العودة الى مكتبة المرتضى
محاضرات في أصول الفقه
تقرير بحث الخوئى للفياض ج 3
[ 1 ]
محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث الاستاذ الاعظم آية الله العظمى السيد أبو
القاسم الخوئي قدس سره تأليف العلامة المدقق الشيخ محمد إسحاق الفياض دام ظله الجزء
الثالث مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
[ 2 ]
شابك 9 - 058 - 470 - 964 9 - 058 - 470 - 964 isbn محاضرات في أصول الفقه (ج
3) تقرير أبحاث: آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره المقرر: الفقيه
المحقق والاصولي المدقق الشيخ محمد إسحاق الفياض الموضوع: اصول الفقه طبع ونشر:
مؤسسة النشر الاسلامي عدد الاجزاء: 5 أجزاء الطبعة: الاولى المطبوع: 1000 نسخة
التاريخ: 1419 ه. ق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مسألة الضد هل الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده ؟ يقع
الكلام في هذه المسألة من جهات: الاولى: قد تقدم منا في بحث مقدمة الواجب: أن البحث
عن ثبوت الملازمة بين وجوب شئ ووجوب مقدمته لا يختص بما إذا كان الوجوب مدلولا
لفظيا، فإن ملاك البحث يعم مطلق الوجوب، سواء كان مستفادا من اللفظ أو الإجماع أو
العقل، ولذلك قلنا: إنها من المسائل الاصولية العقلية، لا من مباحث الألفاظ (1).
وهكذا الشأن في مسألتنا هذه، فإن جهة البحث فيها - في الحقيقة - ثبوت الملازمة بين
وجوب شئ وحرمة ضده. ومن الواضح أن البحث عن تلك الجهة لا يختص بما إذا كان الوجوب
مدلولا لدليل لفظي، بل يعم الجميع، ضرورة أن ما هو المهم في المقام هو البحث عن
ثبوت تلك الملازمة وعدمه، ولا يفرق فيه بين أن يكون الوجوب مستفادا من اللفظ أو من
غيره، وإن كان عنوان البحث في المسألة - قديما وحديثا - يوهم اختصاص محل النزاع بما
إذا كان الوجوب مدلولا لفظيا إلا أن ذلك من جهة الغلبة، وأن الوجوب في الغالب
يستفاد من دليل لفظي، لا من جهة اختصاص محل النزاع بذلك، كما هو واضح.
(1) راجع تفصيله في الجزء الثاني ص 300 - 301. (*)
[ 4 ]
ولأجل ذلك تكون المسألة من المسائل الاصولية العقلية لا من مباحث الألفاظ، لعدم
صلتها بتلك المباحث أصلا، كما أنه لا صلة لغيرها من المسائل العقلية بها. الثانية:
هل هذه المسألة من المسائل الاصولية أو الفقهية أو المبادئ الأحكامية ؟ قالوا في
ذلك وجوه: 1 - إنها من المسائل الفقهية، بدعوى: أن البحث فيها عن ثبوت الحرمة لضد
الواجب وعدم ثبوت الحرمة له، وهذا بحث فقهي لا اصولي. ويدفعه: ما ذكرناه في أول بحث
الاصول: من أن هذا التوهم قد ابتني على كون البحث بحثا عن حرمة الضد ابتداء لتكون
المسألة فقهية، إلا أن الأمر ليس كذلك، فإن البحث فيها عن ثبوت الملازمة بين وجوب
شئ وحرمة ضده وعدم ثبوتها. ومن الواضح أن البحث عن هذه الناحية ليس بحثا فقهيا له
صلة بأحوال فعل المكلف وعوارضه بلا واسطة (1). 2 - إنها من المبادئ الأحكامية.
ويدفعه أيضا: ما ذكرناه في بحث مقدمة الواجب: من أن المبادئ لا تخلو من التصورية
والتصديقية، ولا ثالث لهما، والمبادئ التصورية: هي لحاظ ذات الموضوع أو المحمول
وذاتياته. ومن الواضح أن البحث عن مسألة الضد لا يرجع الى ذلك. والمبادئ التصديقية:
هي المقدمة التي يتوقف عليها تشكيل القياس، ومنها: المسائل الاصولية، فإنها مبادئ
تصديقية بالإضافة الى المسائل الفقهية، لوقوعها في كبرى قياساتها التي تستنتج منها
تلك المسائل والأحكام، ولا نعقل المبادئ الأحكامية في مقابل المبادئ التصورية
والتصديقية (2) ! 3 - والصحيح: أنها من المسائل الاصولية العقلية.
(1) انظر الجزء الأول: ص 18. (2) راجع الجزء الثاني ص 299 - 300. (*)
[ 5 ]
أما كونها من المسائل الاصولية فلما قدمناه في أول بحث الاصول: من أن المسائل
الاصولية ترتكز على ركيزتين: الاولى: أن تكون استفادة الأحكام الشرعية من الأدلة من
باب الاستنباط والتوسيط، لا من باب التطبيق، أي: تطبيق مضامينها بأنفسها على
مصاديقها، كتطبيق الطبيعي على أفراده والكلي على مصاديقه. الثانية: أن يكون وقوعها
في طريق الحكم بنفسها من دون حاجة الى ضم كبرى اصولية اخرى، فكل مسألة إذا ارتكزت
على هاتين الركيزتين فهي من المسائل الاصولية، وإلا فلا (1). وعلى هذا الأساس نميز
كل مسألة ترد علينا أنها: اصولية، أو فقهية، أو غيرها، وحيث إن هاتين الركيزتين قد
توفرتا في مسألتنا هذه فهي من المسائل الاصولية لا محالة، إذ أنها واقعة في طريق
استفادة الحكم الشرعي من باب الاستنباط والتوسيط بنفسها، بلا توسط كبرى اصولية
اخرى. وتوهم خروج هذه المسألة عن علم الاصول لعدم توفر الركيزة الثانية فيها، إذ لا
يترتب أثر شرعي على نفس ثبوت الملازمة بين وجوب شئ وحرمة ضده لتكون المسألة اصولية.
وأما حرمة الضد فهي وإن ثبتت من ناحية ثبوت تلك الملازمة إلا أنها حرمة غيرية فلا
تصلح لأن تكون ثمرة للمسألة الاصولية. نعم، هذا التوهم مندفع بما ذكرناه في أول علم
الاصول: من أنه يكفي لكون المسألة اصولية ترتب نتيجة فقهية على أحد طرفيها وإن لم
تترتب على طرفها الآخر، بداهة أن ذلك لو لم يكن كافيا في اتصاف المسألة بكونها
اصولية للزم خروج كثير من المسائل الاصولية عن علم الاصول، حتى مسألة حجية خبر
الواحد، فإنه على القول بعدم حجيته لا يترتب عليها أثر شرعي أصلا (2)، ومسألتنا هذه
تكون كذلك، فإنه تترتب عليها نتيجة فقهية على القول بعدم ثبوت الملازمة،
(1) مر ذكره في ج 1 ص 11 - 16. (2) انظر: ج 1 ص 18 - 19. (*)
[ 6 ]
وهي صحة الضد العبادي. وأما الحكم بفساده على القول الآخر فهو يتوقف على
استلزام النهي الغيري، كما يستلزمه النهي النفسي، وسنتعرض الى ذلك - إن شاء الله
تعالى - بشكل واضح. فالنتيجة الكلية: هي أن الملاك في كون المسألة اصولية وقوعها في
طريق الاستنباط بنفسها ولو باعتبار أحد طرفيها في مقابل ما ليس له هذا الشأن، وهذه
الخاصة كمسائل سائر العلوم. وأما كونها عقلية: فلأن الحاكم بالملازمة المزبورة إنما
هو العقل، ولا صلة لها بدلالة اللفظ أبدا. الثالثة: أن المراد من الاقتضاء في عنوان
المسألة ليس ما هو ظاهره، بل الأعم منه ومن الاقتضاء بنحو الجزئية والعينية ليعم
جميع الأقوال. فإن منها: قولا بأن الأمر بالشئ عين النهي عن ضده. ومنها: قول بأن
النهي عن الضد جزء من الأمر بشئ. ومنها: قول بأن الأمر بالشئ يستلزم النهي عن ضده
كما هو ظاهر لفظ الاقتضاء، فالتعميم لأجل أن لا يتوهم اختصاص النزاع بالقول الأخير.
الرابعة: أن المراد بالضد في محل البحث: مطلق ما يعاند الشئ وينافيه، سواء أكان
أمرا وجوديا كالأضداد الخاصة، أو الجامع بينها - وقد يعبر عن هذا الجامع بالضد
العام أيضا - أم كان أمرا عدميا، كالترك الذي هو المسمى عندهم بالضد العام، فإن من
الأقوال في المسألة: قول بأن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده العام وهو الترك. وبعد
بيان ذلك نقول: إن الكلام يقع في مقامين: الأول: في الضد الخاص. والثاني: في الضد
العام. أما الكلام في المقام الأول: فقد استدل جماعة على اقتضاء الأمر بالشئ النهي
عن ضده - سواء كان المراد به أحد الأضداد الخاصة أو الجامع بينها - بوجهين:
[ 7 ]
الأول: أن ترك أحد الضدين مقدمة للضد الآخر، ومقدمة الواجب واجبة، فإذا كان
الترك واجبا فالفعل لا محالة يكون محرما، وهذا معنى النهي عنه (1). أقول: هذا
الدليل مركب من مقدمتين: إحداهما: صغرى القياس. والثانية: كبراه، فلابد من درس كل
واحدة واحدة منهما. أما المقدمة الاولى فبيانها: أن العلة التامة مركبة من أجزاء
ثلاثة: 1 - المقتضي: وهو الذي بذاته يقتضي التأثير في مقتضاه. 2 - الشرط: وهو الذي
يصحح فاعلية المقتضي. 3 - عدم المانع: وهو الذي له دخل في فعلية تأثير المقتضي. ومن
الواضح أن العلة التامة لا تتحقق بدون شئ من هذه المواد الثلاث، فبانتفاء واحدة
منها تنتفي العلة التامة لا محالة. ونتيجة ذلك: هي أن عدم المانع من المقدمات التي
لها دخل في وجود المعلول، ويستحيل تحققه بدون انتفائه. ويترتب على ذلك: أن ترك أحد
الضدين مقدمة لوجود الضد الآخر، لأن كلا منهما مانع عن الآخر، وإلا لم يكن بينهما
تمانع وتضاد، فإذا كان كل منهما مانعا عن الآخر فلا محالة يكون عدمه مقدمة له، إذ
كون عدم المانع من المقدمات مما لا يحتاج الى مؤنة بيان وإقامة برهان. وأما المقدمة
الثانية: فهي أن مقدمة الواجب واجبة، وقد تقدم الكلام فيها. فالنتيجة من ضم المقدمة
الاولى الى هذه المقدمة: هي أن ترك الضد بما أنه مقدمة للضد الواجب - كما هو
المفروض في المقام - يكون واجبا، وإذا كان تركه واجبا ففعله حرام لا محالة، مثلا:
ترك الصلاة بما أنه مقدمة للإزالة الواجبة فيكون واجبا، وإذا كان واجبا ففعلها -
الذي هو ضد الإزالة - يكون حراما. وهذا معنى: أن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن الضد.
ولكن كلتا المقدمتين قابلة للمناقشة.
(1) منهم: صاحب هداية المسترشدين في هدايته: ص 230. والشيخ الكبير كاشف الغطاء في
كشفه: ص 27 بالنسبة الى الوجه الأول. وصاحب الفصول في فصوله: ص 92. (*)
[ 8 ]
أما المقدمة الاولى: فقد أنكرها جماعة من المحققين، منهم: شيخنا الاستاذ (قدس
سره)، وقال باستحالة المقدمية، وأفاد في وجهها أمرين: الأول: أن المعلول وإن كان
مترتبا على تمام أجزاء علته التامة إلا أن تأثير كل واحد منها فيه يغاير تأثير
الآخر فيه، فإن تأثير المقتضي فيه بمعنى ترشحه منه، ويكون منه الأثر والوجود،
كالنار بالإضافة الى الإحراق، فإن الإحراق يترشح من النار، وإنها فاعل ما منه
الوجود والأثر، لا المحاذاة - مثلا - أو بقية الشرائط. وأما تأثير الشرط فيه بمعنى:
أنه مصحح لفاعلية المقتضي وتأثيره أثره فإن النار لا تؤثر في الإحراق بدون المماسة
والمحاذاة وما شاكلهما، فتلك الشرائط مصححة لفاعلية النار وتأثيرها فيه، لا أن
الشرط بنفسه مؤثر فيه. ومن هنا إذا انتفى الشرط لم يؤثر المقتضي. أو فقل: إن الشرط
في طرف القابل متمم قابليته، وفي طرف الفاعل مصحح فاعليته، فلا شأن له ما عدا ذلك.
وأما عدم المانع فدخله باعتبار أن وجوده يزاحم المقتضي في تأثيره: كالرطوبة
الموجودة في الحطب، فإن دخل عدمها في الاحتراق باعتبار أن وجودها مانع عن تأثير
النار في الإحراق، وهذا معنى دخل عدم المانع في وجود المعلول، وإلا فلا يعقل أن
يكون العدم بما هو من أجزاء العلة التامة، بداهة استحالة أن يكون العدم دخيلا في
الوجود ومؤثرا فيه. ومن ذلك البيان يظهر طولية أجزاء العلة التامة، فإن مانعية
المانع متأخرة رتبة عن وجود المقتضي، وعن وجود جميع الشرائط. كما أن شرطية الشرط
متأخرة رتبة عن وجود المقتضي، فإن دخل الشرط في المعلول إنما هو في مرتبة وجود
مقتضيه ليكون مصححا لفاعليته، لما عرفت آنفا من أن الشرط في نفسه لا يكون مؤثرا
فيه، ودخل عدم المانع إنما يكون في ظرف تحقق المقتضي مع بقية الشرائط ليكون وجوده
مزاحما له في تأثيره ويمنعه عن ذلك.
[ 9 ]
وعلى ضوء ذلك قد اتضح استحالة اتصاف المانع بالمانعية، إلا في ظرف وجود المقتضي
مع سائر الشرائط، كما أنه يستحيل اتصاف الشرط بالشرطية إلا فيما إذا كان المقتضي
موجودا. مثلا: الرطوبة في الجسم القابل للاحتراق لا تتصف بالمانعية إلا في ظرف وجود
النار ومماستها مع ذلك الجسم ليكون عدم الاحتراق مستندا الى وجود المانع. وأما إذا
لم تكن النار موجودة أو كانت ولم تكن مماسة مع ذلك الجسم فلا يمكن أن يستند عدم
الاحتراق الى وجود المانع. ولنأخذ مثالا لتوضيح ذلك: إذا فرضنا أن النار موجودة
والجسم القابل للاحتراق مماس لها ومع ذلك لم يحترق إذا نفتش عن سبب ذلك وما هو ؟
وبعد الفحص يتبين لنا أن سببه الرطوبة الموجودة في ذلك الجسم، وهي التي توجب عدم
قابليته للاحتراق وتأثير النار فيه، فيكون عدمه مستندا الى وجود المانع. وكذا إذا
فرض أن اليد الضاربة قوية والسيف حاد، ومع ذلك لا أثر للقطع في الخارج، فلا محالة
عدم قبول الجسم للانقطاع والتأثر بالسيف من جهة المانع، وهو صلابة ذلك الجسم لوجود
المقتضي المقارن مع شرطه. وأما إذا فرض أن النار موجودة ولكن الجسم القابل للاحتراق
لم يكن مماسا لها، أو أن اليد الضاربة كانت قوية ولكن السيف لم يكن حادا فعدم
المعلول عندئذ لا محالة يستند الى عدم الشرط، لا الى وجود المانع، فالمانع في هذه
اللحظة يستحيل أن يتصف بالمانعية فعلا، فإن أثره المنع عن فعلية تأثير المقتضي، ولا
أثر له في ظرف عدم تحقق الشرط. وكذلك إذا لم تكن النار موجودة، أو كانت اليد
الضاربة ضعيفة جدا أو مشلولة فعدم المعلول عندئذ لا محالة يستند الى عدم مقتضيه، لا
الى عدم المماسة، أو الرطوبة، أو الى عدم حدة السيف، أو صلابة الجسم، كل ذلك لم
يكن. وهذا من الواضحات، خصوصا عند المراجعة الى الوجدان، فإن الإنسان إذا لم يشته
أكل طعام فعدم تحققه يستند الى عدم المقتضي، وإذا اشتهاه ولكن لم يجد
[ 10 ]
الطعام فعدم الأكل يستند الى عدم الشرط، وإذا كانت الشروط متوفرة ولكنه منع عن
الأكل مانع فعدمه يستند الى وجود المانع، وهكذا... وبعد بيان ذلك نقول: إنه يستحيل
أن يكون وجود أحد الضدين مانعا عن وجود الضد الآخر، لما سبق من أن المانع إنما يتصف
بالمانعية في لحظة تحقق المقتضي مع بقية الشرائط. ومن الواضح البين أن عند وجود أحد
الضدين يستحيل ثبوت المقتضي للضد الآخر ليكون عدمه مستندا الى وجود ضده، لا الى عدم
مقتضيه. والوجه في ذلك: هو أن المضادة والمنافرة بين الضدين والمعلولين تستلزم
المضادة والمنافرة بين مقتضييهما، فكما يستحيل اجتماع الضدين في الخارج فكذلك
يستحيل اجتماع مقتضييهما فيه، لأن اقتضاء المحال محال. أو فقل: إن عدم الضد إنما
يستند الى وجود الضد الآخر في فرض ثبوت المقتضي له، وهذا غير معقول، كيف ؟ فإن لازم
ذلك هو أن يمكن وجوده في عرض وجود ذلك الضد، والمفروض أنه محال، فالمقتضي له أيضا
محال، بداهة أن استحالة اقتضاء المحال من الواضحات الأولية، وإلا فما فرض أنه محال
لم يكن محالا، وهذا خلف. ولنأخذ مثالا لذلك: أن وجود السواد - مثلا - في موضوع لو
كان مانعا عن تحقق البياض فيه فلابد أن يكون ذلك في ظرف ثبوت المقتضي له ليكون عدمه
" البياض " مستندا الى وجود المانع وهو وجود السواد، لا الى عدم مقتضيه. وثبوت
المقتضي له محال، وإلا لكان وجوده " البياض " في عرض وجود الضد الآخر " السواد "
ممكنا، وحيث إنه محال فيستحيل ثبوت المقتضي له، لأن اقتضاء المحال محال. وعليه فإذا
كان المقتضي لأحدهما موجودا فلا محالة يكون المقتضي للآخر معدوما، إذا يكون عدمه
دائما مستندا الى عدم مقتضيه، لا الى وجود المانع. هذا، بالإضافة الى إرادة شخص
واحد في غاية الوضوح، بداهة استحالة تحقق
[ 11 ]
إرادة كل من الضدين في آن واحد من شخص واحد، فلا يمكن تحقق إرادة كل من الصلاة
والإزالة في نفس المكلف، فإن أراد الإزالة لم يمكن تحقق إرادة الصلاة، وإن أراد
الصلاة لم يمكن تحقق إرادة الإزالة، فترك كل واحدة منهما عند الاشتغال بالاخرى
مستند الى عدم المقتضي له، لا الى وجود المانع مع ثبوت المقتضي. وأما بالإضافة الى
إرادة شخصين للضدين فالأمر أيضا كذلك، لأن إحدى الإرادتين لا محالة تكون مغلوبة
للإرادة الاخرى، لاستحالة تأثير كلتيهما معا، وعندئذ تسقط الإرادة المغلوبة عن صفة
الاقتضاء، لاستحالة اقتضاء المحال وغير المقدور، لفرض أن متعلقها خارج عن القدرة
فلا تكون متصفة بهذه الصفة، فيكون وجودها وعدمها سيان. وقد تحصل من ذلك: أن المانع
بالمعنى الذي ذكرناه - وهو ما يتوقف على عدمه وجود المعلول في الخارج - ما كان
مزاحما للمقتضي في تأثيره أثره، ومانعا عنه عند وجدانه الشرائط، وهذا المعنى مفقود
في الضدين كما مر. فالنتيجة إذا أنه لا وجه لدعوى توقف أحد الضدين على عدم الآخر
إلا تخيل أن المنافاة والمعاندة بينهما تقتضي التوقف المزبور. ولكنه خيال فاسد،
ضرورة أن ذلك لو تم لكان تحقق كل من النقيضين متوقفا على عدم الآخر أيضا لوجود
الملاك فيه وهو المعاندة والمنافاة، مع أن بطلان ذلك من الواضحات، فلا يحتاج الى
مؤنة بيان وإقامة برهان (1). ونلخص ما أفاده (قدس سره) في عدة نقاط: الاولى: أن
مانعية المانع في مرتبة متأخرة عن مرتبة وجود المقتضي ووجود الشرط، فيكون استناد
عدم المعلول الى وجود المانع في ظرف ثبوت المقتضي مع بقية الشرائط، وإلا فالمانع لا
يكون مانعا كما سبق. الثانية: أن وجود كل من الضدين بما أنه يستحيل في عرض الآخر
ويمتنع تحققه في الخارج فثبوت المقتضي له في عرض ثبوت المقتضي للآخر أيضا
(1) انظر اجود التقريرات ج 1 ص 255 - 257. (*)
[ 12 ]
محال، لأن اقتضاء المحال محال كما عرفت (1). الثالثة: أن المعاندة والمنافاة
بين الضدين لو كانت مقتضية للتوقف المذكور لكانت مقتضية له بالإضافة الى النقيضين
أيضا، وبطلانه غني عن البيان. ولنأخذ الآن بدراسة هذه النقاط: أما النقطة الاولى:
فهي في غاية الصحة والمتانة على البيان المتقدم. وأما النقطة الثانية: فللمناقشة
فيها مجال واسع، وذلك لأنه لا مانع من ثبوت المقتضي لكل من الضدين في نفسه مع قطع
النظر عن الآخر، ولا استحالة فيه أصلا. والوجه في ذلك: هو أن كلا من المقتضيين إنما
يقتضي أثره في نفسه مع عدم ملاحظة الآخر، فمقتضي البياض - مثلا - إنما يقتضيه في
نفسه، سواء أكان هناك مقتض للسواد أم لم يكن، كما أن مقتضي السواد إنما يقتضيه
كذلك، وإمكان هذا واضح، ولا نرى فيه استحالة، فإن المستحيل إنما هو ثبوت المقتضي
لكل من الضدين بقيد التقارن والاجتماع لا في نفسه، أو اقتضاء شئ واحد بذاته لأمرين
متنافيين في الوجود، وهذا مصداق قولنا: اقتضاء المحال محال، لا فيما إذا كان هناك
مقتضيان كان كل واحد منهما يقتضي في نفسه شيئا مخصوصا وأثرا خاصا مع قطع النظر عن
ملاحظة الآخر. والبرهان على ذلك: أنه لولا ما ذكرناه من إمكان ثبوت المقتضي لكل
منهما في نفسه لم يمكن استناد عدم المعلول الى وجود مانعه أصلا، لأن أثر المانع
كالرطوبة - مثلا - لا يخلو من أن يكون مضادا للمعلول وهو الإحراق، وأن لا يكون
مضادا له. فعلى الفرض الأول يستحيل ثبوت المقتضي للمعلول والممنوع ليكون عدمه
مستندا الى وجود مانعه، لفرض وجود ضده وهو أثر المانع، وقد سبق أن عند وجود أحد
الضدين يستحيل ثبوت المقتضي للآخر، فيكون عدمه من جهة عدم
(1) تقدم في ص 10. (*)
[ 13 ]
المقتضي، لا من جهة وجود المانع مع ثبوت المقتضي له (1). وعلى الفرض الثاني فلا
مقتضى لكونه مانعا منه، بداهة أن مانعية المانع من جهة مضادة أثره للممنوع، فإذا
فرض عدم مضادته له فلا موجب لكونه مانعا أصلا. وقد تبين لحد الآن: أنه لا مانع من
أن يكون أحد الضدين مانعا عن الآخر ليستند عدمه إليه، لا الى عدم مقتضيه، لفرض
إمكان ثبوته في نفسه، بحيث لولا وجود الضد الآخر لكان يؤثر أثره، ولكن وجوده يزاحمه
في تأثيره ويمنعه عن ذلك. مثلا: إذا فرض وجود مقتض لحركة شئ الى طرف المشرق ووجد
مقتض لحركته الى طرف المغرب فكل من المقتضيين إنما يقتضي الحركة في نفسه الى كل من
الجانبين مع عدم ملاحظة الآخر، فعندئذ كان تأثير كل واحد منهما في الحركة الى
الجانب الخاص متوقفا على عدم المانع منه، فإذا وجدت إحدى الحركتين دون الاخرى فلا
محالة يكون عدم هذه مستندا الى وجود الحركة الاولى، لا الى عدم مقتضيها، فإن
المقتضي لها موجود على الفرض، ولولا المانع لكان يؤثر أثره، ولكن المانع - هو وجود
تلك الحركة - يزاحمه في تأثيره. على الجملة: فلا ريب في إمكان ثبوت المقتضيين في حد
ذاتهما، حتى إذا كانا في موضوع واحد أو محل واحد، كإرادتين من شخص واحد، أو سببين
في موضوع واحد، فضلا عما إذا كان في موضوعين أو محلين، كإرادتين من شخصين، أو سببين
في موضوعين، إذ لا مانع من أن يكون في شخص واحد مقتض للقيام من جهة، ومقتض للجلوس
من جهة اخرى، وكلا المقتضيين موجود في حد ذاتهما مع الغص عن الآخر، فعندئذ إذا وجد
أحد الفعلين دون الآخر فعدم هذا لا محالة يكون مستندا الى وجود ذاك، لا الى عدم
مقتضيه، لفرض أن المقتضي له موجود، وهو يؤثر أثره لولا مزاحمة المانع له.
