العودة الى مكتبة المرتضى

 

منتقى الأصول

تقرير بحث الروحاني للحكيم ج 2

 


[ 1 ]

منتقى الاصول تقريرا لابحاث آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الروحاني الشهيد آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم الجزء الثاني

[ 2 ]

اسم الكتاب منتقى الاصول ج 2 المؤلف: الشهيد آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم المطبعة: الهادي الطبعة: الثانية 1416 ه‍ الكمية: 2000 نسخة السعر: 7000 ريال حقوق الطبعة محفوظة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 4 ]

الاجزاء

[ 5 ]

مبحث الاجزاء وهو من المباحث الجليلة القدر علما وعملا. وموضوعه كما حرره في الكفاية ان الاتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضي الاجزاء أو لا (1) ؟. وعمدة البحث فيه هو الكلام عن إجزاء المأمور به بالامر الواقعي الثانوي - الاضطراري - عن الامر الواقعي الاولي، وإجزاء المأمور به بالامر الظاهري عن الامر الواقعي. ولكن صاحب الكفاية تعرض في بدء بحثه الى الكلام عن بعض الجهات غير الدخيلة في اساس البحث المذكور والتي لا تغني ولا تسمن من جوع، ناهجا في ذلك ما يعتاده القدماء من محاولة بيان المراد من موضوع الكلام بشرح الفاظه (2). فمن هنا تعرض صاحب الكفاية الى بيان المراد من كلمة: " وجهه ". والمراد من كلمة: " يقتضي ". وكلمة: " الاجزاء ". ونحن نقتصر في المقام على توضيح ما جاء


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 81 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) ذكر سيدنا الاستاذ (دام ظله): ان بعض الاعلام أسهب في شرح الفاظ قاعدة: " الجمع مهما امكن اولى " بحيث يقرب عشرين صفحة بذكر احتمالات معاني الالفاظ ودفعها ونحو ذلك. (منه عفى عنه). (*)

[ 6 ]

في الكفاية - تبعا - فنقول: اما: " وجهه ". قد ذكر: ان المراد منه هو الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعا وعقلا، وليس المراد منه الكيفية المعتبرة شرعا، ولا المراد منه قصد الوجه الذي قيل باعتباره في العبادة. اما عدم ارادة الكيفية المعتبرة شرعا فلوجهين: الاول: انه يلزم ان يكون قيدا توضيحيا، لان الكيفية المعتبرة شرعا يدل عليها عنوان المأمور به، فلا يكون: " على وجهه " قيدا احترازيا بل توضيحا لعنوان: " المأمور به ". الثاني: انه يلزم خروج التعبديات عن حريم النزاع لدى من لا يرى امكان أخذ قصد القربة ونحوه شرعا، إذ لا اشكال لديه في أن الاتيان بالمور به العبادي على الكيفية المعتبرة شرعا. يعني بدون قصد القربة - لا يقتضي الاجزاء ولا نزاع في ذلك فيختص النزاع في التوصليات. واما عدم ارادة قصد الوجه فلوجهين أيضا: الاول: عدم اعتباره إلا من القليل، فلا معنى لارادته في عنوان يشترك في تحريره الجميع. الثاني: خروج الواجبات التوصلية عن حريم النزاع، لعدم اعتبار قصد الوجه - عند من يعتبره - في غير العباديات. هذا مضافا الى عدم الوجه في تخصيصه بالذكر دون سائر القيود المعتبرة لا ميزة له على غيره. واما: " الاقتضاء "، فقد ذكر: ان المراد منه هو العلية والتاثير لا الكشف والدلالة، ولا يخفى ان الاقتضاء مطلقا بمعنى العلية والتاثير، إلا أنه تارة: يكون التأثير في الوجود الواقعي للشئ فيصطلح عليه بالعلية. واخرى: يكون في الشئ بوجوده العلمي فيصطلح عليه بالكشف والدلالة. والا فهو في مقام

[ 7 ]

الكشف بمعنى التأثير حقيقة لكنه تأثير في الوجود العلمي لا الواقعي. وعلى كل المراد منه ههنا هو العلية والتاثير لا الكشف والدلالة، وأيد ما ذكره بانه قد نسب في موضوع النزاع الى الاتيان لا الامر، فانها تتناسب مع ارادة العلية منه، إذ الكشف من شئون الالفاظ والادلة لا من شئون الافعال فانها موثرة واقعا. وقد يورد عليه بوجهين: احدهما: بانه لم يرد الاقتضاء في كلام القوم منسوبا الى الاتيان، بل ورد منسوبا إلى الامر - وهو يتناسب مع ارادة الكشف والدلالة منه -. وعليه فالاستشهاد على ما ادعاه من ارادة العلية منه بنسبة الاقتضاء الى الاتيان في غير محله، لان النسبة المذكورة لم يذكرها غيره ولا معنى لاستشهاده على ارادة شئ من كلام القوم أو من كلامه بما جاء في كلامه بخصوصه كما هو واضح. واجيب عن هذا الوجه: بانه (قدس سره) ليس في مقام بيان كون المراد من الاقتضاء في كلام القوم هو العلية، بل في مقام بيان ان الانسب في تحرير البحث هو جعل الاقتضاء بمعنى العلية والتاثير لا بمعنى الكشف والدلالة (1). نعم يبقى سؤال وهو: انه إذا كان الملحوظ في كلامه هذه الجهة، فما هو معنى التعليل بنسبة الاقتضاء الى الاتيان مع انه وارد في كلامه بالخصوص ؟. ويمكن الجواب عنه: بانه يمكن ان يكون نظر صاحب الكفاية الى تصحيح نسبة الاقتضاء الى الاتيان بهذه الجهة، فيكون المعنى انه من أجل ان البحث ينبغي ان يكون عن الاقتضاء بمعنى العلية نسبنا الاقتضاء الى الاتيان لملاءمته معه. وليس نظره - كما قد يظهر بدوا - الى تعليل كون البحث عن الاقتضاء بمعنى العلية بنسبة الاقتضاء الى الاتيان كي يرد عليه ما ذكر.


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 146 - الطبعة الاولى. (*)

[ 8 ]

وبالجملة: النظر الى تعليل نسبة الاقتضاء الى الاتيان بارادة العلية من الاقتضاء، لا الى تعليل ارادة العلية من الاقتضاء بنسبته الى الاتيان. فتدبر. الثاني: وهو الذي أشار إليه تحت عنوان: " ان قلت ". وتوضيحه: ان الكلام لا ينحصر في إقتضاء الاتيان بالمأمور به للاجزاء، بل يقع النزاع في بعض الصور في دلالة الدليل على الاجزاء، فلا معنى لفرض النزاع مطلقا في الاقتضاء بمعنى العلية. بيان ذلك: ان موضوع الكلام تارة: يكون إجزاء المأمور به عن امره كاجزاء المأمور به بالامر الواقعي الاولي عن امره، وإجزاء المأمور به بالامر الاضطراري عن أمره، واجزاء المأمور به بالامر الظاهري عن امره. واخرى: يكون في إجزاء المأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهري عن الامر الواقعي. فالكلام في الاول - لو فرض - يكون في الاقتضاء بمعنى العلية، إذ لا تلحظ دلالة الدليل في هذا المقام. واما في الثاني: فالنزاع في الحقيقة في دلالة الدليل على إجزاء المأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهري - كل بحسب دليله - عن الامر الواقعي، فالمناسب في هذا النحو ارادة الكشف والدلالة من الاقتضاء. وأجاب عنه (قدس سره): بان وقوع النزاع في هذا النحو في دلالة الدليل مسلم لا ينكر، لكنه لا يتنافى مع كون النزاع الاساسي في ان نفس الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهري يؤثر في الاجزاء، بلحاظ وفائه بالملاك وعدم وفائه، وينضم إليه النزاع المزبور - أعني النزاع فيما هو مقتضى الدليل -، وهو منشأ الخلاف في النزاع الاول، بمعنى ان النزاع في الاجزاء الاتيان وعدمه للخلاف في دلالة الدليل على الوفاء بالملاك وعدمه أو مقدار الوفاء. فيكون هناك نزاعان كبروي وصغروي، كما انه في النحو الاول يكون نزاع واحد كبروي لو فرض نزاع، إذ لا كلام في إجزاء المأمور به عن نفس امره لوفائه بملاك أمره وتحصيله غرضه.

