العودة الى مكتبة المرتضى

محاضرات في أصول الفقه

تقرير بحث الخوئى للفياض ج 2


[ 1 ]

محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث الاستاذ الاعظم آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره تأليف العلامة المدقق الشيخ محمد إسحاق الفياض دام ظله الجزء الثاني مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

شابك 9 - 058 - 470 - 964 9 - 058 - 470 - 964 isbn محاضرات في أصول الفقه - ج 2 - تقرير أبحاث: آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره المقرر: الفقيه المحقق والاصولي المدقق الشيخ محمد إسحاق الفياض الموضوع: اصول الفقه طبع ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي عدد لاجزاء: 5 أجزاء الطبعة: الاولى المطبوع: 1000 نسخة التاريخ: 1419 ه‍. ق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم بحث الأوامر الكلام فيها يقع في مقامين: الأول: في مادة الأمر (أ م ر). الثاني: في هيئة (افعل) وما شاكلها من الهيئات، كهيئة فعل الماضي والمضارع، ونحوهما. أما الأول فالكلام فيه من جهات الاولى: ذكر جماعة: أن مادة الأمر موضوعة لعدة معان: الطلب، الشئ، الحادثة، الشأن، الغرض، الفعل، وغير ذلك، وقد أنهاها بعضهم الى خمسة عشر معنى (1). واختار صاحب الفصول (قدس سره) أنها موضوعة لمعنيين من هذه المعاني، أي: الطلب والشأن (2). وذكر صاحب الكفاية (قدس سره): أن عد بعض هذه المعاني من معاني الأمر من


(1) لقد استقصى المحقق الرشتي (قدس سره) استعمالها في أربعة عشر معنى، ثم قال: (وربما يظهر استعمالات اخر مغايرة للأربعة عشر، لكن الظاهر أن الاستعمالات المغايرة المتباينة منها لا تزيد على أربعة) ثم ذكرها (قدس سره). انظر بدائع الأفكار: ص 199. (2) الفصول الغروية: ص 62 س 36. (*)

[ 4 ]

اشتباه المصداق بالمفهوم فإن الأمر لم يستعمل في نفس هذه المعاني، وإنما استعمل في معناه، ولكنه قد يكون مصداقا لها. ثم قال: ولا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب في الجملة والشئ (1). وذهب شيخنا الاستاذ (قدس سره) الى أن لفظ الأمر موضوع لمعنى واحد، وهو الواقعة التي لها أهمية في الجملة، وجميع ما ذكر من المعاني يرجع الى هذا المعنى الواحد، حتى الطلب المنشأ بإحدى الصيغ الموضوعة له، وهذا المعنى قد ينطبق على الحادثة، وقد ينطبق على الشأن، وقد ينطبق على الغرض، وهكذا. نعم، لابد أن يكون المستعمل فيه من قبيل الأفعال والصفات، فلا يطلق على الجوامد، بل يمكن أن يقال: إن الأمر بمعنى الطلب أيضا من مصاديق هذا المعنى الواحد، فإنه أيضا من الامور التي لها أهمية، فلا يكون للفظ " الأمر " إلا معنى واحد يندرج الكل فيه، وتصور الجامع القريب بين الجميع وإن كان صعبا إلا أنا نرى وجدانا أن استعمال الأمر في جميع الموارد بمعنى واحد، وعليه فالقول بالاشتراك اللفظي بعيد (2). وما أفاده (قدس سره) يحتوي على نقطتين: الاولى: أن لفظ " الأمر " موضوع لمعنى واحد يندرج فيه جميع المعاني المزبورة حتى الطلب المنشأ بالصيغة. الثانية: أن الأهمية في الجملة مأخوذة في معناه. ولنأخذ بالنقد على كلتا النقطتين: أما الاولى: فلأن الجامع الذاتي بين الطلب وغيره من المعاني المذكورة غير معقول، والسبب في ذلك: أن معنى الطلب معنى حدثي قابل للتصريف والاشتقاق، دون غيره من المعاني، فإنها من الجوامد، وهي غير قابلة لذلك، ومن الواضح أن الجامع الذاتي بين المعنى الحدثي والمعنى الجامد غير متصور. وبكلمة اخرى: أن الجامع بينهما لا يخلو من أن يكون معنى حدثيا، أو


(1) كفاية الاصول: ص 81. (2) هو المحقق النائيني (قدس سره) راجع أجود التقريرات: ج 1 ص 86. (*)

[ 5 ]

جامدا، ولا ثالث لهما، وعلى كلا التقديرين لا يكون الجامع المزبور جامعا ذاتيا، إذ على الأول لا ينطبق على الجوامد، وعلى الثاني لا ينطبق على المعنى الحدثي، وهذا معنى عدم تصور جامع ذاتي بينهما. ومما يشهد على ذلك: اختلافهما - أي: الأمر بمعنى الطلب، والأمر بمعنى غيره - في الجمع، فإن الأول يجمع على أوامر، والثاني على امور، وهذا شاهد صدق على اختلافهما في المعنى، ولهذا لا يصح استعمال أحدهما في موضع الآخر، فلا يقال: بقي أوامر، أو: ينبغي التنبيه على أوامر...، وهكذا. فالنتيجة: بطلان هذه النقطة. وأما الثانية: فلأنه لا دليل على أخذ الأهمية في معنى الأمر بحيث يكون استعماله فيما لا أهمية له مجازا، وذلك لوضوح أن استعماله فيه كاستعماله فيما له أهمية في الجملة من دون فرق بينهما من هذه الناحية أصلا. وإن شئت قلت: إن الأهمية لو كانت مأخوذة في معناه لكانت متبادرة منه عرفا عند إطلاقه، وعدم نصب قرينة على الخلاف مع أنها غير متبادرة منه كذلك، ومن هنا صح توصيفه بما لا أهمية له. وبطبيعة الحال أنها لو كانت داخلة في معناه لكان هذا تناقضا ظاهرا. فالنتيجة: أن نظرية المحقق النائيني (قدس سره) في موضوع بحثنا نظرية خاطئة ولا واقع موضوعي لها. ويمكن أن نقول: إن مادة الأمر موضوعة لغة لمعنيين على سبيل الاشتراك اللفظي: أحدهما: الطلب في إطار خاص، وهو الطلب المتعلق بفعل الغير، لا الطلب المطلق الجامع بين ما يتعلق بفعل غيره وما يتعلق بفعل نفسه: كطالب العلم، وطالب الضالة، وطالب الحق، وما شاكل ذلك. والسبب فيه: أن مادة الأمر - بما لها من معنى - لا تصدق على الحصة الثانية وهي المتعلقة بفعل نفس الإنسان، وهذا قرينة قاطعة على أنها لم توضع للجامع

[ 6 ]

بينهما. ومن هنا يظهر: أن النسبة بين الأمر والطلب عموم مطلق. وثانيهما: الشئ الخاص، وهو الذي يتقوم بالشخص من الفعل أو الصفة أو نحوهما في مقابل الجواهر وبعض أقسام الأعراض، وهي بهذا المعنى قد تنطبق على الحادثة، وقد تنطبق على الشأن، وقد تنطبق على الغرض.... وهكذا. الدليل على ما ذكرناه أمران: أحدهما: أن لفظ " الأمر " بمعناه الأول قابل للتصريف والاشتقاق، فتشتق منه الهيئات والأوزان المختلفة: كهيئة الماضي، والمضارع، والفاعل، والمفعول، وما شاكلها، وهذا بخلاف الأمر بمعناه الثاني حيث إنه جامد فلا يكون قابلا لذلك. وثانيهما: أن الأمر بمعناه الأول يجمع على أوامر، وبمعناه الثاني يجمع على امور، ومن الطبيعي أن اختلافهما في ذلك شاهد صدق على اختلافهما في المعنى. وعلى ضوء هذا قد اتضح فساد كلا القولين السابقين: " الاشتراك اللفظي " " الاشتراك المعنوي ". أما الأول: فقد عرفت أن جميع المعاني المشار إليها آنفا ليست من معاني الأمر على سبيل الاشتراك اللفظي، كيف ؟ فإن استعماله فيها غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم، فضلا عن كونه موضوعا بإزائها، ومن هنا لا يكون المتبادر منه عند الإطلاق وعدم نصب قرينة على إرادة الخلاف إلا أحد المعنيين السابقين لا غير. وأما الثاني: فلعدم تصور جامع ماهوي بينها ليكون موضوعا له. فالنتيجة: أنه موضوع بإزاء المعنيين الماضيين على نحو الاشتراك اللفظي: " الحصة الخاصة من الطلب " " الحصة الخاصة من مفهوم الشئ "، وهي ما يتقوم بالشخص في قبال الجواهر وبعض أقسام الأعراض، ولأجل ذلك لا يصح أن يقال: " رأيت أمرا عجيبا " إذا رأى فرسا عجيبا أو إنسانا كذلك، ولكن يصح أن يقال: " رأيت شيئا عجيبا " إذا رأى فرسا أو إنسانا كذلك. والسبب في هذا ظاهر، وهو: أن الشئ بمفهومه العام ينطبق على الأفعال

[ 7 ]

والأعيا ن والصفات بشتى ألوانها وأشكالها، ولذلك قالوا: إنه عرض عام لجميع الأشياء. وعلى أثر هذا البيان يظهر نقد ما أفاده شيخنا المحقق (قدس سره): من أن الأمر وضع لمعنى جامع وحداني على نحو الاشتراك المعنوي، وهو الجامع بين ما يصح أن يتعلق الطلب به تكوينا، وما يتعلق الطلب به تشريعا مع عدم ملاحظة شئ من الخصوصيتين في المعنى الموضوع له، والأصل فيه أن يجمع على أوامر (1). وجه الظهور ما عرفت: من أنه لا جامع ذاتي بين المعنى الحدثي والمعنى الجامد ليكون الأمر موضوعا بإزائه. وأما الجامع الانتزاعي فهو وإن كان أمرا ممكنا وقابلا للتصوير إلا أنه لم يوضع بإزائه يقينا، على أنه خلاف مفروض كلامه (قدس سره). وأما الوضع العام والموضوع له الخاص يرده - مضافا الى ذلك - ما حققناه في مبحث الصحيح والأعم: من أن نتيجة الوضع العام والموضوع له الخاص كنتيجة الاشتراك اللفظي، فلاحظ. هذا من ناحية (2). ومن ناحية اخرى: أن اختلاف لفظ " الأمر " في الجمع قرينة قطعية على اختلافه في المعنى، ضرورة أن معناه لو كان واحدا لن يعقل اختلافه في الجمع. هذا على ما بيناه في الدورات السابقة. ولكن الصحيح في المقام أن يقال: إن مادة الأمر لم توضع للدلالة على حصة خاصة من الطلب وهي الحصة المتعلقة بفعل الغير، بل وضعت للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج. والسبب في ذلك: ما حققناه في بحث الإنشاء: من أنه عبارة عن اعتبار الأمر النفساني وإبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل أو ما شاكله. هذا من ناحية (3).


(1) هو المحقق الاصفهانى (قدس سره) انظر نهاية الدراية: ج 1 ص 146 - 147. (2) تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب: ص 168 فراجع. (3) تقدم في ج 1 ص 99 كذلك. (*)

[ 8 ]

ومن ناحية اخرى: ما ذكرناه في بحث الوضع: من أنه عبارة عن التعهد والالتزام النفساني (1). فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي وضع مادة الأمر أو ما شاكلها بطبيعة الحال لما ذكرناه، أي: للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني، لا للطلب والتصدي، ولا للبعث والتحريك. نعم، إنها كصيغتها مصداق للطلب والتصدي والبعث والتحريك، لا أنها معناها. وبكلمة اخرى: أننا إذا حللنا الأمر المتعلق بشئ تحليلا موضوعيا فلا نعقل فيه سوى شيئين: أحدهما: اعتبار المولى ذلك الشئ في ذمة المكلف من جهة اشتماله على مصلحة داعية إلى ذلك. وثانيهما: إبراز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج بمبرز كمادة الأمر أو نحوها، فالمادة أو ما شاكلها وضعت للدلالة على إبراز ذلك الأمر الاعتباري النفساني، لا للطلب، ولا للبعث والتحريك. نعم، قد عرفت أن المادة أو ما شاكلها مصداق للطلب والبعث، ونحو تصد إلى الفعل، فإن الطلب والبعث قد يكونان خارجيين، وقد يكونان اعتباريين، فمادة الأمر أو ما شابهها مصداق للطلب والبعث الاعتباري، لا الخارجي، لوضوح أنها تصد في اعتبار المولى إلى إيجاد المادة في الخارج، وبعث نحوه، لا تكوينا وخارجا كما هو ظاهر. ونتيجة ما ذكرناه أمران: الأول: أن مادة الأمر أو ما شاكلها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، وهو اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف، ولا تدل على أمر آخر ما عدا ذلك. الثاني: أنها مصداق للطلب والبعث، لا أنهما معناها.


(1) تقدم في ج 1 ص 52 أيضا فراجع. (*)

[ 9 ]

الى هنا قد تبين: أن القول بالاشتراك اللفظي بين جميع المعاني المتقدمة باطل لا واقع موضوعي له، وكذلك القول بالاشتراك المعنوي، فالصحيح: هو القول بالاشتراك اللفظي بين المعنيين المتقدمين. ثم لا يخفى أنه لا ثمرة عملية لذلك البحث أصلا، والسبب فيه: أن الثمرة هنا ترتكز على ما إذا لم يكن المراد الاستعمالي من الأوامر الواردة في الكتاب والسنة معلوما، وحيث إن المراد الاستعمالي منها معلوم فإذا لا أثر له. المعنى الاصطلاحي للأمر حكى المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) أن الأمر قد نقل عن معناه الأصلي الى القول المخصوص، وهو هيئة " إفعل " (1). ويرد عليه: أنه إن كان هذا مجرد اصطلاح فلا مشاحة فيه، وإلا فلا وجه له أصلا، وذلك لأن الظاهر أن الاشتقاق منه بحسب معناه الاصطلاحي، وعليه فلو كان معناه الاصطلاحي القول المخصوص لم يمكن الاشتقاق منه، لأنه جامد، ومن الطبيعي أن مبدأ المشتقات لابد أن يكون معنى حدثيا قابلا للتصريف والتغيير. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أن يكون المبدأ خاليا عن جميع الخصوصيات ليقبل كل خصوصية ترد عليه. ومن ثمة قلنا في بحث المشتق: إن المصدر لا يصلح أن يكون مبدأ له، لعدم توفر الشرط الأساسي للمبدأ فيه، وهو خلوه عن جميع الأشكال والصور المعنوية واللفظية حتى يقبل أية صورة ترد عليه، نظير الهيولى في الأجسام حيث إنها فاقدة لكل صورة افترضت، ولذا تقبل كل صورة ترد عليها بشتى أنواعها وأشكالها، وبطبيعة الحال أنها لو لم تكن فاقدة لها فلا تقبل صورة اخرى، لوضوح إباء كل صورة عن صورة اخرى، وكل فعلية عن فعلية ثانية (2).


(1) راجع كفاية الاصول: ص 82. (2) تقدم في ج 1 ص 311 فراجع. (*)

[ 10 ]

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي أن القول المخصوص لا يصلح أن يكون مبدأ للمشتقات وأن يجعله شقة شقة، لاستحالة تصريفه، وورود هيئة اخرى عليه، فيكون نظير: الجملة، والمفرد، والكلمة، والكلام، وما شاكل ذلك مما هو اسم لنفس اللفظ، فإنها غير قابلة لأن تشتق منها المشتقات، لعدم توفر الركيزتين الأساسيتين للمبدأ فيها " المعنى الحدثي " " الخلو من الخصوصيات ". نعم، التلفظ بالقول المخصوص قابل لأن تشتق منه المشتقات، وترد عليه الهيئات والصور، وذلك لأن التلفظ: إن لوحظ بنفسه مع عدم ملاحظة شئ معه من الخصوصيات الخارجة عن حدود ذاته فهو مبدأ. وإن لوحظ قائما بغيره - فحسب - فهو مصدر. وإن لوحظ زائدا على هذا وذاك وجوده وتحققه في الخارج قبل زمان التكلم فهو ماض، وفي زمانه وما بعده فمضارع...، وهكذا. ولكن من المعلوم أنه لا صلة لذلك بما ذكرناه أصلا. ولكن لشيخنا المحقق (قدس سره) في هذا الموضوع كلام، وهو: أن الأمر بهذا المعنى أيضا قابل للاشتقاق والتصريف، وقد أفاد في وجه ذلك ما اليك نصه: (وإن كان وجه الإشكال ما هو المعروف من عدم كونه معنى حدثيا ففيه: أن لفظ " إضرب " صنف من أصناف طبيعة الكيف المسموع، وهو من الأعراض القائمة بالمتلفظ به، فقد يلاحظ نفسه من دون لحاظ قيامه وصدوره عن الغير فهو المبدأ الحقيقي الساري في جميع مراتب الاشتقاق. وقد يلاحظ قيامه فقط فهو المعنى المصدري المشتمل على نسبة ناقصة. وقد يلاحظ قيامه وصدوره في الحال أو الاستقبال فهو المعنى المضارعي...، وهكذا، فليس هيئة " إضرب " كالأعيان الخارجية والامور غير القائمة بشئ حتى لا يمكن لحاظ قيامه فقط، أو في أحد الأزمنة، وعليه فالأمر موضوع لنفس الصيغة الدالة على الطلب مثلا، أو للصيغة القائمة بالشخص. و " أمر " موضوع للصيغة الملحوظة من حيث الصدور في المضي، و " يأمر " موضوع الصيغة الملحوظة من حيث الصدور في الحال أو الاستقبال) (1). ولنأخذ بالنقد على ما أفاده (قدس سره)، وحاصله: أن ما ذكره في إطاره وإن كان في


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 148. (*)

[ 11 ]

غاية الصحة والمتانة إلا أنه لا صلة له بما ذكرناه، والسبب في ذلك: أن لكل لفظ حيثيتين موضوعيتين: الاولى: حيثية صدوره من اللافظ خارجا وقيامه به، كصدور غيره من الأفعال كذلك. الثانية: حيثية تحققه ووجوده في الخارج، فاللفظ من الحيثية الاولى وإن كان قابلا للتصريف والاشتقاق إلا أن لفظ " الأمر " لم يوضع بإزاء القول المخصوص من هذه الحيثية، وإلا لم يكن مجال لتوهم عدم إمكان الاشتقاق والصرف منه، بل هو موضوع بإزائه من الحيثية الثانية، ومن الطبيعي أنه بهذه الحيثية غير قابل لذلك كما عرفت (1). فما أفاده (قدس سره) مبني على الخلط بين هاتين الحيثيتين. الجهة الثانية: هل أن العلو معتبر في معنى الأمر أم لا ؟ الظاهر اعتباره، إذ لا يصدق الأمر عرفا على الطلب الصادر من غير العالي وإن كان بنحو الاستعلاء وإظهار العلو. وعلى الجملة: فصدوره من العالي منشأ لانتزاع عنوان الأمر والبعث والتحريك والتكليف وما شاكل ذلك، دون صدوره عن غيره، بل ربما يوجب توبيخه باستعماله الأمر. ويدلنا على ذلك - مضافا إلى مطابقة هذا للوجدان - صحة سلب الأمر عن الطلب الصادر من غير العالي، بل يستحق التوبيخ عليه بقوله: أتأمر الأمير ؟ مثلا. ومن المعلوم أن التوبيخ لا يكون على أمره بعد استعلائه، وإنما يكون على استعلائه واستعماله الأمر. الجهة الثالثة: لا إشكال في تبادر الوجوب عرفا من لفظ " الأمر " عند الإطلاق، وإنما الإشكال والكلام في منشأ هذا التبادر هل هو وضعه للدلالة عليه، أو الإطلاق ومقدمات الحكمة، أو حكم العقل به ؟ وجوه، بل أقوال: المعروف والمشهور بين الأصحاب قديما وحديثا: هو القول الأول (2).


(1) تقدم ذكره في ص 9 فراجع. (2) انظر قوانين الاصول: ج 1 ص 83، ومفاتيح الاصول: ص 110 - 111 س 20. (*)

[ 12 ]

واختار جماعة القول الثاني (1)، ولكن الصحيح هو الثالث. فلنا دعويان: الاولى: بطلان القول الأول والثاني. الثانية: صحة القول الثالث. أما الدعوى الاولى: فإنها تبتنى على ركيزتين: إحداهما: ما حققناه في بحث الوضع: من أنه عبارة عن التعهد والالتزام النفساني (2). وثانيتهما: ما حققناه في بحث الإنشاء: من أنه عبارة عن اعتبار الأمر النفساني وإبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل أو ما شاكله (3). وعلى ضوء هاتين الركيزتين يظهر: أن مادة الأمر وضعت للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، فلا تدل على الوجوب، لا وضعا ولا إطلاقا. أما الأول: فظاهر. وأما الثاني: فإنه يرتكز على كونها موضوعة للجامع بين الوجوب والندب، ليكون إطلاقها معينا للوجوب دون الندب، باعتبار أن بيان الندب يحتاج الى مؤنة زائدة والإطلاق غير واف به. ولكن قد عرفت أنها كما لم توضع لخصوص الوجوب أو الندب كذلك لم توضع للجامع بينهما، بل وضعت لما ذكرناه. هذا، مضافا الى عدم الفرق بين الوجوب والندب من هذه الناحية، وإذن فلا يكون الإطلاق معينا للأول دون الثاني، فحاله حال الوجوب من هذه الناحية من دون فرق بينهما أصلا. وأما الدعوى الثانية: فلأن العقل يدرك - بمقتضى قضية العبودية والرقية - لزوم الخروج عن عهدة ما أمر به المولى ما لم ينصب قرينة على الترخيص في تركه، فلو أمر بشئ ولم ينصب قرينة على جواز تركه فهو يحكم بوجوب إتيانه


(1) منهم: المحقق الأصفهاني في الفصول الغروية: ص 64 س 31، والمحقق العراقي في نهاية الأفكار: ج 1 ص 162. (2) تقدم في ج 1 ص 52 من هذا الكتاب فراجع. (3) تقدم كذلك في ج 1 ص 99. (*)

[ 13 ]

في الخارج قضاء لحق العبودية، وأداء لوظيفة المولوية، وتحصيلا للأمن من العقوبة، ولا نعني بالوجوب إلا إدراك العقل لأبدية الخروج عن عهدته فيما إذا لم يحرز من الداخل أو من الخارج ما يدل على جواز تركه. الجهة الرابعة: في الطلب والإرادة. قد سبق منا في الجهة الثالثة: أن الأمر موضوع للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، فلا يدل على شئ ما عداه. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: تعرض المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) في المقام للبحث عن جهة اخرى، وهي: أن الطلب هل يتحد مع الإرادة أو لا ؟ فيه وجوه وأقوال، قد اختار (قدس سره) القول بالاتحاد، واليك نص مقولته: (فاعلم: أن الحق كما عليه أهله - وفاقا للمعتزلة، وخلافا للأشاعرة - هو اتحاد الطلب والإرادة، بمعنى: أن لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد، وما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر، والطلب المنشأ بلفظه أو بغيره عين الإرادة الإنشائية. وبالجملة: هما متحدان مفهوما وإنشاء وخارجا، لا أن الطلب الإنشائي الذي هو المنصرف إليه إطلاقه - كما عرفت - متحد مع الإرادة الحقيقية التي ينصرف إليها إطلاقها أيضا، ضرورة أن المغايرة بينهما أظهر من الشمس وأبين من الأمس. فإذا عرفت المراد من حديث العينية والاتحاد ففي مراجعة الوجدان عند طلب شئ والأمر به حقيقة كفاية، فلا يحتاج الى مزيد بيان وإقامة برهان، فإن الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب غيرها، سوى ما هو مقدمة تحققها عند خطور الشئ، والميل، وهيجان الرغبة إليه، والتصديق لفائدته، والجزم بدفع ما يوجب توقفه عن طلبه لأجلها. وبالجملة: لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والإرادة هناك صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب، فلا محيص إلا عن اتحاد الإرادة والطلب، وأن يكون ذاك الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة، أو المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده، لا كذلك مسمى بالطلب والإرادة كما يعبر به تارة، وبها اخرى كما لا يخفى) (1).


