العودة الى مكتبة المرتضى

إفاضة العوائد

السيد الگلپايگاني ج 1


 

[ 1 ]

افاضة العوائد تعليق على درر الفوائد تأليف المرحوم المبرور مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي قدس سره بقلم سماحة آية الله العظمى زعيم الحوزة العلمية الحاج السيد محمد رضا الگلپايگاني مد ظله الجزء الاول


 

[ 2 ]

دار القرآن الكريم للعناية بطبعه ونشر علومه الحوزة العلمية ايران - قم هوية الكتاب: * الكتاب: افاضة العوائد تعليق على درر الفوائد * المؤلف: سماحة آية الله العظمى السيد محمد رضا الگلپايگاني مد ظله * الناشر: دار القرآن الكريم * الطبعة: الاولى * طبع منه: 3000 نسخه * المطبعة: مهر * التاريخ: ربيع الثاني 1410 - * ايران: قم - شارع ارم - دار القرآن الكريم صندوق البريد 151 - رقم الهاتف 33078


 

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي علمنا معالم الدين ومعارج اليقين، وانار قلوبنا بلوامع السنة والكتاب المبين، ووفقنا لتمهيد القواعد والقوانين لاستنباط احكام سيد المرسلين، والصلاة والسلام على اشرف سفرائه المقربين محمد خاتم النبيين وعلى اله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين. أما بعد فيقول العبد المذنب المستجير برحمة ربه الكريم، عبد الكريم الحائري غفر ذنوبه وستر عيوبه لما صنفت في سالف الزمان تصنيفا شريفا وتأليفا منيفا في علم الاصول، وأودعت فيه غالب مسائلها المهمة، مراعيا فيه غاية الايجاز والاختصار، مع التوضيح والتنقيح ببيانات شافية وعبارات وافية، بحيث يكون سهل التناول لطالبه مجتنبا عن ذكر ما لا ثمرة فيه، وسميته ب‍ (درر الفوائد) فجددت النظر فيه فالحقت به ما خطر ببالى الفاتر وفكري القاصر اخيرا مما اختلف فيه رايى، وارجو من الله ان يكون نافعا لاخواني من اهل العلم وان يجعله خير الزاد ليوم المعاد.


 

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذي فقهنا في الدين، وفرض علينا معرفة اصوله وكلفنا بالعمل بفروعه ووفقنا لاستنباط احكام شريعته من كتابه وسنة نبيه واوصيائه الائمة الغر الميامين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعترته الطيبين الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين. وبعد فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الغنى محمد رضا بن محمد باقر الموسوي الگلپايگاني قد طلب الي جمع من افاضل الطلاب تدريسهم كتاب (درر الفوائد) تأليف المرحوم المبرور المغفور له شيخنا واستاذنا مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة العلامة الفقيه والاصولي الشهير آية الله العظمى وحجته الكبرى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي تغمده الله برحمته فاجبت الطلب وعلقت عليه ما خطر ببالى ابان الدرس وكان القسم الكثير منه في حياته والجزء الاخير منه بعد وفاته. وكنت قد دونته عندي لمراجعتي لدى الحاجة فرغب جمع في طبع المدونات فنزلت عند رغبتهم وذيلت المتن بها واسميتها (افاضة العوائد في التعليق على درر الفوائد) والله تبارك وتعالى أسأل واياه ارجو أن ينفعني بها يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم.


 

[ 5 ]

[ (تعريف علم الاصول) إعلم ان علم الاصول هو العلم [ 1 ] بالقواعد الممهدة لكشف حال الاحكام الواقعية المتعلقة بافعال المكلفين، سواء وقعت في طريق العلم بها، كما في بعض القواعد العقلية، أو كانت موجبة للعلم بتنجزها ] تعريف العلم [ 1 ] المراد بالعلم في المقام هو اما مطلق الادراك واما خصوص الادراك الراسخ المعبر عنه بالملكة، ولذا صح تعديته إلى (القواعد) بالباء. وليس المراد منه نفس (القواعد) قطعا بتلك القرينة. وهو وإن كان يطلق على نفس القواعد في كثير من الاحيان، لكن ما لم يضف إلى الاسم الموضوع لذلك العلم، كالنحو والصرف والاصول ونحوها فان النحو والصرف والاصول وامثالها اسماء وضعت للقواعد المبحوث عنها في تلك العلوم، ولها واقعيات في نفس الامر، سواء علم بها احدام لم يعلم، ولذا يقال: فلان (عالم بالنحو) أو (ليس بعالم به). وقد يطلق العلم ويراد به ما هو معنى (النحو والصرف والاصول) مثلا، لكن ما لم يضف الى تلك العلوم، وأما مع اضافته إليها، فلا يراد به الا الادراك قطعا. وذلك واضح لاسترة فيه. والاستاذ دام ظله في المقام قال في تعريف علم الاصول: (هو العلم بالقواعد) =


 

[ 6 ]

[ على تقدير الثبوت، أو كانت موجبة للعلم بسقوط العقاب كذلك. ولعل هذا احسن مما هو المعروف من أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية، لا ستلزامه الالتزام بالاستطراد في بعض المسائل المهمة، مثل مسائل الاصول العملية، [ 2 ] ومسألة حجية الظن في حال ] = لا في تعريف الاصول، فمن اراد تعريف الاصول يقول: (هو القواعد الممهدة...) كما عبر صاحب الكفاية (قدس سره) في مقام تعريف الاصول: بأنه (صناعة...) وان اسند إلى القوم تعريف الاصول ب‍ (العلم بالقواعد الممهدة) لكن لا يخلو ذلك عن مسامحة لابد لها من بعض التوجيهات إلى لا داعى لها. كما أن تعريف العلوم بالصناعة باعتبار أنها حرفة وشغل، ثم توصيف الصناعة ب‍ (تعرف بها القواعد) الظاهر في كون الباء للسببية، ومغايرة الصناعة للمعرفة - مع أنها عينها - ايضا لا يخلو عن مسامحة والامر سهل. [ 2 ] - أما العقلية منها مثل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو وجوب رفع الضرر المحتمل، والتخيير في دوران الامر بين المحذورين فلوضوح عدم استنتاج حال الاحكام منها لا واقعيا ولا ظاهريا، وليست هي الا أحكاما عفلية محضة لا يستكشف منها حكم شرعي حتى بقاعدة الملازمة، لان مجرى القاعدة - على القول بها - هو ما إذا كان للعقل في نفس الواقعة حكم يستقل به كالظلم حيث يستقل بقبحه، والاحسان حيث يستقل بحسنه، أما ما لا حكم له في نفس الواقعة ويجوز كونها ذات مفسدة ومصلحة لكن لعدم الحجة على العقاب يستقل بقبحه، فلا يستكشف من ذلك الحكم حكم شرعي لنفس الواقعة، وفي الحقيقة لاحكم للعقل في الواقعة حتى يستكشف منه حكم الشرع. وأما الشرعية منها، فان قلنا بأنها ليست الا أعذارا للمكلف فحالها حال العقلية، وان قلنا بأنها أحكام شرعية ظاهرية فالظاهر دخولها في التعريف - بناء على أن (الاحكام الواقعية) في التعريف أعم من الظاهرية كما هو كذلك - لان الاصول المقررة في الاحكام الكلية يبحث فيها لتمهيد قاعدة تستنبط منها الاحكام الكلية الفرعية، =


 

[ 7 ]

[ الانسداد، بنائا على الحكومة، [ 3 ] لعدم تمهدها لاستنباط. الاحكام كما هو واضح وانما قيدنا القواعد بكونها الممهدة لكشف ] كما صرح به في الكفاية في مبحث الاستصحاب. نعم قد يقال: ان الظاهر لزوم مغايرة المستنبط مع المستنبط منه ذاتا، والقاعدة المستنبط منها الاحكام الظاهرية مثل: (لا تنقض) و (كل شئ حلال). لا يغاير المستنبط - أعنى وجوب صلاة الجمعة المستصحب، أو حلية المشكوك - إلا بالاجمال والتفصيل، لان المستنبط مصداق من مصاديق الكبرى المستنبط منها تلك الاحكام، فلم يشمل التعريف تلك الاصول لكن سيأتي ما فيه في الفرق بين المسائل الاصولية و الفقهية. [ 3 ] وبما ذكرنا في الاصول العملية ظهر حال الظن في حال الانسداد بناء على الحكومة، فان العقل في تلك الحالة لا يحكم إلا بقبح العقاب على المتثل ظنا، واستحقاق العقاب لتاركه على تقدير تحقق الحكم في الواقع، وكذلل الثواب، وأما على تقدير عدم التحقق، فالممتثل منقاد والتارك متجر، فلا يستفاد منها حكم شرعي. وأما الملازمة فقد عرفت أنها في مورد حكم العقل مستقلا في الواقعة بحكم، كالظلم حيث يحكم العقل بقبحه، والاحسان حيث يحكم بحسنه، وأما في أمثال المقام - التي لم يستقل بحكم نفس الواقعة، بل يحكم مع فرض الجهل به بحكم - فلا يستكشف بها الا نفس ما أسند إلى الشارع في ذلك التقدير، وهو عدم العقاب على تقدير المخالفة الواقعية، وأما تحقق التقدير فمجهول بالفرض. وأما التعريف المذكور في المتن فيدخل فيه جميع مسائل الاصول، لان البحث عن القواعد العقلية (كمقدمة الواجب، أو الملازمة، أو الضدين، أو اجتماع الامر والنهي، أو النهي في العبادات، أو القطع) يستكشف منها حال الحكم من حيث الثبوت أو العدم. وأما بحث الحجية مطلقا، سواء تعلق بتشخيص موضوعها (كالبحث في الظواهر في مباجث الالفاظ، والبحث عما تثبت به الظواهر) أو تعلق باثباتها =


 

[ 8 ]

[... ] = (كالبحث عن حجية خبر الواحد وأشباهه مما يبحث عن حجية) فيستكشف منها حال تنجز الحكم الواقعي لو أدى أحدها إليه على تقدير تحققه واقعا، وعدم تنجزه فيما لو أدى الطريق إلى خلافه. وكذلك الاصول، فان الاوصول الجارية على خلاف الاحكام الواقعية - كاصل البراءة أو استصحاب العدم أو التخيير - يستكشف منها حال الاحكام من حيث عدم تنجزها، الاصول الجارية في وفاقها - كالاحتياط أو الاستصحاب الموافق - يستكشف منها تنجزها. قظهر شموله لجميع مباحث الاصول من أول مباحث الالفاظ إلى آخر مباحث الاصول العملية. لكن مع ذلك في شمول ذلك التعريف لمباحث الاجتهاد والتقليد ما لا يخفي، لان البحث عن وجوب التقليد على العامي أو تقليد الاعلم عليه، واشتراط العدالة والا علمية وغير ذلك في المجتهد، لا يستكشف منها حكم شرعي كما في تعريف القوم ولا وصف المجتهد كما في ذلك التعريف، نعم يستكشف منها الحكم وحال المقلد على تقدير رجوعه إلى المجتهد، ويكون البحث فيها حقيقة بحثا في حجية قول المجتهد أو خصوص الاعلم مع الشرائط المعتبرة في المقلد. وبذلك وجه بعض المشايخ في رسالته في تقليد الاعلم دخوله في الاصول على تعريف القوم. وقد تفطنت له، لكنه أيضا لا يخلو عن شئ، لان مراد القوم من (القواعد الممهدة لاستنباط الاحكام) هي: القواعد الممهدة لاستنباط الاحكام للمجتهد لا للمقلد، بل يمكن نفي الاستنباط عن فعل المقلد كما يشهد بذلك تعريفهم للاجتهاد والاستنباط وجعلهم المجتهد والمستنبط متردافين. واما على هذا التعريف وان كان يصدق أن حال الحكم يستكشف للمقلد، لكن هذا خلاف ظاهر المقام. ولو فرض التزام من بصدد التعريف بأن المراد من كشف الحال هو الاعم من كشفه للمقلد والمجتهد، لا لخصوص المجتهد كما هو ظاهر، لا يتأتى ذلك التوجيه في بعض =


 

[ 9 ]

[ حال الاحكام، لخروج مثل علم النحو والصرف وامثالهما [ 4 ] مما احتيج إليها في طريق كشف حال الاحكام، وعلم الفقة أما الاول، فلان مسائله ليست ممهدة لخصوص ذلك. وأما الثاني، فلان مسائله هي ] = مسائله المهمة مثل البحث عن وجوب الاجتهاد، وكونه عينيا أو كفائيا، والبحث عن أصل وجوب التقليد، فان المقلد لا يستكشف من ذلك الحكم وجوب التقليد، فانه لو لم يكن بحسب طبعه مجبولا على التقليد لا يؤثر حكم المجتهد عليه بوجوب التقليد في وجوب التقليد عليه، لان وجوب التقليد في ذلك الحكم عليه أيضا يحتاج إلى التقليد إلى أن يتسلسل. [ 4 ] كالمنطق والمعاني والبيان مثلا، فان لها أو لبعضها مدخلية تامة في استنباط الاحكام وقد تقع في طريق الاستنباط لكنها لم تمهد لذلك، وبذلك يظهر ما في تعريف الاصول بانها (صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستكشاف) من عدم الانعكاس، لشموله لتلك العلوم. وقد تفصى عن الاشكال بأن المراد بالقواعد هي: (الكبريات الواقعة في طريق الاستكشاف) والمسائل النحوية والصرفية وغير ذلك تقع صغرى لتلك الكبريات، مثلا علم الصرف واللغة يبحث فيهما عن تشخيص الظاهر، وفي الاصول يبحث عن حجية كل ظاهر، وفي علم الرجال يبحث عن تشخيص حال الرواة وفي الاصول يبحث عن حجية خبر الثقة، فيقال في الفقه: (هذا المخبر عن قول الامام عليه السلام بوجوب صلاة الجمعة ثقة، وكل ثقة يجب الاخذ بخبره فهذا الخبر يجب الاخذ بخبره، فتجب صلاة الجمعة) وقس على ذلك. لكن ذلك يستلزم استطراد مباحث الالفاظ من اول الوضع إلى احر العام والخاص والمطلق والمقيد، الا بعض المباحث العقلية منها كاجتماع الامر والنهي والضدين وأمثال ذلك، ولا وجه لاستطراد ذلك. ويمكن أن يقال: ان ذلك التعريف أيضا لا ينعكس حيث يشمل علم الرجال، لانه لم يمهد الالكشف حال رواة الاحكام الشرعية. = - >


 

[ 10 ]

[ الاحكام الواقعية الاولية، وليس ما وراءها احكام اخر تستكشف حالها بتلك المسائل [ 5 ]. إذا حفظت ما ذكرنا، تقدر على دفع ما ربما يتوهم من دخول بعض مسائل الاصول في الفقه كمسألة الاستصحاب [ 6 ] بناءا على اخذه من الاخبار وما يشابهها، تقريره أن الاستصحاب على هذا ليس الا ] = وفيه - مع عدم اختصاص الغرض في الرجال بكشف حال رواة الاحكام الشرعية، بل لكشف حال جميع ما تضمنته الاخبار من التواريخ والاحكام الراجعة الى الاصول والفروع وغير ذلك - أن المراد بالقواعد هي القواعد الكلية، وعلم الرجال يبحث فيه عن احوال كل واحد من افراد الرجال، وليست قواعده أحكاما كلية كما هو واضح. [ 5 ] - المراد بالاحكام المستكشف حالها بقواعد الاصول هي الاحكام الكلية الفقهية، كوجوب الصلاة كل يوم على كل مكلف، وحرمة كل فرد من افراد الخمر على كل فرد من أفراد المكلفين، وأمثال ذلك، فيخرج بذلك الاصول الجارية في الموضوعات كالاستصحاب وقاعدة الطهارة فيها، وقاعدة الشك بعد العمل، وبعض قواعد الشكوك، فانها وان كان يستكشف منها حال الاحكام الواقعية من حيث التنجز وعدمه، لكن لا يستكشف منها الا حال حكم جزئي جرت فيه احدى القواعد المذكورة. نعم قاعدة الطهارة الجارية في الاحكام داخلة في التعريف، فانه يستكشف منها حال احكام كلية، كطهارة خرء الخفاش مثلا إذا شككنا في طهارته، وقد التزم الاستاذ في مجلس البحث بكونها أصولية، ثم اعتذر عن عدم تعرضهم لها في الاصول بعدم كونها مسألة نظرية تحتاج إلى بحث مستقل، وقد التزم به في الكفاية ايضا. [ 6 ] المراد هو الاستصحاب الجارى في الاحكام، وأما الجاري في الموضوعات فقد مر أنه من القواعد الفقهية. = - >


 

[ 11 ]

[ وجوب البناء على طبق الحالة السابقة، بل يمكن هذا التوهم فيه حتى بناءا على اعتباره من باب الظن، فيسرى الاشكال في جل مسائل الاصول: كجحية الخبر والشهرة وظاهر الكتاب وما اشبه ذلك، بناءا على أن الحجية ليست إلا وجوب العمل بالمؤدى. ] = وتوضيح الاشكال: ان الفقه على ما عرفوه هو: (العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية) وموضوعه: (أفعال المكلفين) والاستصحاب حقيقته ليس الا وجوب العمل على طبق الاحالة السابقة، وهو حكم فرعي موضوعه عمل المكلف، وكذلك كل ما يبحث فيه عن الحجية، لان الحجية ليست الا وجوب العمل بمؤدى الحجة. وحاصل الجواب: ان المستنبط في المسائل الفقهية هي الاحكام التي تطلب نفسها للعمل، وليس وراءها احكام كلية اخر يستكشف حالها منها. لكن لا يخفى أن ذلك الفارق ايضا لايتم، لان قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) و (ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده) و (كل ما يصح بيعه تصح اجارته) وأمثال ذلك قواعد كلية، ولا يبحث فيها لمطلوبية نفسها بل لاستكشاف احكام كلية اخر، مثل: (كل بيع يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) و (كل هبة لا يضمن بصحيحها لا يضمن بفاسدها) و (كل مجهول لا يصح بيعه مثلا لا تصح اجارته). وقد أجيب عنه: بأن الظاهر من لفظ الاستنباط مقايرة المستنبط مع المستنبط منه ذاتا، وفي مثل تلك القضايا لا مغايرة بينهما الا بالاجمال والتفصيل، كما مر في الحاشية الراجعة إلى الاصول العملية فراجع. لكن فيه: ان الالتزام بذلك يستلزم خروج مثل البحث عن (مقدمة الواجب) والبحث عن (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع) وأمثال ذلك، عن مسائل الاصول فان الكليات المستكشفة من تلك القواعد لا مغايرة ذاتية بينها وبين =