[ 9 ]

وقد استشكل في الجواب: بان فرض وقوع النزاع في الصغرى - أعني في دلالة الدليل - لا يتناسب مع المسألة الاصولية، إذ من شرائط المسألة الاصولية كما تقدم ان تكون نتيجتها كلية جارية في جميع الموارد، ولذا قيل بخروج قاعدة الطهارة عن الاصول لاختصاصها ببات الطهارة، مع كون مفادها مفاد قاعدة الحل والبرائة. ولا يخفى ان الكلام في دلالة كل دليل كدليل: " التراب احد الطهورين " (1) ونحوه لا ينتهي بنا الى نتيجة عامة، بل نتيجتها خاصة بمورد الدليل كالطهارة أو الصلاة أو غيرهما. هذا مضافا إلى انه إذا كان منشأ الخلاف الكبروي هو النزاع في دلالة الدليل، فالمناسب هو تحرير النزاع في دلالة الدليل وتشخيص مفاده لتحسم به مادة النزاع الكبروي وينتهى منه الى النتيجة الكبروية، لان الاولى هو تحرير الكلام فيما هو سر الخلاف وتنقيحه فيه كما لا يخفى. مع ان فرض تحقق النزاع الكبروي مشكل، كالاشكال في فرضه بالنسبة الى إجزاء المأمور به عن أمره، إذ إجزاء المأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهري عن الامر الواقعي وعدمه يبتني على امور توجب التسليم به لو ثبتت، وهي الوفاء بالملاك، أو عدم وفائه، أو عدم امكان تدارك المصلحة الفائتة كما سيجئ انشاء الله تعالى، وعليه فالنزاع في الحقيقة ليس في أصل الكبرى وانما في ما تثبت به وهي مقدار الوفاء بالملاك وتحديده، وهذا يستكشف من دليل الحكم الاضطراري أو الظاهري. وبالجملة: لا نزاع في اصل الكبرى بما هي هي، بل بما تبتني عليه الكبرى فيرجع النزاع صغرويا فينبغي ان يكون في دلالة الدليل ومقتضاه (2).


(1) عن ابي جعفر عليه السلام: " فان التيمم احد الطهورين ". وسايل الشيعة 2 / 991 باب: 21 من ابواب التيمم حديث: 1. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 146 - الطبعة الاولى. (*)

[ 10 ]

وقد يجاب: بان النزاع ليس في دلالة كل دليل في مورده الخاص كي يدعى ان نتيجة ذلك النزاع خاصة بمورد الدليل ولا تتعداه إلى غيره، وانما يفرض في أمر كلي ينطبق على جميع الادلة، وهو ان الدليل - أي دليل كان - في أي حال وعلى أي نحو يكون دالا على وفاء المأمور به بالملاك الواقعي فيكون مجزيا. وعدم وفائه به فلا يكون مجزيا ؟. فهل اطلاقه يقتضي وفاء المأمور به بالملاك اولا ؟. فالبحث إنما هو في الملازمة بين الاطلاق ووفاء المأمور به بالملاك. ولا يخفى ان نتيجتها قاعدة كلية تنطبق على كل مورد من دون خصوصية لمورد على آخر. وعلى هذا فالبحث فيها يتلائم مع كون المسالة اصولية. ولا يخفى ان هذا الجواب تصحيح لاصولية البحث في الاجزاء وكون مسالته من المسائل الاصولية، ولا يصحح كلام الكفاية، فان الاقتضاء عليه وان لم يكن بمعنى الدلالة والكشف. ولكنه ليس بمعنى العلية والتاثير أيضا، بل البحث أجنبي عن الاقتضاء، فانه عن الملازمة بين الاطلاق والوفاء بالملاك. وعلى كل فالامر سهل. واما: " الاجزاء " فقد أفاد: بان المراد به معناه اللغوي والعرفي، وهو الكفاية، غاية الامر ان المكفي عنه يختلف، فتارة: يكون اسقاط القضاء. واخرى: يكون اسقاط الاعادة. ومع امكان حمله على المراد العرفي اللغوي لا يتجه جعل معناه اصطلاحيا، بمعنى إسقاط القضاء أو إسقاط الاعادة. وبعد ان فرغ من ذلك تعرض إلى جهة الفرق بين هذه المسالة وبين مسالة دلالة الامر على المرة أو التكرار، إذ قد يتوهم عدم الفرق بينهما، حيث انه على القول بعدم الاجزاء لابد من تكرار الفعل، كما انه بناء على دلالته على التكرار لابد من تكرار العمل. ببيان: ان المبحوث عنه في تلك المسالة يختلف عنه في هذه المسالة، فان المبحوث عنه في تلك هو تشخيص المأمور به وتعيينه،

[ 11 ]

وانه هل الوجودات المتعددة أو الوجود الواحد، والبحث في هذه عن ان الاتيان بما هو المأمور به هل يجزي أو لا، فهو في طول تعيين المأمور به ؟. كما تعرض الى بيان الفرق بين هذه المسالة وبين مسالة تبعية القضاء للاداء التي يبحث فيها عن ان القضاء هل هو بامر جديد أو يثبت بنفس الامر الادائي ؟، ولكن لم يظهر الوجه في تعرضه لذلك بعد عدم وجود القدر الجامع بين المسالتين الموجب لتوهم كونهما راجعتين الى بحث واحد، كيف ؟ وموضوع تبعية القضاء للاداء عدم الاتيان بالفعل المأمور به، وموضوع هذه المسالة هو الاتيان بالمأمور به، وكان عليه قبل بيان الفرق الاشارة الى ما به الاشتراك الموهم للاتحاد، لا التعرض راسا الى بيان ما به الامتياز. فلاحظ. وعلى كل فالفرق واضح بين جهة البحث في هذه المسالة وجهة البحث في مسالة التبعية. وبعد ان أنهى الكلام في هذه المقدمات تطرق الى البحث فيما هو موضوع الكلام - أعني اجزاء الاتيان بالمأمور به وعدمه -. واوقع الكلام في مقامين: المقام الاول: في إجزاء الاتيان بالمأمور به بالنسبة الى امره، كاجزاء الاتيان المأمور به بالامر الواقعي عن الامر الواقعي، أو المأمور به بالامر الظاهري بالنسبة الى الامر الظاهري، والمامور به بالامر الاضطراري بالنسبة الى الامر الاضطراري. وهو مما لا اشكال فيه، وذلك لان المأمور به الماتي به اما ان يكون وافيا بالملاك الباعث نحو الامر. أو لا يكون وافيا به. فالثاني خلف كونه مامورا به، لان الامر لا يتعلق إلا بما هو واف بملاكه، ولزم ان يكون غيره هو المأمور به لا هو لعدم وفائه بملاك الامر. والاول يلزمه سقوط الامر لحصول الغرض، والامر تابع لحصول الغرض، فإذا حصل سقط الامر والا لم يكن تحصيله غرضا للامر وغاية له. وبالجملة: تحقق امتثال الامر باتيان المأمور به بذلك الامر لا كلام فيه

[ 12 ]

ولا خلاف. انما الكلام في جواز تبديل الامتثال بالاتيان بفرد آخر للمأمور به يكون هو امتثالا للامر وعدم جوازه. إدعى صاحب الكفاية جوازه في بعض الموارد، وهي ما إذا لم يكن المأمور به علة تامة لحصول الغرض. بيان ذلك: ان المأمور به تارة: يكون علة تامة لحصول الغرض، كما لو امر المولى عبده باهراق الماء في فمه لاجل رفع العطش، فاهرق العبد الماء في فيه، فان المأمور به علة تامة لحصول الغرض وهو رفع العطش، ففي هذا الفرض لا يجوز تبديل الامتثال عقلا لسقوط الامر بمجرد الاتيان بالفعل، فلا يبقى مجال لامتثاله ثانيا. واخرى: لا يكون علة تامة لحصول الغرض، بل تكون نسبته إليه نسبة المقتضي أو المعد، كما لو كان حصول الغرض يتوقف على فعل إختياري للمولى نفسه مثل ما لو أمره باحضار الماء لرفع العطش، فان مجرد احضار الماء لا يحصل الغرض، بل يتوقف حصوله على انضمام شرب المولى للماء، ففي هذا الفرض يجوز عقلا تبديل الامتثال والاتيان بفرد آخر أفضل منه - مثلا - ليكون هو امتثالا عن الامر، لعدم حصول الغرض بالفعل الاول كما هو الفرض. وأيد هذه الدعوى، بل دلل عليها بما جاء في النصوص (1) من الامر بالصلاة جماعة لمن كان قد صلى فرادى وان الله يختار أحبهما إليه (2). وقد استشكل في هذه الدعوى: بانه يستحيل ان لا يكون المأمور به علة