(1) كفاية الاصول: ص 85. (*)

[ 14 ]

ما أفاده (قدس سره) يحتوي على عدة نقاط: 1 - اتحاد الإرادة الحقيقية مع الطلب الحقيقي. 2 - اتحاد الإرادة الإنشائية مع الطلب الإنشائي. 3 - مغايرة الطلب الإنشائي للطلب الحقيقي، والإرادة الإنشائية للإرادة الحقيقية. ولم يبرهن (قدس سره) على هذه النقاط، بل أحالها الى الوجدان. ولنأخذ بالنظر في هذه النقاط: أما الاولى: فهي خاطئة جدا، والسبب في ذلك: أن الإرادة بواقعها الموضوعي من الصفات النفسانية، ومن مقولة الكيف القائم بالأنفس. وأما الطلب فقد سبق أنه من الأفعال الاختيارية الصادرة عن الإنسان بالإرادة والاختيار، حيث إنه عبارة عن التصدي نحو تحصيل شئ في الخارج. ومن هنا لا يقال: طالب الضالة أو: طالب العلم إلا لمن تصدى خارجا لتحصيلهما، وأما من اشتاق اليهما - فحسب - وأراد فلا يصدق عليه ذلك، ولذا لا يقال: طالب المال أو: طالب الدنيا لمن اشتاق وأرادهما في افق النفس، ما لم يظهر في الخارج بقول أو فعل (1). وبكلمة اخرى: أن الطلب عنوان للفعل، سواء أكان الفعل نفسانيا أم خارجيا، فلا يصدق على مجرد الشوق والإرادة النفسانية، ويظهر ذلك بوضوح من مثل قولنا: طلبت زيدا فما وجدته، أو: طلبت من فلان كتابا - مثلا - فلم يعطني...، وهكذا، ضرورة أن الطلب في أمثال ذلك عنوان للفعل الخارجي، وليس إخبارا عن الإرادة والشوق النفساني فحسب، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلب متعلقا بفعل نفس الإنسان أو عنوانا له كطالب الضالة وطالب العلم وما شاكلهما، وأن يكون متعلقا بفعل غيره، وعلى كلا التقديرين فلا يصدق على مجرد الإرادة. وقد تحصل من ذلك: أن الطلب مباين للإرادة مفهوما ومصداقا، فما أفاده (قدس سره) من أن الوجدان يشهد باتحادها خطأ جدا.


(1) تقدم في ص 5 فراجع. (*)

[ 15 ]

وأما النقطة الثانية: فقد ظهر نقدها مما أوردناه على النقطة الاولى، وذلك لما عرفت من أن الطلب عنوان للفعل الخارجي أو الذهني، وليس منشأ بمادة الأمر، أو بصيغتها، أو ما شاكلها. فإذا لا موضوع لما أفاده (قدس سره): من أن الطلب الإنشائي عين الإرادة الانشائية. ومن هنا يظهر حال النقطة الثالثة، فإنها إنما تتم إذا كانت متوفرة لأمرين: الأول: القول بأن الطلب منشأ بالصيغة، أو نحوها. الثاني: القول بالإرادة الإنشائية في مقابل الإرادة الحقيقية، ولكن كلا القولين خاطئ جدا. وأما النقطة الرابعة: (1) فالأمر وإن كان كما أفاده (قدس سره) إلا أن عدم تحقق الطلب حقيقة ليس بملاك عدم تحقق الإرادة كذلك في أمثال الموارد، بل بملاك ما عرفت من أن الطلب عنوان لمبرز الإرادة ومظهرها من قول أو فعل، وحيث لاإرادة هاهنا فلا مظهر لها حتى يتصف بعنوان الطلب. وعلى ضوء هذا البيان يظهر فساد ما قيل: من أن الطلب والإرادة متباينان مفهوما ومتحدان مصداقا وخارجا (2)، ووجه الظهور ما عرفت من تباينهما مفهوما ومصداقا، فلا يمكن صدقهما في الخارج على شئ واحد كما مر بشكل واضح. ثم لا يخفى أن غرض صاحب الكفاية (قدس سره) من هذه المحاولة نفي الكلام النفسي الذي يقول به الأشاعرة، بتخيل أن القول بتغاير الطلب والإرادة يستلزم القول بثبوت صفة اخرى غير الصفات المعروفة المشهورة، وبطبيعة الحال أن مرد ذلك هو التصديق بما يقوله الأشاعرة من الكلام النفسي. ولكن قد عرفت أن هذه المحاولة غير ناجحة. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أنا سنذكر بعد قليل: أن نفي الكلام النفسي لا يرتكز على القول باتحاد الطلب والإرادة، حيث إنا نقول بتغايرهما، فمع ذلك نبرهن بصورة قاطعة بطلان محاولة الأشاعرة لإثبات أن كلامه تعالى نفسي لا لفظي (3).


(1) كذا، ولكن النقاط المشار إليها إجمالا فيما سبق ثلاث نقاط، فلاحظ. (2) انظر درر الفوائد: ج 1 ص 41. (3) سيأتي في ص 18 وما بعدها فلاحظ. (*)

[ 16 ]

بحث ونقد حول عدة نقاط الاولى: نظرية الأشاعرة: الكلام النفسي، ونقدها. الثانية: نظرية الفلاسفة: إرادته تعالى من الصفات الذاتية، ونقدها. الثالثة: نظرية الأشاعرة: مسألة الجبر، ونقدها. الرابعة: نظرية المعتزلة: مسألة التفويض، ونقدها. الخامسة: نظرية الإمامية: مسألة الأمر بين الأمرين. السادسة: نظرية العلماء: مسألة العقاب. (1) نظرية الأشاعرة " الكلام النفسي " ونقدها ذهب الأشاعرة الى أن كلامه تعالى من الصفات الذاتية العليا، وهو قائم بذاته الواجبة، قديم كبقية صفاته العليا: من العلم، والقدرة، والحياة، وليس من صفاته الفعلية: كالخلق، والرزق، والرحمة، وما شاكلها. ولأجل ذلك قد اضطروا الى الالتزام بأن كلامه تعالى نفسي ما وراء الكلام اللفظي، وهو قديم قائم بذاته تعالى، فإن الكلام اللفظي حادث فلا يعقل قدمه، وقد صرحوا به في ضمن محاولتهم واستدلالهم على الكلام النفسي، واليكم نص مقولتهم:

[ 17 ]

(وهذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن، بل نقوله ونسميه كلاما لفظيا، ونعترف بحدوثه، وعدم قيامه بذاته تعالى، ولكنا نثبت أمرا وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ، ونقول: هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته تعالى، ونزعم أنه غير العبارات، إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام، ولا يختلف ذلك المعنى النفسي، بل نقول: ليس ينحصر الدلالة عليه في الألفاظ، إذ قد يدل عليه بالإشارة والكتابة، كما يدل عليه بالعبارة. والطلب الذي هو معنى قائم بالنفس واحد لا يتغير مع تغير العبارات، ولا يختلف باختلاف الدلالات، وغير المتغير، أي: ما ليس متغيرا - وهو المعنى - مغاير للمتغير الذي هو العبارات. ونزعم أنه - أي: المعنى النفسي الذي هو الخبر - غير العلم، إذ قد يخبر الرجل عما لا يعلمه، بل يعلم خلافه أو يشك فيه، وأن المعنى النفسي الذي هو الأمر غير الإرادة، لأنه يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا ؟ فإن مقصوده مجرد الاختبار دون الإتيان بالمأمور به، وكالمتعذر من ضرب عبده بعصيانه فإنه قد يأمره وهو يريد أن لا يفعل المأمور به، ليظهر عذره عند من يلومه. واعترض عليه بأن الموجود في هاتين الصورتين صيغة الأمر، لا حقيقته، إذ لا طلب فيهما أصلا، كما لا إرادة قطعا، فإذا هو - أي: المعنى النفسي الذي يعبر عنه بصيغة الخبر والأمر - صفة ثالثة مغايرة للعلم والإرادة، قائمة بالنفس، ثم نزعم أنه قديم، لا متناع قيام الحوادث بذاته تعالى) (1). ومن الغريب جدا ما نسب إلى الحنابلة في شرح المواقف (2)، وهذا نصه: (قال الحنابلة: كلامه حرف وصوت يقومان بذاته تعالى، وإنه قديم، وقد بالغوا فيه حتى قال بعض جهلا: الجلد والغلاف قديمان فضلا عن المصحف) (3). يتضمن هذا النص عدة خطوط: 1 - إن لله تعالى سنخين من الكلام: النفسي واللفظي، والأول من صفاته تعالى، وهو قديم قائم بذاته الواجبة دون الثاني.


(1) شرح المواقف: المقصد السابع ج 8 ص 95 ط منشورات الرضي. (2) الموقف الخامس من الإلهيات: ص 76. (3) شرح المواقف: المقصد السابع ج 8 ص 92. (*)

[ 18 ]

2 - إن الكلام النفسي عبارة عن المعنى القائم بالنفس، ويبرزه في الخارج بالألفاظ والعبارات بشتى ألوانها وأشكالها، ولا يختلف ذلك المعنى باختلافها، كما لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. 3 - إنهم عبروا عن ذلك المعنى تارة بالطلب، واخرى بالأمر، وثالثة بالخبر، ورابعة بصيغة الخبر. 4 - إن هذا المعنى غير العلم، إذ قد يخبر الإنسان عما لا يعلمه، أو يعلم خلافه. وغير الإرادة، إذ قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده فإن مقصوده الامتحان والاختبار والإتيان بالمأمور به في الخارج. ولنأخذ بالنقد على هذه الخطوط جميعا: أما الأول: فسنبينه بشكل واضح في وقت قريب إن شاء الله تعالى: أن كلامه منحصر بالكلام اللفظي، وأن القرآن المنزل على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هو كلامه تعالى بتمام سوره وآياته وكلماته، لا أنه حاك عن كلامه، لوضوح أن ما يحكي القرآن عنه ليس من سنخ الكلام كما سيأتي بيانه. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أن السبب الذي دعا الأشاعرة إلى الالتزام بالكلام النفسي هو تخيل أن التكلم من صفاته الذاتية، ولكن هذا الخيال خاطئ جدا، وذلك لما سيجئ (1) - إن شاء الله تعالى - بصورة واضحة: أن التكلم ليس من الصفات الذاتية، بل هو من الصفات الفعلية. وأما الثاني: فيتوقف نقده على تحقيق حال الجمل الخبرية والإنشائية. أما الاولى: فقد حققنا في بحث الإنشاء والإخبار: أن الجمل الخبرية موضوعة للدلالة على قصد المتكلم الحكاية والإخبار عن الثبوت، أو النفي في الواقع. هذا بناء على نظريتنا (2). وأما بناء على نظرية المشهور فلأنها موضوعة للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع، أو نفيها عنه. ومن الطبيعي أن مدلولها على ضوء كلتا النظريتين ليس من


(1) سيأتي في ص 23 - 24 فلاحظ. (2) تقدم في ج 1 ص 96 فراجع. (*)

[ 19 ]

سنخ الكلام ليقال: إنه كلام نفسي، ضرورة أن الكلام النفسي عند القائلين به وإن كان موجودا نفسانيا إلا أن كل موجود نفساني ليس بكلام نفسي، بل لابد أن يكون سنخ وجوده سنخ وجود الكلام، لفرض أنه ليس من سنخ وجود الصفات المعروفة الموجودة في النفس. ومن المعلوم أن قصد الحكاية على رأينا وثبوت النسبة على رأي المشهور ليس من ذلك. وبكلمة واضحة: إذا حللنا الجمل الخبرية تحليلا موضوعيا وفحصنا مداليلها في إطاراتها الخاصة فلا نجد فيها سوى عدة امور: الأول: تصور معاني مفرداتها بموادها وهيئاتها. الثاني: تصور معاني هيئاتها التركيبية. الثالث: تصور مفردات الجملة. الرابع: تصور هيئاتها. الخامس: تصور مجموع الجملة. السادس: تصور معنى الجملة. السابع: التصديق بمطابقتها للواقع، أو بعدم مطابقتها له. الثامن: إرادة إيجادها في الخارج. التاسع: الشك في ذلك. وبعد ذلك نقول: إن شيئا من هذه الامور ليس من سنخ الكلام النفسي عند القائلين به. أما الأول: فواضح، إذ الكلام النفسي عند القائلين به ليس من سنخ المعنى أولا على ما سيأتي بيانه (1). وليس من سنخ المعنى المفرد ثانيا. وأما الثاني: فلأن الكلام النفسي - كما ذكروه - صفة قائمة بالنفس كسائر الصفات النفسانية، ومن الطبيعي أن المعنى ليس كذلك فإنه مع قطع النظر عن


(1) سيأتي تفصيله في البحث التالي، فانتظر. (*)

[ 20 ]

وجوده وتحققه في الذهن ليس قائما بها، ومع لحاظ وجوده وتحققه فيه وإن كان قائما بها إلا أنه بهذا اللحاظ علم وليس بكلام نفسي على الفرض. وعلى ضوء هذا البيان يظهر حال جميع الامور الباقية، فإن الثالث، والرابع، والخامس، والسادس، والتاسع من مقولة العلم التصوري، والسابع من مقولة العلم التصديقي، والثامن من مقولة الإرادة. فالنتيجة: أن الكلام النفسي بهذا الإطار الخاص عند القائلين به غير متصور في موارد الجمل الخبرية، وحينئذ فلا يخرج عن مجرد افتراض ولقلقة لسان بلا واقع موضوعي له. وأما الجمل الإنشائية: فقد سبق الكلام فيها بشكل مفصل، وقلنا هناك: إن نظريتنا فيها تختلف عن نظرية المشهور، حيث إن المشهور قد فسروا الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظ. ولكن قد حققنا هناك: أنا لا نعقل لذلك معنى صحيحا معقولا، والسبب في ذلك: هو أنهم لو أرادوا بالإيجاد الإيجاد التكويني كإيجاد الجوهر والعرض فبطلانه من البديهيات التي لا تقبل الشك، ضرورة أن الموجودات الخارجية - بشتى أشكالها وأنواعها - ليست مما توجد بالألفاظ. كيف والألفاظ ليست واقعة في سلسلة عللها وأسبابها كي توجد بها ؟ وإن أرادوا به الإيجاد الاعتباري كإيجاد الوجوب والحرمة أو الملكية والزوجية وغير ذلك فيرده: أنه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلم به، ضرورة أن اللفظ في الجملة الإنشائية لا يكون علة لإيجاد الأمر الاعتباري، ولا واقعا في سلسلة علتة، لوضوح أنه يتحقق بنفس اعتبار المعتبر في افق النفس، سواء أكان هناك لفظ يتلفظ به أم لم يكن (1). ودعوى: أن مرادهم بذلك الإيجاد التنزيلي ببيان أن وجود اللفظ في الخارج


(1) قد تقدم في ج 1 ص 99 فراجع. (*)

[ 21 ]

وجود للمعنى فيه تنزيلا - ومن هنا يسري إليه قبح المعنى وحسنه، وعلى هذا صح أن يفسروا الإنشاء بإيجاد المعنى - خاطئة جدا، وذلك لأن تمامية هذه الدعوى ترتكز على نظرية من يرى كون الوضع عبارة عن الهو هوية، وجعل وجود اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى، ولكن قد ذكرنا في محله: أن هذه النظرية باطلة، وقلنا هناك: إن حقيقة الوضع عبارة عن التعهد والالتزام النفساني (1)، وعليه فلا اتحاد بينهما، لا حقيقة وواقعا، ولا عناية ومجازا ليكون وجود اللفظ وجودا تنزيليا له. وأما مسألة سراية القبح والحسن فهي لا ترتكز على النظرية المزبورة، بل هي من ناحية كون اللفظ كاشفا عنه ودالا عليه، ومن الطبيعي أنه يكفي لذلك وجود العلاقة الكاشفية بينهما، ولا فرق في وجود هذه العلاقة بين نظرية دون اخرى في مسألة الوضع. وبعد ذلك نقول: إن مدلول الجمل الإنشائية على كلتا النظريتين ليس من سنخ الكلام النفسي عند القائلين به. أما على نظرية المشهور فواضح، لما عرفت من أن الكلام النفسي عندهم: عبارة عن صفة قائمة بالنفس في مقابل سائر الصفات النفسانية، وقديم كغيرها من الصفات الأزلية (2). وبطبيعة الحال أن إيجاد المعنى باللفظ فاقد لهاتين الركيزتين معا. أما الركيزة الاولى فلأنه ليس من الامور النفسانية ليكون قائما بها. وأما الثانية فلفرض أنه حادث بحدوث اللفظ، وليس بقديم. وأما على نظريتنا فأيضا الأمر كذلك، فإن إبراز الأمر الاعتباري ليس من الامور النفسانية أيضا. فالنتيجة لحد الآن: أنه لا يعقل في موارد الجمل الخبرية والإنشائية ما يصلح أن يكون من سنخ الكلام النفسي، ومن هنا قلنا: إنه لا يخرج عن مجرد وهم وخيال، فلا واقع موضوعي له.


(1) تقدم في ج 1 ص 47 - 51 فراجع. (2) مر ذكره في ص 14 - 17 فراجع. (*)

[ 22 ]

ثم إنه قد يتوهم أن صورة الكلام اللفظي المتمثلة في افق النفس هي كلام نفسي، ولكن هذا التوهم خاطئ، لسببين: الأول: أن هذه الصورة وإن كانت موجودة في افق النفس ومتمثلة فيه إلا أنها ليست بكلام نفسي، ضرورة أن الكلام النفسي عند القائلين به مدلول للكلام اللفظي، والمفروض أن تلك الصورة بهذا الإطار الخاص ليست كذلك، لما عرفت (1) من أن مدلول الكلام سواء أكان إخباريا أم إنشائيا أجنبي عنها. أضف الى ذلك ما ذكرناه (2) في محله: من أن الموجود بما هو موجود لا يعقل أن يكون مدلولا للفظ، من دون فرق في ذلك بين الموجود الخارجي والذهني، فإذا لا يمكن أن تكون تلك الصورة مدلولا له لتكون كلاما نفسيا، على أنها لا تختص بخصوص الكلام الصادر عن المتكلم بالاختيار، بل تعم جميع الأفعال الاختيارية بشتى أنواعها وأشكالها، حيث إن صورة كل فعل اختياري متمثلة في افق النفس قبل وجوده الخارجي. الثاني: أن هذه الصورة نوع من العلم والتصور، وهو التصور الساذج، وقد تقدم أن الكلام النفسي عندهم صفة اخرى في مقابل صفة العلم والإرادة ونحوهما (3). وقد تخيل بعضهم أن الكلام النفسي: عبارة عن الطلب المدلول عليه بصيغة الأمر، ولكن هذا الخيال فاسد جدا، والسبب في ذلك: ما حققناه سابقا من أن الطلب وإن كان غير الإرادة مفهوما ومصداقا إلا أنه ليس بكلام نفسي، لما عرفت (4) من أنه عبارة عن التصدي نحو المقصود خارجا، وهو من الأفعال الخارجية، وليس من المفاهيم اللفظية في شئ حتى يدعى أنه كلام نفسي، ومن هنا قلنا: إن الصيغة مصداق للطلب، لا أنها وضعت بإزائه. فالنتيجة على ضوء هذا البيان أمران:


(1) تقدم في ص 17 فراجع. (2) قد تقدم في ج 1 ص 60 فراجع. (3) راجع ص 17 من هذا الكتاب. (4) تقدم في ص 7 - 8 فراجع. (*)

[ 23 ]

الأول: فساد توهم كون الطلب منشأ بالصيغة أو ما شاكلها. الثاني: أن الأشاعرة قد أخطأوا هنا في نقطة وأصابوا في نقطة اخرى. أما النقطة الخاطئة: فهي أنهم جعلوا الطلب من الصفات النفسانية، وقد عرفت خطأ ذلك. وأما النقطة الثانية: فهي أنهم جعلوا الطلب مغايرا للإرادة ذاتا وعينا، وقد سبق صحة ذلك. وأما الثالث: فنفس اختلاف كلماتهم في تفسيره - يعني: مرة بالطلب، واخرى بالخبر، وثالثة بالأمر، ورابعة بصيغة الأمر - شاهد صدق على أنهم أيضا لم يتصوروا له معنى محصلا، إلا أن يقال: إن ذلك منهم مجرد اختلاف في التعبير واللفظ والمقصود واحد، ولكن ننقل الكلام الى ذلك المقصود الواحد، وقد عرفت أنه لا واقع موضوعي له أصلا، ولا يخرج عن حد الفرض والخيال. وأما الرابع: فقد ظهر جوابه مما ذكرناه بصورة مفصلة: من أنه ليس في الجمل الخبرية والإنشائية شئ يصلح أن يكون كلاما نفسيا (1). وقد استدل على الكلام النفسي بعدة وجوه اخر: الأول: أن الله تعالى قد وصف نفسه بالتكلم في الكتاب الكريم بقوله: * (وكلم الله موسى تكليما) * (2). ومن المعلوم أن التكلم صفة له: كالعلم والقدرة والحياة وما شاكلها. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أن صفاته تعالى قديمة قائمة بذاته ولا يمكن أن تكون حادثة، لاستحالة قيام الحادث بذاته تعالى كقيام الحال بالمحل، والصفة بالموصوف. نعم، يجوز قيام الحادث بها كقيام الفعل بالفاعل. ومن ناحية ثالثة: أن الكلام اللفظي حيث إنه مؤلف من حروف وأجزاء متدرجة متصرمة في الوجود لا يعقل أن يكون قديما، وعليه فلا يمكن أن يكون


(1) راجع ص 19 وما بعدها. (2) النساء: 164. (*)

[ 24 ]

المراد من الكلام في الآية الكريمة الكلام اللفظي، ضرورة استحالة كون ذاته المقدسة محلا للحادث. ومن ناحية رابعة: أن الكلام النفسي حيث إنه ليس من مقولة الألفاظ فلا يلزم من قيامه بذاته تعالى قيام الحادث بالقديم. فالنتيجة على ضوء هذه النواحي: هي أن كلامه تعالى نفسي لا لفظي. ولنأخذ بالنقد على هذا الدليل: أن صفاته تعالى على نوعين: الأول: الصفات الذاتية: كالعلم، والقدرة، والحياة، وما يؤول إليها، فإن هذه الصفات عين ذاته تعالى في الخارج، فلا اثنينية فيه ولا مغايرة، وإن قيامها بها قيام عيني، وهو من أعلى مراتب القيام وأظهر مصاديقه، لا قيام صفة بموصوفها، أو قيام الحال بمحله. ومن هنا ورد في الروايات: " أن الله تعالى وجود كله، وعلم كله، وقدرة كله، وحياة كله " (1). وإلى هذا المعنى يرجع قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: " وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف " (2). الثاني: الصفات الفعلية: كالخلق، والرزق، والرحمة، وما شاكلها فإن هذه الصفات ليست عين ذاته تعالى. حيث إن قيامها بها ليس قياما عينيا كالصفات الذاتية. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أن قيام هذه الصفات بذاته تعالى ليس من قيام الحال بمحله، والوجه في ذلك: أن هذه الصفات لا تخلو من أن تكون حادثة، أو تكون قديمة، ولا ثالث لهما. فعلى الأول لزم قيام الحادث بذاته تعالى، وهو مستحيل، وعلى الثاني لزم تعدد القدماء وقد برهن في محله استحالة ذلك. فالنتيجة على ضوئهما أمران: الأول: أن مبادئ هذه الصفات أفعاله تعالى الاختيارية.