 

[ 12 ]

[ وحاصل الجواب أن مسائل الفقه ليست عبارة عن كل حكم شرعي متعلق بفعل المكلف، بل هي عبارة عن الاحكام الواقعية الاولية، التي تطلب من حيث نفسها، فكل ما يطلب من جهة كونه مقدمة لاحراز حال الحكم الواقعي، فهو خارج عن مسائل الفقه ولا اشكال في ان تمام مسائل الاصول من قبيل الثاني. ] = تلك القواعد، ولم يلتزم أحد بخروج مثل ذلك عن الاصول. ان قلت: في بحث المقدمة والملازمة يبحث عن الملازمة بين وجوب شئ ووجوب مقدمته، وعن الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع والحكم المستنبط منها (وهو وجوب الوضوء أو حرمة الظلم) يغاير الملازمة ذاتا. قلت: في قاعدة (كل ما يضمن...) ايضا يبحث عن الملازمة بين الضمانين، وفي قاعدة (كل ما يصح بيعه..) يبحث عن الملازمة بين الصحتين، وهي غير الحكم بالضمان في البيع والحكم بعدمه في الهبة، أو الحكم بصحة اجارة الاعيان وعدم صحة اجارة غيرها مثلا. والحاصل ان بعض مسائل الاصول وان كان يغاير ما استنبط منه ذاتا، لكن ليس كلها كذلك. وقد يقال: بأن تطبيق الكبرى على الصغرى لا يسمى استنباطا، بل الاستنباط يحتاج إلى اعمال نظر واجتهاد، فلا يصدق على مثل المقام. قلنا: اولا: فيه منع، فان ذلك يستلزم خروج البحث عن الملازمة عن الاصول، لان العقل يحكم بقبح الظلم، بلا اعمال للنظر وينطبق عليه (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع) ولا يحتاج إلى اعمال نظر الا تطبيق الكبرى على الصغرى. وثانيا: لو قلنا بلزوم الاعمال للنظر في صدق الاستنباط فانه يكفي فيه أن يكون بعض مقدماته نظرية، ولو كان صغراه، بان كان موضوع القضية ماخوذا فيه حكم يحتاج إلى اعمال نظر، مثل مقدمة الواجب واجبة، فان تشخيص مقدمة الواجب يحتاج إلى اعمال النظر لتشخيص الواجب فكذلك في المقام، فان تشخيص ضمان =


 

[ 13 ]

[ ولا يخفى عليك أن ما ذكرنا من الميزان أسلم مما ذكر: من أن مسائل الفقه عبارة عن كل حكم، يقدر المقلد على العمل به بعد ما افتى به المجتهد، كحرمة الخمر مثلا ونظائرها. بخلاف مسائل الاصول، فانه لا يقدر على العمل بها، وان افتى بها المجتهد، كحجية خبر الواحد وامثال ذلك، فان هذا مخدوش بان قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وبالعكس من القواعد الفقهية [ 7 ]. ومن المعلوم عدم تمكن المقلد من العمل بها بعد فتوى المجتهد بتلك القاعدة، بل يحتاج إلى تعيين ما هو صغرى لتلك القاعدة. ] = صحيح البيع يحتاج إلى نظر واجتهاد فبمؤنته نستكشف حكم الفاسد منها مع ضميمة الكبرى. والحاصل انه لا اشكال في صدق الاستنباط في المقام. وبذلك يظهر عدم انعكاس ما في الكفاية، حيث يشمل تلك القواعد التي ذكرت، فانها تقع في طريق استنباط الاحكام، ولا يندفع بمجرد تقييد الاحكام المستكشفة بالكلية - كما عن بعض - لان الاحكام المستكشفة منها ايضا كلية كما لا يخفى. [ 7 ] بل مخدوش بمثل (الصلاة واجبة) ايضا، حيث ان المقلد لا يقدر على العمل به ما لم يعلم بموضوعه، ومعلوم ان موضوعه الواجد للاجزاء والشرائط من المستنبطات ويحتاج إلى اعمال نظر واجتهاد زائدا على وجوبه، وكذلك بمثل (كل مالا يؤكل لحمه لا يجوز استصحاب أجزائه في الصلاة)، وكل حكم شرعي يتعلق بموضوع يحتاج إلى النظر والاجتهاد، أو إلى موضوع ذي حكم شرعي توقف استنباط حكمه على الاجتهاد واعمال النظر، وكذلك ما كان ناظرا إلى الادلة لتعميم حكمها أو تخصيصه بلسان الحكومة، مثلا (لا ضرر) و (لا حرج) و (لاشك لكثير الشك) وغير ذلك، فانها ناظرة إلى الادلة ولا حظ للمقلد فيها قبل المراجعة إلى المجتهد.


 

[ 14 ]

[ (موضوع علم الاصول) ثم اعلم ان موضوع هذا العلم [ 8 ] عبارة عن اشياء متنه تعرضها تلك المسائل كخبر الواحد والشهرة والشك في الشئ مع العلم بالحالة السابقة والشك في التكليف مع عدم العلم بالحالة السابقة وامثال ذلك مما يبحث عن عوارضه في هذا العلم ولا يجمعها الادلة لا بعنوانها ولا بذواتها. ] موضوع علم الاصول [ 8 ] لما كان حقيقة موضوع كل علم هو نفس موضوعات مسائله مثل الصلاة والصوم والزكاة في الفقه، والفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر في النحو، وما ذكر في المتن في الاصول، وامثال ذلك، عبر الاستاذ - دام بقاه - عن الموضوع بأشياء متشتتة الخ. وأما الجامع فليس بما هو اولا وبالذات موضوع العلم، بل ان كان بين تلك الموضوعات جامع ذاتي ومعلوم، كالكلمة والكلام في النحو، أو فعل المكلف في الفقه مثلا فيؤخذ به ويشار به إلى موضوعات المسائل تارة ويقال: (موضوع علم النحو الكلمة والكلام) و (موضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين). ويسند الموضوعية إلى نفس ذلك الجامع أخرى إذا أخذ لا بشرط، باعتبار أن العارض لفرد من افراد الطبيعة عارض على نفس الطبيعة، مثلا: لو كان فرد من أفراد =


 

[ 15 ]

[ اما الاول فللزوم خروج مسائل حجية الخبر والشهرة والظواهر [ 9 ] ]. = الانسان عالما يصح أن يقال: (الانسان عالم) ولا يصح ان يقال: (الانسان ليس بعالم) وان صح أن يقال: (الانسان جاهل) باعتبار فرد آخر منه، وأما طبيعة الجامع من حيث هي طبيعة الجامع فلم تكن موضوعا في مسألة من مسائل العلوم، فان الصلاة في الفقه بما هي صلاة واجبة لا بما هي فعل المكلف، وكذا الفاعل في النحو بما هو فاعل مرفوع لا بما هو كلمة وأمثال ذلك، فالموضوع في الحقيقة اشخاص تلك الموضوعات، والاسناد إلى ذلك الجامع أو الاشارة به إلى ذلك انما هو لتسهيل الامر. وان لم يكن بينهما جامع ذاتي معلوم فنعبر عنه بجامع عرضي، ولو بعنوان أنه: (ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية) كما يعرفون موضوع كل علم بذلك. والمراد بالعرض الذاتي في المقام ما يعرض الشئ بلا واسطة في العروض - كما في الكفاية - وان لم يكن ذاتيا باصطلاح المنطق أو المعقول، لان الوجوب للصلاة ما يعرض فعل المكلف لذاته، كادراك الكليات العارض للناطق، لا لجزئه المساوي أو الاعم منه كالادراك العارض للانسان بتوسط الناطق، أو التحرك بالارادة العارض له بتوسط الحيوان، ولا لامر مساوله كالضحك العارض للانسان بواسطة التعجب، بل أمر مجعول من قبل الشارع يعرضه من جهة أمر خارج أخص، وهو كونه ذا مصلحة ملزمة، وقس على ذلك حجية خبر الواحد في الاصول، وغير ذلك من موضوعات مسائل العلوم. وحيث علم عدم الدخل للجامع في الموضوعية، يعلم عدم لزوم العلم بعنوان الجامع لو قلنا بتحققه قطعا، لاشتراك جميع القضايا في تحصيل غرض خاص باعث على تدوين العلم، مع تسليم أن الواحد لا يصدر الا من الواحد، بل لانحتاج إلى العنوان المذكور. ومن ذلك يعلم عدم لزوم الالتزام بأن موضوع علم الاصول هي الادلة بعنوانها أو ذاتها حتى يورد عليه ما أورد. [ 9 ] وذلك لوضوح أن البحث عن الحجية بحث عن اثبات عنوان الدليل لا عن عوارضه، فيدخل في المبادي، وكذا يلزم عليه خروج الاصول العملية ايضا، لان =


 

[ 16 ]

[ وامثال ذلك مما يبحث فيه عن الحجية في علم الاصول ودخولها في المبادى بل للزوم ذلك في مسألة التعادل والتراجيح لان الحالة جايز. واما الثاني فلعدم تماميته في تمام المسائل كالاصول العملية [ 10 ] والالتزام بكونها استطرادا كما ترى وقد تكلف شيخنا المرتضى ره في ارجاع البحث عن حجية الخبر إلى البحث عن الدليل حيث قال (قده) ان البحث فيها راجع إلى ان السنة الواقعية هل تثبت بخبر الواحد ام لا [ 11 ] وانت خبير بان هذا على فرض تماميته في مسألة ] = البحث فيها ليس بحثا عن ذات الدليل فضلا عن عارضه، لان الشكوك ليست من الادلة الاربعة، وانما لم يتعرض لها لوضوحها، خصوصا بعد ما تعرض لخروجها على الثاني. [ 10 ] ولعدم تماميته ايضا في مثل مباحث الالفاظ، مثل ان الامر للوجوب أو للندب، والنهي للحرمة أو الكراهة، والفور أو التراخي، والمرة أو التكرار وامثال تلك المباحث، وكذلك البحث في العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والبحث عن حجية الظاهر، فان موضوع تلك المباحث ليس ذوات الادلة أيضا، لان البحث فيها لا ينحصر بخصوص أوامر الكتاب والسنة، والعموم والخصوص والمطلق والمقيد الوارد فيها، وكذلك البحث عن حجية الظاهر لا ينحصر بخصوص ظواهر الكتاب والسنة، وان كان الغرض في جميعها معرفة احوال الكلمات الواردة في الكتاب والسنة، لكن الكلام في الموضوع لا في الغرض وخروج جميع المسائل المذكورة - مع تمام مسائل الاصول العملية عن علم الاصول - مما لم يلتزم به أحد. [ 11 ] قد أورد شيخنا الاستاذ - دام بقاه - على ما أفاده الشيخ - رحمه الله - بان اللازم علينا ملاحظة ان الموضوع والمحمول في القضية المبحوث عنها عند الاصولي ماذا ؟ ولا اشكال في أن المبحوث عنه في الاصول والموضوع في القضية هو: خبر =


 

[ 17 ]

[... ] = الواحد والمحمول حجة أو ليس بحجة وذلك خارج عن البحث عن الادلة وأما إمكان إرجاع البحث إلى السنة حتى يدخل في البحث عنها فلا داعى له بعد ما عرفت من عدم الحاجة إلى الجامع المعلوم، مع ان ما يمكن ارجاعه إليه ليس مناطا في تعيين البحث، بل المناط فعلية البحث، مثلا يمكن ارجاع البحث في الصلاة واجبة إلى ان وجوب الصلاة ثابت ام لا أو ايجاب الله تعالى للصلاة ثابت ام لا حتى يصير البحث كلاميا، ولكن ذلك ليس مناطا في تعيين البحث. وأورد عليه صاحب الكفاية - فيها وفي الحاشية - بما حاصله: ان المراد بالثبوت ان كان الثبوت الواقعي فالبحث عنه بحث عن ثبوت الموضوع بمفاد كان التامة، والبحث في ذلك داخل في مبادئ العلم - ان لم ينقح في علم آخر سابق عليه رتبة - ولا يعد من مسائل العلم، لان المسائل لابد أن يبحث فيها عن مفاد كان الناقصة، واثبات عرض للموضوع أو نفيه وان كان المراد الثبوت التعبدى (وهو وجوب العمل على طبقها) فهو وان كان من العوارض ولكنه من عوارض الخبر الحاكي لا السنة الواقعية، لان وجوب العمل على السنة الواقعية ايضا وان كان من العوارض لها، لكن محل بحثه علم الكلام، لا الاصول. وأورد عليه شيخنا الاستاذ - دام بقاه - على تقدير الشق الاول: بعدم لزوم كون البحث في المسائل بحثا عن العوارض ومفاد كان الناقصة، بل يمكن تدوين علم يبحث في جميع مسائله أو بعضها عن وجود شئ أو اشياء في العالم، ولا مانع لذلك من عقل ولا غيره، بل لا يبعد وقوعه في علم الكلام، فان عمدة البحث فيه عن وجود الصانع ووجود المعاد بمفاد كان التامة، وارجاع البحث إلى ان: من الوجود: الواجب اولا ؟ ومن الوجود: المعاد اولا ؟ لا داعي له، وان التزموا به لم يكن مناطا كما مر آنفا. أقول: وان كان ذلك مصححا للبحث عن العوارض، فنقول في المقام: هل من السنة: الخبر المحكى بقول زراة اولا ؟ وعلى الشق الثاني: ان وجوب العمل وان كان من عوارض الخبر الحاكي، ولكن يمكن جعله من عوارض السنة بمعنى ان نقول: =


 

[ 18 ]

[... ] = ماهية الخبر هل يجب العمل عليه ولو كان مشكوكا ؟ مثل ما لو اخبر العادل برؤية الهلال يمكن ان يقال: هل الهلال يثبت بقول العادل ؟ ويمكن ان يقال: هل قول زيد حجة اولا ؟ ومعنى الثبوت والحجية على التقديرين وجوب العمل على طبق ثبوت الهلال واقعا وان لم يكن محرزا. أقول: اما كان مراد الشيخ - رحمه الله - بالثبوت الثبوت الواقعي بمفاد كان التامة فمما لا يرضى احد ان ينسب الى الشيخ، وهل يمكن أن ينسب إلى الاصولي ان حقيقة قول المعصوم - عليه السلام - غير منوط بقول زرارة، واما الثبوت التعبدي وان امكن ان يوجه كما ذكرنا، لكنه خلاف ظاهر كلامه. والذي يقوى في النظر هو: أن المراد بالثبوت الثبوت في مرحلة الظاهر. وبعبارة أوضح: البحث في اثبات قول المعصوم - عليه السلام - لا في ثبوته، والمقصود بالثبوت هو الثبوت عندنا لا في نفس الامر، كما يقول الحاكم: ثبت ان المال لزيد ومعلوم ان هذا البحث بحث عن مفاد كان الناقصة، لان ثبوت السنة عند تحققه واقعا من عوارضها. فان قلت: كما أن الاصولي لا يرضى بالبحث عن ثبوت السنة بمفاد كان التامة لوضوح عدم ارتباطها بالخبر الحاكي، كذلك لا يرضى بالبحث عن ثبوتها عندنا ايضا، لان من الواضح عدم ثبوت السنة الواقعية بالخبر الحاكي بذلك، لان الفرض انها بعد مشكوكة. قلت: نعم، نفس القول مشكوك صدوره عن الامام - عليه السلام - لكن رأيه - عليه السلام - يتضح لنا على تقدير تحققه. بيان ذلك: ان الامام - عليه السلام - لو امرنا باتيان صلاة الجمعة واقعا، ثم منع مانع عن وصول ذلك الخطاب الينا، فأمرنا بمتابعة قول زيد، وقال زيد: قال الامام - عليه السلام -: صلاة الجمعة واجبة وخالفنا قول زيد، فيصح أن يؤاخذنا بترك صلاة الجمعة، فان قلنا: ما كنا عالمين بذلك، فيصح ان يقول: ألم تسمعوا مني وجوب متابعة زيد ؟ فان قلنا: بلى، فقد اعترفنا بكوننا عالمين بوجوب صلاة الجمعة، =


 

[ 19 ]

[ حجية خبر الواحد وامثالها لا يتم في الاصول العلمية [ 12 ] فالا وفق بالصواب ان يقال: لا نلتزم بكون الجامع بين شتات الموضوعات هو الادلة ولا بلزوم ان يكون للجامع بينها اسم خاص يعبر عنه. فتلخص مما ذكرنا ان وحدة العلم ليست بوحدة الموضوع ولا ] = لانه مصداق متابعة زيد، وبالفرض كنا عالمين بوجوب متابعته، فيصح ان يقال: لو كان خبر الواحد حجة (يعنى لو ثبت وجوب العمل به من المعصوم) يثبت نفس رأيه الواقعي. لا يقال: وجوب المتابعة غير وجوب الجمعة، وما هو معلوم وجوبها لا وجوب الجمعة وان كانا متحدين مصداقا، كما إذا علم بوجوب اكرام العالم الهاشمي لكونه عالما لا لكونه هاشميا، فيصح ان يقال: وجوب اكرام العالم معلوم ووجوب اكرام الهاشمي غير معلوم، وان كان وجوب اكرام المصداق معلوما. لانا نقول: نعم، لو كان الوجوبان حكمين مستقلين جعل كل منهما في موضوع في عرض الاخر صح ما ذكر. واما لو كان احدهما طريقا وعلامة إلى الاخر، فعلى تقدير المطابقة لم يكن الا نفس الواقع، وقد علم بذلك ولو لم يكن في الواقع فليس الحكم الطريقي الا صوريا لا واقع له - كما صرح بذلك في الكفاية - وذلك معنى ما قلنا من ثبوت السنة الواقعية عندنا. نعم، يمكن ان يقال بأن السنة هي قول الحجة أو فعله أو تقريره - على ما قربه الشيخ رحمه الله - ومعلوم ان قول الحجة لا يثبت بالخبر الحاكي، لما مر من أنه بعد مشكوك فيه، وانما يثبت به رأيه - عليه السلام - لو كان الطريق موافقا، فالسنة لم تثبت، والثابت ليس بسنة. الا ان يوجه بأن رأى الامام - عليه السلام - ايضا دليل باعتبار كونه كاشفا عن حكم الله تبارك وتعالى، فبذلك يتم التوجيه، والظاهر ان ما قلنا احسن حمل لكلامه، زيد في علو مقامه. [ 12 ] وكذلك لا يتم فيما ذكرنا عند قوله: واما الثاني، فراجع.


