العودة الى مكتبة المرتضى

إفاضة العوائد

السيد الگلپايگاني ج 2


 

[ 1 ]

افاضة العوائد تعليق على درر الفوائد تأليف المرحوم المبرور مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي قدس سره بقلم سماحة آية الله العظمى زعيم الحوزة العلمية الحاج السيد محمد رضا الگلپايگاني مد ظله الجزء الثاني


 

[ 2 ]

دار القران الكريم للعناية بطبعه ونشر علومه الحوزة العلمية ايران قم هوية الكتاب * الكتاب: افاضة العوائد تعليق على درر الفوائد الجزء الثاني * المؤلف: سماحة آية الله العظمى السيد محمد رضا الگلپايگانى مد ظله * الناشر دار القران الكريم - قم المقدسة * الطبعة: الاولى * طبع منه: 3000 نسخه * المطبعة: مهر * التاريخ: غرة محرم الحرام 1411 ه‍ ق * ايران: قم - شارع ارم - دار القرآن الكريم، صندوق البريد 151 - رقم الهاتف 33078 الرمز 251.


 

[ 3 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم إعلم أن من وضع عليه قلم التكليف إذا التفت إلى الحكم الشرعي، فاما أن يكون قاطعا به أولا (1)، وعلى الثاني إما أن يكون له طريق منصوب من قبل الشارع أولا. وعلى الثاني اما أن تكون له حالة ملحوظة أولا. وعلى الثاني إما أن يكون الشك في حقيقة التكليف (2)، وإما أن يكون في متعلقه. وعلى الثاني إما ان يتمكن من الاحتياط وإما أن لا يتمكن منه. والقاطع تعريف القطع (1) لا يخفى ان التقسيم المذكور وان كان لا يرد عليه ما اورد على ما في الفرائد: من تداخل الاقسام في الحكم، من حيث أن بعض الظنون محكوم بحكم الشك، لكن يرد عليه: ان البحث عن طريقية الطرق خارج عن تلك الاقسام، ويشبه بالمبادي لها، بخلاف ما قسم عليه في الفرائد. فتدبر جيدا. (2) يعني في اصل الالزام الجامع بين الوجوب والحرمة، دون ما كان نوعه مشكوكا فيه، كما إذا علم بوجوب شئ أو حرمته، أو علم بحرمة شئ أو وجوب شئ آخر فانه مع امكان الاحتياط مورد للاحتياط، كما في المثال الثاني مطلقا والمثال الاول احيانا في التدريجي مثلا، والتصريح بذلك في قبال ما اختاره الشيخ (قدس =


 

[ 4 ]

[ ومن له طريق معتبر الى الواقع يتبع ما عنده من القطع أو الطريق. والشاك ان لوحظت حالته السابقة فهو مورد الاستصحاب، والا فان شك في حقيقة التكليف فهو مورد البراءة، وان شك في متعلقه وكان قادرا على الاحتياط، فهو مورد الاشتغال، وان لم يكن قادرا على الاحتياط فهو مورد التخيير. (وهم ودفع) قد يتوهم عدم صحة ما ذكرنا، من جهة أن المقسم في هذه المذكورات هو من وضع عليه قلم التكليف، وهو اعم من المجتهد والمقلد، مع أن أحكام بعض الاقسام مختصة بالمجتهد، كالقواعد المقررة للشاك. (إن قلت) لا يصح القول باختصاص الاحكام المقررة للشاك بالمجتهد، للزوم عدم جواز رجوع المقلد إليه فيما استفاده منها، فان الاحكام المختصة بالمجتهد لا يجوز للمقلد العمل بها، كوجوب التصرف في مال الايتام والغيب وفصل الخصومة وامثال ذلك مما يختص بالمجتهد. (قلت) لا ينافي اختصاص القواعد المقررة للشاك بالمجتهد رجوع المقلد إليه في الاحكام المستفادة من تلك القواعد، مثلا المخاطب بقول الشارع: (لا تنقض اليقين بالشك) وان كان هو المجتهد، ولكن الحكم الذي يبنى على بقائه هو الحكم الاولى المشترك بينه وبين المقلد، فالافتاء ] = سره): من ان الشك في التكليف عبارة عن الشك في نوع التكليف، وان كان الجنس معلوما، لكنه (قدس سره) لم يلتزم بعدم وجوب الاحتياط في المثال الثاني، مع أن لازم كلامه ذلك، فتأمل فيه، لعلك تطلع على غير ما ذكرنا.


 

[ 5 ]

[ به عبارة عن حكمه بوجوب العمل على طبق الحالة السابقة على كل احد، بخلاف الاحكام الواقعية المختصة بالمجتهد، لعدم استنباط المجتهد فيها حكما آخر يشترك فيه المقلد، بل هذه الاحكام واقعية تعلقت بفعل المجتهد خاصة. هذا ويدفع اصل الاشكال بعدم اختصاص الاحكام الثانوية بالمجتهد (3)، بل حالها حال الاحكام الاولية في اشتراكهما بين المقلد والمجتهد، من دون تفاوت اصلا، لعدم التقييد في ادلة الاحكام الظاهرية، وعدم دليل من الخارج يدل على هذا الاختصاص، إلا توههم عدم قدرة المقلد على العلم بخبر الواحد وعلى الفحص اللازم في العمل بالاصول. ويدفعه أن العمل بخبر الواحد ليس الا الاتيان بالفعل الخارجي الذي دل الخبر على وجوبه، ومن الواضحات عدم خصوصية المجتهد فيه. نعم الذي يختص بالمجتهد ولا يقدر عليه المقلد هو الاستظهار من الدليل والاستنباط منه أن الواجب كذا، وهذا غير العمل بمدلوله، والاخذ ] (3) الظاهر عدم كون العمل بخبر الواحد وظيفة المقلد اصلا. وإنما عليه حكم واقعي يشترك فيه العالم والجاهل، وحكم ظاهري وهو العمل على فتوى مجتهده، سواء استنبط من الخبر أو من غيره، حتى في مورد وجود الخبر واقعا، لكن لم يعثر عليه مجتهده وحكم بخلاف ما تضمنه، فالمقلد خارج عن العمل بالطرق المنصوبة للمجتهد. وشمول التعريف له بهذا التقريب لا يخلو من تعسف. نعم يمكن شموله له بتقريب أن يقال: إن المقلد فيما يقلد داخل فيمن قام عليه الطريق المنصوب من قبل الشارع، وهو فتوى مجتهده، وأما فيما لم يفت فيه مجتهده اصلا، ولو بوجوب احد شيئين أو أشياء أو بحرمتهما مثلا، فقوله حجة له في عدم الدليل. وقاعدة قبح العقاب من غير بيان فطرية غير تقليدية. ولا ينافي ذلك غفلته عنه وتذكار المجتهد له، فافهم واغتنم فانه لطيف.


 

[ 6 ]

[ بالاحكام المتعلقة بالشك ليس مشروطا بعنوان الفحص عن الادلة، حتى يقال ان المقلد لا يقدر عليه، بل الحكم متعلق بالشك الذي ليس في مورده دليل واقعا. والفحص إنما يكون لاحراز ذلك، فيكون نظر المجتهد في تعيين مدلول الدليل، وانه ليس له معارض، وفي احراز عدم وجود الدليل في مورد الشك متبعا للمقلد. هذا. إذا عرفت ما ذكرنا من اقسام الملكف واحكام كل منها على سبيل الاجمال، فلنشرع كل من المذكورات في ضمن مباحث: ]


 

[ 7 ]

[ المبحث الاول في حجية القطع المتعلق بالتكليف وينبغي التكلم فيه في ثلاثة مقامات: (الاول) - أن القطع هل يحتاج في حجيته الى جعل الشارع، كما ان الظن كذلك ام لا ؟ (الثاني) أنه هل يمكن عقلا النهي عن العمل به ام لا ؟ (الثالث) أنه هل يقبل تعلق امر المولى به أم لا ؟ (اما الكلام) في المقام الاول فنقول: الحق عدم احتياجه الى الجعل، فانه لو قلنا باحتياجه إليه لزم التسلسل، لان الامر بمتابعة هذا القطع لا يوجب التنجز بوجوده الواقعي، بل لابد فيه من العلم، وهذا العلم ايضا كالسابق يحتاج في التنجز الى الامر وهكذا، مضافا الى أنه لو فرضنا امكان التسلسل لا يمكن تنجيز القطع، لعدم الانتهاء الى ما لا يكون محتاجا إلى الجعل (4). وهذا واضح. ] حجية القطع: (4) وهذا احد الادلة التي اقيمت لاثبات الصانع جل وعلا، مع قطع النظر عن بطلان التسلسل، بان يقال المحتاج الى ما لا نهاية له لا يرفع الاحتياج، فلابد وأن =


 

[ 8 ]

[ (واما الكلام) في المقام الثاني، فقد يقال في وجه عدم قابليته للمنع: أن المنع عن العمل بالقطع يوجب التناقض، فان من علم بكون هذا خمرا، وكون الخمر محرمة، يحصل له من ضم هذه الصغرى الوجدانية إلى تلك الكبرى المقطوع بها - العلم بكون هذا حراما، فيرى تكليف المولى ونهيه عن ارتكاب شرب هذا المائع من دون شبهة ولا حجاب، فلو قال: لا تعمل بهذا العلم، رجع قوله الى الاذن في ارتكاب شرب الخمر بنظر القاطع، وهو التناقض. واورد على اصل الدعوى نقضا بورود النهي عن العمل بالظن القياسي حتى في حال الانسداد، فإذا جاز النهي عن العمل بالظن عند الانسداد، جاز النهي عن العمل بالعلم، لان الظن في تلك الحالة كالعلم. واجاب عن هذا الاشكال شيخنا الاستاذ دام بقاؤه: بان القياس بالظن القياسي ليس في محله، لان العالم يرى الحكم الواقعي من غير سترة ولا حجاب، فالمنع عن اتباعه راجع الى ترخيص فعل ما يقطع بحرمته، أو منع فعل ما يقطع بوجوبه، فكيف يمكن أن يذعن به مع الاذعان بضده ونقيضه من الحكم المقطوع به في مرتبة واحدة، وهي مرتبة الحكم الواقعي، لانكشاف الواقع بحاقه، من دون سترة موجبة لمرتبة اخرى غير تلك المرتبة، ليكون الحكم فيها حكما ظاهريا لا ينافي ما في المرتبة الاخرى، بخلاف الظن القياسي، فان النهي عنه في صورة الانسداد إذا ] = ينتهي الى الغنى بالذات، وذلك واضح. وكذلك القطع لو كان استقراره ولزوم العمل عليه محتاجا إلى قطع آخر بحجيته، لما استقر في شئ، وان بلغ جعل الحجية الى ما لا نهاية له.


 

[ 9 ]

[ صح ببعض الوجوه الآتية لا يكون الا حكما ظاهريا لا ينافي الحكم الواقعي لو خالفه، كما إذا اصابه ووافقه. هذا ما أفاده دام بقاه من الجواب. اقول: وهذا لا يستقيم على ما ذهب إليه: من منافاة الحكمين الفعليين اللذين تعلقا بموضوع واحد خارجي، سواء كانا واقعيين ام ظاهريين ام مختلفين، وحصر دفع التنافي بين الحكم الواقعي والظاهري: بجعل الواقعي انشائيا والظاهري فعليا. وتوضيح الاشكال على هذا المبنى انه لا ينبغي الفرق بين القطع وبين الظن، بل العمدة ملاحظة المقطوع والمظنون، فان تعلق كل منهما بالحكم الفعلي فلا يعقل المنع، أما في حال القطع فواضح. وأما في حال الظن، فلان المنع عن العمل بالظن يوجب القطع بعدم فعلية الحكم الواقعي - لو كان على خلاف الحكم الظاهري - وهذا ينافي الظن بالحكم الواقعي الفعلي، كما هو المفروض. وهذا واضح. واما ان تعلق كل منهما بالحكم الانشائي، فلا مانع من الحكم على الخلاف، ولا تفاوت ايضا بين العلم والظن. هذا وأما على ما قلنا في دفع المنافاة بين الحكم الواقعي والظاهري: من اختلاف رتبتيهما، فيرد اشكال آخر على اصل الدعوى، بأنه كما تتأخر رتبة الشك والظن بالحكم عن نفس الحكم، كذلك تتأخر رتبة العلم به، لانه ايضا من العناوين المتأخرة عن الحكم، فكما أنه لا ينافي جعل حكم مخالف للواقع في موضوع الشك والظن لاختلاف رتبتيهما، كذلك لا ينافي جعل حكم مخالف للواقع في مورد القطع، لعين ما ذكر. ]


 

[ 10 ]

[ ويمكن أن يجاب على هذا المبنى بأن العلم بالتكليف موجب لتحقق عنوان الاطاعة والمخالفة، والاول علة تامة للحسن، كما أن الثاني علة تامة للقبح. وهما كعنواني الاحسان والظلم، فكما أنه لا يجوز المنع عن الاحسان والامر بالظلم عقلا، كذلك لا يجوز المنع عن الاطاعة والامر بالمعصية والمخالفة. ولا فرق عند العقل في تحقق هذين العنوانين بين اسباب القطع، بخلاف الظن بالتكليف، فانه بعد لم يصل الى حد يصلح لان يبعث المكلف الى الفعل، لوجوب الحجاب بينه وبين الواقع، فلم يتحقق عنوان المخالفة والاطاعة. نعم لو حكم العقل بوجوب الاتيان بالمظنون من جهة الاحتياط، وإدارك الواقع - كما في حال الانسداد - فعدم الاتيان به على تقدير اصابة الظن للواقع في حكم المعصية، لكن لا إشكال في أن هذا الحكم من العقل ليس الا على وجه التعليق، بمعنى كونه معلقا على عدم منع الشارع عن العمل بذلك الظن، لا على وجه التنجيز، كالاتيان بالمعلوم. ومن ثم لو حكم الشارع بترك العمل بالظن في حال الانسداد لا ينافي حكم العقل. ومحصل ما ذكرنا من الوجه: ان المخالفة لكونها قبيحة بقول مطلق - لا تقبل الترخيص، والاطاعة - لكونها حسنة كذلك - لا تقبل المنع (5)، لا أن المنع عن العمل بالعلم مستلزم للتناقض، حتى يرد عليه ما ذكرنا من الاشكال. ] (5) ويمكن التمسك بالتناقض ايضا على هذا الوجه، لكن في مقام الفرض لا في مقام جعل الحكم، حتى يجاب بتعدد موضوع الحكم. بتقريب أن يقال: إن الغرض من الجعل والمصلحة الباعثة له مطلق، ولا دخل لحال التجرد فيه، وإن كان له دخل =


 

[ 11 ]

[ اما المقام الثالث أعني قابلية العمل بالعلم، اي الاطاعة لورود التكليف الشرعي المولوي عليه وعدمها - فقد قيل في وجه عدم القابلية امور: (منها) لزوم التسلسل لو تعلق الامر المولوي بالاطاعة، لان الامر بالطاعة لو كان مولويا يحقق عنوان اطاعة اخرى، فيتعلق الامر به، لكونها اطاعة. وهذا الامر ايضا يحقق عنوان الاطاعة، فيتعلق الامر به، وهكذا. (ومنها) اللغوية، لان الامر المولوي ليس الا من جهة دعوة المكلف الى الفعل، وهي موجودة هنا، فلا يحتاج إليه. (ومنها) ان الاطاعة عبارة عن الاتيان بالفعل بداعي امره، ] = في الحكم، لانه لو كانت المصلحة ايضا مقيدة بعدم الحالات الطارئة، يلزم التصويب الباطل بالاجماع، لو لم يكن بمحال. وحينئذ إذا علم العبد بلزوم شئ ولزوم تركه، يعلم أن غرض المولى تعلق فعلا بفعل ذلك أو تركه، ومع ذلك لا يمكن له التصديق بجواز ترك الاول أو فعل الثاني، لانه تصديق باذن المولى في نقض الغرض. وهو محال. وهذا بخلاف الظان والشاك، فان الواقع لما لم يكن معلوما لهما، فلا يكون الغرض محرزا، حتى يكون الاذن في تركه نقضا للغرض. لا يقال: الظن بالتكليف يلازم الظن بالغرض. والنهي عن العمل به يلازم القطع بعدمه، للقطع باستحالة نقض الغرض. لانه يقال: لا نسلم ان النهي يلازم القطع بعدم الغرض، لانه مانع من رفع تحريك المولى العبد الى ما ينافي وجوده، مع الغرض الذي لا يؤثر في نفس العبد لغرض آخر، ومعلوم أن التكليف - إذا كان مشكوكا أو مظنونا لظن غير معتبر - لا يؤثر في نفس العبد، بخلاف صورة العلم بالتكليف، فان الغرض معلوم ويؤثر في نفس العبد، فلا يجوز رفع اليد عنه، فتأمل جيدا.


 

[ 12 ]

[ فلا يعقل أن يكون الامر بها داعيا إليها، والا لزم عدم تحقق موضوع الاطاعة، ويستحيل أن يصير الامر المتعلق بعنوان داعيا الى ايجاد غير ذلك العنوان، هذا وكلها مخدوشة: اما الاول: فلانه لا يوجد من الامر الا انشاء امر واحد متعلق بطبيعة الاطاعة (6)، والقضية الطبيعية تشمل الافراد المحققة بها، فلا بأس بانحلال الامر المتعلق بالطبيعة الواحدة الى اوامر غير متناهية، لانتهائها الى ايجاد واحد، مضافا الى انقطاع هذه الاوامر باتيان المكلف فعلا واحدا، وهو ما امر به اولا أو انقضاء زمان ذلك الفعل. وأما الثاني: فلانه يكفي في الخروج عن اللغوية تأكيد داعي المكلف، لانه من الممكن أن لا ينبعث بامر واحد، ولكنه لو تعددت وتضاعفت الاوامر ينبعث نحو الفعل. ] (6) لا يقال: على هذا يلزم عقوبات غير متناهية ومثوبات كذلك. لانه يقال: لا بأس به، لان الآخرة دار خلود ولا فناء لنعيمها ولا زوال لنكالها، لكن يمكن الخدشة في ذلك: بان الاوامر غير المتناهية إن كانت عرضية، فلا بأس بصيرورتها داعية للمكلف، بان يتصور المكلف ايضا طبيعة الامر ويقصدها اجمالا، وأما إذا فرضنا لزوم الترتيب في الدواعي، بمعني حصول كل داع بتأثير داع سابق، فهذا لا يمكن في غير المتناهي، لانه بالفرض لا مبدأ لها، حتى يقال اثر كل سابق في اللاحق، وليس ذلك من قبيل العلم بالعلم، أو ما ينقطع التسلسل فيه بقطع الاعتبار. نعم إذا قيد المولى موضوع امره بالاول، بان يقول مثلا: أطع الأمر أو ببعض آخر، ينقطع التسلسل، لكن لو كان الملاك، الاطاعة، فلا وجه لتخصيص الحكم بالاول، إلا ان يقال بوجود المانع في بعض أقسام ما فيه الملاك، لكن التفصيل بين افراد الاطاعة مما لا يقبله الوجدان، ولم يعهد من أحد.