(1) بحار الأنوار: ج 4 ص 84 ح 16 و 17 و 19 مع تفاوت. (2) نهج البلاغة: الخطبة الاولى. (*)

[ 25 ]

الثاني: أنها تمتاز عن الصفات الذاتية في نقطة واحدة، وهي: أن الصفات الذاتية عين ذاته تعالى، فيستحيل اتصاف ذاته بعدمها بأن لا يكون ذاته في مرتبة ذاته عالما، ولا قادرا، ولا حيا، وهذا بخلاف تلك الصفات، حيث إنها أفعاله تعالى الاختيارية فتنفك عن ذاته، وتتصف ذاته بعدمها، يعني: يصح أن يقال: إنه تعالى لم يكن خالقا للأرض - مثلا - ثم خلقها، ولم يكن رازقا لزيد - مثلا - ثم رزقه...، وهكذا. ومن ثمة تدخل عليها أدوات الشرط وما شاكلها، ولم تدخل على الصفات العليا الذاتية. وإن شئتم قلتم: إن القدرة تتعلق بالصفات الفعلية وجودا وعدما، فإن له تعالى أن يخلق شيئا، وله أن لا يخلق، وله أن يرزق، وله أن لا يرزق، وهكذا، ولم تتعلق بالصفات الذاتية أبدا. وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر: أن التكلم من الصفات الفعلية دون الصفات الذاتية، وذلك لوجود ملاك الصفات الفعلية فيه، حيث يصح أن يقال: إنه تعالى كلم موسى (عليه السلام) ولم يكلم غيره، أو كلم في الوقت الفلاني ولم يكلم في وقت آخر، وهكذا. ولا يصح أن يقال: إنه تعالى ليس عالما بالشئ الفلاني، أو في الوقت الفلاني. فما ذكره الأشاعرة: من أن التكلم صفة له تعالى وكل صفة له قديم نشأ من الخلط بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية (1). الثاني (2): أن كل كلام صادر من المتكلم بإرادته واختياره مسبوق بتصوره في افق النفس على الشكل الصادر منه، ولا سيما إذا كان للمتكلم عناية خاصة به، كما إذا كان في مقام إلقاء خطابة أو شعر أو نحو ذلك، وهذا المرتب الموجود في افق النفس هو الكلام النفسي وقد دل عليه الكلام اللفظي، وإلى ذلك أشار قول الشاعر:


(1) قد مر الاستدلال بهذا في ص 23 فلاحظ. (2) أي: الوجه الثاني من وجوه الاستدلال على الكلام النفسي. (*)

[ 26 ]

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا ويرده أولا: أن هذه الدلالة ليست دلالة لفظية، وإنما هي دلالة عقلية كدلالة وجود المعلول على وجود علته، ومن هنا لا تختص بخصوص الألفاظ، بل تعم كافة الأفعال الاختيارية. وبكلمة اخرى: بعدما ذكرنا في بحث الحروف: أن الألفاظ لم توضع للموجودات الخارجية ولا للموجودات الذهنية (1) فلا يعقل أن تكون تلك الصورة معنى لها لتكون دلالتها عليها دلالة وضعية، بل هي من ناحية أن صدور الألفاظ عن لافظها حيث كان بالاختيار والإرادة فبطبيعة الحال تدل على تصورها في افق النفس دلالة المعلول على علته، بقانون أن كل فعل صادر عن الإنسان بالاختيار لابد أن يكون مسبوقا بالتصور والالتفات، وإلا فلا يكون اختياريا. وعلى هذا فكل فعل اختياري ينقسم الى نوعين: الأول: الفعل النفسي. الثاني: الفعل الخارجي فلا يختص ذلك بالكلام فحسب، ولا أظن أن الأشاعرة يلتزمون بذلك. وثانيا: أن تلك الصورة نوع من العلم، وقد عرفت أن الأشاعرة قد اعترفت بأن الكلام النفسي صفة اخرى في مقابل صفة العلم (2). الثالث: لا ريب في أن الله تعالى متكلم، وقد دلت على ذلك عدة من الآيات. ولازم ذلك قيام المبدأ على ذاته قياما وصفيا، لا قيام الفعل بالفاعل، وإلا لم يصح إطلاق المتكلم عليه. ومن هنا لا يصح إطلاق النائم والقائم، والمتحرك، والساكن، والذائق، وما شاكل ذلك عليه تعالى، مع أن مبادئ هذه الأوصاف قائمة بذاته قيام الفعل بالفاعل.


(1) تقدم في ج 1 ص 60 فراجع. (2) قد مر ذكره في ص 18 فلاحظ. (*)

[ 27 ]

وإن شئت قلت: إن هذه الهيئات وما شاكلها لا تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الفعل بالفاعل، وإنما تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الصفة بالموصوف. هذا من جهة. ومن جهة اخرى: أن الذي دعا الأشاعرة الى الالتزام بالكلام النفسي هو تصحيح متكلميته تعالى في مقابل بقية صفاته، فإن الكلام اللفظي حيث إنه حادث لا يعقل قيامه بذاته تعالى قيام الصفة بالموصوف، لاستحالة كون ذاته تعالى محلا للحوادث. فالنتيجة على ضوئهما: هي أن كلامه تعالى نفسي لا لفظي. ولنأخذ بالمناقشة في هذا الدليل نقضا وحلا: أما الأول: فلا ريب في أن الله تعالى متكلم بكلام لفظي، وقد دلت على ذلك عدة من الآيات والروايات: منها: قوله تعالى: * (إنما أمره إذا أرد شيئا أن يقول له كن فيكون) * (1)، فإن قوله: " كن فيكون " كلامه تعالى، ومن هنا لا نظن أن الأشاعرة ينكرون ذلك، بل قد تقدم أنهم معترفون به (2). وعليه، فما هو المبرر لهم في إطلاق المتكلم بالكلام اللفظي عليه تعالى هو المبرر لنا. وأما الثاني: فلأن المتكلم ليس مشتقا اصطلاحيا، لفرض عدم المبدأ له. بل هو نظير هيئة: اللابن، والتامر، والمتقمص، والمتنعل، والبقال، وما شاكل ذلك، فإن المبدأ فيها من أسماء الأعيان، والذوات، وهو اللبن، والتمر، والقميص، والنعل، والبقل، ولكن باعتبار اتخاذ الشخص هذه الامور حرفة وشغلا ولازما له صارت مربوطة به، ولأجل هذا الارتباط صح إطلاق هذه الهيئات عليه. نعم، إنها مشتقات جعلية باعتبار جعلية مبادئها ومصادرها. والسبب في ذلك: أن الكلم ليس مصدرا للمتكلم، لفرض أن معناه: الجرح لا الكلام، وكلم ليس


(1) يس: 82. (2) راجع ص 17 من هذا الكتاب. (*)

[ 28 ]

فعلا ثلاثيا مجردا له ليزاد عليه حرف فيصبح مزيدا فيه. وعليه فبطبيعة الحال يكون التكلم مصدرا جعليا، والكلام اسم مصدر كذلك. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أن المبدأ الجعلي للمتكلم في هذا الحال لا يخلو من أحد أمرين: إما التكلم، أو الكلام، ولا ثالث لهما. أما على الأول: فلا يرد عليه النقض بعدم صدق النائم والقائم والمتحرك وما شابه ذلك عليه تعالى، مع أنه موجد لمبادئها، وذلك لأن التكلم من قبيل الأفعال دون الأوصاف. والمبادئ في الهيئات المذكورة من قبيل الأوصاف دون الأفعال، ولأجل الاختلاف في هذه النقطة تمتاز هيئة المتكلم عن هذه الهيئات، حيث إنها لا تصدق إلا على من تقوم به مبادئها قيام الصفة بالموصوف، والحال بالمحل، ومن ثمة لا تصدق عليه تعالى، وهذا بخلاف هيئة المتكلم فإنها تصدق على من يقوم به التكلم قيام الفعل بالفاعل، ولا يعتبر في صدقها الاتصاف والحلول، ولذلك صح إطلاقها عليه تعالى من دون محذور. وأما على الثاني: فالأمر أيضا كذلك. والوجه فيه: أن الكلام عبارة عن الكيف المسموع الحاصل من تموج الهواء واصطكاكه، ومن الطبيعي أن المتكيف بالكلام والمتصف به إنما هو الهواء دون غيره، فلا يعقل قيامه بغيره قيام الصفة بالموصوف والحال بالمحل، ولا فرق في ذلك بين ذاته تعالى وغيره. ونتيجة ذلك: أن إطلاق المتكلم عليه تعالى كإطلاقه على غيره باعتبار إيجاده الكلام، بل الأمر كذلك في بعض المشتقات المصطلحة أيضا: كالقابض والباسط وما شاكلهما، فإن صدقه عليه تعالى بملاك أنه موجد للقبض والبسط ونحوهما، لا بملاك قيامها به قيام وصف أو حلول. وأما عدم صحة إطلاق النائم، والقائم، والساكن، وما شاكل ذلك عليه تعالى مع أنه موجد لمبادئها فيمكن تبريره بأحد وجهين: الأول: أن ذلك ليس أمرا قياسيا بحيث إذا صح الإطلاق بهذا الاعتبار في مورد صح إطلاقه في غيره من الموارد أيضا بذلك الاعتبار، وليس لذلك ضابط

[ 29 ]

كلي، بل هو تابع للاستعمال والإطلاق، وهو يختلف باختلاف الموارد، فيصح في بعض الموارد دون بعض كما عرفت (1). ودعوى: أن هيئة الفاعل موضوعة لإفادة قيام المبدأ بالذات قيام حلول خاطئة جدا، وذلك لما ذكرناه في بحث المشتق: من أن الهيئة موضوعة للدلالة على قيام المبدأ بالذات بنحو من أنحاء القيام، وأما خصوصية كون القيام بنحو الحلول، أو الإيجاد، أو الوقوع، أو غير ذلك فهي خارجة عن مفاد الهيئة (2). وقد تحصل من ذلك: أنه ليس لما ذكرناه ضابط كلي، بل يختلف باختلاف الموارد. ومن هنا لا يصح إطلاق المشتق في بعض الموارد على من يقوم به المبدأ قيام حلول، كإطلاق المتكلم على الهواء فإنه لا يصح، وكذا إطلاق الضارب على من وقع عليه الضرب... وهكذا، مع أن قيام المبدأ فيها قيام الحال بالمحل. الثاني: يمكن أن يكون منشأ ذلك اختلاف نوعي الفعل، أعني: المتعدي واللازم. بيان ذلك: أن الفعل إذا كان متعديا كفى في اتصاف فاعله به قيامه به قيام صدور وإيجاد، وأما الزائد على هذا فغير معتبر فيه، وذلك كالقابض والباسط، والخالق، والرازق، والمتكلم، والضارب، وما شاكلها. وأما إذا كان لازما فلا يكفي في اتصافه به صدوره منه، بل لابد في ذلك من قيام المبدأ به قيام الصفة بالموصوف، والحال بالمحل، وذلك كالعالم والنائم، والقائم، وما شاكله. وعلى ضوء هذا الضابط يظهر وجه عدم صحة إطلاق النائم والقائم عليه تعالى، كما يظهر وجه صحة إطلاق العالم، والخالق، والقابض، والباسط، والمتكلم، وما شابه ذلك عليه سبحانه وتعالى. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: يظهر وجه عدم صحة إطلاق المتكلم على الهواء، وإطلاق الضارب على من وقع عليه الضرب... وهكذا. الرابع: أن الكلام كما يصح إطلاقه على الكلام اللفظي الموجود في الخارج


(1) مر ذكره في ص 27 فلاحظ. (2) راجع ج 1 ص 325 وما بعدها. (*)

[ 30 ]

كذلك يصح إطلاقه على الكلام النفسي الموجود في الذهن، من دون لحاظ عناية في البين. ومن هنا يصح أن يقول القائل: إن في نفسي كلاما لا اريد أن ابديه. ويشهد على ذلك قوله تعالى: * (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور) * (1)، وقوله تعالى: * (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) * (2)، ونحوهما مما يدلنا على ذلك، وهذا الموجود المرتب في النفس هو الكلام النفسي، ويدل عليه الكلام اللفظي. وجوابه يظهر مما ذكرناه آنفا: من أن هذا الموجود المرتب في النفس ليس من سنخ الكلام ليكون كلاما نفسيا عند القائلين به، بل هو صورة للكلام اللفظي. ومن هنا قلنا: إن ذلك لا يختص بالكلام، بل يعم كافة أنواع الأفعال الاختيارية. وبكلمة واضحة: إن أرادوا به أن يكون لكل فعل فردان: فرد خارجي، وفرد ذهني، ومنه الكلام فهو غير معقول، وذلك لأن قيام الأشياء بالنفس إنما هو بصورها - قياما علميا - لا بواقعها الموضوعي، وإلا لتداخلت المقولات بعضها في بعض، وهو مستحيل. نعم، الكيفيات النفسانية كالعلم والإرادة ونحوهما قائمة بها بأنفسها وبواقعها الموضوعي، وإلا لذهب الى ما لا نهاية له. وعليه فلا يكون ما هو الموجود في النفس كلاما حقيقة، بل هو صورة ووجود علمي له. وإن أرادوا به صورة الكلام اللفظي فقد عرفت أنها من مقولة العلم، وليست بكلام نفسي في شئ، على أنك عرفت أن الكلام النفسي عندهم مدلول للكلام اللفظي، وتلك الصورة ليست مدلولة له كما تقدم (3). ومن هنا يظهر: أن إطلاق الكلام على هذا المرتب الموجود في النفس مجاز: إما بعلاقة الأول، أو بعلاقة المشابهة في الصورة.


(1) الملك: 13. (2) البقرة: 284. (3) راجع ص 19 من هذا الكتاب. (*)

[ 31 ]

وأما الآيتان الكريمتان فلا تدلان بوجه على أن هذا الموجود في النفس كلام نفسي. أما الآية الاولى: فيحتمل أن يكون المراد فيها من " القول السر " هو القول الموجود في النفس، فالآية تكون عندئذ في مقام بيان أن الله تعالى عالم به، سواء أظهروه في الخارج أم لم يظهروه، وإطلاق القول عليه يكون بالعناية. ويحتمل أن يكون المراد منه القول السري، وهذا هو الظاهر من الآية الكريمة. فإذا الآية أجنبية عن الدلالة على الكلام النفسي بالكلية. وأما الآية الثانية فيحتمل أن يكون المراد مما في الأنفس: صورة الكلام. ويحتمل أن يكون المراد منه نية السوء، وهذا الاحتمال هو الظاهر منها، وكيف كان فلا صلة للآية بالكلام النفسي أصلا. نتائج البحث لحد الآن عدة نقاط: الاولى: أن ما ذكر من المعاني المتعددة لمادة الأمر لا واقع موضوعي له، وقد عرفت أنها موضوعة لمعنيين: إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، وحصة خاصة من الشئ. هذا من ناحية (1). ومن ناحية اخرى: أن ما ذكره شيخنا الاستاذ (قدس سره) من أن الأهمية في الجملة مأخوذة في معنى الأمر لا أصل له. ومن هنا قلنا بصحة توصيف الأمر بما لا أهمية له بدون عناية (2). كما أنه لا أصل لجعل معناه واحدا، لما ذكرناه من أن اختلافه في الجمع شاهد على تعدد معناه (3). ومن ناحية ثالثة: أن ما أفاده شيخنا المحقق (قدس سره) من أنه موضوع للمعنى الجامع بينهما خاطئ جدا، لما سبق من أن الجامع الذاتي بينهما غير معقول (4). الثانية: لا ثمرة للبحث عن أن معنى الأمر واحد أو متعدد. الثالثة: لا يمكن أن يكون القول المخصوص " هيئة إفعل " معنى الأمر، لعدم


(1 و 2) تقدم في ص 7 و 5 فراجع. (3) قد تقدم في ص 6 فراجع. (4) سبق ذكره في ص 7. (*)

[ 32 ]

إمكان الاشتقاق منه باعتبار هذا المعنى. وما ذكره شيخنا المحقق (قدس سره) في تصحيح ذلك قد عرفت فساده (1). الرابعة: أن العلو معتبر في معنى الأمر، ولا يكفي الاستعلاء. الخامسة: أن الوجوب ليس مفاد الأمر، لا وضعا ولا إطلاقا. بل هو بحكم العقل، فينتزعه عند عدم نصب قرينة على الترخيص. السادسة: أن الطلب مغاير للإرادة مفهوما وواقعا، حيث إن الطلب فعل اختياري للإنسان، والإرادة من الصفات النفسانية الخارجة عن الاختيار. ومن ثمة ذكرنا: أنه لا وجه لما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من اتحاده مع الإرادة مفهوما وخارجا (2). السابعة: أنه لا واقع موضوعي للكلام النفسي أصلا، ولا يخرج عن مجرد الفرض والخيال. الثامنة: أن ما ذكره الأشاعرة من الأدلة لإثبات الكلام النفسي قد عرفت (3) فسادها جميعا. (2) نظرية الفلاسفة " إرادته تعالى ذاتية " ونقدها المعروف والمشهور بين الفلاسفة قديما وحديثا: هو أن إرادته تعالى من الصفات العليا الذاتية، كصفة العلم والقدرة والحياة. ومال إلى ذلك جماعة من الاصوليين منهم: المحقق صاحب الكفاية، وشيخنا المحقق (قدس سرهما). قال في الكفاية: إن إرادته التكوينية هو العلم بالنظام الكامل التام (4). ولكن أورد عليه شيخنا المحقق (قدس سره) بأن هذا التفسير غير صحيح. وقد أفاد في وجه ذلك بما إليك نصه:


(1) راجع ص 11. (2) تقدم في ص 14 فراجع. (3) قد تقدم في ص 18 - 30. (4) كفاية الاصول: ص 88. (*)

[ 33 ]

(لا ريب في أن مفاهيم صفاته تعالى الذاتية متخالفة، لا متوافقة مترادفة وإن كان مطابقها في الخارج واحدا بالذات ومن جميع الجهات، مثلا: مفهوم العلم غير مفهوم الذات، ومفهوم بقية الصفات وإن كان مطابق الجميع ذاته بذاته لا شئ آخر منضما الى ذاته، فإنه تعالى صرف الوجود، وصرف القدرة، وصرف العلم، وصرف الحياة، وصرف الإرادة، ولذا قالوا: " وجود كله، وقدرة كله، وعلم كله، وإرادة كله "، مع أن مفهوم الإرادة مغايرة لمفهوم العلم، ومفهوم الذات، وسائر الصفات. وليس مفهوم الإرادة العلم بالنظام الأصلح الكامل التام كما فسرها بذلك المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)، ضرورة أن رجوع صفة ذاتية الى ذاته - تعالى وتقدس - وإلى صفة اخرى كذلك إنما هو في المصداق، لا في المفهوم، لما عرفت من أن مفهوم كل واحد منها غير مفهوم الآخر. ومن هنا قال الأكابر من الفلاسفة: إن مفهوم الإرادة هو الابتهاج، والرضا، أو ما يقاربهما معنى، لا العلم بالصلاح والنظام، ويعبر عنه بالشوق الأكيد فينا. والسر في التعبير عن الإرادة فينا بالشوق المؤكد وبصرف الابتهاج والرضا فيه تعالى: هو أنا لمكان إمكاننا ناقصون في الفاعلية، وفاعليتنا لكل شئ بالقوة، فلذا نحتاج في الخروج من القوة إلى الفعل إلى مقدمات زائدة على ذواتنا من تصور الفعل، والتصديق بفائدته، والشوق الأكيد، فيكون الجميع محركا للقوة الفاعلة المحركة للعضلات، وهذا بخلاف الواجب تعالى فإنه لتقدسه عن شوائب الإمكان وجهات القوة والنقصان فاعل بنفس ذاته العليمة المريدة، وحيث إنه صرف الوجود وصرف الخير مبتهج بذاته أتم الابتهاج، وذاته مرضي لذاته أتم الرضا، وينبعث من هذا الابتهاج الذاتي - وهو الإرادة الذاتية - ابتهاج في مرحلة الفعل، فإن من أحب شيئا أحب آثاره، وهذه المحبة الفعلية هي الإرادة في مرحلة الفعل، وهي التي وردت الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بحدوثها) (1).