(1) الكافي: 3 / 379 - باب الرجل يصلي وحده من كتاب الصلاة. تهذيب الاحكام: 3 / 269 - الحديث: 94. الفقيه: 1 / 251 - الحديث: 41 الى 43. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 83 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 13 ]

تامة لحصول الغرض لتبعية الامر لتحصيل الغرض من المأمور به: فيستحيل ان يتوسط بين الفعل وحصول الغرض مقدمة غير اختيارية للمكلف، بل المأمور به لا ينفك عن الغرض من الامر، واما ما ذكر من مثال الامر باحضار الماء للشرب، فالغرض من الامر ههنا ليس هو نفس الشرب، فانه امر إختياري للمولى لا يرتبط بالعبد، فلا معنى لانبعاث الامر عنه، بل الغرض منه هو التمكن من الشرب وهو لا ينفك عن المأمور به كما لا يخفى. وعليه، فالاتيان بالفعل مطلقا يكون موجبا لحصول الغرض لانه علة تامة له المستلزم لسقوط الامر المانع من جواز تبديل الامتثال (1). والعجيب من صاحب الكفاية استدلاله على المدعى بالنصوص المزبورة، مع ان الكلام في تبديل الامتثال ثبوتي يحرر لاجل معرفة المراد بهذه النصوص. ولا يخفى ان الكلام يدور بين الجواز عقلا والمنع عقلا، فلا معنى للاستدلال على الجواز بالروايات وبالدليل في مقام الاثبات، إذ لو ثبت المنع عقلا يعلم بعدم ارادة ما هو ظاهر الدليل الاثباتي وان المراد به خلاف ظاهره، فيصرف عن ظاهره، فلا يتوصل الى إثبات الجواز بالدليل في مقام الاثبات. نعم لو وصلت المرحلة الى التشكيك في الجواز والامتناع أمكن التمسك بالدليل الاثباتي في اثبات الجواز ويكون دليل الوقوع دليلا على الامكان، ولكن النوبة لا تصل الى ذلك بل الامر دائر بين النفي والاثبات. فلا معنى للاستدلال بالدليل الاثباتي على عدم المنع. وبالجملة: الكلام فيما نحن فيه انما هو في مرحلة الثبوت لمعرفة امتناع تبديل الامتثال وجوازه تمهيدا وتوطئة لتشخيص المراد من هذه النصوص ونظائرها. فلا يتجه الاستدلال بها على أحد الطرفين ثبوتا كما هو ظاهر جدا.


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 148 - الطبعة الاولى. (*)

[ 14 ]

وعلى أي حال فهذا نقاش باللفظي، فلا أثر لتطويل الكلام فيه، وانما المهم تحقيق اصل الدعوى. فنقول: الكلام.. تارة: يقع في تحقيق جواز تبديل الامتثال وعدم جوازه بالمعنى اللفظي لتبديل الامتثال، الراجع الى البحث في جواز رفع عنوان الامتثال الصادق على فعل وتطبيقه على فعل آخر وجعله هو الامتثال دون ذلك الفعل الاول. واخرى: لا يقع في مؤدى هذا اللفظ، بل يبحث في جواز الاتيان بفرد آخر - بعد الاتيان بما يكون امتثالا لو اكتفى به - بنحو عبادي قربي يقصد به تحصيل ما هو ملاك الامر الاقصى فيكون امتثالا واقعيا. ولا يتعين الاول لان يكون امتثالا وان تعين على تقدير الاكتفاء به. ولا يخفى ان البحث فيما لم يكن الفعل علة تامة لحصول الغرض كما لو كان هناك غرض اقصى من الفعل يحصل باختيار المولى، إذ لو كان الفعل علة تامة لحصول الغرض يسقط به الامر ويحصل به الغرض فلا مجال للتعبد بالفعل ثانيا ولا تجري فيه وجوه الجواز الآتية كما سيتضح انشاء الله تعالى. ويتضح الفرق جليا بين نحوي الكلام في ضمن البحث. ولنوقع البحث على النحو الثاني. فنقول: انه قد يذكر لجواز الاتيان بالفعل ثانيا بنحو عبادي وقابل لانطباق عنوان الامتثال الواقعي عليه وانصرافه عن الآخر وجوه ثلاثة: الوجه الاول: الالتزام بان الواجب - فيما لو كان هناك غرض أقصى يتوسط بينه وبين الفعل ما لا اختيار للمكلف فيه كفعل المولى - هو الحصة المقارنة لترتب الغرض الاقصى عليها، فما لم يترتب عليها الغرض الاقصى لا تكون واجبة ولا يشملها الوجوب، كما يقال في ان الوجوب المقدمي إنما يترشح على المقدمة الموصلة دون غيرها، بمعنى ان الواجب من المقدمات هو المقدمة ألتي يترتب عليها الواجب دون مالا يترتب عليه، وفي مقابله القول بان الواجب

[ 15 ]

مطلق المقدمة الموصلة وغيرها. وبالجملة: إذا التزم بمبنى المقدمة الموصلة فيما نحن فيه وقيل ان الوجوب المترشح عن تحصيل الغرض والناشئ عنه انما يثبت للفعل الموصل للغرض بمعنى الحصة الملازمة لترتب الغرض فغيرها لا تتصف بالوجوب المقدمي للغرض، أمكن الاتيان بفعل آخر بعد الاتيان باول مع فرض عدم حصول الغرض الاقصى بالاول فعلا، فيمكن الاتيان بفعل آخر برجاء تحصيل غرض المولى به ليكون مصداقا للامتثال، فإذا حصل غرض المولى به كان هو الواجب وما به الامتثال لانه هو الموصل دون الاول. وبعبارة اخرى: حيث انه بعد لم يسقط الامر بالاول وعدم العلم بكونه هو الامتثال، أمكن الاتيان بفرد برجاء الامر وتحصيل غرض المولى، فيكون امتثالا وواجبا لو حصل به غرض المولى. فالاتيان بفرد آخر يمكن ان يكون امتثالا وبرجاء الامر جائز بلا كلام على الالتزام بالمقدمة الموصلة. الوجه الثاني: انه لو لم يلتزم بالمقدمة الموصلة وان الواجب ما يصلح للايصال ومطلق ما هو مقدمة موصلا كان اولا، فيكون الفعل الاول امتثالا جزميا ويسقط به الامر للامتثال به لكنه مع هذا يمكن الاتيان بفرد آخر بداعي تحصيل ما هو محبوب للمولى والوصول الى ما هو ملاك الامر. فانه إذا كان للمولى غرض أقصى مرغوب فيه - كالشرب في مثال الامر باحضار الماء - ولم يتحقق بالفرد الاول وان سقط به الامر، أمكن ان يؤتى بفرد آخر يرجاء تحصيل ما هو محبوب المولى به وهو الشرب، فإذا جاء باناء ثان بهذا القصد كان الفعل عباديا صحيحا - نظير الاحتياط -، فإذا تحقق الغرض الاقصى به كان موضوع آثار الامتثال، بمعنى يكون حاويا لملاك الامتثال فيكون امتثالا واقعيا يترتب عليه أثر الامتثال دون الاول. الوجه الثالث: - وهو المنسوب الى المرحوم المحقق الشيخ كاظم

[ 16 ]