(1) راجع أيضا ص 13. (*)
[ 14 ]
ونتيجة ما ذكرناه: هي أن ما أفاده شيخنا الاستاذ (قدس سره) من أن أحد الضدين
إذا كان موجودا يستحيل ثبوت المقتضي له (1) لا يتم، ومنشأ ذلك: غفلته (قدس سره) عن
نقطة واحدة هي: تخيل أن المقام من موارد الكبرى المتسالم عليها، وهي: أن اقتضاء
المحال محال، مع أن الأمر ليس كذلك، فإن المقام أجنبي عنه، فإن اقتضاء المحال إنما
يتحقق في أحد موردين: الأول: ما إذا كان هناك شئ واحد يقتضي بذاته أمرين متنافيين
في الوجود. الثاني: ما إذا فرض هناك ثبوت المقتضي لكل من الضدين بقيد الاجتماع
والتقارن، ومن الواضح أنه لا صلة لكلا الموردين بالمقام، وهو ما إذا كان هناك
مقتضيان كان كل واحد منهما يقتضي شيئا مخصوصا وأثرا خاصا في نفسه بلا ربط له
بالآخر. وهذا هو مراد القائلين ب " أن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده " فإنهم بعد
ما تسالموا على الكبرى - وهي: وجوب مقدمة الواجب - قد نقحوا الصغرى - وهي: كون عدم
أحد الضدين مقدمة للضد الآخر - بالشكل الذي بيناه، ثم أخذوا النتيجة بضم الصغرى الى
الكبرى، وهي حرمة الضد. وأما النقطة الثالثة فيرد عليها: أن المعاندة والمنافرة بين
الضدين لو سلم اقتضاؤها للتوقف المزبور فلا يسلم اقتضاؤها له بين النقيضين، إذ لا
يعقل التوقف بين النقيض وعدم نقيضه، بداهة أن عدم الوجود عين العدم البديل له، فكيف
يعقل توقف ذلك العدم على عدم الوجود ؟ لأنه من توقف الشئ على نفسه وهو محال، مثلا:
عدم الإنسان عين العدم البديل له، فلا يكاد يمكن توقف العدم البديل له على عدمه،
بداهة أن توقف شئ على شئ يقتضي المغايرة والاثنينية بينهما في الوجود، فضلا عن
المغايرة في المفهوم. ومن الظاهر أنه لا مغايرة بين عدم الإنسان - مثلا - والعدم
البديل له، لا خارجا ولا مفهوما. نعم، المغايرة المفهومية بين عدم العدم والوجود
ثابتة، لكنه لا تغاير بينهما في الخارج، مثلا: الإنسان مغاير مفهوما مع عدم نقيضه
وهو العدم البديل له، ولكنهما
(1) كذا، والظاهر " للضد الآخر " بدل " له ". (*)
[ 15 ]
متحدان عينا وخارجا، فإن عدم عدم الإنسان عين الإنسان في الخارج، إذا لا معنى
لتوقف تحقق أحد النقيضين على عدم الآخر. وهذا بخلاف الضدين، فإنه لمكان المغايرة
بينهما مفهوما وخارجا لا يكون توقف أحدهما على عدم الآخر من توقف الشئ على نفسه.
فما أفاده شيخنا الاستاذ (قدس سره): من أن المعاندة والمنافرة بين الضدين لو اقتضت
توقف أحدهما على عدم الآخر لثبت ذلك في النقيضين أيضا لا يرجع الى معنى محصل أصلا.
الوجه الثاني (1): أن عدم أحد الضدين لو فرض ثبوت المقتضي له أيضا يستند عدمه الى
وجود مقتضي الآخر، لا الى وجود نفسه. بيان ذلك: أن الصور المتصورة في المقام ثلاث
لا رابع لها. الاولى: أن يكون المقتضي لكل من الضدين موجودا. الثانية: أن لا يكون
المقتضي لشئ منهما موجودا عكس الاولى. الثالثة: أن يكون المقتضي لأحدهما موجودا دون
المقتضي للآخر. أما الصورتان الأخيرتان فالأمر فيهما واضح، فإن عدم مالا مقتضي له
مستند الى عدم مقتضيه، لا الى وجود الضد الآخر. وإنما الكلام في الصورة الاولى.
فنقول: إن المقتضيين الموجودين في عرض واحد لا يخلوان: من أن يكونا متساويين في
القوة، وأن يكون أحدهما أقوى من الآخر. أما على الأول: فلا يوجد شئ من الضدين،
لاستحالة تأثير كل منهما أثره معا، وتأثير أحدهما المعين فيه دون الآخر ترجيح من
دون مرجح، أو خلف إن فرض له مرجح. ومن ذلك يعلم: أن المانع من وجود الضد مع فرض
ثبوت مقتضيه إنما هو وجود المقتضي للضد الآخر، لا نفس وجود الضد. وفي هذا الفرض بما
أن كلا من المقتضيين يزاحم الآخر في تأثيره ويمنعه عن ذلك، فإن تأثير كل منهما منوط
بعدم المانع عنه، ووجود مقتضي الضد الآخر مانع، فلا محالة يكون عدم كل
(1) من وجهي إنكار المقدمية بين ترك أحد الضدين وفعل الضد الآخر تقدم الأول منهما
في ص 10. (*)
[ 16 ]
من الضدين مستندا الى وجود المقتضي للآخر لا الى نفسه. وأما على الثاني: فيؤثر
القوي في مقتضاه، ويكون مانعا عن تأثير المقتضي الضعيف، والضعيف لا يمكن أن يكون
مانعا من القوي. بيان ذلك: أن القوي لمكان قوته يزاحم الضعيف ويمنعه من التأثير في
مقتضاه، فنفس وجوده موجب لفقد شرط من شرائطه، وهو عدم المزاحم، فإنه شرط تأثيره
ومصحح فاعليته، فيكون عدم القوي شرطا لتأثير الضعيف، ووجوده مانعا منه. وعلى هدى
ذلك يعلم: أن عدم تمامية علية الضعيف مستند الى تمامية علية القوي ووجوده، وبما أن
الضعيف لا يمكن أن يزاحم القوي في تأثيره يكون تام الاقتضاء والفاعلية، فهو بصفته
كذلك يزاحم الضعيف ويمنعه عن تأثيره في معلوله، فعدم مزاحمة الضعيف بالتالي منته
الى ضعف في نفسه بالإضافة الى المقتضي الآخر، إذ لو كان قويا مثله لزاحمه في تأثيره
لا محالة، فعدم قابليته لأن يزاحم الآخر وقابلية الآخر لأن يزاحمه لأجل عدم قوته
بالإضافة إليه وإن كان قويا في نفسه وتام الفاعلية والاقتضاء مع قطع النظر عن
مزاحمة الآخر له، ولذا لو لم يكن القوي في البين لأثر الضعيف في مقتضاه، ففي هذا
الفرض يستند عدم الضد الى وجود المقتضي القوي للضد الآخر، لا الى نفس وجوده، ولا
الى عدم مقتضي نفسه، فإنه موجود على الفرض ولكن المانع منعه عن تأثيره وهو وجود
المقتضي القوي. وعلى الجملة: ففي ما إذا كان المقتضيان متفاوتين بالقوة والضعف
فيستحيل أن يؤثر الضعيف في مقتضاه، لأن تأثير كل مقتض مشروط بعدم المانع المزاحم
له، والقوي لمكان قوته مزاحم له، ومع ذلك لو أثر الضعيف دون القوي للزم انفكاك
المعلول عن علته التامة وصدوره عن علته الناقصة، فإن علية القوي - كما عرفت - تامة
فلا حالة منتظرة فيه أصلا، إذ الضعيف لمكان ضعفه لا يمكن أن يزاحمه، وعلية الضعيف
ناقصة، لوجود المانع المزاحم له، إذا يستند عدم الضد الذي يقتضيه
[ 17 ]
السبب الضعيف الى وجود السبب القوي، فإنه مانع عن تأثير الضعيف ومزاحم له، وإلا
فالمقتضي له موجود. وقد سبق أن عدم المعلول إنما يستند الى وجود المانع في ظرف تحقق
المقتضي وبقية الشرائط. ولنأخذ لذلك مثالين: الأول: ما إذا فرض ثبوت المقتضي لكل من
الضدين في محل واحد، كإرادة الضدين من شخص واحد وكانت إرادته بالإضافة الى أحدهما
أقوى من إرادته بالإضافة الى الآخر، كما لو كان هناك غريقان وقد تعلقت إرادته
بإنقاذ كل واحد منهما في نفسه، ولكن إرادته بالإضافة الى إنقاذ أحدهما أقوى من
إرادته بالإضافة الى إنقاذ الآخر، من جهة أن أحدهما عالم والآخر جاهل، أو كان
أحدهما صديقه والآخر أجنبيا عنه، وغير ذلك من الخصوصيات والعناوين الموجبة لكثرة
الشفقة والمحبة بالإضافة الى إنقاذ أحدهما دون الآخر، ففي مثل ذلك لا محالة يكون
المؤثر هو الإرادة القوية دون الإرادة الضعيفة، فإنها لمكان ضعفها تزاحمها الإرادة
القوية، وتمنعها عن تأثيرها في مقتضاها، وتلك لمكان قوتها لا تزاحم بها. إذا عدم
تحقق مقتضي الإرادة الضعيفة غير مستند الى وجود الضد الآخر، ولا الى عدم مقتضيه،
فإن مقتضيه - وهو الإرادة الضعيفة - موجود على الفرض، بل هو مستند الى وجود المانع
والمزاحم له، وهو الإرادة القوية. الثاني: ما إذا فرض ثبوت المقتضي لكل من الضدين
في محلين وموضوعين، كما إذا كان كل منهما متعلقا لإرادة شخص ولكن كانت إرادة أحدهما
أقوى من إرادة الآخر، كما إذا أراد أحد الشخصين - مثلا - حركة جسم الى جانب وأراد
الآخر حركة ذلك الجسم الى جانب آخر وهكذا... ففي مثل ذلك أيضا يكون المؤثر هو
الإرادة الغالبة دون الإرادة المغلوبة، فعدم أثرها أيضا غير مستند الى وجود أثر تلك
الإرادة، بل هو مستند الى مزاحمتها بها، لمكان ضعفها، وعدم مزاحمة تلك بها لمكان
قوتها. فالنتيجة إذا: لا يمكن فرض وجود صورة يستند عدم الضد في تلك الصورة
[ 18 ]
الى وجود الضد الآخر، لا الى وجود سببه، أو عدم مقتضي نفسه. أقول: هذا الوجه في
غاية المتانة والاستقامة، ولا مناص من الالتزام به، ولا سيما بذلك الشكل الذي
بيناه. وذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وجها ثالثا لاستحالة مقدمية عدم الضد
للضد الآخر. وإليك نصه: (وذلك لأن المعاندة والمنافرة بين الشيئين لا تقتضي إلا عدم
اجتماعهما في التحقق، وحيث لا منافاة أصلا بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر
وبديله بل بينهما كمال الملاءمة كان أحد العينين مع نقيض الآخر وما هو بديله في
مرتبة واحدة، من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدم أحدهما على الآخر كما لا يخفى،
فكما أن قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر
كذلك في المتضادين) (1). أقول: توضيح ما أفاده (قدس سره): أن المنافرة والمعاندة
بين الضدين كما تقتضي استحالة اجتماعهما في التحقق والوجود في زمن واحد كذلك تقتضي
استحالة اجتماعهما في مرتبة واحدة، فإذا استحال اجتماعهما في مرتبة واحدة كان عدم
أحدهما في تلك المرتبة ضروريا، وإلا فلابد أن يكون وجوده فيها كذلك، لاستحالة
ارتفاع النقيضين عن الرتبة. مثلا: البياض والسواد متضادان، وقضية مضادة أحدهما مع
الآخر ومعاندتهما استحالة اجتماعهما في الوجود في موضوع وفي آن واحد أو رتبة واحدة،
فكما أن استحالة اجتماعهما في زمان واحد تستلزم ضرورة عدم أحدهما في ذلك الزمان
كذلك استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة تستلزم ضرورة عدم واحد منهما في تلك الرتبة،
لاستحالة ارتفاع النقيضين عن المرتبة أيضا، بأن لا يكون وجوده في تلك المرتبة ولا
عدمه. ومن ذلك يعلم: أن مراده (قدس سره): من أنه لا منافاة بين وجود أحد الضدين
وعدم الآخر، بل بينهما كمال الملاءمة ما ذكرناه: من أن المضادة بين شيئين لا تقتضي
إلا
(1) كفاية الاصول: ص 161. (*)
[ 19 ]
استحالة اجتماعهما في التحقق والوجود في آن واحد أو رتبة واحدة، وإذا استحال
تحققهما في مرتبة فلا محالة يكون عدم أحدهما في تلك المرتبة واجبا. مثلا: عدم
البياض في مرتبة وجود السواد، وكذلك عدم السواد في مرتبة وجود البياض ضروري، كيف ؟
ولو لم يكن عدم البياض في تلك المرتبة يلزم أحد محذورين: إما ارتفاع النقيضين عن
تلك المرتبة لو لم يكن وجود البياض أيضا في تلك المرتبة، أو اجتماع الضدين فيها إذا
كان البياض موجودا فيها. وليس غرضه من ذلك نفي المقدمية والتوقف بمجرد كمال
الملاءمة بينهما ليرد عليه ما أورده شيخنا المحقق (قدس سره): من أن كمال الملاءمة
بينهما لا يدل عليه، فإن بين العلة والمعلول كمال الملاءمة، ومع ذلك لا يكونان
متحدين في الرتبة (1). كما أن غرضه (قدس سره) من قوله: (كما أن قضية المنافاة بين
المتناقضين لا تقتضي تقدم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر كذلك في المتضادين) هو ما
ذكرناه، وليس غرضه من ذلك الاستدلال على نفي التوقف والمقدمية بقياس المساواة
بدعوى: أن عدم أحد الضدين في مرتبة وجوده، لأنهما نقيضان، والنقيضان في رتبة واحدة،
وبما أن وجود أحد الضدين في مرتبة وجود الآخر - لأن ذلك مقتضى التضاد بينهما - كان
عدم أحد الضدين في مرتبة وجود الآخر، وذلك لما ذكرناه غير مرة: من أن التقدم
والتأخر والتقارن بين شيئين تارة تلاحظ بالإضافة الى الزمان، ومعنى ذلك: أن الملاك
في تقدم شئ على شئ آخر أو تأخره عنه أو تقارنه معه هو نفس الزمان لا غيره. وتارة
اخرى تلاحظ بالإضافة الى الرتبة مع تقارنهما بحسب الزمان، وحينئذ فالملاك فيه شئ
آخر غير الزمان. أما إذا كان التقدم والتأخر بين شيئين أو التقارن بينهما بالزمان
فكل ما هو متحد مع المتقدم في الزمان متقدم على المتأخر بعين الملاك الموجود في
المتقدم، وهو كونه في الزمان المتقدم، وكل ما هو متحد مع المتأخر في الزمان متأخر
عن
(1) انظر نهاية الدراية: القسم الثاني من ج 1 ص 2 - 3. (*)
[ 20 ]
المتقدم بعين الملاك الموجود في المتأخر، وهو كونه في الزمان المتأخر. وكل ما
هو متحد مع المقارن في الزمان مقارن لتحقق ملاك التقارن فيه، وهذا من الواضحات فلا
يحتاج الى مؤنة بيان. وأما إذا كان التقدم والتأخر بينهما بلحاظ الرتبة دون الزمان
فالأمر ليس كذلك، فإن ما هو متحد مع المتقدم في الرتبة لا يلزم أن يكون متقدما على
المتأخر. وكذا ما هو متحد مع المتأخر فيها أو المقارن لا يلزم أن يكون متأخرا، أو
مقارنا. مثلا: العلة متقدمة على المعلول رتبة، وما هو متحد معها في الرتبة - وهو
العدم البديل له - لا يكون متقدما عليه، والمعلول متأخر عن العلة رتبة وما هو متحد
معه - وهو عدمه البديل له - لا يكون متأخرا عنها. والوجه في ذلك: هو أن التقدم أو
التأخر بالرتبة والطبع لا يكون جزافا، بل لابد أن يكون ناشئا من ملاك مقتض له، فكل
ما كان فيه الملاك الموجب لتقدمه أو تأخره فهو، وإلا فلا يعقل فيه التقدم أو التأخر
أصلا. فهذا الملاك تارة يختص بوجود الشئ فلا يمكن الالتزام بالتقدم أو التأخر في
عدمه. وتارة اخرى يختص بعدمه، فلا يعقل الالتزام به في وجوده، فإنه تابع لوجود
الملاك، ففي كل مورد لا يوجد فيه الملاك لا يمكن فيه التقدم أو التأخر، بل لابد فيه
من الالتزام بالاتحاد والمعية في الرتبة، فإن ملاك المعية انتفاء ملاك التقدم
والتأخر، لا أنها ناشئة من ملاك وجودي. وعلى ضوء ذلك نقول: إن تقدم العلة على
المعلول بملاك ترشح وجود المعلول من وجود العلة، كما أن تقدم الشرط على المشروط
بملاك توقف وجوده على وجوده، وتقدم عدم المانع على الممنوع بملاك توقف وجوده عليه.
وأما عدم العلة فلا يكون متقدما على وجود المعلول، لعدم ملاك التقدم فيه. كما أن
عدم المعلول لا يكون متأخرا عن وجود العلة مع أنه في مرتبة وجود المعلول، لعدم تحقق
ملاك التأخر فيه، وكذا لا يكون عدم الشرط متقدما على المشروط، ولا عدم المشروط
متأخرا عن وجود الشرط، لاختصاص ملاك التقدم
[ 21 ]
والتأخر بوجود الشرط ووجود المشروط، دون وجود أحدهما وعدم الآخر. وعلى الجملة:
فما كان مع المتقدم في الرتبة كالعلة والشرط ليس له تقدم على المعلول والمشروط، إذ
التقدم بالعلية شأن العلة دون غيرها، والتقدم بالشرطية شأن الشرط دون غيره، فإن
التقدم بالعلية أو الشرطية أو نحوها الثابت لشئ لا يسري الى نقيضه المتحد معه في
الرتبة. ولذا قلنا: إنه لا تقدم لعدم العلة على المعلول، ولا للعلة على عدم
المعلول، مع أنه لا شبهة في تقدم العلة على المعلول. والسر فيه: ما عرفت من أن
التقدم والتأخر الرتبيين تابعان للملاك، فكل ما لا يكون فيه الملاك لا يعقل فيه
التقدم والتأخر أصلا، بل لا مناص فيه من الحكم بالمعية والاتحاد في الرتبة. ومن ذلك
يظهر الحال في الضدين، إذ يمكن أن يكون عدم أحدهما متقدما على وجود الآخر بملاك
موجب له، ولا يكون ما هو متحد معه في الرتبة متقدما عليه، فمجرد اتحاد الضدين
والنقيضين في الرتبة لا يأبى أن يكون عدم الضد متقدما على الضد الآخر مع عدم تقدم
ما هو في مرتبته عليه، لاختصاص ملاك التقدم بعدم كل منهما بالإضافة الى وجود الآخر،
دون عدم كل منهما بالإضافة الى وجوده، ودون وجود كل منهما بالإضافة الى وجود الآخر.
ولأجل ذلك كان ما هو متحد مع العلة في الرتبة - وهو عدمها - متحدا مع المعلول في
الرتبة، وكان ما هو متحد مع المعلول في الرتبة - وهو عدمه - متحدا مع العلة في
الرتبة، مع أن العلة متقدمة على المعلول رتبة. ثم إن ما ذكره في النقيضين: من أن
قضية المنافاة بينهما لا تقتضي تقدم (1) أحدهما في ثبوت الآخر، لابد من فرضه في طرف
واحد منهما، وهو طرف الوجود دون كلا الطرفين، وذلك لأن وجود الشئ يغاير عدم نقيضه -
أعني به: عدم العدم - مفهوما. وأما عدم الشئ فهو بنفسه نقيض الشئ، ولا يغايره بوجه
كي يقال: إن ارتفاع الوجود يلائم نقيضه من دون أن يكون بينهما تأخر وتقدم.