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 164. (*)

[ 34 ]

يحتوي ما أفاده (قدس سره) على عدة نقاط: الاولى: أن مفهوم الإرادة غير مفهوم العلم، فإن مفهوم الإرادة الابتهاج والرضا، ومفهوم العلم الانكشاف، فلا يصح تفسير أحدهما بالآخر وإن كان مطابقهما واحدا وهو ذاته تعالى. الثانية: أن إرادته تعالى من الصفات الذاتية العليا: كالعلم والقدرة وما شاكلهما، وليست من الصفات الفعلية. الثالثة: أن الإرادة فينا عبارة عن الشوق الأكيد المحرك للقوة العاملة المحركة للعضلات نحو المراد، وتحققها ووجودها في النفس يتوقف على مقدمات: كالتصور والتصديق بالفائدة ونحوهما. ومن الواضح أن الإرادة بهذا المعنى لا تتصور في حقه سبحانه وتعالى، فإن فاعليته تامة لا نقصان فيها أبدا، وأنه فاعل بنفس ذاته العليمة المريدة، ولا تتوقف فاعليته على أية مقدمة خارجة عن ذاته تعالى. الرابعة: أن الابتهاج في مرحلة الفعل هو الإرادة الفعلية المنبعثة عن الابتهاج الذاتي الذي هو الإرادة الذاتية، والروايات الدالة على حدوث الإرادة إنما يراد بها الإرادة الفعلية التي هي من آثار إرادته الذاتية. ولنأخذ بالنظر في هذه النقاط: أما النقطة الاولى: فهي تامة من ناحية، وهي: أن مفهوم الإرادة غير مفهوم العلم. وخاطئة من ناحية اخرى، وهي: أن مفهوم الإرادة الابتهاج والرضا. أما تماميتها من الناحية الاولى فلما ذكرناه في بحث المشتق: من أن مفاهيم الصفات العليا الذاتية مختلفة ومتباينة، فإن مفهوم العلم غير مفهوم القدرة... وهكذا، ولا فرق في ذلك بين الواجب والممكن. نعم، يفترق الواجب عن الممكن في نقطة اخرى، وهي: أن مطابق هذه

[ 35 ]

الصفات في الواجب واحد عينا وذاتا وجهة، وفي الممكن متعدد كذلك. وأما عدم تماميتها من الناحية الثانية فلأن من الواضح أن مفهوم الإرادة ليس هو الابتهاج والرضا، لا لغة ولا عرفا، وإنما ذلك اصطلاح خاص من الفلاسفة، حيث إنهم فسروا (1) الإرادة الأزلية بهذا التفسير، ولعل السبب فيه: التزامهم بعدة عوامل تالية: الأول: أن إرادته تعالى عين ذاته خارجا وعينا. الثاني: أنها ليست بمعنى الشوق الأكيد المحرك للعضلات كما عرفت (2). الثالث: أنها مغايرة للعلم والقدرة والحياة وما شاكلها من الصفات العليا بحسب المفهوم. الرابع: أنه لم يوجد معنى مناسبا للإرادة غير المعنى المذكور، وبطبيعة الحال أن النتيجة على ضوء هذه العوامل هي ما عرفت. ولكن هذا التفسير خاطئ جدا، وذلك لأن الإرادة لا تخلو من أن تكون بمعنى إعمال القدرة، أو بمعنى الشوق الأكيد، ولا ثالث لهما. وحيث إن الإرادة بالمعنى الثاني لا تعقل لذاته تعالى تتعين الإرادة بالمعنى الأول له سبحانه، وهو المشيئة وإعمال القدرة. وأضف إلى ذلك أن الرضا من الصفات الفعلية كسخطه تعالى، وليس من الصفات الذاتية: كالعلم والقدرة ونحوهما، وذلك لصحة سلبه عن ذاته تعالى، فلو كان من الصفات العليا لم يصح السلب أبدا. على أنا لو فرضنا أن الرضا من الصفات الذاتية فما هو الدليل على أن إرادته أيضا كذلك بعد ما عرفت من أن صفة الإرادة غير صفة الرضا ؟ وكيف كان، فما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بوجه. وأما النقطة الثانية " إرادته تعالى صفة ذاتية له ": فهي خاطئة جدا.


(1) انظر نهاية الدراية: ج 1 ص 164. (2) مر ذكره آنفا فلاحظ. (*)

[ 36 ]

والسبب في ذلك أولا: ما تقدم من أن الإرادة بمعنى الشوق المؤكد لا تعقل في ذاته تعالى. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: قد سبق أن تفسير الإرادة بصفة الرضا والابتهاج تفسير خاطئ لا واقع له. ومن ناحية ثالثة: أنا لا نتصور لإرادته تعالى معنى غير إعمال القدرة والسلطنة. وثانيا: قد دلت الروايات الكثيرة على أن إرادته تعالى فعله، كما نص به قوله سبحانه: * (إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) * (1). وليس في شئ من هذه الروايات إيماء، فضلا عن الدلالة على أن له تعالى إرادة ذاتية أيضا، بل فيها ما يدل على نفي كون إرادته سبحانه ذاتية، كصحيحة عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: لم يزل الله مريدا ؟ " قال: إن المريد لا يكون إلا لمراد معه، لم يزل الله عالما قادرا ثم أراد " (2). ورواية الجعفري قال: قال الرضا (عليه السلام): " المشيئة من صفات الأفعال، فمن زعم أن الله لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد " (3). فهاتان الروايتان تنصان على نفي الإرادة الذاتية عنه سبحانه. ثم إن سلطنته تعالى حيث كانت تامة من كافة الجهات والنواحي ولا يتصور النقص فيها أبدا فبطبيعة الحال يتحقق الفعل في الخارج، ويوجد بصرف إعمالها من دون توقفه على أية مقدمة اخرى خارجة عن ذاته تعالى، كما هو مقتضى قوله سبحانه: " إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ". وقد عبر عن هذا المعنى في الروايات تارة بالمشيئة، وتارة اخرى بالإحداث والفعل.


(1) يس: 82. (2) انظر اصول الكافي: باب الإرادة ج 1 ص 109 ح 1. (3) بحار الأنوار: كتاب التوحيد ب 4 القدرة والإرادة ج 4 ص 145 ح 18. (*)

[ 37 ]

أما الأول: كما في صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " المشيئة محدثة " (1). وصحيحة عمر بن اذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " خلق الله المشيئة بنفسها، ثم خلق الأشياء بالمشيئة " (2). ومن الطبيعي أن المراد بالمشيئة: هو إعمال القدرة والسلطنة، حيث إنها مخلوقة بنفسها، لا بإعمال قدرة اخرى. وإلا لذهب الى مالا نهاية له. وأما الثاني: كما في صحيحة صفوان بن يحيى، قال (عليه السلام): " الإرادة من الخلق الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأما من الله تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنه لا يروي، ولا يهم، ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي صفات الخلق، فإرادة الله الفعل لا غير ذلك، يقول له: كن فيكون، بلا لفظ، ولا نطق بلسان، ولا همة، ولا تفكر، ولا كيف لذلك، كما أنه لا كيف له " (3). فهذه الصحيحة تنص على أن إرادته تعالى هي أمره التكويني. وأما النقطة الثالثة فهي تامة، لوضوح أن إرادتنا هي الشوق المؤكد الداعي إلى إعمال القدرة والسلطنة نحو إيجاد المراد، وسنبين (4) - إن شاء الله تعالى - أن ملاك كون الأفعال في إطار الاختيار هو صدورها بإعمال القدرة والمشيئة، لا كونها مسبوقة بالإرادة، بداهة أن الإرادة بكافة مقدماتها غير اختيارية، فلا يعقل أن تكون ملاكا لاختياريتها، على أنا نرى وجدانا وبشكل قاطع أن الإرادة ليست علة تامة للأفعال، وسيأتي توضيح هذه النقاط بصورة مفصلة إن شاء الله تعالى. وأما النقطة الرابعة فيرد عليها: أن الروايات قد دلت على أن إرادته تعالى ليست كعلمه وقدرته ونحوهما من الصفات الذاتية العليا، بل هي فعله وإعمال قدرته كما عرفت.


(1) اصول الكافي: باب الإرادة ج 1 ص 110 ح 7. (2) المصدر السابق: ح 4. (3) اصول الكافي: باب الإرادة ج 1 ص 109 ح 3. (4) سيأتي بيانه في ص 57 - 59 فانتظر. (*)

[ 38 ]

وإن شئتم قلتم: لو كانت لله تعالى إرادتان " ذاتية وفعلية " لأشارت الروايات الى ذلك لا محالة، مع أنها تشير الى خلاف ذلك. ثم إن قوله (عليه السلام) في الصحيحة المتقدمة " إن المريد لا يكون إلا لمراد معه " (1) إشارة الى أن الإرادة الإلهية لو كانت ذاتية لزم قدم العالم، وهو باطل. ويؤيد هذا رواية الجعفري عن الرضا (عليه السلام) " فمن زعم أن الله لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد " (2) فإنه صريح في أن إرادته ليست عين ذاته: كالعلم والقدرة والحياة. لحد الآن قد ظهر أمران: الأول: أنه لا مقتضى لما التزم به الفلاسفة وجماعة من الاصوليين منهم: صاحب الكفاية وشيخنا المحقق (قدس سرهما) من كون إرادته تعالى صفة ذاتية له، بل قد تقدم (3) عدم تعقل معنى محصل لذلك. الثاني: أن محاولتهم لحمل الروايات الواردة في هذا الموضوع على إرادته الفعلية دون الذاتية خاطئة ولا واقع موضوعي لها، فإنها في مقام بيان انحصار إرادته تعالى بها. ولشيخنا المحقق الأصفهاني (قدس سره) في المقام كلام (4)، وحاصله: أن مشيئته تعالى على قسمين: مشيئة ذاتية، وهي عين ذاته المقدسة، كبقية صفاته الذاتية. فهو تعالى صرف المشيئة، وصرف القدرة، وصرف العلم، وصرف الوجود... وهكذا، فالمشيئة الواجبة عين الواجب تعالى ومشيئة فعلية، وهي عين الوجود الإطلاقي المنبسط على الماهيات. والمراد من المشيئة الواردة في الروايات من أنه تعالى خلق الأشياء بالمشيئة والمشيئة بنفسها: هو المشيئة الفعلية التي هي عين الوجود المنبسط والوجود الإطلاقي. والمراد من الأشياء: هو الموجودات المحدودة الخاصة، فموجودية هذه الأشياء بالوجود المنبسط، وموجودية الوجود المنبسط بنفسها لا بوجود آخر، وهذا معنى قوله (عليه السلام): " خلق الله الأشياء


(1 و 2) تقدمت الإشارة اليهما في ص 36 فراجع. (3) راجع بيان ما تقدم في ص 35. (4) انظر نهاية الدراية: ج 1 ص 195. (*)

[ 39 ]

بالمشيئة "، أي: بالوجود المنبسط الذي هو فعله الإطلاقي، وخلق المشيئة بنفسها، ضرورة أنه ليس للوجود المنبسط ما به الوجود. ولا يخفى أنه (قدس سره) قد تبع في ذلك نظرية الفلاسفة القائلة بتوحيد الفعل، وبطبيعة الحال أن هذه النظرية ترتكز على ضوء علية ذاته الأزلية للأشياء، وعلى هذا الضوء فلا محالة يكون الصادر الأول عنه تعالى واحدا ذاتا ووجودا، لاقتضاء قانون السنخية والتناسب " بين العلة والمعلول " ذلك. وهذا الصادر الواحد هو الوجود الإطلاقي المعبر عنه بالوجود المنبسط تارة، وبالمشيئة الفعلية تارة اخرى، وهو الموجود بنفسه لا بوجود آخر، يعني: أنه لا واسطة بينه وبين وجوده الأزلي فهو معلوله الأول، والأشياء معلولة بواسطته، وهذا المعنى هو مدلول صحيحة عمر بن اذينة المتقدمة (1). ولنأخذ بالنقد عليه من وجهين: الأول: أن القول بالوجود المنبسط في إطاره الفلسفي يرتكز على نقطة واحدة، وهي: أن نسبة الأشياء بشتى أنواعها وأشكالها إلى ذاته تعالى نسبة المعلول إلى العلة التامة، ويترتب على هذا أمران: الأول: التجانس والتسانخ بين ذاته تعالى وبين معلوله. الثاني: التعاصر بينهما، وعليه حيث إنه لا تجانس بين موجودات عالم المادة بكافة أنواعها وبين ذاته تعالى فلابد من الالتزام بالنظام الجملي السلسلي، وهو عبارة عن ترتب مسببات على أسباب متسلسلة، فالأسباب والمسببات جميعا منتهيتان في نظامهما الخاص وإطارهما المعين بحسب الطولية والعرضية معا الى مبدء واحد وهو الحق سبحانه، وهو مبدأ الكل، فالكل ينال منه، وهو مسبب الأسباب على الإطلاق. ونتيجة هذا: أن الصادر الأول عن الله تعالى لابد أن يكون مسانخا لذاته ومعاصرا معها، وإلا استحال صدوره منه. ومن الطبيعي أن ذلك لا يكون إلا الوجود المنبسط في إطاره الخاص.


(1) تقدمت في ص 37 فراجع. (*)

[ 40 ]

وغير خفي أنه لا شبهة في بطلان النقطة المذكورة، وأنه لا واقع موضوعي لها أصلا، والسبب في ذلك واضح، وهو: أن سلطنته تعالى وإن كانت تامة من كافة الجهات ولا يتصور النقص فيها أبدا إلا أن مرد هذا ليس إلى وجوب صدور الفعل منه واستحالة انفكاكه عنه، كوجوب صدور المعلول عن العلة التامة، بل مرده الى أن الأشياء بكافة أشكالها وأنواعها تحت قدرته وسلطنته التامة، وأنه تعالى متى شاء إيجاد شئ أوجده بلا توقف على أية مقدمة خارجة عن ذاته وإعمال قدرته حتى يحتاج في ايجاده إلى تهيئة تلك المقدمة، وهذا معنى السلطنة المطلقة التي لا يشذ شئ عن إطارها. ومن البديهي أن وجوب وجوده تعالى ووجوب قدرته، وأنه تعالى وجود كله، ووجوب كله، وقدرة كله لا يستدعي ضرورة صدور الفعل منه في الخارج، وذلك لأن الضرورة ترتكز على أن يكون إسناد الفعل إليه تعالى كإسناد المعلول إلى العلة التامة، لا إسناد الفعل إلى الفاعل المختار. فلنا دعويان: الاولى: أن إسناد الفعل إليه ليس كإسناد المعلول الى العلة التامة. الثانية: أن إسناده إليه كإسناد الفعل الى الفاعل المختار. أما الدعوى الاولى: فهي خاطئة عقلا ونقلا. أما الأول: فلأن القول بذلك يستلزم في واقعه الموضوعي نفي القدرة والسلطنة عنه تعالى، فإن مرد هذا القول إلى أن الوجودات بكافة مراتبها الطولية والعرضية موجودة في وجوده تعالى بنحو أعلى وأتم، وتتولد منه على سلسلتها الطولية تولد المعلول عن علته التامة، فإن المعلول من مراتب وجود العلة النازلة، وليس شيئا أجنبيا عنه، مثلا: الحرارة من مراتب وجود النار وتتولد منها، وليست أجنبية عنها...، وهكذا. وعلى هذا الضوء فمعنى علية ذاته تعالى للأشياء: ضرورة تولدها منها وتعاصرها معها، كضرورة تولد الحرارة من النار وتعاصرها معها، ويستحيل انفكاكها عنها. غاية الأمر أن النار علة طبيعية غير شاعرة، ومن الواضح أن الشعور

[ 41 ]

والالتفات لا يوجبان تفاوتا في واقع العلية وحقيقتها الموضوعية، فإذا كانت الأشياء متولدة من وجوده تعالى بنحو الحتم والوجوب، وتكون من مراتب وجوده تعالى النازلة بحيث يمتنع انفكاكها عنه فإذا ما هو معنى قدرته تعالى وسلطنته التامة ؟ على أن لازم هذا القول انتفاء وجوده تعالى بانتفاء شئ من هذه الأشياء في سلسلته الطولية، لاستحالة انتفاء المعلول بدون انتفاء علته. وأما الثاني: فقد تقدم (1) ما يدل من الكتاب والسنة على أن صدور الفعل منه تعالى بإرادته ومشيئته. ومن هنا يظهر: أن ما ذكر من الضابط للفعل الاختياري وهو: أن يكون صدوره من الفاعل عن علم وشعور وحيث إنه تعالى عالم بالنظام الأصلح فالصادر عنه فعل اختياري لا يرجع إلى معنى محصل، بداهة أن علم العلة بالمعلول. وشعورها به لا يوجب تفاوتا في واقع العلية وتأثيرها، فإن العلة سواء أكانت شاعرة أم كانت غير شاعرة فتأثيرها في معلولها بنحو الحتم والوجوب، ومجرد الشعور والعلم بذلك لا يوجب التغيير في تأثيرها والأمر بيدها، وإلا لزم الخلف. فما قيل: من أن الفرق بين الفاعل الموجب والفاعل المختار: هو أن الأول غير شاعر وملتفت الى فعله دون الثاني، فلأجل ذلك قالوا: إن ما صدر من الأول غير اختياري وما صدر من الثاني اختياري لا واقع موضوعي له أصلا، لما عرفت (2) من أن مجرد العلم والالتفات لا يوجبان التغيير في واقع العلية بعد فرض أن نسبة الفعل الى كليهما على حد نسبة المعلول الى العلة التامة. وأما الدعوى الثانية: فقد ظهر وجهها مما عرفت (3) من أن إسناد الفعل إليه تعالى إسناد الى الفاعل المختار، وقد تقدم أن صدوره بإعمال القدرة والسلطنة، وبطبيعة الحال أن سلطنة الفاعل مهما تمت وكملت زاد استقلاله واستغناؤه عن الغير. وحيث إن سلطنة الباري - عز وجل - تامة من كافة الجهات والحيثيات ولا


(1) راجع ص 35 - 36. (2) قد تقدم آنفا فلاحظ. (3) تقدم في ص 35 - 36 فراجع. (*)

[ 42 ]

يتصور فيها النقص أبدا فهو سلطان مطلق، وفاعل ما يشاء، وهذا بخلاف سلطنة العبد حيث إنها ناقصة بالذات فيستمدها في كل آن من الغير، فهو من هذه الناحية مضطر فلا اختيار ولا سلطنة له، وإن كان له اختيار وسلطنة من ناحية اخرى، وهي ناحية إعمال قدرته وسلطنته. وأما سلطنته تعالى فهي تامة وبالذات من كلتا الناحيتين. لحد الآن قد تبين: أن القول بالوجود المنبسط بإطاره الفلسفي الخاص وبواقعه الموضوعي يستلزم الجبر في فعله تعالى، ونفي القدرة والسلطنة عنه، أعاذنا الله من ذلك. الثاني (1): أن ما أفاده (قدس سره) من المعنى للحديث المذكور خلاف الظاهر جدا، فإن الظاهر منه بقرينة تعلق الخلق بكل من المشيئة والأشياء تعدد المخلوق، غاية الأمر أن أحدهما مخلوق له تعالى بنفسه وهو المشيئة، والآخر مخلوق له بواسطتها. وإن شئت قلت: إن تعدد الخلق بطبيعة الحال يستلزم تعدد المخلوق، والمفروض أنه لا تعدد على المعنى الذي ذكره (قدس سره) تبعا لبعض الفلاسفة، فإن المخلوق على ضوء هذا المعنى هو الوجود المنبسط فحسب دون غيره من الأشياء، لأن موجوديتها بنفس الوجود المنبسط لا بإيجاد آخر، مع أن ظاهر الرواية بقرينة تعدد الخلق أن موجوديتها بإيجاد آخر. وقد تحصل من ذلك: أن ما أفاده (قدس سره) لا يمكن الالتزام به ثبوتا ولا إثباتا. (3) نظرية الأشاعرة " مسألة الجبر " ونقدها استدلوا على الجبر بوجوه: الأول: ما إليكم نصه: (لو كان العبد موجدا لأفعاله بالاختيار والاستقلال


(1) أي: الوجه الثاني من النقد. (*)

[ 43 ]

لوجب أن يعلم تفاصيلها، واللازم باطل. وأما الشرطية - أي: الملازمة - فلأن الأزيد والأنقص مما أتى به ممكن، إذ كل فعل من أفعاله يمكن وقوعه منه على وجوه متفاوتة بالزيادة والنقصان، فوقوع ذلك المعين منه دونهما لأجل القصد إليه بخصوصه، والاختيار المتعلق به وحده مشروط بالعلم به كما تشهد به البداهة، فتفاصيل الأفعال الصادرة عنه باختياره لابد أن تكون مقصودة معلومة. وأما بطلان اللازم فلأن النائم وكذا الساهي قد يفعل باختياره، كانقلابه من جنب الى جنب آخر، ولا يشعر بكمية ذلك الفعل وكيفيته) (1). والجواب عنه: أن دخل العلم والالتفات في صدور الفعل عن الفاعل بالاختيار أمر لا يعتريه شك ولم يختلف فيه اثنان، وبدون ذلك لا يكون اختياريا. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أن العلم المعتبر في ذلك إنما هو العلم بعنوان الفعل والالتفات إليه حين صدوره، بأن يعلم الإنسان أن ما يصدر عنه في الخارج ينطبق عليه عنوان شرب الماء مثلا، أو الصلاة، أو الصوم، أو الحج، أو قراءة القرآن، أو السفر الى بلد، أو التكلم، أو ما شابه ذلك. ومن الواضح أنه لا يعتبر في صدور هذه الأفعال بالاختيار أزيد من ذلك، فإذا علم الإنسان بالصلاة بما لها من الأجزاء والشرائط وأتى بها كذلك فقد صدرت عنه بالاختيار وإن كان لا يعلم حقيقة أجزائها ودخولها تحت أية مقولة من المقولات. فالنتيجة: أن ملاك صدور الفعل بالاختيار هو سبقه بالالتفات والتصور على نحو الإجمال في مقابل صدوره غفلة وسهوا. وبعد ذلك نقول: إن أراد الأشعري من العلم بتفاصيل الأفعال العلم بكنهها وحقيقتها الموضوعية فيرده: أولا: أن ذلك لا يتيسر لغير علام الغيوب، فإن حقائق الأشياء بكافة أنواعها


(1) انظر شرح المواقف: المرصد السادس ج 8 ص 148. (*)

[ 44 ]