 

[ 13 ]

[ وأما الثالث: فلان اتيان الفعل ابتداءا بداعي الامر بالاطاعة ليس اطاعة للامر المتعلق به، ولكن اتيانه بداعي الامر المتعلق به بداعي الامر بالاطاعة - بحيث يكون الامر بالاطاعة داعيا الى ايجاد الداعي - لا يظر بصدق الاطاعة، ولا يكون الامر المتعلق به مولويا، كما لا يخفى. والاولى أن يقال في وجه المنع أن الارادة المولوية - المتعلقة بعنوان من العناوين - يعتبر فيها أن تكون صالحة لان تؤثر في نفس المكلف مستقلا (7)، لان حقيقتها البعث الى الفعل. وبعبارة اخرى هي ايجاب الفعل اعتبارا وبالعناية، والامر المتعلق بالاطاعة مما لا يصلح لان يؤثر في نفس المكلف مستقلا، لانه لا يخلو من أمرين: إما أن يؤثر فيه امر المولى أولا، فعلى الاول يكفيه الامر المتعلق بالفعل، وهو المؤثر لا غير، لانه اسبق رتبة من الامر المتعلق بالاطاعة. وعلى الثاني لا يؤثر الامر المتعلق بالاطاعة فيه استقلالا، لانه من مصاديق امر المولى، وقد قلنا أن من شان امر المولى امكان تأثيره في نفس العبد على وجه الاستقلال. هذا كله في القطع المتعلق بالحكم الواقعي الذي يكون طريقا محضا إليه (8). وما القطع المأخوذ في موضوع الحكم، فلا اشكال في امكان تقييده بحصوله من سبب خاص، كما أنه لا اشكال في امكان اعتباره على ] (7) لا يخفى ان اللازم في الامر أن يكون كذلك، مع قطع النظر عن معصيته، بمعنى أنه لابد ان يصلح للتأثير مستقلا لولا معصيته، من دون ارتباط باطاعة امر آخر أو معصيته، وكل من الاوامر في المقام هكذا. فتأمل تعرف. واعتبار الزائد في الامر يحتاج الى تأمل. (8) لا يخفى أن المقصود من حجية هذا القطع - بلا حاجة إلى الجعل - هو =


 

[ 14 ]

[ وجه الاطلاق، فيتبع دليل اعتباره. ثم اعلم أن القطع المأخوذ في الموضوع يتصور على اقسام (احدها) أن يكون تمام الموضوع للحكم (ثانيها) ان يكون جزءا للموضوع، بمعنى ان الموضوع المتعلق للحكم هو الشئ مع كونه مقطوعا به. وعلى أي حال إما أن يكون القطع المأخوذ في الموضوع ملحوظا على أنه صفة خاصة، وإما أن يكون ملحوظا على أنه طريق الى متعلقه. والمراد - من كونه ملحوظا على أنه صفة خاصة - ملاحظته من حيث أنه كشف تام، والمراد من كونه. = لزوم العمل به عقلا، وكون القطع محركا وباعثا نحو المقطوع به، وبهذا المعنى لا يمكن النهي عنه، ولا ارتداع المكلف عن العمل به، لا العذر عند الخطأ والتنجيز عن الاصابة، لان التنجيز عند الاصابة وإن لم ينفك عنه، لكن يمكن تحقق القطع وعدم معذورية المكلف مع الخطأ، كمن علم اجمالا بتحقق الخطأ في بعض اقسام القطع الحاصل له من بعض المقدمات العقلية مثلا، فانه لا يجوز له الاقتحام في تلك المقدمات، ولو حصل له القطع منها لم يكن معذورا عند الخطأ، وإن كان في العمل به مجبولا. ولو كان ذلك مراد المفصلين بين الحاصل من المقدمات الشرعية والعقلية، فلا بأس بالالتزام به، كما لو كان المراد عدم حصول القطع غالبا من المقدمات العقلية، واما لو كان المراد عدم جواز العمل بالقطع الحاصل من المقدمات العقلية، بعد حصوله، فلا فرق فيما ذكر من عدم احتياج حجيته الى الجعل، وعدم امكان النهي عنه، وعدم قابليته للامر بمتابعته بين الحاصل من أي سبب لاي شخص في أي مسألة. نعم على القول بالجمع بين الحكم الواقعي والظاهري بتعدد مراتب الاحكام، يمكن الالتزام بجواز النهي عن بعض اقسام القطع، بدخل قسم خاص موضوعا في فعلية الحكم، وان كان طريقا في الانشاء، ولعل كلام صاحب الفصول - في مقدمات الانسداد في مقام اختيار حجية خصوص الظن بالطريق - يبتني على ذلك، حيث قال بعد كلمات له: (وحاصل القطعين يرجع إلى قطع واحد، وهو أن الشارع كلفنا بمؤديات تلك الطرق) فراجع وتأمل في تصحيحه.


 

[ 15 ]

ملحوظا على أنه طريق - ملاحظته من حيث أنه احد مصاديق الطرق المعتبرة. وبعبارة اخرى ملاحظة الجامع بين القطع وسائر الطرق المعتبرة، فعلى هذا يصح أن يقال في الثمرة بينهما انه على الاول لا يقوم سائر الامارات والاصول مقامه، بواسطة الادلة العامة لحجيتها، أما غير الاستصحاب من الاصول فواضح، وأما الاستصحاب وسائر الامارات المعتبرة، فلانها بواسطة ادلة اعتبارها توجب اثبات الواقع تعبدا، ولا يكفي مجرد الواقع فيما نحن فيه، لان للقطع بمعنى الكشف التام دخلا في الحكم، إما لكونه تمام الملاك، وإما لكونه مما يتم به الموضوع. وعلى الثاني فقيام الامارات - المعتبرة، وكذا مثل الاستصحاب لكونه ناظرا الى الواقع في الجملة - مقامه مما لا مانع منه، لانه فيما يكون القطع على هذا المعنى تمام الموضوع، ففي صورة قيام احدى الامارات أو الاستصحاب، يتحقق مصداق ما هو الموضوع حقيقة (9)، وفيما يكون المعتبر هو الواقع المقطوع، فالواقع يتحقق بدليل الحجية تعبدا، والجزء الآخر وجدانا، لان المفروض عدم ملاحظة القطع في الموضوع من حيث كونه كاشفا تاما، بل من حيث أنه طريق معتبر، وقد تحقق مصداقه قطعا. (9) لكن لا يخفى عدم صحة التعبير عن ذلك بقيامها مقام القطع في الموضوعية، نعم هي قائمة مقامه من حيث الطريقية، هذا إذا كان القطع تمام الموضوع، وأما إذا كان الواقع ايضا، دخيلا، فيمكن التعبير بلحاظ احد جزئي الموضوع، وهو الواقع حيث أن الواقع تعبدا يقوم مقام الواقع الحقيقي، واما جزؤه الآخر فهو متحقق حقيقة، كما في تمام الموضوع.


 

[ 16 ]

[ (فان قلت) لو لم يكن العنوان الواقعي موضوعا للحكم - كما هو المفروض - فالامارات القائمة عليه لا يشملها دليل الحجية، حتى تصير مصداقا للطريق المعتبر، لان معنى حجيتها فرض مداليلها واقعة، وترتيب آثار الواقع عليها، والمفروض في المقام أن ما تعلقت به الامارة ليس له اثر واقعي، بل الاثر يترتب على العلم إن كان تمام الموضوع، وعلى الواقع المعلوم إن كان قيده. (قلت) أما فيما كان العلم تمام الموضوع، لو لم يكن لمتعلقه اثر اصلا، فما ذكرته حق لا محيص عنه، لكن نقول بقيام الامارات فيما لو كان للمتعلق اثر آخر غير مرتب على العلم، مثل أن يكون الخمر موضوعا للحرمة واقعا، وما علم بخمريته موضوعا للنجاسة مثلا، فحينئذ يمكن احراز الخمر تعبدا بقيام البينة، لكونها ذات اثر شرعي، وبعد قيام البينة يترتب عليها ذلك الحكم الآخر الذي رتب على العلم، من حيث انه طريق لتحقق موضوعه قطعا. وأما فيما كان العلم قيدا للموضوع، فيكفي في اثبات الجزء الآخر كونه ذا اثر تعلقي، بمعنى أنه لو انضم الباقي يترتب عليه الاثر الشرعي، وكم له من نظير، فان اثبات بعض اجزاء الموضوع - بالاصل أو بالامارة، والباقي بالوجدان - غير عزيز. ومما قررنا يظهر لك الجواب عن الاشكال الذي اورده شيخنا الاستاذ دام بقاه في هذا المقام على شيخنا المرتضى طاب ثراه، بما حاصله: أن قيام الامارات - وبعض الاصول مقام القطع المأخوذ في الموضوع جزءا على وجه الطريقية بمجرد الادلة العامة الدالة على حجيتها - يوجب الجمع بين اللحاظين لحاظ الموضوعية ولحاظ الطريقية، لان الملحوظ ]


 

[ 17 ]

في التنزيل إن كان نفس الظن والعلم، بمعنى أن الجاعل لاحظ الظن ونزله منزلة العلم في الآثار، فاللازم من هذا الجعل ترتيب آثار العلم على الظن، ولا يلزم منه ترتيب آثار الواقع على المظنون، وإن كان الملحوظ متعلقهما، بمعنى أن الجاعل لاحظ العلم والظن مرآة للمتعلق، فاللازم ترتيب آثار الواقع على متعلق الظن، ولا يجوز على هذا ترتيب آثار العلم على الظن. وعلى اي حال فلو تعلق الحكم بالخمر المعلومة مثلا، فدليل حجية الامارة - أو الاستصحاب المنزل للشك بمنزلة العلم - يتصدى لتنزيل احد الجزءين للموضوع، لان الجاعل لو اراد التنزيل في كليهما، لزم أن يجمع بين لحاظ العلم والظن في الامارة، أو العلم والشك في الاستصحاب طريقا وموضوعا، وهو مستحيل. وحاصل الجواب أنه بعد ما فرضنا اعتبار العلم طريقا بالمعنى الذي سبق، فادلة حجيتة الامارة أو الاستصحاب - وان لم تتعرض الا لتنزيل المؤدى منزلة الواقع - تكفي في قيام كل منهما مقام العلم، لاحراز الموضوع المقيد بعضه بالتعبد وبعضه بالوجدان، كما عرفت (10). ثم إنه دام بقاه تقصى عن هذا الاشكال بأنه بعد تنزيل المؤدى منزلة الواقع، فالواقع التعبدي معلوم، مثلا لو ورد دليل على حرمة الخمر (10) صحة هذا الجواب - على تقدير كون معنى اخذ القطع موضوعا بنحو الطريقية على ما ذكر - واضحة لا اشكال فيها. لكن قد يقال: بان معنى القطع كذلك جزءا للموضوع أو تمامه ليس أخذ جامع الطرق موضوعا، بل لشخص القطع دخل لا يقوم شئ مقامه الا بجعل على حده، وذلك لان القطع جهتين وحيثيتين: - >


 

[ 18 ]

[ المعلومة، وقامت البينة على أن هذا خمر، نعلم بواسطة دليل حجية البينة بان هذا الخمر تعبدا، فيتحقق هذا الموضوع بواسطة دليل الحجية والوجدان، فدليل الحجية يوجب ثبوت الخمر تعبدا، والعلم بان هذا خمر تعبدا = (الاولى) - نورانيته في نفسه، وهي جهة كونه صفة انسانية تباين الخارج. (الثانية) - جهة مظهريته ومنوريته للغير، وهي كونه فانيا في الخارج وحاكيا عنه، والناظر إليه بهذه الحيثية قد لا يرى الا الخارج، وقد يرى الخارج والطريق الخاص إليه بنحو مضى في علم الجنس، فان لوحظ في الموضوع على نحو الاول، فهو معنى اخذه صفة، وان لوحظ على النحو الثاني فهو معنى طريقيته المحضة. وإن اخذ على النحو الثالث فهو معنى أخذ الطريق موضوعا، ومعلوم أنه لو اخذ بهذا النحو ملحوظا في الموضوع، بمجرد دليل حجية امارة لا يصح قيامها مقامه، لفرض لحاظ طريق خاص في الموضوع وهو القطع. لكن قد اورد على هذ المعنى بعدم الواسطة بين الاخذ بنحو الطريقية، على أن يكون الجامع بين الطرق موضوعا للحكم، وبين اخذه بنحو الصفتية، وذلك القطع الملحوظ موضوعا قد لا يرى به الا صفة في المتعلق، وهو عدم الترديد فيه، من غير نظر الى كونه صفة خاصة في النفس. وبهذا المعنى لا ترديد في المتعلق في جميع الامارات، وقد يلاحظ كونه صفة في قبال سائر الصفات، وهو معنى الصفتية، لكن لا يخفى أن صفة الواقع مع القطع غير صفته مع الامارة، فان عدم الترديد فيه على الاول واقعي، بخلاف الثاني، فانه تعبدي. ثم إنه يمكن ان يقال بصحة قيام الامارة مقام القطع، وان كان له دخل في الموضوع على النحو الذي اشرنا إليه، بان يكون الجاعل لحجية الامارة حين الجعل ناظرا إلى آثار القطع، أعم من ان يكون مأخوذا في موضوعه شرعا، أو ما يترتب عليه عقلا، فانه يمكن للشرع التعبد بالعمل على الامارة كالعلم، وان كان لزوم العمل في العلم عقليا، فالجامع بين الحكمين هو ترتب اثر العلم، وسيأتي في الاستصحاب انشاء الله تعالى مزيد توضيح لذلك.


 

[ 19 ]

[ وجداني. وفيه أن اخذ بعض اجزاء الموضوع تعبدا وبعضها وجدانا انما يكون فيما إذا كان الجزء الوجداني مما اعتبر في الدليل الاول، كما إذا ترتب الحكم على الماء الكر الطاهر، فنقول كون هذا ماءا وجداني، وكونه كرا وطاهرا مثلا يتحقق بالاصل. وأما في مقامنا هذا فالجزء الوجداني ليس مما اخذ في الدليل الاول، لان الموضوع فيه هو العلم بالخمر الواقعية، لا الاعم منها ومن التعبدية، حتى يتحقق هذا الجزء بالوجدان، فلابد - في ترتيب اثر العلم بالخمر الواقعية على العلم بالخمر التعبدية - من تنزيل آخر. (فان قلت) ان الحكم في الموضوعات المقيدة انما رتب على المقيد من حيث انه مقيد، ولا شك في أن مجرد اثبات احد الجزءين بالاصل والآخر بالوجدان لا يوجب اثبات المقيد، فلا محيص عن ذلك، إلا أن تلتزم بان المقيد بالقيد التعبدي بمنزلة المقيد بالقيد الواقعي، فهنا نقول ايضا يكفي في ترتيب الحكم بالعلم بالخمر التعبدية. (قلت) الحكم المرتب على الماء الكر ليس مرتبا على المقيد أعني العنوان البسيط، بل الموضوع هو منشأ انتزاع ذلك العنوان اعني الماء حال كونه كرا، ولو سلمنا كون الموضوع هو البسيط. فنقول: إنه من الوسايط الخفية التي لا يراها العرف واسطة، ولاجل احد هذين الوجهين نقول: يكفي في ترتيب الحكم ثبوت جزء بالوجدان والباقي بالاصل، وهذ لا يتم في الخمر المعلومة، لان كون هذا المائع خمرا في الواقع لا يستلزم كون العلم المتعلق به هو العلم بكونه خمرا، كما أن العلم بكونه خمرا لا يستلزم كونه خمرا في الواقع.