(1) كذا، والظاهر: ارتفاع أحدهما. (*)
[ 22 ]
مثلا: وجود الإنسان يغاير عدم نقيضه - عدم الإنسان - مفهوما، فإن مفهوم عدم
العدم غير مفهوم الوجود وإن كان في الخارج عينه. فإذا يمكن أن يقال: إن الشئ
كالإنسان متحد في الرتبة مع عدم نقيضه. وأما عدم الإنسان فلا يغاير عدم نقيضه -
وجود الإنسان - حتى مفهوما، فإن نقيضه هو الإنسان، وعدم نقيضه هو عدم الإنسان. إذا
فلا معنى لأن يقال: إن عدم الإنسان متحد في الرتبة مع عدم الإنسان. فالنتيجة لحد
الآن قد أصبحت: أن التمسك بقياس المساواة إنما يصح في التقدم الزماني، فإن ما هو مع
المتقدم بالزمان متقدم - لا محالة - دون ما إذا كان التقدم في الرتبة. وقد عرفت أن
غرض المحقق - صاحب الكفاية (قدس سره) - ليس التمسك بقياس المساواة لإثبات نفي
المقدمية والتقدم لعدم أحد الضدين للضد الآخر ليرد عليه ما بيناه، بل غرضه ما
ذكرناه سابقا (1). هذا غاية توجيه لما أفاده (قدس سره) في المقام. وقد ظهر من ضوء
بياننا هذا أمران: الأول: بطلان ما أفاده شيخنا الاستاذ (قدس سره) من التمسك لإثبات
كون عدم أحد الضدين في مرتبة الضد الآخر بقياس المساواة. وقد تقدم بيانه (2) مع
جوابه مفصلا فلا حاجة الى الإعادة. الثاني: بطلان ما أفاده شيخنا المحقق (قدس سره):
من أن المعية في الرتبة - كالتقدم أو التأخر الرتبي - لابد أن تكون ناشئة من ملاك
وجودي، فلا يكفي فيها انتفاء ملاك التقدم أو التأخر. والوجه في ذلك ما عرفت: من أن
التقدم أو التأخر لابد أن يكون ناشئا من ملاك وجودي موجب له، وأما المعية في الرتبة
فلا (3). والسر في ذلك: أن كل شئ إذا قيس على غيره ولم يكن بينهما ملاك التقدم
(1) تقدم في ص 18. (2) راجع تفصيله في ص 8 - 15. (3) قد سبق ذكره في ص 20 - 21. (*)
[ 23 ]
والتأخر فهو في رتبته لا محالة، إذ لا نعني بالمعية في الرتبة إلا عدم تحقق
موجب التقدم والتأخر بينهما، ضرورة أنها لا تحتاج الى ملاك آخر غير عدم وجود ملاك
التقدم والتأخر، فكل ما لم يكن متقدما على شئ ولا متأخرا عنه في الرتبة كان متحدا
معه في الرتبة لا محالة. وبعد بيان هذا نقول: إنه يمكن المناقشة فيما أفاده المحقق
- صاحب الكفاية (قدس سره) - أيضا. والوجه في ذلك: هو أن ما أفاده (قدس سره) مبتن
على أصل فاسد، وهو: أن استحالة اجتماع الضدين أو النقيضين إنما تكون مع وحدة
الرتبة، وأما مع تعددها فلا استحالة أبدا. أو فقل: إنه كما يعتبر في التناقض أو
التضاد وحدة الزمان كذلك يعتبر فيه وحدة الرتبة، ومع اختلافها فلا تناقض ولا تضاد.
ولكن هذا الأصل بمكان من الفساد، وذلك لأن التضاد من صفات الوجود الخارجي، فالمضادة
والمعاندة بين السواد والبياض، أو بين الحركة والسكون - مثلا إنما هي في ظرف
الخارج، بداهة أنه مع قطع النظر عن وجودهما في الخارج لا مضادة ولا معاندة بينهما
أبدا. وعلى الجملة: فالمضادة والمماثلة والمناقضة جميعا من الصفات التي تعرض
الموجودات الخارجية، لا الرتب العقلية، ضرورة أن الوجود والعدم إنما يستحيل
اجتماعهما في الخارج، وكذا السواد والبياض، والحركة والسكون، وكل ما يكون من هذا
القبيل. ولذا لو فرضنا أن الضدين كانا مختلفين في الرتبة عقلا كان اجتماعهما خارجا
في موضوع واحد محالا، فالاستحالة تدور مدار اجتماعهما في الوجود الخارجي في آن واحد
وفي موضوع فارد، سواء أكانا مختلفين بحسب الرتبة أم كانا متحدين فيها، إذ العبرة
إنما هي بالمقارنة الزمانية. ومن المعلوم أن المختلفين بحسب الرتبة قد يقترنان بحسب
الزمان كالعلة والمعلول.
[ 24 ]
وعليه فلا يتم ما في الكفاية من أن المعاندة والمنافرة بين الضدين تقتضي
استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة أيضا، فإذا استحال اجتماعهما فيها فلا محالة يكون
عدم أحدهما في تلك المرتبة ضروريا، وإلا لزم: إما ارتفاع الضدين، أو اجتماعهما،
وكلاهما محال (1). والوجه فيه: ما عرفت من أن المعاندة والمنافرة بين الضدين إنما
هي بلحاظ وجوديهما في الخارج، وإلا فلا معاندة ولا مضادة بينهما أبدا، فإذا لا مانع
من أن يكون عدم أحدهما متقدما على الآخر بالرتبة، ولا يلزم عليه المحذور المذكور
أصلا. وأما عدم تقدم أحد الضدين على الآخر فليس من ناحية المضادة بينهما ليقال: إن
قضيتها اتحادهما في الرتبة، بل من ناحية انتفاء ملاك التقدم والتأخر. ومن هنا لم
يعدوا من الوحدات المعتبرة في التناقض أو التضاد وحدة الرتبة، وهذا منهم شاهد على
عدم اعتبارها فيه. وذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وجها رابعا لاستحالة كون عدم
أحد الضدين مقدمة للضد الآخر بأنه مستلزم للدور: فإن التمانع بينهما لو كان موجبا
لتوقف وجود كل منهما على عدم الآخر من باب توقف المعلول على عدم مانعه لاقتضى ذلك
توقف عدم كل منهما على وجود الضد الآخر من باب توقف عدم الشئ على وجود مانعه، فيلزم
حينئذ توقف وجود كل منهما على عدم الآخر، وتوقف عدم كل منهما على وجود الآخر، وهذا
محال (2). وقد أورد عليه كما في الكفاية: بأن توقف وجود أحد الضدين على عدم الآخر
فعلي، فإن وجود السواد في محل متوقف فعلا على عدم تحقق البياض فيه. وأما توقف عدم
الضد على وجود الآخر فهو شأني لا فعلي، فلا دور (3). والوجه في ذلك: هو أن وجود
الضد في الخارج لا محالة يكون بوجود علته التامة من المقتضي والشرط وعدم المانع،
ومن الواضح أن توقف وجود المعلول
(1) كفاية الاصول: ص 163. (2) المصدر السابق: ص 161. (3) المصدر نفسه. (*)
[ 25 ]
على جميع أجزاء علته - ومنها: عدم المانع - فعلي، لأن للجميع دخلا فعلا في
تحققه ووجوده في الخارج، وهذا معنى: أن توقف وجود الضد على عدم الآخر فعلي، فإنه من
توقف وجود المعلول على عدم مانعه في ظرف تحقق المقتضي والشرط. وأما عدم الضد فلا
يتوقف على وجود الضد الآخر فعلا، لأن عدمه يستند الى عدم المقتضي له، لا الى وجود
المانع في ظرف تحقق المقتضي مع بقية الشرائط ليكون توقفه عليه فعليا، بل يحتمل
استحالة تحقق المقتضي له أصلا، لأجل احتمال أن يكون وقوع أحد الضدين في الخارج وعدم
وقوع الآخر فيه منتهيا الى تعلق الإرادة الأزلية بالأول، وعدم تعلقها بالثاني،
فإنها علة العلل، وجميع الأسباب الممكنة لابد أن تنتهي الى سبب واجب وهو الإرادة
الأزلية، فيكون عدم الضد - عندئذ - دائما مستندا الى عدم المقتضي، لا الى وجود
المانع ليلزم الدور. وما قيل: من أن هذا إنما يتم فيما إذا كان الضدان منتهيين الى
إرادة شخص واحد فإن إرادة الضدين من شخص واحد محال، سواء أكانت الإرادتان منتهيتين
الى الإرادة الأزلية أم لم تنتهيا إليها، فإذا أراد أحدهما فلا محالة يكون عدم
الآخر مستندا الى عدم الإرادة والمقتضي، لا الى وجود المانع. وأما إذا كان كل منهما
متعلقا لإرادة شخص فلا محالة يكون عدم أحدهما مستندا الى وجود المانع، لا الى عدم
ثبوت المقتضي له، لفرض أن المقتضي له موجود وهو الإرادة، فإن إرادة الضدين من شخصين
ليست بمحال مدفوع: بأن عدم الضد هنا أيضا مستند الى قصور في المقتضي، لا الى وجود
الضد الآخر مع تماميته، فإن الإرادة الضعيفة مع مزاحمتها بالإرادة القوية لا تؤثر،
لخروج متعلقها عن تحت القدرة، فلا يكون المغلوب منهما في إرادته قادرا على إيجاد
متعلقها. وإن شئت فقل: إن الفعلين المتضادين: إما أن يلاحظا بالإضافة الى شخص واحد،
أو بالإضافة الى شخصين. فعلى الأول: كان عدم ما لم يوجد منهما مستندا الى عدم تعلق
الإرادة به،
[ 26 ]
فعدمه لعدم مقتضيه، لا لوجود المانع. وعلى الثاني: يستند عدمه الى عدم الشرط،
أعني به عدم القدرة على الإيجاد مع تعلق الإرادة القوية بخلافه. وهذا التقريب ألخص
وأمتن، فإنه لا يتوقف على انتهاء أفعال العباد الى الإرادة الأزلية حتى يرد عليه:
أن أفعال العباد غير منتهية الى إرادة الله تعالى أولا، وليست إرادته سبحانه أزلية
ثانيا، كما تقدم الكلام فيه مفصلا في بحث الطلب والإرادة (1). وحاصل الاعتراض على
ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره): من أن وجود أحد الضدين إذا توقف على عدم
الآخر لزم الدور، فإن عدم الآخر أيضا متوقف على وجود الأول توقف عدم الشئ على وجود
مانعه: هو أن عدم أحد الضدين لا يستند الى وجود الآخر أبدا، بل يستند الى عدم
المقتضي أو عدم الشرط، فالتوقف من طرف الوجود فعلي، وأما من طرف العدم فلا توقف إلا
على فرض محال، وهو: أن يفرض وجود المقتضي للوجود مع جميع شرائطه. هذا غاية ما يمكن
أن يقال في دفع غائلة استلزام الدور. ولكنه يرد عليه ما أفاده في الكفاية، وحاصله:
أن المورد إذا سلم إمكان استناد عدم أحد الضدين الى وجود الآخر، وإن لم يتحقق ذلك
خارجا فمحذور الدور يبقى على حاله لا محالة، إذ كيف يمكن أن يكون ما هو من أجزاء
العلة لشئ معلولا له بعينه ؟ وأما إذا لم يسلم ذلك وذهب الى استحالة استناد عدم أحد
الضدين الى وجود الآخر - كما هو مقتضى التقريب المتقدم - فمعناه: إنكار توقف أحد
الضدين على عدم الآخر، فإنه إذا استحال أن يكون شئ مانعا عن ضده فكيف يمكن أن يقال:
إن ضده يتوقف على عدمه توقف الشئ على عدم مانعه ؟ (2) وبعبارة واضحة: أن المدعى
إنما هو توقف أحد الضدين على عدم الآخر
(1) راجع التفصيل في ج 2 ص 71. (2) انتهى ما اورده (قدس سره) من الكفاية، راجع
الكفاية ص 161 - 162. (*)
[ 27 ]
توقف الشئ على عدم مانعه، فإذا فرض أنه لا يمكن أن يكون مانعا فكيف يمكن أن
يكون عدمه موقوفا عليه ؟ ثم إن المحقق الخوانساري (قدس سره) قد فصل بين الضد
الموجود والضد المعدوم (1). وربما نسب هذا التفصيل الى شيخنا العلامة الأنصاري (قدس
سره) أيضا بدعوى: أن وجود الضد إنما يتوقف على عدم الضد الآخر إذا كان موجودا، لا
مطلقا، بمعنى: أن المحل إذا كان مشغولا بأحد الضدين فوجود الضد الآخر في هذا المحل
يتوقف على ارتفاع ذلك الضد. وأما إذا لم يكن مشغولا به فلا يتوقف وجوده على عدمه
(2). ونتيجة ذلك: هي أن عدم الضد الموجود مقدمة لوجود الضد الآخر، دون عدم الضد
المعدوم. بيان ذلك: أن المحل: إما أن يكون خاليا من كل من الضدين، وإما أن يكون
مشغولا بأحدهما دون الآخر. فعلى الأول: فالمحل قابل لكل منهما بما هو مع قطع النظر
عن الآخر، وقابلية المحل لذلك فعلية فلا تتوقف على شئ، فعندئذ إذا وجد المقتضي
لأحدهما فلا محالة يكون موجودا من دون توقفه على عدم وجود الآخر. مثلا: إذا كان
الجسم خاليا من كل من السواد والبياض فقابليته لعروض كل منهما عليه عندئذ فعلية،
فإذا وجد مقتضي السواد فيه فلا محالة يكون السواد موجودا، من دون أن يكون لعدم
البياض دخل في وجوده أصلا. فالنتيجة: أن وجود الضد في هذا الفرض لا يتوقف على عدم
الضد الآخر. وعلى الثاني: فالمحل المشغول بالضد لا يقبل ضدا آخر في عرضه، بداهة أن
(1) نسبه إليه الشيخ الأعظم في مطارح الأنظار: ص 107 س 14. (2) النسبة إليه هي
الظاهر من كلام المحقق الرشتي (قدس سره) في بدائع الأفكار: ص 377، حيث قال: (وهذا
التفصيل خير الأقوال التي عثرتها في مقدمة ترك الضد، حتى ركن إليه شيخنا العلامة
(قدس سره)). (*)
[ 28 ]
المحل غير قابل بالذات لعروض كلا الضدين معا. نعم، يقبل الضد الآخر بدلا عنه،
وعليه فلا محالة يتوقف وجود الضد الآخر على ارتفاع الضد الموجود، ضرورة أن الجسم
الأسود لا يقبل البياض، كما أن الجسم الأبيض لا يقبل السواد، فوجود البياض لا محالة
يتوقف على خلو الجسم من السواد ليقبل البياض، وكذا وجود السواد يتوقف على خلوه من
البياض ليكون قابلا لعروض السواد، وهذا بخلاف الضد الموجود، فإنه لا يتوقف على شئ
عدا ثبوت مقتضيه. أقول: إن مرد هذا التفصيل الى أن الأشياء محتاجة الى العلة والسبب
في حدوثها لا في بقائها، فهي في بقائها مستغنية. بيان ذلك: أن الحادث إذا كان في
بقائه غير محتاج الى المؤثر كان وجود الحادث المستغني عن العلة مانعا عن حدوث ضده،
فلا محالة يتوقف حدوث ضده على ارتفاعه. وأما إذا كان الحادث محتاجا في بقائه الى
المؤثر: فإن لم يكن لضده مقتض فعدمه يستند الى عدم مقتضيه، وإن كان له مقتض ولم يكن
شرطه متحققا فعدمه يستند الى عدم شرطه، وإن كان شرطه أيضا موجودا ومع ذلك كان
معدوما فهو مستند الى وجود مقتضي البقاء المانع من تأثير مقتضي ضده. إذا لا فرق بين
الضد الموجود وغير الموجود في أن وجود الشئ لا يتوقف على عدم ضده، بل يتوقف على عدم
مقتضي ضده إذا كان مقتضي الشئ وشرطه موجودا في الخارج. إذا عرفت ذلك فلنأخذ بدرس
هذه النقطة - استغناء البقاء عن المؤثر - مرة في الأفعال الاختيارية، ومرة اخرى في
الموجودات التكوينية. أما في الأفعال الاختيارية التي هي محل الخلاف في المسألة:
فهي بديهية البطلان ولو سلمنا أنها صحيحة في الموجودات التكوينية. والوجه في ذلك ما
ذكرناه في بحث الطلب والإرادة: من أن الفعل الاختياري مسبوق بإعمال القدرة
والاختيار، وهو فعل اختياري للنفس، وليس من مقولة الصفات، وواسطة بين
[ 29 ]
الإرادة والأفعال الخارجية، فالفعل في كل آن يحتاج إليه، ويستحيل بقاؤه بعد
انعدامه وانتفائه (1). أو فقل: إن الفعل إذا كان تابعا لإعمال قدرة الفاعل فلا
محالة كان الفاعل إذا أعمل قدرته فيه تحقق في الخارج، وإن لم يعملها فيه استحال
تحققه. وكذا إن استمر على إعمال القدرة فيه استمر وجوده، وإن لم يستمر عليه استحال
استمراره، وهذا واضح. وعلى الجملة: لا فرق بين حدوث الفعل الاختياري وبقائه في
الحاجة الى السبب والعلة، وهو إعمال القدرة، فإن سر الحاجة - وهو إمكانه الوجودي
وفقره الذاتي - كامن في صميم ذاته ووجوده، مع أن البقاء هو الحدوث، غاية الأمر أنه
حدوث ثان ووجود آخر في مقابل الوجود الأول، والحدوث هو الوجود الأول غير مسبوق
بمثله، وعليه فإذا تحقق فعل في الخارج من الفاعل المختار كالتكلم - مثلا - الذي هو
مضاد للسكوت، أو الحركة التي هي مضادة للسكون، أو الصلاة التي هي منافية للإزالة
فهذا الفعل كما أنه في الآن الأول بحاجة الى إعمال القدرة فيه والاختيار كذلك بحاجة
إليه في الآن الثاني والثالث، وهكذا...، فلا يمكن أن نتصور استغناءه في بقائه عن
الفاعل بالاختيار. وعلى هذا الضوء لا فرق بين الضد الموجود والمعدوم، إذ كما أن
تحقق كل منهما في الزمان الأول كان متوقفا على وجود مقتضيه - الاختيار وإعمال
القدرة - كذلك تحققه في الزمان الثاني كان متوقفا عليه. وقد أشرنا آنفا: أن نسبة
بقاء الضد الموجود في الآن الثاني كنسبة حدوث الضد المعدوم فيه في الحاجة الى
المقتضي وفاعل ما منه الوجود، فكما أن الأول لا يتوقف على عدم الثاني فكذلك الثاني
لا يتوقف على عدم الأول. أو فقل: إن كل فعل اختياري ينحل الى أفعال متعددة بتعدد
الآنات والأزمان، فيكون في كل آن فعل صادر بالإرادة والاختيار، فلو انتفى الاختيار
في زمان
(1) قد تقدم في ج 2 من المحاضرات ص 59 وما بعدها فراجع. (*)
[ 30 ]
يستحيل بقاء الفعل فيه، ولذلك لا فرق بين الدفع والرفع عقلا إلا بالاعتبار، هو:
أن الدفع مانع عن الوجود الأول، والرفع مانع عن الوجود الثاني، فكلاهما في الحقيقة
دفع. ومثال ذلك: ما إذا أراد المكلف فعل الإزالة دون الصلاة، فكما أن تحقق كل واحدة
منهما في الزمن الأول كان منوطا باختياره وإعمال القدرة فيه فكذلك تحقق كل منهما في
الزمن الثاني كان منوطا باختياره وإعمال القدرة فيه، فهما من هذه الناحية على نسبة
واحدة. فالنتيجة: أن احتياج الأفعال الاختيارية الى الإرادة والاختيار من الواضحات
الأولية فلا يحتاج الى مؤنة بيان وإقامة برهان. وأما في الموجودات التكوينية فالأمر
أيضا كذلك، إذ لا شبهة في حاجة الأشياء الى علل وأسباب، فيستحيل أن توجد بدونها.
وسر حاجة تلك الأشياء بصورة عامة الى العلة وخضوعها لها: هو أن الحاجة كامنة في
ذوات تلك الأشياء، لا في أمر خارج عنها، فإن كل ممكن في ذاته مفتقر الى الغير
ومتعلق به، سواء أكان موجودا في الخارج أم لم يكن، ضرورة أن فقرها كامن في نفس
وجوده، وإذا كان الأمر كذلك فلا فرق بين الحدوث والبقاء في الحاجة الى العلة، فإن
سر الحاجة - وهو إمكان الوجود - لا ينفك عنه، كيف ؟ فإن ذاته عين الفقر والإمكان،
لا أنه ذات لها الفقر. وعلى أساس ذلك، فكما أن الأشياء في حدوثها في أمس الحاجة الى
سبب وعلة فكذلك في بقائها، فلا يمكن أن نتصور وجودا متحررا عن تلك الحاجة. أو فقل:
إن النقطة التي تنبثق منها حاجة الأشياء الى مبدأ الإيجاد ليست هي حدوثها، لأن هذه
النظرية تستلزم تحديد حاجة الممكن الى العلة من ناحيتين: المبدأ والمنتهى. أما من
ناحية المبدأ فلأنها توجب اختصاص الحاجة بالحوادث، وهي الأشياء الحادثة بعد العدم.
وأما إذا فرض أن للممكن وجودا مستمرا بصورة أزلية
[ 31 ]
لم تكن فيه حاجة الى المبدأ، وهذا لا يطابق مع الواقع، إذ الممكن يستحيل وجوده
من دون علة وسبب، وإلا انقلب الممكن واجبا، وهذا خلف. وأما من ناحية المنتهى فلأن
الأشياء على ضوء هذه النظرية تستغني في بقائها عن المؤثر، ومن الواضح أنها نظرية
خاطئة لا تطابق الواقع، كيف ؟ فإن حاجة الأشياء الى ذلك المبدأ كامنة في صميم
وجودها، كما عرفت. تلخص: أن هذه النظرية بما أنها تستلزم هذين الخطأين في المبدأ
وتوجب تحديده في نطاق خاص واطار مخصوص فلا يمكن الالتزام بها. والصحيح: أن منشأ
حاجة الأشياء الى المبدأ وخضوعها له خضوعا ذاتيا هو إمكانها الوجودي وفقرها
الواقعي. وعلى ضوء هذا البيان قد اتضح: أنه لا فرق بين الضد الموجود والضد المعدوم،
فكما أن الضد المعدوم يحتاج في حدوثه الى سبب وعلة كذلك الضد الموجود يحتاج في
وجوده في الآن الثاني والثالث... وهكذا الى سبب وعلة ولا يستغني عنه في لحظة من
لحظات وجوده، ونسبة حاجة الضد الموجود في بقائه الى السبب والعلة والضد المعدوم في
حدوثه الى ذلك على حد سواء. أو فقل: إن المحل كما أنه في نفسه قابل لكل من الضدين
حدوثا فإن قابليته لذلك ذاتية، كما أن عدم قابليته لقبول كليهما من ذاتياته، فوجود
كل منهما وعروضه لذلك المحل منوط بتحقق علته، فعلة أي منهما وجدت كان موجودا لا
محالة، كذلك حال المحل في الآن الثاني فإنه قابل لكل منهما بعين تلك النسبة، فإن
بقاء الضد الموجود أو حدوث الضد الثاني منوط بوجود علته، فكما أن وجود الضد المعدوم
في هذا الآن منوط بتحقق علته كذلك بقاء الضد الموجود، فنسبة تحقق علة وجود ذلك الضد
وتحقق علة وجود الضد الموجود في ذلك الآن على حد سواء، وعليه فعلة وجود أي منهما
وجدت في تلك الحال كان موجودا لا محالة بلا فرق بين الضد الموجود والمعدوم.