وأشكالها مستورة عنا ولا طريق لنا إليها، لأن أفكارنا لا تملك قوة إدراكها والوصول الى واقعها ومغزاها. وثانيا: أن هذا العلم لا يكون ملاكا لاتصاف الفعل بالاختيار كما عرفت (1). وإن أراد منه العلم بما يوجب تمييز الأفعال بعضها عن بعضها الآخر كأن يعلم بأن ما يفعله خارجا ويأتي به شرب ماء - مثلا - لا شرب خل... وهكذا وإن لم يعلم كنهه وحقيقته فهو صحيح كما مر (2)، إلا أن اللازم على هذا ليس بباطل، لفرض أن كل فاعل مختار يعلم أفعاله في إطار عناوينها الخاصة. وإن أراد منه العلم بحدها التام المشهوري أو برسمها التام أو الناقص فيرد عليه: أولا: أن ذلك العلم لا يتيسر لأغلب الناس، بداهة أن العامي لا يعرف جنس الأشياء ولا فصلها ولا خواصها حتى يعرف حدها التام أو الناقص، أو رسمها التام أو الناقص. وثانيا: قد سبق أن هذا العلم لا يكون مناطا لصدور الفعل بالاختيار. ومن هنا يظهر: أن ما ذكره لبيان بطلان اللازم من أن النائم وكذا الساهي قد يفعله باختياره غريب جدا، بداهة أن ما يصدر عنهما من الحركة: كالتقلب من جنب الى جنب آخر أو نحو ذلك غير اختياري، ولذا لا يستحقان عليه المدح والذم والثواب والعقاب. وقد تقدم (3) أن الالتفات الى الفعل على نحو الإجمال ركيزة أساسية لاختياريته، وبدونه لا يعقل صدوره بالاختيار. الثاني: ما إليكم نصه: (إن العبد لو كان موجدا لفعله بقدرته واختياره استقلالا فلابد أن يتمكن من فعله وتركه، وإلا لم يكن قادرا عليه مستقلا فيه، وأن يتوقف ترجيح فعله على تركه على مرجح، إذ لو لم يتوقف عليه كان صدور الفعل عنه مع جواز طرفيه وتساويهما اتفاقيا، لا اختياريا، ويلزم أيضا أن لا يحتاج وقوع أحد


(1 و 2 و 3) تقدمت آنفا فلاحظ. (*)

[ 45 ]

الجائزين الى سبب، فينسد باب إثبات الصانع، وذلك المرجح لا يكون من العبد باختياره، وإلا لزم التسلسل، لأنا ننقل الكلام الى صدور ذلك المرجح عنه ويكون الفعل عنده - أي: عند ذلك المرجح - واجبا، أي: واجب الصدور عنه بحيث يمتنع تخلفه عنه، وإلا لم يكن الموجود - أي: ذلك المرجح المفروض - تمام المرجح، لأنه إذا لم يجب منه الفعل - حينئذ - جاز أن يوجد معه الفعل تارة، ويعدم اخرى مع وجود ذلك المرجح فيهما، فتخصيص أحد الوقتين بوجوده يحتاج الى مرجح لما عرفت، فلا يكون ما فرضناه مرجحا تاما، هذا خلف، وإذا كان الفعل مع المرجح الذي ليس منه واجب الصدور عنه فيكون ذلك الفعل اضطراريا لازما، لا اختياريا بطريق الاستقلال كما زعموه) (1). يتضمن هذا النص عدة نقاط: الاولى: أن العبد لو كان مستقلا في فعله ومختارا فلازمه أن يكون متمكنا من تركه وفعله. الثانية: أن ترجيح وجود الفعل على عدمه في الخارج يتوقف على وجود مرجح، إذ لو وجد بدونه لكان اتفاقيا لا اختياريا. الثالثة: أن وقوع أحد الجائزين " الوجود والعدم " في الخارج لو كان ممكنا من دون وجود مرجح وسبب لانسد باب إثبات الصانع، ولأمكن وجود العالم بلا سبب وعلة. الرابعة: أن المرجح لا يمكن أن يكون تحت اختيار العبد، وإلا لزم التسلسل. الخامسة: أن وجود الفعل واجب عند تحقق المرجح. ولنأخذ بالمناقشة في هذه النقاط: أما النقطة الاولى: فالصحيح - على ما سيأتي بيانه بشكل واضح - أن يقال: إن ملاك صدور الفعل عن الإنسان بالاختيار: هو أن يكون بإعمال القدرة والسلطنة، ويعبر عن هذا المعنى بقوله: له أن يفعل وله أن لا يفعل.


(1) انظر شرح المواقف: المرصد السادس ج 8 ص 149. (*)

[ 46 ]

ولا ينافي ذلك ما سنحققه - إن شاء الله تعالى - في المبحث الآتي، وهو بحث الأمر بين الأمرين (1): أن العبد لا يستقل في فعله تمام الاستقلال، حيث إن كافة مبادئ الأفعال: كالحياة والقدرة والعلم والاختيار مفاضة من الله تعالى آنا فآنا، وخارجة عن اختياره بحيث لو انقطعت الإفاضة آنا ما لانتفت تلك المبادئ بأسرها. وعلى هذا الضوء: فإن اريد من استقلال العبد استقلاله من كافة النواحي فهو باطل، لا ما هو لازمه، فإنه صحيح على تقدير ثبوته. وإن اريد منه استقلاله في فرض تحقق تلك المبادئ وإفاضتها فهو صحيح، وكذا لازمه. وعلى كلا التقديرين فالتالي صادق. وأما النقطة الثانية فهي خاطئة جدا، وذلك لأنها ترتكز على ركيزة لا واقع لها، وهي استحالة ترجيح وجود الفعل على عدمه بدون وجود مرجح. والسبب في ذلك: أن المحال إنما هو وجود الفعل في الخارج بلا سبب وفاعل. وأما صدور الفعل الاختياري عن الفاعل من دون وجود مرجح له ليس بمحال، لما عرفت من أن وجوده خارجا يدور مدار اختياره، وإعمال قدرته من دون توقفه على شئ آخر كوجود المرجح أو نحوه. نعم، بدونه يكون لغوا وعبثا. وقد تحصل من ذلك: أنه لا دخل لوجود المرجح في إمكان الفعل أصلا، ولا صلة لأحدهما بالآخر. على أن وجود المرجح لاختيار طبيعي الفعل كاف وإن كانت أفراده متساوية، من دون أن يكون لبعضها مرجح بالإضافة الى بعضها الآخر، ولا يلزم وجوده في كل فعل شخصي اختاره المكلف. ودعوى: أن الاختيار هو المرجح في فرض التساوي ساقطة بأن الاختيار لا يمكن أن يكون مرجحا، لوضوح أن المرجح ما يدعو الإنسان الى اختيار أحد فردين متساويين أو أفراد متساوية، فلا يعقل أن يكون هو المرجح.


(1) سيأتي التفصيل في ص 88 - 92 فانتظر. (*)

[ 47 ]

على أنه لو كان مرجحا لم يبق موضوع، لما ذكر من أن ترجيح وجود الفعل على عدمه يتوقف على وجود مرجح، لفرض أنه موجود وهو الاختيار. ومن هنا يظهر بطلان ما ذكر: من أن الفعل الصادر من دون وجود مرجح اتفاقي، لا اختياري. وأما النقطة الثالثة فقد ظهر فسادها مما أشرنا إليه في النقطة الثانية: من أن المحال إنما هو وجود الفعل بلا سبب وفاعل، لا وجوده بدون وجود مرجح. وقد وقع الخلط في كلامه بين هذين الأمرين، وذلك لأن ما يوجب سد باب إثبات الصانع إنما هو وجود الممكن بدونه، حيث قد برهن في موطنه استحالة ترجح الممكن ووجوده من دون سبب وفاعل، لأن حاجة الممكن إليه داخلة في كمون ذاته وواقع مغزاه، لفرض أنه عين الفقر والحاجة، لا ذات له الفقر والحاجة، فلا يمكن تحققه ووجوده بدونه. وأما وجوده بدون وجود مرجح - كما هو محل الكلام - فلا محذور فيه أصلا. وأما النقطة الرابعة فقد عرفت أن الفعل الاختياري لا يتوقف على وجود مرجح له. وعلى تقدير توقفه عليه وافتراضه فلا يلزم أن يكون اختياريا دائما، لوضوح أن المرجح قد يكون اختياريا، وقد لا يكون اختياريا. وعلى تقدير أن يكون اختياريا فلا يلزم التسلسل، وذلك لأن الفعل في وجوده يحتاج الى وجود مرجح، وأما المرجح فلا يحتاج في وجوده الى مرجح آخر، بل هو ذاتي له فلا يحتاج الى سبب كما هو ظاهر. وأما النقطة الخامسة فيظهر خطؤها مما ذكرناه: من أنه لا دخل للمرجح في صدور الفعل بالاختيار، فيمكن صدوره عن اختيار مع عدم وجود المرجح له أصلا. كما أنه يظهر بذلك: أن وجوده لا يوجب وجوب صدور الفعل وضرورة وجوده في الخارج، وذلك لأن الفعل الاختياري ما يصدر بالاختيار وإعمال القدرة، سواء أكان هناك مرجح أم لم يكن، بداهة أن المرجح مهما كان نوعه لا

[ 48 ]

يوجب خروج الفعل عن الاختيار، ولو كان ذلك المرجح هو الإرادة، لما سنشير إليه إن شاء الله تعالى: من أن الإرادة مهما بلغت ذروتها من القوة والشدة لا توجب سلب الاختيار عن الإنسان (1). الثالث: ما إليكم لفظه: (إن فعل العبد ممكن في نفسه، وكل ممكن مقدور لله تعالى، لما مر من شمول قدرته للممكنات بأسرها، وقد مر مخالفة الناس من المعتزلة والفرق الخارجة عن الإسلام في أن كل ممكن مقدور لله تعالى على تفاصيل مذاهبهم، وإبطالها في بحث قادرية الله تعالى، ولا شئ مما هو مقدور لله بواقع بقدرة العبد، لامتناع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد) (2). والجواب عنه: أما ما ذكره من الصغرى والكبرى - يعني: أن فعل العبد ممكن، وكل ممكن مقدور لله تعالى - وإن كان صحيحا، ضرورة أن الممكنات بشتى أنواعها وأشكالها مقدورة له تعالى، فلا يمكن خروج شئ منها عن تحت قدرته وسلطنته إلا أن ما فرعه على ذلك من أنه لا شئ مما هو مقدور لله بواقع تحت قدرة العبد، لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد خاطئ جدا. والسبب في ذلك: ما سيأتي بيانه بشكل واضح من أن أفعال العباد رغم كونها مقدورة لله تعالى من ناحية أن مبادئها بيده سبحانه مقدورة للعباد أيضا وواقعة تحت اختيارهم وسلطانهم فلا منافاة بين الأمرين أصلا (3). وبكلمة اخرى: أن كل مقدور ليس واجب الوجود في الخارج لتقع المنافاة بينهما، بداهة أنه لا مانع من كون فعل واحد مقدورا لشخصين، لعدم الملازمة بين كون شئ مقدورا لأحد وبين صدوره عنه في الخارج، فالصدور يحتاج إلى أمر زائد عليه، وهو إعمال القدرة والمشيئة. ومن ضوء هذا البيان يظهر وقوع الخلط في هذا الدليل بين كون أفعال العباد


(1) سيأتي تفصيله في ص 53 فانتظر. (2) انظر شرح المواقف: ج 8 ص 148، المرصد السادس. (3) سيأتي في ص 70 - 71. (*)

[ 49 ]

مقدورة لله تعالى وبين وقوعها خارجا بإعمال قدرته. وعليه، فما ذكره من الكبرى وهي: استحالة اجتماع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد خاطئ جدا. نعم، لو أراد من القدرة المؤثرة إعمالها خارجا فالكبرى المزبورة وإن كانت تامة إلا أنها فاسدة من ناحية اخرى، وهي: أن أفعال العباد لا تقع تحت مشيئة الله وإعمال قدرته على ما سنذكره (1) إن شاء الله تعالى، وإنما تقع مبادئها تحت مشيئته وإعمال قدرته لأنفسها، فإذا لا يلزم اجتماع قدرتين مؤثرتين على شئ واحد. لحد الآن قد تبين بطلان هذه الوجوه وعدم إمكان القول بشئ منها. ثم إن من الغريب ما نسب في شرح المواقف الى أبي الحسن الأشعري، واليك نصه: (إن أفعال العباد واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا لله إبداعا وإحداثا ومكسوبا للعبد، والمراد بكسبه إياه: مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري) (2). ووجه الغرابة: أما أولا: فلا دليل على ثبوت هذه العادة لله تعالى. وأما ثانيا: فقد قام البرهان القطعي على عدم واقع موضوعي لها أصلا. توضيح ذلك: أن الكلام من هذه الناحية تارة يقع في المعاليل الطبيعية المترتبة على عللها. واخرى في الأفعال الاختيارية. أما الاولى: فلأنها تخضع لقوانين طبيعية ونظم خاصة أودعها الله تعالى في كمون ذاتها وطبائعها ضمن إطار معين، وهي مبدأ السنخية والتناسب. والسر في ذلك: أن العلل تملك معاليلها في واقع ذواتها وكمون طبائعها بالنحو


(1) سيأتي بيانه في ص 70 - 71 فانتظر. (2) راجع شرح المواقف: المرصد السادس ج 8 ص 145. (*)

[ 50 ]

الأتم والأكمل، وليست المعاليل موجودات اخر في قبال وجوداتها، بل هي تتولد منها ومن مراتب وجودها النازلة، وعليه فبطبيعة الحال تتناسب معها، مثلا: معنى كون الحرارة معلولة للنار هو أن النار تملك الحرارة في صميم ذاتها وتتولد منها وتكون من مراتب وجودها، وهذا هو التفسير الصحيح لاعتبار السنخية والتناسب بينهما. فالنتيجة: أن الكائنات الطبيعية بعللها ومعاليلها جميعا خاضعة لقانون التناسب والتسانخ، ولا تتخلف عن السير على طبقه أبدا. وعلى ضوء هذا فلا يمكن القول بأن ترتب المعاليل على عللها بمجرد جريان عادة الله تعالى بذلك من دون علاقة ارتباط ومناسبة بينهما رغم أن العادة لا تحصل إلا بالتكرار. وعليه، فما هو المبرر لصدور أول معلول عن علته مع عدم ثبوت العادة هناك ؟ وما هو الموجب لتأثيرها فيه ووجوده عقيب وجودها ؟ ومن الطبيعي أنه ليس ذلك إلا من ناحية ارتباطه معه ذاتا ووجودا، فإذا كان المعلول الأول خاضعا لقانون العلية فكذلك المعلول الثاني...، وهكذا، بداهة عدم الفرق بينهما من هذه الناحية أبدا. وكيف يمكن أن يقال: إن وجود الحرارة - مثلا - عقيب وجود النار في أول سلسلتهما الطولية مستند الى مبدأ السنخية والمناسبة وخاضع له، وأما بعده فهو من جهة جريان عادة الله تعالى بذلك، لا من جهة خضوعه لذلك المبدأ ؟ فالنتيجة: أن مرد هذه المقالة الى إنكار واقع مبدأ العلية، وهو لا يمكن. وأما الثانية وهي الأفعال الاختيارية: فقد تقدم أنها تصدر بالاختيار وإعمال القدرة، فمتى شاء الفاعل إيجادها أوجدها في الخارج، وليس الفاعل بمنزلة الآلة كما سيأتي (1) بيانه بصورة مفصلة. على أنه كيف يمكن أن يثبت العادة في أول فعل صادر عن العبد ؟ فإذا ما هو المؤثر في وجوده ؟ فلا مناص من أن يقول: إن المؤثر فيه هو إعمال القدرة


(1) سيأتي التفصيل في ص 53 فانتظر. (*)

[ 51 ]

والسلطنة، ومن الطبيعي أنه لا فرق بينه وبين غيره من هذه الناحية. فالنتيجة: أن ما نسب الى أبي الحسن الأشعري لا يرجع الى معنى محصل أصلا. هذا تمام الكلام في هذه الوجوه ونقدها. بقي هنا عدة وجوه اخر قد استدل بها على نظرية الأشعري أيضا: الأول: المعروف والمشهور بين الفلاسفة قديما وحديثا: أن الأفعال الاختيارية بشتى أنواعها مسبوقة بالإرادة. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أنها إذا بلغت حدها التام تكون علة تامة لها. وتبعهم في ذلك جماعة من الاصوليين منهم: المحقق صاحب الكفاية (1) وشيخنا المحقق (2) (قدس سرهما). فالنتيجة على ضوء ذلك: هي وجوب صدور الفعل عند تحقق الإرادة واستحالة تخلفه عنها، بداهة استحالة تخلف المعلول عن العلة التامة. وإلى هذا أشار شيخنا المحقق (قدس سره) بقوله: (الإرادة ما لم تبلغ حدا يستحيل تخلف المراد عنها لا يمكن وجود الفعل، لأن معناه صدور المعلول بلا علة تامة، وإذا بلغت ذلك الحد امتنع تخلفه عنها، وإلا لزم تخلف المعلول عن علته التامة) (3). وقال صدر المتألهين: (إن إرادتك ما دامت متساوية النسبة إلى وجود المراد وعدمه لم تكن صالحة لأحد ذينك الطرفين على الآخر، وأما إذا صارت حد الوجوب لزم منه وقوع الفعل) (4). ومراده من التساوي: بعض مراتب الإرادة، كما صرح بصحة إطلاق الإرادة عليه. كما أن مراده من صيرورتها حد الوجوب: بلوغها الى حدها التام، فإذا بلغت ذلك الحد تحقق المراد في الخارج، وقد صرح بذلك في غير واحد من الموارد. وكيف كان، فتتفق كلمات الفلاسفة على ذلك رغم أن الوجدان لا يقبله. هذا من ناحية.


(1) انظر كفاية الاصول: ص 88. (2 و 3) راجع نهاية الدراية: ج 1 ص 169. (4) انظر الأسفار: الفصل الثاني من الموقف الرابع ج 6 ص 317. (*)

[ 52 ]

ومن ناحية اخرى: أن الإرادة بكافة مبادئها من التصور والتصديق بالفائدة والميل وما شاكلها غير اختيارية، وتحصل في افق النفس قهرا من دون أن تنقاد لها. نعم، قد يمكن للإنسان أن يحدث الإرادة والشوق في نفسه الى إيجاد شئ بالتأمل فيما يترتب عليه من الفوائد والمصالح، ولكن ننقل الكلام الى ذلك الشوق المحرك للتأمل فيه. ومن الطبيعي أن حصوله للنفس ينتهي بالأخرة الى ما هو خارج عن اختيارها، وإلا لذهب الى ما لا نهاية له. وعلى ضوء ذلك: أن الإرادة لابد أن تنتهي: إما الى ذات المريد الذي هو بذاته وذاتياته وصفاته وأفعاله منته الى الذات الواجبة. وإما الى الإرادة الأزلية. وقد صرح بذلك المحقق الأصفهاني (قدس سره) بقوله: (إن كان المراد من انتهاء الفعل الى إرادة الباري تعالى بملاحظة انتهاء إرادة العبد الى إرادته تعالى، لفرض إمكانها المقتضي للانتهاء الى الواجب فهذا غير ضائر بالفاعلية التي هي شأن الممكنات، فإن العبد بذاته وبصفاته، وأفعاله لا وجود لها إلا بإفاضة الوجود من الباري تعالى، ويستحيل أن يكون الممكن مفيضا للوجود) (1). فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي أنه لا مناص من الالتزام بالجبر وعدم السلطنة والاختيار للإنسان على الأفعال الصادرة عنه في الخارج. ولنأخذ بنقد هذه النظرية على ضوء درس نقطتين: الاولى: أن الإرادة لا تعقل أن تكون علة تامة للفعل. الثانية: أن الأفعال الاختيارية بكافة أنواعها مسبوقة بإعمال القدرة والسلطنة. أما النقطة الاولى: فلا ريب في أن كل أحد إذا راجع وجدانه وفطرته في صميم ذاته - حتى الأشعري - يدرك الفرق بين حركة يد المرتعش وحركة يد غيره، وبين حركة النبض وحركة الأصابع، وبين حركة الدم في العروق وحركة اليد


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 171. (*)

[ 53 ]

يمنة ويسرة...، وهكذا. ومن الطبيعي أنه لا يتمكن أحد ولن يتمكن من إنكار ذلك الفرق بين هذه الحركات، كيف ؟ حيث إن إنكاره بمثابة إنكار البديهي: كالواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، وما شاكلهما. ولو كانت الإرادة علة تامة وكانت حركة العضلات معلولة لها كان حالها عند وجودها حال حركة يد المرتعش وحركة الدم في العروق ونحوهما، مع أن ذلك - مضافا الى أنه خلاف الوجدان والضمير - خاطئ جدا ولا واقع له أبدا. والسبب في ذلك: أن الإرادة مهما بلغت ذروتها لا يترتب عليها الفعل كترتب المعلول على علته التامة، بل الفعل على الرغم من وجودها وتحققها كذلك يكون تحت اختيار النفس وسلطانها، فلها أن تفعل ولها أن لا تفعل. وإن شئت قلت: إنه لا شبهة في سلطنة النفس على مملكة البدن وقواه الباطنة والظاهرة، وتلك القوى بكافة أنواعها تحت تصرفها واختيارها. وعليه، فبطبيعة الحال تنقاد حركة العضلات لها، وهي مؤثرة فيها تمام التأثير من غير مزاحم لها في ذلك، ولو كانت الإرادة علة تامة لحركة العضلات ومؤثرة فيها تمام التأثير لم تكن للنفس تلك السلطنة، ولكانت عاجزة عن التأثير فيها مع فرض وجودها، وهو خاطئ وجدانا وبرهانا. أما الأول: فلما عرفت من أن الإرادة مهما بلغت من القوة والشدة لا تترتب عليها حركة العضلات كترتب المعلول على العلة التامة ليكون الإنسان مقهورا في حركاته وأفعاله (1). وأما الثاني: فلأن الصفات التي توجد في افق النفس غير منحصرة بصفة الإرادة، بل لها صفات اخرى كصفة الخوف ونحوها. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أن صفة الخوف إذا حصلت في النفس تترتب عليها آثار قهرا وبغير اختيار وانقياد للنفس: كارتعاش البدن، واصفرار الوجه، ونحوهما.