 

[ 20 ]

[ وبعبارة اخرى مجرد تعلق علم بهذا المائع وكونه خمرا في الواقع، لا يكون منشأا لانتزاع الخمر المعلومة، بخلاف كون هذا الماء كرا، فتدبر. التجري ثم إنك قد عرفت مما سبق عدم تجويز العقل الاقدام على مخالفة القطع المتعلق بالتكليف، فلو أقدم على ذلك وصادف قطعة الواقع، فلا شبهة في استحقاقه العقوبة. وأما لو لم يصادف، فوقع النزاع والاختلاف بين العلماء (قدس سرهم) في حكمه. وتحقيق المبحث أن يقال إن النزاع يمكن ان يقع في استحقاق العقوبة وعدمه، فيكون راجعا الى النزاع في المسألة الكلامية، ويمكن أن يقع النزاع في ان ارتكاب الشئ المقطوع حرمته هل هو قبيح ام لا ؟ فتكون المسألة من المسائل الاصولية التي يستدل بها على الحكم الشرعي. ويمكن أن يكون النزاع في كون هذا الفعل اعني ارتكاب ما قطع بحرمته مثلا حراما شرعا أو لا، فتكون من المسائل الفقهية، فان كان النزاع في الاخير، فالحق عدم اتصاف الفعل المذكور اعني ما قطع بحرمته بالحرمة الشرعية. توضيح ذلك أن شرب المائع المقطوع خمريته في الخارج ينتزع منه عناوين. (منها) شرب الماء (ومنها) شرب مقطوع الخمرية (ومنها) شرب مقطوع الحرمة (ومنها) شرب المايع ]


 

[ 21 ]

(ومنها) التجري. ولا اشكال في عدم كون الاخير منها اختياريا للفاعل، فانه لم يكن محتملا لخطأ اعتقاده، فلم يقدم على هذا العنوان عن التفات، وهكذا الاول منها. وباقي العناوين وإن كانت اختيارية للفاعل، ضرورة أن مجرد كون الفرد الصادر عنه غير الفرد المقصود مع اشتراكهما في الجامع، لا يخرج الجامع عن كونه اختياريا، إلا أنه من المعلوم عدم النزاع في شئ من تلك العناوين، غير عنوان مقطوع الحرمة. وقد عرفت مما مضى عدم قابلية هذا العنوان للحكم المولوي، فان هذا الحكم نظير الحكم بحرمة المعصية ووجوب الاطاعة. هذا واما ما يظهر من كلام شيخنا الاستاذ دام ظله: من أن الفعل المتجري به لا يكون اختياريا اصلا، حتى بملاحظة العام الشامل للفرد المقصود وغيره، فلعله من سهو القلم. قال دام ظله - في طي استدلاله على عدم كون التجري حراما شرعا ما لفظه (مع ان الفعل المتجري به أو المنقاد - بما هو مقطوع الوجوب أو الحرمة - لا يكون اختياريا كي يتوجه إليه خطاب تحريم أو ايجاب، إذ القاطع لا يقصده الا بما قطع انه عليه من العنوان الواقعي الاستقلالي، لا بهذا العنوان الطاري الآلي، بل لا يكون اختياريا الصلا، إذا كان التجري أو الانقياد بمخالفة القطع بمصداق الواجب أو الحرام أو موافقته، فمن شرب الماء باعتقاد الخمرية لم يصدر منه ما قصده، وما صدر منه لم يقصده، بل ولم يخطر بباله. لا يقال إن ما صدر منه لا محالة يتدرج تحت عام يكون تحته ما قصده، فيسري إليه قصده، مثل شرب المايع في المثال.


 

[ 22 ]

فانه يقال: كلا، كيف يصير العام المتحقق في ضمن خاص مقصودا واختياريا، بمجرد قصد خاص آخر قصده بخصوصيته. نعم لو عمد الى خاص تبعا للعام، فصادف غيره من افراده، لم يخرج عن اختياره بما هو متحد مع ذلك العام، وان كان خارجا عنه بما هو ذلك الخاص) انتهى موضع الحاجة من كلامه دام بقاه. اقول: لا شك في أن كل عنوان يكون ملتفتا إليه حال ايجاده وكان بحيث يقدر على تركه يصير اختياريا، وان لم يكن موردا للغرض الاصلي، مثلا لو شرب الخمر مع العلم بكونها خمرا لا لانها خمر، بل لانها مايع بارد، يصح ان يعاقب عليه، لانه شرب الخمر اختيارا (11)، وإن لم يكن كونها خمرا داعيا ومحركا له على الشرب، لانه يكفي في كون شرب الخمر اختياريا، صلاحية كون الخمرية رادعة له، وكونه قادرا على تركه. ونظير هذا محقق فيما نحن فيه بالنسبة الى الجامع، فان من شرب مايعا باعقتاد انه خمر، يعلم بان هذا مصداق لشرب المايع، ويقدر على تركه، التجري (11) ويشهد لذلك تقبيح العقلاء - من قتل زيدا بزعم انه عمرو - في قتل اصل الانسان، والصائم الذي شرب الماء بزعم انه خمر في إفطار الصوم. لا يقال: ذلك مناف لما هو المعروف من أن المهملة لا اطلاق فيها إذا كانت بتبع الفرد. لانه يقال: معنى عدم اطلاقها عدم السراية إلى فرد آخر، مع خصوصيته المضادة للمحكوم عليه، لا عدم سراية العوض الى الجامع. مثلا لو باع فرسا، فبان حمارا، لا يقال بسراية البيع من جامع الحيوان الى الحمار، لا انه لو كان لبيع جامع الحيوان اثر، لا يترتب عليه.


 

[ 23 ]

[ فكيف يحكم بعدم كون شرب المايع إختياريا له، فان خص العنوان الموجود اختيارا بما كان محطا للارادة الاصلية للفاعل، فاللازم ان يحكم - في المثال الذي ذكرناه - بعدم كون شرب الخمر اختياريا، لعدم تعلق الارادة الاصلية بعنوان الخمر، كما هو المفروض. ولا اظن احدا يلتزم به، وإن اكتفى في كون العنوان اختياريا، بمجرد كونه معلوما وملتفتا إليه حين الايجاد، بحيث يصلح لان يكون رادعا له، فحكمه - بعدم كون الجامع فيما نحن فيه اعني شرب المايع اختياريا - لا وجه له. وكيف كان فالحكم - بعدم اختيارية العناوين المنطبقة على الفعل المتجري به باسرها، حتى الجامع لما هو واقع وما هو مقصود - مما لا ارى له وجها، فالاولى ما قلناه في المقام. ومحصله ان العناوين المتحققة مع الفعل المتجري به بين ما لا يكون اختياريا، وبين ما لا شبهة في عدم تحريمه، وبين ما لا يكون قابلا لورود النهي المولوي عليه. هذا على تقدير جعل النزاع في الحرمة الشرعية. واما لو كان مجرى النزاع كون الفعل المتجري به قبيحا ام لا، فالذي يقوى في النظر عدم كونه قبيحا اصلا، فانا إذا راجعنا وجداننا، لم نر شرب المايع المقطوع خمريته الا على ما كان عليه واقعا قبل طرو عنوان القطع المذكور عليه. والذي اوقع مدعي قبح الفعل في الشبهة هو كون الفعل المذكور - في بعض الاحيان - متحدا مع بعض العناوين القبيحة، كهتك حرمة المولى، والاستخفاف بامره تعالى شانه، وامثال ذلك مما لا شبهة في قبحه، وانت خبير بان اتحاد الفعل المتجري به مع تلك العناوين ليس دائميا، لانا نفرض الكلام فيمن اقدم على مقطوع الحرمة، لا مستخفا بامر المولى ولا جاحدا لمولويته، بل غلبت عليه شقوته، كاقدام فساق المسلمين على المعصية، ولا اشكال في أن نفس الفعل المتجري به


 

[ 24 ]

- مع عدم اتحاده مع تلك العناوين - لا قبح فيه اصلا. ومن هنا يظهر الكلام على تقدير جعل النزاع في استحقاق العقوبة، وانه لا وجه لاستحقاق الفاعل - من حيث انه فاعل لهذا الفعل الخارجي - العقوبة بعد عدم كونه محرما ولا قبيحا عقلا. نعم قد يقال باتصاف بعض الافعال - الموجودة في النفس مما هو موجب لتحريك الفاعل نحو الفعل - بالقبح، وبسببه يستحق موجده العقوبة. بيان ذلك ان العفل الاختياري لابد له من مقدمات في النفس، بعضها غير اختيارية من قبيل تصور الفعل وغايته والميل إليه (12)، وبعضها اختيارية من قبيل الارادة (13)، فما كان من قبيل الاول لا يتصف بحسن ولا قبح، ولا يستحق الشخص المتصف به مثوبة ولا عقوبة، ضرورة ان ما ذكر منوط بالافعال الاختيارية. وما كان منها من قبيل الثاني يتصف - في محل الكلام - بالقبح، كما انه في الانقياد (12) لا يقال: إذا كان الميل الى الشئ غير اختياري، فكيف يقع الحب تحت الامر، كمحبة الله ومحبة الرسول وعترته (سلام الله عليهم اجمعين) ؟ لانه يقال: ذلك باختيارية مباديها، بالنظر الى أفعال من امر بمحبته أو صفته، حتى يورث ذلك المحبة قهرا كما هو واضح. (13) قد مر ان اختيارية الارادة موقوفة على كونها عبارة عن حالة نفسانية توجد بعد تصور الفعل ونفعه وعدم المانع له، وتارة توجد بعد تصور نفع في نفسها، وان لم يكن في المراد مصلحة اصلا، كما أنه قد يمنع من تحققها تصور مفسدة اقوى من مفسدة ترك المراد. واختياريتها بهذا المعنى لا يحتاج الى دليل، وبذلك يقع تحت الامر، مثلا: لو نذر أحد قصد اقامة العشرة في مكان، وجب عليه العزم وقصد الاقامة، وكذلك يقع قيدا للمطلوب، كما في العبادات، ولو لا اختياريتها لما صح ذلك.


 

[ 25 ]

[ يتصف بالحسن، ويستحق الموجد له في النفس العقوبة فيما نحن فيه، كما يستحق المثوبة في الانقياد. والحاصل ان نفس العز على المعصية قبيح، وان لم تترتب عليه المعصية. نعم لو انجر إلى المعصية يكون اشد قبحا. (فان قلت) كيف يمكن ان تكون الارادة اختيارية، والمعتبر في اختيارية الشئ ان يكون مسبوقا بها، فلو التزمنا في الارادة كونها اختيارية لزم التسلسل. (قلت) انما يلزم التسلسل لو قلنا بانحصار سبب الارادة في الارادة، ولا نقول به، بل ندعي أنها قد توجد بالجهة الموجودة في المتعلق اعني المراد، وقد توجد بالجهة الموجودة في نفسها، فيكفي في تحققها احد الامرين. وما كان من قبيل الاول لا يحتاج الى ارادة اخرى، وما كان من قبيل الثاني حاله حال ساير الافعال التي يقصدها الفاعل، بملاحظة الجهة الموجودة فيها. ولازم ما ذكرنا أنه قد يقع التزاحم بين الجهة الموجودة في المتعلق والجهة الموجودة في الارادة، فيحنئذ ترجيح احدى الجهتين يستند إلى ارادة اخرى، فلو فرضنا كون الفعل مشتملا على نفع ملائم لطبع الفاعل، وكون ارادته مشتملة على ضرر يخالف طبعه، فترجيح ارادة الفعل إنما هو بعد ملاحظة مجموع الجهتين، والاقدام على الضرر المترتب على تلك الارادة، ولا نعنى بالفعل الاختياري إلا هذا. = وأما على زعم من تكون الارادة عنده عبارة عن الشوق المؤكد ليس الا، فبعض الاوقات وان كان اختياريتها باختيارية بعض مباديها، كتصور المراد أو الجزم إليه احيانا، لكن في الغالب لم تكن مسببة عن تلك المبادي. ولا محالة تكون قهرية. ولذا الجئ في الكفاية إلى الالتزام بكون العقاب والثواب من تبعات القرب والبعد، والتزم في التجري ايضا بالعقاب بذلك التقريب.


 

[ 26 ]

[ والدليل على ان الارادة قد تحقق لمصلحة في نفسها هو الوجدان، لانا نرى إمكان ان يقصد الانسان البقاء في المكان الخاص عشرة ايام، بملاحظة أن صحة الصوم والصلاة التامة تتوقف على القصد المذكور، مع العلم بعدم كون هذا الاثر مترتبا على نفس البقاء واقعا. ونظير ذلك غير عزيز، فليتدبر في المقام. (فان قلت) إن مجرد كون الفعل قبيحا بحكم العقل لا يوجب استحقاق العقوبة من المولى، لان العقوبة تابعة للتكليف المولوي، ولذا قيل إن التكاليف الشرعية الطاف في التكاليف العقلية. ومعنى هذا الكلام هو ان الاوامر والنواهي الصادرة من الله تعالى توجب زيادة بعث للعباد نحو الفعل والترك، لكونها موجبة للمثوبة والعقوبة، ولو كان حكم العقل بالحسن والقبح كافيا فيها، لما كانت التكاليف الالهية الطافا. ولا يمكن أن يقال باستكشاف حكم الشرع هنا بقاعدة الملازمة، لانا نقول - مضافا إلى منع تلك القاعدة بناءا على عدم كفاية الجهات الموجودة في الفعل للتكليف، إذ قد يكون الفعل حسنا عقلا، ولا يامر به الشارع، أو يكون قبيحا، ولا ينهى عنه، لعدم المصلحة في النهي عنه - ان الملازمة المذكورة انما تنفع فيما يكون قابلا للتكليف المولوي، وليس المقام كذلك، لان حال النهي المتعلق بارادة المعصية كحال النهي المتعلق بها. (قلت) فرق بين العناوين القبيحة، فان منها ما لا يكون لها ارتباط خاص بالمولى - من حيث انه مولى - كالظلم على الغير مثلا (ومنها) ماله ربط خاص به، كالظلم على نفس المولى والخيانة بالنسبة إليه، ففي الاول لو لم يتعلق به النهي المولوي، فلا وجه لعقاب المولى، بل هو كاحد العقلاء يجوز له ملامة الفاعل من حيث انه عاقل، وأما الثاني فيصح عقوبته من حيث هو مولى له. هذا محصل الكلام في المقام.


 

[ 27 ]

واما استدلالهم على حرمة الفعل المتجري به وكونه معصية بالاجماع، فمدفوع بعدم كشفه على قول المعصوم عليه السلام في المسائل العقلية، مضافا إلى مخالفة غير واحد. وأما مسألة سلوك الطريق المظنون خطره، فهو وان كان يظهر الاتفاق فيه منهم على كونه عصيانا، إلا أنه يمكن القول بكون الظن عندهم تمام الموضوع للحرمة الواقعية، فيخرج عن محل الكلام. واما ما ذكر من الدليل العقلي المعروف، فمحصل الجواب أنا نختار ثبوت العقاب على من اصاب دون من أخطأ. واما ما اورد على ذلك من لزوم ابتناء العقاب على امر غير اختياري، ففيه ان مدخلية امور غير اختيارية في صحة العقاب مما لا تضر عقلا، إذ ما من فعل اختياري الا كان للامور الغير الاختيارية دخل فيه، كتصور الفاعل والميل إليه، وانما يمنع العقل من العقاب على ما لا يرجع بالاخرة الى الارادة والاختيار. العلم الاجمالي وينبغي التنبيه على امور: (الاول) - ان العلم الاجمالي هل له اثر بحكم العقل، أو حاله حال الشك البدوي ؟ وعلى الاول، فهل يوجب حرمة المخالفة القطعية فقط، أو يوجب الموافقة القطعية ايضا. وعلى اي حال هل يصح للشارع الترخيص في خلاف ما اقتضاه أو لا ؟ وبعبارة اخرى هذا الاثر منه هل هو على نحو العلية التامة، بحيث لا يقبل المنع، أو على نحو الاقضاء. وملخص الكلام في المقام أنه لا شبهة في أن المقدم - على اتيان


 

[ 28 ]

[ جميع اطراف الشبهة التحريمية - حاله عند العقل حال من أقدم على المحرم المعلوم تفصيلا، وأي فرق بين من شرب من اناءين عالما بان احدهما خمر، وبين من شرب من اناء واحد عالما بانه خمر ؟ وانكار كون الاول معصية يرده وجدان كل عاقل. وأما الاقدام على ارتكاب احد الاناءين مع عدم قصد الآخر أو مع عدمه، فهو وإن لم يكن في الوضوح كالاول، لكن مقتضى التأمل عدم جوازه عند العقل ايضا، لوجود الحجة على التكليف الواقعي المعلوم، إذ لولاه لجازت المخالفة القطعية. وبعد ثبوت الحجة اشتغلت ذمة المكلف بامتثاله، فلا يجدي له الا القطع بالبراءة الذي لا يحصل الا بترك الاطراف (14). ولكن حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية ليس كحكمه بحرمة المخالفة القطعية، إذ الثاني حكم تنجيزي لا يقبل ان يرتفع، لان المخالفة القطعية حالها حال الظلم، بل هو من اوضح مصاديقه. والحال ان الاذن في العصيان مما لا يعقل، ولو كان معقولا لم يكن وجه لمنعه في العلم التفصيلي كما مر، فلو دل ظاهر دليل على ترخيص المخالفة القطعية، يجب صرفه عن ظاهره، بخلاف الموافقة القطعية التي تحقق بالاحتياط في جميع الاطراف، فان اذن الشارع - في ارتكاب العلم الاجمالي (14) ومن اتحاد مناط وجوب الموافقة القطعية مع حرمة المخالفة القطعية يعلم ان البحث فيه من تبعات ذلك البحث، ولا يناسب البراءة كما ذكره الشيخ (رحمه الله) نعم البحث في امكان الترخيص أو وقوعه وعدم امكانه أو وقوعه يناسب البراءة، وسيجئ انشاء الله تعالى.