 

[ 20 ]

[ بوحدة المحمول [ 13 ] بل انما هي بوحدة الغرض المتعلق بتدوينه ولذلك يمكن ان يكون بعض المسائل مذكورا في علمين لكنه منشأ لفائدتين صار كل منهما سببا لتدوينه في علم. هذا إذا عرفت ما ذكرنا فلنشرع فيما هو المقصود وقد رتبته على مقدمات ومقاصد. اما المقدمات (حقيقه الوضع) فمنها ان الالفاظ ليست لها علاقة مع معانيها مع قطع النظر عن الوضع وبه يوجد نحو ارتباط بينهما وهل الارتباط المذكور مجعول ابتدائى للواضع ] [ 13 ] بعد ما التزم بعد لزوم ان يكون للجامع بين شتات الموضوعات اسم خاص، فلازم ذلك عدم صلاحية الموضوع لتمايز العلوم، لان ما هو غير معلوم بعنوانه كيف يميز به العلم، وكذلك المحمول، بل هو اسوأ حالا من الموضوع، ولذا لم يعرف الالتزام به من احد. وحيث نفى التمايز بالموضوع والمحمول اثبت كونه بالغرض، وجعل برهان ذلك امكان ذكر بعض المسائل في علمين، والمقصود ذكره فيهما مع اتحاد الموضوع والمحمول والحيثية، مثل: قاعدتي التحسين والتقبيح العقليين في الاصول والكلام، وقبح العقاب بلا بيان على الشارع فيهما، وامثال ذلك، مثل كثير من مسائل النحو والبيان والاصول، مثلا حقيقة معاني الحروف والاسماء يبحث عنها في الاصول والنحو والبيان، وشطر من مباحث الاوضاع مما يذكر في البيان بعينها يذكر في الاصول بلا تغيير حيثية، والالتزام بكونها مبادئ الاصول - كما عن بعض - مما لا وجه له، فامكان ذلك وقوعه دليل مستقل على بطلان كون التمايز بالحيثيات كالموضوع والمحمول، وان كان ذكر لبطلانه وجوه عقلية أخر لا مجال لذكرها.


 

[ 21 ]

[ بحيث كان فعله ايجاد ذلك الارتباط وتكوينه ام لا [ 14 ] أو فعل امرا اخر والارتباط المذكور صار نتيجه لفعله لا يعقل جعل العلاقه بين الامرين الذين لا علاقه بينهما اصلا والذى يمكن تعقله ان يلتزم الواضع انه متى اراد معنى وتعقله واراد افهام الغير تكلم بلفظ كذا فإذا التفت المخاطب بهذا الالتزام ينتقل إلى ذلك المعنى عند استماع ذلك اللفظ منه فالعلاقة بين ] حقيقة الوضع [ 14 ] وتحقيق ذلك يحتاج إلى مقدمة وهي: ان الارتباط بين اللفظ والمعنى هل هو من الامور الاعتبارية التي لا حقيقة لها الا البناء والاعتبار، كالارتباط بين المالك والمملوك والزوج والزوجة، حتى تناله يد الجعل ؟ فان مثل الملكية والزوجية، وان لم تكن من الامور الفرضية الصرفة، التي لا واقعية لها في الخارج، ولا في الذهن الا بفرض وجودها، كأنياب الاغوال (كأن نفرض أغوالا ونفرض لها أنيابا، ونعبر عنها بذلك التعبير). ولكن ليس أيضا من الامور الواقعية التي لها تحقق، في الخارج كالجواهر والاعراض، ولا من الامور المتأصلة في الواقع ونفس الامر، وان لم يكن لها وجود في الخارج كالارتباط بين العلة والمعلول، بل لها وجود بنائي واعتباري حقيقة لا فرضا ولا ريب أن تلك الامور قابلة للجعل ابتداءا على القول بتأصلها، لان الوجودات البنائية توجد بالبناء ولا تحتاج في وجودها إلى أزيد منه، وتتبع في الضيق والسعة والشرائط والموانع أيضا ذلك البناء، فلو بنى العرف على وجود الملكية عند قول البايع: بعت باللفظ العربي مقدما على القبول قاصدا ايجاد ذلك تتحقق الملكية العرفية بتلك الشرائط، وان لم يشترطوا فيها اللفظ أو العربية أو التقدم تتحقق الملكية العرفية مع فقدها أيضا. أو من الامور الواقعية التى لها تأصل في نفس الامر، كالملازمة بين العلة والمعلول، التي لها تحقق وواقعية في الواقع ونفس الامر، وان لم يكن معتبر يعتبرها ولا حظ يلاحظها، ولا ريب أن مثل ذلك الارتباط غير قابل للجعل، بل ان كان الشئ بحسب خلقته الذاتية علة لشئ كان ذلك الارتباط بينهما موجودا، والا فلا يمكن جعله، =


 

[ 22 ]

[... ] = كالملكية والزوجية، وذلك واضح، فان الجمد بعد ما لم يكن علة للاحراق كيف يمكن جعله علة له، وكيف يمكن جعل الملازمة بينه وبين الاحراق. والارتباط بين اللفظ والمعنى من قبيل الثاني لا من قبيل الاول. ولا يخفى أن المقصود من الارتباط ليس الارتباط بين اللفظ وذات المعنى الخارجي، فان ذات المعنى حالها بعد الوضع حالها قبل الوضع، ولا ارتباط بين لفظ زيد وذاته في الخارج - وهو واضح - ولا في الذهن، لانه قد يتصور ذات المسمى بلا تصور اللفظ، وقد يتصور اللفظ من دون تصور معناه كما تقول: لفظ زيد - مثلا - ساكن الوسط بل المقصود الملازمة بين وجود اللفظ وارادة المتكلم لمعناه - وسيأتي انشاء الله توضيح ذلك في البحث عن كون الالفاظ موضوعة لمعاني مرادة لا لذات المعاني - لكن فيما إذا كانت شرائط التكلم موجودة مثل كون المتكلم عاقلا في مقام الافادة مع مراعاة متابعة الواضع، فانه مع تلك الشرائط واقعا لا يمكن تخلف اللفظ عن ارادة المعنى. لا يقال: بناءا على ذلك تكون دلالة الالفاظ على ارادة معانيها مقطوعة بحكم العقل، وذلك ينافي ما هو واضح من أن الالفاظ غالبا لا تفيد الا الظن، مع ما هو المصطلح المشهور من كون دلالتها على معانيها وضعية، فلو كانت بينهما ملازمة عقلا خرجت عن كونها وضعية. فانه يقال: ما قلنا من عدم امكان التخلف انما هو بعد احراز الشرائط من عدم كون المتكلم غافلا وكونه في مقام التفهيم ومقام متابعة الواضع، وأما احراز تلك الشرائط غالبا فلا يكون الا بأصول عقلائية، ووظيفة اللفظ هو الكشف عن المراد بعد احراز ما ذكر، ومعلوم أن النتيجة تابعة لاخس المقدمتين، ولذا يكون المراد ظنيا، وأما مع احراز جميع ذلك فهو موجب للقطع بالمراد، كما هو واضح. وأما كونها وضيعة فباعتبار أن اللفظ والمعنى قبل الوضع لم تكن بينهما تلك الملازمة العقلية، وانما حدثت بعد الوضع كما يقال في دلالة سرعة النبض على الحمى أنها طبعية، لاقتضاء الطبع ذلك، مع أن العقل يحكم بوجود الحمى عند السرعة، =


 

[ 23 ]

[ اللفظ والمعنى تكون نتيجة لذلك الالتزام وليكن على ذكر منك ينفعك في بعض المباحث الايته انشاء الله وكيف كان الدال على التعهد تارة ] = لكن هذا الحكم باقتضاء الطبع ذلك ويكون احرازه بالتجربة، ففي المقام يحكم العقل بوجود ارادة المعنى عند ارادة اللفظ وان كان منشأ ذلك جعل الواضع. إذا عرفت ذلك تعرف: ان الملازمة المذكورة بين اللفظ والمعنى غير قابلة للجعل ابتداءا بعد ما لم تكن بينهما قطعا، حيث أنها ليست مما لا واقعية لها - كما مر في الملكية - ولذا لا يمكن للعالم بالوضع بعد سماع اللفظ عدم الانتقال إلى ارادة المعنى، بخلاف الملكية، فانه يمكن لبعض الناس أن يبني على خلاف ما بنى عليه العقلاء نعم يمكن جعل شئ هو علة عقلية للانتقال عند الانتقال، بأن تيعهد الواضع ويبنى على ذكر اللفظ عند ارادة المعنى، وذلك البناء علة لارادة المعنى عند ذكر اللفظ، لان ما في نفس الغير مجهول ولا يعلم به غيره، فإذا تعهد بذكر لفظ خاص عند تحقق معنى خاص لبيان اغراضه، فلا محالة يفهم ارادته له عند ذكره مع اجتماع ما ذكر من الشرائط، وبعد حفظ تلك المباني يحكم العقل بوجود ارادة المعنى عند ذكر اللفظ. ولا يرد على ذلك ما عن بعض في بعض ما كتبه. وحاصله: ان ارادة المعنى من اللفظ فرع الدلالة، والدلالة على هذا فرع للعلم بالتعهد، وهو متأخر عن نفس التعهد، وكيف يمكن الالتزام بالارادة المتأخرة عن الوضع بمرتبتين قبل الوضع ؟ ومحصل الدفع: ان الواضع بعد ما أخبر بحالة خاصة في نفسه، حين ذكر اللفظ الفلاني يفهم المخاطب بعد ذلك من ذلك اللفظ تلك الحالة، وان لم يكن يفهم قبله، فلا يتأخر الالتزام بارادة الافهام عن الدلالة مع قطع النظر عن ذلك التعهد، بل بذلك توجد الدلالة، وهذا التعهد للعالم به علة للانتقال عند الانتقال، ففي الحقيقة فعل الواضع ايجاد للعلة لا للعلية حتى يستحيل، ومعلوم أن المراد بالتعهد ليس التعهد تفصيلا بل: سميته كذا متضمن لذلك بالاجمال. وأنت إذا قرأت ما تلوناه عليك من اوله إلى آخره تعرف معنى قوله دام ظله: لا يمكن جعل العلاقة إلى قوله: والذى يمكن تعقله....


 

[ 24 ]

[ يكون تصريح الواضع واخرى كثرة الاستعمال ولا مشاحة في تسمية الاول وضعا تعيينا والثانى تعينا [ 15 ]. (اقسام الوضع) ثم ان الملحوظ حال الوضع اما ان يكون معنى عاما كليا واما ان يكون خاصا وعلى الاول اما ان يوضع اللفظ بازاء ذلك المعنى العام واما ان يوضع بازاء جزئياته وعلى الثاني لا يمكن ان يوضع الا بازاء الخاص الملحوظ فالاقسام ثلاثة لان الخاص الملحوظ ان لوحظت الخصوصية فيه حين الوضع فالموضوع له لا يكون الا خاصا وان جرد عن الخصوصية فهو يرجع إلى تصور العام هكذا قال بعض الاساطين دام بقاه. اقول يمكن ان يتصور هذا القسم اعني ما يكون الوضع فيه خاصا والموضوع له عاما فيما إذا تصور شخصا وجزئيا خارجيا من دون ان يعلم تفصيلا بالقدر المشترك بينه وبين سائر الافراد، ولكنه يعلم اجمالا باشتماله على جامع مشترك بينه وبين باقى الافراد (مثلا) كما إذا رأى جسما من بعيد ولم يعلم بانه حيوان أو جماد وعلى أي حال لم يعلم انه داخل في أي نوع فوضع لفظا بازاء ما هو متحد مع هذا الشخص في الواقع، فالموضوع له لوحظ اجمالا وبالوجه، وليس الوجه عند هذا ] [ 15 ] بل لا يخلو عن مناسبة، حيث أن التعهد المذكور لما كان سببا لتعيين اللفظ للمعنى، فان كان الدال عليه التصريح فيكون الوضع تعيينيا، لانه عين بذلك تلك اللفظة لذلك المعنى، وان كان باعثه كثرة الاستعمال، بمعنى عدم تعهد شخص خاص، بل استعمل فيه حتى حصل تعهد قهري لجميع أهل اللسان، فيصح أن يقال تعين اللفظ للمعنى من دون تعيين أحد، فيكون التعهد قهريا ووضعا تعينيا.


 

[ 25 ]

[ الشخص الا الجزئي المتصور، لان المفروض ان الجامع ليس متعقلا عنده الا بعنوان ما هو متحد مع هذا الشخص [ 16 ]. ] اقسام الوضع: [ 16 ] وتوضيح ذلك يحتاج إلى بيان القسم الثالث وهو يتوقف على ذكر أمور: الاول: ان وضع اللفظ للمعنى حيث أنه حكم من الاحكام، يتوقف على تصور موضوعه اما تفصيلا واما اجمالا، لكي لا يكون اختصاص اللفظ به تصديقا بلا تصور. الثاني: ان ما يتوقف عليه الحكم هو تصور نفس الموضوع المجعول له الحكم، عاما كان أو خاصا، مثلا لا يمكن جعل حكم لزيد بشخصه الا بتصور ذاته الشخصية ولو اجمالا وكذا الانسان. الثالث: ان العام والخاص وان كانا متحدين ذاتا ولكنهما متباينان صورة، وصورة العام ليست بصورة الخاص لا تفصيلا ولا اجمالا، فلا يمكن وضع اللفظ للخاص بمجرد تصور العام، لما قلنا من أن الوضع حكم ويحتاج إلى تصور نفس الموضوع، وتصور العام غير تصور الخاص، نعم يمكن بعد تصور العام أن يشار اشارة اجمالية إلى افراده بعنوان ما هو متحد مع هذا العام، وبتلك الاشارة الاجمالية نجعل الافراد موضوعا للحكم، فبتصور العام نتصور الخاص اجمالا، لا أن تصوره تصور له من وجه، فانهما متباينان كما ذكر، ولذا يحتاج في الاستغراق إلى لفظ كل أو غيره من دوال الاستغراق، فانها في الحقيقة تشير إلى ذلك، وذلك معنى مرآتية العام. إذا عرفت ذلك فنقول: ان ذلك المعنى بعينه موجود في طرف الخاص، بمعنى أن الواضع بعد ما يتصور الفرد يشير اجمالا إلى ما هو متحد معه من الجامع، ويضع اللفظ له كما في العام، هذا هو التحقيق في المقام. ولو قيل في مرآتية العام: أن تصوره وان كان مباينا لتصور الخاص، لكن اتحادهما ذاتا يكفي لجعل الحكم للخاص بتصور العام، لان ذات الخاص صار مرئيا =


 

[ 26 ]

[ والحاصل انه كما يمكن ان يكون العام وجها لملاحظة الخاص لمكان الاتحاد في الخارج، كذلك يمكن ان يكون الخاص وجها ومرآتا لملاحظة العام لعين تلك الجهة. نعم فيما إذا علم بالجامع تفصيلا لا يمكن ان يكون الخاص. وجهاله، لتحقق الجامع في ذهنه تفصيلا بنفسه لا بوجهه فليتدبر. ثم انه لا ريب في ثبوت القسمين اعني ما يكون الوضع فيه خاصا والموضوع له كذلك كوضع الاعلام الشخصية وما يكون الوضع فيه عاما والموضوع له كذلك كوضع اسماء الاجناس. واما الاخير فهو - على تقدير امكانه كما مر - غير ثابت واما الوضع العام والموضوع له الخاص فقد يتوهم وضع الحروف وما اشبهها كاسماء الاشارة ونحوها ومما يمكن ان يكون منشأ التوهم امران (احدهما) ان معاني الحروف مفاهيم لوحظت في الذهن آلة لملاحظة حال الغير، مثلا لفظة من موضوعة للابتداء الذى لوحظ في الذهن آلة ومرآة لملاحظة حال الغير. ولا اشكال في ان مفهوم الابتداء وان كان بحسب ذاته كليا ولكن بعد تقيده بالوجود الذهنى يصير جزئيا حقيقيا، كما ان المفهوم بعد تقيده بالوجود الخارجي يصير جزئيا كذلك (ثانيهما) - انه لما كان المأخوذ فيها كونها آلة لتعرف متعلقاتها الخاصة فهى ] = تحت العام وان لم تتحقق صورته الشخصية في الذهن، وهذا المقدار يكفى لجعل الحكم له، نظير أن يتصور أحد عنواني ذي عنوانين، ويجعل ذاته موضوعا للحكم، فان تصور وجه الشئ تصوره بوجه. قلنا: ذلك الملاك أيضا بعينه موجود في طرف الخاص، فانه بعد اتحاده مع العام يمكن أن يقال: تصور أحد المتحدين تصور لذات الآخر وان لم يتصور عنوانه، فبعد ما رأى الواضع شيئا لم يعلم حقيقته يتصور ذلك الفرد ويضع اللفظ لما هو متحد معه، من دون تصور له الا بعنوان متحد معه وهو الفرد، وهذا معنى قوله: والحاصل.