(1) تقدم آنفا فلاحظ. (*)

[ 54 ]

ومن المعلوم أن تلك الأفعال خارجة عن الاختيار حيث كان ترتبها عليها كترتب المعلول على العلة التامة. فلو كانت الإرادة أيضا علة تامة لوجود الأفعال فإذا ما هو نقطة الفرق بين الأفعال المترتبة على صفة الإرادة والأفعال المترتبة على صفة الخوف ؟ إذ على ضوء هذه النظرية فهما في إطار واحد، فلا فرق بينهما إلا بالتسمية فحسب، من دون واقع موضوعي لها أصلا، مع أن الفرق بين الطائفتين من الأفعال من الواضحات الأولية. ومن هنا يحكم العقلاء باتصاف الطائفة الاولى بالحسن والقبح العقليين، واستحقاق فاعلها المدح والذم، دون الطائفة الثانية. ومن الطبيعي أن هذا الفرق يرتكز على نقطة موضوعية، وهي: اختيارية الطائفة الاولى دون الطائفة الثانية، لا على مجرد تسمية الاولى بالأفعال الاختيارية والثانية بالأفعال الاضطرارية، مع عدم واقع موضوعي لها. ومن ذلك يظهر: أن الإرادة تستحيل أن تكون علة تامة للفعل. ولتوضيح ذلك نأخذ بمثالين: الأول: أننا إذا افترضنا شخصا تردد بين طريقين: أحدهما مأمون من كل خطر على النفس والمال والعرض وفيه جميع متطلباته الحيوية وما تشتهيه نفسه، والآخر غير مأمون من الخطر وفيه ما ينافي طبعه ولا يلائم إحدى قواه ففي مثل ذلك - بطبيعة الحال - تحدث في نفسه إرادة واشتياق الى اختيار الطريق الأول واتخاذه مسلكا له دون الطريق الثاني، ولكن مع ذلك نرى بالوجدان أن اختياره هذا ليس قهرا عليه، بل حسب اختياره وإعمال قدرته، حيث إن له - والحال هذه - أن يختار الطريق الثاني. الثاني: إذا فرضنا أن شخصا سقط من شاهق ودار أمره بين أن يقع على ولده الأكبر المؤدي الى هلاكه وبين أن يقع على ولده الأصغر ولا يتمكن من التحفظ على نفس كليهما معا فعندئذ - بطبيعة الحال - يختار سقوطه على ابنه الأصغر - مثلا - من جهة شدة علاقته بابنه الأكبر، حيث إنه بلغ حد الرشد والكمال من

[ 55 ]

جهة، وارتضى سلوكه من جهة اخرى. ومن البديهي أن اختياره السقوط على الأول ليس من جهة شوقه الى هلاكه وموته وإرادته له، بل هو يكره ذلك كراهة شديدة ومع ذلك يصدر منه هذا الفعل بالاختيار وإعمال القدرة، ولو كانت الإرادة علة تامة للفعل لكان صدوره عنه محالا، لعدم وجود علته وهي الإرادة. ومن المعلوم استحالة تحقق المعلول بدون علته. فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه أمران: الأول: أن الإرادة في أية مرتبة افترضت بحيث لا يتصور فوقها مرتبة اخرى لا تكون علة تامة للفعل، ولا توجب خروجه عن تحت سلطان الإنسان واختياره. الثاني: على فرض تسليم أن الإرادة علة تامة للفعل إلا أن من الواضح جدا أن العلة غير منحصرة بها. بل له علة اخرى أيضا، وهي: إعمال القدرة والسلطنة للنفس، ضرورة أنها لو كانت منحصرة بها لكان وجوده محالا عند عدمها، وقد عرفت (1) أن الأمر ليس كذلك. ومن هنا يظهر: أن ما ذكره الفلاسفة (2) وجماعة من الاصوليين منهم: شيخنا المحقق (3) (قدس سره) من امتناع وجود الفعل عند عدم وجود الإرادة خاطئ جدا. ولعل السبب المبرر لالتزامهم بذلك - أي: بكون الإرادة علة تامة للفعل مع مخالفته للوجدان الصريح ومكابرته للعقل السليم، واستلزامه التوالي الباطلة، منها: كون بعث الرسل وإنزال الكتب لغوا - هو التزامهم بصورة موضوعية بقاعدة " أن الشئ ما لم يجب لم يوجد " (4) حيث إنهم قد عمموا هذه القاعدة في كافة الممكنات بشتى أنواعها وأشكالها، ولم يفرقوا بين الأفعال الإرادية والمعاليل الطبيعية من هذه الناحية، وقالوا: سر عموم هذه القاعدة حاجة الممكن وفقره الذاتي الى العلة. ومن الطبيعي أنه لا فرق في ذلك بين ممكن وممكن آخر. هذا من ناحية.


(1) مر ذكره آنفا فلاحظ. (2) راجع الأسفار: ج 8 ص 351. (3) انظر نهاية الدراية: ج 1 ص 169. (4) انظر الأسفار: فصل 15 من المنهج الثاني ج 1 ص 221. (*)

[ 56 ]

ومن ناحية اخرى: حيث إنهم لم يجدوا في الصفات النفسانية صفة تصلح لأن تكون علة للفعل غير الإرادة فلذلك التزموا بترتب الفعل عليها ترتب المعلول على العلة التامة. فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي أن كل ممكن ما لم يجب وجوده من قبل وجود علته يستحيل تحققه ووجوده في الخارج. ومن هنا يقولون: إن كل ممكن محفوف بوجوبين (1): " وجوب سابق " وهو الوجوب في مرتبة وجود علته، و " وجوب لاحق " وهو الوجوب بشرط وجوده خارجا. ولنبحث هنا عن أمرين: الأول: عن الفرق الأساسي بين المعاليل الطبيعية والأفعال الاختيارية. الثاني: عدم جريان القاعدة المذكورة في الأفعال الاختيارية. أما الأمر الأول: فقد سبق بشكل إجمالي أن الأفعال الإرادية تمتاز عن المعاليل الطبيعية بنقطة واحدة، وهي: أنها تحتاج في وجودها الى فاعل (2)، وقد أشار الى ذلك قوله تعالى: * (أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون) * (3)، فأثبت " عز من قائل " بذلك احتياج الفعل الى فاعل وخالق، وبدونه محال، والفاعل لهذه الأفعال هو نفس الإنسان، فإنها تصدر عنها بالاختيار وإعمال القدرة والسلطنة، وليس في إطارها حتم ووجوب، فلها أن تشاء وتعمل، ولها أن لا تشاء ولا تعمل، فهذه المشيئة والسلطنة لا تتوقف على شئ آخر كالإرادة ونحوها، بل هي كامنة في صميم ذات النفس، حيث إن الله تعالى خلق النفس كذلك. وهذا بخلاف المعاليل الطبيعية فإنها تحتاج في وجودها الى علل طبيعية تعاصرها وتؤثر فيها على ضوء مبدأ السنخية في إطار الحتم والوجوب، ولا يعقل فيها الاختيار. وإن شئت فقل: إن الفعل الاختياري حيث كان يخضع لاختيار الإنسان


(1) انظر الأسفار: فصل (16) من المنهج الثاني ج 1 ص 224. (2) تقدم في ص 47 فراجع. (3) الطور: 35. (*)

[ 57 ]

ومشيئته فلا يعقل وجود نظام له كامن في صميم ذاته ليكون سيره ووجوده تحت إطار هذا النظام الخاص من دون تخلفه عنه. والوجه في هذا واضح، وهو: أن مشيئة الإنسان تختلف باختلاف أفراده، كما تختلف باختلاف حالاته النفسية ودواعيه الداخلية والخارجية، فلهذا السبب جعل لها نظم وقوانين خاصة ليكون سيرها الوجودي تحت إطار هذه النظم، وهذا بخلاف سلسلة المعاليل الطبيعية فإنها تخضع في سيرها الوجودي نظاما خاصا وإطارا معينا الذي أودعه الله تعالى في كمون ذاتها، ويستحيل أن تتخلف عنه، ولذا لا يعقل جعل نظام لها من الخارج، لعدم خضوعها له واستحالة تخلفها عن نظمه الطبيعية، وهذا برهان قطعي على أن السلسلة الاولى سلسلة اختيارية فأمرها وجودا وعدما بيد فاعلها، دون السلسلة الثانية فإنها مقهورة ومجبورة في سيرها على طبق نظمها الطبيعية الموضوعة في صميم ذاتها وكمون واقعها. لحد الآن قد تبين افتراق السلسلة الاولى عن السلسلة الثانية بنقطة موضوعية، فلو كانت السلسلة الاولى كالسلسلة الثانية مقهورة ومجبورة في سيرها الوجودي لم يمكن الفرق بينهما. وأما الأمر الثاني: فالقاعدة المذكورة وإن كانت تامة في الجملة إلا أنه لا صلة لها بالأفعال الاختيارية. والسبب في ذلك: أن هذه القاعدة ترتكز على مسألة التناسب والسنخية التي هي النقطة الأساسية لمبدأ العلية، فإن وجود المعلول - كما تقدم - مرتبة نازلة من وجود العلة، وليس شيئا أجنبيا عنه. وعلى هذا فبطبيعة الحال أن وجود المعلول قد أصبح ضروريا في مرتبة وجود العلة، لفرض أنه متولد منها ومستخرج من صميم ذاتها وواقع مغزاها، وهذا معنى احتفاف وجوده بضرورة سابقة. ومن الطبيعي أنه لا يمكن تفسير الضرورة في القاعدة المذكورة على ضوء مبدأ العلية إلا في المعاليل الطبيعية، ولا يمكن تفسيرها في الأفعال الاختيارية

[ 58 ]

أصلا، وذلك لأن الأفعال الاختيارية سواء أكانت معلولة للإرادة أم كانت معلولة لإعمال القدرة والسلطنة فلا يستند صدورها الى مبدأ السنخية، بداهة أنها لا تتولد من كمون ذات علتها وفاعلها، ولا تخرج عن واقع وجوده وصميم ذاته لتكون من شؤونه ومراتبه، بل هي مباينة له ذاتا ووجودا، وعلى هذا فلا يمكن التفسير الصحيح، لاحتفافها بالضرورة السابقة، فإن معنى هذا - كما عرفت - وجود المعلول في مرتبة وجود علته، وهذا لا يعقل إلا في المعاليل الطبيعية (1). ومن هنا يظهر: أننا لو قلنا بأن الإرادة علة تامة لها فمع ذلك لا صلة لها بالقاعدة المزبورة، لوضوح أنه لا معنى لوجوب وجودها في مرتبة وجود الإرادة ثم خروجها من تلك المرتبة الى مرتبتها الخاصة. وعلى الجملة: فإذا كانت العلة مباينة للمعلول وجودا ولم تكن بينهما علاقة السنخية فبطبيعة الحال لا يتصور هنا وجوب وجود المعلول من قبل وجود علته، فإذا ليس هنا إلا وجوده بعد وجودها من دون ضرورة سابقة، ومرد هذا بالتحليل العلمي الى عدم قابلية الإرادة للعلية. وقد تحصل من ذلك: أن الفعل في وجوده يحتاج الى فاعل ما، ويصدر عنه باختياره وإعمال قدرته، ولا تأثير للإرادة فيه بنحو العله التامة. نعم، قد يكون لها تأثير فيه بنحو الاقتضاء. فالنتيجة: أنه لا مجال للقاعدة المتقدمة في إطار سلسلة الأفعال الاختيارية فتختص بسلسلة المعاليل الطبيعية (2). وأما النقطة الثانية - وهي: أن الفعل الاختياري ما أوجده الإنسان باختياره وإعمال قدرته - فقد تبين وجهها على ضوء ما حققناه في النقطة الاولى: من أن الإرادة مهما بلغت ذروتها من القوة لن تكون علة تامة للفعل، وعليه فبطبيعة الحال يستند وجود الفعل في الخارج الى أمر آخر، وهذا الأمر: هو إعمال القدرة


(1) مر ذكره في ص 49 فراجع. (2) أي: قاعدة " أن الشئ ما لم يجب لم يوجد " المتقدمة في ص 55. (*)

[ 59 ]

والسلطنة المعبر عنهما بالاختيار. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أن الله - عز وجل - قد خلق النفس للإنسان واجدة لهذه السلطنة والقدرة، وهي ذاتية لها وثابتة في صميم ذاتها، ولأجل هذه السلطنة تخضع العضلات لها وتنقاد في حركاتها، فلا تحتاج النفس في إعمالها لتلك السلطنة والقدرة الى إعمال سلطنة وقدرة اخرى. ومن هنا يظهر فساد ما قيل: من أن الاختيار ممكن، والمفروض أن كل ممكن يفتقر الى علة، فإذن ما هو علة الاختيار ؟ ووجه الظهور ما عرفت: من أن الفعل الاختياري يحتاج الى فاعل وخالق، لا الى علة (1)، والفاعل لهذه الصفة - أي: صفة الاختيار - هو النفس، غاية الأمر أنها تصدر عنها بنفسها، أي: بلا توسط مقدمة اخرى، وسائر الأفعال تصدر عنها بواسطتها. وقد تحصل من مجموع ما ذكرناه أمران: الأول: أن الفعل الاختياري إنما يصدر عن الفاعل بإعمال قدرته لا بالإرادة. نعم، الإرادة قد تكون مرجحة لاختياره. الثاني: أن اختيار النفس للفعل وإن كان يفتقر غالبا الى وجود مرجح إلا أنه ليس من ناحية استحالة صدوره عنها بدونه، بل من ناحية خروجه عن اللغوية. ولشيخنا المحقق (قدس سره) في هذا الموضوع كلام، حيث إنه (قدس سره) بعدما أصر على أن الإرادة علة تامة للفعل أورد على ما ذكرناه: من أن الفعل الاختياري ما أوجده الفاعل بالاختيار وإعمال القدرة، وليس معلولا للإرادة بعدة وجوه، وقبل بيان هذه الوجوه تعرض (قدس سره) لكلام لا بأس بالإشارة إليه ونقده، واليكم نصه: (إن الالتزام بالفعل النفساني المسمى بالاختيار: إما لأجل تحقيق استناد حركة العضلات الى النفس حتى تكون النفس فاعلا ومؤثرا في العضلات، بخلاف ما إذا استندت حركة العضلات الى صفة النفس وهي الإرادة، فإن المؤثر فيها هي


(1) مر ذكره في ص 56 و 58 فلاحظ. (*)

[ 60 ]

تلك الصفة لا النفس. وإما لأجل أن الإرادة حيث إنها صفة قهرية منتهية الى الإرادة الأزلية توجب كون الفعل المترتب عليها قهريا غير اختياري، فلابد من فرض فعل نفساني وهو عين الاختيار، لئلا يلزم كون الفعل بواسطة هذه الصفة القهرية قهريا. فإن كان الأول ففيه: أن العلة الفاعلية لحركة العضلات هي النفس بواسطة اتحادها مع القوى، والعلم والقدرة والإرادة مصححات لفاعلية النفس، وبها تكون النفس فاعلا بالفعل، والفعل مستند الى النفس، وهي العلة الفاعلية دون شرائط الفاعلية كما في غير المقام، فإن المقتضى يستند الى المقتضي دون الشرائط وإن كان له ترتب على المقتضى وشرائطه، فمن هذه الحيثية لا حاجة الى فعل نفساني يكون محققا للاستناد. وإن كان الثاني ففيه: أن هذا الأمر المسمى بالاختيار: إن كان عين تأثير النفس في حركة العضلات وفاعليتها لها فلا محالة لا مطابق له في النفس ليكون أمرا ما وراء الإرادة، إذ ماله مطابق بالذات ذات العلة والمعلول وذات الفاعل والمفعول، وحيثية العلية والتأثير والفاعلية انتزاعية، ولا يعقل أن يكون لها مطابق، إذ لو كان لها مطابق في الخارج لاحتاج ذلك المطابق الى فاعل، والمفروض أن لحيثية فاعلية هذا الفاعل أيضا مطابق فيه...، وهكذا الى ما لا نهاية له، ولأجل ذلك لا يعقل أن يكون لهذه الامور الانتزاعية مطابق بالذات، بل هي منتزعة عن مقام الذات، فلا واقع موضوعي لها أصلا. وإن كان أمرا قائما بالنفس فنقول: إن قيامه بها قيام الكيف بالمتكيف، فحاله حال الإرادة من حيث كونه صفة نفسانية داخلة في مقولة الكيف النفساني، فكل ما هو محذور ترتب حركة العضلات على صفة الإرادة وارد على ترتب الحركات على الصفة المسماة بالاختيار، فإنها أيضا صفة تحصل في النفس بمبادئها قهرا فالفعل المترتب عليها كذلك (1).


(1) انظر نهاية الدراية: ج 1 ص 168. (*)

[ 61 ]

وغير خفي أنه لا وجه لتشقيقه (قدس سره) الاختيار بالشقوق المذكورة، ضرورة أن المراد منه معلوم، وهو كونه فعل النفس ويصدر عنها بالذات، أي: بلا واسطة مقدمة اخرى كما عرفت (1). وبقية الأفعال تصدر عنها بواسطته، وهو فعل قلبي لا خارجي. ومن هنا يظهر: أنه ليس من مقولة الكيف، ولا هو عبارة عن فاعلية النفس، وعليه فبطبيعة الحال يكون قيامه بها قيام الفعل بالفاعل، لا الكيف بالمتكيف، ولا الحال بالمحل، ولا الصفة بالموصوف. ولكنه (قدس سره) أورد على ذلك - أي: على كون قيامه بها قيام الفعل بالفاعل - بعدة وجوه: الأول: ما إليك لفظه: (إن النفس بما هي مع قطع النظر عن قواها الباطنة والظاهرة لا فعل لها، وفاعلية النفس لموجودات عالم النفس التي مرت سابقا هو إيجادها النوري العقلاني في مرتبة القوة العاقلة، أو الوجود الفرضي في مرتبة الواهمة، أو الوجود الخيالي في مرتبة المتخيلة. كما أن استناد الإبصار والإسماع إليها أيضا بلحاظ أن هذه القوى الظاهرة من درجات تنزل النفس إليها. ومن الواضح أن الإيجاد النوري المناسب لإحدى القوى المذكورة أجنبي عن الاختيار الذي جعل أمرا آخر مما لابد منه في كل فعل اختياري، بداهة أن النفس بعد حصول الشوق الأكيد ليس لها إلا هيجان بالقبض والبسط في مرتبة القوة العضلاتية) (2). نلخص ما أفاده (قدس سره) في عدة نقاط: الاولى: أن النفس تتحد مع كافة قواها الباطنة والظاهرة، ولذا قد اشتهر في الألسنة أن النفس في وحدتها كل القوى عليه، فبطبيعة الحال أن الأفعال التي تصدر عن هذه القوى تصدر حقيقة منها، لفرض أنها من شؤونها ومن مراتب وجودها ومنقادة لها تمام الانقياد فلا يصدر عنها فعل إلا بأمرها. الثانية: أنه لا فعل للنفس بالمباشرة، وإنما الفعل يصدر عنها بواسطة هذه القوى، ومن المعلوم أن شيئا من الأفعال الصادرة عنها ليس بصفة الاختيار.


(1) تقدم في ص 59 فراجع. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 169. (*)

[ 62 ]

الثالثة: أن النفس في وحدتها لا تؤثر في شئ من الأفعال الخارجية، وإنما تؤثر فيها بعد حصول الإرادة والشوق الأكيد حيث يحصل لها بعده هيجان بالقبض والبسط في مرتبة القوة العضلاتية، فتكون الإرادة الجزء الأخير من العلة التامة. ولنأخذ بالنظر الى هذه النقاط: أما النقطة الاولى: فالأمر فيها كما ذكره (قدس سره)، لأن هذه القوى كلها جنود للنفس وتعمل بقيادتها، فالأفعال الصادرة عنها في الحقيقة تصدر عن النفس، وهذا واضح فلا حاجة الى مزيد بيان. وأما النقطة الثانية فيرد عليها: أولا: أن الأمر ليس كما ذكره (قدس سره)، إذ لا ريب في أن للنفس أفعالا تصدر عنها باختيارها وسلطنتها مباشرة، أي: من دون توسيط إحدى قواها الباطنة والظاهرة. ومنها: البناء القلبي، فإن لها أن تبنى على شئ، وأن لا تبنى عليه، وليس البناء فعلا يصدر عن إحدى قوة من قواها كما هو ظاهر. ومنها: قصد الإقامة عشرة أيام، فإن لها أن تقصد الإقامة في موضع عشرة أيام، ولها أن لا تقصد، فهو تحت يدها وسلطنتها مع قطع النظر عن وجود كافة قواها. ومنها: عقد القلب، وقد دل عليه قوله تعالى: * (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) * (1) فأثبت سبحانه أن عقد القلب على شئ غير اليقين به، فإن الكفار كانوا متيقنين بالرسالة والنبوة بمقتضى الآية الكريمة ولم يكونوا عاقدين عليها. وكيف كان، فلا شبهة في أن للنفس أفعالا في افقها تصدر عنها باختيارها، وإعمال سلطنتها: كالبناء والالتزام والقصد وعقد القلب وما شاكل ذلك. وثانيا: على فرض تسليم عدم صدور الفعل عن النفس من دون توسط إحدى قواها الباطنة والظاهرة إلا أنك عرفت (2) أن الأفعال التي تصدر عن قواها في الحقيقة تصدر عنها، وهي الفاعل لها حقيقة وواقعا. والسبب في ذلك: أن هذه القوى بأجمعها تصحح فاعلية النفس بالفعل، فإن


(1) النمل: 14. (2) تقدم آنفا فلاحظ. (*)

[ 63 ]

فاعليتها كذلك تتوقف على توفر شروط منها: وجود إحدى قواها، حيث إن فاعليتها في مرتبة القوة العاقلة إدراك الامور المعقولة بواسطتها، وفي مرتبة القوة الواهمة الفرض والتقدير، وفي مرتبة القوة المتخيلة الخيال، وفي مرتبة القوة الباصرة الإبصار، وفي مرتبة القوة السامعة الإسماع، وفي مرتبة القوة العضلاتية التحريك نحو إيجاد فعل في الخارج. وإن شئت قلت: إن النفس متى شاءت أن تدرك الحقائق الكلية أدركت بالقوة العاقلة، ومتى شاءت أن تفرض الأشياء وتقدرها قدرت بالقوة الواهمة، ومتى شاءت أن تفعل شيئا فعلت بالقوة العضلاتية...، وهكذا. وعلى هذا فبطبيعة الحال أن هذه الأفعال التي تصدر عنها بواسطة تلك القوى جميعا مسبوقة بإعمال قدرتها واختيارها، ولا فرق من هذه الناحية بين الأفعال الخارجية التي تصدر عنها بالقوة العضلاتية وبين الأفعال الداخلية التي تصدر عنها بإحدى تلك القوى. فما أفاده (قدس سره): من أن أفعال تلك القوى أجنبية عن الاختيار مبني على جعل الاختيار في عرض تلك الأفعال، ولذلك قال: (ما هو فاعله والمؤثر فيه). ولكن قد عرفت بشكل واضح أن الاختيار في طولها، وفاعله هو النفس. فالنتيجة: أن الاختيار يمتاز عن هذه الأفعال في نقطتين: الاولى: أن الاختيار يصدر عن النفس بالذات لا بواسطة اختيار آخر، وإلا لذهب الى ما لا نهاية له، وتلك الأفعال تصدر عنها بواسطته لا بالذات. الثانية: أن الاختيار لم يصدر عنها بواسطة شئ من قواها دون تلك الأفعال، حيث إنها تصدر عنها بواسطة هذه القوى. وأما النقطة الثالثة: فقد ظهر خطأها مما قدمناه آنفا: من أن الإرادة ليست علة تامة للفعل، ولا جزءا أخيرا لها فلاحظ، ولا نعيد (1). الثاني (2): ما إليك لفظه: (إن هذا الفعل النفساني المسمى بالاختيار إذا حصل في


