبد الله (ع) قال: " قلت له: إني حككت جلدي فخرج منه دم، قال إذا اجتمع قدر الحمصة فاغسله، وإلا فلا " (2). والاستدلال بها أحسن حالا من الاستدلال بأخبار العفو في التفصيل المتقدم لعدم ورودها في الصلاة كي تحمل على العفو عن المانعية. ولكنه مع ذلك لا يمكن التعويل عليها وذلك:


 
(1) كرواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) في حديث " قلت: فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعد ما صلى أيعيد صلاته؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته، إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة " وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات.

 

[ 175 ]

[ وأما دم ما لا نفس له فطاهر (1)، كبيرا كان أو صغيرا كالسمك والبق والبرغوث. ] أولا: باعتبار ضعفها سندا. وثانيا: أن الارتكاز العرفي القاضي: بأن قلة القذر لا تؤثر في ارتفاع قذارته وإنما يمكن أن تؤثر في تخفيف أحكامه، بنفسه يشكل قرينة لبية متصلة، إن لم تستوجب ظهور الرواية في كون الحيثية الملحوظة فيها هي المانعية لا النجاسة، فلا أقل من أنها تستوجب إبطال ظهور نفي الغسل في عدم النجاسة. ومما يؤيد عدم الفرق بين قليل الدم وكثيره في النجاسة: ورود جملة من روايات النجاسة في الدم القليل، كموثقة عمار الواردة في الدم على منقار الطير الذي هو أقل من قدر الحمصة عادة، وروايات العفو عن الدم أقل من الدرهم مع التأكيد على لزوم الغسل منه. وهكذا اتضح أن الصحيح ما هو المشهور وأفتى به الماتن (قده): من عدم التفصيل في الحكم بنجاسة الدم بين وكثيره وقليله. (1) لا إشكال في طهارة دم ما لا نفس له بناء على ما حققناه في البحث السابق من عدم وجود مطلق في أدلة نجاسة الدم، وإنما هي روايات خاصة وردت كلها في موارد الدم المسفوح مما له نفس سائلة واحتمال الفرق بينها وبين المقام موجود، كيف وقد ادعى بعضهم أنه ليس بدم وإنما هو رجيع. فيكون الحكم بطهارته على القاعدة الأولية. وإنما الكلام فيما يدل على استثنائه لو فرض الفراغ عن ثبوت الإطلاق وهو أحد وجوه: الأول: الإجماع المستفيض نقله على الطهارة، ولا يقدح فيه ما ورد


 

[ 176 ]

في تعبير الشيخ (قده) في المبسوط من: التمثيل للدم المعفو عنه في الصلاة بدم البق والجراد، وهما مما لا نفس له. المشعر بأنه كدم الرعاف معفو عنه وليس بطاهر. وما ورد في تعبير سلار (ره) من: تقسيم النجاسة إلى ثلاثة أقسام: ما تجوز الصلاة في قليله وكثيره، وما لا تجوز الصلاة في قليله وكثيره وما تجوز في قليله ولا تجوز في كثيره ومثل للقسم الأول بدم البق مما يدل على انطباق المقسم وهو النجس عليه أيضا وما ورد في التعبير المنسوب إلى ابن الجنيد (ره) من: أن كل دم نجس، وأما دم السمك فليس بدم وإنما هو رجيع. الدال أيضا على عدم استثناء شئ من أقسام الدم من الحكم بالنجاسة. فإن مثل هذه العبائر لا ينبغي جعلها نقضا على الإجماع - لو تم في نفسه - لقوة احتمال أن تكون من المسامحة في التعبير، وكون تمام النظر إلى النتيجة العملية المؤثرة في حال المكلف. ولذلك نرى الشيخ (قده) بنفسه يصرح في الخلاف - في قبال فتوى العامة بالنجاسة - بإجماع الطائفة على الطهارة - مع أن مثل التعبير الذي ذكره في المبسوط يورده في الخلاف أيضا. فالمهم إذن: ملاحظة نفس الإجماع ليرى أنه هل يمكن أن يستكشف به حجة على الطهارة أم لا؟ فنقول: إن الاستدلال بالإجماع على الطهارة، إما أن يكون بلحاظ كاشفيته عن وجود رواية لدى المجمعين واضحة السند والدلالة على طهارة دم ما لا نفس له، باعتبار عدم كون المسألة عقلية كي يحتمل استنادهم فيها إلى وجوه صناعية عقلية. وإما أن يكون بلحاظ كشف الاتفاق عن مركوزية الحكم المذكور في عصر المعصومين (ع). وكلا التقريبين قابل للمنع. إذ يرد على الأول: أنه يستبعد وجود رواية واردة بعنوان استثناء دم ما لا نفس له اطلع عليها أولئك المجمعون، ثم لم تنقل في شئ من مجاميع الحديث وكتبهم


 

[ 177 ]

التي ألفها نفس هؤلاء المجمعين. أضف إلى ذلك عدم انحصار المدرك في أن يكون هناك رواية على الطهارة، بل يكفي أن يكون مدرك بعضهم هو عدم الدليل على نجاسة كل دم، ومدرك بعض آخرين قوله تعالى (أو دما مسفوحا) الذي وقع الاستدلال به على طهارة غير المسفوح، أو الاستفادة من الروايات الخاصة الواردة في بعض الموارد. وبهذا البيان أيضا يناقش في التقريب الثاني لكاشفية الإجماع، فإنه مع وجود مثل هذه المدارك المحتملة لا ينحصر وجه الاتفاق في ارتكاز موروث من الأئمة (ع) على الطهارة. وعليه فقد لا يحصل من الإجماع المذكور اطمئنان بأن الحكم الواقعي هو طهارة دم ما لا نفس له، كي يرفع اليد به عن إطلاق النجاسة على القول به. الثاني: الآية المباركة: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا " (1) حيث يستدل بمفهوم الوصف فيها على حلية الدم غير المسفوح، وهي تلازم طهارته لا محالة. ودم ما لا نفس له ليس من المسفوح، إذ المسفوح ما ينصب من العرق انصبابا. وهذه الآية يستدل بها أيضا على طهارة الدم المتخلف وسوف تأتي لدى التعرض لتلك المسألة، المناقشات المشتركة على الاستدلال بها في المسألتين، فنقتصر هنا على الإشارة إلى أمر يختص بالمقام، وهو: أن الاستدلال بالآية موقوف على القول بحلية دم ما لا نفس له. وأما لو أريد الحكم بطهارته فقط مع كونه حراما كما هو المعروف فالاستدلال بالآية غير متجه، لأن المدلول المطابقي لها هو حلية الدم غير المسفوح، فلو سقط عن الاعتبار لم يثبت مدلوله الالتزامي أيضا. نعم لو كان فتواهم بحرمته


 
(1) الأنعام 147

 

[ 178 ]

لا بما هو دم، بل باعتباره من الخبائث صح الاستدلال بالآية، لأنها تنفي الحرمة بحيثية كونه دما، فلا ينافي ثبوت الحرمة بملاك آخر. لا يقال: حمل الآية على الحكم الحيثي دون الفعلي خلاف الظاهر إذ لا فائدة عرفية فيه. فإنه يقال: يكفي صيرورتها فعلية في بعض الموارد، كما في الدم المتخلف، ما دام الحكم ثابتا على العنوان، ولم يتصد المولى بنفسه لتطبيقه على هذا الفرد. الثالث: الروايات المتفرقة التي ادعي استفادة ضابط كلي منها وهو طهارة دم الحيوان الذي ليس له نفس سائلة. منها رواية عبد الله بن أبي يعفور: " قال: قلت لأبي عبد الله (ع) ما تقول في دم البراغيث؟ قال: ليس به بأس. قلت: إنه يكثر ويتفاحش قال: وإن كثر " (1). وفيه: أن التعدي من موردها وهو البرغوث إلى كل الحيوانات التي لا نفس لها مما لا يساعد عليه العرف، بل غاية ما يساعد عليه هو التعدي إلى ما يكون كالبرغوث من الحشرات والحيوانات الصغيرة غير ذات اللحم، لا مثل السمك والتمساح. ومنها: رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: " إن عليا (ع) كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك، يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل، يعني دم السمك " (2). وفيه: - مضافا إلى ضعف الرواية سندا - أنها تدل على العفو عنه في الصلاة. وهو لا يكشف عن الطهارة في مثل الدم الذي ثبت فيه إجمالا التفكيك بين النجاسة والمانعية. ولو سلم دلالتها على الطهارة فهي


 
(1) و (2) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب النجاسات.

 

[ 179 ]

مخصوصة بما لم يذك من الحيوان، أي دم ما لا يحتاج إلى التذكية كالسمك، فلا يمكن التعدي منه إلى دم محرم الأكل. ومنها: رواية محمد بن ريان قال: " كتبت إلى الرجل (ع): هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟، وهل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على دم البرااغيث فيصلي فيه؟، وأن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقع (ع): يجوز الصلاة، والطهر منه أفضل " (1). وفيه: - مضافا إلى ضعف الرواية سندا - أن مدلولها المطابقي نفي المانعية، وهو لا يكشف عن االطهارة في المقام كما تقدم. ولو سلم فهي كرواية ابن أبي يعفور من حيث عدم إمكان التعدي من موردها إلى كل ما لا نفس له. ومنها: رواية الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟. قال: لا وإن كثر لا بأس أيضا بشبهه من الرعاف ينضحه ولا يغسله " (2). وفيه: وضوح كون النظر فيها إلى المانعية بقرينة عطف دم الرعاف عليه. مضافا إلى ورودها في مثل البرغوث فلا يمكن التعدي منه إلى كل ما لا نفس له. ومنها: رواية غياث عن جعفر عن أبيه (ع) قال: " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " (3). وفيه: أنها كرواية ابن أبي يعفور من حيث اختصاصها بالبراغيث والبق ونحوهما.


 
(1) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب النجاسات.

 

[ 180 ]

وهكذا يتضح أن هذه الروايات لا يمكن الاستدلال بشئ منها على حكم كلي هو: طهارة دم كل ما لا نفس له من الحيوانات. بيد أن الأستاذ - دام ظله - حاول الاستناد في إثبات القضية الكلية إلى رواية حفص المتقدمة في أبحاث الميتة عن الصادق عن أبيه (ع) " أنه قال لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (1). وهي - لو صح الاستدلال بها - عامة لكل حيوان لا نفس له، كما هو واضح. وقد تقدم الكلام عن ضعف سندها وإمكان تصحيحه في أبحاث الميتة فالمهم الآن ملاحظة دلالتها في المقام. ولا ينبغي الريب في أن المتيقن من مدلولها، النظر إلى ميتة الحيوان وإفسادها للماء وعدمه ولكن جملة من الفقهاء حاول استفادة أكثر من ذلك من مدلولها، ولهذا وقع الاستدلال بها على طهارة ما يرتبط بالحيوان غير ذي النفس في عدة مقامات، حيث استدل بها على طهارة بوله وخرئه ودمه. ولا يبعد أن يكون الاستدلال بها على طهارة دمه أحسن حالا من غيره باعتبار أنه يعد جزءا من الميتة فيشمله إطلاق: لا يفسد الماء ميتة ما لا نفس له، وباعتبارها ناظرة إلى أدلة النجاسة يكون إطلاقها مقدما على إطلاق دليل النجاسة. ولكن الصحيح - مع ذلك - عدم تمامية الاستدلال المذكور: لأن غاية ما يستفاد منها أن ما لا نفس له لا ينفعل الماء بملاقاة ميتته، وهو لا يدل على أكثر من نفي النجاسة الناشئة بملاك الموت عنها، فلو فرض إطلاق الميتة لمثل الدم من الأجزاء كان مقتضاه عدم انفعال الماء بملاقاته من حيث كونه ميتة، وأما من حيثية أخرى ككونه دما فلا دلالة للحديث على نفيه. ولم يتصد الحديث لتطبيق هذا الحكم على ملاقاة الدم بالخصوص، كي يدعى لغوية كون الحكم فيه حيثيا. كما أنه ليست فريضية وقوع الميتة في الماء


 
(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات.

 

[ 181 ]

ملازمة غالبا لملاقاة شئ من دمها كي ينعقد فيها ظهور - بدلالة الاقتضاء وصونا للكلام عن اللغوية العرفية - في الحكم الفعلي. ودعوى: أن المركوز أشدية قذارة الميتة من الدم فما لا يحكم بنجاسة ميتته أولى بالحكم بطهارة دمه. مدفوعة: بأن ثبوت ارتكاز من هذا القبيل بدرجة تشكل دلالة التزامية في الدليل محل منع، وحصول القطع بأولوية المناط عهدته على مدعيه. وهكذا يتضح: أن العمدة في المصير إلى طهارة دم ما لا نفس سائلة له قصور المقتضي من أول الأمر، لعدم تمامية الإطلاق في دليل نجاسة الدم. غير أن هنا نكتة لا بد من التنبيه عليها وهي: أن عدم تمامية الإطلاق في دليل نجاسة الدم إنما يكفي وحده لعدم البناء على النجاسة في دم حيوان غير ذي نفس كالسمك ونحوه، وأما ما لا نفس له وكان دمه مكتسبا كالبق والبرغوث فقد يقال: إنه إذا امتص دم الإنسان أمكن الحكم بنجاسته تمسكا باستصحاب النجاسة حتى لو لم يتم الإطلاق، فلا بد من دليل اجتهادي محكم عليه لإثبات الطهارة. ومن هنا يقع الكلام تارة: في جريان هذا الاستصحاب في نفسه، وأخرى: في وجود الدليل الحاكم على الطهارة. وأما الكلام في الأول: فقد يشكل تارة: بدعوى تغير الموضوع. وأخرى: بدعوى نفى الحالة السابقة فيما إذا امتص البق الدم من الإنسان رأسا، بناء على طهارة الدم في الباطن، فإنه لا علم حينئذ بنجاسته لتستصحب. وقد يدفع الإشكال الأول بأن اللازم في الاستصحاب انحفاظ ما هو المعروض عرفا والمعروض عرفا للنجاسة، الجسم لا عنوان دم الإنسان ودم البق وقد يتخلص من الإشكال الثاني بتحويل الاستصحاب إلى استصحاب تعليقي وذلك للعلم حدوثا بأن هذا الدم حدوثا كان على نحو لو سفح لكان نجسا لأن ذلك هو المتيقن من دليل نجاسة الدم، فيستصحب ذلك بشأنه. وهذا إنما


 

[ 182 ]

يتم - بعد البناء على جريان الاستصحاب التعليقي - فيما إذا كان المعلق عليه في القضية المتيقنة المستصحبة ذات السفح، فإنه المتيقن فعلا، لا سفح دم ما له نفس سائلة، وإلا فلا يجري الاستصحاب المذكور، لأن المعلق عليه حينئذ غير محرز فعلا. وأما الكلام في الثاني فقد تقدم ذكر عدة روايات قد تدل على طهارة دم البق والبرغوث، كرواية محمد بن ريان، ورواية الحلبي، ورواية غياث ورواية ابن أبي يعفور وأهمها الرواية الأخيرة، لأن الأولى ضعيفة بسهل بن زياد، والثانية محل الإشكال سندا بابن سنان لاحتمال إرادة محمد بن سنان منه خصوصا بلحاظ رواية مثل أحمد بن محمد عنه، ودلالة باحتمال أنها في مقام نفي المانعية مستقلا لا نفيها بنفي النجاسة، ويؤيد ذلك عطف الرعاف المعلوم نجاسته عليه والثالثة قد يستشكل فيها باعتبار ورود محمد بن يحيى في سندها ناقلا عن غياث، وهو محتمل الانطباق: على محمد بن يحيى الخزاز الثقة الذي ينقل عن أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وعلى محمد بن يحيى الفارسي الذي يناسب أن ينقل عن الإمام الصادق عليه السلام بواسطة ومع التردد تسقط الرواية عن الحجية إذا لم يدع الانصراف إلى الأول. وأما الرواية الأخيرة فلا إشكال في دلالتها على المطلوب، وأما سندها فقد رواها الشيخ بإسناده إلى الصفار عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن زياد بن أبي الحلال عن عبد الله بن أبي يعفور ولا إشكال في هذا السند إلا من ناحية علي بن الحكم المردد بين أربعة أشخاص بعضهم ثبتت وثاقته دون البعض الآخر فإن عين هذا في الثقة أو ثبتت وحدة الكل فهو وإلا سقطت الرواية عن الحجية. وأما أولئك الأربعة فهم كما يلي: 1 - علي بن الحكم، بقول مطلق. ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب


 

[ 183 ]

الجواد، ولم يضف إليه أدنى تعبير، ولم يذكره الشيخ في الفهرست ولا النجاشي ولا الكشي بهذا العنوان المطلق. 2 - علي بن الحكم بن زبير النخعي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع) قائلا: " علي بن الحكم بن زبير مولى النخع كوفي ". وذكر هذا الشخص أيضا النجاشي بعنوان: " علي بن الحكم بن زبير " بإسقاط كلمة مولى النخع، وذكر له كتابا كما سوف يأتي إن شاء الله تعالى. 3 - علي بن الحكم الكوفي لم يترجمه بهذا العنوان الكشي ولا النجاشي ولا الشيخ في رجاله، وترجمه الشيخ في فهرسته قائلا: " ثقة جليل القدر له كتاب، أخبرنا جماعة عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن أبيه، عن محمد بن هشام، عن محمد بن سندي، عن علي بن الحكم. ورواه محمد ابن علي، عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم. وأخبرنا ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفار وأحمد بن إدريس والحميري ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم وعليه فهذا الشخص بهذا العنوان ثقة بشهادة الشيخ. 4 - علي بن الحكم الأنباري، لم يذكره بهذا العنوان النجاشي ولا الشيخ في فهرسته ولا في رجاله، وإنما ذكره الكشي ونقل عن حمدويه عن محمد بن عيسى: " أن علي بن الحكم هو ابن أخت داود بن النعمان بياع الأنماط، وهو نسيب (ينسب إلى) بني الزبير الصيارفة. وعلي بن الحكم تلميذ ابن أبي عمير، ولقي من أصحاب أبي عبد الله (ع) الكثير، وهو مثل ابن فضال وابن بكير " وقوله: " علي بن الحكم تلميذ ابن أبي عمير إلخ " - سواء كان من كلام الكشي كما هو الأقرب، أو من كلام محمد بن عيسى - معتبر، لوثاقة كليهما، فلا بد من ملاحظة أنه هل يستفاد منه توثيق لعلي ابن الحكم أو لا؟. فقد يقال: بالاستفادة، باعتبار جعله مثل ابن فضال


 

[ 184 ]

وابن بكير المفروغ عن وثاقتهما. وقد يخدش ذلك بإبداء احتمال كون ذلك تمثيلا للكثير، أي لقي كثيرا مثل ابن فضال. ولكن هذا كما ترى لا ينسجم مع ظاهر كلمة (وهو). نعم نقل ابن داود ما مضى من عبارة الكشي مع حذف كلمة (وهو)، فقد يؤدي ذلك إلى احتمال تهافت في نسخ كتاب الكشي. إلا أنه حتى مع حذفها لا يمكن أن يجعل ذلك تمثيلا للكثير، لأن ابن فضال ليس من أصحاب الصادق عليه السلام، بل يطلق هذا على شخصين: أحدهما من أصحاب الكاظم (ع)، والآخر ابنه وهو من أصحاب الهادي. وعليه فيتعين كون التمثيل لعلي بن الحكم وهو يحمل على التشبيه في أهم الصفات الملحوظة رجاليا التي منها الوثاقة. ودعوى: أن التشبيه كما قد يكون بلحاظ الوثاقة قد يكون باعتبار الاشتراك في ملاقاة الكثير من أصحاب أبي عبد الله، فلا تثبت وثاقة المشبه قد تدفع بدعوى: انصراف ابن فضال إلى ابن فضال الابن، الذي هو من أصحاب الإمام الهادي عليه السلام ولم يلق أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، دون ابن فضال الأب الذي هو من أصحاب الكاظم ولقي أصحاب الصادق فينتفي احتمال كون المقصود التشبيه في ملاقاة الكثير من أصحاب أبي عبد الله. هذا مضافا إلى أن ظاهر كلمة (وهو) لا يناسب كون المقصود التشبيه في ذلك. وإطباق نسخ الكشي والنقل عن الكشي على حفظ كلمة (وهو) يوجب استبعاد زيادتها والاطمئنان بوقوع اختصار أو سهو في كتاب ابن داود، خصوصا أنه أسقط جملة من العبارات في مقام النقل ونقل المعنى فيرجح أنه أسقط كلمة (وهو) أيضا، إذ لم ير أهمية في ذكرها، وعليه فتثبت وثاقة علي بن الحكم المذكور. وعلى هذا الأساس يقع الكلام في إمكان إثبات وحدة هذه العناوين


 

[ 185 ]

المتعددة لعلي بن الحكم، أو على الأقل إرجاع الأولين إلى الأخيرين أو أحدهما لتكون الرواية حجة. وقبل الشروع في ذكر أمارات الوحدة لا بد من الإشارة إلى أنه لا توجد أمارة تمنع عن الحمل على الاتحاد في المقام، لا من ناحية تعدد الطبقات، ولا من ناحية تعدد التوصيفات، ولا من ناحية ذكر الشيخ له مرتين في رجاله. أما الأول: فلأن هذه العناوين الأربعة يمكن افتراضها في طبقة واحدة، لأن الأول ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد (ع) والرابع قد مضى أنه تلميذ ابن أبي عمير، ومن يكون تمليذا لابن أبي عمير الذي هو من أصحاب الكاظم إلى الجواد يمكن أن يكون من أصحاب الجواد (ع). والثاني من أصحاب الرضا (ع) وهو يناسب الصحبة للجواد أيضا والنجاشي نقل كتابه بواسطة أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وهو ممن يروي عن أصحاب الجواد. والثالث روى الشيخ في كتابه بواسطة أحمد بن محمد كما مضى وهو البرقي، أو أحمد بن محمد بن عيسى، وكلاهما في طبقة واحدة وقد عرفت حال البرقي. وإذا لاحظنا الرواة عن عناوين علي بن الحكم وجدنا أنهم في طبقة واحدة أو متقاربون على نحو يناسب وحدته. وأما الثاني فتوصيف الكشي له بالأنباري وتوصيف الشيخ له في رجاله بالنخعي وفي فهرسته بالكوفي، ليس قرينة على التعدد. فإن النخعية والكوفية ليستا متنافيين لأن النخعية نسبة إلى عشيرة فلا تنافي كون بعضهم كوفيا، بل الشيخ في رجاله جمع بين النخعية والكوفية. وأما الأنبارية فهي أيضا لا تنافي الكوفية إذ يقال: إن الأنبار قرية على شاطئ الفرات فيعتبر الأنباري كوفيا، إما لقرب الأنبار من الكوفة واندكاكها في جنبها وإما لهجرة الأنباري إلى الكوفة، كما ينسبه كونه تلميذا لابن أبي عمير.