الشيرازي (قدس سره) - وهو وجه عرفي محصله: انه إذا كان للمولى غرض اقصى لا يحصل بمجرد الاتيان بالفعل، فالعرف يرى في مثل الحال ان المكلف مخير بين ابقاء الفرد الاول وبين اتلافه والاتيان بفرد جديد آخر، فهناك وجوب تخييري متعلق بابقاء الفرد الاول والاتيان بفرد آخر بنحو التخيير. ولا يخفى انه من المقرر في مورد الوجوب التخييري جواز الاتيان بكلا فردي الوجوب دفعة ويكون كل منهما إمتثالا للامر. وعليه، فيمكن للمكلف أن يأتي بفرد آخر جديد في عرض ابقاء الفرد الاول الذي هو طرف التخيير، فيأتي - في مثال الامر بالماء - باناء ثان في حال إبقاء الاناء الاول، فيكون كل من الابقاء والاتيان باناء ثان امتثالا للامر التخييري، فالفرد الثاني يقع إمتثالا للامر. وهذا امر عرفي واضح. ومن الظاهر ان هذا الوجه إنما يتم في المورد الذي يكون الابقاء اختياريا للمكلف كما في الاتيان بالاناء الذي فيه ماء، إذ يتمكن المكلف من اراقة الماء فينعدم الفرد. واما المورد الذي لا يكون الابقاء اختياريا للمكلف، فلا يتم ذلك، إذ لا يكون الابقاء حينئذ طرف الوجوب التخييري كما في مورد الامر بالصلاة، فان ابقاء المكلف للصلاة التي جاء بها ليس اختياريا له، إذ لا يتمكن من رفعها واعدامها بأي طريقة، فان الفعل قد وقع فلا يرتفع كما هو ظاهر جدا. وعلى أي حال فهو وجه لا بأس به. والمتحصل: ان هذا المعنى من تبديل الامتثال أمر معقول ولا محذور فيه. وقد ذهب المحقق العراقي - كما في تقريرات بحثه - إلى عدم معقولية تبديل الامتثال، ببيان: انه ان التزمنا بالمقدمة الموصلة صح الاتيان بفرد آخر برجاء امتثال الامر به وتحصيل غرض المولى، وحينئذ إذا اختاره المولى في تحصيل غرضه كان هو مصداق الامتثال دون الاول، فلا يكون من باب تبديل الامتثال، لان الفرد الاول غير امتثال. وان لم نلتزم بالمقدمة الموصلة كان الاتيان

[ 17 ]

بالفرد الاول مسقطا للامر لكونه امتثالا، فلا مجال للاتيان بفرد آخر ثانيا ليصير امتثالا لعدم الامر (1). وهو كما لا يخفى يبتني على ارادة تبديل الامتثال بالمعنى الاول، فيرجع النقاش لفظيا، لا بالمعنى الذي عرفت معقوليته، وعليه يمكن حمل النصوص الواردة في أمر من صلى فرادى بالصلاة جماعة. اما بناء على المقدمة الموصلة فواضح، فانه يستكشف من هذا الدليل ان للصلاة غرضا أقصى يمكن ان يحصل بكلا الفردين، فما هو الافضل لدى الله هو الذي يكون محصلا للغرض باختياره، فيقع امتثالا دون الآخر. وهكذا بناء على الوجه الثاني، إذ للمولى ان يختار في تحصيل غرضه ما هو الافضل منهما فيكون في الحقيقة هو مصداق الامتثال وان لم يكن أمر بعد الاتيان بالفرد الاول. واما بناء على الوجه الثالث، فالامر فيه كذلك، فانه وان وقع كل من الفردين امتثالا للامر، لكن يمكن ان يختار أحبهما في مقام استحقاق الثواب باعتبار تحصيل الغرض الاقصى به، ولا يتعدد الثواب لوحدة الملاك والغرض الباعث للامر التخييري، إلا انه يلزم الاقتصار على مورده، أعني الصلاة جماعة أو مطلق الصلاة، إذ لابد في جواز تبديل الامتثال بالمعنى الذي عرفته من احراز وجود غرض أقصى للمولى، فمع عدم الدليل عليه لا يتجه الاتيان بالفعل ثانيا لعدم وجود ملاك المقربية والامتثال فيه. والدليل فيما نحن فيه مختص بالصلاة، فيستكشف منه وجود غرض اقصى في الصلاة فقط اما بنحو العموم، أو في خصوص صلاة الجماعة. ولا يخفى انه مع عدم الالتزام بجواز تبديل الامتثال بأي معنى كان والالتزام بمنعه عقلا يشكل الامر في هذه النصوص من حيث مفادها. وتقريب الاشكال: انه اما ان يلتزم بان الصلاة الاخرى متعلقة للامر - الوجوبي


(1) الآملي الشيخ ميرزا هاشم. بدائع الافكار 1 / 263 - الطبعة الاولى. (*)

[ 18 ]

أو الاستحبابي - أو لا يلتزم بذلك. فعلى الاول تكون امتثالا آخرا لامر آخر فلا معنى لاختيار احداهما، إذ كل منهما مأمور به وقد وقعت امتثالا لامرها فيستحق العبد ثوابين. وان لم يلتزم بوجود امر آخر متعلق بها، فيشكل الاتيان بها مع عدم الامر بها وسقوط الامر الاول وعدم جواز تبديل الامتثال. والتخلص من هذا الاشكال: بان اختيار أحبهما إليه انما هو راجع الى مقام الثواب الذي هو تفضل منه سبحانه، أجنبي بالمرة عن مفاد الاشكال كما لا يخفى بادنى تأمل. وقد التزم المحقق الاصفهاني بتعدد الامر، ووجه وحدة الثواب باختيار أحبهما بوجهين: الاول: ان الثواب حيث انه من توابع القرب فإذا اجتمع موثران في القرب وكان تأثير احدهما اكثر من الآخر، كانا مشتركين في القدر المشترك بمعنى انه لا يحسب لكل منهما القدر المشترك بينهما، بل القدر المشترك يجعل لهما كليهما ويضاف إليه الزائد الذي يؤثر فيه أحدهما خاصة وهو معنى اختيار احبهما. الثاني: ان اجتماع المثلين في شئ واحد ممتنع كاجتماع الضدين، فإذا كان هناك مؤثران في القرب لم يؤثر كل منهما على حدة، لاستلزامه اجتماع فردين من القرب وهو من اجتماع المثلين، بل المؤثر احدهما فيمكن ان يختار الله في مقام التأثير ما هو الاكثر تأثيرا (1). ولا يخفى عليك ان كلا الوجهين مخدوشان: اما الاول: فدعوى اتحاد المؤثرين في القدر المشترك دعوى بلا دليل، فان العقل يحكم باستحقاق الثواب - باي معنى كان الثواب بفعل ما يوجبه،


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 148 - الطبعة الاولى. (*)

[ 19 ]

فإذا تعدد الموجب تعدد الثواب بحكم العقل، ولا وجه لاتحاد التأثير بعد كون كل منهما قابلا في نفسه وذاته للمؤثرية. واما الثاني: فهو أجنبي بالمرة عن مقام اتحاد المثلين، فان مقامه الوجودات الخارجية لا النفس، والقرب والبعد من صفات النفس. وقد تكرر منه إمكان اجتماع المتضادين في النفس كالكراهة والارادة. وعلى كل، فما ذكره لم يتضح وجهه، فانه لا يمتنع ان يأتي العبد في حين واحد بفعلين مقر بين يكون كل منهما موجبا للقرب ومستلزما للثواب، والا لجرى ما ذكره في جميع الواجبات والمستحبات ولا يلتزم به. والمتحصل: انه مع تعدد الامر لم يظهر وجه إتحاد الثواب واختيار احدهما في مقام الثواب، فمع عدم الالتزام بامكان تبديل الامتثال بالمعنى الذي ذكرناه، يبقى الاشكال في مفاد الرواية على حاله. فلا حظ. المقام الثاني: في إجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهري عن الامر الواقعي والكلام في موقعين: الموقع الاول: في إجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري عن الامر الواقعي، كما لو كان مأمورا بالصلاة مع التيمم ثم ارتفع العذر، فهل يجب عليه الاتيان بالصلاة مع الوضوء أو لا يجب، بل يكون الاتيان بالصلاة مع التيمم مجزيا عنه ؟. ولا بد قبل الخوض في البحث من التعرض الى جهتين: الجهة الاولى: في بيان موضوع الكلام، وهو ما كان موضوع الامر الاضطراري متحققا في الواقع بحيث يكون للامر الاضطراري ثبوت واقعي في حين الاتيان بالعمل، وذلك كما إذا اخذ في موضوعه الاضطرار آنا ما، فتحقق كذلك، أو كان موضوعه الاضطرار المستمر إلى نهاية الوقت فتحقق كذلك ايضا.