[ 32 ]
وقد تبين مما مر: أن المعلول يرتبط بالعلة ارتباطا ذاتيا ويستحيل انفكاك أحدهما
عن الآخر، فلا يعقل بقاء المعلول بعد ارتفاع العلة، كما لا يمكن أن تبقى العلة
والمعلول غير باق، وقد عبر عن ذلك بالتعاصر بين العلة والمعلول زمانا. وقد يناقش في
ذلك الارتباط: بأنه مخالف لظواهر عدة من الموجودات الكونية التي هي باقية بعد
انتفاء علتها، فهي تكشف عن عدم صحة قانون التعاصر، وأنه لا مانع من بقاء المعلول
واستمرار وجوده بعد انتفاء علته، وذلك كالعمارات التي بناها البناؤون وآلاف من
العمال، فإنها بعد انتهاء عملية العمارة والبناء تبقى سنين متطاولة. وكالجسور
والطرق ووسائل النقل المادية والمكائن والمصانع وما شاكلها مما شاده المهندسون
والفنانون في شتى ميادين العلم، فإنها بعد أن انتهت عمليتها بيد هؤلاء الفنانين
والعمال تبقى الى أمد بعيد من دون علة مباشرة لها. وكالجبال والأحجار والأشجار
ونحوها من الموجودات الطبيعية على سطح الأرض، فإنها باقية ولم تكن في بقائها بحاجة
الى علة مباشرة لها. والخلاصة: أن المناقش قد عارض قانون التعاصر بظواهر تلك
الأمثلة التي تكشف بظاهرها عن أن المعلول لا يحتاج في استمرار وجوده وبقائه الى
علة، بل هو باق مع انتفاء علته. والجواب عن تلك المناقشة: أنها قد نشأت عن عدم فهم
معنى العلية فهما صحيحا كاملا. وقد تقدم بيان ذلك، وقلنا هناك: إن حاجة الأشياء الى
مبدإ وسبب كامنة في صميم ذاتها، ولا يمكن أن تملك حريتها بعد حدوثها. والوجه في
ذلك: هو أن علة تلك الأشياء والظواهر حدوثا غير علتها بقاء. وبما أن المناقش لم
ينظر الى علة تلك الظواهر لا حدوثا ولا بقاء نظرة عميقة صحيحة وقع في هذا الخطأ،
لأن ما هو معلول للمهندسين والبنائين وآلاف العمال في بناء العمارات والدور وصنع
الطرق والجسور والوسائل المادية الاخرى من المكائن والسيارات وغيرها إنما هو نفس
عملية صنعها وتصميمها نتيجة عدة من الحركات والجهود التي يقوم بها العمال، ونتيجة
تجميع المواد الخام من الحديد
[ 33 ]
والخشب والآجر، وغيرها من المواد لتصنيع السيارات وتعمير العمارات وتركيب سائر
الآلات، وهذه الحركات هي المعلولة للعمال والصادرة عنهم، ولذا تنقطع تلك الحركات
بمجرد إضراب العمال عن العمل وكف أيديهم عنها. وأما بقاء تلك الظواهر والأشياء على
وضعها الخاص فهو معلول لخصائص تلك المواد الطبيعية وحيويتها، وقوة الجاذبية العامة
التي تفرض عليها المحافظة على وضعها. نظير: اتصال الحديد بما فيه القوة الكهربائية
فإنها تجذب الحديد بقوة جاذبية طبيعية تجره إليها آنا فآنا، بحيث لو سلبت منه تلك
القوة لانقطع منه الجذب لا محالة. ومن ذلك تظهر حال بقية الأمثلة، فإن بقاء الجبال
على وضعها الخاص وموضعها المخصوص، وكذا الأحجار والأشجار والمياه وما شاكلها لخصائص
طبيعية كامنة في صميم موادها، والقوة الجاذبية العامة التي تفرض على جميع الأشياء
الكونية. وقد صارت عمومية تلك القوة في يومنا هذا من الواضحات، وقد أودعها الله
سبحانه وتعالى في صميم هذه الكرة الأرضية للتحفظ على الكرة وما عليها على وضعها
ونظامها الخاص، في حين أنها تتحرك في هذا الفضاء الكوني بسرعة هائلة. وعلى الجملة:
فبقاء تلك الظواهر والموجودات الممكنة واستمرار وجودها في الخارج معلول لخصائص تلك
المواد الطبيعية المحافظة على هذه الظاهرة من ناحية، والقوة الجاذبة من ناحية اخرى.
فبالنتيجة: المحافظ على الموجودات الطبيعية على وضعها الخاص وموضعها المخصوص هي
خصائصها والجاذبية التي تخضع تلك الظواهر لها، ولا تملك حريتها حدوثا وبقاء، إذا
فلا وجه لتوهم أن تلك الظواهر في بقائها واستمرار وجودها مالكة لحريتها ولا تخضع
لمبدإ وسبب. ونتيجة ذلك نقطتان متقابلتان: الاولى: بطلان نظرية " أن سر الحاجة الى
العلة هو الحدوث "، لأن تلك
[ 34 ]
النظرية مبنية على أساس على عدم فهم معنى العلية فهما صحيحا وتحديد حاجة
الأشياء الى العلة في إطار خاص ونطاق مخصوص لا يطابق مع الواقع. الثانية: صحة نظرية
" أن سر الحاجة الى العلة هو إمكان الوجود "، فإن تلك النظرية قد ارتكزت على أساس
فهم معنى العلية فهما صحيحا مطابقا للواقع، وأن حاجة الأشياء الى المبدأ كامنة في
صميم وجودها، فلا يمكن أن نتصور وجودا متحررا عن ذلك المبدأ. وقد تلخص: أن الأشياء
- بشتى ألوانها وأشكالها - خاضعة للمبدأ الأول خضوعا ذاتيا، وهذا لا ينافي أن يكون
تكوينها وإيجادها بمشيئة الله تعالى وإعمال قدرته كما فصلنا الحديث - من هذه
الناحية - في بحث الطلب والإرادة (1). وقد وضعنا هناك الحجر الأساس للفرق بين زاوية
الأفعال الاختيارية وزاوية المعاليل الطبيعية. ثم إنا لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا صحة
نظرية " أن منشأ الحاجة هو الحدوث في الموجودات التكوينية "، وأنها تملك حريتها في
البقاء ولا تخضع لمبدء إلا أنها بديهية البطلان في الأفعال الاختيارية التي هي محل
الكلام في المسألة، ضرورة أن الفعل الاختياري يستحيل بقاؤه بعد ارتفاع الإرادة
والاختيار، إذا لا وجه للتفصيل بين الضد الموجود والمعدوم. ويجدر بنا أن نختم
الحديث عن مقدمية عدم الضد للضد الآخر وعدم مقدميته، وقد عرفت استحالة مقدميته. هذا
بحسب الصغرى. وأما الكبرى - وهي وجوب مقدمة الواجب - فقد تقدم الكلام فيها، وقلنا
هناك: إنه لا دليل على ثبوت الملازمة بين إيجاب شئ وإيجاب مقدمته، وما ذكروه من
الأدلة على ذلك قد ناقشناها واحدا بعد واحد، بل ذكرنا هناك - مضافا الى أن الوجدان
حاكم بعدم ثبوت الملازمة بينهما - أن إيجاب المقدمة شرعا لغو
(1) تقدم في ج 2 ص 79 - 82. (*)
[ 35 ]
محض فلا يترتب عليه أثر أصلا (1). الوجه الثاني (2): قد استدل بعضهم على أن
الأمر بشئ يقتضي النهي عن ضده، بأن وجود الضد ملازم لترك الضد الآخر، والمتلازمان
لا يمكن اختلافهما في الحكم بأن يكون أحدهما واجبا والآخر محرما، وعليه فإذا كان
أحد الضدين واجبا فلا محالة يكون ترك الآخر أيضا واجبا، وإلا لكان المتلازمان
مختلفين في الحكم وهو غير جائز (3). أقول: هذا الدليل أيضا مركب من مقدمتين:
الاولى: صغرى القياس، وهي ثبوت الملازمة بين وجود شئ وعدم ضده. الثانية: كبراه، وهي
عدم جواز اختلاف المتلازمين في الحكم. أما المقدمة الاولى: فلا إشكال فيها. وأما
المقدمة الثانية: فقد ذكروا: أن المتلازمين لابد أن يكونا متوافقين في الحكم، فإذا
كانت الإزالة - مثلا - واجبة فترك الصلاة الذي هو ملازم لفعل الإزالة لا محالة يكون
واجبا، لأنه يمتنع أن يكون محرما لاستلزامه التكليف بالمحال. ولا فرق في ذلك بين
الضدين اللذين لا ثالث لهما: كالحركة والسكون وما شاكلهما، والضدين اللذين لهما
ثالث: كالسواد والبياض والقيام والجلوس ونحوهما، غاية الأمر أنه على الفرض الأول
كان الاستلزام من الطرفين، فكما أن وجود كل منهما يستلزم عدم الآخر كذلك عدم كل
منهما يستلزم وجود الآخر. وأما على الفرض الثاني فوجود كل واحد منهما يستلزم عدم
الآخر دون العكس، إذ يمكن انتفاؤهما معا، وذلك لأن ملاك دلالة الأمر بالشئ على
النهي عن ضده هو استلزام وجود
(1) راجع ج 1 ص 448 - 451. (2) هو الظاهر من صاحب المعالم: ص 62، ومن الفخر الرازي
في المحصول: ج 2 ص 199. (3) من وجهى الاستدلال على اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده
الخاص تقدم الوجه الاول في بدء البحث عن الضد الخاص. (*)
[ 36 ]
ذلك الشئ لعدم ضده، وهو أمر يشترك فيه جميع الأضداد. وأما استلزام عدم الشئ
لوجود ضده فهو وإن كان مختصا بالضدين اللذين لا ثالث لهما إلا أنه أجنبي عن ملاك
الدلالة تماما. وعلى ذلك يظهر: أنه لا وجه لما يراه شيخنا الاستاذ (قدس سره) من
التفرقة بين ما إذا لم يكن للضدين ثالث وما إذا كان لهما ثالث، فسلم الدلالة في
الفرض الأول دون الثاني (1)، فإن ملاك الدلالة - كما عرفت (2) - واحد، إذا فالتفصيل
في غير موضعه كما سنتعرض الى ذلك إن شاء الله تعالى (3). والجواب عن ذلك: أن الذي
لا يمكن الالتزام به هو كون المتلازمين مختلفين في الحكم، بأن يكون أحدهما متعلقا
للأمر، والآخر متعلقا للنهي، لاستلزام ذلك التكليف بما لا يطاق، فلا يمكن أن يأمر
الشارع باستقبال القبلة - مثلا - في بلدنا هذا أو ما يقربه من البلاد في الطول
والعرض وينهى عن استدبار الجدي، لأن هذا تكليف بغير المقدور، بل لا يمكن النهي
التنزيهي عنه، لكونه لغوا فلا يترتب عليه أي أثر بعد فرض وجوب الاستقبال. وأما لزوم
كونهما محكومين بحكم واحد ومتوافقين فيه فلا موجب له أصلا، فإن المحذور المتقدم -
وهو لزوم التكليف بما لا يطاق - كما يندفع بالالتزام بكونهما متوافقين في الحكم
كذلك يندفع بكون أحدهما غير محكوم بحكم من الأحكام. وعليه فلا مقتضي لدفع المحذور
بالفرض الأول دون الفرض الثاني، فإن الالتزام بالتوافق في الحكم يحتاج الى دليل يدل
عليه، ولا دليل في المقام، بل قام الدليل على خلافه، وذلك لأن الشارع إذا أمر بأحد
المتلازمين فالأمر بالملازم الآخر لغو، فإذا أمر باستقبال القبلة - مثلا - فالأمر
باستدبار الجدي، أو كون اليمين على طرف المغرب واليسار على طرف المشرق بلا فائدة،
فإن تلك الامور من ملازمات وجود المأمور به في الخارج، سواء أكانت متعلقة للأمر أم
لم تكن، وما
(1) انظر فوائد الاصول: ج 1 ص 304. (2) مر ذكره آنفا. (3) سيأتي تفصيله في ص 38.
(*)
[ 37 ]
كان كذلك فلا يمكن تعلق الأمر به. نعم، لو توقف ترك الحرام خارجا على الإتيان
بفعل ما للملازمة بين ترك هذا الفعل والوقوع في الحرام وجب الإتيان به عقلا، وأما
شرعا فلا، لعدم الدليل على سراية الحكم من متعلقه الى ملازماته الخارجية. ونظير ذلك
ما تقدم في بحث مقدمة الواجب: من أن الإتيان بالمقدمة إذا كان علة تامة للوقوع في
الحرام من دون أن يتوسط بين المقدمة وذيها إرادة واختيار للفاعل وجب تركها عقلا لا
شرعا، لعدم الدليل على حرمة تلك المقدمة، لا حرمة نفسية ولا حرمة غيرية (1). أما
الحرمة النفسية: فلأن المتصف بها إنما هو المسبب، لأنه مقدور للمكلف بواسطة القدرة
على مقدمته، ومن الظاهر أنه لا فرق في المقدور بين كونه بلا واسطة أو معها، ووجوب
وجوده وضرورته من قبل الإتيان بمقدمته لا يضر بتعلق التكليف به، لأنه وجوب
بالاختيار فلا ينافي الاختيار. إذا لا وجه لصرف النهي المتعلق بالمعلول الى علته
كما عن شيخنا الاستاذ (قدس سره) بدعوى: أن العلة مقدورة دون المعلول (2)، ضرورة أن
المقدور بالواسطة مقدور، والمعلول وإن لم يكن مقدورا ابتداء إلا أنه مقدور بواسطة
القدرة على علته، وهذا يكفي في صحة تعلق النهي به. وأما الحرمة الغيرية: فقد تقدم:
أنه لا دليل عليها، لأن ثبوتها يبتنى على ثبوت الملازمة، وقد سبق أن الملازمة لم
تثبت (3). وبتعبير آخر: لا شبهة في أن مراد القائل بأن المتلازمين لابد أن يكونا
متوافقين في الحكم: ليس توافقهما في الإرادة بمعنى الشوق المؤكد، ولا بمعنى إعمال
القدرة، فإن الإرادة بالمعنى الأول من الصفات النفسانية، وليست من سنخ الأحكام في
شئ. وبالمعنى الثاني - وهو إعمال القدرة في شئ - يستحيل أن
(1) تقدم في ج 2 من المحاضرات ص 452 فراجع. (2) انظر أجود التقريرات: ج 1 ص 248.
(3) راجع ج 2 من المحاضرات ص 451. (*)
[ 38 ]
يتعلق بفعل الغير، لأنه ليس واقعا تحت اختيار المولى وإرادته، بل مراده من ذلك:
أن اعتبار المولى أحد المتلازمين في ذمة المكلف وإبرازه في الخارج بمبرز يستلزم
اعتبار الآخر في ذمته أيضا. ولكن من الواضح جدا أنه لا ملازمة بين الاعتبارين أصلا،
مضافا الى ما عرفت من أن الاعتبار الثاني لغو. وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر: أن
الأمر كذلك في النقيضين، والمتقابلين بتقابل العدم والملكة: كالتكلم والسكوت، فإن
اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف لا يستلزم النهي عن نقيضه واعتبار عدمه. كما أن
اعتبار الملكة في ذمة المكلف لا يستلزم النهي عن عدمها، فالأمر بالإزالة - مثلا -
كما لا يستلزم النهي عن الصلاة المضادة لها كذلك لا يستلزم النهي عن نقيضها وهو
العدم البديل لها، ضرورة أن المتفاهم منه عرفا ليس إلا وجوب الإزالة في الخارج، لا
حرمة تركها، ولذلك قلنا: إن كل حكم شرعي متعلق بشئ لا ينحل الى حكمين: أحدهما متعلق
به، والآخر بنقيضه. أو فقل: إن النهي عن أحد النقيضين مع الأمر بالنقيض الآخر لغو
فلا يترتب عليه أثر. وبذلك يظهر فساد ما أفاده شيخنا الاستاذ (قدس سره) من الالتزام
بأن الأمر بأحد النقيضين يستلزم النهي عن الآخر باللزوم البين بالمعنى الأخص.
والأمر بأحد المتقابلين بتقابل العدم والملكة: كالتكلم والسكوت - مثلا - يستلزم
النهي عن الآخر باللزوم البين بالمعنى الأخص أيضا، بل الأمر بأحد الضدين اللذين لا
ثالث لهما: كالحركة والسكون يستلزم النهي عن الضد الآخر، ولكن باللزوم البين
بالمعنى الأعم (1). ووجه الظهور: هو ما قد سبق: من أنه لا دلالة على الملازمة في شئ
من تلك الموارد، حتى باللزوم البين بالمعنى الأعم، فضلا عن البين بالمعنى الأخص،
وأن الأمر لا يدل إلا على اعتبار متعلقه في ذمة المكلف، ولا يدل على
(1) انظر أجود التقريرات: ج 1 ص 254. (*)
[ 39 ]
النهي عن تركه، بل قد عرفت: أن النهي عنه لغو. أضف الى ذلك ما ذكرناه سابقا: من
أن ملاك الدلالة في المقام هو استلزام فعل الضد لترك الضد الآخر، وهو أمر مشترك فيه
بين الجميع، فلا يختص بالنقيضين، ولا بالمتقابلين بتقابل العدم والملكة، ولا
بالضدين اللذين لا ثالث لهما، بل يعم الضدين اللذين لهما ثالث أيضا، لأن فعل أحدهما
يستلزم ترك الآخر لا محالة. وأما استلزام ترك الشئ لفعل ضده فهو أجنبي عن ملاك
الدلالة تماما (1). فالنتيجة: أن ما هو ملاك الدلالة على تقدير تسليمه يشترك فيه
الجميع، ولا يختص بغير الضدين اللذين لهما ثالث كما أفاده شيخنا الاستاذ (قدس سره)
من التفرقة لا يرجع الى معنى محصل. شبهة الكعبي بانتفاء المباح وهذه الشبهة ترتكز
على ركيزتين: الاولى: أن ترك الحرام في الخارج يتوقف على فعل من الأفعال الوجودية،
لاستحالة خلو المكلف من فعل ما وكون من الأكوان الاختيارية، وعليه فإذا لم يشتغل
بغير الحرام وقع في الحرام لا محالة إذا كان الاشتغال بغير الحرام واجبا مقدمة لترك
الحرام. الثانية: أن الفعل الاختياري يحتاج في حدوثه وبقائه الى المؤثر، فلا يستغني
الحادث في بقائه عن المؤثر، كما لا يستغني عنه في حدوثه. فالنتيجة على ضوء هاتين
الركيزتين: هي أن ترك الحرام حدوثا وبقاء متوقف على إيجاد غيره من الأفعال
الاختيارية في الخارج، وبما أن إيجاده مقدمة لترك الحرام فيكون واجبا بوجوب مقدمي،
إذا لا يمكن فرض مباح في الخارج، وهذا معنى القول بانتفاء المباح وانحصار الأفعال
بالواجب والحرام.
(*)
[ 40 ]
ويرد عليه: أن الركيزة الثانية وإن كانت في غاية الصحة والمتانة - كما سبق (1)
- إلا أن الاولى منهما واضحة البطلان. والوجه في ذلك: هو أن ما ذكره الكعبي في هذه
الركيزة: إما مبتن على مانعية وجود أحد الضدين عن الضد الآخر بدعوى: أن فعل الحرام
بما أنه مضاد لغيره من الأفعال الوجودية فلا محالة يتوقف تركه على فعل ما من تلك
الأفعال من باب توقف عدم الشئ على وجود مانعه. وإما مبتن على دعوى: الملازمة بين
حرمة شئ ووجوب ضده. ولكن كلا الأمرين واضح الفساد. أما الأمر الأول: فقد تقدمت
استحالة مانعية وجود أحد الضدين عن الضد الآخر بصورة مفصلة، فلا يكون عدم الضد
مستندا الى وجود ضده، بل هو: إما مستند الى عدم مقتضيه، أو الى وجود المقتضي للضد
الآخر. وعلى هذا فلا يكون ترك الحرام متوقفا على فعل ما غير الحرام من الأفعال
الوجودية، بل يكفي في عدمه عدم إرادته، وعدم الداعي إليه، أو إرادة إيجاد فعل آخر
(2). وكيف كان فلا يتوقف ترك الحرام على أحد تلك الأفعال، على أن الكبرى أيضا غير
ثابتة، وهي: وجوب مقدمة الواجب كما سبق (3). وأما الأمر الثاني: فلما عرفت من أنه
لا دليل على سراية الحكم من أحد المتلازمين الى الملازم الآخر. نعم، ربما يمكن أن
يعلم المكلف بأنه لو لم يأت بفعل ما غير الحرام لوقع في الحرام باختياره وإرادته،
فحينئذ وإن وجب الإتيان به فرارا عن الوقوع في الحرام إلا أن وجوبه عقلي لا شرعي
كما تقدم. إذا فما أفاده الكعبي من انحصار الأفعال الاختيارية بالواجب والحرام
(1) تقدم في ص 28 وما بعدها. (2) راجع ص 10 وما بعدها. (3) تقدم في ج 2 ص 449. (*)
[ 41 ]
لا يرجع الى معنى محصل. هذا تمام كلامنا في الضد الخاص. ونتيجة جميع ما ذكرناه
عدة نقاط: الاولى: أن هذه المسألة من المسائل الاصولية العقلية، وليست من المسائل
الفقهية، ولا من المبادئ كما تقدم (1). الثانية: أن العلة التامة مركبة من أجزاء
ثلاثة، وهذه الأجزاء تختلف من ناحية استناد وجود المعلول إليها واستناد عدمه الى
تلك الأجزاء، فإن وجوده مستند الى الجميع في مرتبة واحدة، فلا يمكن أن يستند الى
بعضها دون بعضها الآخر، وهذا بخلاف عدمه، فإنه عند عدم المقتضي أو الشرط لا يستند
الى وجود المانع كما عرفت. الثالثة: أن كبرى كون عدم المانع من المقدمات مسلمة، إلا
أن عدم أحد الضدين ليس مقدمة لوجود الضد الآخر، لما تقدم من استحالة مانعية وجود
أحد الضدين للضد الآخر بالوجهين السابقين: الدور والتفتيش عن حال المقتضيات، وعدم
إمكان فرض صورة يستند عدم الضد في تلك الصورة الى وجود الضد الآخر. الرابعة: أن
المانع إنما يكون متصفا بالمانعية عند ثبوت المقتضي مع بقية الشرائط ليزاحم المقتضي
في تأثيره، وهذا معنى دخل عدمه في وجود المعلول. الخامسة: إمكان ثبوت المقتضي لكل
من الضدين في نفسه مع قطع النظر عن الآخر، وقد عرفت أن هذا غير داخل في الكبرى
المتسالم عليها، وهي: أن اقتضاء المحال محال، خلافا لشيخنا الاستاذ (قدس سره) حيث
إنه قد أصر على استحالة ثبوت المقتضي لكل منهما، وأن ذلك من مصاديق تلك الكبرى،
ولكن قد سبق أن الأمر ليس كذلك، فإن تلك الكبرى إنما تتحقق في أحد موردين: 1 -
اقتضاء شئ واحد بذاته أمرين متنافيين في الوجود.
(1) راجع ص 4. (*)
[ 42 ]
2 - فرض ثبوت المقتضي لكل من الضدين بقيد الاجتماع والتقارن، والمقام ليس منهما
في شئ. السادسة: أن التقدم أو التأخر الرتبي يحتاج الى ملاك وجودي كامن في صميم ذات
الشئ، لا في أمر خارج عنه دون المعية في الرتبة، فإنه يكفي في تحققها عدم تحقق ملاك
التقدم أو التأخر، خلافا لشيخنا المحقق (قدس سره) حيث قال: إن المعية في الرتبة
أيضا تحتاج الى ملاك وجودي، وقد تقدم فساده، فلاحظ. السابعة: أنه لا مقتضى لكون
المتلازمين متوافقين في الحكم، بل قد سبق أن ذلك لغو فلا يترتب عليه أثر شرعي أصلا.
نعم، الذي لا يمكن هو اختلافهما في الحكم كما مر. الثامنة: أن قياس المساواة إنما
ينتج في المتقدم والمتأخر بالزمان، فإن ما كان متحدا مع المتقدم أو المتأخر زمانا
متقدم أو متأخر لا محالة، لا في المتقدم والمتأخر بالرتبة والطبع. وسر ذلك: أن ملاك
التقدم والتأخر في الأولين أمر خارج عن مقتضى ذاتهما، وهو وقوعهما في الزمان
المتقدم والمتأخر، ومع قطع النظر عن ذلك فلا يقتضي أحدهما بذاته التقدم على شئ آخر،
ولا الآخر التأخر، فإن المتقدم والمتأخر بالذات نفس أجزاء الزمان وما يشبهها:
كالحركة ونحوها، والحوادث الاخر إنما تتصف بهما بالعرض لا بالذات. ونتيجة ذلك: هي
أن كل ما كان واقعا في الزمان المتقدم واجد لملاك التقدم، وكل ما كان واقعا في
الزمان المتأخر واجد لملاك التأخر، وكل ما كان واقعا في الزمان المقارن واجد لملاك
التقارن، من دون اختصاص بحادث دون آخر. وملاك التقدم والتأخر في الأخيرين أمر راجع
الى مقتضى ذاتهما، فكل ما كان في صميم ذاته من الوجود أو العدم اقتضاء التقدم على
شئ أو التأخر متقدم عليه أو متأخر لا محالة، وكل ما لم يكن فيه اقتضاء كذلك فلا
يعقل فيه التقدم أو التأخر ولو كان في رتبة ما فيه الاقتضاء.