 

[ 186 ]

وأما الثالث: فذكر الشيخ الطوسي له في رجاله تارة من أصحاب الرضا وأخرى من أصحاب الجواد ليس قرينة على التعدد، لأن طريقة الشيخ في رجاله هي أنه إذا كان شخص من أصحاب إمامين أو ثلاثة ذكره عدة مرات - بترتيب الأئمة (ع) - في أصحاب كل إمام هو من أصحابه ويلاحظ أن الشيخ عادة يذكر الشخص لأول مرة بعنوان تفصيلي، وعند التكرار في إمام بعده يذكره إجمالا وهكذا صنع في المقام إذ ذكره في أصحاب الرضا بعنوان علي بن الحكم بن زبير مولى النخع كوفي، وفي أصحاب الجواد بعنوان علي بن الحكم. ونبدأ الآن بذكر قرائن تتجه إلى إبطال تكثر علي بن الحكم على النحو المضر بالاستدلال. ولا يلزم بهذا الصدد إثبات وحدة الجميع، بل من جملة الأساليب النافعة إثبات رجوع الأولين إلى أحد الأخيرين اللذين ثبتت وثاقتهما. القرينة الأولى: مجئ علي بن الحكم مطلقا وبلا تقييد في الكثرة من الروايات والطرق التي وقع فيها، فلو كان متعددا لكان من البعيد أن يلتزم كل أولئك الرواة بالإطلاق في مقام التعبير عنه، فيستقرب فرض الوحدة أو فرض الانصراف غير المحوج إلى التقييد مع التعدد أيضا. ومن الواضح بعد افتراض الانصراف عن علي بن الحكم الكوفي الثقة الذي له كتاب ورواه جماعة عنه وللشيخ طريق إليه. القرينة الثانية: أن الثالث وهو علي بن الحكم الكوفي الثقة الذي ذكره الشيخ في فهرسته لو كان غير علي بن الحكم الذي ذكره النجاشي في فهرسته للزم إهمال النجاشي لشخص من المؤلفين المستحقين للدخول في فهرسته وهذا بعيد، خصوصا مع نظر النجاشي إلى فهرست الشيخ ونقله عنه وتبحره في هذا الفن وكونه كوفيا يجعله أولى بمعرفة الكوفيين. وإذا اتحد الثالث مع الثاني بقي الرابع وهو ثقة على أي حال. والأول وهو وإن لم يكن


 

[ 187 ]

راجعا إلى غيره فاللفظ منصر ف عنه، لأنه لم يذكره النجاشي ولا الكشي ولا الشيخ في فهرسته ولم يذكر له كتاب ولا علاقات، بخلاف الثالث الذي ذكر أنه ثقة جليل القدر وله كتاب ينقله جماعة وللشيخ طرق عديدة إليه، وذكره النجاشي أيضا لما عرفت من اتحاده مع الثاني، وإذا وحدنا الثاني مع الرابع فقد ذكره النجاشي أيضا، وذكر الكشي أنه مثل ابن فضال وابن بكير وأنه لقي من أصحاب أبي عبد الله الكثير. القرينة الثالثة: تتلخص في عدة مراحل: الأولى: في إثبات وحدة الثاني والرابع. والثانية: في إثبات وحدة الثاني والثالث. والثالثة: في نفي احتمال إرادة الأول بنحو يغاير مع غيره. أما المرحلة الأولى: فإن النجاشي قد ترجم في كتابه - كما مر بنا - علي بن الحكم بن زبير من دون توصيفه بالأنباري أو الكوفي. وترجم صالح ابن خالد المحاملي تارة في باب الأسماء وأخرى في باب الكنى ففي باب الأسماء قال: " صالح بن خالد المحاملي أبو شعيب مولى علي بن الحكم بن زبير " وفي باب الكنى قال: " أبو شعيب المحاملي كوفي ثقة من رجال أبي الحسن موسى (ع)، مولى علي بن الحكم بن الزبير الأنباري ". ونلاحظ في هذا المجال: أولا: استبعاد المغايرة بين علي بن الحكم بن الزبير الأنباري الذي ذكره النجاشي في ترجمة أبي شعيب، وعلي بن الحكم الأنباري الرابع الذي ذكره الكشي، إذ يلزم من ذلك كون الاتحاد في الاسم واسم الأب والأنبارية صدفة، وهو بعيد. وثانيا: استبعاد المغايرة بين علي بن الحكم ابن الزبير الأنباري الذي ذكره النجاشي في ترجمة أبي شعيب، مع علي ابن الحكم بن الزبير الذي ترجمه النجاشي، وذلك للاشتراك في الاسم والأب والزبيرية، ولأن نفس علي بن الحكم بن الزبير الأنباري الذي ذكره النجاشي في باب الكنى أن أبا شعيب مولاه، قد ذكره في باب الأسماء


 

[ 188 ]

مع حذف كلمة (الأنباري) حيث قال: صالح بن خالد المحاملي أبو شعيب مولى علي بن الحكم بن الزبير وهذا ينصرف لا محالة إلى من ترجمه في نفس الكتاب بنفس ذلك العنوان وهو علي بن الحكم بن الزبير ولو قصد شخصا آخر غير من ترجمه لكان عليه التنبيه. وبهذا يثبت اتحاد الأنباري الذي ترجمه الكشي مع ابن الزبير الذي ترجمه النجاشي، أي الرابع مع الثاني. وأما المرحلة الثانية: حاصل الكلام فيها أن الثالث لو كان غير من تصادق عليه العنوان الثاني والرابع للزم من ذلك، أن يكون الشيخ قد أغفل ذكر شخص من الرواة في فهرسته - وهو من تصادق عليه العنوانان الثاني والرابع، مع أنه من البعيد عدم إطلاعه على وجوده مع إثباته في تلخيص رجال الكشي الذي تم على يد الشيخ نفسه. كما أن من البعيد عدم إطلاعه على كتابه الذي شهد النجاشي في الفهرست به مع وجود طريق للنجاشي إليه، وقد وقع فيه من كان للشيخ طريق إلى جميع كتبه ورواياته كسعد مثلا. وأما المرحلة الثالثة: فتتميمها يتم بدعوى أن الأول إن رجع إلى أحد الثلاثة فهو المطلوب، وإلا فمن تصادقت عليه العناوين الثلاثة أشهر بلا إشكال بمرتبة يصح دعوى انصراف اللفظ إليه. القرينة الرابعة: إن من لم يوثق من هؤلاء الأربعة شخصان كما تقدم وهما الأول والثاني، وقد ذكرهما الشيخ في رجاله كما مضى. فنلاحظ: أولا: أن الظاهر أن هذين الشخصين اللذين لم يرد توثيقهما بعنوانهما أحدهما متحد مع من ذكره الشيخ في فهرسته ووثقه وهو علي بن الحكم الكوفي إذ يلزم من فرض التعدد أن يكون الشيخ مهملا في رجاله من ذكره في فهرسته ووثقه ونسب له كتابا، مع أن رجال الشيخ بطبيعته أعم من فهرسته، لأنه موضوع لمطلق الرواة، والفهرست موضوع لخصوص


 

[ 189 ]

المصنفين، ورجاله متأخر عن فهرسته، فمن المستبعد أن يكون قد عدل في الرجال عن ذلك الشخص المعروف إلى ذكر شخص آخر مجهول غير معنون وليس له كتاب. ونلاحظ ثانيا: أن الظاهر أن أحد هذين الشخصين اللذين لم يرد توثيقهما بعنوانهما متحد مع الأنباري الثقة الذي ذكره الكشي، وإلا لزم أن يكون الشيخ قد أهمل في رجاله الأنباري الذي ذكره الكشي، ومن المستبعد عدم ذكره في الرجال مع وصف الكشي له بأنه لقي من أصحاب الصادق (ع) الكثير، وهو مثل ابن فضال وابن بكير، مع أن رجال الشيخ مبناه على الاستقصاء وهو مطلع على هذا الشخص بحكم إحاطته برجال الكشي، وتلخيصه له واشتمال التلخيص عليه. وفي هذا الضوء ينتج أن الشخصين غير الموثقين بعنوانهما أحدهما متحد ظاهرا مع الكوفي الثقة، وأحدهما متحد ظاهرا مع الأبناري الثقة فإن فرض أن المتحد مع الكوفي مغاير للمتحد مع الأنباري ثبتت وثاقة الكل وإن فرض أن أحدهما متحد مع الكوفي الثقة والأنباري الثقة وبقي الآخر مغايرا للثقتين، فهنا نحتاج إلى الاستعانة بجزء مما مضى في القرينة الثانية، فإن فرضنا أن المغاير هو علي بن الحكم المطلق ضممنا ما مضى من دعوى الانصراف، وإن فرضناه النخعي ضممنا ما مضى من القرينة على اتحاد النخعي مع الكوفي الثقة، أو على اتحاده مع الأنباري الثقة. القرينة الخامسة: أن علي بن الحكم الأنباري نفس علي بن الحكم ابن الزبير، لأن الكشي ذكر عن الأول أنه نسيب (أو ينسب إلى) بني الزبير الصيارفة، والثاني ذكره النجاشي والشيخ في رجاله بعنوان علي بن الحكم بن الزبير. وهذه القرينة لا تكفي وحدها لإثبات المطلوب بل لا بد من ضم شئ مما سبق كالقرينة على اتحاد من ذكره النجاشي مع


 

[ 190 ]

من ترجمه الشيخ في فهرسته، ودعوى الانصراف حينئذ عن علي بن الحكم المطلق على فرض مغايرته لمن تصادقت عليه العناوين الثلاثة. وقد يستشهد لوحدة علي بن الحكم بن الزبير الذي ذكره النجاشي مع الكوفي الثقة الذي ذكره الشيخ بما ذكره الوحيد في التعليقة: من أن الراوي عمن ذكره الشيخ - رحمه الله تعالى - والراوي عمن ذكره النجاشي شخص واحد، وهو أحمد بن محمد. ويندفع: بأن الراوي عنه في طريق النجاشي هو أحمد بن أبي عبد الله البرقي والراوي عنه في طريق الشيخ أحمد بن محمد، على نحو الإطلاق، ولعله أحمد بن محمد بن عيسى، بقرينة وقوع الصدوق في طريق الشيخ هذا، وتصريح الصدوق في مشيخته بأحمد ابن محمد بن عيسى في طريقه إلى علي بن الحكم. وعلى أي حال ففيما تقدم كفاية لإثبات حجية روايات علي بن الحكم باعتبار إثبات الوحدة ولو بضم الانصراف. فإن قيل: إن الانصراف لا يكفي، فإنه إذا لم يثبت وحدة الجميع وفرضنا مغايرة الأول لغيره، فهذا يعني كون الأول راويا في الجملة وله روايات، والعمل بظهور اللفظ الموجب للانصراف إلى غيره في تمام الموارد يوجب طرح العلم الإجمالي بوجود روايات له في الجملة، فيقع التعارض بين الظهورات الانصرافية. قلنا: لا تعارض. أما أولا: فلعدم العلم بالتغاير وغاية ما في الأمر احتماله. وأما ثانيا: فلأنه على فرض التغاير لا علم بوجود روايات له في الكتب الأربعة وما بحكمها بالذات. وأما ثالثا: فلاحتمال أن يكون ما نقل عنه داخلا في ما نقل عن علي بن الحكم بطرق ضعيفة. وهكذا يتلخص: أن رواية ابن أبي يعفور الدالة على طهارة دم البق معتبرة وتامة سندا ودلالة، فلا إشكال في المسألة.


 

[ 191 ]

[ وكذا ما كان من غير الحيوان، كالموجود تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء (ع). (1) ويستثنى من دم الحيوان، المتخلف في الذبيحة بعد خروج المتعارف، سواء كان في العروق، أو في اللحم، أو في القلب، أو في الكبد، فإنه طاهر (2). ] (1) سوف نتكلم في هذا الفرع عند تعرض سيد الماتن (قده) لدم البيضة. (2) ويمكن أن يستدل عليه بعدة وجوه: الأول: قصور مقتضي النجاسة إثباتا، بناء على ما هو الصحيح من عدم ثبوت دليل على نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة، كي يكون مرجعا في حالة الشك. الثاني: الإجماع، حيث لم ينقل عن أحد الإشكال في هذا الحكم وإنما استفاض دعوى الإجماع عليه في كلماتهم. وهذا الإجماع بصيغته الفتوائية حاله حال الإجماع المتقدم في دم ما لا نفس له، من حيث ورود تلك المناقشات عليه. غير أنه بالإمكان صياغته في المقام بإرجاعه إلى الارتكاز وعمل أصحاب الأئمة (ع)، ومن بعدهم من المسلمين إلى زماننا هذا. فإن هذا البناء العملي والقولي الموروث على معاملة الدم المتخلف معاملة الطاهر، مع عدم ورود أسئلة عنه في الروايات، رغم كثرة ابتلاء الناس والرواة بالمسألة، وكونهم قد سألوا الأئمة (ع) عن أشياء أقل أهمية في حياتهم اليومية فأقول: إن مثل هذا الإجماع القولي والعملي كاشف عن وضوح الطهارة في أذهان المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع)، إذ احتمال غفلتهم عنه موضوعا أو حكما ينفيه كون الدم المتخلف محل ابتلائهم في حياتهم اليومية كثيرا، وكون حكم نجاسة الدم


 

[ 192 ]

مركوزة في الجملة في أذهانهم. وافتراض أنهم سألوا عنها وأفتاهم المعصوم عليه السلام بالنجاسة، ومع ذلك لم يصل إلينا كلامه، ينفيه أن شيوع الابتلاء بها يستلزم تظافر نقل الحكم بالنجاسة لو كان، وتأكيد الأئمة عليهم السلام والرواة على ترسيخه في ذهن المتشرعة من أصحابهم. فلا يبقى إلا أن يكون ذلك باعتبار موافقة المعصومين (ع) مع ما هو مقتضى الطبع العقلائي والأولى من عدم استقذار ما يتخلف في الذبائح بعد خروج المتعارف الكاشف عن طهارته شرعا. وكون الطهارة على وفق الطبع الأولي مع عدم وجود ردع عنها هو الذي يفسر لنا عدم وقوع السؤال من الرواة عن طهارته كثيرا، وعدم توافر الدواعي على نقلها كذلك. ثم إن المدرك على الطهارة لو كان هذا الوجه فلا بد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، باعتباره دليلا لبيا، فلا يمكن الرجوع إليه كلما شك في طهارة دم متخلف، خلافا للحال على الوجه الأول. وهذا من الفوارق بين الوجهين، وإن كان يغلب على الظن دخول تمام مراتب التخلف في الإجماع، فلا يبقى فرق بين الوجهين على مستوى التطبيق. الثالث: التمسك بما دل على حلية الحيوان بعد التذكية، إما بتقريب: أنه شامل بإطلاقه لكل جزء من أجراء الحيوان بعد التذكية ومنه الدم المتخلف، ولازم حليته طهارته. وإما بتقريب: أن اللحوم المذكاة لا تنفك عند استعمالها عادة عن دماء متخلفة فيها، إذ تفكيك اللحم وغسله إلى درجة تخرج منه كل الدماء المتخلفة أمر على خلاف العادة العرفية، فبدلالة الاقتضاء هذه تثبت حلية الدم في اللحم أيضا. ويرد على التقريب الأول: أن دليل الحلية ينفي الحرمة بملاك الميتة بعد حصول التذكية، فلا يمكن التمسك به لنفي الحرمة الثابتة بملاك الدمية أو البولية أو غيرهما كما هو المطلوب في المقام.


 

[ 193 ]

وأما التقريب الثاني، فيمكن أن يناقش فيه بأحد وجهين: الأول: ما ذكره المحقق الخونساري (ره) من أن غاية ما تستدعيه الملازمة الخارجية أن يكون الدم المندك مع اللحم والمغمور بين طياته حلالا وأما الدم المتخلف بعد خروجه فلا، فيرجع فيه إلى إطلاق النجاسة. وهذه المناقشة غير تامة، كما أفاده المحقق الهمداني (ره)، إذ الغالب خروج شئ من الدماء المتخلفة ولو قليلا بعد الطبخ، فلو التزم بنجاسته بعد الخروج لنجس الأطعمة، ولا يمكن أن يقصد من تجويز الأكل تجويزه بشرط عدم الطبخ. الثاني: أن مثل هذه الدلالة لا تشمل أكثر مما يعتاد وجوده من الدم المتخلف مع اللحم، فلا يعم مثل الدم الكثير المتخلف في باطن الذبيحة. وهذا النقاش لا دافع له إلا دعوى: عدم الفرق عرفا في الدماء المتخلفة بين ما يتخلف في الباطن وما يندك في جوف اللحم الذي يمكن إخراجه عنه بالعصر ونحوه، فلو تم ارتكاز عدم الفرق تم هذا الوجه لإثبات طهارة الدم المتخلف بإطلاقه. الرابع: قوله تعالى: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا... ". حيث يستدل به على اختصاص الحرمة بالدم المسفوح، فإن فسر ذلك بالدم الخارج حال الذبح فالدم غير المسفوح يشمل المتخلف حتى بعد خروجه وإن فسر بالدم المنصب من العرق فيختص غير المسفوح بالمتخلف غير الخارج من العرق، وعلى كلا التقديرين تثبت الطهارة بالملازمة. وهناك اعتراضان على هذا الاستدلال: الاعتراض الأول - تقديم إطلاق آية التحريم في قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " عليها، حيث لا يعلم بورودها قبل تلك


 

[ 194 ]

الآية كي تخصص بالمسفوح، إن لم يدع الاطمئنان بتأخر آية التحريم لورودها في سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت، وتلك الآية في سورة الأنعام المكية، ومع العلم بتأخر آية التحريم أو احتمال ذلك يكون المتبع إطلاقها فإن المورد وإن كان من موارد الدوران بين النسخ ورفع اليد عن الإطلاق الأزماني في آية الأنعام، أو التخصيص ورفع اليد عن الإطلاق الأفرادي في آية التحريم، إلا أنه في خصوص المقام لا يوجد إطلاق أزماني لآية الأنعام المتقدمة جزما أو احتمالا، لأنها لا تنفي وجود حرام في الواقع غير ما ذكر من العناوين، وإنما تنفي وجدانه فيما أوحي إلى النبي (ص) إلى ذلك الحين، فلا ينافي أن يوحى إليه بعد ذلك محرم آخر فلا معارض لإطلاق آية التحريم. هذا على تقدير إحراز تأخرها وأما مع الشك في التقدم والتأخر فيكون من موارد الشك في وجود المخصص لإطلاقه التي يكون الأصل فيها عدم المخصص وحجية العموم. وبهذا ظهر أن إطلاق الروايات الدالة على نجاسة الدم - لو تم - أيضا يكون مقدما على آية الأنعام لأنها لا إطلاق أزماني لها وإنما كنا نحكم بمضمون الآية لولا الدليل بمقتضى الاستصحاب. غير أن هذا البيان موقوف على أن لا نعمل بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) إذ قال: " ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه... ثم قرأ هذه الآية: قل لا أجد فيما أوحي إلي... " (1). وهي صريحة في إمضاء نفي الآية لمحرم آخر غير ما ذكر فيها إلى الأبد، فتكون دالة على نفوذ مدلول الآية وبقائه، الذي يستدعي تخصيص آية التحريم بالدم المسفوح بمقتضى الحصر. ولكن العمل بهذه الصحيحة مشكل إذ لا يوجد فقيه يفتي بانحصار


 
(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب الأطعمة المحرمة.

 

[ 195 ]

[ نعم إذا رجع دم المذبح إلى الجوف لرد النفس أو لكون رأس ] المحرمات فيما ذكرته الآية الشريفة، فلا بد وأن تحمل الرواية على محامل التقية وموافقة العامة بعد إباء سياقها عن التخصيص. الاعتراض الثاني: دعوى عدم دلالة الآية في نفسها على حلية الدم المتخلف إذ لا موجب له إلا توصيف الدم بالمسفوح، والوصف خال عن المفهوم على ما قرر في محله. وهذا الاعتراض يمكن أن يجاب عليه: تارة: بأن الوصف يدل على المفهوم الجزئي، وأن الحكم غير ثابت في بعض موارد فقدان الوصف على الأقل، كما حققناه في محله. وعندئذ يمكن دعوى: تعيين ذلك في الدم المتخلف بالارتكاز العرفي، أو لأنه القدر المتيقن. وأخرى: بأنا نتمسك بسياق الحصر في الآية حيث نفى وجود محرم غير ما ذكر. لا يقال: من المحتمل قويا أن يكون الحصر في الآية إضافيا بالنسبة إلى ما كان يتخيل في ذلك العصر حرمته وليس حصرا حقيقييا، إذ ما أكثر المحرمات الثابتة جملة منها بالقطع واليقين. فإنه يقال: - هذا لو سلم ولم يعمل برواية محمد بن مسلم المتقدمة - يرد عليه أن الدم غير المسفوح داخل فيما يضاف إليه الحصر بقرينة ذكره الدم مقيدا بالمسفوحية. وهكذا يتلخص: أن الاستدلال بالآية الكريمة على طهارة المتخلف غير مفيد، لأنه لو تم إطلاق يدل على النجاسة قدم عليها بقاء، وإلا كفانا عدم تمامية المقتضي للنجاسة.