 

[ 27 ]

[ تصير جزءها، إذ لا تعقل لها بدونها، مثلا لا يمكن تعقل معنى لفظة من الابعد ارتباطه بالسير والبصرة ونظيرهما فلهما ولنظائرهما من العناوين الخاصة دخل في مفهوم معنى لفظة من [ 17 ] وهكذا غيرها من الالفاظ الاخر التى وضعت لمعنى حرفي. هذا والحق ان معاني الحروف كلها كليات وضعت الفاظها لها وتستعمل فيها، ولا تحتاج هذه الدعوى بعد تعقل المدعى إلى دليل آخر إذ من المعلوم انه ما ادعى القائل بجزئية المعنى الحرفى الاعدم تعقل كونه كليا [ 18 ]. ] [ 17 ] لا يخفى أنه على الفرض يصير معنى الحروف جزئيا اضافيا، لان عنوان السير والبصرة وأمثالها لا يخرجه عن الكلية، حيث أن ابتداء السير المتعلق بالبصرة له أفراد كثيرة، نعم لو أخذ فيه كل جزئي من جزئيات متعلقاته الخاصة ليكون شخص السير الخارجي ونقطة المبدأ منه من البصرة مأخوذا فيها يكون جزئيا خارجيا وكذا لو كان الموضوع له للفظة من مثلا كل جزئي من الابتداءات الخارجية المأخوذة آلة ومرآة لحال متعلقاتها الخاصة - كما احتملها صاحب الفصول - والفرق بينها وبين ما ذكره الاستاذ - دام علاه - أولا أن الاول جزئي حقيقي ذهني، وان كان في الخارج له أفراد كثيرة مع قطع النظر عن الوجود الذهني، بخلافه على القسمين فانه جزئي خارجي. [ 18 ] لعله - دام ظله - اراد نفى الدعوى الصحيحة المطابقة للوجدان، والا فصريح الفصول دعوى تبادر المعنى الجزئي، وان شئت فراجع، نعم الانصاف أن المتبادر من لفظة من في سرت من البصرة إلى الكوفة عين المتبادر منه في: سرت من البصرة إلى الشام والخصوصيات الاخر تفهم من دوال أخر - كما سيتضح انشاء الله في طي البحث - فالتبادر يشهد بكلية الموضوع له فيها خلافا للفصول كما مر، فيصح أن يقال: لا مانع من دعوى الكلية الا عدم تعقلها بتقريب ما قلنا، لا بما هو ظاهر المتن، فافهم.


 

[ 28 ]

[ فنقول انه لا اشكال في ان بعض المفاهيم نحو وجودها في الخارج هو الوجود التبعى، فهى موجودة بالغير لا بنفسها. وهذا واضح لا يحتاج إلى البيان. وايضا لا اشكال في ان تلك المفاهيم قد تتصور في الذهن مستقلة أي من دون قيامها بالغير، كما ان الانسان يلاحظ لفظ الضرب في الذهن مستقلا، وهذا المفهوم بهذا النحو من الوجود ليس في الخارج، إذ لا يوجد في الخارج الا تبعا للغير. وقد يتصور تلك المفاهيم على نحو ما تتحقق في الخارج، فكما انها باللحاظ الاول كليات، كذلك باللحاظ الثاني، إذ حقيقتها لم تتغير باختلاف اللحاظين. وكما ان قيد الوجود الذهنى ملغى في الاول وينتزع الكلية منها، كذلك في الثاني. نعم تصورها على النحو الثاني في الذهن يتوقف على وجود مفهوم آخر في الذهن يرتبط به، كما ان وجودها في الخارج يتوقف على محل يقوم به. ولا يوجب مجرد احتياج الوجود الذهنى لتلك المفاهيم إلى شئ آخر يرتبط به كون ذلك جزءا منها، كما ان مجرد احتياج الوجود الخارجي منها إلى محل خاص لا يوجب كونه جزءا منها. مثلا حقيقة الابتداء تتحقق لها ثلاثة انحاء من الوجود: (الاول) - الوجود النفس الامرى الواقعي القائم بالغير. (الثاني) - الوجود الذهنى المستقل بالتصور. (الثالث) - الوجود الذهنى على نحو الوجود النفس الامرى وهو الوجود الالى وارتباطى. وكما ان تصور مفهوم الابتداء على الاول من الاخيرين لا يوجب صيرورته جزئيا، بل تنتزع منه الكلية بعد تعريته عن الوجود الذهنى، كذلك تصورره على الثاني منهما اذلا يعقل الاختلاف في المتصور باختلاف انحاء التصور. فهذا المفهوم باللحاظ الاول هو معنى لفظ الابتداء وباللحاظ الثاني معنى لفظة من، ]


 

[ 29 ]

[ فمعنى لفظة من مثلا حقيقة الابتداء الالى والربطي [ 19 ] ولا شك انه كلى كحقيقة الابتداء الاستقلالي. نعم تحقق الاول في الذهن يحتاج إلى محل يرتبط به، كما ان تحققه في الخارج يحتاج إلى محل يقوم به. وكما ان ] [ 19 ] فالموضوع له للفظة من على هذا التقرير هو المفهوم المنتزع من القدر المشترك بين الافراد الخارجية للابتداء، معراة عن التقيد بالوجود الذهنى، كمفهوم لفظ الابتداء، فانه أيضا شئ موجود في الذهن منتزع من الافراد الخارجية من دون تقييد بوجوده الذهنى، الا أن الاول هو الموجود في الذهن بنحو الآلية، والثاني هو الموجود في الذهن بنحو الاستقلالية، ومعلوم أن ذلك المفهوم لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، فلا يكون جزئيا ذهنيا لعدم تقيده بالوجود الذهنى، ولا خارجيا لكونه جامعا بين الخارجيات، ولا اضافيا لعدم كون المتعلقات قيدا أو جزءا للموضوع له، وان كان لا يتحقق في الذهن الا تبعا لها، لما بين من أن الاحتياج عند الوجود إلى شئ لا يستلزم كونه جزءا للموضوع له كالاعراض، ولا فرق في ذلك بين تحققه في ضمن تحقق مفهوم متعلق يصلح للتعدد كابتداء السير من البصرة، أو غير صالح كابتداء السير من نقطة خاصة خارجية، فان كلا منهما خارج عن مفهوم من ومدلول بدال آخر، فالحصة للفظة من ليست الا أصل الابتداء الملحوظ آلة، لكن لا بنحو يكون اللحاظ قيدا له، وأما السير والبصرة وسائر الخصوصيات فمدلولة بدوال أخر. وبذلك اتضح صحة انطباقه على الخارج مثل سائر الكليات، فان مفهوم الانسان أو الابتداء ما لم يتعر عن المفهومية وكونه في الذهن لا ينطبق على الخارج. وبذلك أيضا اتضح عدم احتياج تصور المعنى الحرفي إلى تصور التصور، فانه لو احتاج تصور ذلك الموضوع له إلى تصور التصور، لكان تصور الموضوع له للفظ الانسان محتاجا إلى ذلك أيضا، فانك تقول انه مفهوم منتزع من القدر المشترك بين الخارجيات، وتصور المفهوم يحتاج إلى تصور التصور ان كان وصف المفهومية قيدا له، غاية الامر أن في المقام لابد من التصور الاستقلالي، لا التصور الآلي كما في المعنى الحرفي. وأيضا علم صحة انطباقه على الخارج كسائر المفاهيم، لان المانع له ليس الا التقييد بالوجود الذهني، وقد عرفت عدم دخله في الموضوع له.


 

[ 30 ]

[ احتياجه في الخارج إلى محل خاص خارجي لا يوجب جعل ذلك المحل جزءا لمعنى اللفظ كذلك احتياجه في الوجود الذهنى إلى محل لا يوجب كونه جزءا لمعنى اللفظ ايضا. وانت إذا احطت بما تلوناه عليك تعرف بطلان كلا الامرين اللذين اوجبا توهم جزئية معاني الحروف. اما تقييدها بالوجود الذهنى فلما مرفى طى البيان من ان المقصود كونها كليات مع قطع النظر عن التشخص الذهنى، إذ بملاحظة ذلك التشخص ليست معاني اسماء الاجناس ايضا كليات، إذ المفهوم المقيد بالوجود الذهنى الاستقلالي بقيد انه كذلك ايضا جزئي لا ينطبق على كثيرين فكما ان الوجود الاستقلالي في الذهن في معاني اسماء الاجناس لا يخرجها عن الكلية لكون الوجود الذهنى ملغى عند اعتبار المعنى كذلك الوجود الالى في الذهن في معاني الحروف. واما احتياجها إلى محال في الذهن ترتبط به فلما مر ايضا من ان الاحتياج في التحقق إلى شيئ لا يوجب كون ذلك الشئ جزءا للمعنى. ومن هنا تعرف ان الحروف التى معانيها انشاءات ايضا لا تخرج معانيها بما هي معانيها عن كونها كليات وانما التشخص جاء من قبل احتياج تحقق تلك المعاني، مثلا لفظة يا النداء موضوعة لحقيقة النداء المتحقق في الخارج [ 20 ] وهو يحتاج إلى المنادى الخاص بالكسر والمنادى الخاص بالفتح والدال على تلك الخصوصيات امور اخر غير هذه اللفظة. ] [ 20 ] ربما يتوهم جزئية المعاني الانشائية ولو فرض تسليم كلية المعاني التصورية للحروف، وذلك حيث أن الكلية في الحروف باعتبار أنها وضعت لكلي صادق على الذهن والخارج، وان كان تبعا لغيره في الوجود كما مر، بخلاف المعاني الانشائية فان الموضوع له فيها هو نفس الموجود الخارجي، كالنداء الخارجي والطلب الانشائي =


 

[ 31 ]

[ وما يكون مستندا إلى لفظة يا ليس الا حقيقة النداء الخارجي. ولا اشكال في ان هذا - مع قطع النظر عما جاء من قبل امور اخر - كلى. وبعبارة اخرى ينتقل السامع من لفظة يا زيد الصادر من المتكلم إلى ان خصوص زيد منادى بنداء هذا المتكلم وهذا المعنى ينحل إلى اجزاء (الاول) - وقوع حقيقة النداء (الثاني) - كون المنادي بالكسر هذا المتكلم الخاص (الثالث) - كون المنادى بالفتح زيدا، والذى افادته لفظة يا هو الجزء الاول والباقى جاء من قبل غيره. نعم يحتاج تحقق هذا المعنى - اعني حقيقة النداء الخارجي - إلى باقى الخصوصيات. وهكذا الكلام في هيئة افعل ونظائرها مما يتضمن معنى ] = الموجود في موطن الذهن وهو خارجة، ولو لم يتحقق النداء والطلب في الخارج لم يكن للفظهما معنى، ومعلوم أن طبيعة النداء والطلب وان كانت كلية لكن بعد تقيدهما بالوجود الخارجي ليست الا جزئية، لان الشئ ما لم يتشخص لم يوجد. ولكنه فاسد: لان الموضوع له في الحروف وان كان مقيدا بالوجود بل نفس الموجود بحيث يكون الخارج ظرفا لنفسه لا ظرفا لوجوده كما في خصوص الانشاءات منها، الا أن المأخوذ فيها أيضا ليس الوجود الخاص بل طبيعة الوجود، وهو كلي يصدق على جميع أفراد الوجودات. وما يقال من أن الوجود مطلقا مساوق للجزئية، فهو خلاف الوجدان. لامكان تصور الجامع بين الموجودات بما هي موجودات، والشاهد على ذلك امكان تعلق العلم الاجمالي بأصل وجود الطبيعة في الخارج مع الجهل بشخص الموجود، فلو لم يكن بين الموجودات جامع يلزم كون ذلك العلم جهلا مركبا، لعدم تعلقه بالفرد المعين بالفرض، وعدم الواقعية للفرد المنتشر بالوجدان كي يدعى تعلقه به، فالموضوع له في الانشائيات أيضا كلي، وهو أصل الطبيعة الموجودة، وسائر الخصوصيات من مدلول دوال اخر، كما أوضح ذلك في المتن.


 

[ 32 ]

[ الانشاء [ 21 ] مثلا يقال ان هيئة افعل موضوعة لحقيقة الطلب الايقاعى، من دون ان يكون لمشخصات اخر دخل في معنى الهيئة. ولا اشكال في ان تلك الحقيقة لا تتحقق الا مع وجود الطالب الخاص والمطلوب منه كذلك والمطلوب كذلك. ولكن بعد تحقق الطلب المشخص بهذه المشخصات ما يستند فهمه إلى الهيئة هو حقيقة الطلب. واما المشخصات الاخر فلها دوال اخر غيرها، فمدلول الهيئة كلى وان صار جزئيا بواسطة تلك الخصوصيات التى جاءت من قبل غيرها. ثم لا يخفى عليك ان المعنى الاسمى والحرفي مختلفان بحسب كيفية المفهوم [ 22 ] بحيث لو استعمل اللفظ الموضوع للمعنى الحرفى في المعنى الاسمى أو بالعكس يكون مجازا أو غلطا، فان مفهوم الابتداء الملحوظ في الذهن استقلالا يغاير الابتداء الملحوظ في الذهن تبعا للغير، والتقييد بالوجود الذهنى وان كان ملغى في كليهما، لكن المتعقل في مفاد لفظ الابتداء غيره في مفاد لفظة من. ] [ 21 ] كاسماء الاشارة مثلا، فانها وضعت لمعنى مركب من معنى حرفي انشائي ومعنى اسمي، بحيث يستفاد منه ابتداءا المركب منهما، بخلاف الانشائيات فانها موضوعة للبسيط المنحل عند التحليل إلى الطبيعة والوجود، مثلا كلمة هذا وضعت لكلي المفرد المذكر المقيد بكونه مشارا إليه بالاشارة الموجودة في الذهن، وهو نحو توجه له إلى الخارج، لكن لا بنحو يكون شخصي وجود الاشارة الخارجية جزءا لمعناها، بل طبيعة الاشارة الموجودة الصادقة على الكثيرين، وسائر الخصوصيات اللازمة لوجودها خارجة عن مدلول لفظة هذا ومستفادة من دوال أخر كما مر مرارا. [ 22 ] ربما يقال: ان المستفاد مما مر عدم الفرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي، إلا في أن الاول يوجد في الذهن بالوجود الاستقلالي والثاني بالوجود الآلي، والآلية والاستقلالية من أطوار اللحاظ وخصوصياته، وهو الذي يصح أن يتصف بهما =


 

[ 33 ]

[ وبعبارة اخرى المقامان مشتركان في تعرية المفهوم من حيث كونه متعقلا في الذهن، لكن يختلف ذات المتعقل في مفاد لفظ الابتداء معها في مفاد لفظة من، فلا يحتاج إلى الالتزام بان المعنى والموضوع له في كليهما ] = لا المتصور، وأوصاف اللحاظ والارادة لا تسرى إلى الملحوظ والمتصور بل لا يمكن، وبالفرض يكون قيد اللحاظ في المقام ملغى في المعنيين، ولم يبق في البين الا حقيقة المعنى، فلا محيص عن الالتزام باتحاد المعنى فيهما، والتفصي عن لزوم الترادف وصحة استعمال كل منهما في موضع الاخر باشتراط الواضع على المستعملين ان لا يستعمل الاول الا عند تصوره مستقلا، والثاني عند تصوره آلة. وفيه: ان الآلية والاستقلالية وان كانتا من اطوار اللحاظ وخصوصياته، لكن لا نسلم كلية عدم سراية أوصاف اللحاظ إلى الملحوظ، فان بين الطبيعة الملحوظة لا بشرط وبشرط لا شئ لا ميز إلا من قبل اللحاظ، ومع ذلك تختلف الاقسام بحيث لا يصح استعمال اللفظ الموضوع لاحدها في الاخر، فلا يصح استعمال لفظ المقيد في المطلق ولا المطلق في المقيد بما هو مقيد الا مجازا، وأيضا: ما يحمل عليه كلي بالحمل الشايع وهي الطبيعة المعراة عن خصوصيات الوجود، والمجردة عن جميع القيود حتى قيد التجرد، إذ هو مع لحاظه جزئي خارجا أو ذهنا، والتجريد والتعرية ليسا الا من صفات اللحاظ، ومع ذلك يمتاز الملحوظ المجرد عن المقيد، وأحدهما كلي والآخر جزئي. ولعل ذلك الايراد نشأ من توهم: أن اللحاظ من عوارض الملحوظ فلو نشأ اختلاف في الملحوظ من اختلاف اللحاظ لزم كون اللحاظ دخيلا في تحققه، وذلك يستلزم الدور، لان اللحاظ يتوقف على الملحوظ والملحوظ بالفرض يتوقف على اللحاظ وهو دور صريح. وهو توهم فاسد، لان عروض اللحاظ على الملحوظ ليس من قبيل عروض سائر العوارض بحيث يتوقف وجوده على وجودها، بل من قبيل عروض الوجود على الماهية، لا يتوقف عروضه على وجوده من قبل بل به يوجد، ولا فرق في ذلك بين الوجودات الذهنية والخارجية، فتحصل من جميع ذلك أن نفس الموجود في الذهن آلة غير الموجود استقلالا، ولو كان اللحاظ فيهما ملغى.


 

[ 34 ]

[ واحد [ 23 ] وانما الاختلاف في كيفية الاستعمال بان الواضع بعد ما وضع لفظ الابتداء ولفظة من لمعنى واحد، وهو حقيقة الابتداء جعل على المستعملين ان لا يستعملوا لفظ الابتداء الاعلى نحو ارادة المعنى مستقلا، ولفظة من الاعلى نحو ارادة المعنى تبعا. هذا وقد اطلنا الكلام لكون المقام من مزال الاقدام. استعمال اللفظ في ما يناسبه ومنها انه لا اشكال في انه قد يحسن استعمال اللفظ في غير معناه الموضوع له اما لمناسبة بين المعنيين واما لمناسبة بين اللفظ والمستعمل فيه كاستعمال اللفظ في اللفظ فانه يصح وان لم يكن له معنى وضع له كاستعمال لفظة ديز في نوعه. ومن هنا يظهر ان استعمال اللفظ في غير معناه لا يحتاج إلى ترخيص الواضع بل هو بالطبع، إذ لولا ذلك لم يصح استعمال اللفظ المهمل في اللفظ اذلا وضع له بالفرض. ثم ان استعمال اللفظ في اللفظ على انحاء تارة يستعمل في نوعه واخرى في صنفه وثالثة في شخص مثله. ومثال كل منها واضح. وهل يصح استعماله في شخصه ام لا ؟ قيل لا لاستلزامه اتحاد الدال والمدلول أو تركيب القضية من جزءين. بيان ذلك انه ان اعتبرت دلالته على نفسه حينئذ لزم الاتحاد والالزم تركب القضية من جزئين فان القضية اللفظية حينئذ حاكية عن المحمول والنسبة لا الموضوع، مع امتناع تركب القضية ] [ 23 ] وفيه: - مع عدم الحاجة إليه - ان لازم ذلك أن يكون السامع في فسحة من الشرط المذكور ويكون الملقى إليه مجردا عن القيدين، لان الفرض أن الشرط شرط كيفية الالقاء والاستعمال، لا قيد المستعمل فيه والملقى، نعم يلتفت بعد العلم بالشرط ان السامع لاحظهما كذلك، وهذا غير كون المستفاد منه كذلك، وذلك خلاف الوجدان.