 

[ 29 ]

[ محتمل الحرمة - ليس اذنا في المعصية (15)، والحكم بلزوم الاحتياط إنما هو من جهة احتمال الضرر وعدم الامن من العقاب، فإذا دل دليل على عدم وجوب الاحتياط، يؤمن به من العقاب. ومن هنا ظهر أنه لو دل بظاهره على جواز المخالفة القطعية، فلا بد من طرحه، لمنافاته لحكم العقل، بخلاف ما لو دل دليل على عدم وجوب الموافقة القطعية، والترخيص في بعض الاطراف إما على سبيل التعيين أو على سبيل التخيير، ويأتي في مبحث البراءة التعرض للادلة اللفظية، وأنها هل يستفاد منها الترخيص في ترك الاحتياط ام لا ؟ (15) قد يقال: إن الاذن في المخالفة الاحتمالية ايضا كالاذن في المخالفة القطعية، لانه ينجر إلى التناقض، لان فعلية التكليف واقعا - كما هو مقتضى العلم الاجمالي - يناقض عدم الفعلية في الطرف المرخص فيه. هذا على مبنى الجمع بين الحكمين بالفعلية والانشائية. واما على الترتب، فايضا يمكن ان يقال: إن العبد إذا علم بوجوب احد شيئين فعلا من جميع الجهات، فالاذن في ترك احدهما اذن في المعصية بنظره احتمالا، ونقض للغرض احتمالا، وكما لا يمكن تصديق العبد أن الحكيم أذن في المعصية قطعا، كذلك لا يمكن له احتمال ذلك، فكيف يمكن تصديق العبد الترخيص في المخالفة الاحتمالية مع انه ملازم عنده لاحتمال الاذن في المعصية ونقض الغرض ؟ نعم لو تم ما ذكره الشيخ (ره) من استلزام الاذن في البعض لبدلية الباقي للواقع، وقلنا بجواز جعل البدل - ولو كان الواقع على ما هو عليه من الفعلية - لصح الترخيص في البعض، لكن في الاستلزام المذكور - وجواز جعل البدل مع فعلية الواقع من جميع الجهات - ما لا يخفى. ويمكن ان يدفع الاشكال بوجه آخر، وهو أن يقال: إن الترخيص في بعض اطراف المعلوم بالاجمال إن كان بعنوان المولوية والشارعية، فهو ينافي ويناقض فعلية = [........... ]


 

[ 30 ]

= الحكم كائنا ما كان، وأما إذا كان بعنوان الارشاد إلى حكم العقل، فلا تنافي ولا تناقض في البين، كحكم العقل بترك احد الضدين في المتزاحمين، ما لم يكن اهم في البين، أو ترك المهم فيما كان مع فعلية التكليف فيهما من قبل المولى، بل وكحكم العقل في الشبهة البدوية بعدم المنع من الارتكاب من قبله، للقطع بعدم العقاب، لقبحه على الحكيم من دون بيان، إن قلنا بفعلية الاحكام من قبل الشارع حتى في الشبهات البدوية، وعدم اختلاف مرتبة الواقع مع الظاهر بالفعلية والانشائية، كما هو مبنى الاستاذ - دام بقاه - فان حكم العقل في تلك الموارد لا ينافي في الحكم الشرعي الواقعي، لان معنى فعلية الحكم الشرعي ان الحكم تام من الجهات الراجعة الى الشارع من دون نظر الى الموانع العقلية. والحاصل: انه لا اشكال في الكبرى، وان الارشاد غير مناف للحكم الواقعي. انما الكلام في الصغرى وتصوير الارشادية في المورد، مع أن العقل يحكم بوجوب الموافقة القطعية لولا ترخيص الشارع، والارشاد لا يتحقق الا في الحكم الشرعي المطابق لحكم العقل، دون المخالف له. فنقول: في بيانه وعلى الله الاتكال - يمكن ان يرى المولى الخبير - في مورد يحكم العقل بلزوم الموافقة القطعية - ما لو اطلع عليه العقل لم يحكم بها، بل يرخص في الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية، مثل أن يرى استلزام الاحتياط لتفويت بعض اغراض مهمة لم يطلع عليها العقل، فيرخص في تركه، والاكتفاء ببعض الاطراف ارشادا، مع حفظ الواقع على ما هو عليه من الفعلية، لما فيه من الجمع بين الغرضين، ومعلوم أن الارشاد بذلك في مرحلة الامتثال لا ربط له بمقام المولوية وجاعلية الحكم، حتى ينافي ما جعله في الواقع. لا يقال: إن الترخيص مع فعلية الواقع قبيح ولو ارشادا، لان مرجع ذلك إلى الارشاد إلى نقض الغرض، فان من يرى ابنه غريقا لا يصح له تقرير عبده إذا اشتبه عليه الابن بالعدو ولو ارشادا، ولو فعل ذلك لقبحه العقلاء، ويلزمونه برفع اشتباه العبد، الا مع صرف النظر عن الابن، فلابد من التزام عدم فعلية التكاليف الواقعية =


 

[ 31 ]

[......... ] = بالنسبة الى الغافلين وغيرهم من المعذورين، والا يلزم ما ذكرنا من المحذور، وهو تثبيت المولى عبده في تخلف ارادته وهو محال. لانه يقال: هذا فيما إذا انحصر الغرض في الاوامر في مصلحة المأمور به، كما في غالب اوامرنا. واما إذا كانت المصلحة في نفس الجعل، كما في اوامر الحكيم - تعالى شأنه - فلا تلزم تلك المحاذير، لان ما هو لطف على العباد - ويمتنع منعه على الحكيم - هو اصل الجعل، لا تسبيبه لادراك المصلحة خارجا، حتى ينافي ذلك تقرير حكم العقل بعدم لزوم الامتثال في المقام، حتى أن القائلين بلزوم المصلحة في متعلقات الاحكام لا يلتزمون باكثر من أن على الحكيم الجعل بمقتضاه، ومرحلة الامتثال ودرك المصلحة خارجة عن وظيفته. ولا يتوهم عدم لزوم امتثال مثل ذلك الامر، لان المصلحة حقيقة في جعله لافى الامتثال، كما في تكليف العصاة. لانه يدفع: بان الامر وإن كان عن المصلحة في نفس الجعل، لكنه حكم حقيقة، ويجب امتثاله. وقد مر في مبحث الاوامر تحقيق ذلك، وأن وجوب امتثال من اللوازم العقيلة للامر، من غير دخل لكون المصلحة في نفسه أو في المأمور به ولا فرق على ذلك بين تكليف العصاة وغيرهم. وكما لا يضر عدم ادراك المصلحة واقعا في تكليف العصاة، كذلك في الجاهل والغافل، وكل ما حكم العقل بالمعذورية، فان المناط كون نفس الجعل، لطفا لا ايصال المصلحة إلى العباد، حتى يلزم عليه رفع العذر بل واجباره على الاطاعة، عند التمكن. فلا اشكال في الالتزام بفعلية الاحكام في جميع الموارد التى يحكم العقل بكون المكلف معذورا فيها مع تقرير الشارع لحكمه، فان اللطف يقتضى جعل الحكم الفعلي من دون نقص في مقام جعله من قبل المولى وانما النقص من ناحية المكلف في مقام الامتثال، ولا يجري مثل ما ذكر في الاوامر الخارجة عن مورد ابتلاء المكلف لعدم صلاحية التكليف فيها للتأثير ولو بعد تمامية شرائط التنجيز. ويشترط في الحكم صلاحية ذلك، فالقياس مع الفارق. ويشهد لما ذكرنا - من تمامية التكليف في حق المعذور - انا بحد من انفسنا عدم تفاوت الحال =


 

[ 32 ]

(الامر الثاني) هل يكتفى في مرحلة السقوط بالامتثال الاجمالي، مع التمكن من الامتثال التفصيلي علما، أو بظن معتبر ام لا (16) ؟ لا اشكال في سقوط التكليف لو كان من التوصليات. وأما لو كان من العبادات المعتبر فيها قصد القربة، فاقصى ما يمكن به الاستدلال - على وجوب تحصيل العلم أو الظن المعتبر في مقام الامتثال وعدم الاكتفاء بالامتثال الاجمال - وجوه: (الاول) الاجماع المتسفاد من كلمات بعض الاعاظم، خصوصا فيما إذا اقتضى الاحتياط التكرار. (الثاني) عدم عد العقلاء من تمكن من تحصيل العلم بالواجب ] = في اوامرنا، بعد رفع العذر عقلا إلا من حيث حكم العقل بتجويز العقاب، بعد رفعه وعدمه قبله. نعم، يبقى في المقام اشكال: وهو أنه على ذلك يمكن الترخيص في المخالفة القطعية ايضا، بل وفي المخالفة المعلومة بالتفصيل كما أنه قد يحكم العقل بجوازها فيما إذا ابتلى المعلوم بمزاحم مثله، أو بوجبه فيما إذا ابتلى باهم منه، ولا يمنع عنه الشرع، بل يصح منه الارشاد إليه ايضا فما، المانع من ان يرى ان في مخالفته ادراك لمصلحة لو اطلع عليها العقل لا وجبها أو جوزها ؟. ويمكن الجواب عنه: بان كون الاحكام لطفا ليس الا بلحاظ صلاحيته للتأثير في نفس العبد، بعد تمامية شرائط التنجيز، فإذا منعها في هذا الحال مانع عن التأثير صارت لغوا ولم يتحقق اللطف اصلا. نعم، يبقى الكلام في امكان خروج بعض اقسام العلم، حيث انه يكفي في عدم اللغوية بقاء بعض اقسامه بحاله. كما لا يخفى. (16) أو يقال: إن الغرض كما اثر في حدوث الامر كذلك يؤثر في بقائه، فما لم يسقط لا يسقط كما في الكفاية.


 

[ 33 ]

- شخصا واكتفى باتيانه على نحو الاجمال - مطيعا، ألا ترى أن العبد إذا علم اجمالا بارادة المولى شيئا مرددا بين اشياء متعددة، ويقدر على تشخيص، ما اراده بالسؤال منه، فلم يسأل، وجاء بعدة امور أحدها مطلوب للمولى، يعد عابثا لاغيا، فكيف يوجب مثل هذا العمل القرب المعتبر في العبادات ؟ (الثالث) أن يقال يحتمل أن يكون للآمر غرض لا يسقط الا باتيان الفعل مع قصد الوجه التفصيلي، ومع هذا الاحتمال يجب الاحتياط. أما تحقق هذا الاحتمال في النفس، فلعدم ما يدل على نفيه. وأما وجوب الاحتياط، فلان هذا القيد المحتمل ليس مما يمكن دفعه باطلاق الدليل، ولا بالاصل، وان قلنا به في مقام دوران الامر بين المطلق والمقيد. أما الاول: فلكون القيد المذكور مما هو متأخر رتبة عن الحكم فلا يمكن دخله في الموضوع، فالموضوع بالنسبة إلى القيد المذكور لا مطلق ولا مقيد، والتمسك باصالة الاطلاق إنما يصح فيما يمكن ان يكون معروضا للقيد. واما الثاني: فلان موضوع التكليف بناءا على ذلك متعين معلوم بحدوده، وانما الشك في مرحلة السقوط، وليس حكمه الا الاشتغال. وفى الكل نظر. أما الاجماع فلعدم حجية المنقول منه، مضافا الى عدم الفائدة في اتفاقهم ايضا في مثل المقام، مما يكون المدرك حكم العقل يقينا أو احتمالا، إذ مع احتمال ذلك لا يستكشف رأى المعصوم عليه السلام. واما الدليل الثاني، فلان عدم عد العبد الآنى بعدة امور ممتثلا في بعض الاحين، إنما هو فيما يكون مقصوده الاستهزاء. وليس هذا محل


 

[ 34 ]

الكلام فيفرض فيما كان عدم تحصيل العلم التفصيلي منه، من جهة غرض عقلائي. والحاصل أن الكلام في ان الاطاعة الاجمالية يمكن أن تكون عبادة ومقربة، لا أن الاطاعة الاجمالية مقربة مطلقا، ولو كان قاصدا للاستهزاء. وأما الدليل الثالث، فقد اشبعنا الكلام فيه في بحث وجوب المقدمة (17). وذكرنا هناك عدم الفرق بين مثل هذه القيود المتأخرة رتبة عن الحكم. وساير القيود، فلا نطيل المقام باعادته. ومن اراد فليراجع. (17) بمنع لزوم الدور كما مر، وعلى فرض تسليم الدور يمكن أن يستكشف عدم تقيد الغرض بمعونة مناط مقدمات الحكمة، وهو لزوم نقض الغرض من عدم اظهار القيد ولو بدليل منفصل حيث اظهاره به. وأما على طريقة الاستاذ - دام بقاه - من ظهور اسناد الحكم الى المطلق في تعلق الحكم بالطبيعة بالصالة، لا بواسطة تعلقه ببعض افرادها، فيمكن ان يقال في المقام: إن الظاهر تعلق الطلب بها من حيث نفسها، لا من حيث كونها مقدمة لشئ آخر، بل يمكن استكشاف عدم القيد في المقام بقرينة اخرى، وهي كون قصد الوجه والتميز مغفولا عنه عند العامة، بحيث لا يمكن عدم اظهاره وايكاله إلى المكلف، وإن فرض عدما استشكافه عند الالتفات. هذا كله في الاطلاق واما الاصل العملي: فان كان الشك في تحقق العبادة بدون هذا القيد عقلا، فالاصل هو الاشتغال من دون حاجة الى الاستدلال، وأما إن كان الشك في دخله في الغرض مع القطع بتحقق العبادة بدونه، فالظاهر أنه من قبيل المطلق والمقيد وتجرى فيه البراءة، وإن قيل بعدم امكان دخله في المأمور به، لان الشك في السقوط ناش عن الشك في ثبوت الغرض، والغرض - على فرض لزوم تحصيله - إنما هو فيما كان ثبوته مقطوعا به، لا فيما شك ثبوته من اول الامر. فمن امر بشي، مع قطع المأمور بكون الغرض حصول شئ يجب الاحتياط باتيان كل ما يحتمل دخله فيه. وأما إذا أمر بشئ - مع احتمال ان يكون الغرض شيئا لا يحصل باتيان المأمور به - فلا يجب الاحتياط بمجرد هذا الاحتمال وذاك التقرير بعينه جار في = (*)


 

[ 35 ]

[ المخالفة الالتزامية (الامر الثالث) - هل المخالفة الالتزامية كالمخالفة العملية عند العقل أم لا ؟ ينبغى ان نفرض موردا لا تكون فيه مخالفة عملية أصلا، ولو على نحو التدريج، ونتكلم في جواز المخالفة الالتزامية فيه نفيا واثباتا. وهذا لا يفرض في الشبهة الحكمية، لعدم وجود فعل يكون واجبا في الشرع في ساعة معينة أو حراما كذلك (18) ثم يرتفع حكمه بعد تلك الساعة، فينحصر المورد في الشبهه الموضوعية، كالمرأة، المرددة ين المنذور وطيها في ساعة كذا، أو ترك وطيها كذلك. ومجمل القول فيه أن المخالفة الالتزامية في المثال المفروض تتصور على قسمين: (أحدهما) - عدم الالتزام بشئ من الوجوب والحرمة فيه. =


 
المطلق والمقيد، لاحتمال عدم حصول الغرض الباعث للامر المعلوم إلا باتيان المقيد، مع أن المقام أولى من سائر القيود لما ذكر من مغفولية القيد عند العامة، فيستكشف عن ارادة عدم الدخل، ولا تصل النوبة الى الاصل. المخالفة الالتزامية (18) الظاهر عدم الحاجة الى ساعة معينة، بل لو كان متعلق الوجوب أو الحرمة فعلا لا يتمكن المكلف من فعله وتركه، ولو من جهة عدم لحاظ الزمان فيه اصلا، كأن يعلم اجمالا أن الختان اما واجب وإما حرام، فانه - مع قطع النظر عن المبادرة والاسراع فيه، - لا يتمكن المكلف من المخالفة القطعية، كما لا يتمكن من الموافقة القطعية مطلقا، ولو مع لحاظ الاسراع، وكذلك لو شك في حرمة قتل المرتد بعد التوبة ووجوبه مثلا، فانه - مع قطع النظر عن الاستعجال، - لا يتمكن المكلف من الاحتياط فيه، ولا من المخالفة القطعية.

 

[ 36 ]

(ثانيهما) - الالتزام بحكم آخر غير ما علم واقعا. فنقول: إن ارد - القائل بوجوب الالتزام بالحكم، وعدم جواز المخالفة - وجوب الالتزام بالحكم الواقعي على ما هو عليه، سواء كان واجبا أو حراما، فهو مما لا ينبغى إنكاره، لان لازم التدين بالشرع والانقياد به، هو أن يتسلم ما علم انه حكم الشارع (19). وإن اراد لزوم التدين بشخص الحكم المجعول في الواقع، فهو مما لا يقدر عليه، لكونه مجهولا. نعم يقدر ان يبنى على وجوب هذا الفعل، سواء كان واجبا في الواقع أم حراما. وكذلك الكلام في الحرمة. وان اراد لزوم التدين باحد الحكمين على سبيل التخيير في الخبرين المتعارضين، فهو امر يقدر عليه، لكن لزومه يحتاج إلى دليل، إذ لولاه لكان البناء تشريعا محرما، وليس في المقام دليل، سوى ما يتوهم - من الادلة الدالة على وجوب الاخذ باحد الخبرين المتعارضين، عند عدم ترجيح احدهما على الآخر - من ان العلة في ايجاب الاخذ باحد الخبرين كون الحكم في الواقعة مرددا بين امرين، وهو فاسد، لعدم القطع بالملاك، واحتمال اختصاص الحكم بخصوص مورد تعارض الخبرين ] (19) وذلك لان الايمان ليس محض الاعتقاد، بل يحتاج مع ذلك الى التسليم المقابل للجحود الذي اشار إليه - تبارك وتعالى - بقوله - عز من قائل - (... جحدوا بها واستيقنتها انفسهم..) والظاهر انه مع التسليم بما جاء به صلى الله عليه وأله - لا يمكن عدم الالتزام بالواقع كيفما كان، لانه لا يجتمع مع التسليم المذكور، كما لا يخفى.


 
(1) سورة النمل (27): 14 (*)

 

[ 37 ]

- مضافا إلى أنه لو تم ذلك، لوجب في دوران الامر بين الاباحة والتحريم الاخذ باحد الحكمين، كما لا يخفى. والحاصل انه لا دليل على وجوب الالتزام بشخص حكم في الواقعة المشكوك فيها، ولا يجوز الالتزام به لكونه تشريعا. ومن هنا يظهر عدم المانع عقلا، للالتزام بحكم آخر غير الوجوب والتحريم في مورد الشك (20) كالاباحة إذا اقتضت ادلة الاصول ذلك، لان المانع المتصور هنا إما لزوم الالتزام بشخص الوجوب أو الحرمة، وهذا ينافى الالتزام بالاباحة. وإما لزوم الالتزام بالواقع المردد على ما هو عليه. اما الاول فمفقود لما عرفت. وأما الثاني فليس بمانع، لعدم المنافاة بين الالتزامين كما انه لا منافاة بين نفس الحكمين، لما حقق من عدم المنافاة بين الاحكام الواقعية والاحكام المجعولة في موضوع الشك، ومع عدم المنافاة بين نفس الحكمين لا يعقل أن يكون الالتزام باحدهما منافيا للالتزام بالآخر. هذا في الواقعة الواحدة التى لم تكن لها مخالفة عملية اصلا. وأما الوقايع المتعددة، كما لو دار الامر بين وجوب صلاة الجمعة دائما، أو حرمتها كذلك، فالكلام - في عدم وجوب الالتزام بشخص حكم من الشرع: من الوجوب أو الحرمة، بل حرمته - هو الكلام فيما سبق. وأما الالتزام بالحكم المخالف فمبنى على جريان دليل الاصل ] (20) نعم هنا كلام بالنسبة الى ادلة بعض الاحكام في مرحلة الاثبات، كأن يقال: إن دليل اصالة الحلية منصرف الى محتمل الحلية والحرمة، لا المردد بين الوجوب والحرمة، أللهم إلا أن يتمسك (برفع) بتقريب أن يقال: ان الحديث يدل على رفع المؤاخذة عما لا يعلم بعلم يؤثر في تحريك العالم، نحو ما علم ولو بالاحتياط. ومعلوم أن العالم باحد الحكمين من الوجوب والحرمة يتأثر من علمه فتأمل.