 

[ 196 ]

[ الذبيحة في علو كان نجسا (1). ] (1) الدم المتخلف بالعناية تارة: يكون برجوعه إلى الداخل بعد خروجه، كما لو رد الحيوان نفسه فرجع قسم من الدم إلى الجوف. وأخرى بالمنع عن خروجه من أول الأمر، كما لو سد المذبح، أو كان رأس الحيوان عاليا فتخلف مقدار من الدم كان مقتضى الطبع خروجه. وفي كلا القسمين تارة: نفترض تمامية المقتضي للنجاسة بحسب مقام الإثبات في نفسه، وإنما خرجنا في المتخلف لمقيد. وأخرى: نفترض قصور المقتضي لدليل النجاسة في نفسه. أما على التقدير الأول: فلا بد وأن ننظر إلى المقيد ليرى هل يشمل المتخلف بالعناية أم لا؟. ولا إشكال في عدم شموله للمقام لو كان هو الإجماع، أو دلالة الاقتضاء في روايات جواز أكل الذبيحة، لعدم الإجماع في المقام إن لم يدع الإجماع على العدم، وعدم تمامية دلالة الاقتضاء لغير المتعارف تخلفه وهو المتخلف بالطبع. ولو كان المدرك هو الآية الكريمة فشمول مفهومها للقسم الأول من التخلف، أعني الرجوع بعد الخروج واضح العدم، لصدق الدم المسفوج عليه بعد خروجه من الذبيحة ولو رجع بعد ذلك، إذ لا يراد بالمسفوح ما يبقى مسفوحا وخارجا عن الذبيحة إلى الأبد. وأما شمولها للقسم الثاني وعدمه فمبني على أن يراد بالمسفوح ما خرج فعلا، وأما لو أريد به ما من شأنه الخروج فأيضا يكون المتخلف بالعناية داخلا في منطوقها لا المفهوم. وأما على تقدير القول بعدم تمامية الإطلاق في دليل النجاسة في نفسه كما تقدم اختياره، فقد يقال به أيضا في المتخلف بعد الرجوع، فضلا عما لم يخرج أصلا.


 

[ 197 ]

[ ويشترط في طهارة المتخلف أن يكون مما يؤكل لحمه على الأحوط فالمتخلف من غير المأكول نجس على الأحوط (1). ] وفيه: أولا: تمامية المقتضي بالارتكاز القاضي بعدم الفرق بينه وبين الدم الخارج غير الراجع، حيث لا يرى العرف بينهما فرقا إلا من ناحية موضع التجمع ومكانه، وهو ليس بمفرق. وثانيا: لو أنكرنا الارتكاز المذكور وفرضنا احتمال العرف دخل الرجوع في الطهارة فلا أقل من ارتكاز أن دخالته ليست بنحو الشرط المتأخر لطهارة الراجع من أول الأمر، فإنه لا فرق عرفا في الدم الخارج بالفعل حين خروجه بين ما سوف يرجع وما لا يرجع جزما، فاحتمال دخالة الرجوع في طهارة المتخلف لو كان فهو من باب كون تخلفه بعد رجوعه موجبا لارتفاع نجاسته ومن الواضح أنه على هذا التقدير يكون المرجع هو استصحاب النجاسة الثابتة قبل الرجوع. نعم هذا البيان مخصوص بالمتخلف بعد الخروج، ولا يجري على المتخلف بالعناية من دون خروج، غير أن الارتكاز الأول كاف للحكم بالنجاسة فيه أيضا. (1) اختصاص الطهارة بالمتخلف في الذبيحة المأكولة أو شمولها للمتخلف في الذبيحة من غير المأكول فضلا عن المتخلف في العضو غير المأكول كالطحال مبتن على مدارك الحكم بطهارة الدم المتخلف. فإذا كان المدرك قصور إطلاق دليل النجاسة في نفسه فهو جار في الموردين أيضا. ولو كان المدرك هو الإجماع القولي على الطهارة فمن الواضح اختصاصه بالمتخلف من ذبيحة مأكولة وفي عضوها المأكول، لأنه مورد الإجماع. ولو كان المدرك هو الإجماع بصيغته العملية الارتكازية،


 

[ 198 ]

[ (مسألة - 1): العلقة المستحيلة من المني نجسة، من إنسان كان أو من غيره، حتى العلقة في البيض، والأحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض (1). لكن إذا كانت في الصفار وعليه جلده لا بنجس معه البياض إلا إذ تمزقت الجلدة. ] فلا يبعد دعوى: التفصيل بين المتخلف في عضو غير مأكول من ذبيحة مأكولة فتشمله السيرة، وبين المتخلف في ذبيحة غير مأكولة فلا علم بشمولها. ولو كان المدرك دلالة الاقتضاء في أدلة تجويز أكل الذبيحة فمن الواضح اختصاصها بما يتخلف في العضو المأكول، لأنه الذي جوز أكله. ولو كان المدرك هو الآية الكريمة، فلو التزمنا بحرمة شرب الدم من غير المأكول كحرمة نفسه فالحلية الثابتة في الآية مخصصة لا محالة ومعه لا يمكن التمسك بلازمها وهي الطهارة، وإلا فتشمله الآية وتثبت فيه الطهارة أيضا. وحيث إن الصحيح عندنا هو المدرك الأول، فالمتجه هو الحكم بالطهارة في الموردين معا، لولا شبهة الإجماع المدعى من قبل غير واحد من الأصحاب على النجاسة المقتضي للاحتياط. (1) الدم تارة: لا يكون منسوبا إلى الحيوان بوجه كالدم المصنوع كيمياويا، أو بالإعجاز. وأخرى، ينتسب إلى الحيوان بمجرد كونه مظروفا بالواسطة له، كنقطة الدم الموجودة في البيض. وثالثة: ينتسب إليه مضافا إلى هذه الظرفية بكونه مبدأ لنشوء الحيوان، كالعلقة في البيض، ورابعة: ينتسب إليه مضافا إلى المبدئية بكونه مظروفا للحيوان مباشرة، كالعلقة المستحيلة من المني في الإنسان أو الحيوان. ولا شك في أن هذه الأقسام


 

[ 199 ]

مترتبة في خفاء الحكم بالنجاسة فيها. فالقسم الأول أخفى الأقسام، لوضوح أن الحكم بنجاسته يتوقف أولا: على ثبوت مطلق يدل على نجاسة الدم بعنوانه، وقد عرفت عدمه. وثانيا: على عدم احتمال تقوم مفهوم الدم عرفا بالإضافة إلى الحيوان، وإلا لم ينفع الإطلاق. وثالثا: - بعد افتراض سعة المفهوم - على عدم الانصراف عن هذا النحو من الدم، لا لمجرد ندرته حتى ينتقض بدم حيوان يخلق بالمعجزة فإنه في الندرة كالدم المخلوق بالإعجاز، بل بضم مناسبات الحكم والموضوع التي تقتضي ارتكازا تساوي نسبة النجاسة إلى دم الحيوان الطبيعي ودم الحيوان الإعجازي، ولا تقضي مثل ذلك في دم الحيوان مع الدم المخلوق إعجازا. وأما القسم الثاني: فهو يتوقف على الأمر الأول فقط لوضوح صدق الدم عرفا وانصرافا عليه، فلو تم مطلق يقتضي نجاسة الدم يشمله. وأما لو لم يتم دليل إلا على نجاسة دم الحيوان بهذا العنوان، فقد يستظهر من الإضافة الجزئية الفعلية، وقد يستظهر ما يعم الجزئية الشأنية المنطبقة على العلقة، وقد يستظهر عدم اختصاص الإضافة بالجزئية وشمولها لعلاقة الظرفية أيضا، ويتوقف شمول الدليل حينئذ للقسم الثاني على الاستظهار الثالث، مع عناية شمول الظرفية للظرفية بالواسطة. وأما القسم الثالث: فلا شك في شمول المطلق له لو كان. وأما مع اختصاص دليل النجاسة بدم الحيوان فيتوقف الشمول على نكتة الشمول للقسم الثاني، أو على استظهار ما يعم الجزئية الشأنية. وأما القسم الرابع: فهو مشمول للمطلق لو كان، والدليل نجاسة دم الحيوان على غير الاستظهار الأول من الاستظهارات الثلاثة المتقدمة. ومن مجموع ما ذكرناه ظهر أن للمنع عن نجاسة تمام الأقسام الأربعة


 

[ 200 ]

[ (مسألة - 2): المتخلف في للذبيحة وان كان طاهرا ولكنه حرام، الا ما كان ما كان في اللحم مما يعد جزء منه (1). ] مجالا، خصوصا القسم الاول فانا لا نسلم بوجود مطلق يدل على نجاسة كل دم أو على نجاسة دم كل حيوان، ولو سلم فلا يشمل تمام الا قسام المذكورة على التفصيل الذي اوضحناه. (1) لا شك في حلية ما يعتبر من الدم تابعا للحم، وان لم يكن مستهلكا فيه حقيقة بالنظر العرفي، وذلك للسيرة القطعية التي يستكشف بها تخصيص ادلة حرمة الدم، والدلالة الالنزامية العرفية لدليل حلية الذبيحة بالتذكية، مضافا الى مفهوم الوصف في قوله تعالى: " دما مسفوحا " بناء على دلالة مفهوم الوصف على انتفاء الحكم بانتفاء الوصف ولو في الجملة، وكون الانتفاء في مثل المقام هو القدر المتيقن من تلك القضية المهملة، وعدم تقديم اطلاق تحريم الدم في الآية الأخرى، على تفصيل تقدم عند البحث عن طهارة الدم المتخلف. واما ما لا بعد تابعا كذلك فهو حرام، لشمول اطلاقات الحرمة له، وعدم وجود المخصص، لعدم انعقاد السيرة على حليته، وعدم امكان اثبات حليته بمفهوم الوصف المشار إليه آنفا، لانه لو تم فهو قضية مهملة لا اطلاق فيها والمتيقن منها الدم التابع. مضافا الى امكان دعوى: كونه مسفوحا وعدم اختصاص المسفوح بالمنصب حين الذبح خاصة " كما ان دليل حلية الحيوان بالتذكية لا يقتصى بالالنزام حلية الدم غير التابع كما هو واضح. واما دعوى: الاستدال على حلية الدم المتخلف مطلقا بحصر محرمات الذبيحة في الروايات بامور ليس الدم منها، كما عن صاحب الحدائق (قدس سره) فغريبة، لا شتمال روايات محرمات الذبيحة على الدم ايضا، كرواية ابراهيم


 

[ 201 ]

[ (مسألة - 3): الدم الابيض إذا فرض للعلم بكونه دما نجس، كما في خبر فصد العسكري صلوات الله عليه، وكذا إذا صب عليه دواء غير لونه الى للبياض (1). ] ابن عبد الحميد عن ابى الحسن (ع) وغيرها كما يظهر بالمراجعة. وعليه فما في المتن هو الصحيح. (1) الدم تارة: يصبح ابيض بسبب خارجي عارض كالصبغ، واخرى يكون ابيض بحسب تكونه. اما الاول فلا اشكال في نجاسة، اما لا ستصحاب نجاسة، واما للتمسك بالاطلاق اللفظي في دليل نجاسة الدم لو كان لو ضوح عدم خروجه عن كونه دما بذلك. واما للتمسك بغير المطلق من ادلة نجاسة الدم بعد مساعدة العرف على التعدي لا قتضاء الارتكاز العرفي الغاء مثل هذه الخصوصية. واما الثاني فان كان على نحو لا يصدق عليه الدم عرفا، فلا اشكال في عدم شمول دليل النجاسة له. وان كان مصداقا للدم عرفا، فشمول الدليل له مبنى، اما على وجود الاطلاق اللفظي في دليل نجاسة الدم أو على لغاء الخصوصية بالارتكاز العرفي، وكلاهما غير ثابت. وان شك في مصداقيته للدم عرفا بنحو الشبهة المفهومية، فلا مجال لا جراء استصحاب الدمية فيه ولو فرضت له حالة سابقة كذلك، اما بناء على انكار اطلاق في الدليل الاجتهادي للنجاسة فواضح، واما بناء على ثبوت الاطلاق في مثل رواية عمار فلعدم جريان الاستصحاب في الشبهة المفهومية كما لا يجري حينئذ استصحاب النجاسة لعدم العلم بالنجاسة الدم لا يشمل الدم في داخل جسم الانسان فلا بأس بالحكم بطهارته ما لم يقم اجماع تعبدي علي النجاسة في مثله.


 

[ 202 ]

[ (مسألة - 4): للدم للذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس ومنجس للبن (1). (مسألة - 5): الجنين يخرج من بطن المذبوح ويكون ذكاته بذكاة امه تمام دمه طاهر ولكنه لا يخلو من اشكال (2). ] (1) سواء نشاء عن ضغط في الحلب مع ضعف الحيوان، أو عن جرح في الباطن أو غير ذلك، فانه نجس باعتباره دما مسفوحا عرفا وداخلا في القضية المتيقنة من دليل النجاسة، ولو لم نقل بوجود اطلاق شامل فيه، لوضوح عدم الفرق بحسب الارتكاز العرفي بين الاسباب المؤدية الى ظهور الدم. (2) وتحقيق الكلام في ذلك يقع تارة: بعد البناء على وجود اطلاق في دليل نجاسة الدم. واخرى: مع انكار ذلك. فعلى الاول يكون الاطلاق شاملا لمحل الكلام ومقتضيا لنجاسة المسفوح من دم الجنين، فنحتاج للحكم بطهارته الى مقيد. والمقيدات السابقة التي اخرجت الدم المتخلف في الذبيحة عن الاطلاق قاصرة عن اخراج مطلق دم الجنين بما فيه المسفوح منه، اما الاجماع الفتوائي فدليل لبى يقتصر فيه على القدر المتيقن. واما السيرة من المتشرعة فغير معلومة هنا، إذ يحتمل كون العادة جارية في مقام الاستفادة من الجنين على ذبحه وخروج مقدار من دمه. واما قوله تعالى " أو دما مسفوحا " بناء على تمامية الاستدلال به فلا يمكن الاستدلال به في المقام، إذ مع ذبح الجنين يصدق عنوان المسفوح على المقدار الذي يخرج فكيف نحكم بطهارة الكل. واما ما دل على جواز اكل الذبيحة بالتذكية الدال التزاما على طهارة الدم المتخلف فلا يدل


 

[ 203 ]

[ (مسألة - 6): للصيد للذي ذكاته بآلة للصيد في طهارة، ما تخلف فيه بعد خروج روحه اشكال، وإن كان لا يخلو عن وجه. واما ما خرج منه فلا اشكال في نجاسة (1). ] بالتزام على طهارة تمام دم الجنين في المقام، إذ لا يلزم من نجاسة ما يخرج منه عادة بالذبيح تعذر الاستفادة منه الا بعناية غير عرفية، كما كان يلزم ذلك من نجاسة المتخلف. وقد يقرب الحكم بطهارة مطلق دم الجنين بوجه مختص بالمقام، وبيانه: ان قوله تعالى: " ذكاتة الجنين ذكاة أمه " دل على أن الجنين كانه ذبح وذكى فيضم الى دليل أن ما بقى في المذبوح طاهر، فيكون الأول موسعا لموضوع الثاني وحاكما عليه. وفيه: أولا: ان ذلك يتوقف على أن يكون التنزيل في الدليل الأول الحاكم بلحاظ تمام الآثار، لا منصرفا الى الحلية فقط. ثانيا: أن موضوع الدليل المحكوم مركب من الذبح وكون الدم متخلفا، ومجرد تنزيل ذبح الجنين لا يكفي، بل لا بد أن ينزل أيضا دم أمه منزلة دمه على نحو يصدق على دم الجنين أنه دم متخلف بلحاظ ما خرج من دم الأم. وعلى الثاني لا بد في التعدي من القدر المتيقن للدليل على النجاسة من الجزم بعدم الفرق فقهيا أو ارتكاز عدمه عرفا، وقد قلنا فيما سبق. ان الدم المتخلف بالقسر حالة حال الدم المسفوح ارتكاز، لكن المقام يختلف الى حدما عن ذلك، لأن القسر هنا طبيعي لا عنائي فالجزم بالتعدي لا يخلو من اشكال. (1) لا اشكال في أن المقدار الخارج بآلة الصيد دم مسفوح وداخل في المتيقن من دليل النجاسة. وأما الباقي فهل يحكم بطهاته، أو يقال


 

[ 204 ]

[ (مسألة - 7): للذم المشكوك في كونه من الحيوان اولا محكوم بالطهارة. كما ان للشئ الاحمر للذي يشك في انه دم ام لا كذلك. وكذا إذا علم انه من الحيوان للفلانى ولكن لا يعلم انه مما له نفس اولا، كدم الحية وللتمساح. وكذا إذا لم يعلم انه دم شاة أو سمك (1). ] بأن طهاته منوطة بالتخلف عند فتح المجرى الطبيعي بالذبح ولا يكفي التخلف عن الخروج من الفتحة التي توجدها آلة الصيد؟. الظاهر هو الطهارة، أما بناء على عدم الالتزام بوجود اطلاق في ديل النجاسة فواضح واما بناء على تمامية الاطلاق فللزوم الخروج عنه، لأن لازمه تعين ذبح الصيد في مقام الاستفادة منه، إذ بدون ذلك لا يحكم بطهارة المتخلف فيتعذر أكله الا بعنايات غير عرفية، ومن الواضح قيام السيرة على عدم الذبح، فالمتعين الحكم بطهارة المتخلف. (1) تتلخص هذه المسألة في فروع أربعة: الفرع الأول: انه إذا شك في كون شئ دما أم لا، فهو محكوم بالطهارة. ولا اشكال في عدم ترتيب آثار النجاسة عليه. الا أن الكلام في تخريج ذلك على ضوء الأصول الموءمنة، إذ قد يقرب ذلك بعدة وجوه: أحدهما: التمسك بأصالة الطهارة. وهو موقوف على تمامية عموم في دليلها يشمل موارد الشك في النجاسة الذاتية. وقد تقدم تفصيل الكلام عن ذلك في موضع سابق من هذا الشرح. ثانيها: التمسك بالاستصحاب الحكمي، وذلك: اما باجراء استصحاب عدم جعل النجاسة له، فيما إذا كانت الشبهة مفهومية، لرجوعها الى الشك في الجعل الزائد. واما باجراء استصحاب الطهارة المتيقنة في زمان ما


 

[ 205 ]

لهذا المائع المشكوك حتى على تقدير كونه دما، لان الدم ما دام في الباطن طاهر، فنستصحب تلك الطهارة. واما باجراء استصحاب العدم الأزلي للنجاسة المجعولة الجاري في موارد الشبهة الموضوعية، فيما إذا سلم بان الدم منذ يوجد في الباطن نجس، فان فعلية هذه النجاسة مسبوقة بالعدم الازلي الثابت قبل وجود الموضوع، فيستصحب. اما الاستصحاب الاول فلا يتم في الشبهات الموضوعية، لان الشك فيها انما هو في مرحلة الانحلال وتطبيق الكبرى على صغرياتها، وليس شكا في سعة الكبرى وحدود جعلها. واما الاستصحاب الثاني فلا يتم حتى لو قبل بطهارة الدم في الباطن لان طهارته انما يقال بها لقصور دليل نجاسة الدم لشمول الباطن، فيرجع في الدم الباطن الى قاعدة الطهارة. فان اريد بالاستصحاب استصحاب الطهارة الواقعية فهي غير محرزة ثبوتا، وان اريد استصحاب الطهارة الثابتة ولو بالاصل فلا معنى لذلك مع امكان الرجوع الى دليل الاصل ابتداء لاثبات الطهارة الظاهرية. وامل الاستصحاب الثالث، فقد يلاحظ عليه انه مبنى على مقايسة نجاسة الدم بالاحكام التكليفية كوجوب الحج على المستطيع، فكما ان فعلية وجوب الحج تابعة لوجود المستطيع خارجا كذلك فعلية النجاسة تابعة لوجود الدم خارجا، فيكون لها عدم ازلي بعدم الدم. مع ان وصف القذارة لشئ في نظر العرف يختلف عن وصف الوجوب على المستطيع، حيث انه لا يتعقل الوجوب على المستطيع الا بعد وجوده، فينحل الجعل الى قضية شرطية مؤداها: لو وجد مستطيع لوجب عليه الحج، وبذلك تكون فعلية الوجوب تابعة لفعلية وجود الشرط. ولكنه يتعقل كون الشئ قذرا في نفسه بحيث يكون وجوده وجودا للقذر، لا انه بعد الوجود يوصف بالقذارة. فجعل


 

[ 206 ]

النجاسة للدم لا ينحل الى قضية شرطية موازية، بمعنى انه إذا وجد الدم كان قذرا، بل الى قضية مفادها إذا كان الشئ دما فهو قذر، وكون الدم دما لا يتوقف على وجوده، وهذا يعني ان المجعول فعلي بنفس الجعل دون توقف على وجود الموضوع. ويترتب على ذلك: ان المستصحب هو عدم المجعول الثابت بعدم الجعل، لا عدمه الازلي الثابت بعدم وجود الموضوع. ثالثها: التمسك بالاستصحاب الموضوعي فيما إذا كانت الشبهة موضوعية لا مفهومية، لعدم جريان الاستصحاب في المفهوم المجمل. وذلك باجراء استصحاب العدم الازلي لدمية المائع المشكوك الثابت قبل وجوده. وقد يقال باجراء استصحاب عدم كونه دما ولو بني على عدم جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية، لان مادة هذا المائع لم تكن دما في زمان يقينا فيستصحب ذلك. وفيه: ان هذا مبني على جريان الاستصحاب في موارد الشك في الاستعملة، لان المقام منه، حيث ان تحول الغذاء الى دم، يعتبر استحالة عرفا، وهو لا يجرى على ما يأتي ان شاء الله تعالى في بحث المطهرات: وقد يقال: بعدم جريان الاستصحاب لنفي دمية المائع ولو قيل باجراء الاستصحاب في الاعدام الازلية، لان الدمية من الخصائص الذاتية لا العرضية والخصوصيات الذاتية لا يقين بعدمها اصلا، لان ثبوت الشئ لذاته ضروري بقطع النظر عن وجوده: وتفضيل الحال في ذلك: ان الحكم بالنجاسة ان كان بجسب الفهم العرفي حكما مترتبا على وجود الخارجي للدم، فمن الواضح ان هذا الوجود لم يكن قبل تحققه وجودا للدم، فيستصحب العدم الازلي لذلك. وان كانت النجاسة بحسب الفهم العرفي حكما لذات الدم في نفسه بقطع النظر باقذارة، فلا يمكن اجراء استصحاب عدم دمية ذات المائع المشكوك،


 

[ 207 ]