 

[ 35 ]

[ الا من ثلاثة اجزاء، ضرورة امتناع النسبة بدون الطرفين. اقول ينبغى للمستدل ان يقتصر على قوله لا ستلزامه اتحاد الدال والمدلول لان عدم اعتبار دلالته على نفسه حتى يلزم تركب القضية من جزءين خلاف الفرض، لان المفروض اطلاق اللفظ وارادة شخصه والانصاف عدم جواز استعمال اللفظ في شخص نفسه. لما ذكره المستدل من الاتحاد، فان قضية الاستعمال ان يتعقل معنى ويجعل اللفظ حاكيا ومرآتا له. وهذا لا يتحقق الا بالا ثنينية والتعدد. لا يقال: يكفى التعدد الاعتباري بان يقال ان لفظ زيد - مثلا من حيث انه لفظ صدر من المتكلم - دال ومن حيث ان شخصه ونفسه مراد مدلول. لانا نقول: هذا النحو من الاعتبار يطرأ بعد الاستعمال، فلو اردنا تصحيح الاستعمال بهذا النحو من التعدد يلزم الدور [ 24 ] لكن يمكن مع ذلك القول بصحة قولنا زيد لفظ أو ثلاثى، مع كون الموضوع في القضية ] استعمال اللفظ في ما يناسبه [ 24 ] ربما يقال بجواز استعمال اللفظ في شخصه بلا لزوم الدور والاتحاد، إذا جعل اللفظ فانيا في تصور ايجاده، من حيث أنه فعل اختياري، ولابد له قبل الايجاد من التصور، ومعلوم أن تصور التلفظ غير نفس اللفظ، والاستعمال لا يحتاج إلى أكثر من شيئين: احدهما من الالفاظ والاصوات. والثاني من التصورات الذهنية، مع كون الاول فانيا في الثاني. لا يقال بأن ذلك خروج عن الفرض، لان الكلام في استعمال اللفظ في شخصه لا في شئ آخر غيره، سواء كان ذلك تصوره أو غيره. لانا نقول بلزوم ذلك المحذور، فيما إذا كان التصور بما هو مرئيا ومستعملا فيه، وأما إذا كان بوجوده السرابي والمرآني فيكون المرئي والمستعمل فيه في الحقيقة هو المرئي، وهو شخص اللفظ. = [... ]


 

[ 36 ]

= وفيه أولا: ان ذلك كر على مافر، لان التصور لو لم يجعل بحياله واستقلاله مستعملا فيه لم ير اللافظ حين تصوره الا اللفظ، وهو مع قطع النظر عن الافناء لا تعدد فيه ولو اعتبارا. وثانيا: ان دلالة اللفظ الصادر عن اختيار على تصور لافظه ليس من دلالة الالفاظ، بل يحسب من الدلالة العقلية، وليس هذا الا كايجاد الدخان لا فهام الغير بوجود النار، واعلاء الصوت للاعلام بوجود صاحبه، ومعلوم أن مثل ذلك لا يعد استعمالا للفظ في المعنى. وربما يقال بكفاية التعدد الاعتباري، مثل اعتبار الايجاد والوجود، بأن يجعل الحاكي حيثية كونه ايجادا والمحكي حيثية كونه وجودا. وفيه أولا: ان ذلك التعدد يطرأ بعد الايجاد وهو الاستعمال، ولابد في الاستعمال من التعدد مع قطع النظر عنه كما مر نظيره. وثانيا: ان الايجاد لولو حظ مستقلا في قبال الوجود (بأن يرى كل منهما شيئا) خرج أيضا عن استعمال اللفظ في شخصه، ولو الغى التعدد الاعتباري لم يبق دال ولا مدلول في البين، لان اللفظ مع قطع النظر عن الاعبتار ليس الا نفسه. وثالثا: ان الايجاد لودل على الوجود لم تكن دلالته من دلالة الالفاظ بل من الدلالة العقلية، وهي دلالة كل فعل على نتيجته، كدلالة القيام المصدري على اسم المصدر. هذا كله مع قطع النظر عن أن لحاظ الشئ لايجاد غير لحاظه للاستعمال، لان الثاني هو لحاظ الشى المفروغ عن ايجاده للاخطار عند المخاطب، وأما أن المتكلم لما كان قاطعا بالوجود يمكن لحاظه الفراغى للشئ قبل وجوده، كالقضايا الحقيقية، فانها حكم على الموضوع قبل وجوده لكن على تقدير الوجود، فلا يغني في دفع الاشكال، لان القاطع المفروض لو نظر إليه الفراغي لا يمكن ان يكون بصدد الايجاد في هذا النظر، والا فلا يمكن ان يكون بصدد الاحضار. والحاصل: ان الاحضار يتوقف على الفراغ من الوجود، والايجاد على عدمه، =


 

[ 37 ]

[ شخص اللفظ الموجود، بان يكون المتكلم بلفظ زيد بصدد ايجاد الموضوع لا بصدد الحكاية عن الموضوع، حتى يلزم اتحاد الدال والمدلول [ 25 ] فيخرج حينئذ من باب استعمال اللفظ. فتحصل ان زيدا في قولنا زيد لفظ أو ثلاثى يمكن ان يراد منه نوعه فيكون هناك لفظ ومعنى، وان يقصد المتكلم ايجاد الموضوع فلا يكون من باب استعمال اللفظ. هذا في المحمولات التى يمكن ان تحمل على الشخص المذكور في القضية. واما في المحمولات التى لا تعم هذا الشخص كقولنا ضرب فعل ماض، فلا يمكن الا ان يكون من باب الاستعمال. (هل ان الالفاظ موضوعة لذوات المعاني أو للمعانى المرادة) ومنها هل ان الالفاظ موضوعة بازاء المعاني من حيث هي أو بازائه من حيث انها مرادة للافظها ؟ قد اسلفنا سابقا انه لا يتعقل ابتداءا جعل علقة بين اللفظ والمعنى. وما يتعقل في المقام بناء الواضع والتزامه بانه متى ] = والمفروض في المقام كون الاحضار والايجاد واحدا، والجمع بين النظرين محال، فافهم وتدبر جيدا. [ 25 ] لا يخفى أن الحمل أيضا يحتاج إلى تصور الموضوع بعد الفراغ عن وجوده، وهو في المقام مفقود، فلا يمكن الحمل أيضا كالاستعمال، وما هو موجود في المقام هو تصور الشئ مقدمة لايجاده، وهذا لا يكفي في الحمل كما هو واضح. لا يقال: ان التصور في المقام وان كان حادثا قبل الفراغ، لكنه باق بعد ولم يذهب بمجرد الايجاد، وهذا المقدار كاف لصحة الحمل. =


 

[ 38 ]

[ اراد المعنى الخاص وتعلق غرضه بافهام الغير ما في ضميره، تكلم باللفظ الكذائي [ 26 ] فبعد هذا الالتزام يصير اللفظ المخصوص دليلا على ارادة المعنى المخصوص عند الملتفت إلى هذا البناء والالتزام. وكذا الحال لو صدر ذلك اللفظ من كل من يتبع الواضع، فان اراد القائل - بكون الالفاظ موضوعة لمعانيها من حيث انها مرادة - هذا الذى ذكرناه فهو حق، بل لا يعقل غيره. وان اراد ان معانيها مقيدة بالارادة بحيث لو حظت الارادة بالمعنى ] = لانه يقال: ان الباقي ايضا لم يكن الا مالا يكفي في تصور الشئ للايجاد، و قدمر عدم كفايته. هل ان الالفاظ موضوعة لذوات المعاني أو للمعاني المرادة [ 26 ] بل يمكن - على القول بامكان جعل العلقة ابتداءا بين اللفظ والمعنى - أن يقال: ان المجعول هي العلقة بين اللفظ وارادة المعنى، لان العلقة والاختصاص ان كانا بين اللفظ وذات المعنى فاللازم كون اللفظ دالا عليهما، بلا صحة اسناد الارادة والتصور الى اللافظ، كالحس الواقع على الشئ الخارجي، وذلك لان مجرد احضار المعنى في ذهن المخاطب والانتقال من اللفظ إليه لا يستلزم صحة الاسناد، ولذا لو قال: ما وضعت لفظ زيد لهذا الرجل فبعد ما يسمع الانسان اللفظ المذكور ينتقل إلى زيد بلا صحة الاسناد. والظاهر ان الدلالة التصديقية التى اعترف المنكر بكونها موقوفة على الارادة في معنى كلام الشيخ هي نتيجة الوضع، لا التصورية فقط، فانها قد تحصل بلا وضع كما في المثال. نعم يبقى على هذا القول أن مجرد كون العلقة بين اللفظ وارادة المعنى لا يوجب الا كون اللفظ موجبا لانتقال السامع إلى الارادة والتصور المضافين إلى المتكلم، وأما التصديق بوجودهما وصحة الاسناد إلى المتكلم فلا محيص له عن القول بكون الوضع عبارة عن التزام الواضع بالتكلم بلفظ خاص عند ارادة معنى مخصوص، فتدبر جيدا.


 

[ 39 ]

[ الاسمى قيدا لها حتى يكون مفاد قولنا زيد هو الشخص المتصف بكونه مرادا ومتعقلا في الذهن، فهو بمعزل عن الصواب. والحاصل انه فرق بين القول بان لفظ زيد مثلا موضوع لان يدل على تصور الشخص المخصوص [ 27 ] بحيث يكون التصور معنى حرفيا ومرآة صرفا للمتصور عند المتكلم والسامع، وبين القول بانه موضوع لان يدل على الشخص المقيد بالتصور الذهنى، على ان يكون القيد المذكور ملحوظا بعنوانه وبمعناه الاسمى. والاول لا يرد عليه اشكال اصلا، بل. لا يتعقل غيره. والثانى ترد عليه الاشكالات التى سنذكرها. قال شييخنا الاستاذ دام بقاه في الكفاية في مقام الرد على هذا القول ان قصد المعنى على انحائه من مقومات الاستعمال، فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه. هذا مضافا إلى ضرورة صحة الحمل والاسناد في الجملة بلا تصرف في الفاظ الاطراف، مع انه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صح بدونه، بداهة ان المحمول على زيد في زيد قائم والمسند إليه في ضرب زيد مثلا هما نفس القيام والضرب، لا بما هما مرادان، مع انه يلزم كون وضع ] [ 27 ] لا يقال: فاللازم على هذا تغاير الملحوظ عند السامع مع الملحوظ عند المتكلم، وكون المتصور عند الثاني ذات المعنى، وعند الاول المعنى بوصف كونه متصورا ومرادا عند السامع، وهو خلاف الوجدان. لانا نقول: نحن نلتزم بذلك، وان شئت توضيح ذلك فانظر إلى قضية زيد قائم الصادرة من المتكلم، فان السامع لا يتصور ولا يصدق الا النسبة الجزمية المضافة إلى المتكلم، وليس حاله في هذه النسبة كالمتكلم، ولذا لا يصح اسناد الكذب والصدق إليه، وكذلك بالنسبة إلى موضوع القضية ومحمولها، فان السامع يصدق بالنسبة المضافة إلى المتكلم من المحمول الملحوظ عنده على الموضوع الملحوظ عنده، وكذلك الحال في سائر القضايا من الاخباريات والانشائيات.


 

[ 40 ]

[ عامة الالفاظ عاما والموضوع له خاصا، لمكان اعتبار خصوص ارادة اللافظين فيما وضع له اللفظ، فانه لا مجال لتوهم اخذ مفهوم الارادة فيه كما لا يخفى. وهكذا الحال في طرف الموضوع. انتهى كلامه ادام الله ايامه. اقول ليس الاستعمال على ما ذكرنا الا الاتيان باللفظ الخاص لافادة ارادة المعنى الخاص. وهذا لا محذور فيه اصلا [ 28 ]. واما ما ذكره ثانيا فلا يرد على ما قررناه، فانه بعد اعتبار التصور الذى هو مدلول الالفاظ طريقا إلى ملاحظة ذات المتصور، يصح الاسناد والحمل في مداليل الالفاظ بلا مؤنة وعناية. نعم هذا الاشكال وارد على الطريق الاخر الذى قررناه. واما ما ذكره ثالثا ففيه ان كل لفظ يدل على ارادة المعنى العام بواسطة الوضع [ 29 ] جعلوه مما يكون الموضوع له فيه عاما في مقابل الالفاظ التى تدل على ارادة المعنى الخاص. ولا مشاحة في ذلك. ومن هنا تعرف ] [ 28 ] اقول: فإذا كان الاستعمال ذلك كان اللفظ كاشفا والارادة منكشفة بلا لزوم محذور الدور، وكأنه توهم أن الاستعمال عبارة عن ذكر اللفظ مع ارادة المعنى، بحيث تكون الارادة من اللوازم العقلية للاستعمال، فيكون مدلول اللفظ بالجعل غيرها، فيورد بأن ما هو من الشرائط العقلية للاستعمال كيف يمكن أخذه في المستعمل فيه ؟ وبعد التأمل فيما ذكر يندفع الاشكال، نعم ما لا يمكن أخذه في المستعمل فيه هو تصور نفس ذلك الاستعمال الذي هو عبارة عن ذكر اللفظ وارادة المعنى. [ 29 ] وان شئت قلت: ان الموجود في الذهن والمتصور إذا كان بحيث لم يمتنع انطباقه على كثيرين فهو عام ومعلوم أن ذات المعنى إذا كان قابلا للانطباق المذكور لم يكن التصور بالمعنى الحرفى مانعا عنه كما هو واضح، وسنوضحه في طي الجواب الآتي انشاء الله، إذا عرفت ذلك فقد عرفت عدم ورود الاشكالات المذكورة. نعم، قد يشكل تعقل ما قاله - دام ظله - بأن معنى التصور المرآتي أن لا يرى المتصور الا ذات المتصور والملحوظ، وحينئذ لم تكن في الذهن الا صورة واحدة وهي =


 

[ 41 ]

[ صحة القول بان الدلالة تابعة للارادة [ 30 ] وما يرى من الانتقال إلى المعنى من الالفاظ وان صدرت من غير الشاعر، فهو من باب انس الذهن وليس من باب الدلالة، الا ترى انه لو صرح واحد بانى ما وضعت اللفظ الكذائي بازاء المعنى الكذائي، وسمع منه الناس هذه القضية ينتقلون إلى ] = صورة ذات الملحوظ، وأما نفس تلك الصورة فغير متصورة ولا ملتفت إليها لا بتصور آخر، للزوم انقلاب الآلي إلى الاستقلالي، ولا بنفس ذلك التصور، للزوم تأخر الشئ عن نفسه، فإذا كان التصور المذكور مغفولا عنه فكيف جعله الواضع مع غفلته عنه جزءا أو قيدا للموضوع له ؟ وكيف يجعل تابعوا الواضع اللفظ الصادر منه كاشفا للمعنى. مع كونهم غافلين عنه ؟ والالتفات إلى التصور المذكور بالنحوة المرآتية بالتفات آخر - كالالتفات إلى المرآة بتلك النحوة، بحيث يحكم عليه بنقصان حكايته أو تماميتها - وان كان ممكنا ولا نمنعه بنحو الايجاب الجزئي، لكن ذلك لا يكفي لمدعي الكلية، الا إذا ادعى الملازمة بين الالتفات إلى الشئ والالتفات إلى التفاته، وهو ينجر إلى التسلسل. ولكن فيه: ان مجرد عدم كون التصور متصورا بتصور آخر غير ملازم لكونه مغفولا عنه، بحيث لم يمكن للواضع جعله جزءا للموضوع له أو جزءا للمكشوف لتابعيه، بل يكون حضور المتصور عند النفس بحضور صورته وحضور الصورة بحضور نفسها، ولذا يقال: لحاظ الشئ على قسمين: آلي واستقلالي، ولو كان عن اللحاظ الآلي غفلة لما صح تقسيم اللحاظ اليهما، فمعنى التصور الآلي انه ملحوظ بالمعنى الحرفي، وهو خلاف الاستقلالي بأن توجد صورة الصورة في الذهن مستقلا، لا أنه غير ملحوظ وغير ملتفت إليه أصلا، مثلا: الناظر إلى المرآة آلة غير غافل عن آليتها والا لسقطت لو كانت في يده، ولترتب عليه آثار نفس المرئي بلا توسط كونه في المراة، وهو خلاف الوجدان. [ 30 ] أي - بعد ما عرفت من كون مدلول اللفظ ارادة المعنى والمعنى المراد بنحو ما مر - تعرف أن الارادة لو لم تكن لم يكن ذلك بدلالة، بل جهالة وضلالة - كما عبر بها في الكفاية في مقام الدلالة التصديقية - وقد مر أنها عين دلالة اللفظ فراجع.