 

[ 38 ]

الدال على الاباحة، وهو موقوف على عدم حكم العقل بقبح المخالفة تدريجا. والحق عدم جريان دليل الاصل، لان المخالفة التدريجية قبيحة عند العقل كغيرها، إذ غاية ما يقال في عدم قبحها. أن الفعل في الزمان الآتى ليس متعلقا لتكليفه الفعلى، بل التكليف المتعلق به مشروط بوجود الزمان الآتى. والتكليف الفعلى ليس له مخالفة عملية قطعية أو يقال بأن المخالفة العملية القطعية وان كانت قبيحة مطلقا، إلا أن الامر في المقام دائر بين الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية، حتى لا توجد مخالفة قطعية، أو الموافقة القطعية المستلزمة للمخالفة القطعية، ولا نسلم ان العقل يعين الاول. أما الاول: فهو باطل، لما حققناه في مبحث مقدمة الواجب: من أن الواجب المشروط - بعد العلم بتحقق شرطه في محله - يكون كالمطلق عند العقل، فراجع، فالتكليف المتعلق بالفعل في الزمان الآتى في حكم التكليف الموجود الفعلى عند العقل، فكما أنه لو علم بوجوب احد الشيئين فعلا، يجب عليه الامتثال بالاتيان بكليهما، كذلك لو علم بوجوب فعل إما في هذا اليوم وإما في الغد يجب عليه الاحتياط باتيان الفعل في اليومين. هذا إذا تمكن من الاحتياط والموافقة القعطية. واما إذا لم يتمكن من الموافقة القطعية - كما فيما نحن فيه - يجب عليه ترك المخالفة القطعية. وأما الثاني، فلان عدم ارتكاب المخالفة القطعية متعين عند العقل، لما سمعته سابقا ونحققه في مبحث البراءة انشاء الله تعالى: من أن حكم العقل بقبح المخالفة القطعية تنجيزي، لا يمكن أن يرفع بالمانع (21). واما (21) وحاصل الكلام: أنه لو كان الامر دائرا بين غرضين في الواقع فيمكن الاذن في ترك احدهما لحفظ الآخر ولو ارشادا في مرحلة الامتثال، كما مر تفصيله في =


 

[ 39 ]

حكمه بوجوب الموافقة القطعية فليس كذلك، فانه إنما يكون على تقدير عدم ترخيص الشارع في الموافقة الاحتمالية. (فان قلت) الاذن في المخالفة القطعية التدريجية واقع في الشرع، كما في التخيير بين الخبرين المتعارضين، إن قلنا بكونه استمراريا، وكتخيير المقلد بين الاخذ بفتوى كل من المجتهدين فانه في كل منهما قد ينجر الامر الى المخالفة القطعية التدريجية، كما إذا كان احد الخبرين دالا على الوجوب، والآخر على الحرمة، وكما إذا افتى احد المجتهدين بالوجوب، والآخر بالحرمة. (قلت) موافقة الحكم الظاهري - في المثالين في كل واقعة - بدل للواقع، على تقدير المخالفة (22). ومثل هذه المخالفة التدريجية التى لها بدل، ليس ممنوعا عقلا، بخلاف ما إذا لم يكن لترك الواقع بدل اصلا، كما إذا رخص الشارع في ترك الواقع في هذا الزمان والزمان الآتى، فان هذا ترخيص في مخالفة الواقع بلا بدل. ] = المخالفة الاحتمالية، لكن المقام ليس كذلك، لعدم تزاحم في الواقع بين المحتملين، لامكان حفظهما واقعا، وإنما لا يمكن احرازهما وحفظهما في مرحلة الظاهر إلا بالاحتمال، بالتزام الفعل دائما أو الترك كذلك، فالتكافؤ ليس الا بين العلم بالموافقة واحتمال المخالفة. والعقل لا يجوز القطع بالمخالفة لعدم تحقق احتمال المخالفة. (22) إن كان المقصود من البدلية موضوعية الطرق والامارات في قبال الواقع، فله، وجه. وأما على الطريقية فالترخيص بخلاف الواقع، مع فرض كون الواقع محفوظا بمرتبته الواقعية - من المحبوبية والمبغوضية - يحتاج الى مزيد تأمل، ويأتى تفصيله في بحث البراءة انشاء الله تعالى.


 

[ 40 ]

[ المبحث الثاني في الظن والكلام فيه يقع طى امور: (الاول) أنه هل يمكن التعبد بالامارات غير العلمية عقلا ام لا ؟ والنزاع في هذا الامر بين المشهور وابن قبة (قدس الله اسرارهم) ومورد كلامهم وان كان خبر الواحد، إلا ان ادلة الطرفين تشهد بعموم محل النزاع. إذا عرفت هذا فنقول: إن الامكان يطلق على معان: (احدها) - الامكان الذاتي، والمراد به مالا ينافى الوجود والعدم بحسب الذات، ويقابله الامتناع بهذا المعنى، كاجتماع النقيضين والضدين. (ثانيها) - الامكان الوقوعى والمراد به مالا يلزم من فرض وجوده محذور عقلي ويقابله الامتناع بهذا المعنى. (ثالثها) - الاحتمال، كما هو أحد الوجوه في قاعدة الامكان في باب الحيض. لا اشكال في عدم كونه بالمعنى الاول موردا للنزاع إذ لا يتوهم احد من العقلاء أن التعبد بالظن يأبى عن الجود بالذات. كاجتماع ]


 

[ 41 ]

[ النقيضين، كما ان النزاع ليس فيه بالمعنى الثالث إذ الترديد والشك في تحقق شئ حاصل لبعض وغير حاصل للآخر، وهذا ليس امرا قابلا للنزاع، فانحصر الامر في الثاني. ثم لا يخفى أن المراد - من المحذور العقلي الذى فرض عدم لزومه في الامكان الوقوعى - انما هو الموانع العقلية لا عدم المقتضى وان كان يلزم من فرض وجود الشي مع عدم المقتضى محذور عقلي ايضا، لامتناع تحقق الشئ من دون علة، لانه لو كان المراد اعم من المقتضى وعدم المانع، لكان العلم بالامكان في شي مساوقا للعلم بوجوده، كما لا يخفى. وعلى هذا فمن يدعى العلم بالامكان بالمعنى المذكور، فدعواه راجعة الى العلم بانه على فرض وجوده لا يترتب عليه محذور عقلي، ولو شك في تحققه من جهة الشك في تحقق مقتضيه، ولا تصح هذه الدعوى إلا ممن يطلع على جميع الجهات المحسنة والمقبحة في المقام، مثلا من يعتقد بامتناع اجتماع الحكمين الفعليين في مورد واحد، لا يصح منه دعوى الامكان بالمعنى المذكور، إلا بعد القطع بعدم فعلية الاحكام الواقعية. وكذا الالقاء في المفسدة قبيح بحكم العقل، فمن يدعى امكان العتبد بالظن، لابد وأن يعلم بأن في العمل به مصلحة اعظم من المفسدة التى قد يتفق وقوع المكلف فيها بسبب التعبد به، ومتى يحصل العلم لاحد من طريق العقل. نعم لو ثبت بالادلة التعبد بالظن نستكشف ما ذكرناه. وهذا غير دعوى الوجدان، والقطع بعدم المحذور. فالاولى أن يقال - بعد رد الوجوه التى تذكر في المقام للمنع - بانا لا نقطع بالاستحالة، فلا مانع من الاخذ بالادلة التى اقيمت على حجية بعض الظنون، كما ستطلع عليها في الامر الثالث انشاء الله تعالى. ]


 

[ 42 ]

[ الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي وكيف كان قد استدل المانع بوجهين: (الاول) - انه لو جاز التعبد بخبر الواحد في الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله، لجاز التعبد به في الاخبار عن الله تعالى، والتالى باطل اجماعا، فالمقدم مثله. بيان الملازمة أن حكم الامثال فيما يجوز ومالا يجوز سواء، ولا يختلف الاخبار بواسطة اختلاف المخبر عنه، وكونه هو الله سبحانه أو النبي صلى الله عليه وآله، وإذا لم يجز التعبد به في الاخبار عن الله تعالى، لم يجز في الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله. والجواب منع بطلان التالى عقلا، لجواز ايجاب الشارع التعبد باخبار سلمان وامثاله عن الله تعالى، غاية الامر عدم الوقوع وليس هذا محلا للنزاع. (الثاني) ان العمل بخبر الواحد موجب لتحليل الحرام وتحريم الحلال، إذ لا يؤمن أن يكون ما اخبر بحليته حراما في الواقع، وبالعكس. وتوضيح الكلام أنه لا اشكال في أن الاحكام الخمسة متضادة باسرها، فلا يمكن اجتماع اثنين منها في مورد واحد. ومن يدعى التعبد بخبر الوحد يقول بوجوب العمل به، وان أدى الى مخالفة الواقع. وحينئذ لو فرضنا أن الامارة ادت إلى وجوب صلاة الجمعة، وكانت محرمة في الواقع ونفس الامر، فقد اجتمع في موضع واحد - أعنى صلاة الجمعة - حكمان: الوجوب والحرمة، وايضا يلزم اجتماع الحب والبغض والمصلحة والمفسده في شئ واحد، من دون وقوع الكسر والانكسار، بل


 

[ 43 ]

يلزم المحال ايضا على تقدير المطابقة للواقع، من جهة لزوم اجتماع المثلين، وكون الموضوع الواحد موردا لوجوبين مستقلين، وايضا يلزم الالقاء في المفسدة، فيما إذا ادت الامارة الى اباحة ما هو محرم في الواقع وتفويت المصلحة فيما إذا ادت الى جواز ترك ما هو واجب. هذا كله على تقدير القول بأن لكل واقعة حكما مجعولا في نفس الامر، سواء كان المكلف عالما به أو جاهلا، وسواء ادى إليه الطريق أو تخلف عنه، كما هو مذهب اهل الصواب. وأما على التصويب فلا يرد ما ذكرنا من الاكشال، إلا أنه خارج عن الصواب هذا، والجواب عنه وجوه: - (الاول) ما افاده سيدنا الاستاذ طاب ثراه: من عدم المنافاة بين الحكمين إذا كان الملحوظ في موضوع الآخر الشك في الاول. وتوضيحه أنه لا اشكال في أن الاحكام لا تتعلق ابتداءا بالموضوعات الخارجية، بل انما تتعلق بالمفاهيم المتصورة في الذهن، لكن لا من حيث كونها موجودة في الذهن، بل من حيث انها حاكية عن الخارج فالشئ ما لم يتصور في الذهن لا يتصف بالمحبوبية والمبغوضية. وهذا واضح. ثم إن المفهوم المتصور تارة يكون مطلوبا على نحو الاطلاق، واخرى على نحو التقييد. وعلى الثاني فقد يكون لعدم المقتضى في ذلك المقيد وقد يكون لوجود المانع (مثلا) قد يكون عتق الرقبة مطلوبا على سبيل الاطلاق، وقد يكون الغرض في عتق الرقبة المؤمنة خاصة، وقد يكون في المطلق، إلا أن عتق الرقبة الكافرة مناف لغرضه الآخر، ولكونه منافيا لذلك الغرض، لابد ان يقيد العتق المطلوب بما إذا تحقق في الرقبة المؤمنة، فتقييد المطلوب في القسم الاخير إنما هو من جهة الكسر والانكسار، لا لتضييق دائرة المقتضى، وذلك، موقوف على تصور العنوان ]


 

[ 44 ]

المطلوب أولا، مع العنوان الآخر المتحد معه في الوجود المخرج له عن المطلوبية الفعلية، فلو فرضنا عنوانين غير مجتمعين في الذهن، بحيث يكون المتعقل احدهما لا مع الآخر، فلا يعقل تحقق الكسر والانكسار بين جهتيهما، فاللازم من ذلك أنه متى تصور العنوان الذى فيه جهة المطلوبية يكون مطلوبا صرفا، من دون تقييد، لعدم تعقل منافيه ومتى تصور العنوان الذى فيه جهة المبغوضية يكون مبغوضا كذلك، لعدم تعقل منافيه، كما هو المفروض. والعنوان المتعلق للاحكام الواقعية مع العنوان المتعلق للاحكام الظاهرية مما لا يجتمعان في الوجود الذهنى ابدا (مثلا) إذا تصور الآمر صلاة الجمعة، فلا يمكن ان يتصور معها إلا الحالات التى يمكن ان يتصف بها في هذه الرتبة، مثل كونها في المسجد أو في الدار، وامثال ذلك. واما اتصافها بكون حكمها الواقعي مشكوكا، فليس مما يتصور في هذه الرتبة، لان هذا الوصف مما يعرض الموضوع بعد تحقق الحكم، والاوصاف المتأخرة عن الحكم لا يمكن ادارجها في موضوعه. فلو فرضنا أن صلاة الجمعة - في كل حال أو وصف يتصور معها في هذه الرتبة - مطلوبة بلا مناف ومزاحم، فارادة المريد تتعلق بها فعلا، وبعد تعلق الارادة بها تتصف باوصاف اخر لم تتصف بها قبل الحكم، مثل أن تصير معلومة الحكم تارة ومشكوكة الحكم اخرى. فلو فرضنا - بعد ملاحظة اتصاف الموضوع بكونه مشكوك الحكم - تحقق جهة المبغوضية فيه، يصير مبغوضا بهذه الملاحظة لا محالة، ولا تزاحمها جهة المطلوبية الملحوظة في ذاته، لان الموضوع بتلك الملاحظة لا يكون متعقلا فعلا، لان تلك الملاحظة ملاحظة ذات الموضوع مع قطع النظر عن الحكم، وهذه ملاحظته مع الحكم. (فان قلت) العنوان المتأخر وان لم يكن متعقلا في مرتبة تعقل


 

[ 45 ]

الذات، ولكن الذات ملحوظة في مرتبة تعقل العنوان المتأخر فعند ملاحظة العنوان المتأخر يجتمع العنوانان في اللحاظ فلا تعقل المبغوضية في الرتبة الثانية مع محبوبية الذات. (قلت) تصور ما يكون موضوعا للحكم الواقعي الاولى مبنى على قطع النظر عن الحكم، لان المفروض كون الموضوع موضوعا للحكم، فتصوره يلزم ان يكون مجردا عن الحكم، وتصوره بعنوان كونه مشكوك الحكم لابد وان يكون بلحاظ الحكم، ولا يمكن الجمع بين لحاظ التجرد عن الحكم ولحاظ ثبوته. وبعبارة اخرى صلاة الجمعة - التى كانت متصورة في مرتبة كونها موضوعة للوجوب الواقعي - لم تكن مقسما لمشكوك الحكم ومعلومه، والتى تتصور في ضمن مشكوك الحكم تكون مقسما لهما، فتصور ماكان موضوعا للحكم الواقعي والظاهري، معا يتوقف على تصور العنوان على نحو لا ينقسم إلى القسمين وعلى نحو ينقسم اليهما. وهذا مستحيل في لحاظ واحد (23). فحينئذ نقول متى تصور الآمر صلاة الجمعة بملاحظة ذاتها، تكون مطلوبة، ومتى تصورها بملاحظة كونها مشكوكة الحكم، تكون متعلقة لحكم آخر. فافهم وتدبر، فانه لا يخلو من دقة. الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي (23) ونظير ذلك تصور مفهوم الانسان بحيث يقع موضوعا للكلية والجزئية، فان الموضوع في الاول وان كان ذاتا عين موضوع الثاني، لكن تصوره - بنحو يصح حمل الكلية عليه - لا يجتمع مع تصوره بنحو يصح حمل الجزئية عليه، لانه في الاول يحتاج الى تجريد النظر عن جميع خصوصيات الذات حتى لحاظ التجريد، وفي الثاني لابد ان =


 

[ 46 ]