لان المائع إذا كان دما فلا انفكاك بين فرض ذاته وفرض الدمية، كما هو واضح. الفرع الثاني: انه إذا علم بكونه دما وشك في كونه من الحيوان أو غيره، فهو محكوم بعدم النجاسة، اما لاصالة الطهارة، أو للاستصحاب الحكمي، أو للاستصحاب الموضوعي. اما الاول: فالكلام فيه كما تقدم في الفرع السابق واما الثاني: فهو تام بالبيان المتقدم. ولا يرد عليه: ان الشبهة إذا كانت مفهومية - كما إذا شك في ان دم البيضة هل يصدق عليها عنوان دم الحيوان - كان المقام من موارد التمسك بعموم دليل نجاسة الدم، إذ يدور امر المخصص له المخرج لدم غير الحيوان بين الاقل والاكثر فلا تصل النوبة الى الاستصحاب. ووجه عدم الورود: ان اختصاص النجاسة بدم الحيوان ليس من باب التخصيص، ليتمسك بالعام في موارد الشك، بل لقصور دليل النجاسة من اول الامر. واما الثالث: اي استصحاب عدم كون الدم من حيوان، فيرد عليه: ان الدم الذي لا يكون من حيوان لم تثبت طهارته بدليل اجتهادي ليتنقح موضوعه بالاستصحاب، وانما ثبتت طهارته بقاعدة الطهارة بعد قصور دليل النجاسة، فلابد من الرجوع إليها ابتداء، كما اشرنا الى نظير ذلك في الفرع السابق. الفرع الثالث: انه إذا علم بكونه دم حيوان معين وشك في ان هذا الحيوان ذو نفس سائلة فهو محكوم بالطهارة. وتفضيل ذلك: ان الشبهة تارة: مفهومية، واخرى: مصداقية. فعلى الاول: ان بنى على وجود اطلاق في دليل نجاسة الدم وان طهارة دم ما لا نفس له مستندة الى التخصيص المنفصل، تعين التمسك بالمطلق لاثبات النجاسة، ولا تصل النوبة الى الاصول. وان بنى على عدم وجود اطلاق وان طهارة ما لا نفس


 

[ 208 ]

له مستندة الى قصور المقتضى، فلا بأس باجراء اصالة الطهارة والاستصحاب الحكمي على ما تقدم، دون الاستصحاب الموضوعي لعدم جريان الاستصحاب في المفهوم المجمل. وعلى الثاني: يرجع الى القاعدة والى الاستصحاب الحكمي. وقد يتمسك بالاستصحاب الموضوعي، اي استصحاب عدم كون الحيوان ذا نفس سائلة بنحو العدم الازلي ولكنه مشكل، لان ما ليس له نفس سائلة ان كان موردا للدليل الاجتهادي على الطهارة فلا بأس بالاستصحاب الموضوعي لتنقيح موضوع هذه الطهارة أو نفي موضوع النجاسة، واما إذا كان نفي النجاسة عن دم ما ليس له نفس على اطلاقه ناشئا من قصور دليل النجاسة والرجوع الى الاصل، فلا يفيد الاستصحاب المذكور لنفي الموضوع الواقعي للنجاسة، بل لابد من الانتهاء مع ذلك الى القاعدة، ومعه يلغو اجراء الاستصحاب. الفرع الرابع: انه إذا علم بكونه دم حيوان مردد بين السمك الذي لا نفس له والدجاج الذي له نفس. والحال فيه: من حيث الرجوع الى القاعدة أو الاستصحاب الحكمي كما تقدم. واما من حيث الاستصحاب الموضوعي فلا يمكن اجراء استصحاب عدم كون الحيوان المنسوب إليه هذا الدم ذا نفس سائلة، لانه من استصحاب الفرد المردد، لان ذات ذاك الحيوان اما مقطوع الاتصاف بهذا الوصف أو مقطوع الاتصاف بعدمه. وقد يتمسك - كما عن السيد الاستاذ - باستصحاب عدم كون الدم دم حيوان ذى نفس سائلة. ولكن يرد عليه: ان الموضوع للحكم بالنجاسة هو دم الحيوان ذى النفس السائلة، فإذا اخذ هذا الموضوع للحكم بنحو التقييد امكن اجراء الاستصحاب المذكور، وإذا اخذ الموضوع بنحو التركيب - كما هو المستظهر في سائر الموارد - كان الموضوع مركبا من دم حيوان وكون الحيوان


 

[ 209 ]

[ فإذا رأى في ثوبه دما لا يدري انه منه أو من للبق أو للبرغوث يحكم بالطهارة (1). واما للدم المتخلف في للذبيحة إذا شك في انه من القسم للطاهر أو للنجس، فالظاهرز الحكم بنجاسته عملا بالاستصحاب، وان كان لا يخلو عن اشكال. ويحتمل للتفضيل: بين ما إذا كان للشك من جهة احتمال رد للنفس فيحكم بالطهارة لاصالة عدم للرد، بين ما إذا كان لاجل احتمال كون رأسه على علو فيحكم بالنجاسة عملا باصالة عدم خروج المقدار المتعارف (2). ] ذانفس سائلة، والأصل حينئذ لا بد من اجرائه في ذات الجزء الذي تتم فيه أركانه، لا في المجموع بما هو مجموع، لانه خلف التركيب، ومن الواضح أن الجزء الأول مقطوع الثبوت، والجزء الثاني لا يمكن استصحاب عدمه لأنه من استصحاب الفرد المردد كما تقدم. (1) التحقيق هو الفرق بين تردد الدم بين كونه دم انسان أو دم سمك، وتردده بين كونه دم انسان أو دم برغوث أو نحوه من الحيوانات التي ليس لها دم بالأصالة. ففي الأول: تجري الأصول المؤمنة كما سبق واما في الثاني: فيجري الاستصحاب الموضوعي المقتضى للنجاسة، لأن هذا الدم يعلم بأنه دم انسان ونحوه حدوثا - إذا علم بأنه على تقدير كونه من برغوث فقد انتقل إليه من انسان أو نحوه مما له نفس سائلة - ويشك في تبدل عنوانه، فيستصحب العنوان المتيقن، ويحكم بنجاسته: (2) مفروض المصنف - قدس سره - هو الكلام في الشبهة المصداقية للمتخلف والمسفوح، وقد قسم ذلك الى فرعين: أحدهما: فيما إذا شك في خروج المقدار المتعارف والكلام فيه:


 

[ 210 ]

تارة: يقع في الأصل الحكمي. وأخرى: في الأصل الموضوعي. أما الأصل الحكمي: فقد يتمسك باستصحاب النجاسة الثابتة حال الحياة. ولكنه مدفوع بعدم وجود دليل على نجاسة الدم في باطن الححيوان - حتى لو تم اطلاق في مثل موثقة عمار السابقة - لعدم شموله للدم الباطن. وقد يتمسك - بناء على ذلك - باستصحاب الطهارة ولكنه موقوف على قيام دليل اجتهادي على طهارة الباطن، كما لو تم مفهوم قوله تعالى: " دما مسفوحا ". واما إذا كانت طهارة الباطن بالأصل، فهو المرجع، ولا محصل حينئذ لتوسيط الاستصحاب: واما الأصل الموضوعي: فيمكن أن يقرب لاثبات النجاسة بأحد وجهين: الأول: التمسك باستصحاب عدم خروج المقدار المتعارف وتحقيق الحال في ذلك: انه تارة: نفرض أن الدليل دل على نجاسة كل دم وخرج بالتخصيص الدم المتخلف. ويترتب على ذلك أنه لو لم يخرج المقدار المتعارف كان الكل نجسا ذاتا. وأخرى: نفرض - كما هو الأقرب - أن الدليل لم يدل على نجاسة كل دم ثم ورد عليه تخصيص، بل دل ابتداء على نجاسة الدم المسفوح ولو بتعميم المسفوح لما سفح بالفعل وللمسفوح شأنا أي ما كان من شأنه الخروج ولم يخرج لمانع. ويترتب على ذلك: انه لو لم يخرج المقدار المتعارف لا يكون الكل نجسا ذاتا، بل بعضه نجس استصحاب عدم العنوان المحكوم عليه بالطهارة، سواء فرضناه عنوانا بسيطا - كما إذا فرض استثناء المتخلف مثلا فيستصحب عدم التخلف - أو فرضناه مركبا، كما إذا فرض استثناء دم ذبيحة خرج منه المقدار المتعارف بأن يكون الموضوع مركبا من دم ذبيحة وخروج المقدار المتعارف منها فيستصحب عدم الجزء الثاني فتثبت النجاسة.


 

[ 211 ]

واما إذا أخذنا بالفرضية الثانية وكانت النجاسة حكما لدم معين وعنوان وجودي كالمسفوح ولو شأنا، فاستصحاب عدم الخروج أو عدم التخلف لا يثبت هذا العنوان الا بنحو الأصل المثبت، فلا تثبت النجاسة: الثاني: التمسك بالاستصحاب بوجه آخر. توضيحه: اننا إذا فرضنا مثلا أن المقدار المتعارف خروجه هو أوقية قد أصبحت بالسفح ولو سفحا شأنيا، سواء كانت قد خرجت أولا. ويشار حينئذ الى الدم الموجود في الذبيحة فعلا ويقال: ان لم يكن هذا نجسا ذاتا فقد كان ملاقيا حتما لذاك الدم الذي صار نجسا، فان الملاقاة معلومة ولو بلحاظ حال الحياة، ونشك في انقطاع الملاقاة وعدمه، إذ لو خرج مجموع الأوقية فقد انقطعت الملاقاة والا فلا، فتستصحب وتثبت النجاسة. من قبيل ما لو لا قي الثوب مع الخشبة وعلمنا بأنها تنجست، وشك في بقاء الملاقاة الى حين نجاسة الخشبة فتستصحب الملاقاة الى حين النجاسة. لا يقال: العبرة بملاقاة النجس بعنوان كونه نجسا، وهذا لا يثبت الا بالملازمة. فانه يقال: انه لو ثم هذا الاشكال لبطل أيضا استصحاب نجاسة الملاقي - بالفتح - لاثبات نجاسة الملاقى. والجواب: يكون بالالتفات الى أن هذه الموضوعات ترجع الى التركيب، فموضوع النجاسة هو الملاقاة مع جسم، وان يكون ذلك الجسم نجسا. فلو علم بالجزء الأول وشك في الثاني جرى استصحابه، كما في استصحاب نجاسة الملاقي - بالفتح - وان علم بالثاني وشك في الاول جرى أيضا استصحابه، كما في المقام وفيما ذكرناه من مثال الخشبة. وعليه فهذا الاستصحاب فيما نحن فيه يحكم بالنجاسة. الا أن هذا الاستصحاب انما يجري فيما إذا شك في خروج المقدار المعلوم تعارف خروجه، لا فيما علم بالمقدار الخارج وشك في مقدار المتعارف


 

[ 212 ]

لاجل الشك في قدر الدم الذي يشتمل عليه الحيوان، فانه في مثل ذلك لا يمكن استصحاب الملاقاة مع الدم المتعارف ظهوره، لأنه من استصحاب الفرد المردد، لأننا نعلم بانقطاع الملاقاة مع واقع الدم المتعارف خروجه على تقدير أن يكون المقدار المعلوم خروجه هو المتعارف. على أن هذا الاستصحاب في المورد الذي يجري لا يثبت النجاسة لابتلائه بالمعارض، إذ لو لوحظ ما هو الموجود في الذبيحة من الدم فيشك في كونه دما مسفوحا. والنجاسة متعلقة بالمسفوح، فيستصحب عدم كونه دما مسفوحا. وبناء عليه يقال: إنه ليس دما نجسا على أساس كونه مسفوحا لنفي ذلك بالاستصحاب، وليس نجسا من باب الملاقاة للعلم بعدم ملاقاته لشئ آخر. وبعد تعارض الاستصحابين يرجع الى أصالة الطهارة الفرع الثاني: فيما إذا علم بخروج المقدار المتعارف وشك في الرجوع فالدم المحتمل كونه هو الراجع يحتمل فيه النجاسة الذاتية، والباقي الملاقي له تحتمل فيه النجاسة العرضية. وقد يتمسك فيه لنفي النجاسة باستصحاب عدم الرجوع أو عدم رد النفس، وهو لا يثبت عدم كون هذا الدم راجعا الا بالملازمة كما هو واضح. وقد يستبدل - نظرا لذلك - باستصحاب بقاء هذا الدم في الذبيحة. والتحقيق: ان النجاسة إذا قيل بانها لم تثبت في دليلها الا على عنوان الدم المسفوح ولو شأنا لم يكن هناك اثر لاستصحاب بقاء الدم، بل يجرى استصحاب عدم كونه مسفوحا. وإذا قيل: بان الدليل دل على نجاسة دم الذبيحة مطلقا وخرج منه بالتخصيص الدم المتخلف، فان كان الخارج خارجا بعنوان ثبوتي بسيط كعنوان المتخلف، جرى استصحاب عدم هذا العنوان لاثبات النجاسة، ولا يفيد استصحاب بقاء الدم في الذبيحة. وان كان الخارج من اطلاق دليل النجاسة الدم الباقي في الذبيحة، فهنا افتراضان:


 

[ 213 ]

[ (مسألة - 8): إذا خرج من الجرح أو الدمل شئ اصفر يشك في انه دم أم لا، محكوم بالطهارة. وكذا إذا شك من جهة للظلمة انه دم ام قيح، ولا يجب عليه الاستعلام (1). ] احدهما: ان يكون موضوع الحكم بالطهارة الدم الباقي مع خروج المقدار المتعارف. والآخر: ان يكون الموضوع الدم الباقي بعد خروج غيره بالمقدار المتعارف، فعلى الاول يفيد استصحاب بقاء هذا الدم لاثبات الطهارة لان الموضوع للطهارة يكون مركبا من جزئين: احدهما يحرز بهذا الاستصحاب والآخر محرز بالوجدان وهو خروج المقدار المتعارف. وعلى الثاني لا يفيد الاستصحاب المذكور، لان الجزء الآخر في الموضوع - وهو خروج غيره بالمقدار المتعارف - غير محرز وجدانا، ولا يمكن اثباته بالاستصحاب، كما هو واضح. (1) إذا شك في النجاسة بنى على الاصول المؤمنة الحكمية والموضوعية ولم يجب الفحص، إما لعدم وجوب الفحص ولو بمعنى يقابل غمض العين في مطلق الشبهات الموضوعية، واما لعدم وجوب ذلك في خصوص الشبهات الموضوعية للنجاسة، بقرينة لسان مثل قوله: " ما ابالى أبول اصابني أو ماء إذا لم أعلم " (1) ونحوه من الالسنة: وانما الجدير بالبحث هنا احتمال الحكم بنجاسة الشئ الاصفر الخارج ولو لم يكن دما لاشتماله على صفرة الدم. وما يقرب به الحكم بالنجاسة احد أمور: إما كونه ملاقيا للدم في الباطن. وإما اشتماله على الدم فعلا بقرينة الصفرة ولا يضر استهلاكه بتنجيسه، كالدم الذي ينجس القدر مع انه يستهلك فيه. وإما كون المائع متغيرا بلون النجس ولو فرض عدم هامش (1) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات


 

[ 214 ]

[ (مسألة - 9): إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في انها دم أو ماء اصفر يحكم عليها بالطهارة. وكذا إذا شك من جهة للظلمة انه دم ام قيح، ولا يجب عليه الاستعلام (1). (مسألة - 10): الماء الاصفر للذي ينجمد على الجرح عند للبرء طاهر، الا إذا علم كونه دما أو مخلوطا به فانه ] ملاقاته للنجس في زمان، بناء على ان التغير بالنجس ولو بلا ملاقاة يوجب انفعال المعتصم فضلا عن غيره. والكل غير صحيح: اما الاول: فلان الدم في الباطن ليس بنجس مضافا الى ان الملاقاة في الباطن كذلك لا توجب السراية. واما الثاني: فلان الانفعال انما يتصور مع الاستهلاك فيما إذا حصلت الملاقاة مع النجس آناما ثم استهلك النجس فيما لاقاه، وفي المقام الدم حينما لا قى في الباطن لم يكن نجسا ولا منجسا، وبعد الخروج كان مستهلكا. ودعوى: عدم الاستهلاك لان الالتفات الى التغير حافظ للالتفات عرفا الى وجود الدم، إذ لا يتغير الماء بنفسه، فالدم موجود عرفا فينجس الماء. مدفوعة: بان التغير لا ينافي الاستهلاك، فكأن التغير تحول من الذات الى الصفة عرفا. واما الثالث ففيه: ان من يقول بان التغير بوصف النجس منجس ولو بدون ملاقاة، انما يقول به فيما إذا كان هناك نجس موجود سبب التغير ولو بالمجاورة في اوصاف الماء المعتصم، وفي الباطن، وحينما خرج كان مستهلكا ولا وجود له عرفا. فالظاهر هو الحكم بطهارة المائع المذكور. (1) ظهر الحال في ذلك مما سبق فلاحظ.


 

[ 215 ]

[ نجس، الا إذا استحال جلدا (1). (مسألة - 11): الدم المراق في الامراق حال غليانها نجس منجس وان كان قليلا مستهلكا وللقول بطهارته بالنار - لرواية ضعيفة - ضعيف (2). ] (1) على ما يأتي في بحث مطهرية الاستحالة ان شاء الله تعالى. (2) لا اشكال في ان مقتضى القاعدة هو النجاسة، لان الاستهلاك في طول الملاقاة زمانا، فلا يمنع عن منجسية الملاقاة واما بلحاظ الروايات فتوجد هنا روايات ثلاث قد يستدل بها على طهارة المرق الملقي فيه الدم بالطبخ: الاولى: رواية زكريا بن آدم قال " سألت أبا الحسن (ع) عن قطرة خمرا ونبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير " قال: يهراق المرق أو يطعمه اهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله قلت: فانه قطر فيه الدم. قال: الدم تأكله النار " (1). وهذه الرواية ضعيفة سندا بابن المبارك. واما من حيث الدلالة فقد يقال: باجمال الرواية، لاحتمال ان يكون النظر فيها الى محذور الحرمة الثابتة في الدم الطاهر، لا الى نجاسة الدم، فلا تدل على مطهرية النار وقد يدفع هذا الاجمال: بان ارتكازية زوال محذور الحرمة بالاستهلاك - لأنه يوجب انعدام موضوعها - تقتضي صرف ظهور الرواية الى ما لا يكون مفروغا ارتكازا وهو ارتفاع محذور النجاسة بالنار: مضافا الى ان تقييد الدم بالطاهر خاصة بلا موجب. ولكن في مقابل ذلك ارتكاز ان محذور النجاسة لا يزول عن الملاقى بانعدام النجس بعد الملاقاة، وهو يوجب كون التعليل ناظرا الى محذور الحرمة وارتفاعها، لا الى مطهرية النار للمرق


 
(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات ح 8.

 

[ 216 ]

لان كون النار تأكل الدم لا يناسب علة لنفي محذور النجاسة لو كان فتحكمل الرواية على الدم الطاهر. الثانية: رواية سعيد الاعرج قال: " سألت ابا عبد الله (ع): عن قدر فيها جزور وقع فيها قدر اوقية من دم أبؤكل؟. قال: نعم، فالنار تأكل الدم " (1). وهذه الرواية من حيث السند تامة، إذ لا تأمل الا في سعيد الاعرج وهو ثقة. إما لا ستظهار كونه عين سعيد بن عبد الرحمن الاعرج المصرح بوثاقته من النجاشي، كما هو الاقرب. أو لان بعض الثلاثة - كصفوان - يروى عنه على اي حال سواء ثبت تعدده اولا. واما من حيث الدلالة: فتأتي هنا نفس القرينة التي جعللناها في الرواية السابقة شاهدة على بن جعفر في كتابه - على ما في الوسائل - عن اخيه قال: " سألته: عن قدر فيها الف رطل ماء يطبخ فيها لحم وقع فيها اوقية دم هل يصلح اكله؟ فقال: إذا طبخ فكل، فلا بأس " (2) وهذه الرواية تامة سندا، لصحة سند صاحب الوسائل الى الشيخ الطوسي وصحة سند الشيخ الى كتاب علي بن جعفر. واما دلالتها فقد يستشكل فيها بوجوه: الأول: ما حاوله السيد الاستاذ - دام ظله - في المقام، من ايراد نفس ما ورد على الروايتين السابقين من القرينة الصارفة عن النجاسة. وفيه: أنه فرق بين هذه الرواية والروايتين السابقتين فانه فيهما قد عبر بأكل النار للدم، وهذا لا يناسب كونه تعليلا لزوال النجاسة الحاصلة بالملاقاة


 
(1) وسائل الشيعة باب 44 من أبواب الأطعمة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 44 من أبواب الأطعمة المحرمة

 

[ 217 ]

لأن انعدام المنجس بعد التنجيس ليس مطهرا في الارتكاز العرفي. واما في هذه الرواية فقد ورد: " إذا طبخ فكل فلا بأس "، وهذا يدل على مطهرية الطبخ وايجابه ارتفاع النجاسة الحاصلة بالملاقاة، وليس ذلك على خلاف الارتكاز، إذ لم تعلل مطهرية الطبخ بكونه موجبا لانعدام الدم المنجس. الثاني: ما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - أيضا من أن هذ الحديث يشمل الدم النجس بالاطلاق، وهو معارض بالعموم من وجه مع اطلاق دليل نجاسة الملاقي للدم الشامل لما بعد الطبخ بالنار، ففي صحيحة علي ابن جعفر عن أخية قال: " وسألته: عن رجل رعف وهو يتوضأ فتقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟. قال: لا "، فيتعارضان في في مورد الدم النجس المطبوخ. وبعد التساقط يرجع الى استصحاب النجاسة عند من يقول بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. ونلاحظ: ان اطلاق الحكم بأنه لا يصح الوضوء من الماء المذكور لا يمكن أن يشمل فرض الطبخ، لأن مجرد وضع الماء على النار لا يسمى طبخا، وانما يكون ذلك باضافة اللحم ونحوه بنحو يكون مرقا، ومعه يخرج عن الاطلاق ولا يكون صالحا في نفسه للوضوء منه فليس في الاطلاق المذكور نظر لما بعد الطبخ المساوق للاضافة. هذا مضافا: الى منع نظر أدلة الانفعال عموما الى المدني، باعتبار مدينة الشائل والمسؤول منه، ولا أقل من الاجمال، ومن المعلوم أنه إذا حمل الرطل على المدني أو المكي دون العراقي كان ماء القدر كرا ومعتصما فلعل الحكم بالطهارة باعتبار ملاقاة الدم له اضافته، أو باعتبار اعتصام


 

[ 218 ]