(1) مر ذكره في ص 58 فراجع. (2) أي الثاني من وجوه الإيراد. (*)

[ 64 ]

النفس فإن ترتبت عليه حركة العضلات بحيث لا تنفك الحركة عنه كان حال الحركة وهذا الفعل النفساني حال الفعل وصفة الإرادة، فما المانع عن كون الصفة علة تامة للفعل دون الفعل النفساني، وكونه وجوبا بالاختيار مثل كونه وجوبا بالإرادة ؟) (1). وغير خفي أن ما ذكره (قدس سره) من الغرائب ! والسبب في ذلك: أن الفعل وإن كان مترتبا على الاختيار وإعمال القدرة في الخارج إلا أن هذا الترتب بالاختيار. ومن المعلوم أن وجوب وجود الفعل الناشئ من الاختيار لا ينافي الاختيار، بل يؤكده. وبكلمة اخرى: أن النفس باختيارها وإعمال قدرتها أوجدت الفعل في الخارج، فيكون وجوب وجوده بنفس الاختيار وإعمال القدرة، ومرده الى الوجوب بشرط المحمول، أي: بشرط الوجود. ومن الطبيعي أن مثل هذا الوجوب لا ينافي الاختيار، حيث إن وجوبه معلول له فكيف يعقل أن يكون منافيا له ؟ فيكون المقام نظير المسبب المترتب على السبب الاختياري، وهذا بخلاف وجوب وجود الفعل من ناحية وجود الإرادة، فإنه ينافي كونه اختياريا، وذلك لأن الإرادة - كما عرفت (2) - بكافة مبادئها غير اختيارية، فإذا فرضنا أن الفعل معلول لها ومترتب عليها كترتب المعلول على العلة التامة فكيف يعقل كونه اختياريا نظير ترتب المسبب على السبب الخارج عن الاختيار ؟ وعلى ضوء هذا البيان يمتاز وجوب الفعل المترتب على صفة الاختيار عن وجوب الفعل المترتب على صفة الإرادة. الثالث: ما اليك نص قوله: (إن الاختيار الذي هو فعل نفساني إن كان لا ينفك عن الصفات الموجودة في النفس من العلم والقدرة والإرادة فيكون فعلا قهريا، لكون مبادئه قهرية لا اختيارية. وإن كان ينفك عنها وأن تلك الصفات مرجحات فهي بضميمة النفس الموجودة في جميع الأحوال علة ناقصة، ولا يوجد المعلول


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 169. (2) قد تقدم في ص 52. (*)

[ 65 ]

إلا بعلته التامة. وتوهم الفرق بين الفعل الاختياري وغيره من حيث كفاية وجود المرجح في الأول دون الثاني من الغرائب، فإنه لا فرق بين ممكن وممكن في الحاجة الى العلة، ولا فرق بين معلول ومعلول في الحاجة الى العلة التامة، فإن الإمكان مساوق للافتقار الى العلة، وإذا وجد ما يكفي في وجود المعلول به كان علة تامة له، وإذا لم يكن كافيا في وجوده فوجود المعلول به خلف، فتدبره فإنه حقيق) (1). ولا يخفى أن ما أفاده (قدس سره) مبني على عموم قاعدة " أن الشئ ما لم يجب لم يوجد " للأفعال الاختيارية أيضا، وأنه لا فرق بينها وبين المعاليل الطبيعية من هذه الناحية. ولكن قد تقدم (2) بشكل واضح عدم عمومية القاعدة المذكورة، واختصاصها على ضوء مبدأ السنخية والتناسب بسلسلة المعاليل الطبيعية. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: قد سبق أن الإرادة وكذا غيرها من الصفات النفسانية لا تصلح أن تكون علة تامة لوجود الفعل في الخارج (3). ومن ناحية ثالثة: أن الصفات الموجودة في النفس: كالعلم والقدرة والإرادة وما شاكلها ليست من مبادئ وجوده وتحققه في النفس كي يوجد فيها قهرا عند وجود هذه الصفات، بل هو مباين لها، كيف ؟ حيث إنه فعل النفس وتحت سلطانها. وهذا بخلاف تلك الصفات فإنها امور خارجة عن إطار اختيار النفس وسلطانها. وعلى ضوء هذه النواحي يظهر: أن ما أفاده (قدس سره): من أن الاختيار على تقدير انفكاكه عن النفس يلزم كون النفس مع هذه الصفات علة ناقصة لا تامة، مع أن المعلول لا يوجد إلا بوجود علته التامة خاطئ جدا. والسبب في ذلك أولا: ما تقدم من أن الاختيار ذاتي للنفس فلا يعقل انفكاكه


(1) انظر نهاية الدراية: ج 1 ص 169. (2 و 3) تقدم في ص 56 - 58 فراجع. (*)

[ 66 ]

عنها، وليس حاله من هذه الناحية حال سائر الأفعال الاختيارية (1). وثانيا: ما عرفت بشكل واضح من أن الفعل لا يفتقر في وجوده الى وجود علة تامة له، بل هو يحتاج الى وجود فاعل (2)، والمفروض أن النفس فاعل له، فإذا لا معنى لما أفاده (قدس سره): من أن الفعل ممكن وكل ممكن يحتاج الى علة تامة. وإن أصررت على ذلك وأبيت إلا أن يكون للشئ علة تامة ويستحيل وجوده بدونها فنقول: إن العلة التامة للفعل إنما هي إعمال القدرة والسلطنة بتحريك القوة العضلاتية نحوه، ومن الطبيعي أن الفعل يتحقق بها ويجب وجوده، ولكن بما أن وجوب وجوده مستند الى الاختيار ومعلول له فلا ينافي الاختيار. فالنتيجة: هي أن الممكن وإن كان بكافة أنواعه وأشكاله يفتقر من صميم ذاته الى علة تامة له إلا أن العلة التامة في الأفعال الاختيارية حيث إنها الاختيار وإعمال القدرة فبطبيعة الحال تكون ضرورتها من الضرورة بشرط الاختيار. ومن الواضح أن مثل هذه الضرورة يؤكد الاختيار. الرابع: ما إليكم لفظه: (إن الفعل المسمى بالاختيار إن كان ملاكا لاختيارية الأفعال وان ترتب الفعل على صفة الإرادة مانع عن استناد الفعل الى الفاعل لكان الأمر في الواجب تعالى كذلك، فإن الملاك عدم صدورها عن اختياره، لا انتهاء الصفة الى غيره، مع أن هذا الفعل المسمى بالاختيار يستحيل أن يكون عين ذات الواجب، فإن الفعل يستحيل أن يكون عين فاعله فلا محالة يكون قائما بذاته قيام الفعل بالفاعل صدورا، فإن كان قديما بقدمه كان حال هذا القائل حال الأشعري القائل بالصفات القديمة القائمة بذاته الزائدة عليها. وإن كان حادثا كان محله الواجب فكان الواجب محلا للحوادث، فيكون حاله حال الكرامية القائلين بحدوث الصفات، ويستحيل حدوثه وعدم قيامه بمحل، فإن سنخ الاختيار ليس كسنخ الأفعال الصادرة عن اختيار من الجواهر والأعراض حتى يكون موجودا قائما بنفسه أو قائما بموجود آخر، بل الاختيار يقوم بالمختار، لا بالفعل


(1) راجع ص 63 - 64. (2) مر ذكره في ص 59 فراجع. (*)

[ 67 ]

الاختياري في ظرف وجوده، وهو واضح) (1). يحتوي ما أفاده (قدس سره) على عدة نقاط: الاولى: أنه لا فرق بين فاعليته سبحانه وتعالى وفاعلية غيره من ناحية صدور الفعل بالإرادة والاختيار. نعم، فرق بينهما من ناحية اخرى، وهي: أن فاعليته تعالى تامة وبالذات من كافة الجهات: كالعلم والقدرة والحياة والإرادة وما شاكلها، دون فاعلية غيره فإنها ناقصة وبحاجة الى الغير في تمام هذه الجهات، بل هي عين الفقر والحاجة، فلابد من إفاضتها آنا فآنا من قبل الله تعالى. الثانية: أنه لو كان ملاك الفعل الاختياري صدوره عن الفاعل بإعمال القدرة والاختيار لكان الأمر في الباري - عز وجل - أيضا كذلك، وعندئذ نسأل عن هذا الاختيار هل هو عين ذاته أو غيره ؟ وعلى الثاني فهل هو قديم أو حادث ؟ والكل خاطئ. أما الأول: فلاستحالة كون الفعل عين فاعله ومتحدا معه خارجا وعينا. وأما الثاني: فيلزم تعدد القدماء، وهو باطل. وأما الثالث: فيلزم كون الباري تعالى محلا للحوادث، وهو محال. الثالثة: أن سنخ الاختيار ليس كسنخ بقية الأفعال الخارجية، فإنها لا تخلو من أن تكون من مقولة الجوهر، أو من مقولة العرض. ومن الواضح أن الاختيار ليس بموجود في الخارج حتى يكون في عرض هذه الأفعال وداخلا في إحدى المقولتين، بل هو في طولها، وموطنه فيه تعالى ذاته، وفي غيره نفسه، فالجامع: هو أن الاختيار قائم بذات المختار لا بالفعل الاختياري، ولا بموجود آخر ولا بنفسه. وعلى هذا فتأتي الشقوق المشار إليها في النقطة الثانية، وقد عرفت استحالة جميعها. فالنتيجة لحد الآن قد أصبحت: أن الاختيار أمر غير معقول. هذا، ولنأخذ بالنظر الى هذه النقاط:


(1) انظر نهاية الدراية: ج 1 ص 170. (*)

[ 68 ]

أما النقطة الاولى: فهي وإن كانت تامة من ناحية عدم الفرق بين ذاته تعالى وبين غيره في ملاك الفعل الاختياري إلا أن ما أفاده (قدس سره): من أن ملاكه هو صدوره عن الفاعل بالإرادة والعلم خاطئ جدا، وذلك لأن نسبة الإرادة الى الفعل لو كانت كنسبة العلة التامة الى المعلول استحال كونه اختياريا، حيث إن وجوب وجوده بالإرادة مناف للاختيار، ولا فرق في ذلك بين الباري - عز وجل - وغيره. ومن هنا صحت نسبة الجبر الى الفلاسفة في أفعال الباري تعالى أيضا. بيان ذلك: هو أن مناط اختيارية الفعل كونه مسبوقا بالإرادة والالتفات في افق النفس. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: الإرادة علة تامة للفعل على ضوء مبدأ افتقار كل ممكن الى علة تامة واستحالة وجوده بدونها، ولا فرق في ذلك بين إرادته تعالى وإرادة غيره. نعم، فرق بينهما من ناحية اخرى، وهي: أن إرادته سبحانه عين ذاته، ومن هنا تكون العلة في الحقيقة هي ذاته، وحيث إنها واجبة من جميع الجهات وكافة الحيثيات فبطبيعة الحال يجب صدور الفعل عنه على ضوء مبدأ " أن الشئ ما لم يجب لم يوجد ". ومن ناحية ثالثة: أنهم قد التزموا بتوحيد أفعاله تعالى على ضوء مبدأ " أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد " واستحالة صدور الكثير منه. فالنتيجة على ضوء هذه النواحي: هي ضرورة صدور الفعل منه واستحالة انفكاكه عنه، وهذا معنى الجبر وواقعه الموضوعي في أفعاله سبحانه. وإن شئت قلت: إن الإرادة الأزلية لو كانت علة تامة لأفعاله تعالى لخرجت تلك الأفعال عن إطار قدرته سبحانه وسلطنته، بداهة أن القدرة لا تتعلق بالواجب وجوده أو المستحيل وجوده، والمفروض أن تلك الأفعال واجبة وجودها من جهة وجوب وجود علتها، حيث إن علتها - وهي الإرادة الأزلية على نظريتهم - واجبة الوجود وعين ذاته سبحانه، وتامة من كافة الحيثيات والنواحي، ولا يتصور

[ 69 ]

فيها النقص أبدا، فإذا كانت العلة كذلك فبطبيعة الحال يحكم على هذه الأفعال الحتم والوجوب، ولا يعقل فيها الاختيار. ومن الواضح أن مرد هذا الى إنكار قدرة الله تعالى وسلطنته. ومن هنا قلنا: إن أفعاله تعالى تصدر عنه بالاختيار وإعمال القدرة (1)، وذكرنا: أن إرادته تعالى ليست ذاتية، بل هي عبارة عن المشيئة وإعمال القدرة (2)، كما أنا ذكرنا: أن معنى تمامية سلطنته تعالى من جميع الجهات وعدم تصور النقص فيها ليس وجوب صدور الفعل منه، بل معناها: عدم افتقار ذاته سبحانه الى غيره، وأنه سلطان بالذات دون غيره فإنه فقير بالذات والفقر كامن في صميم ذاته (3). وقد تحصل من ذلك: أن الضابط لكون الفعل في إطار الاختيار هو صدوره عن الفاعل بالمشيئة وإعمال القدرة، لا بالإرادة والشوق المؤكد. وأما النقطة الثانية: فقد تبين من ضمن البحوث السابقة بصورة موسعة: أن صدور الفعل عن الباري - عز وجل - إنما هو بإعمال قدرته وسلطنته، لا بغيرها. وما ذكره (قدس سره) من الإيراد عليه فغريب جدا ! بل لا نترقب صدوره منه (قدس سره). والوجه في ذلك: هو أن قيام الاختيار بالنفس قيام الفعل بالفاعل، لا قيام الصفة بالموصوف والحال بالمحل، وذلك لوضوح أنه لا فرق بينه وبين غيره من الأفعال الاختيارية، وكما أن قيامها بذاته سبحانه قيام صدور وإيجاد فكذلك قيامه بها. وعلى هذا فلا موضوع لما ذكره (قدس سره) من الشقوق والاحتمالات، فإنها جميعا تقوم على أساس كون قيامه بها قيام الصفة بالموصوف أو الحال بالمحل. فما ذكره (قدس سره): من أن الاختيار قائم بذات المختار لا بالفعل الاختياري وإن كان صحيحا إلا أن مدلوله ليس كونه قائما بها قيام الصفة بالموصوف. فالنتيجة: أن الاختيار يشترك مع بقية الأفعال الاختيارية في نقطة، ويمتاز


(1) تقدم في ص 37 فراجع. (2) مر ذكره في ص 38 فراجع. (3) تقدم ذكره في ص 40 - 42 فراجع. (*)

[ 70 ]

عنها في نقطة اخرى. أما نقطة الاشتراك: فهي أن قيام كليهما بالفاعل قيام صدور وإيجاد، لا قيام صفة أو حال. وأما نقطة الامتياز: فهي أن الاختيار صادر عن ذات المختار بنفسه وبلا اختيار آخر، وأما بقية الأفعال فهي صادرة عنها بالاختيار لا بنفسها. وأما النقطة الثالثة: فهي خاطئة جدا. والسبب في ذلك: أن الأفعال الصادرة عن الفاعل بالاختيار وإعمال القدرة لا تنحصر بالجواهر والأعراض، فإن الامور الاعتبارية فعل صادر عن المعتبر بالاختيار، ومع ذلك ليست بموجودة في الخارج فضلا عن كونها قائمة بنفسها أو بموجود آخر. وعلى هذا فلا ملازمة بين عدم قيام فعل بنفسه ولا بموجود آخر وبين قيامه بذات الفاعل قيام الصفة بالموصوف أو الحال بالمحل، لما عرفت من أن الامور الاعتبارية فعل للمعتبر على رغم أن قيامها به قيام صدور وإيجاد، لا قيام صفة أو حال (1)، فليكن الاختيار من هذا القبيل، حيث إنه فعل اختياري على الرغم من عدم قيامه بنفسه ولا بموجود آخر، بل يقوم بذات المختار قيام صدور وإيجاد. فالنتيجة لحد الآن: هي أن ما ذكره (قدس سره) من الوجوه غير تام. الوجه الثاني (2): أن أفعال العباد لا تخلو: من أن تكون متعلقة لإرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته، أو لا تكون متعلقة لها، ولا ثالث لهما. فعلى الأول: لابد من وقوعها في الخارج، لاستحالة تخلف إرادته سبحانه عن مراده. وعلى الثاني: يستحيل وقوعها، فإن وقوع الممكن في الخارج بدون إرادته تعالى محال، حيث لا مؤثر في الوجود إلا الله، ونتيجة ذلك: أن العبد مقهور في إرادته ولا اختيار له أصلا. والجواب عن ذلك: أن أفعال العباد لا تقع تحت إرادته سبحانه وتعالى ومشيئته.


(1) تقدم آنفا فلاحظ. (2) تقدم الوجه الأول في ص 51. (*)

[ 71 ]

والوجه فيه ما تقدم بشكل مفصل: من أن إرادته تعالى ليست من الصفات العليا الذاتية. بل هي من الصفات الفعلية التي هي عبارة عن المشيئة وإعمال القدرة (1) وعليه فبطبيعة الحال لا يمكن تعلق إرادته تعالى بها لسببين: الأول: أن الأفعال القبيحة: كالظلم والكفر وما شاكلهما التي قد تصدر من العباد لا يمكن صدورها منه تعالى بإعمال قدرته وإرادته، كيف ؟ حيث إن صدورها لا ينبغي من العباد فما ظنك بالحكيم تعالى ؟ الثاني: أن الإرادة بمعنى إعمال القدرة والسلطنة يستحيل أن تتعلق بفعل الغير، بداهة أنها لا تعقل إلا في الأفعال التي تصدر من الفاعل بالمباشرة، وحيث إن أفعال العباد تصدر منهم كذلك فلا يعقل كونها متعلقة لإرادته تعالى وإعمال قدرته. نعم، تكون مبادئ هذه الأفعال: كالحياة والعلم والقدرة وما شاكلها تحت إرادته سبحانه ومشيئته. نعم، لو شاء سبحانه وتعالى عدم صدور بعض الأفعال من العبيد فيبدي المانع عنه أو يرفع المقتضي له. ولكن هذا غير تعلق مشيئته بأفعالهم مباشرة ومن دون واسطة. الوجه الثالث: أن الله تعالى عالم بأفعال العباد بكافة خصوصياتها: من كمها وكيفها ومتاها وأينها ووضعها ونحو ذلك. ومن الطبيعي أنه لابد من وقوعها منهم كذلك في الخارج، وإلا لكان علمه تعالى جهلا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وعليه فلابد من الالتزام بوقوعها خارجا على وفق إطار علمه سبحانه، ولا يمكن تخلفه عنه، فلو كانوا مختارين في أفعالهم فلا محالة وقع التخلف في غير مورد وهو محال. وقد صرح بذلك صدر المتألهين بقوله: (ومما يدل على ما ذكرناه من أنه ليس من شرط كون الذات مريدا وقادرا: إمكان أن لا يفعل، حيث إن الله تعالى إذا علم أنه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني فذلك الفعل لو لم يقع لكان علمه


(1) راجع ص 35. (*)

[ 72 ]

جهلا، وذلك محال، والمؤدي الى المحال محال، فعدم وقوع ذلك الفعل محال، فوقوعه واجب، لاستحالة خروجه من طرفي النقيضين) (1). والجواب عنه: أن علمه سبحانه وتعالى بوقوع تلك الأفعال منهم خارجا في زمان خاص ومكان معين لا يكون منشأ لاضطرارهم الى إيقاعها في الخارج في هذا الزمان وذاك المكان. والسبب في ذلك: هو أن علمه تعالى قد تعلق بوقوعها كذلك منهم بالاختيار وإعمال القدرة. ومن الطبيعي أن هذا العلم لا يستلزم وقوعها بغير اختيار، وإلا لزم التخلف والانقلاب. والسر فيه: أن حقيقة العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه لدى العالم من دون أن يوجب التغيير فيه أصلا، ونظير ذلك: ما إذا علم الإنسان بأنه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني من جهة إخبار المعصوم (عليه السلام) أو نحوه، فكما أنه لا يوجب اضطراره الى إيجاده في ذلك الوقت فكذلك علمه سبحانه. وبكلمة اخرى: أن الاضطرار الناشئ من قبل العلم الأزلي يمكن تفسيره بأحد تفسيرين. الأول: تفسيره على ضوء مبدأ العلية، بدعوى: أن العلم الأزلي علة تامة للأشياء، منها: أفعال العباد. الثاني: تفسيره على ضوء مبدأ الانقلاب - أي: انقلاب علمه تعالى جهلا - من دون وجود علاقة العلية والمناسبة بينهما. ولكن كلا التفسيرين خاطئ جدا. أما الأول: فلا يعقل كون العلم من حيث هو علة تامة لوجود معلومه، بداهة أن واقع العلم وحقيقته هو انكشاف الأشياء على ماهي عليه لدى العالم. ومن الطبيعي أن الانكشاف لا يعقل أن يكون مؤثرا في المنكشف على ضوء مبدأ السنخية والمناسبة، ضرورة انتفاء هذا المبدأ بينهما. وأضف الى ذلك: أن العلم الأزلي لو كان علة تامة لأفعال العباد فبطبيعة الحال


(1) الأسفار: ج 8 ص 318 الفصل الثاني من الموقف الرابع. (*)

[ 73 ]