[ 20 ]

فانه في كلا الفريضين يكون للامر الاضطراري ثبوت واقعي. واما إذا لم يكن الامر الاضطراري ثابتا واقعا لعدم تحقق موضوعه واقعا. وانما جئ بالعمل استنادا الى احراز تحقق الموضوع وجدانا، أو بالاستصحاب - لو سلم جريانه في مثل الفرض -، ثم انكشف الخلاف وعدم تحققه واقعا - كما لو كان موضوع الامر هو الاضطرار تمام الوقت، فتخيل انه يستمر الاضطرار معه الى نهاية الوقت، أو قيل بصحة اجراء الاستصحاب في أمر استقبالي. فاستصحب بقاء الاضطرار الى نهاية الوقت، فجاء بالعمل الاضطراري ثم انكشف الخلاف بارتفاع الاضطرار في اثناء الوقت -. فليس هذا الفرض موضوع الكلام، إذ لا مامور بالامر الاضطراري لعدم وجود الامر الاضطراري، كي يقع الكلام في إجزائه، بل فرض الاستصحاب يكون من باب الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهري، والكلام في إجزائه يقع في الموقع الثاني. وجملة القول: ان موضوع الكلام انما هو الاتيان بما هو مامور به بالامر الاضطراري واقعا، بحيث يكون الملاك وموضوع الامر الاضطراري ثابتا في الواقع فيثبت الامر بتبعه. الجهة الثانية: في تأسيس الاصل ومعرفة القاعدة الاولية في الكلام، بمعنى انه لابد من معرفة ان مقتضى القاعدة والاصل الاولي - لو لم يتكفل دليل الامر الاضطراري الاجزاء - هل هو الاجزاء أو عدمه ؟، بحيث يرجع اليد مع قصور الدليل المتكفل للامر الاضطراري للاجزاء. ولا يخفى انه إذا كان مقتضى الاصل الاولي هو الاجزاء، لم يكن البحث في تكفل دليل الامر الاضطراري الاجزاء وعدمه بذي أهمية وأثر عملي مهم، إذ الاجزاء ثابت على كلا التقديرين اما باعتبار دلالة الامر الاضطراري أو باعتبار الاصل

[ 21 ]

والقاعدة الاولية. فاثر البحث في مقتضى دليل الامر الاضطراري انما يظهر لو كان مقتضى الاصل هو عدم الاجزاء كما لا يخفى. والكلام في الاصل تارة: في الاصل اللفظي. واخرى: في الاصل العملي. والذي نحققه فعلا هو الاصل اللفظي، فنقول: ان مقتضى اطلاق دليل الامر الواقعي الاولي لزوم الفعل مطلقا وفي جميع آنات الوقت سواء جاء بالمأمور به الاضطراري اولا، خرج عنه زمان الاضطرار باعتبار عدم القدرة عليه فيتقيد الحكم عقلا لاشتراط القدرة على متعلقه في تحققه، فإذا ارتفع الاضطرار وعدم القدرة في اثناء الوقت كان اطلاق دليله محكما لعدم المانع، وشموله لما إذا جاء بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو لم يجئ. وبالجملة: مقتضى الاطلاق لزوم اعادة الفعل وعدم الاجزاء. هذا بالنسبة الى لزوم الاعادة. اما بالنسبة الى لزوم القضاء، فان قلنا بان القضاء تابع للاداء، وأن دليل الاداء هو الذي يتكفل ايجاب القضاء، كان الأمر فيه كالاعادة، فان اطلاق دليل الأمر الواقعي يتكفل لزوم الفعل سواء جئ بالمأمور به الاضطراري أو لم يجئ، وهو يقتضي لزوم الفعل مطلقا الى آخر العمر، فيجب القضاء بمقتضى اطلاق الدليل. وان قلنا بانه بامر جديد لم يكن هناك اطلاق يتكفل وجوبه كما لا يخفى، لارتفاع الامر الاولي بخروج الوقت والشك في شمول دليل القضاء للمورد، فالمرجع هو الاصل العملي. والامر الغريب ان صاحب الكفاية بعد ان يتكلم في تحقيق المطلب ثبوتا بنحو مفصل ثم يتعرض لمقام الاثبات، وان اطلاق دليل الامر الاضطراري يقتضي الاجزاء، يذكر أمرا يقتضي عدم وجود ثمرة للبحث، وهو: انه مع عدم اطلاق دليل الامر الاضطراري، فمقتضى الاصل العملي - الذي هو المرجع

[ 22 ]

حينئذ - هو عدم وجوب الاعادة. لانه شك في التكليف (1). ولا يخفى ان هذا يقتضي الاجزاء سواء من جهة الدليل المتكفل للامر الاضطراري أو من جهة الاصل، فلا ثمرة في البحث عن دلالة الدليل ومقتضاه كما لا يخفى. إلا ان يكون مراده (قدس سره) من قوله: " فالمتبع هو اطلاق " اطلاق دليل الامر الواقعي أو الاضطراري لا خصوص اطلاق دليل الامر الاضطراري. وقد عرفت ان مقتضى اطلاق دليل الامر الواقعي هو عدم الاجزاء فتظهر الثمرة العملية في البحث. ولكن هذا خلاف ظاهر كلامه كما لا يخفى على من يلاحظه. وبعد هاتين المقدمتين يقع الكلام في أصل البحث، وهو إجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري. وقد تعرض صاحب الكفاية الى بيان انحاء ما يمكن ان يقع عليه المأمور به الاضطراري ثبوتا وأنها اربعة: لانه اما ان يكون وافيا بملاك الامر الواقعي بتمامه، أو لا يكون وافيا بتمامه. والثاني اما ان يكون المقدار الباقي من المصلحة والملاك مما لا يمكن تداركه، أو يكون مما يمكن تداركه، والثاني اما ان يكون ذلك المقدار مصلحة ملزمة، أو لا يكون كذلك. فالصور اربعة: الاولى: ان يكون وافيا بتمام ملاك الامر الواقعي. الثانية: ان يكون وافيا ببعض الملاك ويكون المقدار الباقي مما لا يمكن تداركه. الثالثة: ان يكون وافيا ببعض الملاك وامكن تدارك الباقي وكان ملزما. الرابعة: ان لا يكون المقدار الباقي الممكن تداركه ملزما، بل بنحو


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 85 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 23 ]

يوجب الاستحباب. والكلام في كل صورة يقع من جهات ثلاثة: الاولى: في اقتضائه الاجزاء. الثانية: في جواز البدار بمعنى الاتيان به في اول الوقت. الثالثة: في جواز تعجيز النفس وايجاد الاضطرار اختياريا. اما الصورة الاولى: فهي تقتضي الاجزاء بلا كلام، لحصول تمام ملاك الامر الواقعي بالمأمور به الاضطراري، فلا مجال لوجود الامر الواقعي حينئذ. واما جواز البدار، فهو يتوقف على احراز وفاء المأمور به الاضطراري بملاك الامر الواقعي بمجرد الاضطرار، إذ لا اشكال في جوازه لعدم فوات مصلحة الواقع به. واما إذا كان وفاء المأمور به الاضطراري بالملاك مقيدا بالياس عن ارتفاع الاضطرار أو بالانتظار الى آخر الوقت، فلا يجوز البدار بدون الياس لعدم وفاء الماتي به بملاك الامر الواقعي ولا يتحقق الاجزاء. واما الاضطرار اختيارا فقد يدعى جوازه، إذ لا قبح فيه بعد عدم فوات مصلحة الواقع به. ولكنه يتوقف على احراز ان وفاء المأمور به الاضطراري بالملاك بمطلق الاضطرار سواء حصل اختيارا، أو قهرا وبدون اختيار. ومع عدم احراز ذلك، واحراز أو احتمال كون وفائه بالملاك يختص بصورة ما إذا كان حصول الاضطرار قهريا وبدون اختيار فلا يجوز التعجيز وايجاد الاضطرار اختيارا، إذ فيه تفويت لمصلحة الواقع الملزمة أو احتمال تفويتها مع حكم العقل بتحصيلها الموجب للعلم باشتغال الذمة بتحصيلها، فلا يكفي الاتيان بالمأمور به الاضطراري لعدم احراز فراغ الذمة. واما الصورة الثانية: فلا إشكال في تحقيق الاجزاء فيها، لعدم وجود الامر