[ 43 ]
التاسعة: بطلان التفصيل بين الضد المعدوم والضد الموجود بتوقف وجود الأول على
ارتفاع الثاني دون العكس. وقد عرفت أن منشأ هذا التفصيل توهم استغناء الباقي عن
المؤثر، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا، فراجع. العاشرة: بطلان ما أفاده شيخنا الاستاذ
(قدس سره) من تسليم الدلالة على الملازمة بين الأمر بشئ والنهي عن ضده في النقيضين،
والمتقابلين بتقابل العدم والملكة، بل في الضدين اللذين لا ثالث لهما. وقد عرفت عدم
الدلالة في الجميع. الحادية عشرة: قد تقدم أنه على تقدير تسليم الملازمة فيما إذا
لم يكن للضدين ثالث فلابد من تسليمها فيما إذا كان لهما ثالث أيضا، لأن ملاك
الدلالة - كما مر - هو " استلزام فعل الشئ لترك ضده " أمر يشترك فيه جميع الأضداد،
فلا وجه للتفصيل بينهما كما عن شيخنا الاستاذ (قدس سره). الثانية عشرة: أن ما ذهب
إليه الكعبي من القول بانتفاء المباح لا يرجع الى معنى محصل كما سبق. الضد العام
وأما الكلام في المقام الثاني - وهو الضد العام - فقد اختلفت كلماتهم في كيفية
دلالة الأمر بالشئ على النهي عنه بعد الفراغ عن أصل الدلالة الى ثلاثة أقوال:
الأول: أن الأمر بالشئ عين النهي عن ضده العام، فالأمر بالصلاة - مثلا - عين النهي
عن تركها، فقولنا: " صل " عين قولنا: " لا تترك الصلاة ". الثاني: أن الأمر بالشئ
يدل على النهي عنه بالتضمن، بدعوى: أنه مركب من طلب الفعل والمنع من الترك، فالمنع
من الترك مأخوذ في مفهوم الأمر، فيكون دالا عليه بالتضمن. الثالث: أن الأمر بالشئ
يقتضي النهي عنه بالدلالة الالتزامية باللزوم البين بالمعنى الأخص، أو البين
بالمعنى الأعم. أما القول الأول: فإن اريد من العينية في مقام الإثبات والدلالة -
أعني بها: أن
[ 44 ]
الأمر بشئ والنهي عن تركه يدلان على معنى واحد، وإنما الاختلاف بينهما في
التعبير فقط - فهذا مما لا إشكال فيه، إذ من الواضح أنه لا مانع من إبراز معنى واحد
بعبارات متعددة وألفاظ مختلفة، فيبرزه تارة بلفظ، واخرى بلفظ آخر، وهكذا... مثلا:
يمكن إبراز كون الصلاة على ذمة المكلف مرة بكلمة " صل "، ومرة اخرى بكلمة " لا تترك
الصلاة " بأن يكون المقصود من كلتا الكلمتين إبراز وجوبها وثبوتها في ذمة المكلف،
لا أن المقصود من الكلمة الاولى إبراز وجوب فعلها ومن الكلمة الثانية إبراز حرمة
تركها، لئلا تكون إحدى الكلمتين عين الاخرى في الدلالة والكشف. وهذا هو المقصود من
الروايات الناهية عن ترك الصلاة. وليس المراد من النهي فيها النهي الحقيقي الناشئ
عن مفسدة إلزامية في متعلقه، ولذلك لم يتوهم أحد حرمة ترك الصلاة، وأن تاركها يستحق
عقابين: عقابا لتركه الواجب، وعقابا لارتكابه الحرام. وهذا التعبير - أعني به:
التعبير عن طلب شئ بالنهي عن تركه - أمر متعارف في الروايات في باب الواجبات
والمستحبات، وفي كلمات الفقهاء رضوان الله عليهم، فترى أنهم يعبرون عن الاحتياط
الواجب بقولهم: لا يترك الاحتياط. وعليه فمعنى أن الأمر بالشئ عين النهي عن ضده: هو
أنهما متحدان في جهة الدلالة والحكاية عن المعنى، في مقابل ما إذا كانا متغايرين في
تلك الجهة. وعلى ضوء ذلك صح أن يقال: إن الأمر بالشئ عين النهي عن ضده العام بحسب
المعنى والدلالة عليه. فإن اريد من العينية: العينية بهذا المعنى فهي صحيحة ولا بأس
بها، ولكن الظاهر أن العينية بذلك المعنى ليست مرادا للقائل بها كما لا يخفى. وإن
اريد بها العينية في مقام الثبوت والواقع - أعني بها: كون الأمر بشئ عين النهي عن
تركه في ذلك المقام وبالعكس - فيرد عليه: أنه إن اريد من النهي عن
[ 45 ]
الترك طلب تركه المنطبق على الفعل - إذ قد يراد من النهي عن الشئ طلب تركه كما
هو الحال في تروك الإحرام والصوم، حيث يراد من النهي عن الأكل والشرب ومجامعة
النساء، والارتماس في الماء، ولمس المرأة، ولبس المخيط للرجال، والتكحل، والنظر الى
المرأة، والمجادلة وغيرها مما يعتبر عدمه في صحة الإحرام طلب ترك هذه الامور - فإن
هذا النهي لم ينشأ عن مبغوضية تلك الامور وقيام مفسدة إلزامية بها، بل نشأ عن
محبوبية تركها وقيام مصلحة إلزامية به. وعليه لم يكن مثل هذا النهي نهيا حقيقيا
ناشئا عن مفسدة ملزمة في متعلقه، بل هو في الواقع أمر ولكن ابرز بصورة النهي في
الخارج، إن اريد ذلك فلا معنى له أصلا، وذلك لأن ترك الترك وإن كان مغايرا للفعل
مفهوما إلا أنه عينه مصداقا وخارجا، لأنه عنوان انتزاعي له، وليس له ما بإزاء في
الخارج ما عداه. أو فقل: إن في عالم التحقق والوجود أحد شيئين لا ثالث لهما،
أحدهما: الوجود، والثاني: العدم البديل له. وأما عدم العدم فهو لا يتجاوز حد الفرض
والتقدير، وليس له واقع في قبالهما، وإلا لأمكن أن يكون في الواقع أعدام غير
متناهية، فإن لكل شئ عدما، ولعدمه عدم، وهكذا... الى أن يذهب الى مالا نهاية له.
نعم، إنه عنوان انتزاعي منطبق على الوجود، وعليه فالقول بأن الأمر بالشئ يقتضي
النهي عن ضده في قوة القول بأن الأمر بالشئ يقتضي الأمر بذلك الشئ، وهو قول لا معنى
له أصلا. فالنتيجة: أنه لا يمكن أن يراد من النهي عن الترك طلب تركه، لاستلزام ذلك
النزاع في أن الأمر بالشئ يقتضي نفسه، وهذا النزاع لا محصل له أبدا. وإن اريد
بالنهي عن الترك النهي الحقيقي الناشئ عن مبغوضية متعلقه وقيام مفسدة ملزمة به
فالنهي بهذا المعنى وإن كان أمرا معقولا في نفسه إلا أنه لا يمكن أن يراد فيما نحن
فيه، وذلك لاستحالة أن يكون بغض الترك متحدا مع حب الفعل أو جزئه، وذلك لاستحالة
اتحاد الصفتين المتضادتين في الخارج.
[ 46 ]
وبعبارة واضحة: أنه لا شبهة في أن الأمر الحقيقي يباين النهي الحقيقي تباينا
ذاتيا، فلا اشتراك بينهما، لا في ناحية المبدأ، ولا في ناحية الاعتبار، ولا في
ناحية المنتهى. أما من ناحية المبدأ: فلأن الأمر تابع للمصلحة الإلزامية في متعلقه،
والنهي تابع للمفسدة الإلزامية فيه. وأما من ناحية الاعتبار: فلما ذكرناه غير مرة:
من أن حقيقة الأمر ليست إلا اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف وإبرازه في الخارج
بمبرز: كصيغة الأمر أو نحوها. وحقيقة النهي ليست إلا اعتبار المولى حرمة الفعل
عليه، وجعله محروما عنه، وإبرازه في الخارج بمبرز من صيغة النهي أو ما شاكلها. ومن
الواضح أن أحد الاعتبارين أجنبي عن الاعتبار الآخر بالكلية. وأما من ناحية المنتهى:
فلأن الأمر يمتثل بإتيان متعلقه، والنهي يمتثل بترك متعلقه. وعلى هذا الضوء فكيف
يمكن القول بأن الأمر عين النهي ؟ فهل هو عينه في ناحية المبدأ، أو في ناحية
المنتهى، أو في ناحية الاعتبار ؟ كل ذلك غير معقول. فالنتيجة إذا: هي أن القول
بالعينية قول لا محصل له. ومن ذلك يظهر بطلان القول الثاني أيضا، وهو القول بأن
النهي جزء من الأمر، فإن القول بالجزئية أيضا غير معقول، ضرورة أنه كما لا يمكن أن
يكون النهي متحدا مع الأمر في المراحل المتقدمة كذلك لا يمكن أن يكون جزؤه في تلك
المراحل. وما قيل في تعريف الوجوب من: أنه عبارة عن طلب الفعل مع المنع من الترك
(1) لا يخلو عن ضرب مسامحة، ولعل الغرض منه: الإشارة الى مفهوم الوجوب في مقام
تقريبه الى الأذهان، لا أنه تعريف له على التحقيق، وإلا فمن الواضح جدا أن المنع من
الترك لم يؤخذ في حقيقة الوجوب بأي معنى من المعاني
(1) هو صاحب المعالم في معالمه: في مسألة الضد العام ص 64. (*)
[ 47 ]
الذي فرضناه، سواء أكان إرادة نفسانية، أم كان حكما عقليا، أو مجعولا شرعيا،
فإنه على الأول من الأعراض، وهي من البسائط الخارجية. وعلى الثاني فهو من الامور
الانتزاعية العقلية، بمعنى: أن العقل يحكم باللزوم عند اعتبار المولى فعلا ما على
ذمة المكلف، مع عدم نصبه قرينة على الترخيص في تركه. ومن الظاهر أنه أشد بساطة من
الأعراض فلا يعقل له جنس ولا فصل. وعلى الثالث فهو من المجعولات الشرعية. ومن
الواضح أنها في غاية البساطة، ولا يعقل لها جنس وفصل. نعم، المنع من الترك لازم
للوجوب، لا أنه جزؤه. وعلى تقدير كون الوجوب مركبا فلا يعقل أن يكون مركبا من المنع
من الترك، لما عرفت من أن بغض الترك كما لا يمكن أن يكون عين حب الفعل كذلك لا يمكن
أن يكون جزءه. وقد تحصل من ذلك: أن النزاع في عينية أمر بشئ للنهي عن ضده أو جزئيته
له لا يرجع الى النزاع في معنى معقول. وأما القول الثالث - وهو: القول بأن الأمر
بشئ يستلزم النهي عن ضده العام - فقد ذهب إليه جماعة (1)، ولكنهم اختلفوا في أن
الاقتضاء هل هو على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص بأن يكون نفس تصور الوجوب كافيا
في تصور المنع من الترك من دون حاجة الى أمر زائد، أو أنه على نحو اللزوم البين
بالمعنى الأعم على قولين ؟ فقد قرب شيخنا الاستاذ (قدس سره) القول الأول وقال: إنه
لا يبعد أن تكون دلالته على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص، وعلى تقدير التنزل عن
ذلك في الدلالة الالتزامية بنحو اللزوم البين بالمعنى الأعم مما لا إشكال فيه ولا
كلام (2). والتحقيق: هو عدم الاقتضاء، والوجه في ذلك: هو أن دعوى استلزام الأمر بشئ
النهي عن تركه باللزوم البين بالمعنى الأخص واضحة الفساد، ضرورة أن
(1) منهم: نجل الشهيد الثاني في معالم الاصول: ص 56، والمحقق القمي في قوانين
الاصول: ج 1 ص 113. (2) اجود التقريرات ج 1 ص 252. (*)
[ 48 ]
الآمر ربما يأمر بشئ ويغفل عن تركه ولا يلتفت إليه أصلا ليكون كارها له، فلو
كانت الدلالة على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص لم يتصور غفلة الآمر عن الترك
وعدم التفاته إليه في مورد من الموارد. ومن هنا قد اعترف هو (قدس سره) أيضا ببداهة
إمكان غفلة الآمر بشئ عن ترك تركه فضلا عن أن يتعلق به طلبه، وهذا منه يناقض ما
أفاده من نفي البعد عن اللزوم البين بالمعنى الأخص. وأما دعوى الدلالة الالتزامية
باللزوم البين بالمعنى الأعم فهي أيضا لا يمكن تصديقها، وذلك لعدم الدليل عليها لا
من العقل ولا من الشرع. أما من ناحية العقل فلأنه لا يحكم بالملازمة بين اعتبار
الشارع وجوب شئ واعتباره حرمة تركه، فإن كلا من الوجوب والحرمة يحتاج الى اعتبار
مستقل، والتفكيك بينهما في مقام الاعتبار بمكان من الإمكان، وكذا لا يحكم العقل
بالملازمة بين إرادة شئ وكراهة نقيضه، إذ قد يريد الإنسان شيئا غافلا عن تركه وغير
ملتفت إليه، فكيف يكون كارها له ؟ وإن شئت فقل: إن القائل باستلزام وجوب شئ لحرمة
تركه: إما أن يدعي الحرمة النفسية، أو يدعي الحرمة الغيرية، وكلتا الدعويين فاسدة:
أما الدعوى الاولى: فلأن الحرمة النفسية إنما تنشأ عن مفسدة إلزامية في متعلقها.
ومن الواضح أنه لا مفسدة في ترك الواجب، فتركه ترك ما فيه المصلحة، لا فعل ما فيه
المفسدة. فلو سلمنا وجود المفسدة في ترك الواجب أحيانا فلا كلية لذلك بالبداهة. إذا
لا مجال لدعوى الملازمة بين وجوب شئ وحرمة تركه، بل الوجدان حاكم بعدم ثبوتها. وأما
الدعوى الثانية: فلعدم ملاك الحرمة الغيرية فيه أولا، لانتفاء المقدمية، وكونها
لغوا ثانيا، لعدم ترتب أثر عليها من العقاب أو نحوه. وعليه فلا موضوع لدعوى
الملازمة أصلا. وأما من ناحية الشرع: فلأن مادل على وجوب شئ لا يدل على حرمة تركه،
[ 49 ]
بداهة أن الحكم الواحد - وهو الوجوب في المقام - لا ينحل الى حكمين: أحدهما
يتعلق بالفعل والآخر بالترك ليكون تاركه مستحقا لعقابين من جهة تركه الواجب
وارتكابه الحرام، ومن هنا قلنا: إنه لا مفسدة في ترك الواجب ليكون تركه محرما، كما
أنه لا مصلحة في ترك الحرام ليكون واجبا. وعلى الجملة: فمن الواضح جدا أن الأمر بشئ
لا يدل إلا على اعتباره في ذمة المكلف بلا دلالة له على اعتبار حرمة تركه. فالأمر
بالصلاة - مثلا - لا يدل إلا على اعتبار فعلها في ذمة المكلف دون حرمة تركها،
وهكذا... وأما إطلاق المبغوض على ترك الواجب فهو بضرب من العناية والمسامحة، كما أن
إطلاق المحبوب على ترك الحرام كذلك. وقد تحصل من ذلك بشكل واضح: أنه لا ملازمة بين
اعتبار شئ في ذمة المكلف واعتبار حرمة نقيضه لا عقلا ولا شرعا. ونتيجة مجموع ما
ذكرناه نقطتان: الاولى: أن الأمر بشئ لا يقتضي النهي عن ضده العام، لا بنحو العينية
أو الجزئية ولا بنحو اللزوم. الثانية: أن القولين الأولين لا يرجعان الى معنى معقول
دون القول الأخير. هذا تمام كلامنا في الضد العام. الكلام في ثمرة المسألة قد اشتهر
بين الأصحاب: أن الثمرة تظهر فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجب موسع كالصلاة - مثلا
- وواجب مضيق كالإزالة، أو بين واجبين مضيقين أحدهما أهم من الآخر. فعلى القول بعدم
اقتضاء الأمر بالشئ النهي عن ضده يقع الواجب الموسع أو غير الأهم صحيحا، إذ لا
مقتضى لفساده أصلا، فإن المقتضي له إنما هو تعلق النهي به، ولا نهي على الفرض، إذا
يبقى الواجب على حاله من المحبوبية والملاك. وأما على القول بالاقتضاء فيقع فاسدا
إذا كان عبادة، بضم كبرى المسألة
[ 50 ]
الآتية، وهي: أن النهي في العبادات يوجب الفساد. وقد اورد على هذه الثمرة
بإيرادين متقابلين: أحدهما: ما عن الشيخ البهائي (قدس سره) من بطلان العبادة مطلقا،
حتى على القول بعدم الاقتضاء، وذلك لما يراه (قدس سره) من اشتراط صحة العبادة بتعلق
الأمر بها فعلا، وعلى هذا فلا محالة تفسد عند المزاحمة بالواجب الأهم أو المضيق،
سواء فيه القول بالاقتضاء أو عدمه، ضرورة أن الأمر بشئ لو لم يقتض النهي عن ضده فلا
شبهة في أنه يقتضي عدم الأمر به، لاستحالة تعلق الأمر بالضدين معا، فإذا كانت
العبادة المضادة غير مأمور بها فعلا فلا محالة تقع فاسدة، لفرض أن صحة العبادة
مشروطة بكونها مأمورا بها، وبما أنه لا أمر في المقام على الفرض فلا صحة لها،
لانتفائها بانتفاء شرطها (1). ثانيهما: ما عن جماعة منهم: شيخنا الاستاذ (قدس سره)
من صحة العبادة مطلقا، حتى على القول باقتضاء الأمر بالشئ النهي عن ضده. والوجه في
ذلك: هو أن صحتها على القول بعدم الاقتضاء واضحة، لعدم المقتضي للفساد أصلا، بناء
على ما هو الصحيح من عدم اشتراط صحة العبادة بقصد الأمر، بل المعتبر فيها هو
إضافتها الى المولى بنحو من أنحاء الإضافة. وأما على القول بالاقتضاء فالعبادة
كالصلاة - مثلا - وإن كانت منهيا عنها إلا أن هذا النهي بما أنه نهي غيري نشأ عن
مقدمية تركها أو عن ملازمته لفعل المأمور به في الخارج ولم ينشأ عن مفسدة في متعلقه
فلا يكون موجبا للفساد. ومن هنا قالوا: إن مخالفة الأمر والنهي المقدميين لا توجب
بعدا (2). وسر ذلك: ما سبق من أن النهي الغيري المقدمي لا يكشف عن وجود مفسدة في
متعلقه، وكونه مبغوضا للمولى لئلا يمكن التقرب به، فإن المبعد لا يمكن التقرب به.