المضاف بالكرية أيضا. وفيه: - مضافا الى بعد فرض الملاقاة قبل الاضافة وبطلان فرض اعتصام المضاف بالكرية - ان ظاهر الجواب: اناطة نفي البأس بالطبخ وهو لا يناسب الا مع حمله على مطهرية الطبخ، والا فان اندفاع محذور النجاسة يكون بالاعتصام واندفاع محذور الحرمة بالاستهلاك، نظرا الى كثرة الماء ولا دخل للطبخ في ذلك. وعلى هذا فلولا عدم وجود قول معتد به بمطهرية الطبخ أو النار في مورد هذه الروايات لأمكن المصير الى ذلك بلحاظها وهنا روايتان وردنا في مطهرية النار في مورد الانفعال بالميتة، وقد يتعدى من موردهما إذا تمت دعوى عدم الفرق قطعا أو ارتكازا. احداهما: رواية أحمد بن محمد عبد الله بن زبير عن جده قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الواب فتموت، فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز؟ قال: إذا أصابته النار فلا بأس بأكله " (1) وهذه الرواية تفترض إنفعال ماء البئر، وبعد ثبوت إعتصامه لا بد من حمل البأس فيها على التنزه لا على النجاسة، فلا تكون دالة على مطهرية النار، بل على ارتفاع الحزازة التنزيهية بها، هذا مضافا الى ضعف سندها وعدم ثبوت وثاقة أحمد بن محمد المذكور. والأخرى: رواية محمد بن أبي عمير عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام " في عجين عجن وخبز، ثم علم ان الماء كانت فيه ميتة، قال: لا بأس أكلت النار ما فيه " (2). وهي - مضافا الى سقوطها سندا بالارسال - يمكن المناقشة في دلالتها:


 
(1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب الماء المطلق ح 17 (2) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب الماء المطلق ح 18

 

[ 219 ]

[ (مسألة - 12): إذا غرز ابرة أو ادخل سكينا في بدنه أو بدن حيوان، فان لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر وان علم ملاقاته لكنه خرج نظيفا فالا حوط الاجتناب عنه (1). (مسألة - 13): إذا استهلك الدم الخارج من بين الاسنان في ماء للفم فالطاهر طهارته، بل جواز بلعه. نعم لو دخل من الخارج دم في للفم فاستهلك، فالاحوط الاجتناب عنه. والاولى غسل للفم بالمضمة أو نحوها (2). بأن ظاهر الأكل كون المأكول شيئا عينيا، فلا معنى لحمله على أكل النجاسة الحكمية، ومع الحمل على عينية المأكول يكون مفاد الرواية مساوقا للتعليل الوارد في بعض الروايات المتقدمة، فلا يناسب كونه تعليلا لارتفاع النجاسة بل لارتفاع الحرمة فيختص بالميتة الطاهر في نفسها. (1) ان لم يعلم الملاقاة للدم في الباطن فهو طاهر بلا إشكال، ولو لاستصحاب عدم ملاقاته للدم. ولا تضر ملاقاته لما هو ملاق للدم لأن الملاقي الداخلي للدم لا يتنجس به كما هو واضح. وأما مع الجزم بالملاقاة للدم، فان خرج الشئ ملوثا فلا اشكال في النجاسة، وإلا فهو من ملاقاة الشئ الخارجي للدم الداخلي في الداخل، وكونها منجسة محل الكلام، وإن كان الأقرب العدم، لعدم الدليل على نجاسة الدم في الداخل، وعدم اطلاق في دليل السراية لمثل هذه الملاقاة لو فرضت نجاسته في نفسه. (2) ليس وجه الفرق في النظرة - قدس سره - طهارة الدم الأول وإلا لما قيد الفرع الأول بالاستهلاك فكأنه يعترف بنجاسة الدم الخارج من الاسنان، إما لا طلاق في دليل نجاسة الدم، أو للدخول في القدر المتيقن وهو المسفوح باعتبار انقطاعه عن أصله. بيد أن هذا الدم لا ينجس ماء


 

[ 220 ]

[ (مسألة - 14): الدم المنجمد تحت الاظفار أو تحت الجلد من البدن ان لم يستحل وصدق عليه الدم نجس. فلو انمزق الجلد ووصل الماء إليه تنجس. ويشكل معه الوضوء أو الغسل، فيجب اخراجه ان لم يكن حرج، ومعه يجب ان يجعل عليه شيئا مثل الجبيرة، فيتوضأ أو يغتسل (1). هذا إذا علم انه دم منجمد، وان احتمل كونه لحما صار كالدم من جهة الرض - كما قد يكون ذلك غالبا - فهو طاهر. السادس والسابع الكلب (2). ] الريق، لأن الباطني لا ينجس الباطني، فإذا استهلك فيه لم يبق محذور في بلغ ماء الريق. وأما الدم الخارجي المستهلك في ماء الريق، فحيث أن ملاقاته لماء الريق منت ملاقاة الخارجي الباطني فقد يكون منجسا له، ومعه لا يفيد استهلاكه في ارتفاع المحذور، ولهذا احتاط الماتن في هذا الفرض والصحيح عدم شمول دليل الانفعال لذلك. (1) بل قد يقال: بتعين اليتمم عليه، لأن دليل الجبيرة لا يشمل جميع موارد تعذر غسل العضو ولو لم يكن جرح أو قرح، على ما يأتي تفصيله وتحقيقه في محله ان شاء الله تعالى. (2) لا اشكال في نجاسته، وقد استفض نقل الاجماع على ذلك: وكذلك الروايات، بلسان أنه رجس نجس، أو بلسان اراقة الماء الملاقى له أو بلسان الحكم بتطهير الملاقى له، ونحو ذلك فتلاحظ روايات الفضل أبي العباس ومحمد بن مسلم ومعاوية بن شريح وغيرها (1). وإنما الكلام فيما يتوهم كونه معارضا مع دليل النجاسة وهو أربع روايات:


 
(1) وسائل الشيعة باب 12 من أبواب النجاسات

 

[ 221 ]

الأولى: رواية سعيد الأعرج قال: " سألت أبا عبد الله عن الفأرة والكلب يقع في السمن والزيت ثم يخرج منه حيا. قال: لا بأس بأكله " (1) وهي تامة سندا لوثاقة سعيد الأعرج كما تقدم. وتقريب الاستدلال بها: أن الترخيص في أكل السمن والزيت الملاقي للكلب - مع ضم ارتكاز سراية النجاسة عرفا بملاقاة النجس وارتكاز حرمة أكل النجس متشرعيا - يدل على عدم نجاسة الكلب، فيعارض دليل النجاسة. نعم لو لا الارتكازين المذكورين لأمكن دعوى: ان الرواية كما تلائم عدم نجاسة الكلب تلائم أيضا عدم انفعال ملاقي النجس أو جواز أكل النجس فيتعارض مجموع أدلة نجاسة الكلب وانفعال الملاقي وحرمة أكل النجس بل قد يقال حينئذ بأن المتيقن من رواية الأعرج جواز أكل السمن الملاقي للكلب إما تخصيصا وإما تخصيصا، ومعه يسقط اطلاق دليل عدم جواز أكل النجس للعلم بتخصيصه أو تخصصه، ويتمسك عندئذ بدليل نجاسة الكلب بلا معارض. غير أن كل ذلك لا مجال له بعد ملاحظة ظهور الرواية في طهارة الكلب ابتداء بضم الارتكازين المذكورين. ويرد على الاستدلال بالرواية أمور: الأول: أنها انما تدل على طهارة الكلب بضم الارتكازين المذكورين باطلاقها لصورة عدم انجماد الدهن والسمن، فيقيد بصورة الانجماد وعدم الرطوبة، بلحاظ دليل نجاسة الكلب وتكون الرواية حينئذ في مقام دفع احتمال أن الدهن الجامد يتنجس بالكلب ولو مع عدم الرطوبة. غير أن هذا التقييد بعيد عرفا. اما أولا فلان ارتكاز عدم السراية بلا رطوبة وعدم انفعال الدهن الجامد يمنع عن صرف سؤال السائل الى ذلك. فان قيل: إن ارتكاز نجاسة الكلب وسراية النجاسة مع الملاقاة بالرطوبة، يمنع أيضا عن الحمل على


 
(1) وسائل الشيعة كتاب الأطعمة والاشربة الباب 45 من أبواب الأطعمة المحرمة

 

[ 222 ]

فرض الرطوبة. ومع تصادم الارتكازين يبقى الاطلاق على حاله. يقال: ان ذهاب فقهاء معاصرين للراوى الى طهارة الكلب يبرر توجه أسئلة عن ذلك الى الامام عليه السلام. وقد جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: ان جملة من المذاهب قالت بطهارة الكلب الحى. واما ثانيا: فلأن التعبير بالوقوع في السمن والخروج منه حيا يقتضي انغماسه فيه، والا كان من الوقوع عليه لا فيه، والانغماس يناسب الذوبان، لأن الدهن الجامد لا ينغمس فيه الكلب عادة إذا وقع عليه، ولا يعرضه للموت حتى ينبه على خروجه حيا. الثاني: أنه لو فرض اباء الرواية عن التقييد وصراحتها في الطهارة - ولم تكن هناك رواية أخرى دالة على الطهارة الا بنفس المستوى - سقطت بالمعارضة مع ما هو صريح في النجاسة عرفا كرواية الفضل: انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الكلب. فقال: رجس نجس، لا يتوضأ بفضله، وأصبب ذلك الماء وإغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء " (1). ونرجع بعد ذلك الى ما هو ظاهر في النجاسة، وهو ما يشتمل من الروايات على الأمر بالغسل (2)، بناء على ما بنينا عليه في الأصول من تعميم فكرة الرجوع الى العام الفوقاني عند معارضة الخاصين، الى كل ظاهر مع صريحين. وان شئت فامزج هذين الايرادين في صيغة واحدة وهي: ان الرواية ان كانت دلالتها بالظهور والاطلاق كان دليل النجاسة مقيدا، وان كانت صريحة سقطت بالمعارضة مع الصريح في النجاسة، ورجعنا الى الظاهر في النجاسة.


 
(1). سائل الشيعة باب 12 من أبواب النجاسات (2) كرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال " سألته عن الكلب وشرب من الاناء. قال اغسل الاناء " وسائل الشيعة باب 12 من أبواب النجاسات.

 

[ 223 ]

الثالث: ان خبر الطهارة معارض بالسنة القطعية، لا ستفاضة نصوص النجاسة وقطعية صدور بعضها اجمالا. وخبر الواحد المعارض للدليل القطعي كتابا أو سنة ساقط عن الحجية. وهذا الايراد انما يتم إذا بنى على أن خبر الطهارة ظاهر في ذلك، أو على أنه صريح مع افتراض الصراحة في كل أخبار النجاسة. وأما إذا افترضت الصراحة في خبر الطهارة وعدمها في أخبار النجاسة أو في بعضها، فلا يتعين كونه مخالفا للسنة القطعية، لا مكان قرينيته حينئذ. ولكنه مع هذا يسقط عن الحجية للوثوق النوعي بل الشخصي بخلل فيه، بسبب الوضوح الارتكازي للنجاسة والتطابق الفتوائي على ذلك، وتظافر ظواهر الروايات عليها، فان كل ذلك يوجب امارة ان لم تفد الاطمئنان الشخصي بالنجاسة، فهي على الاقل امارة اطمئنانية نوعية توجب خروج الخبر عن أدلة الحجية. الثانية: رواية علي بن جعفر: " سألته عن الفأرة الكلب إذا أكلا من الجين وشبهه، أيحل أكله؟ قال: يطرح منه ما أكل ويحل الباقي قال: وسألته عن فارة أو كلب شربا من ذيت أو سمن. قال: ان كان جرة أو نحوها فلا تأكله، ولكن بنتفع به كسراج أو نحوه، وان كان أكثر من ذلك فلا بأس بأكله، إلا أن يكون صاحبه موسرا يحتمل أن يهريق فلا ينتفع به في شئ " (1). والرواية في طريق قرب الأسناد ضعيفة بعبد الله بن الحسن، ولكنها صحيحة بلحاظ نقل صاحب الوسائل - قدس سره - لها عن كتاب علي بن جعفر. وتقريب الاذستدلال بها: ان الامام (ع) فصل بين الفقير والغني وهو يناسب الطهارة، لأن النجاسة لا تندفع بمجرد الفقر. وكلمة الشرب قرينة على عدم الانجماد ووجود الرطوبة. وعدم الأنفعال مع الملاقات بالرطوبة


 
(1) وسائل الشيعة باب 45 من أبواب الأطعمة المحرمة

 

[ 224 ]

يدل على طهارة الكلب. ويمكن دفع ذلك على ضوء جملة مما تقدم في مناقشة الرواية السابقة. الثالثة: رواية ابن مسكان عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك، أيتوضأ منه أو يغتسل؟ قال: نعم الا أن تجد غيره فتتنزه عنه " (1) وتقريب الاستدلال بها واضح ولكنه يندفع بسقوطها سندا ودلالة. اما سندا فلأن من يروي عن ابن مسكان هو ابن سنان المنطبق على محمد بن سنان جزما أو احتمالا وأما دلالة: فلا مكان تقييها بالماء الكثير. والمقيد ما دل على انفعال الماء بملاقاة الكلب. وقد يجاب على الاستدلال بالرواية: بأنه لو سلم ورودها في القليل كانت من أدلة اعتصام الماء القليل لا من أدلة طهارة الكلب (2). ويرد عليه: أنها على فرض ورودها في القليل تكون دالة على الجامع بين طهارة الكلب وعصمة الماء القليل " فتعارض مع مجموع دليلي نجاسة الكلب وانفعال الماء القليل. الرابعة: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع): قال: " سألته عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت. قال: ينضحه بالماء ويصلي فيه ولا بأس " (3). إذ يقال: ان هذا يدل على طهارة الكلب، لأنه لو كان نجسا لما كان النضح كافيا للتطهير غير أنه لو سلم ذلك فانه يدل حينئذ على طهارة الميتة أيضا، فيكون معارضا مع مجموع أدلة نجاسة الكلب والميتة، وهذا يوجب سقوطه، لو لم يمكن تقييده بصورة الجفاف بدعوى: أنه مطلق من هذه الناحية فيقيد، والمقيد ما دل على الانفعال بالملاقاة للكلب مع الرطوبة، ويشهد لذلك ما دل من الروايات على التفصيل بين * (1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب الاسئار (2) التنقيح ج 2 ص 33 (3) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب النجاسات


 

[ 225 ]

فرض الجفاف والرطوبة، والأمر بالنضح في الأول والأمر بالغسل في الثاني. ويستخلص من ذلك كله: ان دليل النجاسة تام. ومقتضى اطلاقه عدم الفرق بين كلب الصيد وغيره، وان نسب الى الصدوق - قدس سره - القول بطهارة كلب الصيد. ولا ارى له تقريبا الا دعوى: التمسك باطلاق قوله تعالى: " فكلوا مما امسكن عليكم "، فانه يدل على جواز الاكل بدون غسل، وهذا يعنى طهارة الفريسة، ويدل بالالتزام العرفي على طهارة المفترس، لان سراية النجاسة بالملاقاة ارتكازية. وحينئذ يكون هذا الاطلاق معارضا مع اطلاق دليل نجاسة الكلب لكلب الصيد " والتعارض بالعموم من وجه. فاما ان يتساقطا ويرجع الى الاصل، أو يقدم اطلاق الآية باعتباره كتابيا قطعيا، إذا لم يكن دليل اطلاق النجاسة قطعيا من حيث السند. وتندفع الدعوى المذكورة: بوضوح ان الآية الكريمة ليست في مقام البيان من ناحية النجاسة، وانما هي في مقام بيان نفي محذور كونه ميتة لا الحلية الفعلية للاكل مطلقا هذا مضافا الى ورود بعض الروايات في الكلب السلوقي خاصة الذي تكون كلاب الصيد منه عادة. ففي صحيحة محمد بن مسلم قال: " سألت ابا عبد الله (ع) عن الكلب السلوقي فقال: إذا مسسته فاغسل يدك " (1). فتكون الرواية مقيدة لاطلاق الآية لو كان وذلك لان الآية وان وردت فيما هو معد للصيد بالفعل والكلب السلوقي قبل تعليمه وبعده، بمعنى انه لا يحتمل مطهرية التعليم، فان كان مقصود القائل بطهارة كلب الصيد طهارة النوع الذي تتخذ منه كلاب الصيد عادة واثبات ذلك بالآية، فهذه الرواية حجة على خلافه، وتكون مقيدة لا طلاق الآية. وان


 
(1) وسائل الشيعة باب 12 من أبواب النجاسات

 

[ 226 ]

[ والخنزير (1) البريان. ] كان مقصوده طهارة خصوص ما هو معلم بالفعل ولم تكن الآية تدل عنده على اكثر من ذلك خلاف الارتكاز الذى اشرنا إليه. فيرد عليه: ان الرواية تكون حينئذ بحكم الاخص لانصراف كلب الصيد من عنوان الكلب السلوقي على نحو لا يمكن عرفا تقييده بغيره. (1) كما هو المعروف بين فقهائنا على نحو لم يعرف فيه أدنى خلاف ولعل هذا الاتفاق الفتوئي والارتكازي كاف في حصول الاطمئنان بنجاسة الخنزير، مع وفاء الروايات باثبات ذلك، وهي كثيرة: منها: رواية زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: " قلت له: ان رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير. قال: إذا فرغ فليغسل يده " (1). وهذه الرواية تامة دلالة، لدلالة الامر بالغسل على ذلك. وسندا لان جهة الاشكال فيه تنشأ من دخول سيف التمار في السند حيث لم يوثق وتندفع برواية صفوان عنه. ومنها: رواية يرد الاسكاف قال: " سألت ابا عبد الله (ع): عن شعر الخنزير يعمل به. قفال: خذ منه فاغسله بالماء حتى يذهب ثلث الماء ويبقى ثلثاه ثم اجعله في فخار جديدة ليلة باردة " فان جمد فلا تعمل به، وان لم يجمد فليس عليه دسم فاعمل به، واغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة. قلت: ووضوء؟ قال: لا، اغسل يدك كما تمس الكلب " (2). وهذه الرواية تامة سندا بعد اثبات وثاقة برد الاسكاف برواية صفوان عنه في نفس سندها، وتامة دلالة وحاصل مفادها: التفصيل بين فرض دهنية الشعر وعدمها، والنهي عن استعماله في الفرض الاول ارشادا


 
(1) وسائل الشيعة باب 87 من أبواب ما يكتسب به. (2) وسائل الشيعة باب 87 من أبواب ما يكتسب به.

 

[ 227 ]

الى صعوبة التخلص منه، والامر بالغسل عند مسه في الفرض الثاني، وهو ارشاد الى النجاسة. وما في الرواية من بيان عتملية مخصوصة انما هو لامتحان شعر الخنزير لتعرف دسومته. ومنها: رواية برد قال: " قلت لابي عبد الله (ع): جعلت فداك انا نعمل بشعر الخنزير فربما نسى الرجل فصلى وفي يده شئ منه. قال: لا ينبغي له ان يصلى وفي يده شئ منه. وقال: خذوه فاغسلوه، فما كان له دسم فلا تعملوا به " وما لم يكن له دسم فاعملوا به فاغسلوا ايديكم منه " (1) وليس ما يدل على النجاسة في هذه الرواية - قوله: ينبغي له ان يصلى وفي يده شئ منه، إذ لو لوحظ هذا بمفرده لامكن ان يكون بلحاظ انه مما لا يؤكل لحمه، بل امره بالغسل الذي يناسب النجاسة لا المانعية، لان المانعية يكفى فيها مجرد الازالة. وسند الرواية لا يخلو من اشكال من ناحية برد المردد بين برد الخياط وبرد الاسكاف فان لم يثبت انه الاسكاف سقطت الرواية عن الحجية لعدم ثبوت وثاقة الخياط، وان ادعى الانصراف الى الاسكاف - باعتبار ترجمته في فهرستي الشيخ والنجاشي معا، ووجود كتاب له واصل اليهما بطرقهما بخلاف الخياط الذي لم يقع له ذكر الاتسميته في رجال الشيخ - تم سند الرواية لوثاقة الاسكاف كما تقدم. ويؤيد ذلك، الرواية الآتية الدالة على ان برد الاسكاف كان هذا عمله. ومنها: رواية برد الاسكاف قال: " قلت لابي عبد الله (ع) اني رجل خراز لا يستقيم عملنا الابشعر الخنزير نخرز به. قال خذ منه وبره فاجعلها في فخارة اوقد ثم تحتها حتى يذهب دسمه ثم به " (2).


 
(1) وسائل الشيعة باب 58 من أبواب ما يكتسب به (2) وسائل الشيعة باب 58 من أبواب ما يكتسب به

 

[ 228 ]

وهذه االرواية وان كانت تامة سندا، الا انها لا تدل على المقصود وانما تدل على مركوزية محذور في ذهن السائل، وتقرير الامام له على ذلك ولعل ذلك المحذور هو محذور الصلاة فيما لا يؤكل. ومنها: رواية سليمان السكاف قال: " سألت ابا عبد الله (ع): عن شعر الخنزير يخرز به. قال: لا باس به، ولكن يغسل يده إذا اراد ان يصلى (1) ". وهذه الرواية تدل على المقصود بالامر بالغسل. لكن في سندها سليمان الاسكاف وهو لم يوثق ولم يرو عنه احد الثلاثة. نعم روى عنه ابن ابي عمير بالواسطة وهذا لا يكفي. ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال: " سألته: عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟. قال: ان كان دخل في صلاته فيلمض، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما اصاب من ثوبه، الا ان يكون فيه اثر فيغسله. قال: وسألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات " (2) وهي الرواية الوحيدة التي لا غبار على سندها. قوله فيها " الا ان يكون فيه اثر فيغسله " ظاهر في الحكم بالنجاسة، سواء قبل بشمول الاثر للرطوبة كما هو الظاهر، أو خصص بالاثر العيني كالشعر، فان كون المحذور لا يندفع الا بالغسل، يساوق النجاسة. وهذه الدلالة تامة حتى إذا رجع الاستثناء الى الشق الثاني فقط، وهو ما إذا لم يكن قد دخل في صلاته، الشلاة لا تصحح قطعها. كما ان قوله " يغسل سبع مرات " في ذيل الصحيحة واضح جدا في النجاسة.


 
(1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب النجاسات (2) نفس المصدر.

 

[ 229 ]

ومنها: رواية خيران الخادم قال: " كتبت الى الرجل عليه السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير، أيصلى فيه أم لا؟ فان اصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه فان الله انما حرم شربها. وقال بعضهم: لا تصل فيه. فكتب (ع): لا تصل فيه فانه رجس " الحديث (1). والمتبادر من الرجس هنا النجاسة، لان السؤال ينصرف الى السؤال عن النجاسة الارتكاز مانعية ملاقاة النجاسة عن الصلوة، وعدم ارتكاز مانعية ملاقاة شئ اخر عنها. فان عملنا بهذا الظهور في الخمر - كما هو الصحيح - فنعمل به هنا، وان لم نعمل به في الخمر جمعا بينه وبين روايات طهارة الخمر اشكل التمسك به هنا، لان الرجس مفهوم واحد. وإذا حمل على الجامع بين النجاسة اللزومية وغيرها لم تبق دلالة على المقصود. واما السند: فضعيف ولا أقل بسهل بن زياد. هذه اهم الروايات الدالة على النجاسة وهناك ايضا روايات اخرى كرواية المعلى بن خنيس (2)، ورواية علي بن رئاب (3)، ورواية علي ابن محمد (جعفر) (4)، ورواية دعائم الاسلام (5) غير انها لا يخلو من مناقشة سندا ودلالة. وفيما ذكرناه كفاية. وقد يعارض ذلك بروايات يتوهم منها الطهارة: منها رواية اسماعيل بن جابر قال: " قلت لابي عبد الله (ع): ما تقول في طعام اهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله. ثم سكت هنية، ثم قال: لا تأكله. ثم سكت هنيئه ثم قال: لا تأكله، ولا تتركه تقول


 
(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات (2) وسائل الشيعة باب 32 من أبواب النجاسات (3) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب النجاسات (4) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب النجاسات (5) المستدرك باب 9 من أبواب النجاسات والأواني.