[ 24 ]

الواقعي بعد ان كانت المصلحة الفائتة غير ممكنة التدارك، إذ لا ينشأ عنها أمر بالفعل لعدم امكان تحصيلها. واما البدار. فلابد من ملاحظة ان المصلحة الفائتة التي لا يمكن تداركها هل هي بنحو ملزم بعد ملاحظة ما في البدار من ادراك مصلحة اول الوقت ووقوع الكسر والانكسار ؟ أو لا، فان كانت بنحو ملزم اشكل جوازه، لان فيه تفويتا لمصلحة لازمة الحصول. وان لم تكن بنحو ملزم جاز البدار بلا اشكال ولم يتعرض صاحب الكفاية الى التفصيل المزبور. واما تعجيز النفس والاضطرار اختيارا - بعد فرض وفاء الفعل بمقدار من المصلحة في هذا الحال أيضا بلحاظ ان مطلق الاضطرار كاف في تحصيل الفعل لبعض الملاك - فهو مشكل الجواز لو كانت المصلحة الفائتة بنحو ملزم دون ما لم تكن كذلك كما هو واضح. واما الصورة الثالثة: فالحق عدم الاجزاء، لوجود المصلحة الملزمة التي يمكن تداركها فتكون منشئا للامر. واما البدار، فلا مانع منه، إذ ليس فيه تفويت لمصلحة الواقع بعد فرض لزوم الاتيان بالفعل بعد ارتفاع العذر كما انه يجوز له تأخير العمل الى ما بعد العذر فيأتي بعمل واحد لا غير. فيكون المكلف مخيرا بين الاتيان بالعمل الاضطراري هذا الاضطرار والاختياري بعد ارتفاع الاضطرار وبين الاتيان بالعمل الاختياري فقط عند ارتفاع الاضطراري. واما الاضطرار اختيارا، فهو مما لا مانع منه بعد عدم استلزامه للتفويت لعدم الاجزاء، لكنه ليس عملا عقلائيا - عادة - لفرض عدم الاجزاء ولزوم الاتيان بالعمل الاختياري لا محالة. واما الصورة الرابعة: فالحق فيها الاجزاء لعدم كون المصلحة الفائتة بنحو تكون منشئا للامر الالزامي. نعم تكون منشأ للامر الاستحبابي، كما انه لا

[ 25 ]

اشكال في جواز البدار والاضطرار اختيارا لان ما يفوت من المصلحة بسببهما غير لازم التحصيل، فلا مانع من تفويته عقلا. هذا توضيح ما ذكره صاحب الكفاية في مرحلة الثبوت - وان كان (قدس سره) لم يتعرض للاضطرار اختيارا - ثم ذكر (قدس سره) مرحلة الاثبات وافاد ان مقتضى اطلاق دليل الامر بالتيمم هو الاجزاء (1). وقد لا يتضح بدوا الارتباط بين ما ذكره في مقام الثبوت من التفصيل وبين ما إنتهى إليه بحسب الدليل الاثباتي، بحيث يرى ان ما ذكره في مقام الثبوت تطويل بلا طائل، بعد ان كان اطلاق الدليل يقتضي الاجزاء، فلابد من بيان جهة الارتباط بنحو يخرج كلامه الثبوتي عن اللغوية والتطويل. ثم بيان تقريب دلالة الاطلاق على الاجزاء. وقبل ذلك لابد من التنبيه على شئ وهو ان البحث عن الاجزاء بالنسبة الى الاعادة موضوعه ما إذا كان موضوع الامر الاضطراري حصول الاضطرار في بعض الوقت لا جميعه بحيث يكون ارتفاع العذر في الاثناء غير مناف لوجود الامر الاضطراري في حين العذر، لانه لو كان موضوع الامر الاضطراري هو الاضطرار في تمام وقت - كما عليه المحقق النائيني والاغلب -، فلا مجال للبحث عن الاجزاء من حيث الاعادة، لان ارتفاع العذر في اثناء الوقت يكشف عن عدم وجود امر اضطراري واقعا وبالمرة كي يتكلم في اجزاء اتيان المأمور به بامره، بل البحث عن الاجزاء على هذا البناء ينحصر في البحث عنه من حيث اسقاط القضاء لا غير، وموضوع البحث فعلا هو الاجزاء من حيث الاعادة أو القضاء، فالمفروض على هذا كون الاضطرار في بعض الوقت موضوعا واقعا للحكم الاضطراري لا الاضطرار في تمامه فلا تغفل.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 85 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 26 ]

وبعد هذا نقول: انه حيث افاد في مرحلة الثبوت ان جميع الصور الثبوتية تقتضي الاجزاء ما عدا الصورة الثالثة وبين ان مقتضاها ثبوت الامر التخييري بالفعل الاضطراري حال الاضطرار والاختياري بعد ارتفاعه أو خصوص الفعل الاختياري بعد ارتفاع الاضطرار، لما كان الحال كذلك كان مقتضي الاطلاق هو نفي كون الامر الاضطراري على الصورة الثالثة، فمقتضاه الاجزاء حينئذ، إذ ما عدا هذه الصورة من الصور يقتضي الاجزاء، فجهة الارتباط بين مرحلة الثبوت ومرحلة الاثبات واضحة، فان المقصود بدلالة الدليل على الاجزاء هو نفيه الصورة الثالثة. واما وجه اقتضاء اطلاق الدليل نفي هذه الصورة الملازم لدلالته على الاجزاء، فهو ان الصورة الثالثة - كما عرفت - تقتضي التخيير في الواجب بين الفعل الاضطراري عند الاضطرار والاختياري بعده وبين خصوص الفعل الاختياري بعد ارتفاع العذر، فيكون الواجب الاضطراري في هذه الصورة مشتملا على خصوصيتين خصوصية التقييد بالفعل الآخر الاختياري التي هي مفاد " الواو ". وخصوصية التخيير بينه وبين الفعل الاختياري التي هي مفاد " أو ". ولا يخفى ان كلتا هاتين الخصوصيتين منافيتان لمفاد الاطلاق، لان كلا منهما جهة زائدة على اصل الوجوب في الواجب. فيكون مقتضى الاطلاق المنعقد لدليل الامر الاضطراري نفي كلتا الخصوصيتين وان الواجب هو خصوص الفعل الاضطراري لا هو وغيره ولا هو أو غيره الملازم لنفي الصورة الثالثة المستلزم للاجزاء، فمقتضي الاطلاق في النتيجة هو الاجزاء. وهذا البيان واضح في مثل قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا) (1) مما اشتمل على الامر.


(1) سورة النساء الآية: 43. سورة المائدة الآية: 6. (*)

[ 27 ]

واما في مثل: " التراب أحد الطهورين " (1) مما لا يشتمل على الامر فلا يتأتى فيه هذا التقريب، إذ لا يتكفل بيان الوجوب ولا الواجب كي يتمسك باطلاقه في نفي تقييده والتخيير بينه وبين غيره. وقد يقرب التمسك باطلاقه في الدلالة على الاجزاء بان ظاهر الدليل تنزيل البدل الاضطراري - كالتراب - منزلة المبدل منه - كالماء -، فيتمسك باطلاق التنزيل في اثبات كونه بمنزلته في الوفاء بتمام الغرض، فيكون مجزيا كما عرفت. ولكنه لا يخلو من نظر، فان دليل التنزيل ليس ناظرا الى جميع جهات المنزل عليه في مقام التنزيل، فليس المتكلم في مقام البيان من جهة الوفاء بالغرض وعدم وفائه، بل النظر الى التنزيل في مقام التكليف والامر وتعيين الواجب فهو أجنبي عن مقام الوفاء بالغرض. ولكن يمكن تقريبه بنحو آخر وهو ان يقال: ان الدليل يتكفل تنزيل التيمم منزلة الوضوء في تعلق التكليف به وبيان ان الصلاة مع التيمم كالصلاة مع الوضوء في كونها متعلقة للوجوب. وبما ان وجوب الصلاة مع الوضوء في ظرف الاختيار وجوب تعييني غير تخييري، فيكون مقتضي دليل التنزيل هو تنزيل الصلاة مع التيمم منزلة الصلاة مع الوضوء في هذه الجهة وهي كون وجوبها تعيينيا لاطلاق دليل التنزيل من جهة الوجوب وتعلق الامر في التنزيل من هذه الخصوصية الراجعة الى الوجوب. وبالجملة: دليل البدل الاضطراري سواء كان بلسان الامر أو التنزيل يقتضي نفي التخيير بينه وبين غيره كما هو الحال في الصورة الثالثة. وعليه