وعلى ضوء ذلك فالعبادة باقية على ما كانت عليه من المصلحة والمحبوبية
(1) انظر زبدة الاصول: ص 82 بحث الضد. (2) فوائد الاصول ج 1 ص 315، واجود التقريرات
ج 1 ص 264. (*)
[ 51 ]
الذاتية الصالحة للتقرب بها، والنهي المتعلق بها - بما أنه غيري - لا يمنع عن
التقرب بها. وعلى الجملة: فبناء على ما هو الصحيح من عدم اشتراط صحة العبادة بقصد
الأمر وكفاية قصد الملاك فصحتها عندئذ تدور مدار تحقق الملاك بلا فرق بين القول
بالاقتضاء والقول بعدمه، وبما أنها واجدة للملاك على كلا القولين فهي تقع صحيحة،
إذا فلا ثمرة. أقول: أما الإيراد الأول فيرده ما ذكرناه في بحث التعبدي والتوصلي
مفصلا (1)، وسنتعرض لذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى - أيضا: من أن المعتبر في
صحة العبادة هو قصد القربة بأي وجه تحقق، لا خصوص قصد الأمر، لعدم دليل خاص يدل
عليه، إذا لا فرق بنظر العقل في حصول التقرب بين وجود الأمر وعدمه إذا كان الفعل
واجدا للملاك وقصد التقرب به. وأما الإيراد الثاني: فيظهر حاله مما سنبينه (2) إن
شاء الله تعالى. فنقول: تحقيق الحال في الثمرة المزبورة يستدعي الكلام في مقامين:
الأول: فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجب موسع كالصلاة - مثلا - وواجب مضيق
كالإزالة. الثاني: فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجبين مضيقين أحدهما أهم من الآخر،
كما إذا وقعت المزاحمة بين الصلاة في آخر الوقت والإزالة بحيث لو اشتغل بالإزالة
فاتته الصلاة. أما الكلام في المقام الأول: فقد اختار المحقق الثاني (قدس سره) (3)
- وتبعه
(1) تقدم في ج 1 من المحاضرات ص 179 وما بعدها فراجع. (2) سوف يأتي بيانه في البحث
التالي فانتظر. (3) انظر جامع المقاصد: ج 5 ص 12 كتاب الدين، المطلب الأول قال (قدس
سره) في ذيل كلام العلامة (قدس سره): (ولا تصح صلاته في أول وقتها... مع المطالبة):
لأن الأمر بالأداء على الفور يقتضي النهي عن ضده، والنهي في العبادة يقتضي الفساد،
وكل من المقدمتين تبين في الاصول، وفي الاولى كلام... الى آخره. (*)
[ 52 ]
جماعة (1) من المحققين - تحقق الثمرة فيه، فعلى القول بالاقتضاء تقع العبادة
فاسدة، وعلى القول بعدمه تقع صحيحة. بيان ذلك: أنا قد ذكرنا في بحث تعلق الأوامر
بالطبائع أو الأفراد: أن الصحيح هو تعلقها بالطبائع الملغاة عنها جميع الخصوصيات
والتشخصات دون الأفراد (2)، وعلى هذا فالمأمور به هو الطبيعة المطلقة، ومقتضى إطلاق
الأمر بها ترخيص المكلف في تطبيق تلك الطبيعة على أي فرد من أفرادها شاء تطبيقها
عليه من الأفراد العرضية والطولية، ولكن هذا إنما يكون فيما إذا لم يكن هناك مانع
عن التطبيق، وأما إذا كان مانع عنه - كما إذا كان بعض أفرادها منهيا عنه - فلا
محالة يقيد إطلاق الأمر المتعلق بالطبيعة بغير هذا الفرد المنهي عنه، لاستحالة
انطباق الواجب على الحرام. ويترتب على ذلك: أنه بناء على القول باقتضاء الأمر بشئ
النهي عن ضده كان الفرد المزاحم من الواجب المطلق منهيا عنه فيقيد به إطلاق الأمر
به، كما هو الحال في بقية موارد النهي عن العبادات، لاستحالة أن يكون الحرام مصداقا
للواجب، ونتيجة ذلك التقييد: هي وقوعه فاسدا بناء على عدم كفاية اشتماله على الملاك
في الصحة. أو فقل: إن الأمر بالشئ لو كان مقتضيا للنهي عن ضده كان الفرد المزاحم
منهيا عنه لا محالة، وعليه فلا يجوز تطبيق الطبيعة المأمور بها عليه، وبضميمة
المسألة الآتية، وهي: أن النهي في العبادات يوجب الفساد يقع فاسدا. وأما بناء على
القول بعدم الاقتضاء فغاية ما يقتضيه الأمر بالواجب المضيق هو عدم الأمر بالفرد
المزاحم، لاستحالة الأمر بالضدين معا، وهذا لا يقتضي فساده. والوجه في ذلك: ما عرفت
من أن متعلق الوجوب صرف وجود الطبيعة،
(1) هو الظاهر من المحقق الخراساني في الكفاية: ص 165، والمحقق الإصفهاني في نهاية
الدراية: ج 1 ص 247 ط قديم. (2) سوف يأتي في أوائل ج 4 من المحاضرات فانتظر. (*)
[ 53 ]
وخصوصية الأفراد جميعا خارجة عن حيز الأمر، والمفروض أن القدرة على صرف الوجود
منها تحصل بالقدرة على بعض وجوداتها وأفرادها وإن لم يكن بعضها الآخر مقدورا. ومن
الواضح أن التكليف غير مشروط بالقدرة على جميع أفرادها العرضية والطولية، ضرورة أنه
ليست طبيعة تكون مقدورة كذلك، وعليه فعدم القدرة على فرد خاص من الطبيعة المأمور
بها - وهو الفرد المزاحم بالأهم - لا ينافي تعلق الأمر بها، فإن المطلوب هو صرف
وجودها، وهو يتحقق بإيجاد فرد منها في الخارج، فالقدرة على إيجاد فرد واحد منها كاف
في تعلق الأمر بها. وعلى هذا الضوء يصح الإتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر
بالطبيعة المأمور بها، لانطباق تلك الطبيعة عليه كانطباقها على بقية الأفراد، ضرورة
أنه لا فرق بينه وبين غيره من الأفراد من هذه الجهة أصلا. وبتعبير آخر: أنه لا موجب
لتقييد إطلاق المأمور به على هذا القول بغير الفرد المزاحم للواجب المضيق، فإن
الموجب لذلك إنما هو تعلق النهي به، وحيث لا نهي على الفرض فلا موجب له أصلا،
وعندئذ فغاية ما يقتضيه الأمر بالواجب المضيق هو عدم الأمر به، ومن الواضح أنه غير
مانع من انطباق الطبيعة المأمور بها عليه، إذ الأفراد جميعا في عدم تعلق الأمر بها
وعدم اتصافها بالواجب على نسبة واحدة، ولا فرق في ذلك بين الفرد المزاحم للواجب
المضيق وغيره، فإن متعلق الأمر الطبيعة الجامعة بين الأفراد بلا دخل شئ من
الخصوصيات والتشخصات فيه، ولذا لا يسري الوجوب منها الى تلك الأفراد. هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى: أن ضابط الامتثال انطباق الطبيعة المأمور بها على الفرد المأتي به
في الخارج. فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي صحة الإتيان بالفرد المزاحم،
لاشتراكه مع بقية الأفراد في كلتا الناحيتين. نعم، يمتاز عنها في ناحية ثالثة، وهي:
أن الفرد المزاحم غير مقدور شرعا،
[ 54 ]
وهو في حكم غير المقدور عقلا، إلا أنها لا تمنع عن الصحة وحصول الامتثال به،
لأن الصحة تدور مدار الناحيتين الاوليين، وهذه الناحية أجنبية عما هو ملاك الصحة،
ضرورة أن المكلف لو عصى الأمر بالواجب المضيق وأتى بهذا الفرد المزاحم لوقع صحيحا،
لانطباق المأمور به عليه. وإن شئت فقل: إن ما كان مزاحما للواجب المضيق وإن كان غير
مقدور شرعا إلا أنه ليس بمأمور به، وما كان مأمورا به ومقدورا للمكلف - وهو صرف
وجود الطبيعة بين المبدأ والمنتهى - غير مزاحم له. وعلى ذلك الأساس صح الإتيان
بالفرد المزاحم، فإن الانطباق قهري والإجزاء عقلي. ونتيجة ما أفاده المحقق الثاني
(قدس سره): هي أن الفرد المزاحم بناء على القول بالاقتضاء حيث إنه كان منهيا عنه
فلا ينطبق عليه المأمور به، وعليه فلا إجزاء لدورانه مدار الانطباق. وبناء على
القول بعدم الاقتضاء حيث إنه ليس بمنهي عنه ينطبق عليه المأمور به فيكون مجزيا. وقد
أورد على هذا التفصيل شيخنا الاستاذ (قدس سره): بأن ذلك إنما يتم بناء على أن يكون
منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف: هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز، إذ على هذا
الأصل يمكن أن يقال: إن العقل لا يحكم بأزيد من اعتبار القدرة على الواجب في الجملة
ولو بالقدرة على فرد منه، فإذا كان المكلف قادرا على الواجب ولو بالقدرة على فرد
واحد منه لا يكون التكليف به قبيحا، وبما أن الواجب الموسع في مفروض الكلام مقدور
من جهة القدرة على غير المزاحم للواجب المضيق من الأفراد فلا يكون التكليف به
قبيحا. وعليه، فعلى القول بالاقتضاء بما أن الفرد المزاحم منهي عنه لا ينطبق عليه
المأمور به فلا يكون مجزيا. وعلى القول بعدم الاقتضاء حيث إنه ليس بمنهي عنه ينطبق
عليه المأمور به فيكون مجزيا. إذا ما ذكره المحقق الثاني (قدس سره) من التفصيل
متين. وأما إذا كان منشأ اعتبار القدرة شرطا للتكليف اقتضاء نفس التكليف ذلك
[ 55 ]
- كما هو الصحيح - لا حكم العقل بقبح تكليف العاجز فلا يتم ما ذكره، ولا يمكن
تصحيح الفرد المزاحم بقصد الأمر أصلا. فها هنا دعويان: الاولى: أن منشأ اعتبار
القدرة في متعلق التكليف اقتضاء نفس التكليف ذلك لا حكم العقل. الثانية: أن التفصيل
المزبور لا يتم على هذا الأصل. أما الدعوى الاولى: فلأن الغرض من التكليف جعل
الداعي للمكلف نحو الفعل. ومن الواضح أن هذا المعنى بنفسه يستلزم كون متعلقه
مقدورا، لاستحالة جعل الداعي نحو الممتنع عقلا أو شرعا. فإذا كان التكليف بنفسه
مقتضيا لاعتبار القدرة في متعلقه فلا تصل النوبة الى حكم العقل بذلك، ضرورة أن
الاستناد الى أمر ذاتي في مرتبة سابقة على الاستناد إلى أمر عرضي. وإن شئت فقل: إن
الغرض من البعث انبعاث المكلف نحو الفعل. ومن الواضح امتناع الانبعاث نحو الممتنع
وحصول الداعي له الى إيجاده، فإذا امتنع الانبعاث والداعوية امتنع جعل التكليف لا
محالة. وأما الدعوى الثانية: فهي مترتبة على الدعوى الاولى، وذلك لأن التكليف إذا
كان بنفسه مقتضيا لاعتبار القدرة في متعلقه فلا محالة ينحصر متعلقه بخصوص الأفراد
المقدورة، فتخرج الأفراد غير المقدورة عن متعلقه. وعلى الجملة: فنتيجة اقتضاء نفس
التكليف ذلك - أي اعتبار القدرة - هي أن متعلقه حصة خاصة من الطبيعة، وهي الحصة
المقدورة. وأما الحصة غير المقدورة خارجة عن متعلقه وإن كانت من حصة نفس الطبيعة
إلا أنها ليست من حصتها بما هي مأمور بها، ومتعلقة للتكليف. وعلى ذلك فالفرد
المزاحم بما أنه غير مقدور شرعا - وهو في حكم غير المقدور عقلا - خارج عن حيز
الأمر، ولا يكون مصداقا للطبيعة المأمور بها بما هي مأمور بها، فإن انطباق الطبيعة
المأمور بها عليه يتوقف على عدم تقييدها بالقدرة. وحيث إنها كانت مقيدة بها - على
الفرض - امتنع انطباقها على ذلك الفرد ليحصل به الامتثال.
[ 56 ]
أو فقل: إن الطبيعة إذا كانت مقيدة بالقدرة لا تنطبق على الفرد الفاقد لها،
بداهة عدم إمكان انطباق الحصة المقدورة على أفراد الحصة غير المقدورة، فإن كل طبيعة
تنطبق على أفرادها، ولا تنطبق على أفراد غيرها. وعلى هذا الضوء فلو بنينا على
اشتراط صحة العبادة بتعلق الأمر بها فعلا ليكون الإتيان بها بداعي ذلك الأمر وعدم
كفاية قصد الملاك فلا مناص من الالتزام بفساد الفرد المزاحم على كلا القولين. أما
على القول بالاقتضاء فلأنه متعلق للنهي. وأما على القول بعدم الاقتضاء فلتقييد
الطبيعة المأمور بها بالقدرة المانع من انطباقها عليه (1). وقد تحصل من مجموع ما
أفاده شيخنا الاستاذ (قدس سره) نقطتان: الاولى: عدم تمامية ما ذكره المحقق الثاني
(قدس سره) من التفصيل بين القول بالاقتضاء والقول بعدمه. الثانية: أنه لابد من
الالتزام بتفصيل آخر، وهو: أن منشأ اعتبار القدرة شرطا للتكليف إن كان حكم العقل من
باب قبح تكليف العاجز فما أفاده المحقق الثاني (قدس سره) صحيح، ولا مناص من
الالتزام به. وإن كان اقتضاء نفس التكليف ذلك وأن البعث بذاته يقتضي أن يكون متعلقه
مقدورا - أسواء كان للعقل حكم في هذا الباب أم لم يكن - فلا يتم ما أفاده المحقق
الثاني (قدس سره)، إذ لا ثمرة عندئذ، فإن الفرد المزاحم للواجب المضيق محكوم
بالفساد مطلقا، حتى على القول بعدم الاقتضاء كما عرفت (2). هذا كله بناء على القول
باشتراط صحة العبادة بتعلق الأمر بها فعلا، وعدم كفاية قصد الملاك. وأما إذا بنينا
على كفاية الاشتمال على الملاك في الصحة فلابد من الالتزام بصحة الفرد المزاحم على
كلا القولين، لأنه تام الملاك حتى بناء على القول بكونه
(1) انظر فوائد الاصول ج 1 ص 314 واجود التقريرات ج 1 ص 264. (2) تقدم انفا. (*)
[ 57 ]
منهيا عنه، وذلك لأن النهي المانع عن صحة العبادة والتقرب بها إنما هو النهي
النفسي، فإنه يكشف عن وجود مفسدة في متعلقه موجبة لاضمحلال ما فيه من المصلحة
الصالحة للتقرب بفعل يكون مشتملا عليها، دون النهي الغيري فإنه لا يكشف عن وجود
مفسدة في متعلقه ليكشف عن عدم تمامية ملاك الأمر. أو فقل: إن النهي النفسي بما أنه
ينشأ من مفسدة في متعلقه فيكون مانعا عن التقرب به لا محالة، والنهي الغيري بما أنه
لم ينشأ من مفسدة في متعلقه بل ينشأ من أمر آخر فلا محالة لا يكون مانعا عن التقرب،
لأن متعلقه باق على ما كان عليه من الملاك الصالح للتقرب به، هذا من ناحية. ومن
ناحية اخرى قد ذكرنا في بحث التعبدي والتوصلي: أن قصد الملاك كاف في صحة العبادة،
وأن صحتها لا تتوقف على قصد الأمر بخصوصه، لعدم دليل يدل على اعتبار أزيد من قصد
التقرب بالعمل في وقوعه عبادة، وهو إضافته الى المولى بنحو من أنحاء الإضافة. وأما
تطبيق ذلك على قصد الأمر أو غيره من الدواعي القربية فإنما هو بحكم العقل (1). ومن
الواضح أنه لا فرق بنظر العقل في حصول التقرب بين قصد الأمر وقصد الملاك، فهما من
هذه الناحية على نسبة واحدة. فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي صحة الفرد
المزاحم مطلقا حتى على القول بالاقتضاء. وقد تحصل من ذلك: أن ما أفاده المحقق
الثاني (قدس سره) من التفصيل بين القولين كما لا يتم على القول باشتراط صحة العبادة
بقصد الأمر - كما عرفت (2) - كذلك لا يتم على القول بكفاية قصد الملاك، فإن الصغرى
- وهي: كون الفرد المزاحم تام الملاك - ثابتة، والكبرى - وهي كفاية قصد الملاك -
محرزة، فالنتيجة من ضم الصغرى الى الكبرى: هي صحة الفرد المزاحم حتى بناء على كونه
منهيا عنه.
(1) راجع الجزء الثاني من المحاضرات ص 179 وما بعدها. (2) تقدم آنفا فلاحظ. (*)
[ 58 ]
ونلخص ما أفاده (قدس سره) في عدة نقاط: الاولى: فساد ما اختاره المحقق الثاني
(قدس سره) من التفصيل بين القولين مطلقا، أي: سواء القول فيه باشتراط صحة العبادة
بقصد الأمر وعدم كفاية قصد الملاك، أو القول بعدم اشتراط صحتها بذلك، وكفاية قصد
الملاك كما مر (1). الثانية: أن منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف إنما هو
اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار، لا حكم العقل بقبح تكليف العاجز، ضرورة أن
الاستناد الى أمر ذاتي سابق على الاستناد الى أمر عرضي. الثالثة: ان الفرد المزاحم
- هنا - تام الملاك، وأن قصد الملاك كاف في صحة العبادة. الرابعة: أن المانع من صحة
العبادة والتقرب بها إنما هو النهي النفسي لا النهي الغيري، لأن النهي الغيري لا
ينشأ من مفسدة في متعلقه ليكون كاشفا عن عدم تمامية ملاك الأمر. ولنأخذ الآن بدرس
هذه النقاط: أما النقطة الاولى فيرد عليها: أن ما أفاده (قدس سره) من التفصيل بين
القول: بأن منشأ اعتبار القدرة شرطا للتكليف هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز،
والقول: بأن منشأ اعتباره اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار - فيسلم ما ذكره المحقق
الثاني (قدس سره) على الأول دون الثاني - لا يرجع الى معنى محصل، بناء على ما
اختاره (قدس سره) من استحالة الواجب المعلق، وتعلق الوجوب بأمر متأخر مقدور في ظرفه
(2). بيان ذلك: أن الأمر في الواجب الموسع وإن تعلق بالطبيعة وبصرف الوجود منها إلا
أنه أيضا مشروط بالقدرة عليها. ومن الواضح أن القدرة عليها لا يمكن، إلا بأن يكون
بعض وجوداتها وأفرادها - ولو كان واحدا منها - مقدورا للمكلف. وأما لو كان جميع
أفرادها ووجوداتها غير مقدور له ولو كان ذلك في زمان واحد دون بقية الأزمنة فلا
يمكن تعلق التكليف بنفس الطبيعة وبصرف وجودها في ذلك
(1) تقدم آنفا فلاحظ. (2) انظر فوائد الاصول: ج 1 ص 186. (*)
[ 59 ]
الزمان الذي فرضنا أن الطبيعة غير مقدورة فيه بجميع أفرادها، إلا على القول
بصحة الواجب المعلق، وحيث إن الواجب الموسع في ظرف مزاحمته مع الواجب المضيق غير
مقدور بجميع أفراده، فلا يعقل تعلق الطلب به عندئذ ليكون انطباقه على الفرد المزاحم
في الخارج قهريا وإجزاؤه عن المأمور به عقليا إلا بناء على صحة تعلق الطلب بأمر
متأخر مقدور في ظرفه، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون منشأ اعتبار القدرة في متعلق
التكليف حكم العقل بقبح تكليف العاجز، وأن يكون منشؤه اقتضاء نفس التكليف ذلك
الاعتبار. وبتعبير ثان: أنه بناء على اشتراط صحة العبادة بوجود الأمر فعلا،
والإغماض عما سنتعرض له من صحة تعلق الأمر بالضدين على نحو الترتب (1) فإن ما أفاده
شيخنا الاستاذ (قدس سره) إنما يتم بناء على إمكان تعلق الوجوب بأمر متأخر على نحو
الواجب المعلق، إذ على ذلك لا مانع من تعلق الأمر بالعبادة الموسعة في حال مزاحمتها
بالواجب المضيق على نحو يكون الوجوب فعليا والواجب أمرا استقباليا، لاستحالة تعلق
الأمر بها على نحو يكون الواجب أيضا حاليا، لأنها في تلك الحال غير مقدورة للمكلف
بجميع أفرادها. وأما بناء على وجهة نظره (قدس سره) من استحالة الواجب المعلق وعدم
إمكان تعلق الطلب بأمر استقبالي مقدور في ظرفه فلا مناص من القول بفساد الفرد
المزاحم مطلقا، حتى على القول بأن منشأ اعتبار القدرة هو الحكم العقلي المزبور،
وذلك لعدم إمكان طلب صرف وجود الطبيعة المأمور بها المزاحمة بالواجب المضيق عندئذ
ليكون انطباقه على ما أتى به المكلف في الخارج قهريا، والأجزاء عقليا. فالنتيجة: أن
ما ذكره شيخنا الاستاذ (قدس سره) من التفصيل بين القول بأن منشأ اعتبار القدرة في
صحة التكليف هو حكم العقل والقول بأن منشأه اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار فعلى
الفرض الأول تظهر الثمرة في المسألة دون الفرض الثاني غير تام على مسلكه (قدس سره)،
وأما على مسلك من يرى صحة الواجب المعلق فلا بأس به.
(1) سيأتي بيانه في ص 90 وما بعدها. (*)
[ 60 ]
نعم، إذا كان للواجب أفراد عرضية وكان بعض أفراده مزاحما بواجب مضيق دون جميعها
لتم ما أفاده (قدس سره)، إذ - حينئذ - يصح الإتيان بالفرد المزاحم بداعي امتثال
الأمر المتعلق بالطبيعة المقدورة بالقدرة على بعض أفرادها، بناء على القول بأن منشأ
اعتبار القدرة هو حكم العقل بقبح خطاب العاجز، كما إذا وقعت المزاحمة بين بعض
الأفراد العرضية للصلاة - مثلا - وإنقاذ الغريق كما في مواضع التخيير بين القصر
والإتمام، فإنه قد يفرض أن الصلاة تماما مزاحمة مع الإنقاذ، لعدم قدرة المكلف على
الجمع بينهما في مقام الامتثال دون الصلاة قصرا فيما إذا تمكن المكلف من الجمع
بينها وبين الإنقاذ، ففي هذا الفرض وإن كان اللازم على المكلف الإتيان بالصلاة
قصرا، لئلا يفوت منه الواجب المضيق، ولا يجوز له اختيار فرد آخر منها في مقام
الامتثال وهو الصلاة تماما، لأن اختياره يوجب تفويت الواجب الأهم، ولكن إذا عصى
الواجب الأهم واختار ذلك الفرد فلا مناص من الالتزام بصحته، لانطباق الطبيعة
المأمور بها، وهي: طبيعي الصلاة الجامع بين القصر والتمام عليه، لفرض كون تلك
الطبيعة مقدورة بالقدرة على فرد منها، فإذا كانت مقدورة فلا مانع من تعلق الأمر بها
بناء على أن منشأ اعتبار القدرة هو حكم العقل. إذا صح الإتيان بالفرد المزاحم بداعي
الأمر بالطبيعة. نعم، بناء على القول بأن منشأ اعتبار القدرة اقتضاء نفس التكليف
ذلك الاعتبار لم يمكن الحكم بصحة الفرد المزاحم، لعدم انطباق الطبيعة المأمور بها
عليه، إذ على هذا القول - كما عرفت - يكون المأمور به حصة خاصة من الطبيعة، وهي
الحصة المقدورة، ومن الواضح أنها لا تنطبق على الفرد المزاحم. وقد تلخص: أن ما
أفاده شيخنا الاستاذ (قدس سره) من التفصيل وإن تم على هذا الفرض إلا أن ذلك الفرض
خارج عن مورد كلام المحقق الثاني (قدس سره) الذي كان محلا للكلام في المقام، وهو:
ما إذا كان الواجب ذا أفراد طولية وكان بعضها مزاحما بواجب مضيق. ثم لو تنزلنا عن
ذلك وسلمنا أن شيخنا الاستاذ (قدس سره) من القائلين بالواجب
[ 61 ]
المعلق - ويرى جواز تعلق الطلب بأمر متأخر مقدور في ظرفه - إلا أنه مع ذلك لا
يتم ما أفاده، بيان ذلك: أن المطلق المتعلق للطلب لا يخلو: من أن يكون شموليا، وأن
يكون بدليا، والمطلق الشمولي وإن كان خارجا عن محل الكلام في المقام - حيث إن محل
الكلام في المطلق البدلي - إلا أنا نتعرض له لشئ من التوضيح للمقام فنقول: إن
المطلق إذا كان شموليا فلا محالة ينحل الحكم المتعلق به بانحلال أفراده، فيثبت لكل
واحد منها حكم مستقل مغاير للحكم الثابت لفرد آخر، وهذا واضح. وعليه فإذا كان بعض
أفراده مزاحما بواجب مضيق فلا محالة يسقط حكمه من جهة المزاحمة، لكونه غير مقدور
للمكلف شرعا، وما كان كذلك يستحيل تعلق الطلب به، ولا يفرق في ذلك بين القول بأن
منشأ اعتبار القدرة هو حكم العقل، والقول بأن منشأه اقتضاء نفس التكليف ذلك، فإن
الممنوع شرعا كالممتنع عقلا، إذا لا يمكن الحكم بصحة ذلك الفرد المزاحم مع قطع
النظر عما سيجئ من صحة تعلق الأمر بالضدين على نحو الترتب. وأما إذا كان بدليا -
كما هو محل الكلام في المقام - فبناء على ما هو الصحيح من أن الأوامر متعلقة
بالطبائع دون الأفراد فمتعلق الأمر هو صرف وجود الطبيعة الجامع بين الحدين، أو فقل:
الجامع بين الأفراد العرضية والطولية بلا دخل شئ من الخصوصيات والتشخصات الخارجية
فيه. ومن هنا قد ذكرنا غير مرة: أن معنى الإطلاق هو رفض القيود، وعدم دخل شئ منها
في متعلق الحكم واقعا، لا الجمع بينها ودخل الجميع فيه (1). ومن الواضح جدا أن وجوب
شئ كذلك لا ينافي وجوب شئ آخر في عرضه، ضرورة أنه لا منافاة بين وجوب الصلاة - مثلا
- في مجموع وقتها - وهو ما بين الزوال والمغرب - وبين وجوب الإزالة أو إنقاذ الغريق
أو نحو ذلك في ذلك
(1) منها: ما تقدم في ج 2 ص 172 - 173. (*)
[ 62 ]
الوقت، إذ المفروض أن المطلوب إنما هو صرف وجود الصلاة في مجموع هذه الأزمنة لا
في جميعها، ومن المعلوم أنه يكفي في كونه مقدورا للمكلف القدرة على فرد واحد منها،
وإذا كان مقدورا صح تعلق الطلب به، سواء أكان هناك واجب آخر في تلك الازمنة أم لم
يكن، فإن وجوب واجب آخر إنما ينافي وجوب الصلاة إذا كان وجوبها في جميع تلك الأزمنة
لا في مجموعها، والمفروض أنها ليست بواجبة في كل من تلك الأزمنة لينافي وجوبها وجوب
واجب آخر، بل هي واجبة في المجموع، وعليه فلا ينافيه وجوب شئ آخر في زمان خاص. نعم،
وجوب واجب آخر ينافي ترخيص انطباق صرف وجود الطبيعة على الفرد في ذلك الزمان، ولا
يفرق في ذلك بين القول بأن منشأ اعتبار القدرة في فعلية التكليف هو حكم العقل، أو
اقتضاء نفس التكليف ذلك، إذ على كلا القولين لو عصى المكلف الأمر بالواجب المضيق
وأتى بالفرد المزاحم به صح، لانطباق المأمور به عليه. والسر في ذلك: أن التكليف
بنفسه لا يقتضي أزيد من أن يكون متعلقه مقدورا ولو بالقدرة على فرد منه لئلا يكون
البعث نحوه لغوا وممتنعا، لأن الغرض منه جعل الداعي له ليحرك عضلاته نحو الفعل
بالإرادة والاختيار. ومن الواضح أن جعل الداعي الى إيجاد الطبيعة المقدورة ولو
بالقدرة على فرد منها بمكان من الوضوح. وبتعبير آخر: أن الشارع لم يأخذ القدرة في
متعلق أمره على الفرض، بل هو مطلق من هذه الجهة، غاية ما في الباب أن التكليف
المتعلق به يقتضي أن يكون مقدورا من جهة أن الغرض منه جعل الداعي الى إيجاده، وجعل
الداعي نحو الممتنع عقلا أو شرعا ممتنع. ومن الواضح أن ذلك لا يقتضي أزيد من إمكان
حصول الداعي للمكلف، وهو يحصل من التكليف المتعلق بالطبيعة المقدورة بالقدرة على
فرد منها، لتمكنه من إيجادها في الخارج، ولا يكون ذلك التكليف
[ 63 ]
لغوا وممتنعا عندئذ. فإذا فرض أن الصلاة - مثلا - مقدورة في مجموع وقتها - وإن
لم تكن مقدورة في جميعها - فلا يكون البعث نحوها وطلب صرف وجودها في مجموع هذا
الوقت لغوا. وعليه فلا مقتضي للالتزام بأن متعلقه حصة خاصة من الطبيعة، وهي الحصة
المقدورة، فإن المقتضي له ليس إلا توهم أن الغرض من التكليف حيث إنه جعل الداعي
فجعل الداعي نحو الممتنع غير معقول، ولكنه غفلة عن الفارق بين جعل الداعي نحو
الممتنع، وجعل الداعي نحو الجامع بين الممتنع والممكن، والذي لا يمكن جعل الداعي
نحوه هو الأول دون الثاني، فإن جعل الداعي نحوه من الوضوح بمكان. فالنتيجة على ضوء
هذا البيان: أنه يصح الإتيان بالفرد المزاحم بداعي امتثال الأمر بالطبيعة، من دون
فرق بين القول بأن منشأ اعتبار القدرة هو حكم العقل، أو اقتضاء نفس التكليف ذلك.