 

[ 230 ]

انه حرام، ولكن تتركه تتنزه عنه، ان في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير " (1) وهذه الرواية من ادلة طهارة اهل الكتاب. وقد يستدل بها في المقام على طهارة لحم الخنزير، بدعوى: انه لو كان نجسا لكان الاجتناب عن الآنية الملاقية له الزاميا ل تنزيهيا. وتندفع بان التنزه انما هو بلحاظ معرضية الاناء لذلك، لا مع فرض الفراغ عن الملاقاة خارجا. ومنها: الأخبار الآتية في طهارة شعر الخنزير ونحوه مما لا تحله الحياة بدعوى: التعدي منه الى سائر أجزائه. ولكن التعدي بلا موجب على تقدير تسليمها في موردها، لان احتمال التفصيص عرفي. ومنها: مرسلة الفقيه: " سئل أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام فقيل لهما: إنا نشتري ثيابا يصيبها الخمر وودك الخنزير (أي شحمه) عند حاكتها، أنصلي فيها قبل أن نغسلها؟ فقالا: نعم لا بأس إنما حرم الله أكله وشربه، ولم يحرم لبسه ومسه والصلاة فيه " (2). وهذه الرواية وان كانت في الفقيه مرسلة ولكنها ذكرت في علل الشرائع للصدوق مسندة عن أبيه عن سعد، وينتهي الأسناد الى بكير عن أبي جعفر، والى أبي الصباح وأبي سعيد والحسن النبال عن أبي عبد الله. ولا يضر بالسند عدم ثبوت وثاقة جملة من هؤلاء بعد فرض ثبوت وثاقة بعضهم مضافا الى أن أربعة من هذا القبيل ممن لم يثبت عدم وثاقة واحد منهم قد يوجب الوثوق. واما من حيث الدلالة فلا اشكال في دلالتها على الطهارة بل صراحتها في ذلك. ولكنها ساقطة عن الحجية: أولا: لأنها معارضة بمجموع ما دل على نجاسة الخنزير، وما دل على عدم جواز الصلاة فيما يؤكل لحمه


 
(1) وسائل الشيعة باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة (2) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات

 

[ 231 ]

[ دون البحري منهما (1). ] وما دل على نجاسة الميتة لأن الميت من الخنزير ميتة على أي حال لعدم قابلية للتذكية، وما دل على نجاسة الخمر. وهذا المجموع قطعي اجمالا، ومعارض القطعي ساقط وثانيا: لان نفس روايات نجاسة الخنزير في نفسها قطعية ولو بلحاظ الشهرة والاجماع والارتكاز، المقتضى للكشف عن صدور روايات بمضمونه من الأئمة عليهم السلام. وبتعبير أصح: ان نجاسة الخنزير ثابتة بالاطمئنان الشخصي على ضوء مجموع تلك القرائن فلا اعتبار بالمعارض وثالثا: ان هذه الرواية صريحة في الطهارة فلتعارض ما هو صريح عرفا في النجاسة، ويرجع بعد ذلك الى ما هو ظاهر في النجاسة. (1) الظاهر عدم جواز التمسك بأدلة نجاسة الكلب والخنزير لاثبات نجاستهما: اما للجزم بأن اطلاق اللفظ عليهما مجازي للمشابهة، بمعنى كونه بالنسبة الى حيوانات البحر كالكلب والخنزير بانسبة الى حيوانات الأرض. واما لاحتمال ذلك على نحو يمنع عن الاطلاق، ولو سلم كونه حقيقة فلا يسلم الاشتراك المعنوي، ومع الاشتراك اللفظي لا يمكن التمسك بالاطلاق كما هو واضح. وقد ذكر المحقق الهمداني - قدس سره - رواية يستدل بها على طهارة الكلب البحري ويستأنس بها لطهارة الخنزير البحري وهي: صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سأل رجل أبا عبد الله (ع) وأنا عنده: عن جلود الخز فقال: ليس به بأس. فقال الرجل: جعلت فداك انها علاجي (في بلادي) وانما هي كلاب تخرج من الماء. فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا خرجت من الماء تعيش خارج الماء؟ فقال الرجل:، لا فقال: ليس به بأس " (1).


 
(1) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب لباس المصل

 

[ 232 ]

[ وكذا رطوباتهما وأجزائهما، وان كانت مما لا تحله الحياة كالشعر والعظم ونحوهما (1). ] وهذه الرواية واضحة في طهارة الكلب البحري، فانه لا يوجد كلب بحري يعيش في البر، وإنما كان سؤال الامام (ع) استدراجا لبيان النكتة. وأما إستفادة طهارة الخنزير البحري من الرواية فتتوقف على أحد أمرين: الأول: دعوى ارتكاز مساواة الكلب والخنزير متشرعيا. والثاني: استفادة ضابط كلي من التعليل المقتنص من سؤال الامام عن قدرة الحيوانات على الحياة خارج الماء. بيان ذلك: انه لا إشكال في أن الطهارة في ظاهر الحديث مفرغة على عدم عيش الحيوان خارج الماء، وهذا فيه احتمالان: أحدهما: أن تكون مفرغة على ذلك ابتاء بأن يكون عدم العيش خارج الماء بنفسه ملاكا للطهارة، وعليه فان استفيد كون ذلك تمام الملاك للطهارة أمكن التعدي الى الخنزير البحري أيضا. والاحتمال الآخر: أن تكون الطهارة مفرغة على عدم الكلبية، وكون الحيوان لا يعيش الا في الماء ملاك لعدم كونه كلبا لتقوم مفهوم الكلب بكونه حيوانا بريا والتعدي منه الى الخنزير حينئذ يتوقف على الجزم بأن ما هو مقوم لمفهوم الكلب من هذه الناحية مقوم لمفهوم الخنزير أيضا. ومقتضى الجمود على اللفظ وإن كان قد يعين الأول غير أن مناسبات الحكم والموضوع قد تجعل الاحتمال الثاني أقرب، لأن المائية لا تناسب أن تكون بمجردها مانعة عن النجاسة وإنما المناسب ارتفاع النجاسة بارتفاع الكلبية. (1) لأن مقتضى القاعدة بلحاظ أدلة النجاسة في المقام هو ذلك حتى إذا قبل بعدم شمول دليل نجاسة الميتة لهذه الأجزاء لعدم شمول الموت لها. وذلك: لأن الموضوع في المقام عنوان الكلب والخنزير وهو شامل


 

[ 233 ]

للاجزاء التي لا تحلها الحياة. وجملة من الروايات الباب وان لم يكن فيها اطلاق، كما ورد في الولوغ فان الولوغ يقتضي ملاقاة ما تحله الحياة عادة ولكن يكفينا روايات أخرى مطلقة تقدم ذكرها كرواية محمد بن مسلم في الكلب السلوقي " إذا مسسة فاغسل يدك ". ورواية على بن جعفر الآمرة بغسل الثوب عند اصابة الخنزير له. وفي الكلب لا يوجد مقيد للاطلاق فيؤخذ به بلا إشكال. وإنما الكلام في الخنزير إذ توجد فيه روايات يمكن الاستدلال بها على طهارة ما لا تحله الحياة منه: منها: صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقي به الماء من الئبر، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال لا بأس " (1). وقد يورد على الاستدلال بها تارة: بابداء احتمال أن السؤال ليس من جهة النجاسة، بل من جهة جواز الوضوء بماء استخدام في مقدماته استعمال نجس العين، لاحتمال حرمة استعمال نجس العين. وأخرى: بأن هذه الرواية من الروايات عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس، ولا دلالة لها على عدم نجاسة شعر الخنزير بوجه (2) اما الايراد الأول، فقد تقدم في موضع سابق من هذا الشرح: ان حمل الرواية على ذلك خلاف الظاهر (3) وأما الايراد الثاني، ففيه: انه لو فرض في مورد الرواية الفراغ عن ملاقاة ماء الدلو لشعر الخنزير فالحكم بجواز الوضوء منه يكشف عن الجامع بين طهارة شعر الحنزير وعدم انفعال الماء القلبل بملاقاة النجس، وحيث أن الثاني منفي بالدليل


 
(1) وسائل الشعية باب 14 من أبواب الماء المطلق (2) التنقيح ج‍ 2 ص 37 (3) راجع مباحث انفعال الماء القيل من الجزء الاول

 

[ 234 ]

الخاص فبضم هذا الدليل الخاص الى هذه الرواية يتم الدليل على طهارة شعر الخنزير على نحو يقيد اطلاق دليل النجاسة. الا أن أصل افتراض ملاقاة الماء في الدلو حال انقطاعه عن الئبر للحبل ليس بمعلوم، بل المنصرف من الرواية كون السؤال بلحلظ تقاطر الماء من الحبل في الدلو، كما تقدم عند دراستها في بحث انفعال الماء القليل، وعليه فتكون دالة على الجامع بين طهارة شعر الخنزير وعدم انفعال الماء بملاقاة المتنجس. وبذلك تحصل المعارضة بالعرض بين اطلاق دليل نجاسة الخنزير لشعره واطلاق دليل انفعال الماء القليل لملاقاة المتنجس. فان انكرنا الاطلاق الثاني اما راسا، أو لوجود مقيد له، بقى اطلاق دليل النجاسة بلا معارض، والا سقط الاطاقان بالمعارضة. هذا كله بقطع النظر عما دل على نجاسة شعر الخنزير بالخصوص كرواية برد الاسكاف المتقدمة، والا كان المتعين الرجوع إليه في اثبات النجاسة دون ان تصلح الصحيحة للمعارضة معه، لعدم تعين دلالتها على طهارة شعر الخنزير، وعدم وجود الدليل الخاص على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس. ومنها: رواية الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) - في حديث - قال: " قلت له: شعر الخنزير يجعل حبلا ويستقى به من البئر التي يشرب منها، أو يتوضاء منها؟ فقال: لا بأس به " (1). وبعد توثيق الحسين بن زرارة ولو بلحاظ رواية أحد الثلاثة عنه كصفوان، تكون الرواية معتبرة سندا. واما من الناحية الدلالة: فهناك فرق بين هذه الرواية وسابقتها باعتبار قوة ظهور الرواية السابقة في ان السؤال عن حكم ماء الدلو، بخلاف هذه الرواية حيث جعل فيها (يشرب


 
(1) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق

 

[ 235 ]

ويتوضأ منها) وصفا للبئر، فيالامكان دعوى: اتجاه السؤال نحو ماء البئر ابتداء وانه هل ينفعل بملاقاة شعر الخنزير، فيكون الجواب دالا على الجامع بين طهارة شعر الخنزير واعتصام ماء البئر، والفرد الاول من هذا الجامع منفى بالدليل دون الفرد الثاني، فيتعين تطبيقه على الثاني، ومعه لا يتم الاستدلال بالرواية على طهارة شعر الخنزير. فان قيل: ان الثاني منفى ايضا بروايات انفعال ماء البئر، فان عملنا بها انتجت - بضمها الى رواية الحسين - مقيدا لاطلاق دليل نجاسة الخنزير ومعارضا لما دل على نجاسة شعر الخنزير بالخصوص. وان اسقطنا روايات الانفعال بالمعارضة مع روايات الاعتصام كان المجموع المركب من رواية الحسين بن زرارة ودليل نجاسة شعر الخنزير طرقا آخر للمعارضة مع روايات الانفعال، ويسقط الجميع. قلنا: ان نبى على الجمع العرفي بين روايات انفعال ماء البئر وروايات اعتصامه بحمل الانفعال على التنزه، فلا اشكال في تعين تطبيق الجامع المستفاد من رواية الحسين بن زرارة على اعتصام ماء البئر، فلا يتم الاستدلال بها على طهارة شعر الخنزير. وان بنى على استحكام التعارض بين روايات الانفعال وروايات الاعتصام في ماء البئر لم يبن على سقوط اطلاق ما دل على نجاسة الخنزير للشعر في نفس المرتبة لان روايات الانفعال لو خليت وحدها لصلحت لتقييده فيرجع إليه بعد تساقط مجموعنى الانفعال والاعتصام من روايات ماء البئر. ومنها رواية زرارة قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء؟ قال: لا بأس " (1). ولا بأس سند هذا الحديث وان كان فيه أبو زياد النهدي، لأنه ممن يروي عنه ابن أبي عمير. ولكنها أضعف دلالة مما سبق، لأن السؤال فيها


 
(1) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق

 

[ 236 ]

[ ولو اجتمع أحدهما مع الآخر أو مع آخر فتولد منهاما ولد، فان صدق عليه اسم احدهما تبعه، وان صدق عليه اسم احد الحيوانات الاخر أو كان مما ليس له مثل الخارج كان طاهرا وان كان الاحوط الاجتناب عن المتولد منهما إذا لم يصدق عليه اسم احد الحيوانات الطاهرة، بل الا حوط الاجتناب عن المتولد من احدهما مع طاهر إذا لم يصدق عليه اسم الطاهر فلو نزى كلب على شاة أو خروف على كلبة، ولم يصدق على المتولد منهما اسم الشاة، فالاحوط الاجتناب عنه وان لم يصدق عليه اسم الكلب (1). ] اتجه نحو نفس عملية جعل جلد الخنزير دلوا يستقى به. ولا قرينة على كون ذلك ملحوظ بما هو طريق الى حيثية الانفعال وجودا وعدما، لامكان أن يكون الملحوظ هو حكم استعمال الميتة ونجس العين في نفسه، فان احتمال حرمة ذلك احتمال معقول في العرف المتشرعي، كما يكشف عنه ذهاب المشهور من العلماء الى الحرمة. وتحصل من مجموع ذلك. أن الأجزاء التي لا تحلها الحياة من الخنزير محكومة بالنجاسة أيضا. (1) المتولد من كلب وخنزير أو من أحدهما من طاهر - لو كان هذا ممكنا - ان صدق عليه اسم الكلب أو الخنزير فلا أشكال في نجاسة، لدخوله تحت اطلاق دليل نجاستهما. وان صدق عليه أحد الحيوانات الثابت طهارتها بدليل اجتهادي فلا اشكال في طهارته، لدخوله تحت اطلاق ذلك الدليل وان كان يرى بمجوعه ملفقا من الكلب والخنزير فقد يبنى على


 

[ 237 ]

نجاسة أيضا، لأنه وإن لم يمكن الحكم بنجاسة بكل من دليلي نجاسة الكلب ونجاسة الخنزير بمفرده، لعدم كونه مصداقا لموضوعه، ولكن الدلالة الالتزامية العرفية لمجموع الدليلين تقتضي نجاسة الملفق. فان قيل: بأن الدلالة الالتزامية العرفية الحاصلة من ضم أحد الدليلين الى الآخر معتبرة فهو، وان استشكل في ذلك بدعوى: ان موجع هذه الد لالة الى الظهور العرفي لأن الملازمة عرفية لا عقلية، والظهور العرفي لا يعقل تصور قيامه بمجموع خطابين منفصلين الا مع قيام دليل على لزوم تنزيل الخطابات المنفصلة منزلة الخطاب الواحد المتصل من هذه الناحية. أمكن إثبات النجاسة في المقام بالدلالة الالتزامية العرفية الدليل الواحد المشتمل على نجاسة الكلب والخنزير معا، كرواية برد الاسكاف المتقدمة. وان كان المتولد حيوانا على غير الوجوه المتقدمة كان مقتضى الأصول المؤمنة الحكم بطهارته أو عدم انفعال ملاقيه. وما يتصور كونه حاكما عليها إنما هو الاستصحاب، بأحد تقريبات ثلاثة: الأول: استصحاب نجاسة الثابتة احينما كان دما وعلقة في داخل الكلبة أو الخنزيرة أو حينما كان منيا. ويرد عليه أن المقام من موارد الاستحالة فلا يجري الاستصحاب، على ما يأتي في محله أن شاء الله تعالى الثاني: استصحاب نجاسة الثبتة عند ما كان جنينا إذا كانت أمه كلبة أو خنزيرة بوصفه جزء منها. ويرد عليه: ان الجنين ليس جزء من أمه، بل هو كالبيض بالنسبة الى الدجاجة من قبيل المظروف مع الظرف. الثالث: استصحاب النجاسة الجامعة بين العرضية والذاتية، بأن يقال: ان هذا الحيوان كان ملاقيا مع النجاسات كالدم في بطن الأم وبعد أن يحصل المطهر وهو زوال العين في الحيوان، يشك في ارتفاع النجاسة فيستصحب الجامع بين النجاسة العرضية المعلومة الانتفاء على فرض وجودها


 

[ 238 ]

[ الثامن: الكافر بأقسامه، حتى المرتد بقسميه واليهود والنصارى والمجوس (1). ] والنجاسة الذاتية المعلومة البقاء على فرض حدوثها. وهذا الاستصحاب يعتبر من القسم الثاني من استصحاب الكلي، إن قلنا: إن النجس الذاتي لا يقبل النجاسة العرضية، وإلا فهو من القسم الثالث، ولكن من النحو الذي يكون الفرد المشكوك فيه على فرض ثبوته معاصرا للمتيقن من أول الأمر. وعلى كل حال فلو جرى هذا الاستصحاب لا يثبت إلا نجاسة السطح لا تمام الطبقات كما هو المطلوب. ويرد عليه: لو سلم الاستصحاب وتمامية أركانه في نفسه أنه محكوم لأن عدم الكلي في موارد استصحاب الكلي إذا كان حكما شرعيا مترتبا على عدم الفرد الطويل جرى استصحاب عدم الفرد الطويل، وكان حاكما على استصحاب الكلي. وما نحن فيه من هذا القبيل، لأن كل جسم لم تجعل له نجاسة ذاتية يطهر بالمطهر، وهذا جسم بالوجدان وغير نجس ذاتا بالاستصحاب. وقد يتوهم الجواب على اسستصحاب الكلي في المقام: بأن العلم الإجمالي بالنجاسة العرضية أو العينية منحل بإجراء أصالة الطهارة لإثبات طهارته العينية ظاهرا، ومع انحلاله لا يمكن إجراء استصحاب المعلوم الإجمالي. ويندفع هذا التوهم: أولا: بأن أصالة الطهارة إنما يتحقق موضوعها عند عدم العلم بالنجاسة فتثبت الطهارة، لا عند العلم بأصل النجاسة والشك في عينيتها لأن مفادها الطهارة الفعلية لا الحيثية. وثانيا: بأن جريان الأصل المذكور لا يوجب انحلال العلم الإجمالي المذكور بنحو يمتنع جريان الاستصحاب في معلومه إلا بملاحظة النكتة التي ذكرناها. (1) المعروف بين فقهائنا الحكم بنجاسة الكافر. وقد ينقل القول


 

[ 239 ]

بطهارته - ولو في الجملة - عن بعضهم. والمعروف بين فقهاء العامة الحكم بطهارته، ولكن ذهب بعضهم أيضا إلى نجاسة الكافر بنحو يشمل الكتابي أيضا، كابن حزم (1). وقد استدل للنجاسة بالإجماع، والكتاب والسنة. أما الإجماع فتقريبه: أن دعوى الإجماع على النجاسة قد استفاضت في كلمات عدد كبير من الفقهاء، كالسيد المرتضى، والشيخ الطوسي والمحقق الحلي، وغيرهم. وإذا انضم إلى هذه الاستفاضة الاطلاع المباشر على فتاوى عدد كبير من علمائنا، وعدم العثور على خلاف معتد به، بل على مطلق الخلاف في المشرك ونحوه من أقسام الكفار، وما هو الملحوظ من ارتكازية الحكم بالنجاسة في أذهان مختلف طبقات الطائفة، استخلصنا من ذلك كله الوثوق بحصول إجماع تعبدي على النجاسة، بنحو يكشف عن تلقي ذلك من الأئمة عليهم السلام. ومن الواضح أن حجية هذا الإجماع - كأي إجماع - تستند إلى كونه سببا لليقين أو الاطمئنان بثبوت معقده شرعا على أساس حساب الاحتمالات وكونه تجميعا لقرائن احتمالية يحصل من تراكمها الاطمئنان. ولهذا يجب أن تلحظ مجموع القرائن التي لها دخل في إيجاد هذا الاطمئنان إثباتا ونفيا إذ قد يتفق كون أمارة مقتضية لليقين في نفسها ولكنها لا تؤدي إلى ذلك عند مزاحمتها ببعض القرائن المنافية. وليس الإجماع أو نقل الإجماع بعنوانه موضوعا للحجية شرعا، لئلا يتوقف العمل به على ملاحظة القرائن. وهناك عدة نقاط يمكن إثارتها حول الاستدلال بهذا الإجماع، إما بلحاظ بعض أصناف الكفار أو مطلقا: النقطة الأولى: التشكيك في وقوع هذا الإجماع بإبراز القرائن على


 
(1) راجع المحلى ج 1 ص 129.