(1) عن ابي جعفر عليه السلام: " فان التيمم احد الطهورين ". وسائل الشيعة 2 / 991 باب: 21 من ابواب التيمم حديث: 1. (*)

[ 28 ]

فيكون مقتضى اطلاق الدليل الاجزاء. فمرجع كلام صاحب الكفاية الى ان التخيير ملازم لعدم الاجزاء فإذا نفي بالاطلاق كان مقتضاه الاجزاء كما لا يخفى. وقد يورد على التمسك بالاطلاق في نفي التخيير والتقييد بما بيانه: ان التمسك باطلاق الدليل في نفي القيد المشكوك انما يتم في مورد تمامية موضوعه وثبوته، فالتمسك باطلاق كل دليل انما يصح في ظرف ثبوت موضوعه لتفرع ثبوت اصل الحكم على ثبوت الموضوع، فمع عدم ثبوت موضوعه يعلم بعدم ثبوت الحكم. وعليه، فموضوع الامر الاضطراري هو العذر والاضطرار، فلا يصح التمسك باطلاقه في نفي التخيير والتقييد في غير ظرف ثبوت موضوعه وهو ظرف ارتفاع الاضطرار، بل التمسك باطلاقه انما يصح بالنسبة الى القيود المشكوكة في ظرف الموضوع. ولكنه يندفع: بتصور الاطلاق والتقييد في ظرف غير موضوعه، مثلا: إذا ورد حكم بوجوب التصدق على المسافر، فانه يمكن تقييد هذا الحكم ثبوتا بما إذا لم يتصدق في حال الحضر، فمع الشك في ذلك يمكن التمسك باطلاق: " يجب التصدق على المسافر " - مثلا - في اثبات وجوب التصدق عليه مطلقا. سواء كان قد تصدق في الحضر، أو لم يتصدق في حال الحضر وعدم السفر. وذلك لان عدم الوجوب على المسافر لو كان قد تصدق في الحضر يرجع في الحقيقة واللب الى تقييد الوجوب عليه بصورة عدم التصدق في حال الحضر. ومن هذا القبيل ما نحن فيه فان نفي وجوب المأمور به الاضطراري عند الاتيان بالفعل الاختياري في حال الاختيار يرجع الى تقييد دليل الامر الاضطراري لبا بصورة عدم الاتيان بالفعل الاختياري في ظرف الاختيار، فينفي مع الشك باطلاق الدليل.

[ 29 ]

وبالجملة: فالايراد بمنع التمسك بالاطلاق من حيث توقفه على فرض ثبوت موضوعه وعدم صحته في ظرف عدم موضوع الحكم غير تام. فالاولى في مقام الايراد ان يقال: اولا: انه يختص بالاجزاء من حيث اسقاط الاعادة فقط ولا يقتضي الاجزاء من حيث القضاء، كما هو بخصوصه موضوع البحث عند من يرى موضوعية الاضطرار تمام الوقت للحكم الاضطراري. فلا يشمل ما إذا تحقق الاضطرار تمام الوقت. والوجه فيه هو انه مع استمرار العذر الى آخر الوقت لا تكون خصوصية التعيينية ملازمة للقول بالاجزاء كي يكون مقتضي الاطلاق الاجزاء - بلحاظ انه ينفي التخيير -، بل القائل بعدم الاجزاء يرى تعين الفعل الاضطراري في الوقت وعدم جواز تركه والاتيان بالفعل الاختياري خارج الوقت. فتعين الفعل الاضطراري في الوقت وعدم الترخيص في تركه والاتيان بالفعل الاختياري خارج الوقت امر يشترك فيه القائل بالاجزاء وعدمه، فليس نفي التخيير ملازما للاجزاء. ودعوى: ان الصورة الثبوتية الثالثة تقتضي اشتمال الواجب الاضطراري على خصوصيتين إحداهما تقيده بالفعل الاختياري بعد العذر. والاخرى التخيير بينه وبين الفعل الاختياري بعد العذر. والامر الثابت - مع استمرار العذر الى آخر الوقت - هو انتفاء خصوصية التخيير التي هي بمفاد " أو " سواء على القول بالاجزاء أو القول بعدمه. واما تقيده بالفعل الاختياري بعد ارتفاع العذر الذي هو الخصوصية بمفاد " الواو " فهذا لازم القول بعدم الاجزاء فقط، إذ القائل بالاجزاء لا يرى لزوم الاتيان بالفعل الاختياري خارج الوقت بعد ارتفاع العذر. وقد تقدم ان الاطلاق ينفي كلتا الخصوصيتين فهو ينفي خصوصية التقيد بالفعل الاختياري

[ 30 ]

بعد العذر خارج الوقت الملازم لنفي القول بعدم الاجزاء والقول بالاجزاء. وان لم يكن انتفاء خصوصية التخيير ملازمة لعدم الاجزاء في الفرض كما عرفت. مندفعة: بان لزوم الاتيان بالفعل الاختياري بعد العذر خارج الوقت أو في اثنائه، لا يرجع الى تقييد الحكم الاضطراري ولا متعلقه، بل هو حكم آخر استقلالي ناشئ عن المصلحة الفائتة اللزومية، فلا يصح التمسك باطلاق الدليل لنفيه، لان التمسك باطلاق الدليل انما يصح في مورد يرجع القيد المشكوك إلى الواجب أو الوجوب، وهذا القيد كما عرفت لا يرجع الى الوجوب ولا الواجب. إذ كل منهما امر مستقل بذاته واف بمقدار من المصلحة اللزومية، وليس وجوب احدهما ولا الواجب فيه معلقا على امتثال الآخر. فهذا نظير التمسك باطلاق دليل وجوب الصلاة الخاصة في نفي الامر بالفرد الخاص من الصوم. وبالجملة: ما قرره من التمسك بالاطلاق في نفي وجوب الفعل الاختياري مع الاضطراري لا نسلمه لعدم تماميته، وانما الصحيح تمسكه بالاطلاق في نفي التخيير بينه وبين الفعل الاختياري، وقد عرفت عدم إجدائه في مورد استمرار الاضطرار الى آخر الوقت لعدم اختصاص القول بالاجزاء في نفي التخيير، إذ يتعين الفعل في الوقت على كلا القولين. وثانيا: ان ما ذكره لا يجدي في اثبات الاجزاء بالنسبة الى الاعادة، وذلك لان القول بالتخيير بين الفعل الاضطراري حال الاضطرار والفعل الاختياري بعد ارتفاع الاضطرار في الوقت ليس لازما للقول بعدم الاجزاء فحسب، بل القائل بالاجزاء يلتزم بالتخيير أيضا، إذ من الظاهر انه لا يقول احد بلزوم الفعل الاضطراري معينا ولو مع ارتفاع العذر في اثناء الوقت وامكان الفعل الاختياري.