ولو تنزلنا عن ذلك أيضا وسلمنا الفرق بين القولين فمع هذا لا يتم ما أفاده بناء على
ما اختاره (قدس سره): من أن التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة،
فكل ما لم يكن المورد قابلا للتقييد لم يكن قابلا للإطلاق، فإذا كان التقييد
مستحيلا في مورد كان الإطلاق أيضا مستحيلا فيه، لأن استحالة أحدهما تستلزم استحالة
الآخر. وفيما نحن فيه بما أن تقييد الطبيعة المأمور بها بخصوص الفرد المزاحم مستحيل
فإطلاقها بالإضافة إليه أيضا مستحيل، حتى على القول بأن منشأ اعتبار القدرة هو حكم
العقل. وبالنتيجة: لا يمكن الحكم بصحة الفرد المزاحم، لعدم إطلاق للمأمور به ليكون
الإتيان به بداعي أمره حتى على القول بصحة الواجب المعلق. نعم، بناء على ما حققناه
في بحث التعبدي والتوصلي: من أن التقابل بينهما ليس من تقابل العدم والملكة، بل من
تقابل التضاد، ولذلك قلنا: إن استحالة تقييد
[ 64 ]
متعلق الحكم أو موضوعه بقيد خاص تستلزم كون الإطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد
ضروريا يصح الإتيان به بداعي الأمر بالطبيعة، بناء على جواز تعلق الوجوب بأمر متأخر
مقدور في ظرفه كما هو المفروض (1). وقد ذكرنا هناك: أن ما أفاده شيخنا الاستاذ (قدس
سره) من أن التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة لا يمكن تصديقه
بوجه. وقد فصلنا الحديث من هذه الناحية هناك فلا نعيد في المقام. فالنتيجة لحد الآن
قد أصبحت: أن ما ذكره شيخنا الاستاذ (قدس سره) من التفصيل بين اعتبار القدرة عقلا
واعتبارها باقتضاء نفس التكليف في المقام لا يرجع الى معنى صحيح. فالصحيح: هو ما
ذهب إليه المحقق الثاني (قدس سره) من تحقق الثمرة بين القولين في المسألة، وهي: صحة
العبادة بناء على القول بعدم الاقتضاء، وفسادها بناء على القول بالاقتضاء، مع قطع
النظر عما سيجئ - إن شاء الله تعالى - من صحة تعلق الأمر بالضدين بناء على القول
بالترتب (2). ولكن الذي يرد هنا: هو أن مقامنا هذا - أي: التزاحم بين الإتيان بواجب
موسع وواجب مضيق - غير داخل في كبرى مسألة التزاحم بين الحكمين أصلا. والوجه في
ذلك: هو أن التنافي بين الحكمين: إما أن يكون في مقام الجعل والإنشاء فلا يمكن جعل
كليهما معا، وإما أن يكون في مقام الامتثال والفعلية مع كمال الملاءمة بينهما بحسب
مقام الجعل، ولا ثالث لهما. ومنشأ الأول: إما العلم الإجمالي بكذب أحدهما في الواقع
مع عدم التنافي بينهما ذاتا، أو ثبوت التنافي بينهما بالذات والحقيقة على وجه
التناقض أو التضاد. ولذا قالوا: التعارض تنافي مدلولي الدليلين بحسب مقام الإثبات
والدلالة على وجه التناقض أو التضاد بالذات أو بالعرض.
(1) قد تقدم في ج 2 ص 172 وما بعدها. (2) سيأتي تفصيله في 90 وما بعدها فانتظر. (*)
[ 65 ]
ومنشأ الثاني: عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال والفعلية،
فإن صرف قدرته على امتثال أحدهما عجز عن الثاني، فينتفي بانتفاء موضوعه وهو القدرة.
ولذا قالوا: التزاحم تنافي الحكمين بحسب مقام الفعلية والامتثال، مع عدم المنافاة
بينهما بحسب مقام الجعل والإنشاء. وأما إذا لم يكن بين حكمين تناف لا بحسب مقام
الجعل ولا بحسب مقام الفعلية والامتثال لم يكونا داخلين، لا في باب التعارض، ولا في
باب التزاحم، لانتفاء ملاك كلا البابين فيهما. ومقامنا من هذا القبيل، ضرورة أنه لا
تنافي بين واجب موسع وواجب مضيق أبدا، لا في مقام الجعل كما هو واضح، ولا في مقام
الامتثال، لتمكن المكلف من امتثال كلا الواجبين معا من دون أية منافاة ومزاحمة في
البين، فيقدر على إتيان الصلاة والإزالة معا، أو الصلاة وإنقاذ الغريق من دون
مزاحمة بينهما أصلا. وسر ذلك: أن ما هو مزاحم للواجب المضيق أو الأهم ليس بمأمور
به، وما هو مأمور به - وهو الطبيعي الجامع بين المبدأ والمنتهى - ليس بمزاحم له،
وهذا ظاهر. ثم إنه لا يخفى أن ما ذكرناه: من أنه لا تزاحم بين الواجب الموسع
والمضيق لا ينافي ما ذكره المحقق الثاني (قدس سره) من الثمرة بين القولين في
المسألة، فإن دخول المقام تحت كبرى التزاحم وعدم دخوله تحت تلك الكبرى أجنبيان عن
ظهور تلك الثمرة تماما كما لا يخفى. وأما النقطة الثانية - وهي: اقتضاء نفس التكليف
اعتبار القدرة في متعلقه - فهي مبنية على ما هو المشهور: من أن المنشأ بصيغة الأمر
أو ما شاكلها إنما هو الطلب والبعث نحو الفعل الإرادي، والطلب والبعث التشريعيين:
عبارة عن تحريك عضلات العبد نحو الفعل بإرادته واختياره، وجعل الداعي له لأن يفعل
في الخارج ويوجده، ومن الضروري أن جعل الداعي إنما يمكن في خصوص الفعل الاختياري.
إذا نفس التكليف مقتض لاعتبار القدرة في متعلقه بلا حاجة الى حكم العقل في ذلك.
[ 66 ]
أقول: قد ذكرنا في بحث صيغة الأمر (1)، وكذا في بحث الإنشاء والإخبار (2): أن
ما هو المشهور من أن الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ لا أساس له أصلا. والوجه في ذلك:
ما ذكرناه هناك، وملخصه: أن المراد بإيجاد المعنى باللفظ ليس الإيجاد التكويني
بالضرورة، فإن اللفظ غير واقع في سلسلة علل الموجودات التكوينية، بداهة أنها توجد
بأسبابها وعللها الخاصة، واللفظ ليس من جملتها. وكذا ليس المراد منه الإيجاد
الاعتباري، فإن الاعتبار خفيف المؤنة فيوجد في نفس المعتبر بمجرد اعتباره، سواء
أكان هناك لفظ تكلم به المعتبر أم لم يكن، فلا يتوقف وجوده الاعتباري على اللفظ
أبدا. إذا لا يرجع الإنشاء بهذا المعنى الى محصل. فالتحقيق: هو ما ذكرناه سابقا من
أن حقيقة التكليف: عبارة عن اعتبار المولى كون الفعل على ذمة المكلف وإبرازه في
الخارج بمبرز ما من صيغة الأمر أو ما شاكلها، ولا نتصور للتكليف معنى غير ذلك، كما
أنا لا نتصور للإنشاء معنى ما عدا إبراز ذلك الأمر الاعتباري (3). وعلى الجملة:
فإذا حللنا الأمر بالصلاة - مثلا - أو غيرها نرى أنه ليس في الواقع إلا اعتبار
الشارع كون الصلاة على ذمة المكلف، وإبراز ذلك بمبرز في الخارج: ككلمة " صل " أو
نحوها، ولا نتصور شيئا آخر غير هذين الأمرين: 1 - اعتبار الفعل على ذمة المكلف. 2 -
إبراز ذلك بمبرز في الخارج، نسميه بالطلب تارة، وبالبعث اخرى، وبالوجوب ثالثة. ومن
هنا قلنا: إن الصيغة لا تدل على الوجوب، وإنما هي تدل على إبراز الأمر الاعتباري
القائم بالنفس، ولكن العقل ينتزع منه الوجوب، ولزوم الامتثال بمقتضى قانون العبودية
والمولوية ما لم تنصب قرينة على الترخيص في الترك،
(1 و 2) قد تقدم تفصيله في ج 2 ص 120. (3) تقدم في ج 1 من المحاضرات ص 99. (*)
[ 67 ]
فالوجوب إنما هو بحكم العقل، ومن لوازم إبراز شئ على ذمة المكلف إذا لم تكن
قرينة على الترخيص. وأما الطلب فقد ذكرنا: أنه عبارة عن التصدي لتحصيل شئ في
الخارج، فلا يقال طالب الضالة إلا لمن تصدى لتحصيلها في الخارج. وعلى ضوء ذلك:
فصيغة الأمر أو ما شاكلها من أحد مصاديق هذا الطلب، لا أنه مدلول لها، فإن الآمر
يتصدى بها لتحصيل مطلوبه في الخارج، فهي من أظهر مصاديق الطلب. وعلى هدي ذلك البيان
قد ظهر: أنه لا مقتضي لاختصاص الفعل بالحصة المقدورة، فإن اعتبار المولى الفعل على
عهدة المكلف وذمته لا يقتضي ذلك بوجه، ضرورة أنه لا مانع من اعتبار الجامع بين
المقدور وغير المقدور على عهدته أصلا، وإبراز المولى ذلك الأمر الاعتباري النفساني
بمبرز في الخارج أيضا لا يقتضي ذلك، بداهة أنه ليس إلا مجرد إبراز وإظهار اعتبار
كون المادة على ذمة المكلف، وهو أجنبي تماما عن اشتراط التكليف بالقدرة وعدم
اشتراطه بها. فالنتيجة: أنه لا مقتضي من قبل نفس التكليف لاعتبار القدرة في متعلقه
أبدا، وأما العقل فقد ذكرنا: أنه لا يقتضي اعتبار القدرة إلا في ظرف الامتثال،
وعليه فإذا لم يكن المكلف قادرا حين جعل التكليف وصار قادرا في ظرف الامتثال صح
التكليف ولم يكن قبيحا عنده، فإن ملاك حكم العقل - باعتبار القدرة في ظرف الامتثال
وفي موضوع حكمه، وهو لزوم إطاعة المولى وامتثال أمره ونهيه بمقتضى قانون العبودية
والمولوية - إنما هو قبح توجيه التكليف الى العاجز عنه في مرحلة الامتثال، فالعبرة
إنما هي بالقدرة في تلك المرحلة، سواء أكان قبلها قادرا أم لم يكن، فوجود القدرة
قبل تلك المرحلة وعدمه على نسبة واحدة بالقياس الى حكم العقل، وهذا ظاهر. ونتيجة
مجموع ما ذكرناه أمران: الأول: أن القدرة ليست شرطا للتكليف ومأخوذة في متعلقه، لا
باقتضاء نفسه ولا بحكم العقل.
[ 68 ]
الثاني: أنها شرط لحكم العقل بلزوم الامتثال والإطاعة ومأخوذة في موضوع حكمه،
إذا فلا مقتضي لاختصاص الفعل بالحصة الاختيارية أصلا. قد يتوهم أن تعلق التكليف
بالجامع بين المقدور وغيره وإن لم يكن مستحيلا ولكنه لغو محض، إذ المكلف لا ينبعث
إلا نحو المقدور، ولا يتمكن إلا من إيجاده، إذا ما هي فائدة تعلقه بالجامع ؟ ويرده
ما ذكرناه هناك: من أن فائدته سقوط التكليف عن المكلف بتحقق فرد منه في الخارج بغير
اختياره وإرادته، لانطباق الجامع عليه، وحصول الغرض القائم بمطلق وجوده به، ولا
يفرق بينه وبين الفرد الصادر منه باختياره وإرادته في حصول الغرض وسقوط التكليف،
لأن مناط ذلك انطباق الطبيعي المأمور به على الفرد الخارجي، وهو مشترك فيه بين
الفرد الصادر منه بالاختيار والصادر منه بغيره (1). وقد تبين لحد الآن: أنه لا مانع
من تعلق التكليف بالجامع بين الحصة المقدورة وغيرها أصلا. أضف الى ذلك ما تقدم
آنفا: من أنا لو سلمنا أن منشأ اعتبار القدرة اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار لم
يكن مقتض لاختصاص المتعلق بخصوص الحصة الاختيارية كما سبق ذلك بصورة مفصلة، فلا
حاجة الى الإعادة. وأما النقطة الثالثة - وهي: أن الفرد المزاحم للواجب المضيق تام
الملاك مطلقا حتى على القول بالاقتضاء. وأن قصد الملاك يكفي في وقوع الشئ عبادة -
فهي تتوقف على إثبات هاتين المقدمتين: إحداهما: كبرى القياس، والاخرى: صغراه. أما
المقدمة الاولى - وهي كبرى القياس - فلا إشكال فيها، وذلك لما حققناه في بحث
التعبدي والتوصلي: من أن المعتبر في صحة العبادة هو قصد القربة بأي وجه تحقق، سواء
تحقق في ضمن قصد الأمر، أو قصد الملاك، أو غير ذلك من
(1) تقدم في ج 2 ص 144 - 148 من المحاضرات فراجع. (*)
[ 69 ]
الدواعي القربية (1). ولا دليل على اعتبار قصد الأمر خاصة، بل قام الدليل على
خلافه، كما فصلنا الحديث من هذه الناحية هناك. وأما المقدمة الثانية - وهي صغرى
القياس - فقد استدل عليها بوجوه: الأول: ما عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من
دعوى القطع بأن الفرد المزاحم تام الملاك، ولا قصور فيه أصلا. وقال في بيان ذلك ما
ملخصه: إن الفرد المزاحم للواجب المضيق أو الأهم وإن كان خارجا عن الطبيعة المأمور
بها بما هي مأمور بها إلا أنه لما كان وافيا بغرضها - كالباقي من أفرادها - كان
عقلا مثله في الإتيان به بداعي الأمر بالطبيعة في مقام الامتثال، بلا تفاوت في نظر
العقل بينه وبين بقية الأفراد من هذه الجهة أصلا. نعم، إنه يفترق عن البقية في أنه
خارج عن الطبيعة المأمور بها بما هي كذلك، والبقية داخلة فيها. وهذا ليس لقصور فيه
ليكون خروجه عنها من باب التخصيص وعدم الملاك، بل لعدم إمكان تعلق الأمر بما يعمه
عقلا. وعلى كل حال فالعقل لا يرى تفاوتا بينه وبين غيره من الأفراد في الوفاء بغرض
الطبيعة أصلا، وأنه كالبقية تام الملاك ولا قصور فيه أبدا (2). وغير خفي أنا قد
ذكرنا غير مرة: أنه لا طريق لنا الى إحراز ملاكات الأحكام الواقعية وجهات المصالح
والمفاسد في متعلقاتها مع قطع النظر عن ثبوت تلك الأحكام. نعم، في لحظة ثبوتها
نستكشف اشتمال متعلقاتها على الملاك بناء على ما هو الصحيح من تبعية الأحكام لما في
متعلقاتها من المصالح والمفاسد الواقعيتين. وأما إذا سقطت تلك الأحكام فلا يمكننا
إحراز أن متعلقاتها باقية على ما كانت عليه من الاشتمال على الملاك، إذ كما نحتمل
أن يكون سقوطها من جهة المانع مع ثبوت المقتضي لها نحتمل أن يكون من جهة انتفاء
المقتضي وعدم ثبوته، فلا ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر.
(1) راجع ج 2 ص 179 - 184. (2) انظر كفاية الاصول: ص 168. (*)
[ 70 ]
وعلى الجملة: فالعلم بوجود مصلحة في فعل أو مفسدة تابع لتعلق الأمر أو النهي
به، فمع قطع النظر عنه لا يمكن العلم بأن فيه مصلحة أو مفسدة. ومن هنا قلنا: إن
الملازمة بين إدراك العقل مصلحة ملزمة غير مزاحمة في فعل أو مفسدة كذلك وحكم الشارع
بوجوبه أو حرمته وإن كانت تامة بحسب الكبرى بناء على وجهة مذهب العدلية كما هو
الصحيح إلا أن الصغرى لها غير متحققة في الخارج، لعدم وجود طريق للعقل الى إدراك
الملاكات الواقعية، فضلا عن أنها غير مزاحمة (1)، وعليه فإذا سقط الأمر أو النهي
عنه فلا يمكن الجزم ببقاء الملاك فيه، وأن سقوط الأمر أو النهي من جهة وجود المانع
لا لأجل انتفاء المقتضي، بل كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون سقوطه من جهة انتفاء
المقتضي. وسر ذلك: هو أن العلم بالملاك معلول للعلم بوجود الأمر، فهو يتبعه في
السعة والضيق، إذ لا يمكن أن تكون دائرة المعلول أوسع من دائرة علته. وعلى ذلك
الأساس فلا يمكن إحراز أن الفرد المزاحم مشتمل على الملاك، فإن الطريق الى إحرازه
هو انطباق الطبيعة المأمور بها بما هي مأمور بها عليه، فإذا لم تنطبق الطبيعة عليه
كما هو المفروض لم يمكن إحراز وجود الملاك فيه ليكون عدم الانطباق مستندا الى عدم
إمكان تعلق الأمر بها على نحو تعمه لا لقصور فيه، إذ من الواضح جدا أنه كما يحتمل
أن يكون عدم الانطباق من جهة وجود المانع مع ثبوت المقتضي له يحتمل أن يكون من جهة
عدم المقتضي وانتفائه، لاحتمال اختصاص الملاك والمقتضي بالأفراد غير المزاحمة
للواجب المضيق أو الأهم، ولا دليل على ترجيح الاحتمال الأول على الثاني. إذا لا
دليل على أن الفرد المزاحم تام الملاك ولا قصور من ناحيته أصلا. وإن شئت فقل: إن
اشتمال الفرد المزاحم على الملاك ليس أمرا وجدانيا وبديهيا لئلا يخفى على أحد ولا
يكون قابلا للشك والترديد.
(1) انظر مصباح الاصول: ج 2 ص 55. (*)
[ 71 ]
وعليه فدعوى: القطع باشتماله على الملاك بدعوى حكم العقل بعدم الفرق بينه وبين
غيره من الأفراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها في غير محلها، ضرورة أن العقل
حاكم بالفرق، وأن الفرد المزاحم ليس كغيره من الأفراد الباقية تحت الطبيعة المأمور
بها. وعلى الجملة: حكم العقل بأن فعلا ما مشتمل على الملاك منوط بأحد أمرين لا ثالث
لهما: الأول: ما إذا كان الشئ بنفسه متعلقا للأمر، فإن تعلق الأمر به يكشف عن وجود
ملاك فيه لا محالة. الثاني: ما إذا كان مصداقا للمأمور به بما هو مأمور به، فإنه
يكشف عن أنه واف بغرض المأمور به وواجد لملاكه. وأما إذا لم يكن هذا ولا ذاك فلا
ملاك لحكمه أصلا. والفرد المزاحم في المقام كذلك - على الفرض - فإنه ليس متعلقا
للأمر ولا مصداقا للمأمور به بما هو مأمور به. إذا فلا يحكم العقل بأن فيه ملاكا
وأنه واف بغرض المأمور به كبقية الأفراد، بل هو حاكم بضرورة التفاوت بينهما في مقام
الامتثال والإطاعة كما هو واضح. الثاني: ما عن جماعة من المتأخرين منهم شيخنا
الاستاذ (قدس سره): من أن سقوط اللفظ عن الحجية بالإضافة الى مدلوله المطابقي لا
يستلزم سقوطه عنها، بالإضافة الى مدلوله الالتزامي، إذ الضرورة تتقدر بقدرها، وهي
تقتضي سقوط الدلالة المطابقية فحسب. إذا فلا موجب لرفع اليد عن الدلالة الالتزامية
(1). وبعبارة واضحة: أن الدلالة الالتزامية وإن كانت تابعة للدلالة المطابقية في
مقام الثبوت والإثبات إلا أنها ليست تابعة لها في الحجية. والوجه في ذلك: هو أن
ظهور اللفظ في معناه المطابقي غير ظهوره في معناه الالتزامي، وكل واحد من الظهورين
حجة في نفسه بمقتضى أدلة الحجية، ولا
(1) انظر فوائد الاصول: ج 4 ص 755 واجود التقريرات ج 1 ص 262 - 269. (*)
[ 72 ]
يجوز رفع اليد عن حجية كل واحد منهما بلا موجب ومقتض، وعليه فإذا سقط ظهور
اللفظ في معناه المطابقي عن الحجية من جهة قيام دليل أقوى على خلافه فلا وجه لرفع
اليد عن ظهوره في معناه الالتزامي، لعدم المانع منه أصلا. ونظير ذلك: ما ذكرناه: من
أنه إذا ورد عام مجموعي كقولنا: " أكرم عشرة من العلماء "، ثم ورد دليل خاص كقولنا:
" لا تكرم أربعة منهم " فلا شبهة في تخصيص الدليل الأول بالثاني بالإضافة الى هؤلاء
الأربعة، ورفع اليد عن ظهوره بالإضافة الى وجوب إكرام المجموع، ولكنه مع ذلك لا
ترفع اليد عن وجوب إكرام الباقي، مع أن الدلالة التضمنية كالدلالة الالتزامية تابعة
للدلالة المطابقية في مقام الثبوت والإثبات. والسر فيه: أن ظهور اللفظ في معناه
المطابقي كما يغاير ظهوره في معناه الالتزامي كذلك يغاير ظهوره في معناه التضمني،
وكل واحد من هذه الظواهر قد ثبت اعتبارها بمقتضى أدلة الحجية، وعندئذ فإذا سقط ظهور
اللفظ في معناه المطابقي عن الحجية من جهة وجود مانع يختص به لا يلزم منه سقوط
ظهوره عن الحجية بالإضافة الى مدلوله الالتزامي أو التضمني، لعدم مانع بالقياس
إليه. إذا كان رفع اليد عنه عند سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية بلا موجب، وهو
غير جائز. وعلى الجملة: بعد ما فرضنا أن كلا من تلك الظواهر حجة في نفسه فرفع اليد
عن كل واحد منها منوط بقيام حجة أقوى على خلافه، ولذلك كان الساقط في المثال
المزبور خصوص الدلالة المطابقية من جهة قيام حجية أقوى على خلافها دون الدلالة
التضمنية. وبعد ذلك نقول: بما أن الأمر في المقام قد تعلق بفعل غير مقيد بحصة خاصة
- وهي الحصة المقدورة - فهو كما يدل على وجوبه مطلقا كذلك يدل على كونه ذا ملاك
كذلك، بناء على تبعية الأحكام لما في متعلقاتها من المصالح والمفاسد الواقعيتين،
غاية الأمر: أن دلالته على وجوبه دلالة بالمطابقة، وعلى كونه ذا ملاك دلالة
بالالتزام.