= [....... ] تلاحظ الذات مع الخصوصية، وهما لا يجتمعان نعم يمكن النظر إلى الموضوع في القضيتين بنظرة فوق النظرتين، للحكم باتحادهما ذاتا، وذلك لا ينافي عدم اجتماعهما في اللحاظ الاول. وبما ذكرنا ظهر اندفاع ما توهم: من أن دخل حال تجرد الذات ولو في الحكم يوجب القطع بعدم الحكم مع الشك، وذلك، لان المشكوك في حكمه مع قطع النظر عن صفة المشكوكية مشكوك في حكمه، وذلك المشكوك فيه هو الحكم الواقعي. وفي هذا اللحاظ لا يرى موضوع الحكم الظاهري. ومع لحاظ الشك في حكمه الواقعي مقطوع الحكم، وهذا المقطوع به هو الحكم الظاهري، وفي هذا اللحاظ ايضا لا يرى موضوع الحكم الواقعي، حتى يحكم بمشكوكية حكمه أو مقطوعيته. ثم إنه لا يخفى عدم ابتناء الجمع بما ذكرنا على جواز اجتماع الامر والنهي، بل يجري على الامتناع ايضا، لان مناط الامتناع هو تضاد الامر والنهي في الخارج إما لكون الخارج موطنا لهما ابتداءا، وإما لسرايتهما من الطبائع الى الخارج على اختلاف فيه، فمتعلقهما بالاخرة واحد شخصي خارجي، ولو كان في الذهن متعددا، وهو محال. بخلاف المقام، فان الخصوصية المأخوذة في كل من الحكمين ذهنية، ومعلوم أن الحكم المجعول للطبيعة مع خصوصية ذهنية لا يسري إليها مجردة عن تلك الخصوصية أو مقيدة بخصوصية اخرى ذهنية، فالحكم المجعول للذات في لحاظ التجرد لا يسري إليها مع خصوصية مشكوكية حكمها، نظير الحكم المجعول للغنم في لحاظ التجرد عن الاوصاف الطارية كالغصبية، فانه لا يسري إليه مع اخذ تلك الخصوصية فيه، بخلاف النهي المتعلق بالحركة والتصرف في ملك الغير من دون لحاظ التجرد عن خصوصية فيه، فانه يسري الى الحركة الخارجية وان كانت مصداقا للصلاة. نعم فرق بين المقام وما مثلنا به من حكم الغنم، حيث انه تحدث في الغنم بسبب الغصب مفسدة تغلب على جهة الحلية، بخلاف الحكم الظاهرى، فان الاعتبار يقتضى ان تكون المصلحة في نفس الجعل لا في ترك الواقع، فالواقع يكون بحاله من دون معارضة شئ لمصلحته، ولذا لا تصويب اصلا، لان الحكم الواقعي فعلي في حق =


 

[ 47 ]

[......... ] = الجاهل كما هو، ولا مانع من استحقاق العقوبة عليه الا رفع العذر عن المكلف، وهو معنى حكم الله على العالم والجاهل سواء. وأما أنه لا حكم سواه حتى في مرتبة الظاهر، فلا يكون اجماعيا، بل عكسه يكون معلوما ظاهرا. وأما الحكم الظاهري فحيث لم يكن في مرتبة الواقع، فلا حب فيه ولا بغض، بل كلما ينظر الآمر في المرتبة الاولى الى الذات يرى البعث والزجر بالنسبة إليها فعليا، وكلما ينظر في الرتبة الثانية إليها لا يراها محبوبة ولا مبغوضة، وكذلك المكلف كلما يصرف النظر إليها في الرتبة الاولى يراها مشكوكة الحكم، وكلما يصرف النظر إليها في الرتبة الثانية يراها مقطوعة الحكم. فتحصل: انه لا منافاة بين الارادة والترخيص لا في مقام المصلحة، ولا في مقام الجعل، ولا في مقال الامثتال. أما الاول: فلعدم مصلحة في الحكم الظاهري في قبال الواقع، وإنما المصلحة في الجعل، كما مر مفصلا، بل لا يمكن اختلاف مصلحة الذات بلحاظ حالات المكلف من الشك، لان المصلحة تابعة لتأثيرها. وأما الثاني: فلما مر من تنظير الجعل في المقام بالحكم بالكلية في الكليات فراجع. وأما الثالث: فلان المكلف - في حال يؤثر في نفسه الحكم الظاهري - لا يكون الحكم الواقعي محركا له. لا يقال: كما لا يمكن اجتماع البعث والزجر، كذلك لا يمكن البعث نحو المبغوض، مثل ان يبعث الانسان نحو قتل ولده، فانه محال، ولو مع عدم النهي، فان النهي وان كان بنظر الآمر مقيدا بحال التقيد في هذا التقريب لكن المبغوضية حسب الفرض غير مقيدة، فلا يمكن البعث الا مع الكسر والانكسار، ولو مع مصلحة الجعل، فان المبغوض من جهة قد تطرأ عليه المحبوبية الفعلية من جهة طرو مصلحة عليه، كالادوية المرة المنفورة، فانها تصير مطلوبة لتوقف ارتفاع المرض أو دفعه عليها، مع الكسر والانكسار، فالواقع يبقى بلا مصلحة غير مزاحمة، فينجر الامر إلى التصويب، وكون =


 

[ 48 ]

[ الوجه الثاني ما افاده طاب ثراه ايضا، وهو أن الاوامر الظاهرية ليست باوامر حقيقية، بل هي ارشاد إلى ما هو اقرب إلى الواقعيات. وتوضيح ذلك - على نحو يصح في صورة انفتاح باب العلم، ولا يستلزم ] = الحكم الظاهري بلا مصلحة لا في ذاته ولا في جعله، ومع المصلحة فيه فيشبه هذا التقريب كلام شيخ الطائفة من ان كوننا ظانين بصدق الراوي صفة من صفاتنا، غاية الامر ان المصلحة في الجعل لا في المجعول. لانه يقال: نعم إذا طرأت على نفس الفعل جهة ذات مصلحة اقوى أو مساوية مع الواقع، فلا اشكال في الكسر والانكسار. وانما الكلام فيما إذا كانت بشئ خارج عن ذات الفعل، كما في الضدين مثلا، ولو كان احدهما اهم، فان اهميته لا تنافي فعلية المهم بالمعنى الذي ذكرنا: من عدم المانع من قبل المولى في مطلوبيته، فمصلحة الجعل من قبيل احد الضدين، وان كان اقوى بمراتب من الواقع لكن مع ذلك لا تنافي فعلية الواقع على ما هو عليه. والحاصل: ان اللطف يقتضي الجعل للجاهل والغافل على طبق مصلحة الواقع، بل وللعاصي مع العلم بعصيانه، لان درك المصلحة ليس علة للجعل حتى ينتفي الجعل بانتفائه، وليست المصلحة متعلقة للارادة، حتى يلزم تخلف المراد عنها، بل نفس الجعل مطابقا للمصلحة لطف، وكذلك قد تكون المصلحة في الجعل بخلافه اهم من احراز الواقع، خصوصا فيما يتوقف احرازه بجعل الاحتياط، حيث يمكن أن يكون المحذور فيه اشد من محذور ترك الواقع. هذا كله حال الجهل بالواقع، وأما العلم فلا يمكن دخل تجرده في الحكم الواقعي وان كان في اختلاف الرتبة مع الواقع نظير الشك، وذلك، لان حال الشك في الواقع حال لم يؤثر فيه الواقع، فلا مانع للجعل بخلافه، بخلاف حال العلم، فان معنى التكليف ان يكون مؤثرا بعد العلم ورفع العذر فالتقييد بعدمه يستلزم نفي اسم التكليف عنه. ولا فرق في ذلك بين التفصيلي والاجمالي بالنسبة الى المخالفة القطعية، واما الاحتمالية فسيجئ الكلام فيها في الاشتغال - انشاء الله تعالى - وان مرت الاشارة إليها اجمالا في بعض المباحث السابقة.


 

[ 49 ]

تفويت الواقع من دون جهة - ان نقول إن انسداد باب العلم - كما انه قد يكون عقليا - كذلك قد يكون شرعيا، بمعنى أنه وإن أمكن للمكلف تحصيل الواقعيات على وجه التفصيل، لكن يرى الشارع العالم بالواقعيات أن في التزامه بتحصيل اليقين مفسدة، فيجب بمقتضى الحكمة دفع هذا الالتزام عنه، ثم بعد دفعه عنه، لو احاله الى نفسه، يعمل بكل ظن فعلى من أي سبب حصل، فلو رأى الشارع - بعد أن آل امر المكلف الى العمل بالظن - أن سلوك بعض الطرق اقرب الى الواقع من بعض آخر، فلا محذور في ارشاده إليه. فحينئذ نقول اما اجتماع الضدين فغير لازم (24)، لانه مبنى على كون الاوامر الطريقية حكما مولويا. واما الالقاء في المسفدة وتفويت المصلحة، فليس بمحذور، بعد ما دار امر المكلف بينه وبين الوقوع في مفسدة اعظم. الوجه الثالث ان يقال ان بطلان ذلك مبنى على عدم جواز اجتماع الامر والنهى، لان المورد من مصاديق ذلك العنوان، فان الامر تعلق بعنوان العمل بقول العادل مثلا، والنهى تعلق بعنوان آخر مثل (24) لكن يرد عليه: ان الاوامر الطريقية وان لم تكن باحكام لكنها مع ارشاديتها تستلزم الترخيص في ترك المطلوب الفعلي، والاذن في اتيان المبغوض الواقعي. ولا يصح ذلك الا مع الالتزام بما التزمنا به من دخل حال التجرد عن الشك في الحكم الواقعي، والا عادت المحذورات السابقة، كما لا يمكن حفظ فعلية الواقع مع الترخيص بالحرج، بل قد يقال بانه لا يمكن التصديق بذلك الارشاد، لانه من علم بفعلية الحكم - على اي تقدير، وظن وجوده في بعض اطراف العلم - كيف يصدق الارشاد باتيان الطرف الآخر، مع كونه مظنون العدم عنده، فان كان ولابد، فلابد من الالتزام بدخل الشارع بعنوان الشرعية حتى ينحل العلم. وأما بعنوان الطريقية المحضة فلا يستقيم إلا بما قلنا: من دخل حالة التجرد فتدبر جيدا.


 

[ 50 ]

[ شرب الخمر، وحيث جوزنا الاجتماع وبيناه في محله، فلا اشكال هنا ايضا. لا يقال جواز اجتماع الامر والنهى على تقدير القول به إنما يكون فيما تكون هنا مندوحة للمكلف كالامر بالصلاة والنهى عن الغصب، لا فيما ليس له مندوحة. وما نحن فيه من قبيل الثاني، لان العمل بمضمون خبر العادل (مثلا) يجب عليه معينا، حتى في مورد يكون مؤدى الخبر وجوب شئ، مع كونه حراما في الواقع بخلاف الصلاة، لعدم وجوب تمام افرادها معينا، بل الواجب صرف الوجود الذى يصدق على الفرد المحرم، وعلى غيره. لانا نقول اعتبار المندوحة في تلك المسألة إنما كان من جهة عدم لزوم التكليف بما لا يطاق، وفيما نحن فيه لا يلزم التكليف بما لا يطاق، من جهة عدم تنجز الواقع فلم يبق في البين الا قضية اجتماع الضدين والمثلين وهو مدفوع بكفايه تعدد الجهة. وفيه أن جعل الخبر طريقا الى الواقع، معناه أن يكون الملحوظ في عمل المكلف نفس العناوين الاولية (25) (مثلا) لو قام الدليل على وجوب صلاة الجمعة في الواقع، فمعنى العمل على طبقه أن يأتي بها على انها واجبة واقعا، فيرجع ايجاب العمل به إلى ايجاب الصلاة على أنها واجبة واقعا فلو فرضنا كونها محرمة في الواقع يلزم كون الشئ الواحد من جهة واحدة محرما وواجبا، فليس من جزئيات مسألة اجتماع الامر والنهى التى قلنا بكفايه تعدد الجهة فيها. فافهم. (25) ؟ بذلك أن الاصح في تصوير امكان الجمع هو التقريب الاول، واما الالتزام يكون الواقع انشائيا - كما التزم به المحقق الخراساني (قدس سره) في حاشية =


 

[ 51 ]

[........ ] = الفرائد - ففيه: ما اورد عليه في الكفاية (تارة) بعدم لزوم الاتيان حينئذ بما قامت الامارة على لزومه، و (اخرى) باستلزام الجمع المذكور احتمال ثبوت المتنافيين، وهو محال كالقطع به، وإن كان الاول من الايرادين لا يخلو من اشكال بعد تصديق قيام الامارة مقام العلم في بلوغ الحكم بقيامها عليه مرتبة الفعلية، لان الامارة حينئذ كالعلم، والذي ادت إليه الامارة كالمعلوم، فيصير منجزا، ولا نحتاج الى اثبات الحكم الذي ادت إليه الامارة بالامارة، حتى يقال: لا يثبت بها الا ذات الحكم، بل يثبت احد جزءيه - وهو الحكم - بالامارة، وجزؤه الآخر - وهو اداء الامارة إليه - بالوجدان. نعم في كون الامارة كالعلم في بلوغ الحكم مرتبة الفعلية اشكال، لان مؤدى الامارة ينزل منزلة الواقع، وبالفرض لا يكون الواقع الا انشائيا، فما الذي جعله فعليا ؟ وأما ما التزام به (قدس سره) في الكفاية من كون التعبد بالطريق عبارة عن جعل الحجية، من دون استتباع لانشاء احكام تكليفية بل ليست الحجة الا الموجبة لتنجز التكليف عند الاصابة، ولصحة الاعتذار عند الخطأ. ففيه: أن الحجية غير قابلة للجعل، لانها عبارة عن صفة يقطع بها العذر، أما العلم فوجود هذه الصفة له تكويني، لان اراءة المعلوم ذاتي له، وما ليس له تلك الصفة تكوينا لا يمكن جعلها له تشريعا ولو كانت الحجية قابلة للجعل لكان اللازم ان تكون متعلقة للعلم تارة وللجهل اخرى. ولازم ذلك عدم المعذورية حتى مع الجهل به، والا فلا معنى للحجية. وبطلان ذلك واضح، لان المعذورية من اثر العلم، ولا يتوهم ان الحجية امر واقعى ولكن العلم متمم لها، فما لم تعلم لم تكن تامة، لان الاشكال في المتممية عين الاشكال في اصل الجعل، فان العقاب بلا بيان قبيح، ولا يمكن رفع قبحه بجعل ما ليس ببيان بيانا. لا يقال: بنفس ذلك الجعل يتم البيان. لانه يقال: معنى ذلك الجعل ليس الا جعل العقاب بلا بيان، اللهم الا ان يقال: انه عقاب بلا بيان، مع قطع النظر عن هذا الجعل. وأما معه والعلم به فيكون = (*)


 

[ 52 ]

[......... ] نفس ذلك بيانا، فانه يصح ان يقول احد: انى اعاقب مع الشك فان مرجع ذلك إلى ايجاب الاحتياط، كما ان العقل يحكم بوجوبه معه، بل يمكن ان يقال ان مرجع ايجاب الاحتياط إلى ذلك ايضا فتأمل. واما ما التزم به (قدس سره) في موارد الاصول المرخصة، من دون نظر الى الواقع من فعلية الحكم الواقعي، لكن بحيث لو علم به لتنجز. ففيه: ان التنجز ليس مما يصح تعليقه من قبل الشارع بل الحكم به من وظيفة العقل، ولو كان تعليقه من قبل الشارع ممكنا، لصح تعليقه بالعلم الحاصل من سبب خاص مثلا، ولا يلتزم به. هذا إذا كانت الفعلية تامة. وأما إذا كان المقصود أن الفعلية ذات مراتب وليس الحكم الواقعي فيها بمرتبة يجب امتثاله. فيرد عليه ما اورده من الايرادين على الجمع المختار له في الحاشية، لكن الظاهر ان المقصود كون الحكم فعليا تاما، ومع ذلك كيف يمكن الترخيص بل تعود المحذورات كلا. وأما ما اورد عليه من ان الحكم الظاهري إما حكم، فيضاد الواقعي، وإما ليس بحكم فلا يجب امتثاله، فالظاهر عدم وروده عليه، لان المقصود أن الحكم الظاهري لما كان بلحاظ الواقعي ففي نفسه ليس بحكم حقيقة، بل كالعلامة ان اخطأ ليس بشئ وان اصاب فهي عين الواقع. لا يقال: على ذلك فهو مردد بين الحكم واللاحكم، فلا يعلم انه يجب امتثاله ام لا ؟ لانه يقال: إذا علم المكلف بالامر يجب بحكم العقل امتثاله، ما لم يعلم أنه لا حقيقة له، فالعلم بالامر موضوع لوجوب الاطاعة إلا بعد العلم بكونه صوريا. ومن ذلك يعلم عدم ورود اشكال آخر عليه، وهو الاشكال بعدم الفرق بين الاصول الناظرة الى الواقع وغيرها، حيث التزم في خصوص الثاني بورود الاشكال، ودفعه بما ذكر، دون الاول، وذلك لان الاصول الناظرة ليس فيها ترخيص في قبال الواقع =


 

[ 53 ]

[ الامر الثاني تأسيس الاصل المعول عليه في المقام اعلم ان الحجية عبارة عن كون الشئ بحيث تصح به المؤاخذة والاحتجاج، ولا ملازمة بين هذا المعنى وجواز التعبد (26) إذ من الممكن تحقق هذا المعنى وعدم جواز التعبد به، كالظن في حال الانسداد، بناءا على الحكومة. وهذا المعنى إن ثبت بالدليل، فلا اشكال فيه، وان شك فيه فهل لواقعه اثر على تقدير ثبوته ام لا ؟ بل يكون ما شك في حجيته مع ما علم بعدم حجيته سواء، وان كانت حجة في الواقع. والحق فيه التفصيل. وبيان ذلك ان للحجة اثرين: (احدهما) - اثبات الواقع وتنجيزه على تقدير الثبوت (ثانيهما) اسقاطه كذلك (الاول) ما يكون قائما على حكم الزامي من الوجوب أو الحرمة، وكان مطابقا للواقع، فانه يصحح العقوبة على ذلك الحكم الواقعي. (والثانى) ما يكون قائما على رفع الالزام في مورد، لولاه لكان مقتضى ] = حقيقة، بل اما صوري واما عين الواقع، بخلاف غيرها، فانها حقيقة ترخيصات، فلابد لجمعها مع المنع الواقعي من محيص. تأسيس الاصل (26) الحجية بالمعنى المذكور وان لم تكن ملازمة لجواز التعبد لكنها بهذا المعنى غير قابلة للجعل، كما اوضحناه في الحاشية السابقة. والشك فيها ليس الا لعدم درك العقل لها، وهو مساوق لعدمها، وبالمعنى الذي يمكن جعلها من قبل الشارع، ويصح الشك فيها ملازمة لجواز التعبد بها من الشارع، والحجة المشكوكة بعد الفحص لم يبق لها اثر إلا عدم جواز التعبد بها من الشارع، ولعله لذلك عنون الشيخ (قدس سره) هذه المسألة بعنوان التعبد فراجع.