 

[ 42 ]

[ ذلك المعنى عند سماع ذلك اللفظ، مع ان هذا ليس من باب الدلالة قطعا. وضع المركبات ومنها أنه اختلف في أن المركبات اعني القضايا التامة هل لها وضع آخر غير وضع المفردات، أو ليس لها وضع سوى وضع المفردات اقول ان كن غرض مدعى وضع آخر للمركبات انها بموادها الشخصية لها وضع آخر غير وضع المفردات بمعنى ان لقضية زيد قائم وضعا آخر يكون لفظ زيد بمنزلة جزء الكلمة في ذلك الوضع، فهو في غاية الفساد، إذ وجدان كل احد يشهد ببطلان هذا الكلام، مضافا إلى لغويته. وان كان الغرض ان وضع مفردات القضية لا يفي بصدق القضية التامة التى يصح السكوت عليها لان معاني المفردات معان تصورية، وتعدد المعاني التصورية لا يستلزم القضية التامة التى يصح السكوت عليها، فلا بد ان تكون القضية المستفادة من قولنا زيد قائم مسببة من وضع آخر غير وضع المفردات، وهو الوضع النوعى لهذه الهيئة، فهو صحيح فيما لم تشتمل المفردات على وضع تتم به القضية، كالقضايا الخبريه في لسان العرب، فان وضع زيد ووضع قائم مادة وهيئة لا يفي با فادة نسبة تامة يصح السكوت عليها. واما في مثل القضية الانشائية كاضرب زيدا لا وجه للالتزام بذلك [ 31 ] فليتدبر. ] وضع المركبات [ 31 ] منشأ الفرق: ان مثل اضرب وضع بالهيئة والمادة لانشاء وجوب صدور الضرب من المكلف ووقوعه على المضروب، فنفس تلك اللفظة بمنزلة هيئة =


 

[ 43 ]

[ علامات الحقيقة والمجاز ومنها انهم ذكروا لتشخيص الحقيقة عن المجاز امارات: كالتبادر وعدم صحة السلب. واستشكل في كونهما علامة بالدور، واجابوا عنه بالاجمال والتفصيل. ولا بحث لنا في ذلك انما الكلام في انهم ذكروا في جملتها ] = المبتدأ والخبر الموضوعة لايجاد النسبة بين موضوع ما ومحمول ما، وأما لفظة زيد فبمنزلة زيد في زيد قائم حيث يعين ذلك الموضوع، فالنبسة التامة تستفاد منها من دون احتياج إلى الهيئة. لكن مع ذلك يمكن أن يقال: ان دلالة اضرب على ما ذكر أيضا موقوفة على عدم وقوعها بعد القول وأمثاله، مثل قولك: هل سمعت اضرب زيدا وقولك: ان قال اضرب زيدا فاضربه فان اضرب في أمثال المقام لا تستفاد منه النسبة، فتختلف باختلاف الهيئة، وهذا بخلاف مثل زيد فتأمل. هذا حال اضرب وأمثاله، وأما النهي فحاله بعينه حال اضرب، وأما النفي والجحد والاستفهام فليس حالها الاكحال أدوات الشرط، حيث تدل على مجرد التعليق وتختلف معاني مدخولاتها باختلاف هيئاتها، فالمذكورات أيضا موجدة لنفس معانيها البسيطة من النفي والاستفهام والجحد، وأما مدخولاتها فتختلف معانيها باختلاف هيئاتها. ومما ذكر يظهر الجواب عما توهم من عدم احتياج وضع الهيئة في مثل ضرب زيد أيضا، حيث أنها وضعت بالمادة والهيئة لايجاد الاسناد الى فاعل ما كما مر في اضرب، وذلك لان استفادة ذلك منها أيضا مشروط بما ذكر في اضرب، وبعدم وقوعه بعد الشرط، كما تقول: ان ضرب زيد فاضربه.


 

[ 44 ]

[ الاطراد [ 32 ] قال شيخنا الاستاذ في الكفاية ولعله بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات، حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها، والا فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال، فالمجاز مطرد كالحقيقة وزيادة قيد من غير تأويل، أو على وجه الحقيقة، وان كان موجبا لاختصاص الاطراد كذلك بالحقيقة، الا انه حينئذ لا يكون علامة لها الاعلى وجه دائر ولا يتأتى التفصى عن الدور بما ذكر في التبادر هنا، ضرورة أنه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطراد أو بغيره انتهى. ] علامات الحقيقة والمجاز [ 32 ] اقول: قد ذكر للحقيقة علائم، منها: الاطراد. وأورد عليه بأن المجاز أيضا مطرد، وزيادة قيد من غير تأويل دور واضح، ولذا احتمل في الكفاية كونه بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات، حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها. قال قدس سره: والا فمبلاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال، فالمجاز مطرد كالحقيقة انتهى. ومعلوم: أن الاحتمال المذكور لا يرفع الاشكال عن القول، لان ما يصح معه الاستعمال مطرد، وما لا يطرد لا يصح معه الاستعمال، إذ العلاقة ليس نوع المشابهة مثلا، بل مع خصوصيات أخر يصح معها الاستعمال، ويطرد حينئذ كما لا يخفى. ويمكن أن يقال: ان المجازات وان كان استعمالها كثيرا في حد نفسه لكن لا يطرد مع ذلك في جميع المقامات، بخلاف الحقيقة، توضيح ذلك: ان الواضع - كما مر - يجعل اللفظ كاشفا ومرآة للمعنى من دون خصوصية أخرى، فإذا أراد المتكلم احضار ذات المعنى يتكلم بذلك الكاشف عنه، وأما إذا أراد افهام شئ آخر غير مجرد ذات المعنى، بل يكون في مقام اظهار البلاغة والفصاحة مثل مقام الاشعار والخطب، فيعبر عن الرجل الشجاع بالاسد، وعن الوجه الحسن بالقمر أو الشمس وأمثال ذلك، فيصح أن يقال: ان اطراد الاستعمال بغير تأويل علامة للحقيقة، =


 

[ 45 ]

[ اقول يمكن توجيه كونه علامة بدون لزوم الدور، بان يقال ان المراد من الاطراد حسن استعمال اللفظ في كل موقع. من غير اختصاص له بمواقع خاصة، كالخطب والاشعار مما يطلب فيها اعمال محاسن الكلام ورعاية الفصاحة والبلاغة، بخلاف المجاز، فانه انما يحسن في تلك المواقع خاصة، والا ففى مورد كان المقصود ممحضا في افادة المدلول لا يكون له حسن، كما لا يخفى. وهذا كما ترى يمكن حصوله لغير اهل اللسان ايضا إذا شاهد استعمال اهل اللسان. (الحقيقة الشرعية) ومنها أنه اختلف في ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه. اقول لا مجال ظاهرا لانكار ان الفاظ العبادات كانت في زمن النبي صلى الله عليه وآله بحيث يفهم منها عند الاطلاق المعاني المستحدثة، وهل كان ذلك من جهة الوضع التعييني أو التعينى، أو كانت موضوعة لتلك المعاني في الشرائع السابقة ايضا ؟ لا طريق لنا لا ثبات احد الامور. نعم الوضع التعييني بمعنى تصريح النبي صلى الله عليه وآله بالوضع لتلك المعاني بعيد غاية البعد. لكن يمكن الوضع التعييني بنحو آخر بان استعمل صلى الله عليه وآله تلك الالفاظ في المعاني المستحدثة بقصد انها معانيها. ] والدور يرتفع بالاجمال والتفصيل، بأن يقال: ان ما هو المرتكز في الذهن اجمالا استعماله لمجرد افهام المعنى، فيعلم تفصيلا أنه حقيقة، وما لا يجوز الا في أمثال ما قلنا فهو مجاز. فتأمل تعرف.


 

[ 46 ]

[ وهذا ايضا نحو من الوضع التعييني [ 33 ] فانك لواردت تسمية ابنك زيدا، فتارة تصرح بانى جعلت اسم هذا زيدا، واخرى تطلق هذا اللفظ عليه بحيث يفهم بالقرينة أنك تريد ان يكون هذا اللفظ اسما له. وهذا القسم من الوضع التعييني ليس بمستبعد في الشرع. وقد يستدل ببعض الآيات من قبيل قوله تعالى: (واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) (1) وقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) (2) وقوله تعالى: (واذن في الناس بالحج) (3) على كون هذه الالفاظ حقائق لغوية لا شرعية. تقريب الاستدلال ان هذه الايات تدل على وجود معاني هذه الالفاظ في الشرائع السابقة ويثبت وضع هذه الالفاظ لها فيها بضم مقدمة اخرى، وهى ان العرب المتدينين بتلك الاديان لما سمعوا هذه الآيات فلا يخلو اما انهم ما فهموا منها هذه المعاني المعروفة أو فهموها بمعونة القرائن ] الحقيقة الشرعية [ 33 ] وكون الاستعمال صحيحا حقيقيا موقوف على كون الوضع عبارة عن مجرد التعهد في النفس، وكون اللفظ كاشفا عنه، لا عبارة عن المنتزع عن مرتبة اظهار التعهد كما ذكره - دام ظله - في حاشية منه.


 
(1) سورة مريم 19 الآية 31 (2) سورة البقرة 2 الآية 183 (3) سورة الحج 22 الآية 27 (*)

 

[ 47 ]

[ الموجودة في البين. أو فهموها من حاق اللفظ والاول واضح البطلان لا يمكن الالتزام به [ 34 ] وكذلك الثاني، إذ من البيعد جدا احتفاف جميع تلك الالفاظ الموجودة في القرآن بالقرينة، فلم يبق الا الالتزام بانهم فهموا تلك المعاني من حاق اللفظ وهو المطلوب. ولعل هذا هو المراد من بعض العبارات المشتملة على الاستدلال بهذه الايات، لا ما يتوهم من ان المراد ] [ 34 ] عدم تمامية الاستدلال المذكور لاثبات كون الالفاظ المتدوالة في لساننا حقايق لغوية واضح، نعم يمكن أن يستدل بها لاثبات أصل تلك الحقائق في رد من جزم بعدم كونها حقايق لغوية لكونها مستحدثة، إذ بعد اثباتها لا يصح الجزم بذلك بل تبقى الاحتمالات بحالها ولعل ذلك أيضا مراد المستدل، لاما رد عليه في المتن: لكن الانصاف ان ظاهر عبارة الكفاية يوهم المعنى الاول، فتأمل. تقريب الاستدلال: ان هذه الآيات تدل على وجود معاني هذه الالفاظ في الشرائع السابقة، ويثبت وضع هذه الالفاظ لها فيها بضم مقدمة اخرى، وهي ان العرب المتدينين بتلك الاديان لما سمعوا هذه الآيات فلا يخلو إما أنهم لم يفهموا منها هذه المعاني المعروفة أو فهموها بمعونة القرائن الموجودة في البين أو فهموها من حاق اللفظ. والاول واضح البطلان لا يمكن الالتزام به، وكذلك الثاني، إذ من البعيد جدا احتفاف جميع تلك الالفاظ الموجودة في القرآن بالقرينة، فلم يبق الا الالتزام بأنهم فهموا تلك المعاني من حاق اللفظ. وهو المطلوب. ولعل هذا هو المراد من بعض العبارات المشتملة على الاستدلال بهذه الآيات، لا ما يتوهم من أن المراد اثبات تداول هذه الالفاظ في الشرائع السابقة. قلت: انا نلتزم بالشق الثاني، ولا بعد في احتفاف الالفاظ الموجودة في القرآن بالقرينة كقوله صلى الله عليه وآله صلوا كما رأيتموني أصلي (1) بالنسبة إلى الصلاة، على أن هذه الالفاظ لم تكن بهذه الصورة في الشرائع السابقة لاختلاف لغتها عن لغة شرعنا، فلا مناص من الالتزام بوجود قرائن كانوا يفهمون بها تلك المعاني من هذه الالفاظ العربية. * (هامش *) (1) عوالي اللئالي 3 / 85 (*)


 

[ 48 ]

[ اثبات تداول هذه الالفاظ في الشرايع السابقة. ثم انه تظهر الثمرة بين القولين في حمل الالفاظ الصادرة من الشارع بلا قرينة على معانيها الشرعية، بناءا على بثوت الوضع والعلم بتأخر الاستعمال [ 35 ]. عنه وعلى معانيها اللغوية، بناءا على عدمه. ولو شك في تأخر الاستعمال وتقدمه اما بجهل التاريخ في احدهما أو كليهما فالتمسك - باصالة عدم الاستعمال إلى ما بعد زمان الوضع فيثبت بها تأخر الاستعمال - مشكل، فانه مبنى على القول بالاصول المثبتة إما مطلقا أو في خصصوص المقام [ 36 ] مضافا إلى معارضتها بالمثل في القسم الثاني [ 37 ] نعم يمكن اجراء اصالة عدم النقل فيما إذا جهل تاريخه وعلم تاريخ الاستعمال، بناءا على ان خصوص هذا الاصل من الاصول العقلائية، فيثبت به تأخر النقل عن الاستعمال. ولا معارض له. أما على عدم القول بالاصل المثبت في الطرف الاخر فواضح. وأما على القول به، فلان تاريخه معلوم بالفرض واحتمال ان يكون بناء العقلاء على عدم النقل - في خصوص ما جهل ] [ 35 ] لا يخفى أن الحمل على المعنى الشرعي بمجرد العلم بالوضع وتأخر الاستعمال يصح لو لم تكن الالفاظ المذكورة منقولة، بل كانت مستحدثة بألفاظها ومعانيها، والا فلابد من مقدمة أخرى وهي كون معانيها الاولى مهجورة، وقد اشار إليه في حاشية منه. [ 36 ] بادعاء كون الاصل الجاري في باب الالفاظ من الاصول العقلائية، كي يكون المثبت منها أيضا حجة، لكن الكلام في صحتها. [ 37 ] بناءا على جريان الاصل في مجهولي التاريخ، وسيأتي منه - دام ظله - في مباحث الاستصحاب عدم جريانها فيهما من جهة الشبهة المصداقية ل‍ لا تنقض لاحتمال نقض اليقين باليقين، وبناءا على ذلك لو لم يكن معارض في البين، بأن كان أحدهما بلا أثر شرعي لا يجري الاستصحاب أيضا لما ذكر، لا للمعارضة.


 

[ 49 ]

[ رأسا لا فيما إذا علم اجمالا وشك في تاريخه - بعيد لظهور أن بناءهم على هذا من جهة ان الوضع السابق عندهم حجة، فلا يرفعون اليد عنها الابعد اللعلم بالوضع الثاني. (الصحيح والاعم) ومنها أنهم قد اختلفوا في أن الفاظ العبادات هل هي موضوعة بازاء خصوص الصحيحة أو الاعم منها ومن الفاسدة ؟ اعلم ان جريان النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعية واضح وأما على القول بالعدم فيمكن جريانه ايضا، بان يقال هل الاصل في استعمال الشارع بعد العلم بعدم ارادة المعنى اللغوى [ 38 ] هو المعاني الشرعية الصحيحة إلى ان يعلم خلافها ام لا ؟ فمن يدعى الاول يذهب إلى ان العلاقة بينها وبين المعاني اللغوية اشد، فحملها بعد العلم بعدم ارادة المعاني الحقيقية على المعاني الشرعية الصحيحة اولى وأسد وكيف كان يتم هذا المبحث بذكر امور: (الاول) - أنه لا اشكال في ان الصحيحى إن قال بان الصلاة الصحيحة على اختلافها اجزاءا وشرائط كلها افراد للمعنى الجامع الواحد الذى هو الموضوع له للفظ الصلاة، فلا بدله من تصور معنى واحد جامع ] الصحيح والاعم [ 38 ] هذا على القول بكونها مجازات لغوية، وأما على القول بكونها حقايق لغوية، وكون الاستعمال فيها من تطبيق الكلي بنحو تعدد الدال، فيمكن النزاع في أن اللفظ شاع في أي المعينين في لسان الشارع أو المتشرعة، بحيث ينصرف إليه حتى يحتاج استعماله في غيره إلى قرينة أزيد من ذلك.


 

[ 50 ]

[ لشتات تلك الحقائق المختلفة، كما ان الاعمى ايضا لا بدله من تصور جامع يكون اوسع دائرة من الاول نعم لو ادعى كل واحد منهما ما ادعاه على نحو الاشتراك اللفظى، يمكن هذه الدعوى مع عدم القدر الجامع بين تلك الحقايق، لكن هذه المقالة مع كونها بعيدة في نفسها لا تناسب كلماتهم، كما لا يخفى [ 39 ]. إذا عرفت هذا، فنقول لا يتعقل اخذ القدر الجامع بين ذوات تلك الحقائق المختلفة المتصفة بالصحة [ 40 ] مع قطع النظر عن اعتبار امر خارج عنها، لان معنى اخذ القدر الجامع الغاء الخصوصيات واخذ ما هو مشترك سار في جميع الافراد، والمفروض ان لتلك الخصوصيات دخلا في الصحة. مثلا الصلاة التى يأتي بها القادر قائما يتقوم صحتها بالقيام، فلو اعتبر القيام مثلا في الموضوع له، فلا يصدق على الصلاة التى يأتي بها المريض جالسا، وإن لم يعتبر فيلزم صدقها على الصلاة التى يأتي ] [ 39 ] وذلك، لان المتبادر من تلك الالفاظ عند استعمالها في معاني مختلفة الاجزاء والشرائط شئ واحد، ولا فرق في ذلك بين القولين، والشاهد هو الوجدان. [ 40 ] وبعبارة أخرى: المركب الاعتباري عبارة عن مفهوم واحد يؤخذ ويشار به إلى الاجزاء والشرائط بالاشارة الاجمالية، كالصلاة مثلا، فانه يشار بها اجمالا إلى أجزاء متعددة وشرائط متكثرة من التكبير إلى التسليم، وكذلك الحج يشار به اجمالا إلى ما أوله التحريم وآخره التحليل، فإذا كان بين شرطين أو جزءين من صلاتين مثلا مناقضة أو مضادة بحيث لم يمكن أخذ الجامع، مثل القيام واللاقيام أو القعو، والجهر والاخفات في محل واحد من الصلاتين، والركعة الرابعة وعدمها، والثالثة وعدمها، وأمثال ذلك من الشرائط والاجزاء المختلفة للصلوات المختلفة فلا يمكن أخذ مفهوم واحد يشار به إلى ذلك الجامع المحال وسائر الاجزاء والشرائط بالاشارة الاجمالية، لان المركب من المحال محال.