[ 73 ]
وهذه الدلالة بناء على مسلك العدلية لازمة لدلالة كل دليل دل على وجوب شئ أو
حرمته، أو كراهة شئ أو استحبابه، وعليه فإذا تعلق الأمر بفعل غير مقيد بالقدرة في
مقام الإثبات كشف ذلك عن وجوبه بالدلالة المطابقية، وعن كونه ذا ملاك بالدلالة
الالتزامية، فإذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية لحكم العقل باعتبار القدرة في
فعلية التكليف لم تسقط الدلالة الالتزامية عن الحجية. أو فقل: إن اللازم وإن كان
تابعا للملزوم في مقام الثبوت والإثبات إلا أنه ليس تابعا له في مقام الحجية.
والوجه فيه: هو أن الإخبار عن الملزوم ينحل الى إخبارين: أحدهما: إخبار عن الملزوم،
والآخر: إخبار عن اللازم، ودليل الاعتبار يدل على اعتبار كليهما معا، وعندئذ إذا
سقط الإخبار عن الملزوم عن الحجية من جهة قيام دليل أقوى على خلافه فلا وجه لرفع
اليد عن الإخبار عن اللازم، لعدم المانع له أصلا. وفيما نحن فيه وإن كان كشف الأمر
عن وجود ملاك في فعل تابعا لكشفه عن وجوبه في مقام الإثبات والدلالة إلا أنه ليس
تابعا له في مقام الحجية، فإن حكم العقل باعتبار القدرة في متعلق التكليف أو اقتضاء
نفس التكليف ذلك الاعتبار إنما يصلح للتقييد بالقياس الى الدلالة المطابقية فيوجب
رفع اليد عنها دون الدلالة الالتزامية، ولا موجب لرفع اليد عن إطلاقها أصلا، إذ
المفروض أن كل واحد من الظهورين حجة في نفسه، فرفع اليد عن أحدهما لمانع لا يوجب
رفع اليد عن الآخر، فإن رفع اليد عنه بلا مقتض وسبب. ونتيجة ذلك عدة امور: الأول:
أن الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثا لا بقاء. الثاني: أن الملاك
قائم بالجامع بين الحصة المقدورة وغيرها، ولازم ذلك صحة الفرد المزاحم، فإن الصغرى
- وهي كونه تام الملاك - محرزة، والكبرى - وهي كفاية قصد الملاك في وقوع الشئ عبادة
- ثابتة، فالنتيجة من ضم إحداهما الى الاخرى هي ذلك.
[ 74 ]
الثالث: اختصاص الوجوب بخصوص الحصة المقدورة من جهة حكم العقل باعتبار القدرة
في متعلقه، أو من جهة اقتضاء نفس التكليف ذلك. الرابع: أن الملاك تابع للإرادة
الإنشائية المتعلقة بفعل دون الإرادة الجدية، فإنها قد تخالف الاولى كما في المقام،
فإن الإرادة الإنشائية تعلقت بالجامع، والإرادة الجدية تعلقت بحصة خاصة منه، وهي
الحصة المقدورة. والجواب عن ذلك نقضا وحلا. أما نقضا فبعدة من الموارد: الأول: ما
إذا قامت البينة على ملاقاة الثوب للبول - مثلا - ثم علمنا من الخارج بكذب البينة،
أو عدم ملاقاة الثوب للبول، ولكن احتملنا نجاسته من جهة اخرى: كملاقاته للدم - مثلا
- أو نحوه فحينئذ هل يمكن الحكم بنجاسة الثوب من جهة البينة المذكورة بدعوى: أن
الإخبار عن ملاقاة الثوب للبول إخبار عن نجاسته بالدلالة الالتزامية، لأن نجاسته
لازمة لملاقاته للبول، وبعد سقوط البينة عن الحجية بالإضافة الى الدلالة المطابقية
من جهة مانع لا موجب لسقوطها بالإضافة الى الدلالة الالتزامية، لعدم المانع عنها
أصلا، ولا نظن أن يلتزم بذلك أحد حتى من يدعي بأن سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية
لا يستلزم سقوط الدلالة الالتزامية عنها ؟ وهذا واضح جدا. الثاني: ما إذا كانت
الدار - مثلا - تحت يد زيد وادعاها عمرو وبكر، وأخبرت بينة على أنها لعمرو، واخرى
على أنها لبكر فتساقطت البينتان من جهة المعارضة بالإضافة الى مدلولهما المطابقي،
فلم يمكن الأخذ بهما ولا بإحداهما فهل يمكن عندئذ الأخذ بالبينتين في مدلولهما
الالتزامي - وهو عدم كون الدار لزيد - بدعوى: أن التعارض بينهما إنما كان في
مدلولهما المطابقي لا في مدلولهما الالتزامي، وبعد سقوطهما عن الحجية في مدلولهما
المطابقي لم يكن موجب لرفع اليد عنهما في مدلولهما الالتزامي - وهو: أن الدار ليست
لزيد - فلابد أن يعامل معها معاملة مجهول المالك، ولا نظن أن يلتزم به متفقه فضلا
عن الفقيه ؟ الثالث: ما إذا شهد واحد على أن الدار في المثال المزبور لعمرو، وشهد
آخر
[ 75 ]
على أنها لبكر، والمفروض أن شهادة كل واحد منهما ليست بحجة في مدلولها
المطابقي، مع قطع النظر عن معارضة إحداهما مع الاخرى، لتوقف حجية شهادة الواحد على
ضم اليمين، ففي مثل هذا الفرض هل يمكن الأخذ بمدلولهما الالتزامي، وهو عدم كون هذه
الدار لزيد لكونهما متوافقين فيه فلا حاجة الى ضم اليمين في الحكم بأن الدار ليست
لزيد ؟ كلا. الرابع: ما إذا قامت البينة على أن الدار التي في يد عمرو لزيد، ولكن
زيدا قد أقر بأنها ليست له فلا محالة تسقط البينة من جهة الإقرار فإنه مقدم عليها،
وبعد سقوط البينة عن الحجية بالإضافة الى الدلالة المطابقية من جهة قيام الإقرار
على خلافها فهل يمكن الأخذ بها بالإضافة الى الدلالة الالتزامية، والحكم بعدم كون
الدار لعمرو ؟ كلا. وقد تلخص من ذلك: أنه لا يمكن الأخذ بالدلالة الالتزامية في شئ
من تلك الموارد وما شاكلها بعد سقوط الدلالة المطابقية فيها. وأما حلا: فلأن
الدلالة الالتزامية ترتكز على ركيزتين من ضم إحداهما الى الاخرى يتشكل القياس على
نحو الشكل الأول: الاولى ثبوت الملزوم. الثانية ثبوت الملازمة بينه وبين شئ، ومن ضم
الصغرى الى الكبرى تحصل النتيجة، وهي ثبوت اللازم. وأما إذا لم تثبت الصغرى أو
الكبرى أو كلتاهما فلا يمكن إثبات اللازم، وفي المقام بما أن المدلول الالتزامي
لازم للمدلول المطابقي فثبوته يتوقف على ثبوت الملازمة وثبوت المدلول المطابقي،
فإذا لم يثبت المدلول المطابقي أو ثبت ولكن لم تثبت الملازمة فلا يثبت المدلول
الالتزامي لا محالة، ولا يفرق في ذلك بين حدوثه وبقائه أصلا. وبعبارة اخرى: أن ظهور
الكلام في مدلوله الالتزامي وإن كان مغايرا لظهوره في مدلوله المطابقي إلا أن ظهوره
في ثبوت المدلول الالتزامي ليس على نحو الإطلاق، بل هو ظاهر في ثبوت حصة خاصة منه،
وهي الحصة الملازمة للمدلول المطابقي.
[ 76 ]
مثلا: الإخبار عن ملاقاة الثوب للبول وإن كان إخبارا عن نجاسته أيضا إلا أنه
ليس إخبارا عن نجاسته على الإطلاق بأي سبب كان، بل إخبار عن حصة خاصة من النجاسة،
وهي الحصة الملازمة لملاقاة البول، بمعنى: أنه إخبار عن نجاسته المسببة عن ملاقاته
للبول في مقابل نجاسته المسببة لملاقاته للدم أو نحوه، فإذا قيل: إن هذا الثوب نجس
يراد به: أنه نجس بالنجاسة البولية، وعندئذ إذا ظهر كذب البينة في إخبارها بملاقاة
الثوب للبول فلا محالة يعلم بكذبها في إخبارها بنجاسة الثوب المسببة عن ملاقاته
للبول. وأما نجاسته بسبب آخر وإن كانت محتملة إلا أنها نجاسة اخرى أجنبية عن مفاد
البينة تماما. وعليه فكيف يمكن الأخذ بالدلالة الالتزامية بعد سقوط الدلالة
المطابقية ؟ ومن ذلك يظهر حال بقية الأمثلة وسائر الموارد. ومنها ما نحن فيه، فإن
ما دل على وجوب فعل غير مقيد بالقدرة وإن كان دالا على كونه ذا ملاك ملزم كذلك إلا
أن دلالته على كونه ذا ملاك ليست على نحو الإطلاق، حتى مع قطع النظر عن دلالته على
وجوبه، بل هي بتبع دلالته على وجوب ذلك، فيكون دالا على حصة خاصة من الملاك، وهي
الحصة الملازمة لذلك الوجوب في مقام الإثبات والكشف، ولا يدل على قيام الملاك فيه
على الإطلاق. وعليه فإذا سقطت دلالته على الوجوب من جهة مانع فلا تبقى دلالته على
الملاك المسببة عن دلالته على الوجوب. إذا لا علم لنا بوجود الملاك فيه، فإن العلم
بالملاك كان بتبع العلم بالوجوب، وإذا سقط الوجوب فقد سقط العلم بالوجوب لا محالة
فإنه مسبب عنه، ولا يعقل بقاء المسبب بلا سبب وعلة، ولا يفرق في ذلك بين سقوط
الوجوب رأسا وبين سقوط إطلاقه. وسره: ما عرفت: من أن الإخبار عن وجوب شئ إخبار عن
وجود حصة خاصة من الملاك فيه، وهي الحصة الملازمة لوجوبه، لا عن مطلق وجوده فيه.
ولا يمكن أن يكون الإخبار عنه بصورة أوسع من الإخبار عن الوجوب، فإنه خلاف المفروض،
إذ المفروض أنه لازم له في مقام الإثبات، فيدور العلم به سعة وضيقا
[ 77 ]
مدار سعة العلم بالوجوب وضيقه، وعلى ذلك فإذا قيد الوجوب بحصة خاصة من الفعل -
وهي الحصة المقدورة مثلا - فلا يكشف عن الملاك إلا في خصوص تلك الحصة، دون الأعم
منها ومن غيرها، هذا واضح جدا. لعل القائل بأن سقوط الدلالة المطابقية لا يستلزم
سقوط الدلالة الالتزامية تخيل أن ثبوت المدلول الالتزامي بعد ثبوت المدلول المطابقي
يكون على نحو السعة والإطلاق، ولازم ذلك هو أنه لا يسقط بسقوط المدلول المطابقي إلا
أن ذلك غفلة منه، فإن المفروض أن من أخبر بثبوت المدلول المطابقي فقد أخبر بثبوت
حصة خاصة منه، وهي الحصة الملازمة له، لا بثبوته على الإطلاق. هذا مضافا الى أن هذا
الكلام - أي: عدم سقوط الدلالة الالتزامية بسقوط الدلالة المطابقية في المقام -
مبتن على أن يكون إحراز الملاك في فعل تابعا للإرادة الإنشائية المتعلقة به دون
الإرادة الجدية، وفساد هذا بمكان من الوضوح، ضرورة أن ثبوت الملاك على مذهب العدلية
إنما هو في متعلق الإرادة الجدية، فسعة الملاك في مقام الإثبات تدور مدار سعة
الإرادة الجدية، ولا أثر للإرادة الاستعمالية في ذلك أصلا. وعلى الجملة: فالوجوب
إنما يكشف عن الملاك كشف المعلول عن علته بمقدار ما تعلق به واقعا، والمفروض أن ما
تعلق به الوجوب هنا هو خصوص الحصة المقدورة دون الأعم منها. كما أنه لا وجه لقياس
الدلالة الالتزامية بالدلالة التضمنية، لما ذكرناه في بحث العام والخاص: من أن
الدلالة التضمنية لا تسقط بسقوط الدلالة المطابقية، ولذا قلنا بعدم الفرق في جواز
التمسك بالعام بين كونه استغراقيا أو مجموعيا. فلو قال المولى: " أكرم هذه العشرة "
وكان الوجوب وجوبا واحدا ثم علمنا من الخارج بخروج واحد من هذه العشرة وشككنا في
خروج غيره فنرجع الى العموم ونحكم بعدم الخروج (1).
(1) سوف يأتي تفصيله في ج 5 من المحاضرات في أوائل البحث فانتظر. (*)
[ 78 ]
والوجه في ذلك: أن الدلالة على وجوب إكرام هذا المجموع تنحل في الواقع الى
دلالات ضمنية باعتبار كل جزء منه، فإذا سقط بعض تلك الدلالات الضمنية فلا موجب
لسقوط البقية. أو فقل: إن الحكم في العموم المجموعي وإن كان واحدا إلا أن ذلك الحكم
الواحد إنما انقطع بالإضافة الى جزء واحد، وخروج سائر الأجزاء يحتاج الى دليل، وهذا
بخلاف الدلالة الالتزامية، فإن المدلول الالتزامي بما أنه لازم للمدلول المطابقي
فلا يعقل بقاؤه بعد سقوطه كما عرفت. وأما بناء العقلاء وإن جرى في باب الظهورات على
أن التعبد بالملزوم يقتضي التعبد باللازم ولو مع عدم التفات المتكلم الى الملازمة
بينهما وعدم قصده الحكاية عنه إلا أنه من الواضح أن هذا البناء - أي: البناء على
ثبوت اللازم - إنما هو في ظرف ثبوت الملزوم، وأما إذا سقط الملزوم من جهة مانع فلا
بناء للعقلاء على ثبوت اللازم، بداهة أن بناءهم على التعبد بثبوته متفرع على التعبد
بثبوت الملزوم لا على نحو الإطلاق والسعة. وإن شئت فقل: إنه لا ريب في عدم سقوط بعض
الدلالات الضمنية عن الحجية بسقوط بعضها الآخر عنها. مثلا: إذا أخبرت بينة على أن
زيدا مديون من عمرو عشرة دراهم ولكن عمرا قد اعترف بأنه ليس مديونا بالعشرة، بل هو
مديون بخمسة فلا إشكال في حجية البينة بالإضافة الى الخمسة. أو قامت بينة على نجاسة
الإناءين ولكن علمنا من الخارج بطهارة أحدهما من جهة إصابة المطر أو نحوه فأيضا لا
إشكال في حجيتها بالإضافة الى نجاسة الإناء الآخر. وسر ذلك: هو أنه لا ملازمة ولا
تبعية بين المداليل الضمنية بعضها بالإضافة الى بعضها الآخر، ضرورة أن أحدها ليس
معلولا للآخر، ولا علة له، ولا معلولان لعلة ثالثة في الواقع، وعلى هذا الضوء لا
محالة لا تستلزم إرادة أحدهما إرادة الآخر. هذا من ناحية.
[ 79 ]
ومن ناحية اخرى: أن أدلة الحجية ليست قاصرة عن إثبات حجية البينة أو ما شاكلها
بالإضافة الى الباقي. فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هو: أن سقوط بعض الدلالات
الضمنية عن الحجية لا يوجب سقوط بعضها الآخر، لعدم الملازمة والتبعية بينها كما مر.
نعم، الملازمة بينها في مقام الإبراز، فإن الجميع - كما عرفت - يبرز بمبرز واحد.
وهذه هي النقطة الرئيسية للفرق بين الدلالة التضمنية والدلالة الالتزامية. أو فقل:
إن الدلالة الالتزامية في نقطة مقابلة للدلالة التضمنية من ناحية مقام الثبوت
والحجية. أما من ناحية مقام الثبوت فلأن المدلول الالتزامي لا يخلو في الواقع: من
أن يكون لازما للمدلول المطابقي، أو ملازما له، أو ملزوما له، ولأجل ذلك تستلزم
إرادة أحدهما إرادة الآخر تبعا. وأما من ناحية الحجية فلما سبق: من أن أدلة الحجية
إنما تدل على حجية الدلالة الالتزامية تبعا لدلالتها على حجية الدلالة المطابقية.
الثالث: ما عن شيخنا الاستاذ (قدس سره): من أن الفرد المزاحم تام الملاك حتى على
القول بكونه منهيا عنه (1). والوجه في ذلك: هو أن النهي المانع عن التقرب بالعبادة
هو الذي ينشأ من مفسدة في متعلقه، وهو النهي النفسي. وأما النهي الغيري فبما أنه لا
ينشأ من مفسدة في متعلقه لا يكشف عن عدم وجود الملاك في متعلقه، فبضم هذا الى كبرى
كفاية قصد الملاك في صحة العبادة - كما تقدمت - تستنتج صحة الفرد المزاحم. ثم أورد
(قدس سره) على نفسه: بأن الحكم بصحة الفرد المزاحم من جهة الملاك لا يجتمع مع القول
بأن منشأ اعتبار القدرة هو اقتضاء نفس التكليف ذلك
(1) انظر أجود التقريرات: ج 1 ص 264. (*)
[ 80 ]
كما هو الصحيح، إذ على هذا يكون اعتبار القدرة فيه شرعيا ودخيلا في ملاك الحكم،
فيرتفع الملاك بارتفاع القدرة لا محالة. نعم، تم ذلك بناء على أن منشأ اعتبار
القدرة في متعلق التكليف هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز، إذ حينئذ يمكن أن يقال:
إن إطلاق متعلقه شرعا كاشف عن كونه ذا ملاك مطلقا حتى في حال عدم القدرة عليه.
توضيح ذلك: أن القدرة مرة تؤخذ في متعلق التكليف لفظا، واخرى تؤخذ باقتضاء نفس
التكليف ذلك. فعلى الأول: لا فرق بين أن تكون دلالة اللفظ على اعتبار القدرة فيه
بالمطابقة كما في آية الحج (1) فإنها تدل على اعتبار القدرة فيه مطابقة أو
بالالتزام كما في آية الوضوء (2)، فإنها تدل على تقييد وجوب الوضوء بالتمكن من
استعمال الماء عقلا وشرعا التزاما، من جهة أخذ عدم وجدان الماء في موضوع وجوب
التيمم مطابقة، والتفصيل قاطع للشركة لا محالة، فإنه على كلا التقديرين كان تقييد
الواجب بالقدرة مستفادا من الدليل اللفظي. ونتيجة ذلك: أن القدرة دخيلة في ملاك
الحكم واقعا، ضرورة أنه لا معنى لأخذ قيد في متعلق الحكم في مقام الإثبات إذا لم
يكن له دخل فيه في مقام الثبوت. وعلى ذلك يبتنى: أنه لا يمكن تصحيح الوضوء أو الغسل
بالملاك أو بالالتزام بالترتب في موارد الأمر بالتيمم، لعدم الملاك للوضوء أو الغسل
في تلك الموارد ليمكن الحكم بصحته من جهة الملاك أو من جهة الالتزام بالترتب، وثبوت
الأمر بالمهم عند عصيان الأمر بالأهم، فإذا كان هذا هو الحال فيما إذا كانت القدرة
مأخوذة في لسان الدليل بإحدى الدلالتين كان الأمر كذلك فيما إذا كان اعتبار القدرة
باقتضاء نفس التكليف ذلك، إذ من الواضح جدا أنه حينئذ يتعين المأمور به في الحصة
المقدورة بمقتضى دلالة نفس الدليل، فالقدرة تكون دخيلة في ملاك الحكم فينتفي
بانتفائها.
(1) آل عمران: 97، قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت...) *. (2) المائدة: 6،
قوله تعالى: * (... إذا قمتم الى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم...) *. (*)
[ 81 ]
ثم قال (قدس سره): ولو سلمنا فيما نحن فيه عدم القطع بالتقييد شرعا الكاشف عن
دخل القدرة في الملاك إلا أنا نحتمل ذلك بالبداهة، ولا دافع لذلك الاحتمال من جهة
أنها لو كانت دخيلة فيه واقعا لجاز للمتكلم أن يكتفي في بيانه بنفس إيقاع الطلب على
ما كان فيه الملاك، فيكون المقام داخلا في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية،
ومعه لا ينعقد له ظهور في سعة الملاك. ثم قال (قدس سره): ولو تنزلنا عن ذلك أيضا
وسلمنا عدم صلاحيته لكونه قرينة على التقييد إلا أن إطلاق المتعلق إنما يكشف عن عدم
دخل قيد في الملاك إذا لزم نقض الغرض من عدم التقييد في مقام الإثبات مع دخل القيد
فيه في مقام الثبوت، وأما إذا لم يلزم منه نقض الغرض فلا يكون الإطلاق في مقام
الإثبات كاشفا عن عدم دخل القيد فيه ثبوتا. وعليه فبما أن ما يحتمل دخله في الملاك
هو القدرة، ولا يمكن المكلف من إيجاد غير المقدور في الخارج ليترتب عليه نقض الغرض
على تقدير دخل القدرة في الملاك واقعا لا يمكن التمسك بالإطلاق لدفع الاحتمال
المزبور. ومن الواضح أن ذلك الاحتمال مانع عن الحكم بصحة الفرد المزاحم والتقرب به.
وأجاب (قدس سره) عن ذلك بما ملخصه: أن القدرة إذا كانت مأخوذة في متعلق التكليف
لفظا - كما في آيتي الحج والوضوء - فالأمر كما ذكر ولا مناص عنه. وأما إذا لم تكن
مأخوذة فيه لفظا وكان متعلق التكليف غير مقيد بالقدرة في مرتبة سابقة على تعلق
التكليف به، بل كان اعتبار القدرة فيه في مرتبة تعلق التكليف به وعروضه عليه، سواء
كان منشؤه