 

[ 54 ]

[ العقل الاحتياط، كاطراف العلم الاجمالي. (اما القسم الثاني) فلا ينفع الواقع المشكوك فيه قطعا مطلقا، ضرورة أن من علم اجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة عليه، فلم يأت بالظهر مثلا، وكان هو الواجب واقعا، يصح ان يعاقب عليه وان كان الدليل على عدم وجوبه موجودا في الواقع، بحيث لو اطلع عليه لكان حجة له على المولى. (واما القسم الاول) فتارة يفرض بعد الفحص وعدم الظفر، واخرى قبل ذلك، أما في الاول فالوجود الواقعي للدليل ليس له اثر في حقه قطعا، إذ ليس الوجود الواقعي للحكم الطريقي اقوى من الوجود الواقعي للحكم الاولى، فبعد الفحص وعدم الظفر بالحكم ولا بدليله، يحكم العقل بالبراءة قطعا. وأما في الثاني: فهو على قسمين (تارة) يكون بحيث لو تفحص عن الدليل لظفر به. و (اخرى) لا يكون كذلك، فان قلنا بان الشك قبل الفحص كنفسه يصحح العقوبة على الواقع على تقدير الثبوت في كلا القسمين فوجود الدليل بحسب الواقع ايضا لا اثر له، لان المنجز فيما يكون الدليل موجودا في الواقع ايضا نفس الشك، وان قلنا بان المصحح للمؤاخذة ليس نفس الشك، بل وجود الدليل إن كان، بحيث لو تفحص عنه لظفر به هو المصحح، فالشاك مردد امره بين ان يكون له دليل يصل إليه بعد الفحص، فتصح عقوبته، أو لا يكون، فيقبح عقابه. ولما لم يكن جازما بقبح العقاب، يجب عليه عقلا الاحتياط أو الفحص، فالوجود الواقعي للدليل - لو كان بحيث لو تفحص عنه لظفر به - يثمر في حقه، لانه به يؤاخذ ويعاقب على المخالفة. ]


 

[ 55 ]

[ فتحصل مما ذكرنا أن الطريق المشكوك بعد الفحص ليس بحجة قطعا، لا اثباتا ولا اسقاطا، وقبل الفحص ليس بحجة اسقاطا مطلقا، واثباتا ان قلنا بان الحجة نفس الشك قبل الفحص. وان لم نقل بذلك، بل قلنا بان الحجة هو الدليل الذى لو تفحص عنه لظفر به، فما لم يكن الدليل الواقعي كذلك، فهو غير حجة ايضا. وأما فيما إذا كان الدليل الواقعي بحيث لو تفحص عنه لظفر به، فوجوده الواقعي حجة على المكلف، وان كان مشكوكا فيه فعلا، فتدبر. حجية الظاهر الامر الثالث في الامارات الثابته حجيتها بالدليل أو قيل انها كذلك. (فمنها) ما يعمل به في تشخيص مراد المتلكم بعد الفراغ عن المدلول العرفي للفظ. اعلم ان الارادة على قسمين: (احدهما) ارادة الشئ في اللب ونفس الامر (وثانيهما) ارادة المعنى من اللفظ في مقام الاستعمال، وهما قد تتفقان، كما إذا قال المتكلم اكرم العلماء واراد من اللفظ انشاء وجوب اكرام كل منهم، وكان في الواقع ايضا مريدا له. وقد تختلفان، كما انه في المثال لم يرد اكرام واحد منهم بالخصوص فحكمه - في مقام الارادة الاستعمالية على ذلك الفرد - حكم صوري، ولم يظهر الواقع لمصلحة في اخفائه. والمقصود الاصلى في هذا المقام تشخيص الارادة الاستعمالية، وما اراد من اللفظ في مقام الاستعمال. وبعد هذا التشخيص تطبيق هذه الارادة على الارادة الواقعية عند الشك باصل آخر، غير ما يتكلم فيه في المقام.


 

[ 56 ]

إذا عرفت هذا فنقول إذا علمنا أن المتكلم كان في مقام تفهيم المراد، وعلمنا انه مع الالتفات لم ينصب قرينة تصرف اللفظ عن ظاهره، نقطع بان مراده هو ما يستفاد من ظاهر اللفظ، إذ لولا ذلك لزم الالتزام بانه تصدى لنقض غرضه عمدا. وهذا مستحيل. ولا يختص ذلك بمورد يكون المتكلم حكيما، بل العاقل لا يعمل عملا يكون فيه نقض غرضه، سواء كان حكيما ام لا. وهذا واضح. فمتى شككنا في ان المتكلم اراد من اللفظ معناه الظاهر أو غير، فاما ان يكون الشك من جهة الشك في كونه في مقام التفهيم، وإما من جهة الشك في وجود القرينة، وإما من جهة كليهما. فان كان منشأ الشك الشك في كونه في مقام تفهيم المراد، فلا اشكال في ان الاصل المعول عليه عند تمام العقلاء كونه في مقام تفهيم مراده. وهذا الاصل لا شبهة لاحد منهم فيه، ولا ينافى ما ذكرنا، ما سبق في باب الاطلاق: من ان كون المتكلم في مقام البيان لابد وان يحرز من الخارج، وبدونه يعامل مع اللفظ معاملة الاهمال، لان الاطلاق امر زائد على مدلول اللفظ. وما ذكرناه هنا - من الاصل المتفق عليه - إنما هو بالنسبة الى مدول اللفظ، فلا تغفل. وان كان منشأه الشك في نصب القرينة، فهل لنا اصل يعتمد عليه ام لا ؟ وعلى الاول فهل الاصل المعول عليه هو اصالة عدم القرينة أو اصالة الحقيقة ؟ والثمرة بينهما تظهر فيما لو اقترن بالكلام ما يصلح لكونه قرينة، فعلى الاول يوجب اجمال اللفظ لعدم جريان اصلة عدم القرينة مع وجوده. وعلى الثاني يؤخذ بمقتضى ما يستفاد من الوضع، حتى يعلم خلافه. ومبنى الاشكال في المقام هو أنه هل الطريق إلى ارادة المتكلم عند العقلاء


 

[ 57 ]

صدور ذات اللفظ الموضوع، أو هو مع قيد خلوه عن القرينة الصارفة ؟ فعلى الاول وجود القرينة من قبيل المعارض، على الثاني لعدمها دخل في انعقاد الطريق على ارادة المعنى الظاهر، كما انه لوجودها دخل في انعقاد الطريق على ارادة المعنى الغير الظاهر. إذا حفظت ذلك فاعلم أن اعتبار الظهور الثابت للكلام - وان شك في احتفافه بالقرينة - مما لا اشكال فيه في الجملة كما تأتى الاشارة إليه. وأما كون ذلك من جهة الاعتماد على اصالة الحقيقة - كى لا يرفع اليد عنها حتى في صورة وجود ما يصلح للقرينية - فغير معلوم، وإن كان قد يدعى أن بناء العقلاء على الجرى على ما يقتضيه طبع الاشياء، ما داموا شاكين في ثبوت ما اخرجها عن الطبيعة الاولية. ومن ذلك بناؤهم على صحة الاشياء عند شكهم في الصحة والفساد، لان مقتضى طبع كل شي ان يوجد صحيحا، والفساد يجئ من قبل امر خارج عنه. ولعله من هذا القبيل القاعدة المسلمة عندهم: (كل دم يمكن ان يكون حيضا فهو حيض) فان مقتضى طبع المرأة ان يكون الدم الخارج منها دم حيض، وغيره خارج عن مقتضى الطبع. وعلى هذا نقول ان مقتضى طبع اللفظ الموضوع أن يستعمل في معناه الموضوع له، لان الحكمة في الوضع تمكن الناس من اداء مراداتهم بواسطة الالفاظ، فاستعماله في غيره انما جاء من قبل الامر الخارج عن مقتضى الطبع، لكن الانصاف أن هذا البناء من العقلاء انما يسلم في مورد لم تحرز فيه كثرة الوقوع على خلاف الطبع واستعمال الالفاظ في معانيها المجازية - ان لم نقل بكونه اكثر من استعمالها في المعاني الحقيقية بمراتب - فلا اقل من التساوى، فلم يبق الطبع الاولى بحيث يصح الاعتماد عليه.


 

[ 58 ]

[ هذا وكيف كان فالمتيقن من الحجية هو الظهور المنعقد للكلام، خاليا عما يصلح لان يكون صارفا. ولا يناط بالظن الفعلى بالخلاف، ولا تختص حجيته بمن قصد افهامه، بل هو حجة على من ليس مقصودا بالخطاب ايضا، بعد كونه موردا للتكليف المستفاد من اللفظ. والدليل على ذلك كله بناء العقلاء، وامضاء الشارع. أما الاول فلشهادة الفطرة السليمة عليه، فلو علم العبد بقول المولى اكرم كل عالم في هذا البلد، واحتمل عدم ارادته معناه الظاهر، إما من جهة احتمال التورية وعدم كونه في مقام افهام المراد، وإما من جهة احتمال كون الكلام مشتملا على القرينة على خلاف الظاهر، وخفيت عليه، أو ظن احد الامرين من سبب غير حجة عند تمام العقلاء، وفرضنا عدم تمكنه من الفحص عما يوجب صرف الكلام المذكور عن ظاهره، فهل يصح له ان لا يأتي بمفاد اللفظ المذكور، معتذرا بانى لم اتيقن ان المولى كان بمعرض تفهيم المراد، أو بعدم اشتمال الكلام على القرينة صارفة، بل كان وجودها عندي محتملا أو فهل يصح للمولى - لو اتى العبد مفاد الكلام المذكور في الفرض الذى فرضنا - أن يعاتبه أو يعاقبه إن كان ما اتى به مبغوضا له واقعا ؟ فان رأينا من انفسنا انقطاع عذر العبد - في المثال المذكور في صورة عدم الاتيان، وصحة احتجاج المولى عليه عند العقلاء، وانقطاع عذر المولى في صورة الاتيان، وصحة احتجاج العبد عليه عندهم، كما هو الواضح بادنى ملاحظة والتفات - كان هذا معنى الحجية عندهم، إذ لا نعنى بحجية ظواهر الالفاظ كونها كالعلم في ادراك الواقعيات، حتى يشكل علينا بان الاخذ باحد طرفي الشك في ما كان المراد مشكوكا، أو الاخذ بطرف الوهم فيما كان موهوما كيف يكون كالعلم عند العقلاء ؟ وكذا الكلام فيما لو قطع بكلام للمولى خاطب به غيره، مع كونه


 

[ 59 ]

موردا للتكليف المشتمل عليه ذلك الكلام مع بذل جهده فيما يوجب صرف الكلام عن مقتضى ظاهره، فانه بعد مراجعة العقلاء يقطع بانقطاع العذر بين العبد والمولى بذلك الكلام، وان كان العبد غير مقصود بالخطاب اللفظى. هذا واما الثاني اعني امضاء الشارع لهذه الطريقة، فلان الطريقة المرتكزة في جبلة العقلاء لو لم يرض بها الشارع لكان عليه الردع ولم يصدر منه ما يصلح لكونه رادعا الا الآيات الناهية عن العمل بغير العلم، وهى غير قابلة للردع عن العمل بالظواهر، لعدم حجية مدلولها بالنسبة إليه قطعا، لان الظواهر إما أنها ليست بحجة اصلا، وإما انها حجة، فعلى الاول ظواهر الآيات ايضا ليست بحجة. لانها منها، وعلى الثاني تخصيصها بها معلوم، فلا تغفل. بقى الكلام في خصوص ظواهر الكتاب المجيد التى ادعى اصحابنا الاخباريون عدم حجيتها. والذى يمكن أن يكون مستندا لهم امور: (الاول) الاخبار المدعى ظهورها في المنع عن العمل بظواهر الكتاب المجيد. (الثاني) العلم الاجمالي بوقوع التحريف فيه، كما يظهر من الاخبار الكثيرة ايضا. (الثالث) العلم الاجمالي بورود التخصيص والتقييد في عموماته ومطلقاته، ووقوع الاستعمالات المجازية فيه. (الرابع) وجود المتشابه في الكتاب، وعدم العلم بشخصه ومقداره والنهى عن اتباعه. ولا يصلح شئ من الامور المذكورة المنع. أما الاخبار فلانها على طوايف (منها) ما يدل على المنع عن التفسير بالراى. و (منها) ما يدل على المنع عن مطلق التفسير و (منها) ما


 

[ 60 ]

[ يدل على المنع عن الافتاء بالكتاب معللا بعدم وجود علمه إلا عند اهله. ولا ريب في أن الاوليين لا تمنعان عن العمل بالظواهر، فان من عمل من اهل اللسان بعام صادر من مولاه، لا يقال انه فسر كلام مولاه، فضلا عن صدق التفسير بالرأى عليه. وأما الثالثة فانه من المحتمل قويا كون المنع مختضا بمثل ابى حنيفة وامثاله الذين كانوا يعملون بظواهر الكتاب، من دون مراجعة من عندهم علمه. ولا اشكال عندنا في ان هذا النحو من العمل بظواهر الكتاب غير جائز. (فان قلت) ان الظاهر من قوله (عليه السلام) - في مقام الاعتراض على ابى حنيفة: (تعرف كتاب الله حق معرفته.. ؟) - ان المفتى بظواهر القرآن يجب ان يعرف القرآن حق معرفته، والا لا يجوز له الفتوى بها. (قلت) ليس في الخبر ما يدل على عدم جواز الافتاء بظواهر القرآن مطلقا بل المتيقن من مدلوله ان من اكتفى في مدارك فتاواه بالقرآن المجيد واعرض عن مراجعة كلمات العترة عليهم السلام - كما كان ذلك ديدن ابى حنيفة وامثاله - لا يجوز له ذلك، إلا بعد العلم بحقيقة القرآن. ولما لم يكن هذا العلم عند احد الا العترة الطاهرة، فلا يجوز لغيرهم الاكتفاء بالقرآن، فلا يدل الخبر على المنع عن العمل بظواهر الآيات في حق الخاصة الذين ديدنهم الفحص ومراجعة كلمات ائمتهم عليهم السلام ثم العمل بظواهر الآيات بعد عدم الظفر بما يوجب صرفها عن ظاهرها، كما لا يخفى. واما العلم الاجمالي بوقوع التحريف - بعد تسليمه - فيمكن ان يقال إنه في غير آيات الاحكام من الموارد التى يكون التحريف فيها مطابقا


 

[ 61 ]

لاغراضهم الفاسدة. وثانيا لو سلمنا عدم اختصاص العلم الاجمالي بغيرها، فغاية الامر صيرورتها من اطراف العلم الاجمالي، إذ لا يمكن دعوى العلم الاجمالي في خصوصها قطعا. وحينئذ نقول لا تأثير لهذا العلم الاجمالي بخروج بعض اطرافه عن محل الابتلاء. (فان قلت) خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء انما يمنع عن تأثير العلم الاجمالي في العمل بالاصول. وأما الظواهر فالعلم الاجمالي قادح للعمل بها مطلقا، ولو كان بعض اطرافه خارجا عن محل الابتلاء. والسر في ذلك أن الملاك في العمل بالاصول هو الشك، فيعمل بها عنده، إلا أن يكون هناك مانع عقلي، وليس الا فيما يكون العلم الاجمالي بثبوت تكليف فعلى، بحيث يلزم من العمل بالاصول في الاطراف المخالفة القطعية. وفيما خرج بعض الاطراف عن محل الابتلاء، لم يكن التكليف الفعلى معلوما فلا مانع من العمل بالاصول. وأما الاخذ بالظواهر فملاكه الطريقية إلى الواقع المعلوم انتفاؤها عند العلم الاجمالي مطلقا. (قلت) بناء العقلاء - في العمل بالظاهر المستقر على عدم الاعتناء بالعلم الاجمالي بمخالفة ظاهر - يحتمل ان يكون هو هذا العمل الظاهر الذى هو محل الابتلاء أو غيره مما لا يكون محلا للابتلاء (27). أترى ان حجية ظواهر الكتاب (27) وايضا يمكن أن يقال: إن اصالة عدم القرينة أو اصالة الظهور لا تجري في الطرف الخارج عن محل الابتلاء، فان المدار لو كان على الطريقية بمعنى الظن الشخصي، فذلك العلم الاجمالي مضر به، واما لو كان المدار على الاصلين المذكورين، وان لم يحصل ظن في مجراهما، فحيث لا اثر لجريانهما في الخارج عن محل الابتلاء، فيبقى مورد الابتلاء سليما.