ترتبط تلك الأفعال به ذاتا وتعاصره زمانا، وهذا غير معقول. وأما الثاني: فلفرض أن العلم لا يقتضي ضرورة وجود الفعل في الخارج، حيث إنه لا علاقة بينهما ما عدا كونه كاشفا عنه. ومن الطبيعي أن وقوع المنكشف في الخارج ليس تابعا للكاشف، بل هو تابع لوجود سببه وعلته، سواء أكان هناك انكشاف أم لم يكن، وعليه فلا موجب لضرورة وقوع الفعل إلا دعوى الانقلاب، ولكن قد عرفت خطأها وعدم واقع موضوعي لها. ونزيد على هذا: أن علمه سبحانه بوقوع أفعال العباد لو كان موجبا لاضطرارهم إليها وخروجها عن اختيارهم لكان علمه سبحانه بأفعاله أيضا موجبا لذلك. فالنتيجة: أن هذا التوهم خاطئ جدا. الوجه الرابع: ما عن الفلاسفة من أن الذات الأزلية علة تامة للأشياء، وتصدر منها على ضوء مبدأ السنخية والمناسبة، حيث إن الحقيقة الإلهية بوحدتها وأحديتها جامعة لجميع حقائق تلك الأشياء وطبقاتها الطولية والعرضية، ومنها: أفعال العباد، فإنها داخلة في تلك السلسلة التي لا تملك الاختيار ولا الحرية (1). والجواب عنه: أن هذه النظرية خاطئة من وجوه: الأول: ما تقدم بشكل موسع: من أن هذه النظرية تستلزم نفي القدرة والسلطنة عن الذات الأزلية أعاذنا الله من ذلك (2). الثاني: أنه لا يمكن تفسير اختلاف الكائنات بشتى أنواعها وأشكالها ذاتا وسنخا على ضوء هذه النظرية، وذلك لأن العلة التامة إذا كانت واحدة ذاتا ووجودا وفاردة سنخا فلا يعقل أن تختلف آثارها وتتباين أفعالها، ضرورة استحالة صدور الآثار المتناقضة المختلفة والأفعال المتباينة من علة واحدة بسيطة، فإن للعلة الواحدة أفعالا ونواميسا معينة لا تختلف ولا تتخلف عن إطارها المعين، كيف ؟ حيث إن في ذلك القضاء الحاسم على مبدأ السنخية والمناسبة بين العلة والمعلول، ومن الطبيعي أن القضاء على هذا المبدأ يستلزم انهيار جميع العلوم


(1) انظر الأسفار: ج 6 ص 110 - 116. (2) راجع تفصيله في ص 40 - 41. (*)

[ 74 ]

والاسس القائمة على ضوئه، فلا يمكن - عندئذ - تفسير أية ظاهرة كونية ووضع قانون عام لها. ودعوى: الفرق - بين الذات الأزلية والعلة الطبيعية: هو أن الذات الأزلية وإن كانت علة تامة للأشياء إلا أنها عالمة بها دون العلة الطبيعية فإنها فاقدة للشعور والعلم - وإن كانت صحيحة إلا أن علم العلة بالمعلول إن كان مانعا عن تأثيرها فيه على شكل الحتم والوجوب بقانون التناسب فهذا خلف، حيث إن في ذلك القضاء الحاسم على علية الذات الأزلية، وإن تأثيرها في الأشياء ليس كتأثير العلة التامة في معلولها، بل كتأثير الفاعل المختار في فعله. وإن لم يكن مانعا عنه - كما هو الصحيح - حيث إن العلم لا يؤثر في واقع العلية وإطار تأثيرها - كما درسنا ذلك سابقا (1) - فلا فرق بينهما عندئذ أصلا، فإذا ما هو منشأ هذه الاختلافات والتناقضات بين الأشياء ؟ وما هو المبرر لها ؟ وبطبيعة الحال لا يمكن تفسيرها تفسيرا يطابق الواقع الموضوعي إلا على ضوء ما درسناه سابقا بشكل موسع: من أن صدور الأشياء من الله سبحانه بمشيئته وإعمال سلطنته وقدرته (2). وقد وضعنا هناك الحجر الأساسي للفرق بين زاوية الأفعال الاختيارية، وزاوية المعاليل الطبيعية، وعلى أساس هذا الفرق تحل المشكلة. الثالث: أنه لا يمكن على ضوء هذه النظرية إثبات علة اولى للعالم التي لم تنبثق عن علة سابقة. والسبب في ذلك: أن سلسلة المعاليل والحلقات المتصاعدة التي ينبثق بعضها من بعض لا تخلو: من أن تتصاعد تصاعدا لا نهائيا، أو تكون لها نهاية، ولا ثالث لهما. فعلى الأول هو التسلسل الباطل، ضرورة أن هذه الحلقات جميعا معلولات وارتباطات فتحتاج في وجودها الى علة أزلية واجبة الوجود كي تنبثق منها، وإلا استحال تحققها. وعلى الثاني لزم وجود المعلول بلا علة، وذلك لأن للسلسلة إذا كانت نهاية


(1) قد تقدم في ص 72 و 73 فراجع. (2) راجع ص 36 و 58. (*)

[ 75 ]

فبطبيعة الحال تكون مسبوقة بالعدم. ومن الطبيعي أن ما يكون مسبوقا به ممكن فلا يصلح أن يكون علة للعالم ومبدأ له. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أنه لا علة له. فالنتيجة على ضوئهما: هي وجود الممكن بلا علة وسبب، وهو محال، كيف ؟ حيث إن في ذلك القضاء المبرم على مبدأ العلية. فإذا على القائلين بهذه النظرية أن يلتزموا بأحد أمرين: إما بالقضاء على مبدأ العلية، أو بالتسلسل، وكلاهما محال. الرابع: أن لازم هذه النظرية انتفاء العلة بانتفاء شئ من تلك السلسلة. بيان ذلك: أن هذه السلسلة والحلقات حيث إنها جميعا معاليل لعلة واحدة ونواميس خاصة لها ترتبط بها ارتباطا ذاتيا وتنبثق من صميم ذاتها ووجودها فيستحيل أن تتخلف عنها، كما يستحيل أن تختلف. وعلى هذا الضوء إذا انتفى شئ من تلك السلسلة فبطبيعة الحال يكشف عن انتفاء العلة، ضرورة استحالة انتفاء المعلول مع بقاء علته وتخلفه عنها. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: أنه لا شبهة في انتفاء الأعراض في هذا الكون، ومن الطبيعي أن انتفاءها من ناحية انتفاء علتها، وإلا فلا يعقل انتفاؤها، فالتحليل العلمي في ذلك أدى في نهاية المطاف الى انتفاء علة العلل وعلى هذا الأساس فلا يمكن تفسير انتفاء بعض الأشياء في هذا الكون تفسيرا يتلائم مع هذه النظرية. فالنتيجة في نهاية الشوط: هي أن تلك النظرية خاطئة جدا ولا واقع موضوعي لها أصلا. الى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي: بطلان نظرية الجبر مطلقا، يعني: في إطارها الأشعري والفلسفي، وأنها نظرية لا تطابق الواقع الموضوعي، ولا الوجدان، ولا البرهان المنطقي. (4) نظرية المعتزلة " مسألة التفويض " ونقدها ذهب المعتزلة الى أن الله سبحانه وتعالى قد فوض العباد في أفعالهم

[ 76 ]

وحركاتهم الى سلطنتهم المطلقة على نحو الأصالة والاستقلال، بلا دخل لإرادة وسلطنة اخرى فيها، وهم يفعلون ما يشاؤون ويعملون ما يريدون من دون حاجة الى الاستعانة بقدرة اخرى وسلطنة ثانية. وبهذه النقطة تمتاز عن نظرية الأمر بين الأمرين، فإن العبد على ضوء تلك النظرية وإن كان له أن يفعل ما يشاء ويعمل ما يريد إلا أنه في عين ذلك بحاجة الى استعانة الغير فلا يكون مستقلا فيه. وغير خفي أن المفوضة وإن احتفظت بعدالة الله تعالى إلا أنهم وقعوا في محذور لا يقل عن المحذور الواقع فيه الأشاعرة، وهو: الإسراف في نفي السلطنة المطلقة عن الباري - عز وجل - وإثبات الشريك له في أمر الخلق والإيجاد. ومن هنا وردت (1) روايات كثيرة تبلغ حد التواتر في ذم هذه الطائفة، وقد ورد فيها: " أنهم مجوس هذه الامة " (2)، حيث إن المجوس يقولون بوجود إلهين: أحدهما خالق الخير، وثانيهما خالق الشر، ويسمون الأول " يزدان "، والثاني " أهريمن "، وهذه الطائفة تقول بوجود آلهة متعددة بعدد أفراد البشر، حيث إن هذا المذهب يقوم على أساس أن كلا منهم خالق وموجد بصورة مستقلة بلا حاجة منه الى الاستعانة بغيره. غاية الأمر أن الله تعالى خالق للأشياء الكونية كالإنسان ونحوه، والإنسان خالق لأفعاله الخارجية من دون افتقاره في ذلك الى خالقه. وقد استدل على هذه النظرية: بأن سر حاجة الممكنات وفقرها الى العلة هو حدوثها، وبعده فلا تحتاج إليها أصلا، لاستغناء البقاء عن الحاجة الى المؤثر. وعليه فالإنسان بعد خلقه وإيجاده لا يحتاج في بقائه الى إفاضة الوجود من خالقه، فإذا بطبيعة الحال يستند صدور الأفعال إليه استنادا تاما، لا الى العلة المحدثة، ومن الواضح أن مرد هذا الى نفي السلطنة عن الله - عز وجل - على عبيده نفيا تاما. والجواب عن ذلك يظهر على ضوء درس هذه النقطة (استغناء البقاء عن


(1) انظر بحار الأنوار: ج 5 كتاب العدل باب القضاء والقدر. (2) بحار الأنوار: ج 5 ص 9، وتفسير القمي: ج 1 ص 226. (*)

[ 77 ]

المؤثر) ونقدها: مرة في الأفعال الاختيارية، واخرى في الموجودات التكوينية. أما في الأفعال الاختيارية فهي واضحة البطلان. والسبب في ذلك: ما أشرنا إليه آنفا من أن كل فعل اختياري مسبوق بإعمال القدرة والاختيار، وهو فعل اختياري للنفس، وليس من مقولة الصفات، وواسطة بين الإرادة والأفعال الخارجية، فالفعل في كل آن يحتاج إليه ولا يعقل بقاؤه بعد انعدامه وانتفائه، فهو تابع لإعمال قدرة الفاعل حدوثا وبقاء، فإن أعمل قدرته فيه تحقق في الخارج، وإن لم يعملها فيه استحال تحققه. فعلى الأول إن استمر في إعمال القدرة فيه استمر وجوده، وإلا استحال استمراره. وعلى الجملة: فلا فرق بين حدوث الفعل الاختياري وبقائه في الحاجة الى السبب والعلة، وهو إعمال القدرة والسلطنة. فإن سر الحاجة - وهو إمكانه الوجودي وفقره الذاتي - كامن في صميم ذاته وواقع وجوده، من دون فرق بين حدوثه وبقائه، مع أن البقاء هو الحدوث، غاية الأمر أنه حدوث ثان ووجود آخر في قبال الوجود الأول، والحدوث هو الوجود الأول غير مسبوق بمثله. وعليه فبطبيعة الحال إذا تحقق فعل في الخارج من الفاعل المختار فهو كما يحتاج الى إعمال القدرة فيه والاختيار كذلك يحتاج إليه في الآن الثاني والثالث...، وهكذا، فلا يمكن أن نتصور استغناءه في بقائه عن الفاعل بالاختيار. وبكلمة اخرى: أن كل فعل اختياري ينحل الى أفعال متعددة بتعدد الآنات والأزمان، فيكون في كل آن فعل صادر بالاختيار وإعمال القدرة، فلو انتفى الاختيار في زمان يستحيل بقاء الفعل فيه. ومن هنا، لا فرق بين الدفع والرفع عقلا إلا بالاعتبار، وهو: أن الدفع مانع عن الوجود الأول، والرفع مانع عن الوجود الثاني، فكلاهما في الحقيقة دفع. فالنتيجة: أن احتياج الأفعال الاختيارية في كل آن الى الإرادة والاختيار من الواضحات الأولية، فلا يحتاج الى زيادة مؤنة بيان وإقامة برهان. وأما في الموجودات التكوينية فالأمر أيضا كذلك، إذ لا شبهة في حاجة

[ 78 ]

الأشياء الى علل وأسباب فيستحيل أن توجد بدونها. وسر حاجة تلك الأشياء بصورة عامة الى العلة وخضوعها لها بصورة موضوعية: هو أن الحاجة كامنة في ذوات تلك الأشياء، لا في أمر خارج عن إطار ذواتها، فإن كل ممكن في ذاته مفتقر الى الغير ومتعلق به، سواء أكان موجودا في الخارج أم لم يكن، ضرورة أن فقرها كامن في نفس وجوده. ومن الطبيعي أن الأمر إذا كان كذلك فلا فرق بين الحدوث والبقاء في الحاجة الى العلة، فإن سر الحاجة - وهو الإمكان - لا ينفك عنه، كيف ؟ فإن ذاته عين الفقر والإمكان، لا أنه ذات لها الفقر. وعلى ضوء هذا الأساس، فكما أن الأشياء في حدوثها في أمس الحاجة الى وجود سبب وعلة فكذلك في بقائها، فلا يمكن أن نتصور وجودا متحررا عن تلك الحاجة، إذ النقطة التي تنبثق منها حاجة الأشياء الى مبدأ العلية والإيجاد ليست هي حدوثها، لاستلزام هذه النظرية تحديد حاجة الممكن الى العلة من ناحيتين: المبدأ والمنتهى. أما من الناحية الاولى: فلأنها توجب اختصاص الحاجة بالحوادث، وهي الأشياء الحادثة بعد العدم، وأما إذا فرض أن للممكن وجودا مستمرا بصورة أزلية لا توجد فيه حاجة الى المبدأ. وهذا لا يتطابق مع الواقع الموضوعي للممكن حيث يستحيل وجوده من دون علة وسبب، وإلا لانقلب الممكن واجبا، وهذا خلف. وأما من الناحية الثانية: فلأن الأشياء على ضوء هذه النظرية تستغني في بقائها عن المؤثر. ومن الطبيعي أنها نظرية خاطئة لا تطابق الواقع الموضوعي، كيف ؟ فإن حاجة الأشياء الى ذلك المبدأ كامنة في صميم ذاتها وحقيقة وجودها كما عرفت (1). فالنتيجة: أن هذه النظرية بما أنها تستلزم هذين الخطأين في المبدأ وتوجب تحديده في نطاق خاص وإطار مخصوص فلا يمكن الالتزام بها. فالصحيح إذا هو نظرية ثانية، وهي: أن منشأ حاجة الأشياء الى المبدأ


(1) تقدم آنفا فراجع. (*)

[ 79 ]

وخضوعها له خضوعا ذاتيا هو إمكانها الوجودي وفقرها الذاتي، وعلى هذا الأساس فلا فرق بين الحدوث والبقاء أصلا. ونتيجة ذلك: أن المعلول يرتبط بالعلة ارتباطا ذاتيا وواقعيا، ويستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر، فلا يعقل بقاء المعلول بعد ارتفاع العلة، كما لا يمكن أن تبقى العلة والمعلول غير باق، وقد عبر عن ذلك ب‍ " التعاصر بين العلة والمعلول زمانا ". وقد يناقش في ذلك الارتباط بأنه مخالف لظواهر الموجودات التكوينية من الطبيعية والصناعية، حيث إنها باقية بعد انتفاء علتها، وهذا يكشف عن عدم صحة قانون التعاصر والارتباط، وأنه لا مانع من بقاء المعلول واستمرار وجوده بعد انتفاء علته، وذلك كالعمارات التي بناها البناؤون وآلاف من العمال فإنها تبقى سنين متمادية بعد انتهاء عملية العمارة والبناء، وكالطرق والجسور ووسائل النقل المادية بشتى أنواعها، والمكائن والمصانع وما شاكلها مما شاده المهندسون وذوو الخبرة والفن في شتى ميادينها فإنها بعد انتهاء عمليتها تبقى الى سنين متطاولة وأمد بعيد من دون علة وسبب مباشر لها، وكالجبال والأحجار والأشجار وغيرها من الموجودات الطبيعية على سطح الأرض فإنها باقية من دون حاجة في بقائها الى علة مباشرة لها. فالنتيجة: أن ظواهر تلك الأمثلة تعارض قانون التعاصر والارتباط، حيث إنها بظاهرها تكشف عن أن المعلول لا يحتاج في بقائه واستمرار وجوده الى علة، بل هو باق مع انتفاء علته. ولنأخذ بالنقد على تلك المناقشة، وحاصله: هو أنها قد نشأت عن عدم فهم معنى مبدأ العلية فهما موضوعيا، وقد تقدم بيان ذلك، وقلنا هناك: إن حاجة الأشياء الى مبدء وسبب كامنة في واقع ذاتها وصميم وجودها، ولا يمكن أن تملك حريتها بعد حدوثها (1).


(1) راجع تفصيله في ص 77 - 78. (*)

[ 80 ]

والوجه في ذلك: هو أن علة تلك الأشياء والظواهر حدوثا غير علتها بقاء، وبما أن الرجل المناقش لم ينظر الى علة تلك الظواهر لا حدوثا ولا بقاء نظرة صحيحة موضوعية وقع في هذا الاشتباه والخطأ. بيان ذلك: أن ما هو معلول للمهندسين والبنائين وآلاف من العمال في بناء العمارات والدور بشتى ألوانها، وصنع الطرق والجسور والوسائل المادية الاخرى بمختلف أشكالها من السيارات والطيارات والصواريخ والمكائن وما شاكلها إنما هو نفس عملية بنائها وصنعها وتركيبها وتصميمها في إطار مخصوص. ومن الطبيعي أن تلك العملية نتيجة عدة من حركات أيدي الفنانين والعمال والجهود التي يقومون بها، ونتيجة تجميع المواد الخام الأولية من الحديد والخشب والآجر وغيرها لتصنيع هذه الصناعات وتعمير تلك العمارات. ومن المعلوم أن ما هو معلول للعمال والصادر عنهم بالإرادة والاختيار إنما هو هذه الحركات لا غيرها، ولذا تنقطع تلك الحركات بصرف إضراب العمال عن العمل وكف أيديهم عنها. وأما بقاء تلك الأشياء والظواهر على وضعها الخاص وإطارها المعين فهو معلول لخصائص تلك المواد الطبيعية، وقوة حيويتها، وأثر الجاذبية العامة التي تفرض على تلك الجاذبية المحافظة على وضع الأشياء بنظامها الخاص، ونسبة الجاذبية الى هذه الأشياء كنسبة الطاقة الكهربائية الى الحديد عند اتصاله بها بقوة جاذبية طبيعية تجره إليها آنا فآنا بحيث لو انقطعت منه تلك القوة لانقطع منه الجذب لا محالة. ومن ذلك يظهر سر بقاء الكرة الأرضية وغيرها بما فيها من الجبال والأحجار والأشجار والمياه وما شاكلها من الأشياء الطبيعية على وضعها الخاص ومواضعها المخصوصة، وذلك نتيجة خصائص طبيعية موجودة في صميم موادها، والقوة الجاذبية التي تفرض على جميع الأشياء الكونية والمواد الطبيعية. وقد أصبحت عمومية هذه القوة في يومنا هذا من الواضحات، وقد أودعها الله سبحانه وتعالى في صميم هذه الكرة الأرضية وغيرها للتحفظ على الكرة وما عليها على وضعها

[ 81 ]

المعين ونظامها الخاص في حين أنها تتحرك في هذا الفضاء الكوني بسرعة هائلة وفي مدار خاص حول الشمس. وإن شئت فقل: إن بقاء تلك الظواهر والموجودات الممكنة معلول لخصائص تلك المواد الطبيعية من ناحية، والقوة الجاذبية المحافظة عليها من ناحية اخرى فلا تملك حريتها بقاء، كما لا تملك حدوثا. ونتيجة ذلك نقطتان متقابلتان: الاولى: بطلان نظرية أن سر حاجة الأشياء الى العلة هو الحدوث، لأن تلك النظرية ترتكز على أساس تحديد حاجة الأشياء الى العلة في إطار خاص ونطاق مخصوص لا يطابق الواقع الموضوعي، وعدم فهم معنى العلية فهما صحيحا يطابق الواقع. الثانية: صحة نظرية أن سر الحاجة الى العلة هو إمكان الوجود، فإن تلك النظرية قد ارتكزت على أساس فهم معنى العلية فهما صحيحا مطابقا للواقع، وأن حاجة الأشياء الى المبدأ كامنة في صميم وجوداتها فلا يعقل وجود متحرر عن المبدأ. وقد تحصل من ذلك: أن الأشياء بشتى أنواعها وأشكالها خاضعة للمبدأ الأول خضوعا ذاتيا، وهذا لا ينافي أن يكون تكوينها وإيجادها بمشيئة الله تعالى وإعمال قدرته من دون أن يحكم عليه قانون التناسب والسنخية، كما فصلنا الحديث من هذه الناحية (1). أو فقل: إن الأفعال الاختيارية تشترك مع المعاليل الطبيعية في نقطة واحدة، وهي: الخضوع للمبدأ والسبب خضوعا ذاتيا الكامن في صميم ذاتها ووجودها. ولكنها تفترق عنها في نقطة اخرى، وهي: أن المعاليل تصدر عن عللها على ضوء قانون التناسب دون الأفعال، فإنها تصدر عن مبدئها على ضوء الاختيار وإعمال القدرة.


(1) راجع تفصيله في ص 57 - 58. (*)

[ 82 ]

[ (5) نظرية الإمامية " مسألة الأمر بين الأمرين " إن طائفة الإمامية بعد رفض نظرية الأشاعرة في أفعال العباد ونقدها صريحا، ورفض نظرية المعتزلة فيها ونقدها كذلك اختارت نظرية ثالثة فيها، وهي " الأمر بين الأمرين "، وهي نظرية وسطى لا إفراط فيها ولا تفريط. وقد أرشدت الطائفة الى هذه النظرية الروايات (*) الواردة في هذا الموضوع من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ] (*) واليكم نص الروايات: منها: صحيحة يونس بن عبد الرحمان، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: " إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها، والله أعز من أن يريد أمرا فلا يكون "، قال: فسئلا هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا: " نعم، أوسع مما بين السماء والأرض " (1). ومنها: صحيحته الاخرى عن الصادق (عليه السلام) قال: قال له رجل: جعلت فداك، أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال: " الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها ". فقال له: جعلت فداك، ففوض الله الى العباد ؟ قال: فقال: " لو فوض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي "، فقال له: جعلت فداك، فبينهما منزلة ؟ قال: فقال: " نعم، أوسع مما بين السماء والأرض " (2). ومنها: صحيحة هشام وغيره قالوا: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) " إنا لا نقول جبرا ولا تفويضا " (3). ومنها: رواية حريز عن الصادق (عليه السلام) قال: " الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل زعم أن الله - عز وجل - أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم الله - عز وجل - في حكمه وهو كافر. ورجل يزعم أن الأمر مفوض إليهم فهذا وهن الله في سلطانه فهو كافر. ورجل يقول: إن الله - عز وجل - كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ " (4). ومنها: رواية صالح، عن بعض أصحابه، عن الصادق (عليه السلام) قال: سئل عن الجبر والقدر ؟ =


(1) اصول الكافي: ج 1 ص 159 باب الجبر والقدر ح 9. (2) المصدر السابق: ح 11. (3) بحار الأنوار: ج 5 ص 4 ح 1. (4) المصدر السابق: ص 9 ح 14. (*)

[ 83 ]

[... ] = فقال: " لا جبر ولا