 

[ 51 ]

[ بها القادر جالسا، وكلاهما خلاف مذهب الصحيحى. والذى يمكن ان يقال في تصوير الجامع بين الافراد الصحيحة ان كل واحد من تلك الحقائق المختلفة إذا اضيفت إلى فاعل خاص، يتحقق لها جامع بسيط، يتحد مع هذه المركبات، اتحاد الكلى مع افراده. مثلا قيام الشخص القادر لتعظيم الوارد وايماء الشخص المريض له يشتركان في معنى واحد، وهو اظهار عظمة الوارد يقدر الامكان، وهذا المعنى يتحد مع قيام القادر، كما أنه يتحد مع ايماء المريض وعلى هذا فالصلاة بحسب المفهوم ليست هي التكبيرة والقراءة والركوع والسجود وكذا وكذا، بل هي بحسب المفهوم المعنى الواحد البسيط الذى يتحد مع تمام المذكورات (تارة) ومع بعضها (اخرى) ومع ما قيد بكيفية خاصة (تارة) وبنقيضها (اخرى) وهذا المعنى وان كان امرا متعقلا، بل لا محيص عن الالتزام به بعد ما يعلم أن لتلك الحقائق المختلفة فائدة واحدة، وهى النهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يكاد أن تؤثر الحقائق المتباينة في الشئ الواحد، من دون رجوعها إلى جهة واحدة، ولكن كون هذا المعنى مفاد لفظ الصلاة محل اشكال من وجهين: (احدهما) أن الظاهر مما ارتكز في اذهان المتشرعة هو أن الصلاة عبارة عن نفس تلك الاجزاء المعهودة التى اولها التكبير واخرها التسليم. [ 41 ] (ثانيهما) أن مقتضى ما ذكر من الجامع ان الصحيحى لابد ان ] [ 41 ] هذا على تقدير كون الموضوع له البسيط الخارج عن الاجزاء المنطبق معها، وأما لو كان نفس تلك الاجزاء مع تحديدها بافادة القرب أو النهي عن الفحشاء أو غير ذلك مما يلازم الصحة، فلم يكن خلاف المرتكز في الاذهان. =


 

[ 52 ]

[ يلتزم بالاشتغال في موارد الشك في الجزئية أو الشرطية، وإن بنى في الاقل والاكثر على البراءة عقلا، لانه مكلف باتيان ذلك المعنى الواحد، فمتى شك في جزئية شيئ أو شرطيته، يرجع شكه إلى ان ذلك المعنى الواحد هل يتحقق بدون الاتيان بالمشكوك ام لا، مع أن القائلين بالصحيح قائلون بالبراءة فيهما. وقد تصدى لدفع هذا الاشكال شيخنا الاستاذ في الكفاية بأن الجامع انما هو مفهوم واحد منتزع من هذه المركبات المختلفة زيادة ونقيصة، بحسب اختلاف الحالات، يتحد معها نحو اتحاد وفي مثله تجرى البراءة، وانما لا تجرى فيما إذا كان المأمور به امرا واحدا خارجيا مسببا عن مركب مردد بين الاقل والاكثر، كالطهارة المسببة عن الغسل والوضوء فيما إذا شك في اجزائهما (انتهى كلامه). اقول: لا اشكال في أنه إذا كان الشئ مجمعا ومصداقا لعناوين عديدة، فكل عنوان منها وقع في حيز التكليف، كان المكلف ما خوذا بذلك العنوان والعناوين الاخر وان كانت متحققة مع العنوان الواقع في حيز التكليف، ولكن ليس لوجودها ولا لعدمها دخل في براءة ذمة المكلف واشتغاله وهذا واضح جدا، فحينئذ ان قلنا بان الواقع في ] = (لا يقال): ان الموضوع له ان كان العنوان العرضي، أي مفهوم الاجزاء المفيدة للقرب، فيلزم كون الصلاة مثلا مردافة لهذا العنوان، وان كان مصداق الاجزاء المقيدة بهذا القيد، فهو كر على ما فر من عدم تصوير الجامع. (لانا نقول): الموضوع له على هذا ليس المفهوم المذكور، ولا الجامع بين الخارجيات، بل نفس الاجزاء الخارجية كما قلنا مقيدة بذلك القيد، فيكون الجامع لشتات المتفرقات ذلك القيد، وذلك لا ينافي عدم الجامع لها بغير هذا العنوان، وهذا التقرير وان سلم عن مخالفة المرتكزات لكن يبقى اشكال الاشتغال الآتي على حاله.


 

[ 53 ]

[ حيز التكليف هو هذا المركب من التكبيرة والحمد وكذا وكذا، يصح للقائل بالبراءة ان يقول ان ما علم انه متعلق للتكليف من هذه الاجزاء يؤتى به، وما يشك فيه يدفع بالبراءة. وأما إن قلنا بان ما وقع في حيز التكليف ليس هذا المركب بهذا العنوان، بل هو عنوان بسيط ينطبق على قسم من هذا المركب في بعض الحالات، فلا يتصور معلوم ومشكوك [ 42 ] حتى يقال: إن المعلوم قد اتي به والمشكوك فيه يدفع بالاصل، بل في ما نحن فيه معلوم شك في وقوعه. ولا شبهة في انه مورد للاشتغال. ] [ 42 ] هذا على مبناه - من كون متعلق الامر والنهي هي الطبيعة - صحيح وأما على مبنى الكفاية من تعلقهما بالمصاديق حقيقة وكون العنوان عبرة لها - كما صرح بذلك في اجتماع الامر والنهي - فيكون حقيقة المتعلق منحلا، وان كان المرآة بسيطا. لا يقال: ان الخارج بما هو داخل تحت هذا المفهوم متعلق للامر وملزوم به بحكم العقل. لانا نقول: على الفرض ليس المفهوم الا عبرة لافهام المصداق وكونه متعلقا للارادة، وليس له مدخلية في المحبوبية والمبغوضية. وأما ما أفاده من أن المكلف لا يؤاخذ الا بالعنوان الواقع في حيز التكليف، فلان ذلك العنوان طريق وواسطة لاثبات الارادة إلى المصداق، لا لدخله في متعلق الارادة، ولذا يؤاخذ المكلف بعنوان هؤلاء بقوله: ألم أقل لك أكرم هؤلاء، فلم لم تكرم زيدا مع كونه منهم ؟ وحينئذ لو كان المفهوم مبينا أو كان المصداق مرددا بين المتباينين يؤاخذ بحقيقة المأمور به ويكون حجة لها، والا فلا يكون حجة الا في المقدار المتيقن. نعم قد يقال: على فرض كون موطن الامر الطبيعة أيضا يسري إلى الفرد لمكان الاتحاد، فيكون الفرد مأمورا به ولولا بالارادة التبعية، وهو أيضا واجب الامتثال، ولذا قلتم في المطلق والمقيد بالانحلال، فصح أن يقال: ان الاقل. اما عين المأمور به بالامر =


 

[ 54 ]

[ (الثاني) أنه قد يستشكل في تصوير القدر الجامع بين افراد الصلاة الصحيحة والفاسدة بحيث ينطبق عليها انطباق الكلى على الافراد. وحاصل الاشكال أن أجزاء الصلاة ان كان لكل منها دخل في الموضوع له، فلا تطلق تلك اللفظة الاعلى ما اشتمل على الكل، وان كان لبعضها دخل دون الاخر، فيلزم ان لا يحمل مفهوم لفظ الصلاة الاعلى الابعاض المأخوذة في الموضوع له، فيكون المركب من تلك الابعاض وغيرها بعضها صلاة وبعضها خارجا عنها وكل منهما مما لا يقول به المدعى للاعم. وقد قيل في تصوير الجامع وجوه لا يهمنا ذكرها. والحق أن يقال إن القدر المشترك بين افراد الصلاة الموجودة في الخارج امر متعقل (بيان ذلك) أن الوحدة كما انها قد تكون لشئ حقيقة كذلك قد تكون لشئ اعتبارا (مثال الاول): مفاد الاعلام الشخصية، فانه لا تنثلم وحدة معانيها على اختلاف حالاتها المختلفة العارضة لها. (ومثال الثاني): الاشياء العديدة التى يوجدها الموجد بقصد واحد، فان تلك الاشياء وان كانت وجودات مختلفة متعددة، لكن عرضت لها وحدة اعتبارية بملاحظة وحدة الغرض والقصد، يطلق على كل منها عنوان الجزء بتلك الملاحظة. ] = التبعي واما مقدمة له، فيكون معلوم الوجوب، والاكثر مشكوك الوجوب، فتجري فيه البراءة. وفيه: أن الفرد وإن تعلقت به الارادة التبعية إن لم يتعلق الامر بصرف الوجود وينحل العلم بها كما ذكر، لكن ذلك لا ينفع في انحلال متعلق الارادة الاصلية، والعقل من اجماله يحكم بالاحتياط، وأما اجراء البراءة با دعاء كون الجامع ذا مراتب، وكون كل من اجزاء المركب محققا لمرتبة منه، فهو خلاف فرض الصحيحي، وان لم يكن في اجزاء البراءة عليه اشكال.


 

[ 55 ]

[ إذا عرفت هذا، فنقول: يصح للاعمى أن يقول: ان الواضع لا حظ جميع اجزاء الصلاة المأتي بها بقصد واحد، وقد قلنا بان الاشياء المتعددة بهذه الملاحظة واحدة اعتبارا، وبعد طرو الوحدة الاعتبارية، حال تلك الاشياء باجمعها حال الواحد الحقيقي، فكما أن الواحد الحقيقي يمكن اخذه في الموضوع له على نحو لا تنثلم وحدته باختلا ف الحالات الطارئة عليه [ 43 ] كذلك الواحد الاعتباري قد يعتبر على نحو ليس فيه حد خاص. ولازم ذلك أنه متى ما وجد مقدار من ذلك المركب مقيدا بما يوجب وحدة الاجزاء اعتبارا وهو وحدة القصد، يصدق عليه ذلك المعنى، سواء وجد في حد التام أو الناقص، فالذي وضع له اللفظ هو ] [ 43 ] لا يخفى أن للموضوع له للفظ الصلاة على هذا وحدة إعتبارية من جهتين. (احداهما): كونه جامعا لشتات الاجزاء المختلفة، كالتكبير والقراءة والسورة والركوع والسجود وأمثال ذلك، فانها أشياء متعددة حقيقة، يعتبرها المعتبر واحدة ويعبر عنها بالصلاة. (ثانيتهما): كونه جامعا منتزعا من أفراد متعددة مختلفة الاجزاء، فان مقدارا ما من الاجزاء والشرائط - محاطا بقصد اتيان الصلاة لله اولاراءة الناس - ليست له وحدة كلية حقيقية، كالوحدة الكلية لمفهوم الخط، وهو مقدار ما من طرف السطح يقبل القسمة طولا، حيث لا تنثلم وحدته الكلية باختلاف الخطوط طولا وقصرا، بل له وحدة اعتبارية يعتبرها المعتبر من جهة كون تلك الاشياء المتعددة في جميع الافراد محاطة بالقصد المذكور. والمقصود في المقام تشبيه تلك الوحدة الكلية الاعتبارية بالوحدة الحقيقية الشخصية أو الكلية، فكما لا تنثلم الوحدة الشخصية باختلاف الحالات والوحدة الكلية الحقيقية باختلاف الافراد، كذلك لا تنثلم تلك الوحدة الاعتبارية الكلية، فكما لا تنثلم وحدة حقيقة الماء باختلاف أفراده زيادة ونقيصة، وحقيقة مفهوم البيت =


 

[ 56 ]

مقدار من تلك الاشياء الملحوظة على سبيل الاهمال أو تعيين ما، مثل أن يلا حظ عدم كونه اقل من ثلاثة اجزاء أو اربعة اجزاء، وهكذا على اختلاف نظر الواضع، فإذا وجد في الخارج غير زائد على مقدار ما وضع له، فلا اشكال في صدق معنى اللفظ عليه، وإذا وجد زائدا على ذلك المقدار، فلكون الزائد جزا ومتحدا مع ما يقوم به المعنى، يصدق عليه المعنى ايضا، فالزائد في الفرض الثاني جزء للفرد لا جزء لمقوم المعنى ولا خارج عنه، فافهم وتدبر. (الثالث) أنه بعد ما عرفت ما ذكرنا من تصور الجامع على كلا القولين فاعلم ان طريق احراز المعنى وتصديق احد القائلين، ليس الا التبادر وصحة السلب وعدمهما، فان قطعنا بالمعنى بالتبادر القطعي فهو، والا فمقتضى القاعدة التوقف. والوجوه الاخر التى استدل بها كل من الفريقين لا تخلو عن شئ، كما سننبه عليه. والانصاف انا لا نفهم من الصلاة ونظائرها الا الحقيقة التى تنطبق على الصحيح والفاسد، ونرى ان لفظ الصلاة في قولنا الصلاة اما صحيحة أو فاسدة ليس فيه تجوز، وملاحظة علاقة صورية بين ما اردنا من اللفظ وبين المعنى الحقيقي له. وهذا ظاهر عند من راجع وجدانه ] = باختلاف أفراده سعة وضيقا وغير ذلك من المشككات الحقيقية، كذلك لا تنثلم الوحدة الاعتبارية مما ذكر من مفهوم الصلاة باختلاف الافراد، من حيث كونها واجدة لجميع الاجزاء أو فاقدة لبعضها، مع اختلاف الاجزاء الفاقدة والواجدة، وكما تضاف الزيادة والنقيصة في تلك المشككات إلى الفرد لا إلى الحقيقة، كذلك في الصلاة. هذا، ويمكن أن يستشهد لوجود الجامع بين الصحيح والفاسد بما هو المرتكز في ذهن الخواص والعوام، من صحة تقسيم الصلاة إلى الصحيح والفاسد ولو مجازا، وارادة المسمى بلفظ الصلاة خلاف الواقع قطعا.


 

[ 57 ]

[ وانصف، وكذا نرى من انفسنا ان من صلى صلاة فاسدة لا يصح سلب معنى لفظ الصلاة عما فعله في الخارج، ولو قلنا احيانا بان ما فعله ليس بصلاة، فليس نفى الصلاة عن فعله كنفى الصلاة عن الصوم وغيره من موضوع آخر كالحجر والانسان، إذ يصح الثاني بلا عناية اصلا بخلاف الاول. واستدل ايضا للمذهب الاعمى بان الصلاة استعملت في غير واحد من الاخبار في الفاسدة، كقوله: (بنى الاسلام على خمس الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، ولم يناد احد بشئ كما نودى بالولاية، فاخذ الناس بالاربع وتركوا هذه، فلو ان احدا صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة) (01 *) ومحل الاشتسهاد قوله: (فاخذ الناس بالاربع) وقوله: (فلو ان احدا صام نهاره وقام ليله الخ) وكقوله (ع): (دعى الصلاة ايام اقرائك) حيث أن المراد لو كان الصحيحة لم تكن بقادرة عليها، فلا يجوز نهيها عنها. والجواب ان الاطلاق اعم من الحقيقة مضافا إلى ان لفظ الصلاة في الخبر الثاني استعمل في المعنى المجازى، حتى على مذهب الاعمى، لان المنهى عنه من الحائض ليس كلما يطلق عليه معنى لفظ الصلاة، فان الحائض لواتت بالصلاة فاقدة لبعض الشرائط أو الاجزاء المعتبرة فيها من غير جهة الحيض، لم يكن ما فعلته محرما [ 44 ] فالصلاة في قوله (ع): (دعى الصلاة) استعملت في الفرد الخاص اعني المستجمع لجميع الاجزاء والشرائط، ما عدا كونها حائضا واستعمال العام في الخاص مجاز، ] [ 44 ] لا اشكال في حرمته التشريعية وان قلنا نحز وجه عن مفاد الرواية للانصراف.


 

[ 58 ]

[ إلا أن يقول بارادة الخاص هنا من غير اللفظ. هذا واستدل لهم ايضا بانه لا شبهة في صحة تعلق النذر وشبهه بترك الصلاة في مكان تكره فيه، وحصول الحنث بفعلها، ولو كانت الصلاة المنذور تركها خصوص الصحيحة، لا يحصل بها الحنث، لان الصلاة المأتي بها فاسدة لاجل النهى عنها، بل يلزم أن يكون فسادها موجبا لصحتها، لانها لو كانت فاسدة لم تكن مخالفة للنهى. ولا وجه لعدم كونها صحيحة الا كونها مخالفة للنهى. وهذا بخلاف ما لو كانت الصحة خارجة عن معناها، فانه على هذا لا يلزم محذور. والجواب ان مدعى الوضع للصحيح لا يدعى انها موضوعة للصحيح من جميع الجهات، حتى من الجهات الطارئة، كالنذر وشبهه، بل يدعى أنها موضوعة للصحيح من حيث الجهات الراجعة إلى نفسها [ 45 ] ولو فرض انه يدعى ان الموضوع هو الصحيح الفعلى حتى من الجهات الطارئة، فله ان يجيب بان نذر الناذر في المقام قرينة على عدم ارادة هذا المعنى، إذ ليس المعنى المأخوذ فيه الصحة من جميع الجهات قابلا للنهى ولو فرضنا أن الناذر قصد هذا المعنى في نذره، نلتزم بعدم انعقاده لعدم صحة تعلق النهى بالفعل المذكور. واستدل للصحيحى - مضافا إلى دعوى التبادر وصحة السلب من الفاسد - بالاخبار الظاهرة في اثبات بعض الخواص والاثار لحقيقة الصلاة والصوم، مثل قوله (ع): (الصلاة عمود الدين، أو انها معراج ] [ 45 ] الانصاف: أن الدعوى المذكورة خلاف الواقع، والا فيمكن أن يدعى أنها موضوعة للصحيح من حيث الاجزاء والشرائط لا من حيث الموانع، أو التفصيل بين الجزاء والشرائط أيضا.


 

[ 59 ]

[ المؤمن، وان الصوم جنة من النار) أو نفى الطبيعة بفقدان بعض الشروط والاجزاء مثل قوله (ع): (لا صلاة الا بطهور)، وكذا (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) وأمثال ذلك. والجواب عن الاول ان الاستدلال بها مبنى على افادة تلك الاخبار أن الاثار المذكورة لتلك الطبائع على اطلاقها، إذ بذلك يستكشف أن الفرد الذى ليس فيه تلك الخواص ليس فردا لتلك الطبائع، لكن الاخبار المذكورة واردة في بيان خاصية تلك الطبايع من حيث نفسها، في مقابل اشياء اخر. ولا ينافى أن تكون لظهور تلك الخواص في تلك الطبايع شرائط اخر زائدة عليها، كما يظهر من المراجعة إلى امثال هذه العبارات. وعن الثاني أن استعمال هذا التركيب في نفى الصحة شايع في الشرع [ 46 ] بحيث لم يبق له ظهور عرفى في نفى الماهية واستدلوا ايضا بان طريقة الواضعين وديدنهم وضع الالفاظ للمركبات التامة، كما هو قضية الحكمة الداعية إليه، وان مست الحاجة إلى استعمالها في غيرها، فلا يقتضى أن يكون على نحو الحقيقة، بل ولو كان مسامحة، تنزيلا للفاقد منزلة الواجد. والظاهر عدم التخطي من الشارع عن هذه الطريقة. هذا ولا يخفى ما فيه لان دعوى القطع مجازفة، والظن بعد إمكان المنع لا يغنى عن الحق شيئا. ] [ 46 ] الظاهر: ان ذلك مصادرة، لان الشيوع المذكور موقوف على الوضع للاعم، والصحيحي يدعي أن تلك القضية ظاهرة في عدم الوضع له أصله، ونفي الصحة عنده ملازم لنفي الحقيقة، نعم لوادعى ان استعماله في نفي الكمال أيضا شايع بحيث لم يبق له ظهور في الحقيقة فيلزم عليه.