 

[ 62 ]

احدا من العقلاء يتوقف عن العمل بالظاهر الصادر من مولاه بمجرد العلم الاجمالي بمخالفة ظاهر مردد بين كونه ما صدر من مولاه وكونه ما صدر مولى آخر لعبده ؟ واما العلم الاجمالي بورود المخصصات والمقيدات على عمومات الكتاب ومطلقاته، فالجواب عنه أنه إن ادعى العلم الاجمالي فيما بايدينا من الامارات، فهو مانع عن العمل بالظواهر قبل الفحص. واما بعده فيعلم بخروج المورد من الاطراف. وإن ادعى ذلك في الواقع، فهو مانع عن العمل قبل الظفر بالمخصص والمقيد بالمقدار المعلوم بالاجمال. إما علما وإما من الطرق المعلوم حجيتها، إذ بعد الظفر كذلك ينحل العلم الاجمالي إلى العلم التفصيلي والشك البدوى، كما هو واضح. (واما) كون القرآن مشتملا على المتشابه فالجواب عنه أن المتشابه لا يصدق على ماله ظاهر عرفا، ولو فرض الشك في شموله للظواهر، فلا يجدى النهى المتعلق بعنوان المتشابه، لان القدر المتيقن من مورده هو المجملات، فلا يصير دليلا على المنع في الظواهر. فتلخص مما ذكرنا عدم دليل يقتضى خروج ظواهر الكتاب عن الحجية، فهى على حد غيرها باقية تحت قاعدة الحجية المستفادة من بناء العقلاء وامضاء الشارع، فلا تحتاج إلى الاخبار التى يدعى ظهورها في حجية ظواهر الكتاب، مع كون كلها أو جلها مخدوشا. هذا تمام الكلام في اعتبار الظواهر بعد الفراغ عن تشخيص نفس الظاهر. واما تشخيص الظاهر والمتفاهم من معنى اللفظ فمحصل الكلام فيه أن الظن في تشخيص الظواهر إما ان يحصل من قول اللغوى واما من احراز مورد الاستعمال بضميمة اصالة عدم القرينة وكل منهما لا دليل على حجيته. ]


 

[ 63 ]

أما الاول فلان غاية ما يستدل به عليه وجهان (احدهما) كونه خبرة، وبناء العقلاء على الرجوع إلى اصحاب الصناعات البارزين في فنهم فيما يخص صناعتهم (ثانيهما) ان استنباط الاحكام من الادلة واجب على المجتهد، ولا يمكن الا بالرجوع الى قول اللغوى في تشخيص معاني الالفاظ الواردة في الكتاب والسنة. والدليل الثاني لو تم لدل على حجية كل ظن، ولا اختصاص له بقول اللغوى. وكيف كان فلا يتم كل من الوجهين. (اما الاول) فلعدم كون اهل اللغة خبرة فيما هو المقصود، لان المقصود فهم المعاني الحقيقية للالفاظ وتشخيصها عن المعاني المجازية، وليس وظيفة اللغوى الا بيان موارد الاستعمال. وأما كون المعنى الكذائي حقيقيا، فلا يطلع عليه، وإن اطلع عليه بواسطة بعض الامارت، فليس من هذه الجهة من اهل الخبرة. والحاصل أن المنع من جهة تحقق الصغرى. وأما الكبرى اعني بناء العقلاء على الرجوع الى ارباب الصناعات في صنعتهم، فالانصاف أنهالا تخلو عن قوة (28). (واما الوجه الثاني) فان كان المقصود أنه لو لم يرجع الى الظن ] حجية قول اللغوى (28) لكنه - دام ظله - انكر في مجلس الدرس ذلك ورد الكبرى ايضا: بان المتيقن من الرجوع إليهم عند حصول الوثوق والاطمينان من قولهم، فلا يكون قول الخبرة حجة الا مع الوثوق والاطمينان. لكن الظاهر حجية قوله مطلقا، وطريق استكشاف ذلك ليس الا مراجعة طريقة العقلاء.


 

[ 64 ]

الحاصل من قول اللغوى، لا نسد باب المتثال للاحكام الواقعية المعلومة اجمالا، فهو راجع إلى دليل الانسداد. وهذا يكون ممنوعا على تقدير، وخارجا عن محل الكلام على تقدير آخر لأن المدعى إن كان ممن يسلم حجية قول الثقة، وبهذا يحرز صدور تلك الاخبار المنقولة من الثقات، فلا اشكال في أنه ليس له دعوى العلم الاجمالي بوجود الاحكام، لان معاني الفاظ الاخبار - التى تكون حجة بالفرض - معلومة غالبا، فلم يبق له بعد ذلك علم اجمالي، بل ينحل الى العلم التفصيلي والشك البدوى. وإن كان ممن لا يسلم ذلك، فيصح منه دعوى العلم الاجمالي، لكن نتيجة تلك الدعوى - مع انضمام باقى المقدمات المذكورة في دليل الانسداد - كون الظن الحاصل من قول اللغوى من الظنون المطلقة الثابتة حجيتها بدليل الانسداد وهذا خارج عن محل البحث. ولا ربط له بالمدعى، لانا في مقام اثبات حجيته بالخصوص، حتى يكون من الظنون الخاصة كحجية ظواهر الالفاظ. وإن كان المقصود حجيته مع قطع النظر عن الاحكام المعلومة اجمالا، فوجوب اجتهاد المجتهد لا يقتضى وجوب العمل بالظن المذكور، لان القاعدة تقتضي - في مورد عدم العمل بالحكم الواقعي وعدم دليل خاص يرجع إليه - الرجوع إلى الاصول العملية في ذلك المورد. ومما ذكرنا ظهر ان التمسك بالاحتياج إلى قول اللغوى لا يثمر ابدا في المقام، لان مع ملاحظة دليل الانسداد خارج عما نحن فيه. ومع قطع النظر عنه لا يحتاج إلى الاخذ بقوله. هذا مضافا إلى ما عرفت من أن قول اللغوى لا تنحل به عقدة ما يهمنا، وهو تشخيص حقايق المعاني من مجازاتها. هذا في الظن الحاصل من قول اللغوى. ]


 

[ 65 ]

[ وأما اصالة عدم القرينة، فالقدر المتيقن من بناء العقلاء على حجيتها إنما هو في مورد احرز المعنى الحقيقي للفظ، وشك في ارادة المتكلم اياه (29). وأما لو احرز المراد، وشك في كون المراد معنى حقيقيا للفظ أو مجازيا، فلا نسلم بناءهم على كونه معنى حقيقيا له، بملاحظة الاستعمال واصالة عدم القرينة. ولهذا اشتهر - بين العلماء في قبال السيد القائل باصالة الحقيقة - ان الاستعمال اعم من الحقيقة. ولعل نظير ذلك مالو ورد عام، وعلم بعدم كون الفرد الخاص موردا لحكم ذلك العام، ولكن شك في أنه هل هو داخل في عنوان اصالة عدم القرينة (29) لما عد المستدل اصالة عدم القرينة مما يحصل منها - بضميمة العلم بالمراد - الظن بالمعنى الحقيقي، فتصدى - دام ظله - لرده بما في الكتاب، لكنه - دام علاه - رجع عن هذا التقريب في مجلس الدرس، بتقريب أن الاصول الجارية عند العقلاء ليست كالاصول العملية الشرعية التي ليس مثبتها حجة بل هي عندهم بمنزلة الامارة يلتزمون بجميع لوازمها، كما مر في التمسك باصالة العموم لاخراج عدم تطبيق عنوان الخارج عن الحكم قطعا على افراد العام، كما في (اللهم العن بني اميه قاطبة) مثلا فيما إذا احتمل كون المتكلم بصدد تشخيص افراد العام لا فيما إذا أو كل تشخيصها الى عهدة المخاطب فراجع. والحاصل: أن أصالة العدم بلازمها تدل على كون المعنى المراد هو الموضوع له: ولا يبعد جريانها في مثل المقام عندهم. نعم فيما إذا كان ما يصلح للقرينية موجودا، فلا يجري الاصل المذكور حتى يستكشف شئ من اللوازم. واستظهر - دام علاه - كون النزاع بين السيد والمشهور - قدس الله اسرارهم - في خصوص ما إذا كان الصالح للقرينية موجودا لافي سائر الموارد لكنه كما ترى فان كلمات الاكثر تنادى باعمية النزاع، فراجع مظانها.


 

[ 66 ]

[ العام حتى يكون خروجه تخصيصا في العام، أو خارج عنه حتى يكون عدم كونه موردا لحكم العام من باب التخصص فانه يمكن أن يقال في ذلك عدم معلومية بناء العقلاء على اصالة عدم التخصيص، لاستكشاف حال عنوان ذلك الفرد، بعد القطع بعدم كونه مشمولا للحكم. ويمكن الفرق بين المثال وما نحن فيه: بانه في المثال يرجع الشك الى الشك في المراد من اللفظ وان كان حكم هذا الفرد - الخارجي الذى لا يعلم دخوله في أي عنوان - مقطوعا به، واصالة عدم القرينة فيه يترتب عليها تشخيص المراد، بخلاف ما نحن فيه، فان المفروض عدم الشك في المراد من اللفظ. هذا. الامر الرابع - الاجماع المنقول ومنها - الاجماع المنقول بخبر الواحد. وتحقيق المقام يبتنى على بيان امور: (الاول) - ان الاجماع في مصطلح العامة عرف بتعاريف، فعن الغزالي (أنه اتفاق امة محمد صلى الله عليه وآله على امر من الامور الدينية) وعن الفخر الرازي (أنه اتفاق اهل الحل والعقد من امة محمد صلى الله عليه وآله على امر من الامور) والمراد من اهل الحل والعقد - على ما نبه عليه غير واحد منهم - المجتهدون. وعن الحاجبى (انه اجتماع المجتهدين من هذه الامة في عصر على امر) وأما اصحابنا فقد اوردوا له حدودا كلها متحدة أو متقاربة معه، فعرفه العلامة بما ذكره، الفخر الرازي، وعرفه بعضهم بأنه اجتماع رؤساء الدين من هذه الامة في عصر على امر. والحاصل أنه من المعلوم أنه ليس لاصحابنا رضوان الله عليهم ]


 

[ 67 ]

[ اصطلاح جديد في الاجماع وانما جروا فيه على ما جرت عليه العامة. نعم قد يتسامح في اطلاق الاجماع على اتفاق طائفة خاصة يعلم منه قول الامام عليه السلام، لوجود ملاك الحجية وهو قول الامام عليه السلام، وعدم الاعتناء بمخالفة غيره. (الثاني) - ان مستند حجية الاجماع أمور ثلاثة: (احدها) - دخول شخص الامام عليه السلام في جملة المجمعين، ضرورة أنه لو اتفق هذا النحو من الاتفاق - أعنى اتفاق اهل العصر أو اتفاق امة محمد صلى الله عليه وآله، أو اتفاق العلماء منهم، أو اهل الحل والعقد منهم، أو الرؤساء منهم - كان الامام عليه السلام أحد هؤلاء قطعا، لعدم خلو عصر من وجوده (ثانيها) - ما ذهب إليه شيخ الطائفة من قاعدة اللطف. وحاصله أنه إذا اجتمع المجتهدون في عصر على حكم من الاحكام الشرعية، قطع بمطابقتة للواقع إذ لولا ذلك للزم على الامام عليه السلام اظهار المخالفة من باب اللطف وحيث لم يظهر المخالفة نقطع باتحاد رأيه مع رأى العلماء. (ثالثها) - ما ذهب إليه المتأخرون من الحدس. وحاصله أن اتفاق علمائنا الاعلام - الذين ديدنهم الانقطاع الى الائمة في الاحكام، وطريقتهم التحرز عن القول بالراى والاوهام مع، ما يرى من اختلاف انظارهم - مما قد يؤدى بمقتضى العقل والفطرة السليمة الى العلم بأن ذلك قول ائمتهم ومذهب رؤسائهم. ولا اختصاص لهذه الطريقة باستكشاف قول المعصوم عليه السلام، بل قد يستكشف بها رأى سائر الرؤساء المتبوعين. مثلا إذا رأيت جميع خدمة السلطان الدين لا يصدرون إلا عن رأيه اتفقوا على اكرام شخص خاص، يستكشف من هذا الاتفاق ]


 

[ 68 ]

[ أن هذا إنما هو من توصية السلطان. (الثالث) - أن الطريق الاول مما لا يمكن تحصيله في عصر الغيبة، لانه مبنى على استقصاء آراء اشخاص يكون هو عليه السلام منهم، ولا يعرف شخصه تفصيلا. ومن المعلوم عدم الاتفاق لاحد في هذه الاعصار. والطريق الثاني ليس صحيحا، لعدم تمامية البرهان الذى اقيم عليه، فانه - بعد غيبة الامام بتقصير منا - كل ما يفوتنا من الانتفاع بوجوده الشريف، وبما يكون عنده من الاحكام الواقعية، قد فاتنا من قبل نفسنا، فلا يجب عليه عقلا أن يظهر المخالفة عند اتفاق العلماء إذا كان اتفاقهم على خلاف حكم الله الواقعي، فانحصر الامر في الطريق الثالث (30). إذا عرفت هذا فنقول انه لو نقل الاجماع ناقل فهذا النقل لا يخلو من وجوه: (احدها) - أن ينقل اتفاق جماعة يلازم قول الامام عند المنقول إليه. (ثانيها) - ان ينقل اتفاق جماعة ليس كذلك عنده قطعا، وهذا على قسمنين (احدهما) أنه حصل للمنقول إليه بعض الامارات أو الفتاوى، بحيث حصل له - من مجموع ما عنده وما نقله الناقل على تقدير الاجماع المنقول (30) قد يقال باشتراط كشف الطريق المذكور - اي المعصوم عليه السلام - بالعلم بكون اتفاقهم - عن التواطي، كما عن كشف القناع وبعض علماء العصر، لكن الظاهر أن اتفاق المعظم كاشف غالبا وان لم يعلم ذلك، وان كان يتضح المراد من التواطى كما هو نعم يشترط في الكشف المذكور عدم العلم بمستند منهم لايتم عندنا، خصوصا مع اختلاف مستندهم.


 

[ 69 ]

[ صدقه - العلم بقول الامام عليه السلام (ثانيهما) انه ليس عنده شئ آخر يحصل العم بانضمامه إلى المنقول. (ثالثها) - ان ينقل الاجماع، ولا يعلم ان هذا الناقل حصل قول الامام عليه السلام بطريق ملازم له عندنا ايضا أو بغير ذلك الطريق. لا ينبغى الاشكال في حجية نقل الاجماع ان كان على الوجه الاول بالنسبة الى الكاشف والى المنكشف، بناءا على حجية خبر الواحد. اما بالنسبة الى الكاشف، فلانه اخبار عن امر محسوس. فيأخذ هذا الامر المحسوس المخبر به تعبدا، ويستكشف منه لازمه. واما بالنسبة الى المنكشف فلانه، وان لم يكن من الامر المحسوس ولكن لما كان طريق الاطلاع عليه هو المحسوس يلحق به، نظير الاخبار بالعدالة، فانه يقبل من المخبر لاستكشافها من لوازمها المحسوسة. وكذا لا ينبغى الاشكال في حجيته على الاول من شقى الوجه الثاني بالنسبة الى الكاشف، وجعل مقدار ما اخبر به العادل بمنزلة المحصل واستكشاف الواقع بضميمة ما عنده من الامارات، كما لا ينبغى الاشكال في عدم حجيته على الثاني من شقى الوجه الثاني، لان العلم بتحقق هذا القدر لا يستلزم العلم بالواقع. ولا اشكال في ان التعبد بخير الواحد لا يفيدنا ازيد من العلم. وأما إذا نقل الاجماع على الوجه الثالث، فهل لنا دليل على حجيته ام لا ؟ وما يمكن أن يستدل به عليه مفهوم آية النبأ بناءا على ثبوت المفهوم (31). (31) بل يمكن الاستدلال عليه ايضا بالسيرة الجارية عند العقلا، بضميمة عدم ردع الشارع، لانهمم يعملون بخبر الثقة ما لم يعلم كونه عن حدس، من دون فحص =


 

[ 70 ]

[ وحاصل تقريب الدلالة انها تدل بمفهومها على حجية اخبار العادل مطلقا، سواء كان عن حس أو عن حدس، غاية الامر أنه خرج ما علم كونه عن حدس غير قريب من الحس وبقى الباقي. أو يقال بان الخارج وإن كان الاخبار عن الحدس البعيد عن الحس واقعا، لكن لما كان المخصص منفصلا، بعد استقرار ظهور العام في وجوب العمل بكل ما يخبر به العادل، سواء كان عن حدس أو عن حس، فاللازم التمسك بحكم العام فيما لم يعلم دخوله تحت عنوان المخصص. هذا وفيه منع المفهوم للآية كما ستعرف ومنع ظهوره في الاعم من الاخبار عن حدس بعيد عن الحس، فان مقتضى التعليل في ذيل الآية هو وجوب الاعتناء باحتمال الندم المستند إلى فسق المخبر. ومن المعلوم أنه ليس الا من جهة قوة احتمال تعمده الكذب، بخلاف العادل. وكذا منع كون الخارج من تحته ما يعلم أنه عن حدس بعيد، ومنع جواز التمسك بعموم العام في صورة الشك في وجود المخصص الذى علم عنوانه مفصلا. نعم يجوز التمسك في المخصص المنفصل لو كان مجملا مرددا بين الاقل والاكثر، مع اشكال فيه ايضا مر بيانه في بحث العام والخاص. ويمكن ان يقال في تقريب حجية الاجماع المنقول: ان جهة الشك - في عدم مطابقته للواقع - تنحصره في امور: (احدها) - احتمال تعمده الكذب. (ثانيها) - احتمال خطأه في الحدس والخطأ الذى يحتمل في ] = عن منشأه أللهم إلا أن يقال بان ذلك فيما لم يتهم الناقل بكثرة الاخبار عن حدس، كما في اكثر نقلة الاجماعات المنقولة، فانه لا يجوز عندهم قبول قوله إلا بعد احراز كونه عن حس لا حدس.


 

[ 71 ]

[ حقه إما من جهة استكشاف فتوى جماعة اخبر بفتواهم، كما إذا استكشف فتوى جماعة في مسألة فرعية، من جهة اتفاقهم على الاصل الذى ينطبق عليها بمقتضى اجتهاد الناقل. وإمام جهة الكشف عن رأى الامام عليه السلام، بواسطة قول جماعة لا ينبغى عادة حصول العلم بقولهم، فان كان الشك من جهة الامر الاول فادلة حجية خبر العادل - وان قلنا باختصاص مفادها في الغاء احتمال الكذب - ترفع هذا الشك، وإن كان من جهة الامر الثاني، فالظاهر - من قول الناقل ان المسألة اجماعية - تحصيل الاجماع في خصوص تلك المسألة، وحجية هذا الظاهر ترفع ذلك الشك. من جهة انه استكشف رأى الامام عليه السلام من سبب غير عادى، فظاهر حاله يرفع هذا الشك. نعم لو تبين منه في موارد أن دعواه الاجماع كانت مستندة الى الاجماع على القاعدة، أو مستندة الى اتفاق جماعة ليس اتفاقهم سببا عاديا لاستكشاف رأى الامام عليه السلام، فلا يجوز الركون الى نقله. وأما ما لم يعلم حاله فادلة حجية قول العادل - بضميمة ظاهر لفظه وظاهر حاله - تنتج وجوب الاخذ بالاجماع الذى نقله. وفيه - بعد تسليم بقاء ظهور كلام ناقل الاجماع في الاتفاق على الفرع - أنه لا يبعد حصول العلم للناقل بواسطة اتفاق جما