 

[ 240 ]

وجود الخلاف. وهذا التشكيك ليس عليه شواهد وأرقام محددة بلحاظ المشرك، ولكن بالإمكان تحصيل بعض الشواهد الباعثة على التشكيك بلحاظ غير المشرك، أو على الأقل بلحاظ الكتابي. فمنها كلام المحقق الحلي (قدس سره)، إذ قسم الكفار إلى قسمين: المشرك وأهل الكتاب وادعى الإجماع على نجاسة المشرك، وأما بالنسبة إلى أهل الكتاب فلم يدع مثل ذلك، وإنما استعرض أسماء عدد من العلماء القائلين بالنجاسة، فلو كان المحقق قد أحرز الإجماع على النجاسة في كلا القسمين لما ساق التعبير بهذا النحو. ومنها: دعوى ابن زهرة في الغنية الإجماع المركب، إذ قال: التفرقة بين نجاسة المشرك وغيره خلاف الإجماع، فإنه لو كان يرى انعقاد الإجماع على نجاسة الكافر مطلقا لما عدل إلى الاستدلال بالإجماع المركب على نجاسة غير المشرك. ومنها: كلام الشيخ الطوسي قدس سره في تفسيره لسورة المائدة في قوله تعالى: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم " إذ ذكر: " أن أكثر أصحابنا قالوا: إن طعام أهل الكتاب الحبوب وأما ذبائحهم وما ساوروه بالرطوبة فغير جائز " إذ قد يستظهر من هذه العبارة أن جملة من أصحابنا يجوزون - خلافا للأكثر - ما ساوره الكتابي بالرطوبة اللهم إلا أن يكون التعبير بالأكثر بلحاظ الفتوى بحرمة دبيحة الكتابي لا بلحاظ الفتوى بحرمة ما ساوره بالرطوبة. ومنها: أيضا كلام الشيخ الطوسي (قدس سره) في النهاية، استظهر منه القول بطهارة أهل الكتاب وهو قوله: " ويكره أن يدعو الإنسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه. وإن دعاه فليأمر بغسل يديه ثم يأكل معه إن شاء ". ولكن هذا الظهور لا يمكن الأخذ به، لأن للشيخ في


 

[ 241 ]

كلام متقدم بأسطر على ما نقلناه نصا يدل بوضوح على فتواه بالنجاسة فلا بد من حمل كلامه هذا على فرض عدم المساورة برطوبة، عملا بما دل من الروايات على إناطة الإذن في مؤاكلة الكتابي على الوضوء المحمول على الغسل. كصحيحة العيص بن القاسم الآتية، بعد تقييدها بكيفية لا تسري معها النجاسة، فيكون أمر الكافر بغسل يديه أدبا شرعيا صرفا. ومنها: ما نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) في أجوبة بعض مسائله: من الحكم بكراهة سؤر اليهود والنصارى. وهو لا يناسب القول بالنجاسة، لظهور الكراهة في كلام المفيد وأمثاله في المعنى المصطلح المقابل للحرمة. ويبقى استغراب: أن يكون المفيد قائلا بالطهارة ولا يؤثر ذلك عنه بل يدعي تلامذته كالمرتضى والشيخ الطوسي الإجماع على النجاسة، وهم أكثر الناس اطلاعا على رأي أستاذهم. وقد يدفع هذا الاستغراب: بإمكان افتراض عدول الشيخ المفيد (قدس سره) عن الفتوى بالطهارة، إذ لا نعرف تاريخ صدور الحكم بالكراهة منه، فلعله كان في بداية أمره، وفي مرحلة تأثره بأستاذه ابن الجنيد وابن أبي عقيل اللذين ينسب إليهما القول بالطهارة. ومنها: ما نسب إلى القديمين ابن أبي عقيل وابن الجنيد من القول بالطهارة. فعن الأول: أنه قال بطهارة سؤر الكتابي. وهذا بمجرده إنما يدل على قوله بالطهارة إذا لم يفترض اختصاص السؤر اصطلاحا في كلام مثله بالماء المطلق، وإلا أمكن أن يكون مبنيا على عدم انفعال الماء القليل. وعن الثاني: أنه قال: " ولو تجنب من أكل ما صنعه أهل الكتاب من ذبائحهم وفي آنيتهم، وكل ما صنع في أواني مستحلي الميتة، ومؤاكلتهم ما لم يتيقن طهارة أوانيهم وأيديهم، كان أحوط ". وكلمة " أيديهم " إن رجعت إلى الجميع كان كلامه واضحا في نفي


 

[ 242 ]

النجاسة العينية عن الكتابي، وإن رجعت إلى خصوص مستحلي الميتة فلا يستفاد من كلامه حينئذ إلا االتوقف عن الفتوى بالنجاسة. النقطة الثانية: إننا إذا رجعنا إلى عصر أقدم من عصور الفقه الإمامي أي عصر الرواة، نجد أن قضية نجاسة الكفار لم تكن أمرا مركوزا في أذهان الرواة إلى زمان الغيبة، ولهذا كثر السؤال عن ذلك بين حين وحين وفرض في بعض تلك الأسئلة أنهم يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة كما في رواية الحميري الذي هو من فقهاء الإمامية في عصر الغيبة الصغرى إذ كتب إلى صاحب الزمان (ع): " عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة وينسجون لنا ثيابا فهل تجوز الصلاة فيها قبل أن تغسل؟ إلخ ". وحمل جميع الأسئلة على أنها بملاك علمي بحت بعيد جدا. كما أن حمل فرض الحميري لنجاسات عرضية في حياة الكافر، على أنه يقصد إبراز قوة احتمال تنجس الثياب التي يحوكها بلا شاهد. بل إن افتراض السائل لعدم الغسل من الجنابة في الكافر واضح الدلالة على أنه لم يكن قد ارتكزت في ذهنه نجاسة الكافر العينية، وإلا فأي أثر للغسل بالنسبة إليه. وحيث إن الإجماع إنما يكون حجة باعتبار كشفه عن التقي الارتكازي من عصر الرواة، فيكون ما ذكرناه نقطة ضعف في كاشفية هذا الإجماع. النقطة الثالثة: إن ابتلاء المسلمين بالتعايش مع أصناف من الكفار في المدينة وغيرها على عهد النبي (ص) كان على نطاق واسع، واختلاطهم مع المشركين كان شديدا جدا خصوصا بعد صلح الحديبية، ووجود العلائق الرحمية وغيرها بينهم، فلو كانت نجاستهم مقررة في عصر النبوة لانعكس ذلك وانتشر وأصبح من الواضحات، ولسمعت من النبي (ص) توضيحات كثيرة بهذا الشأن، كما هو الحال في كل مسألة تدخل في محل الابتلاء إلى هذه الدرجة. ولا توجد في مثل هذه المسألة دواعي الإخفاء، وأي داع


 

[ 243 ]

إلى ذلك مع ظهور الإسلام، وعدم منافاة هذا الحكم مع أغراض أولياء الأمر بعد النبي (ص). وحتى لو افترضنا أن الحكم بالنجاسة كان في ظرف نزول سورة التوبة التي نزلت بعد الفتح، فإن طبيعة الأشياء كانت تقتضي شيوعه وانتشاره أيضا، فعدم وجدان شئ من هذه اللوازم العادية عند ملاحظة التاريخ العام يشكل عامل تشكيك في مسألتنا. النقطة الرابعة: إن اشتهار الاستدلال على نجاسة الكافر بالآية الكريمة بين الأصحاب، ووجود وجوه اجتهادية لتقديم روايات النجاسة على روايات الطهارة على ما يأتي، يوجب - على الأقل - احتمال استناد عدد كبير من المجمعين إلى مدرك اجتهادي في الفتوى بالنجاسة، فلا يكون كاشفا مستقلا عن المقصود ما دام إجماعا مدركيا. ودعوى: أن الإجماع على نجاسة أهل الكتاب يجب أن يكون مستندا إلى جهة فوق الاجتهاد، لأن وضوح وجود الجمع العرفي بين روايات الطهارة وروايات النجاسة بحمل الأخيرة على التنزه، يكشف عن استناد المجمعين إلى جهة فوق ذلك في طرح أخبار الطهارة. مدفوعة: بأن صناعة الجمع العرفي، وكونه متقدما على سائر أنحاء التصرف الأخرى بما فيها الحمل على التقية، ليست بدرجة من الوضوح في فقه جملة من فقهائنا المتقدمين، على النحو الذي لا يصح معه افتراض تطبيقهم للصناعة على وجه آخر. وفي كلماتهم شواهد عديدة على ذلك: فمن هذه الشواهد في كلام الشيخ الطوسي (قدس سره) ما ذكره في مسألة نجاسة الخمر والمسكر الذي وردت فيه أخبار صريحة في الطهارة، وأخبار تأمر بالغسل منه. إذ حمل أخبار الطهارة على التقية، مع أن العامة لا يقولون بالطهارة: قاال في كتاب التهذيب: " والذي يدل على أن هذه الأخبار محمولة على


 

[ 244 ]

التقية ما تقدم ذكره من الآية، وأن الله تعالى أطلق اسم الرجاسة على الخمر ولا يجوز أن يرد من جهتهم عليهم السلام ما يضاد القرآن وينافيه. وأيضا قد أوردنا من الأخبار ما يعارض هذه. ولا يمكن الجمع بينهما إلا بأن نحمل هذه على التقية، لأنا لو عملنا بهذه الأخبار كنا دافعين لأحكام تلك جملة ولم نكن آخذين بها على وجه وإذا عملنا على تلك الأخبار كنا عاملين بما يلائم ظاهر القرآن فحملنا هذه على التقية، لأن التقية أحد الوجوه التي يصح ورود الأخبار لأجلها من جهتهم فنكون عاملين بجميعها على وجه لا تناقض فيه (1). فنراه (قدس سره) يفضل الجمع بالحمل على التقية على الجمع العرفي الذي يقتضي تقديم روايات الطهارة، ويرى أن العمل بهذه الروايات إسقاط للمعارض رأسا، بخلاف الحمل على التقية. ومعه فأي استبعاد يبقى في أن يكون الشيخ وأمثاله في فتواهم بالنجاسة وتقديم رواياتها مستندين إلى وجوه اجتهادية من هذا القبيل؟! من قببيل: دعوى الجمع بين الطائفتين بحمل أخبار الطهارة على التقية، أو ترجيح أخبار النجاسة بالموافقة للكتاب أو بالإكثرية، أو بالموافقة للأصل لو بني على أصالة الاحتياط في الشبهة الحكمية، أو بكونها قطعية الصدور إجمالا لتظافرها بخلاف أخبار الطهارة أو إيقاع التعارض بين الطائفتين واختيار أخبار النجاسة ولو لنكتة الظن الشخصي على طبقها إذا بني على التخيير، أو افتراض التساقط بين الطائفتين في الكتابي والرجوع إلى الآية كعام فوقي. فهذه وجوه سبعة يمكن افتراض كل واحد منها في بعض المجمعين، بعد أن لاحظنا إمكانية استبعادهم للجمع العرفي بالحمل على التنزه. النقطة الخامسة: التشكيك في ثبوت الإجماع بمناقشة مستندات إثباته


 
(1) تهذيب الأحكام، الجزء الأول من طبعة النجف عام 1390 ه‍ ق، ص 280 - 281.

 

[ 245 ]

وهذه النقطة تختلف عن النقطة الأولى في أن المقصود في الأولى إبراز المعارض الدال على وجود الخلاف، والمقصود هنا التشكيك في بعض دلائل الإجماع في نفسها. وقد أشرنا سابقا إلى أن منشأ الوثوق بإجماع المتقدمين على المحقق (ره) واتفاقهم على النجاسة مجموع أمور ثلاثة وهي: استفاضة نقل الإجماع، وعدم نقل الخلاف، والعبارات التي يمكننا تحصيلها مباشرة من أقوال المتقدمين مما يدل على الإفتاء بالنجاسة. أما نقل الإجماع في كلمات العلماء المتقدمين على المحقق الحلي الذي تحفظ في المعتبر من دعوى الإجماع في غير المشرك، فقد وجد في جملة من كلماتهم (قدس الله أسرارهم). فمنها: عبارة السيد المرتضى (قدس سره) في الانتصار، حيث ذكر، " أن مما انفردت به الإمامية القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني وكل كافر. وخالف جميع الفقهاء في ذلك ". والتتبع في كتاب الانتصار يكشف عن أنه لا يقصد بالإجماع - حين يدعيه - ما نريده من الاتفاق. فقد ادعى الإجماع في مسائل تشتمل على خلاف واضح، كدعواه الإجماع على انفعال البئر مع مخالفة العماني وابن الغضائري وجملة من العلماء، وكدعواه الإجماع على اشتراط إسلام الذابح وغير ذلك. ومنها: عبارته أيضا في شرح الناصريات، والمتن لجده الأمي. قال الماتن: " سؤر المشرك نجس ". فذكر في التعليق عليه: " عندنا أن سؤر كل كافر - بأي ضرب من الكفر كان كافرا - نجس " وكلمة (عندنا) إن أراد بها عند الطائفة لا عند الشارح دل على الإجماع بالمقدار الذي يلحظ ثبوته من الاتفاق في موارد إجماعاته المنقولة عادة. وكل من العبارتين تعرضتا إلى نجاسة سؤر الكافر، ولم تتضمن


 

[ 246 ]

دعوى الإجماع على نجاسة الكافر مباشرة. ونجاسة السؤر أعم من نجاسة ذي السؤر عند جملة من فقهائنا الأقدمين، حتى أن صاحب المعالم (قدس سره) عقد بحثا في أنه: هل توجد ملازمة بين طهارة ذي السؤر وطهارة سؤره؟، وذكر: أن المشهور قالوا بالملازمة، وأنه خالف جماعة من الفقهاء، كالشيخ في جملة من كتبه، وابن الجنيد، وابن إدريس. وأن جملة من الفقهاء قالوا فيما لا يؤكل لحمه مع طهارته بنجاسة سؤره وهذه النكتة تقتضي تعذر استكشاف الإجماع على نجاسة الكافر من نقل الإجماع على نجاسة سؤره في كلام السيد المرتضى وغيره. ومنها: عبارة الشيخ (قدس سره) في تهذيب حيث ذكر: " أنه أجمع المسلمون على نجاسة المشركين والكفار إطلاقا ". وهذه العبارة بظاهرها لا يمكن الأخذ بها، لعدم ذهاب المخالفين من المسلمين إلى القول بنجاسة الكافر. فلا بد إما من تأويل كلمة المسلمين وإرادة الشيعة بها، وهو أمر بعيد في تلك المرحلة من الفقه الإمامي الذي كان منفتحا فيها على أقوال فقهاء العامة والفقه السني عموما. أو تأويل النجاسة وإرادة ما يعم النجاسة المعنوية، ومعه لا يبقى وثوق بمفاد النقل المذكور. ومنها: كلام ابن زهرة في الغنية، حيث قال: " والثعلب والأرنب نجسان، بدليل الإجماع المذكور. والكافر نجس بدليله أيضا، وبدليل قوله تعالى: " إنما المشركون نجس ". وهذه العبارة - كما ترى - لا تعطي إجماعا على نجاسة الكافر إلا مثل الإجماع في الثعلب والأرنب اللذين لا إشكال في طهارتهما، أو على الأقل ليس فيهما ارتكاز عام للنجاسة. فهذه هي عمدة عبارات نقل الإجماع الواصلة إلينا من فقهاء ما قبل المحقق الحلي (ره). وأما الثاني - وهو عدم نقل الخلاف، أو نقله في نطاق محدود جدا


 

[ 247 ]

عن القديمين ابن الجنيد وابن أبي عقيل، الذي كان خلافه المنقول بلسان الإفتاء بجواز سؤر الكافر، الأمر الذي لا يمكن تأويله بإرجاعه إلى عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة. فهناك نكتة بهذا الصدد تجب ملاحظتها وهي: أن فقه الشيعة كان مبناه قبل مبسوط الشيخ الطوسي - كما أشار إليه في مبسوطه - على ممارسة الفتاوى بمقدار مضامين الروايات، وكانت كتب أصحابنا الفقهية مقتصرة عادة على الفتوى بمتون الأخبار مع حذف الأسانيد والتنسيق. وهذه الحقيقة تجعل دعوى الإجماع على التفصيلات والتفريعات التي لا تستنبط عادة من الروايات بصورة مباشرة، بل بالتفريع والاجتهاد أقل أهمية من دعوى الإجماع على حكم في مسألة يترقب أخذه بعنوانه من الروايات. ونجاسة الكافر وإن لم تكن من التفريعات والتفصيلات، ولكنها ملحقة بها، لأن نجاسة الكافر لم تكن بهذا العنوان مطرحا للبحث عادة في متون كتبهم قبل الشيخ. والوجه في ذلك: أنه لم يرد في الأخبار الحكم بنجاسة الكافر بهذا العنوان، ولما كانت الروايات الواردة في النجاسات متجهة عادة إلى بيان حكم السؤر، ومتكفلة للأمر بغسل الثياب والبدن ونحوهما مما يلاقي تلك النجاسات، نجد أن جملة من كتب الأقدمين خالية من فصل تحت عنوان النجاسات، كما يذكر في كتب الفقهاء المتأخرين عنهم، وإنما يتعرضون إلى النجاسات تحت عنوان (الأسئار) في باب المياه، وتحت عنوان (تطهير الثياب والأواني)، تبعا لمضامين الروايات ولهذا لا نجد تعرضا لنجاسة الكافر بهذا العنوان في جملة مما وصل إلينا من عبائر الأقدمين، كهداية الصدوق، ومقتعه، وفقيهه، والمقنعة للمفيد ونحو ذلك. وما دام طرح المسألة في الفقه القديم كان مطابقا لمتون الروايات كما رأينا، فما نستطيع أن نفترض الإجماع عليه على أفضل تقدير هو حرمة سؤر الكافر أو نجاسة هذا السؤر. وأما نجاسة نفس الكافر على نحو تسري


 

[ 248 ]

النجاسة إلى كل ما يلاقيه فقد تكون دعوى الإجماع على ذلك متأثرا بالاجتهاد واستنتاج القول بنجاسة الكافر من القول بحرمة سؤره، مع أنه لا ملازمة كما تقدم. وقد نقل السيد المرتضى القول بحرمة سؤر الكافر عن جملة من علماء السنة، مع أنهم يفتون بطهارة الكافر. وبهذا يظهر أن بالإمكان افتراض ذهاب عدد من الأقدمين إلى القول بالطهارة، ولا يضر بذلك عدم نقل الخلاف، بعد أن عرفنا أن نجاسة الكافر بهذا العنوان لم يكن مطرحا للحديث والبحث في الفقه القديم، بحكم تبعية الفقه القديم لمتون الروايات. فليس من الضروري أن ينعكس الخلاف في أصل نجاسة الكافر إذا كان هناك خلاف. نعم انعكس خلاف ابن أبي عقيل، لكن لا بصيغة أن الكافر طاهر، بل بصيغة على مستوى الطرح القديم للمسألة، حيث نقل عنه الفتوى بجواز سؤر الكافر وكذلك الشيخ المفيد. وأما الثالث - أي عبارات الأقدمين الواصلة إلينا، والتي تدل على الفتوى بالنجاسة - فلا إشكال في وجود عبارات من هذا القبيل، ولكن بعضها لا يخلو من إشكال. فمنها: عبارة الصدوق (قدس سره) في الهداية، إذ قال: " ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الإسلام ". وهذا تعبير مطابق للروايات كما هو دأبه. وقد لا يدل على النجاسة، خصوصا بلحاظ عطف ولد الزنا على الكافر، إذا افترضنا أن الصدوق يوافق المشهور القائلين بطهارته. ولم نجد في باب التطهير من النجاسات في هذا الكتاب أي تعرض للكافر. ومنها عبارة الصدوق في المقنع في كتاب الصلاة قال ما حاصله: (ولا تصل وقدامك التماثيل. ولا تجور الصلاة في شئ من الحديد.


 

[ 249 ]

وإياك أن تصلي في ثوب أصابه خمر. ولا تصل في السواد. ولا تصل على بواري اليهود والنصاري) ولم نجد له تعرضا للكافر في كتاب الطهارة من هذا الكتاب. والعبارة المذكورة ليست واضحة في الفتوى بنجاسة الكافر، حيث يلاحظ أنه ذكر مجموعة مما نهي عنه، وبعض تلك النواهي تنزيهية حتى عنده، وهذا يعني كونه بصدد ذكر ما في متون الروايات من أحكام مهما كان نوعها. ومنها: عبائر الصدوق في الفقيه، إذ يقول في باب المياه وطهرها ونجاستها: " ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الإسلام، وأشد من ذلك سؤر الناصب ". ويقول في أبواب الصلاة وحدودها: " روي أبو جميلة عن أبي عبد الله: أنه سإله عن ثوب المجوسي ألبسه وأصلي فيه؟ قال: نعم. قال: قلت: يشربون (يشترون خ ل) الخمر؟ قال: نعم نحن نشتري السابرية فنلبسها ولا نغسلها ". وينقل في باب الصيد والذباحة عدة روايات، بعضها ينهى عن سؤر اليهودي والنصراني، وبعضها يأمر بغسل آنية المجوس. واستظهار فتوى الصدوق بالنجاسة على أساس ذكره هذه الروايات ذات الألسنة المختلفة المناسبة للنجاسة، وعدم ذكر شئ واضح الدلالة على الطهارة ليس ببعيد، وإن كان ليس بواضح. ومنها: كلام المفيد (قدس سره) ولنا منه أثران: أحدهما المقنعة التي شرحها الشيخ الطوسي. والآخر: العبارة التي ينقلها المحقق في المعتبر عما كتبه المفيد في أجوبة بعض مسائله أما الثاني فهو قول بالكراهة. وأما الأول فقد ذكر فيه: " وإذا مس ثوب الإنسان كلب أو خنزير وكان يابسين فليرش موضع مسهما بالماء. وكذلك الحكم في الفأرة والوزغة يرش الموضع


 

[ 250 ]

الذي مساه. وكذلك إن مس واحد مما ذكرنا جسد الإنسان أو وقعت يده عليه، وكان رطبا، غسل ما أصاب منه وإن كان يابسا مسحه بالتراب وإذا صافح الكافر المسلم ويده رطبة بالعرق أو غيره غسلها من مسه بالماء وإن لم يكن فيها رطوبة مسحها ببعض الحيطان أو التراب ". وهذا في نفسه ظاهر في النجاسة. ولكن هنا شيئا وهو: أن ديدن الأقدمين كان على ذكر المناهي والأوامر الموجودة في الروايات، بدون أن يكونوا بصدد بيان الحرام من المكروه والواجب من المستحب وليس حال تلك النواهي والأوامر حال ما يراد الآن في الرسائل العملية، فيصعب على هذا الأساس حصول الاطمئنان بأن الأمر بالغسل في كلام فقيه من هذا القبيل إلزامي أو تنزيهي، خصوصا إذا لوحظ أن كلام المفيد المتقدم يشتمل على الفأرة والوزغة، وعلى مسح اليد ببعض الحيطان إذا مسها الكافر يابسا، فهل كان يرى المسح بالحائط واجبا؟! والغسل من الفأرة واجبا؟! أو أن هذا انسياق مع التنزيهات الموجودة في الروايات؟ ومنها: كلام السيد المرتضى في شرحه للناصريات، إذ يقول: " عندنا أن سؤر كل كافر - بأي ضرب من ضروب الكفر كان كافرا - نجس لا يجوز الوضوء به ". ومنها: كلام الشيخ الطوسي في النهاية قال: " ولا بأس بأسئار المسلمين... ويكره استعمال سئور الحائض إذا كانت متهمة... ولا يجوز استعمال أسئار من خالف الإسلام من سائر أصناف الكفار...، ولا بأس بسؤر كل ما يؤكل لحمه من سائر الحيوان ". وقال فيه أيضا: " فإن علمت فيه نجاسة أو أدخل يده فيه يهودي أو نصراني أو مشرك أو ناصب ومن ضارعهم من أصناف الكفار فلا يجوز استعماله على حال ".