 

[ 60 ]

[ (الرابع) أنه تظهر الثمرة بين القولين في صحة الاخذ بالاطلاق وعدمه، إذ على القول بكون الفاظ العبادات موضوعة للصحيح لا يمكن الاخذ بالاطلاق فيها، إذ مورده بعد الاخذ بمدلول اللفظ الموجود في القضية والشك في القيود الزائدة. والمفروض اجمال مدلول اللفظ، وكلما احتمل اعتباره قيدا يرجع إلى مدخليته في مفهوم اللفظ. وأما بناءا على القول الآخر فيصح التمسك بالاطلاق على تقدير تمامية باقى المقدمات، إذ القيد المشكوك فيه مما لا مدخلية له في تحقق الحقيقة التى جعلت موضوعة في القضية. وكذا تظهر الثمرة بين القولين في الاصل العملي، إذ على القول بالصحيح على نحو ما بيناه في اول البحث لا محيص عن القول بالاحتياط ظاهرا، لكن على القول الاخر يبتنى القول بالبراءة والاحتياط فيه على مسألة الشك في الاقل والاكثر. (الخامس) أن اسامى المعاملات ان قلنا بانها موضوعة للمسببات فلا مجال للنزاع في كونها اسامى للصحيحة منها أو الاعم، لان الامر فيها دائر بين الوجود والعدم لا الصحة والفساد كما لا يخفى [ 47 ] وان قلنا بانها موضوعة للاسباب، فيأتي النزاع في انها موضوعة للاعم مما يترتب عليه الاثر أو لخصوص الصحيح اعني ما يترتب عليه الاثر. وعلى كل حال فلا مانع من الاخذ بالاطلاق فيها. أما بناءا على كونها موضوعة للاسباب من ] [ 47 ] هذا على ما عليه المحققون من أن الموضوع له في المعاملات عند العرف والشرع واحد، وامضاء الشارع تصويب لهم، ورده تخطئة، وأما لو قيل بأن الموضوع له عند العرف هو المسبب عندهم، مثلا لفظ البيع موضوع للنقل والانتقال الحاصل ببنائهم سواء أمضاه الشارع أو رده، وليس له واقعية غير البناء المذكور حتى يخطئهم الشارع، فيمكن النزاع في أن الموضوع له عند الشارع هل المسبب عنده أو الاعم منه ومن المسبب عند العرف وان لم يوجد عنده، فيشبه نزاع الصحيح والاعم.


 

[ 61 ]

[ دون ملاحظة حصول الاثر، فواضح، وأما على القول بكونها موضوعة لخصوص الاسباب المؤثرة للاثر، أو موضوعة لنفس المسبب، فلان لمفاهيمها مصاديق عرفية والاحكام المتعلقة بالعناوين - في القضية اللفظية التى وردت لبيان تفهيم المراد - تحمل على المصاديق العرفية لها. وبعد تعلق الحكم في القضية اللفظية بالمصاديق العرفية، يستكشف ان الشئ الذى يحكم العرف بانه مصداق يراه الشارع مصداقا ايضا، ولذا تراهم يتمسكون في ابواب المعاملات باطلاقات ادلتها، مع ذهابهم إلى كونها موضوعة للصحيح. نعم لو شك في الصدق العرفي. فلا مجال للاخذ بالاطلاق فليتدبر في المقام. استعمال اللفظ في اكثر من معنى و (منها) أنه اختلف - في جواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد بان يراد كل واحد مستقلا [ 48 ] كما إذا استعمل فيه وحده - على اقوال لا يهمنا ذكرها بعد ما تطلع على ما هو الحق في هذا الباب والحق الجواز بل لعله يعد في بعض الاوقات من محسنات الكلام، لان ما وضع له ] (الاستعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد) [ 48 ] لا يخفى أن ارادة المعنى مستقلا على قسمين: الاول: أن يتصور ويراد منفردا، والثاني: أن يتصور ويراد مع الغير، لكن لا بنحو يكون المنظور شيئا واحدا وكان كل واحد منهما جزءا له، أو كان المنظور أحدهما وكان الاخر قيدا له، فيكون كل منهما مرادا ومتصورا بحياله واستقلاله، بنحو تكون ا لارادة والتصور واحدا والمراد والمتصور متعددا، مثلا. لو نظرت بعينك إلى شخصين بنظرة بنظرة واحدة ونظرت اليهما بنظرتين، فلا تفاوت في القسمين من حيث أن كل واحد من الشخصين منظور إليه =


 

[ 62 ]

[ اللفظ هو ذوات المعاني باوضاع عديدة، وليس في كل وضع تقييد المعنى بكونه مع قيد الوحدة بالوجدان ولا يكون منع من جهة الواضع ايضا، ضرورة ان كل احد لو راجع نفسه حين كونه واضعا للفظ زيد بازاء ولده ] = مستقلا في كلا النظرين، ووحدة النظر في الاولى وتعدده في الثانية غير مؤثر في احاطة الذهن بكل منهما بحياله، والشاهد على امكان ذلك وقوعه بالوجدان. إذا عرفت ذلك فنقول: ان كان الاستعمال عبارة عن افناء اللفظ في المعنى وذكر اللفظ وارادة المعنى مستقلا بالمعنى الاول، فلا اشكال في عدم جواز الاستعمال في أكثر من معنى، بل هو بديهي كالضرورية بشرط المحمول، وان كان عبارة عن افناء اللفظ في المعنى وارادته بنحو لم يكن اللافظ حين ذكر اللفظ ملتفتا الا إلى المعنى - وكأنه يلقي المعنى إلى المخاطب - لكن لا بحيث يكون ذلك المعنى تبعا لغيره في اللحاظ والارادة فلا اشكال في جوازه، لان المانع ان كان عدم امكان تعقل الشيئين مستقلا على نحو ما ذكرنا فالوجدان حاكم بامكانه، وان كان عدم تحقق معنى الافناء فلا نتعقل للافناء زائدا على ما ذكر من كون اللافظ حين ايجاد اللفظ غير ملتفت إلى اللفظ، ملقيا للمعنى إلى المخاطب، ولا فرق في ذلك بين أن يجعله فانيا في الواحد أو المعتدد مع عدم التفاته إلى اللفظ أصلا. وقد ذكر اشكال على أصل الاشتراك لا بأس بالاشارة إليه لمناسبة المقام، وهو: ان الوضع ان كان قصر اللفظ في المعنى فوضع الثاني مخالف للاول، وان كان قصر المعنى على اللفظ فينسد باب الاستفادة الا بالقرينة حتى في غير المشترك، لان معنى الوضع على هذا التزام ارادة المعنى من اللفظ لا عنده، وهو كما ترى. والظاهر: ان الوضع عبارة عن قصر اللفظ على المعنى بالتخصيص أو بالتعهد أو غيرهما من معانيه، ولا نتحاشى عن مخالفة الوضع الثاني للاول بهذا المقدار، فان مقتضى الاول عدم ارادة غير المعنى الاول من اللفظ الا بالقرينة الصارفة، ومقتضى الثاني ارادة المعنى الثاني أيضا بدون قرينة، وكذا الثالث والرابع إلى ما شاء الله، ولذا يحتاج إلى القرينة المعينة ولا يتعين شئ منها عند المخاطب الا بها، فيصير مقتضى الاوضاع المتعددة جواز ارادة تلك المعاني من ذلك اللفظ من دون قرينة صارفة، لكن


 

[ 63 ]

[ ليس مانعا من استعمال ذلك اللفظ في غيره [ 49 ] ولا يتصور مانع عقلي في المقام، فالمجوز للاستعمال موجود، وهو الوضع، وليس هناك ما يقبل المنع. وذهب شيخنا الاستاذ دام بقاه إلى الاستحالة العقلية، قال في الكفاية ان حقيقة الاستعمال ليس مجرد جعل اللفظ علامة لارادة المعنى، بل وجها وعنوانا له، كانه يلقى إليه نفس المعنى ولذا يسرى إليه قبحه وحسنه ولا يمكن جعل اللفظ كذلك الا لمعنى واحد، ضرورة ان لحاظه هكذا في ارادة معنى، ينافى لحاظه كذلك في ارادة الاخر، حيث ان لحاظه كذلك، لا يكاد يكون الا بتبع لحاظ المعنى، فانيا فيه فناء الوجه في ذى الوجه، والعنوان في المعنون. ومعه كيف يمكن ارادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد، مع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه كذلك في هذه الحال (انتهى). اقول يمكن ان يكون حاصل مرامه دام بقاه أنه بعد ما يكون ] = لا تقيد بوحدتها ولا تعددها، فكما يجوز ارادة الواحد يجوز ارادة المتعدد بتفصيل ما مر، وكما يحتاج تعيين المراد وتشخيصه إلى القرينة المعينة فكذلك يتوقف تعيين الوحدة والتعدد ايضا إليها. [ 49 ] قد يقال - كما قيل -: ان الاوضاع توقيفية لا يجوز التعدي عن متابعة الواضع، والواضع حين الوضع لم يلاحظ الا ذات المعنى في حال الوحدة، فلابد لتابعيه أن يستعملوه كذك. فان قلت: هذا لو كان حال الوحدة قيدا له. وأما لو لم يكن له دخل في الموضوع له فلا يجب مراعاته قطعا، كالاعلام الموضوعة للاشخاص في حا الصغر ولم تخرج بالكبر والهرم عن قيد الموضوع له، ومن المعلوم أن الواضع لم يضع اللفظ للمعنى مع قيد الوحدة =.


 

[ 64 ]

[ اللفظ وجها واشارة إلى ذات المعنى، فاللفظ من حيث كونه اشارة إلى معناه ليس اشارة إلى آخر لتباين المعنيين، وبالعكس. ولو جعل اشارة واحدة ووجها واحدا لكلا المعنيين، فهو من باب استعمال واحد في معنى واحد، لان المعنيين بهذا اللحاظ يكونان معنى واحدا في هذا الاستعمال، نظير استعمال لفظ اثنين في معناه، فاستعمال اللفظ في المعنيين غير معقول. قلت لا اشكال في امكان ارادة شيئين من لفظ واحد على نحو بقائهما على صفة التعدد، كما انه لا اشكال في امكان ارادتهما على نحو الوحدة الاعتبارية، فلو استعمل لفظ في المتعدد على النحو الثاني، فلا اشكال في انه من باب استعمال اللفظ في المعنى الواحد، فان كان ذلك المعنى موضوعا له اللفظ، يكون الاستعمال حقيقيا، والا يكون مجازيا. وان استعمل في المتعدد على النحو الاول، يكون من باب استعمال اللفظ الواحد في المعنيين. وحينئذ ان كان الملحوظ في هذا الاستعمال هو الوضعين، فيكون من باب استعمال اللفظ في المعنيين ] = قلت: لا يلزم من عدم ملاحظة القيدية لها عدم دخلها في الموضوع له فرب وصف لم يلحظ قيدا في الموضوع لكنه دخيل في الحكم، بمعنى عدم الحكم مع عدمه، مثلا موضوع الكلية لم يقيد بحال التجرد عن كل قيد حتى قيد التجرد، لكن المحمول لم يحمل عليه الا في ذلك الحال كما هو واضح، فما المانع من ان يكون حال الوحدة في الوضع مثل التجرد في الكلية وبذلك يمكن حمل كلام المحقق القمي - رحمه الله - عليه، فراجع. فأجاب عنه - دام ظله - بأنا وان لم ننكر امكان الدخل بنحو ما قيل لكن نجد من أنفسنا حين وضع لفظ لولدنا عدم المنع من استعماله في غيره وعدم دخل حالة الوحدة بنحو من الانحاء. ولا يجدي الامكان في شئ نرى الوجدان بخلافه.


 

[ 65 ]

[ الحقيقيين وان كان الملحوظ ثبوت العلاقة في كل منهما، فيكون من باب استعمال اللفظ في المجازيين، وان كان الملحوظ ثبوت العلاقة في احدهما، والوضع في الاخر، فيكون من باب استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي. (ليت شعرى) أن دعوى الاستحالة هل هي راجعة إلى ارادة الانسان الذوات المتعددة من دون ملاحظة عنوان الاجتماع، أو راجعة إلى امر آخر ؟ فان كانت راجعة إلى الاول، فيرده وقوع هذا الامر في العام الاستغراقي، فانه انما صار كذلك لعدم ملاحظة الامر هيئة الاجتماع في مرتبة تعلق الحكم، بل لاحظ الاحاد كلامنها اجمالا على انفرادها، غاية الامر هذه الملاحظة في العام الاستغراقي انما هي في مرتبة تعلق الحكم دون الاستعمال [ 50 ] فإذا صار هذا النحو من الملاحظة - اعني ملاحظة الاحاد على انفرادها ممكنا في مرتببة تعلق الحكم - فليكن ممكنا في مرحلة الاستعمال ايضا، فكما أن كل واحد في الاول يكون موردا للحكم مستقلا، كذلك في الثاني يصير مستعملا فيه. و (ليت شعرى): أي فرق بين ملاحظة الاحاد بذواتها في مرتبة ] [ 50 ] لا يقال: فرق بين الاستعمال وتعلق الحكم، فان الاول افناء اللفظ في المعنى، ولا يمكن افناء الواحد في المتعدد، بخلاف تعلق الحكم فانه يتوقف على لحاظ موضوعه بأي نحو كان، من دون لزوم افناء الواحد في الاثنين، ولا تقوم الواحد باللحاظين. لانه يقال: أولا: قد أوضحنا جواز افناء الواحد في الاثنين مع عدم لزوم تقوم الواحد باللحاظين. وثانيا: ان انشاء الحكم أيضا افناء، فان من يقول: اكرم زيدا يوجد بذلك الوجوب، ونفس ذلك الايجاد استعمال على رأي، واظهار ارادة الاكرام =


 

[ 66 ]

[ تعلق الحكم، وبين ملاحظتها كذلك في مرتبة الاستعمال ؟ وايضا من المعلوم إمكان الوضع عاما والموضوع له خاصا، وهو بان يلاحظ الواضع معنى عاما ويضع اللفظ بازاء خصوصياته، فيكون كل من الجزئيات موضوعا له، ولو عامل الشخص هذه المعاملة في مرحلة الاستعمال، بأن لا حظ معنى عاما مرآة للخصوصيات، واستعمل اللفظ في تلك الخصوصيات، يصير كل واحد منها مستعملا فيه، كما أنه صار في الصورة الاولى موضوعا له، وان كانت الدعوى راجعة إلى امر آخر فلا نعقل وجها آخر للاستحالة. ولا استبعد كون ذلك من قصوري لا دراكها. واما ادلة القائلين بالمنع من قبل الوضع، فموهونة جدا، فان اعتبار قيد الوحدة في المعنى مما يقطع بخلافه، وكون الموضوع له في حال الوحدة لا يقتضى الاعدم كون المعنى الاخر موضوعا له بهذا الوضع، ويتبعه عدم صحة الاستعمال فيه بملاحظة هذا الوضع، ولا يوجب ذلك عدم وضع آخر له ولا عدم صحة استعماله بملاحظة ذلك الوضع الآخر فيه. وأما تجويز البعض ذلك في التثنية والجمع بملاحظة وضعهما لافادة التعدد بخلاف المفرد، فمد فوع بان علامة التثنية والجمع تدل على تكرار ما افاده المفرد، لا على حقيقة اخرى في قبال الحقيقة التى دل عليها المفرد. كيف ؟ ولو كانت كذلك لما دلت علامة التثنية على التعدد، لان ] = والقاؤها إلى المخاطب على رأي آخر، وعلى كلا التقديرين فايجاد احكام عديدة ب‍ اكرم أو اظهار ارادات متكثرة به عين افناء الواحد في المتعدد، فان كلا من الارادات المذكورة المتعلقة بكل واحد من الموضوعات بحيالها واستقلالها موجدة أو مظهرة وملقاة إلى المخاطب، مع أن قضية عدم امكان تصور أشياء عديدة مستقلا لو كانت صادقة فلا اختصاص لها بمقام الافناء كما هو واضح.


 

[ 67 ]

[ المفرد الذى دخلت عليه تلك العلامة أفاد معنى واحدا، فالعلامة ايضا افادت معنى واحدا، فاين التعدد المستفاد من علامة التثنية. المشتق و (منها) أنهم اختلفوا في معاني بعض المشتقات من قبيل اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة وامثال ذلك، مما يجرى على الذوات، ويحمل عليها على نحو من الحمل، هل هي ما يطلق على الذوات في خصوص حال التلبس أو أن معانيها اعم من ذلك، بمعنى أنها موضوعة لمعان تحمل على الذوات، وان انقضى عنها التلبس، بعد الاتفاق على ان اطلاقها - على الذوات التى لم تتلبس بعد بملاحظة الزمن الاتى - مجاز. وتنقيح المرام يستدعى رسم امور: (الاول) أن النزاع ليس في جميع المشتقات، لان الماضي والمضارع والامر والنهى خارجة عن محل النزاع قطعا، وكذا المصادر - وان قلنا بانها مشتقات ايضا - وكذا ليس النزاع مختصا بالمشتقات الجارية على الذوات: من قبيل اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة وامثال ذلك، بل يجرى في كل لفظ موضوع بازاء مفهوم منتزع من الذوات، باعتبار عروض امر خارج عنها، مثل الزوج والعبد والحر وامثال ذلك، وان كان من الجوامد. فالنزاع في المقام راجع إلى ان الالفاظ الموضوعة بازاء المفاهيم المنتزعة من الذوات باعتبار الامور الخارجة عنها، هل هي موضوعة للمتلبس الفعلى بذلك العارض، أو لما يعمه وما انقضى عنه ذلك العارض، سواءأ كان من المشتقات ام من الجوامد. نعم الالفاظ الموضوعة ]


 

[ 68 ]

[ بازاء المفاهيم المنتزعة. من الذاتيات - من دون ملاحظة امر خارج عنها - ليست محلا للنزاع، إذ لا شبهة لاحد في أن لفظ الانسان والحجر والماء والنار وامثالها لا تطلق على ما كان كذلك، ثم انخلعت عنه تلك الصور النوعية. والدليل على ما ذكرنا من دخول مثل الزوج وامثاله في محل النزاع، ما عن الايضاح في باب الرض