 

[ 251 ]

وهاتان العبارتان تتعرضان لحكم سؤر الكافر، ولا يستفاد منها نجاسة الكافر إلا بناء على الملازمة بين الفتوى بعدم جواز استعمال سؤر الكافر والفتوى بنجاسة الكافر. وقال في باب تطهير الثياب من النهاية: " وإذا أصاب ثوب الإنسان كلب أو خنزير أو ثعلب أو أرنب أو فأرة أو وزغة وكان رطبا وجب غسل الموضع الذي أصابه فإن لم يتعين الموضع وجب غسل الثوب كله وإن كان يابسا وجب أن يرش الموضع بعينه فإن لم يتعين، رش الثوب كله وكذلك إن مس الإنسان بيده أحد ما ذكرناه أو صافح ذميا أو ناصبا معلنا بعداوة آل محمد وجب عليه غسل يده إن كان رطبا، وإن كان يابسا مسحها بالتراب ". وهذه العبارة لم يرد بها الإلزام في تمام الموارد قطعا فلا يمكن إثبات الفتوى بالنجاسة بها وإنما تشتمل على متون الأخبار، لأن الشيخ نفسه في نفس النهاية يفتي بالجواز والطهارة في جملة من الموارد إذ يقول: " إذا وقعت الفأرة والحية في الآنية أو شربتا منها ثم خرجا حيا لم يكن به بأس " ويقول أيضا: " ولا تنجس مياه الغدران بولوغ السباع والبهائم والحشرات وسائر الحيوان فيها إلا الكلب خاصة والخنزير فإنه ينجسها إن كان دون الكر ". نعم أقوى عبارة للشيخ الطوسي في النهاية تدل على النجاسة ما ذكره في كتاب الأطعمة والأشربة إذ قال: " ولا تجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال أوانيهم إلا بعد غسلها بالماء، وكل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز أكله، لأنهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه ". إلا أنه (قدس سره) يقول بعد هذا ببضعة أسطر: " ويكره أن يدعو الإنسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه


 

[ 252 ]

وإن دعاه فليأمره بغسل يديه ثم يأكل معه إن شاء ". ومن هنا وقع المحقق قدس سره في ضيق لدى الجمع بين عبارتي الشيخ المتقاربتين، فحمل العبارة الثانية على فرض عدم الرطوبة وأن الغسل شئ تعبدي. ولعل هذا أولى من حمل النجاسة في العبارة الأولى على النجاسة المعنوية. وعبارات الشيخ في المبسوط والتهذيب أوضح في النجاسة، فقد صرح في المبسوط بأن الكافر نجس. واستدل في التهذيب بالآية الكريمة التي مفادها - إذا تمت دلالتها - نجاسة نفس الكافر لا حرمة سؤره فحسب. ومنها: ما في ككتاب المراسم لسلار قال: " وإزالة النجاسة على أربعة أضرب: أحدها: بالمسح على الأرض والتراب... والآخر: بالشمس والآخر برش الماء على ما مسه، كمس الخنزير والكلب والفأرة والوزغة وجسد الكافر إذا كان كل ذلك يابسا. والآخر: ما عدا ما ذكرناه من النجاسات، فإنه لا يزول إلا بالماء. وهذه العبارة وإن دلت على فتواه بنجاسة الكافر غير أنه ساقه مساق الفأرة والوزغة فلا تكشف الفتوى عن ارتكاز إلا بمقدار ما يمكن افتراضه فيها. ومنها: ما في كتاب الوسيلة إذ جاء فيه في أحكام الماء: " وإذا لم يبلغ كرا نجس بوقوع كل نجاسة فيه، وبمباشرة كل نجس العين مثل الكلب والخنزير وسائر المسوخ، وكل نجس الحكم مثل الكافر والناصب بارتماس الجنب فيه. ولا ينجس بولوغ السباع والبهائم والحشار منه سوى الوزغ والعقرب... إلخ ". وجاء فيه في باب غسل الثياب: " فما تجب إزالة قليله وكثيره أربعة أضرب: أحدها: يجب غسل ما مسه إن كانا رطبين أو كان أحدهما رطبا والثاني: يجب رش الموضع الذي مسه يابس بالماء إن كان ثوبا. والثالث: يجب مسحه بالتراب إن مسه البدن يابسين. والرابع: يجب


 

[ 253 ]

غسل ما أصابه بالماء على كل حال. فالأول والثاني والثالث: تسعة أشياء الكلب، والخنزير، والثعلب، والأرنب، والفأرة، والوزغة، وجسد الذمي، والكافر، والناصب، والرابع: أحد وعشرون، وعد منها: بول ما لا يؤكل لحمه، وذرق الدجاج، والخمر، وكل شراب مسكر ولعاب الكافر.. إلخ. ونلاحظ بوضوح: أن الكافر جعل في قائمة النجاسات التي تشتمل على الثعلب والأرنب والفأرة وذرق الدجاج، ومثل هذا لا يمكن أن يكشف عن ارتكاز غير قابل للمناقشة بشأن نجاسة الكافر. وفي كتاب جواهر الفقه لابن البراج، لم يقع نظري على ما له تعرض لنجاسة الكافر، نعم طرح هذا السؤال وهو: إذا كان كافرا وتيمم أو توضأ ثم أسلم هل يكون تيممه أو وضوئه صحيحا؟. ثم أجاب بالنفي لأن ذلك عبادة يفتقر في صحتها إلى النية ولا تصح عمن هو كافر. ومثله في الخلاف للشيخ الطوسي. وهذه العبارة لو استشم منها شئ فإنما تستشم الطهارة لا النجاسة، إذ على القول بالنجاسة كان بالإمكان تعليل بطلان العمل بنجاسة الأعضاء وتنجس الماء، ولا أقل من حيادية العبارة المذكورة. ومنها: عبارة الغنية المتقدمة لابن زهرة، وقد أفتى فيها بنجاسة الكافر والثعلب والأرنب. والمستخلص من كل هذا العرض: أن كلمات الأقدمين جملة منها غير واضحة في الفتوى بنجاسة الكافر، وبعضها ظاهر في عدم النجاسة وجملة منها اقترنت فيها الفتوى بنجاسة الكافر بالفتوى بنجاسة أشياء أخرى لا يلتزم بنجاستها، الأمر الذي يوجب احتمال كون مدرك النجاسة في الجميع عندهم على نحو واحد، وهو مجرد الاستفادة من ظواهر الروايات على نحو يمكن رفع اليد عنه بظهور أقوى والخالي من كل نقاط الضعف


 

[ 254 ]

هذه ليس إلا بعض تلك الكلمات. النقطة السادسة: أن الروايات الدلة على الطهارة تارة: تلحظ بما هي حجة تعبدا على نفي النجاسة، وهذا استدلال بالسنة وسوف يأتي الكلام عنه. وأخرى: تلحظ بما هي قرينة ظنية بقطع النظر عن دليل الحجية وما يقتضيه على نحو يمكن استخدامها كعامل مزاحم لتأثير الإجماع في حصول العلم بالنجاسة، وهذا هو المقصود في المقام. لأن حجية الإجماع ليست إلا بسبب إفادته للعلم بحساب الاحتمالات، فيكون كل كاشف ظني على خلافه مؤثرا بدرجة ما في المنع عن تكون العلم على أساسه. غير أن القرينة الظنية قد لا تكون ذات أهمية معتد بها في المقام والنكتة في ذلك: أن صدور أخبار الطهارة مترقب على كل حال، سواء كان الحكم هو الطهارة أو النجاسة. أما على الأول: فلأجل بيان الواقع. وأما على الثاني: فلأجل توفر ظروف التقية عادة، إذ في المسائل التي يعم الابتلاء بها ويكون اتفاق العامة فيها على خلاف المتبنى من قبل أهل البيت يبعد عدم وقوع بعض الحالات التي تفرض التقية فيها بيان الحكم على وفقها ولهذا نلاحظ في مسائل من هذا القبيل وجود روايات على طبق مذهب العامة عادة إلى جانب الروايات التي تبين الحكم الواقعي. وعليه فلا تكون لأخبار الطهارة كاشفية تكوينية معتدا بها. ولكن بالرغم من ذلك فإن لها كاشفية مزاحمة على أي حال، إذا لاحظنا أن بعض ألسنة تلك الروايات وخصوصياتها لا يناسب التقية، من قبيل ما دل على النهي عن الوضوء بسؤر الكتابي مع استثناء صورة الاضطرار، ومن قبيل كون الراوي لبعض الروايات مثل علي بن جعفر، خصوصا مع كثرة روايات الطهارة وصراحتها وعدم وجود شئ من التذبذب والتزلزل في البيان في أكثرها. وهناك مبعدات متفرقة في الفقه للقول بالنجاسة: من قبيل: جواز


 

[ 255 ]

نكاح الكتابية مع استبعاد إمضاء الحياة الزوجية بين الطاهر بالذات والنجس بالذات، وتشريع تغسيل الكتابي للمسلم في بعض الحالات، ونحو ذلك. وحيث إن أكثر هذه النقاط تختص بمثل الكتابي من الكفار، فما يمكن أن نستخلصه من مجموع ما تقدم سقوط الإجماع المدعى عن الحجية بالنسبة إلى الكتابي، ومن هو من قبيله من الكفار. وأما بالنسبة إلى المشرك ومن هو أسوأ منه، فإن لم يمكن التعويل على الإجماع فيه جزما لضئالة منافذ التشكيك، فلا أقل من التعويل عليه بنحو الاحتياط الوجوبي. وأما الكتاب الكريم فقد استدل على النجاسة بقوله تعالى: " إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " (1). وتحقيق الكلام في هذه الآية يقع في ثلاث جهات: الجهة الأولى: في إمكان استفادة النجاسة بالمعنى المبحوث عنه من كلمة (نجس) في الآية. وتوضيحه: أن كلمة نجس - بفتح الجيم - مصدر، والنجاسة اسم مصدر، وأما الوصف فهو نجس بكسر الجيم. نعم ذكر بعض: أن كلمة نجس بفتح الجيم تأتي أيضا بمعنى الوصف. وهذا لو سلم فلا شك في أن الظاهر من الآية الكريمة إرادة المعنى الأول أي المصدر، إذ بناء على الوصفية كان مقتضى الطبع المطابقة بين الوصف والموصوف في الجمع، بخلافه على المصدرية، لأن نفس العناية التي لا بد من إعمالها في الشخص الواحد عند حمل المصدر عليه يمكن إعمالها في مجموع الجماعة. وعليه يقع الكلام في تعيين المراد من المعنى المصدري في الآية، فإن القذارة تتصور على أنحاء ثلاثة: الأول: قذارة حسية قائمة بالجسم خارجا.


 
(1) سورة التوبة الآية 28.

 

[ 256 ]

الثاني: قذارة قائمة بالشخص أو المعنى وقد يعبر عنها بالخبث وسوء السريرة، ويقول الراغب الأصفهاني: " إن هذه قذارة تدرك بالبصيرة لا بالبصر ". الثالث: قذارة قائمة بالجسم غير قابلة للتعدي إلى الآخر. فمثلا الخمر مسكر، والإسكار صفة لجسم الخمر، فإذا كان الإسكار قذارة واقعية أو اعتبارية فالخمر بجسمه قذر، كما في القسم الأول، إلا أن هذه القذارة بناء على هذا التصوير لها لا تقبل السريان، بخلاف القسم الأول. وهذا هو الذي يشار إليه في الروايات الدالة على طهارة الخمر بلسان أن الثوب لا يسكر. ثم إن هذه القذارات الثلاث تارة: تكون حقيقية كما في الأجسام الحاملة عرفا للقذارة المتعدية، وفي الإنسان الخبيث، وفي الخمر بناء على كون الإسكار قذارة واقعية. وأخرى: تكون اعتبارية، فالقذارة الاعتبارية إنما هي اعتبار لنفس هذه القذارات الثلاث. أما اعتبار القذارة الأولى: فمن قبيل اعتبار الشارع نجاسة الكافر بناء على نجاسته. وأما اعتبار القذارة الثانية: فهذا مما لا نحتمله في الشريعة، ولكن لو تمت أخبار تنقيص وتخبيث ولد الزنا احتمل حملها على هذا المعنى. وأما اعتبار القذارة الثالثة: فمن قبيل الجتابة والحيض ونحوهما من الأحداث. فالجنابة مثلا ليست قذرا معنويا قائما بالروح، كما يقال: إن الحدث ظلمة نفسانية، فإن هذا كلام شعري، بل المستفاد من الأخبار كون الجنابة حالة في الجسم، ولهذا ورد أن تحت كل شعرة جنابة وهذه الحالة تعتبر قذارد عند الشارع، بدليل التعبير عن الغسل بالطهارة، كما في قوله: " وإن كنتم جنبا فاطهروا ". فهي قذارة قائمة بوصف في الجسم ولا تسري إلى جسم آخر بالملاقاة، لأن ذلك الوصف لا يسري كذلك. ولهذا جاء


 

[ 257 ]

في روايات طهارة الثوب الملاقي لبدن الجنب: أن الثوب لا يجنب وورد في عرق الجنب والحائض: أن الجنابة والحيض حيث وضعهما الله. والعجب أن بعضهم - بعد أن ذكر النجاسة الشرعية التي هي قذارة جسمية والقذارة المعنوية - أنكر تصور قسم ثالث من القذارة وادعى: أن فرض قذارة قائمة بالجسم غير القذارة الأولى غير مألوف ولا مقبول عند أهل الشرع، مع أنا لاحظنا أن هذا القسم الثالث هو المستفاد من الشرع في مثل الجنابة والحيض. وهكذا يتضح: أن القذارة متى كانت صفة ابتدائية للجسم كانت قذارة جسمية قابلة للسريان بالملاقة ومتى كانت قائمة بصفة ثابتة للجسم ولم تكن تلك الصفة قابلة للسريان بالملاقاة فلا تسري القذارة إلى الملاقي بالرغم من كونها قذارة جسمية. وتعدد أقسام القذارة لا ينافي أنها ذات معنى واحد معروف. والأقسام المذكورة إنما تختلف في مركز القذارة والنجاسة، فهو تارة الجسم، وأخرى المعنى أو النفس، وثالثة صفة قائمة بالجسم. ولا انصراف إلى أحد الأقسام إلا بضم المنابسات والملابسات. والنجاسة الشرعية ليست معنى آخر للفظ القذارة، وإنما هي اعتبار للنجاسة الحقيقية. وعلى هذا الأساس فقد يستشكل على الاستدلال بالآية الكريمة بأن لفظة النجاسة يمكن حملها على معناها الحقيقي اللغوي، أي القذارة فلا تعطي إلا الطعن في المشركين بالقذارة والوساخة، ولا موجب لحملها على الفرد الاعتباري من القذارة المدعاة في المقام. وقد يقرب استفادة الفرد الاعتباري من الآية الكريمة بعدة وجوه: الوجه الأول: دعوى أن هذا المعنى هو الإصلاح الشرعي في زمن النبي (ص)، إما على أساس الحقيقة الشرعية، أو القرينة العامة. وأورد عليه السيد الأستاذ (دام ظله): بأن هذا يتوقف على تسليم


 

[ 258 ]

أصل تشريع النجاسة في الجملة في زمان نزول الآية، وهذا غير معلوم لما نعلم من أن الأحكام بينت بالتدريج ولكن التحقيق أن المظنون قويا تشريع أصل النجاسة قبل هذه الآية، فإن هذه الآية نزلت في سورة التوبة كما هو معلوم في السنة التاسعة من الهجرة في أواخر أيام النبي (ص) والمظنون قويا تشريع عدة نجاسات إلى ذلك الزمان. ويشهد لذلك أمور: منها: أن تدريجية الأحكام إنما كانت لمصحلة تكليف الناس وإعدادهم ومن المعلوم أن نجاسة بعض النجاسات على وفق الطبع العقلائي فلا موجب لتأخير تشريعها. وحينما دخل الرسول (ص) المدينة كان متعارفا عند أهل المدينة الاستنجاء بالحجر أو الماء، وكان البراء بن معرور الأنصاري أول من استنجى بالماء من المسلمين فنزلت في حقه " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " (1). ومنها: أن بعض روايات الإسراء - وهو قبل الهجرة - فيها إشارة إلى النجاسة، إذ يقارن فيها بين هذه الأمة والأمم السالفة التي قصرت فحملت عليهم تكاليف شاقة في حالة إصابة البول للبدن ونحوه، وأما هذه الأمة فقد جعل الماء لها طهورا. ومنها: ما ورد في بعض روايات حب النبي (ص) للحسن أو للحسين - على اختلاف متونها -: من أنه كان في حجر النبي فبال فأريد أخذه أو تأنيبه، فمنع النبي (ص) ودعا بماء فصبه عليه، وفي بعضها أن النبي: " بال عليه الحسن والحسين قبل أن يطعما فكان لا يغسل بولهما من ثوبه ". ومنها: قوله تعالى في سورة المائدة " فتيمموا صعيدا طيبا "، بناء على كون الطيب بمعنى الطاهر الشرعي، كما هو مقتضى استدلال الفقهاء


 
(1) سورة البقرة الآية 222.

 

[ 259 ]

بالآية على اشتراط طهارة التراب. وافتراض طاهر كذلك يساوق افتراض تشريع النجاسة. والمنقول أن سورة المائدة قبل سورة التوبة فإذا أوجبت هذه الشواهد وغيرها الظن الاطمئناني بسبق تشريع النجاسة لم يتم الجواب المذكور. غير أن الصحيح مع هذا عدم تمامية أصل الوجه، لأن النجاسة وإن كانت مشرعة إجمالا في ذلك الزمان، ولكن المتتبع يكاد أن يحصل له القطع بأن لفظة النجاسة لم تكن قد خصصت للتعبير عن القذارة الشرعية، وإنما كان يعبر عنها بتعبيرات مختلفة في الموارد المتفرقة. ولهذا نلاحظ أن مجئ لفظ (النجاسة) في مجموع الأحاديث المنقولة عن النبي (ص) إما معدوم وإما نادر جدا، لا في طرقنا فقط، بل حتى في روايات العامة التي تشتمل على ستمائة حديث عن النبي (ص) في أحكام النجاسة، ولم أجد فيها التعبير بعنوان النجس إلا في روايتين: في إحداهما نقل الراوي: أن رسول الله (ص) قال: " إن الهر ليس بنجس "، وفي الأخرى: نقل أن صحابيا واجه النبي وهو جنب فاستحى وذهب واغتسل واعتذر من النبي فقال (ص) " سبحان الله إن المؤمن لا ينجس ". وهذا يكشف عن ضئالة استعمال لفظة النجاسة ودورانها في لسان الشارع، الأمر الذي ينفي استقرار الاصطلاح الشرعي بشأن هذه اللفظة. الوجه الثاني: دعوى حمل النجاسة على النجاسة الشرعية بقرينة حالية خاصة، وهي ظهور حال المولى في كونه في مقام المولوية، فلو حمل اللفظ على النجاسة غير الشرعية الاعتبارية لكان هذا إخبارا من قبل المولى عن أمر خارجي، وهو خلاف الظهور الحالي المذكور. ويرد عليه - مضافا إلى إمكان منع هذا الظهور في القرآن الكريم الذي له أغراض تربوية شتى - أن نجاسة المشرك ذكرت تعليلا لحكم شرعي وهذا


 

[ 260 ]

مناسب لمقام المولوية، سواء أريد بالعلة النجاسة الشرعية أو النجاسة الواقعية. الوجه الثالث: دعوى أن الأمر دائر بين القذارة الخارجية والقذارة الاعتبارية، والأول لا يحتمل كونه علة لمنع المشركين من الاقتراب إلى المسجد الحرام، إما لوضوح عدم انطباقها على كثير منهم، وإما لوضوح أن مجرد القذارة الخارجية لا يوجب حرمة الاقتراب، فيتعين الثاني. ويرد عليه - مضافا إلى أن الحمل على الثاني يقتضي عدم الالتزام بكون النجاسة الشرعية لشئ مناطا لحرمة دخوله ولو لم يلزم سراية أو هتك - أنه يوجد فرد معنوي من القذارة الخارجية كما تقدم، والحمل عليه لا يرد عليه الإشكال المذكور. ثم إنه يوجد مبعد لما تدعيه هذه الوجوه الثلاثة من الحمل على النجاسة الاعتبارية، وهو أن الآية الكريمة سيقت مساق حصر حقيقة المشركين بأنهم نجس بلحاظ أداة الحصر، فكأنه لا حقيقة لهم سوى ذلك، وهذا إنما يناسب النجاسة الحقيقية المعنوية لا النجاسة الاعتبارية. الوجه الرابع: دعوى الإطلاق في كلمة (نجس)، وأنه بالإطلاق تدل الآية الكريمة على نجاسة المشرك بتمام شؤنه ومراتبه نفسا وبدنا، فتثبت النجاسة المعنوية والجسمية. وبعد معلومية عدم النجاسة الجسمية الحسية في بدن المشرك تحمل على نجاسة البدن الاعتبارية. فليس الأمر دائرا بين نجاسة النفس ونجاسة البدن، ليدعى عدم تعين الثاني، بل الإطلاق كفيل بإثباتهما معا. ويرد عليه: أن النفس والبدن ليسا فردين من الموضوع في القضية لتثبت بالإطلاق نجاستهما معا، بل مرجعهما إلى نحوين من ملاحظة المشرك فقد يلحظ بما هو جسم، وقد يلحظ بما هو شخص معنوي. ولحاظه بما هو جسم ومعنى معا وإن كان أمرا معقولا، ولكنه لا يفي به الإطلاق


 

[ 261 ]

لأن الإطلاق ينفي أخذ قيد زائد في الموضوع، وليس له نظر إلى توسعة اللحاظ، وإدخال حيثيات عديدة تحته، بل يحتاج ذلك إلى قرينة خاصة. وعليه فالظاهر عدم تمامية الحمل على المعنى الشرعي فلا يتم الاستدلال بالآية الكريمة. الجهة الثانية: في أنه بعد افتراض حمل النجاسة على الاعتبار الشرعي قد يقال: أن الأمر يدور بين عنايتين: أحدهما: عناية حمل المبدأ على الذات. والأخرى: عناية ت