[ 31 ]

بل الفعل الاضطراري يجوز تركه والاتيان بالفعل الاختياري بعد العذر عند الكل فالتخيير لازم أعم للقول بالاجزاء والقول بعدمه. وعليه، فالتمسك بالاطلاق في نفي التخيير لاثبات الاجزاء لا وجه له بعد ان كان التخيير مما يلتزم به القائل بالاجزاء. واما خصوصية تقيد الفعل الاضطراري الواجب بالاتيان بالفعل الاختياري بعد العذر وهي الخصوصية الثانية في الصورة الثالثة الثبوتية، فقد عرفت عدم صلاحية الاطلاق لنفيها، لعدم رجوع الخصوصية الى الواجب ولا الى الوجوب، وعرفت ان ما هو المسلم في نفسه هو التمسك بالاطلاق في نفي خصوصية التخيير. وهذا غير ثابت فيما نحن فيه لاشتراك القولين في الالتزام بالتخيير. وخلاصة القول: ان ما افاده المحقق صاحب الكفاية بعد توجيهه، بما عرفت امر لا يجدي في اثبات إجزاء الاوامر الاضطرارية لا عن الاعادة لان التخيير لازم اعم للقولين. ولا عن القضاء - في موضوعه وهو استمرار العذر الى نهاية الوقت -، لان التعيين لازم أعم للقولين. فلاحظ. الوجه الثاني: مما قيل في إجزاء الامر الاضطراري عن الامر الواقعي وعدمه: ان هذه المسالة من صغريات مسالة التمسك باطلاق العام بعد انتهاء زمان التخصيص التي تحرر في باب الاستصحاب من الاصول وموضوعها ما إذا ورد عام ثم ورد تخصيصه بفرد في ظرف معين وشك في استمرار حكم المخصص بعد ذلك الظرف المعين أو ثبوت حكم العام. فيقع الكلام في امكان استصحاب حكم الخاص أو التمسك باطلاق دليل العام في اثبات حكم العام للفرد ؟ فان الحال فيما نحن فيه كذلك. وذلك لو ورد دليل مطلق يتكفل بيان وجوب الفعل بالطهارة المائية على جميع الافراد، ثم خرج منه الفرد المضطر غير المتمكن في حال اضطراره وعذره، فإذا زال اضطراره يشك في ثبوت حكم العام له وشمول

[ 32 ]

دليل العام له. فما يقال هناك من امكان التمسك باطلاق دليل العام وعدمه يقال هنا لانه من صغريات تلك المسالة. نعم، احتمال استصحاب حكم المخصص منتف هنا للعلم بعدم وجوب الفعل الاضطراري بعد ارتفاع الاضطرار. وبالجملة: هذه المسالة من صغريات تلك المسالة فلا حاجة لاتعاب النفس في الاجزاء وعدمه. والتحقيق: ان هذا الوجه باطل وان مسالة الاجزاء لا ترتبط بتلك المسالة وليست من صغرياتها، إذ يرد على هذا الوجه امور: الاول: انه لو سلم، يتناول حل مشكلة الاجزاء وعدمه من حيث الاعادة فقط، ولا يشمل الاجزاء من حيث القضاء الذي هو بخصوصه موضوع بحث الكثيرين بلحاظ اختيارهم كون الموضوع للامر الاضطراري هو الاضطرار في تمام الوقت، فلا يتصور الاجزاء إلا بلحاظ القضاء كما أشرنا إليه. وذلك لان التخصيص بالفرد المعذور انما كان لاطلاق دليل الفعل في الوقت. اما دليل القضاء فلم يخصص لانه مستقل وليس البحث في شموله لمن أتى بالمأمور به الاضطراري من صغريات البحث في التمسك بدليل العام بعد زمان التخصيص. وبالجملة: حيث وقع البحث من الكثيرين في الاجزاء من حيث القضاء فقط لم يتجه بناء المسالة على مسالة التمسك باطلاق العام بعد إنتهاء زمان التخصيص، لعدم شموله للاجزاء من حيث القضاء، فلابد من ان يكون نظر الباحثين جهة عامة لفروع المسالة. الثاني: انه عليه لابد ان يختص النزاع في مسالة الاجزاء بما إذا كان

[ 33 ]

الاضطرار في اثناء الوقت لا من اوله. وذلك لما تقرر في تلك المسالة من ان خروج الفرد بالتخصيص إذا كان من اول أزمنة الحكم كان التمسك باطلاق العام بعد انتهاء زمان التخصيص مما لا اشكال فيه ولا خلاف ولذا يلتزم بجواز التمسك باطلاق (أوفوا بالعقود) (1) في نفي الشك بعد انتهاء زمان خيار المجلس لان دليله اقتضى التخصيص من اول ازمنة الحكم. نعم إذا كان التخصيص بعد شمول حكم العام للفرد المخصص بعض الوقت كان التمسك باطلاق العام بعد زمان التخصيص محل كلام. وعليه، فإذا كان الاضطرار من اول الحكم، وفي اول الوقت بحيث خرج الفرد عن الحكم من اول زمان الامر بان كان فاقدا للماء من حين الزوال كان التمسك باطلاق دليل العام بعد ارتفاع العذر من المسلمات فلا كلام فيه فيختص الكلام بما إذا كان الاضطرار في الاثناء، مع ان الحال في الاجزاء وعدمه لا يفرق فيه - في كلمات القوم - بين كون الاضطرار من الاول أو في الاثناء. الثالث: - وهو عمدة الاشكال على الوجه المزبور - ان شمول اطلاق دليل العام بعد ارتفاع العذر - فيما نحن فيه - امر مسلم لا ينكره احد وشاهدنا على ذلك، انه لو لم يات بالفعل الاضطراري يجب عليه الفعل الاختياري بعد ارتفاع العذر بمقتضى الاطلاق، فلو كان مجرد التخصيص بالفرد المضطر في بعض الوقت مانعا عن شمول الاطلاق له فيما بعد الاضطرار لم يفترق فيه صورة الاتيان بالفعل الاضطراري وعدمه، ومقتضاه عدم وجوب الفعل الاختياري لو عصى الامر الاضطراري، مع انه لا قائل به. فهذا مما يكشف عن ان شكول الاطلاق لما بعد ارتفاع العذر امر مسلم لا كلام فيه وانما الكلام في جهة اخرى وهي ان دليل الامر الاضطراري هل يقتضي الصد من شمول


(1) - سورة المائدة الآية: 1. (*)

[ 34 ]

الاطلاق لو أتى بالمأمور به الاضطراري. فالبحث ليس في أن التخصيص هل يقتضي نفي شمول الاطلاق لما بعد زمان التخصيص أو لا يقتضي ؟، فان شموله في نفسه ثابت ولا يمنع عنه التخصيص، والا لم يجب الفعل الاختياري ولو لم يات بالفعل الاضطراري عصيانا، لعدم الدليل عليه. وانما البحث في ان الاتيان بالمأمور به الاضطراري بمقتضى دليله هل يمنع من شمول الاطلاق أو لا يمنع ؟. فالكلام في مانعية الاتيان بالمأمور به الاضطراري عن الاطلاق - بمقتضي دليل الامر الاضطراري - لا في مانعية نفس تخصيص الامر الواقعي لشمول الاطلاق. فلا تبتني هذه المسالة على تلك وليست من صغرياتها، لان جهة البحث في تلك المسالة مفروغ عنها هنا ولا كلام فيها، للجزم باحد طرفيها والبحث في جهة اخرى. فلا حظ. الوجه الثالث: ما قرره المحقق النائيني - كما في أجود التقريرات (1) - في بيان الاجزاء من حيث الاعادة ومحصله: انه اما ان يكون موضوع الامر الاضطراري هو الاضطرار تمام الوقت، فإذا انتفى الاضطرار في الاثناء كشف عن عدم ثبوت الامر الاضطراري بالمرة، فإذا كان احراز الاضطرار تمام الوقت - المتوقف عليه الاتيان بالعمل في اول الوقت - بالاستصحاب الاستقبالي، إبتنى الكلام في الاجزاء هنا على إجزاء الامر الظاهري، إذ يتحقق بالاستصحاب أمر ظاهري ثم يظهر كون الواقع خلافه. وان كان موضوع الامر الاضطراري هو الاضطرار بعض الوقت، كان الاتيان بالمأمور به الاضطراري مجزيا لو ارتفع العذر في الاثناء للاجماع على عدم وجوب صلاتين في وقت واحد. والمفروض انه


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 196 - الطبعة الاولى. (*)

[ 35 ]

جاء بصلاة واجبة، فلا تجب الاخرى جزما. وهذا الوجه واضح المنع فانه يختص بباب الصلاة، إذ موضوع الاجماع هو عدم تعدد الواجب الصلاتي في وقت واحد، فهو غاية ما يثبت الاجزاء في باب الصلاة، ولا يخفى ان الاوامر الاضطرارية لا تختص بباب الصلاة بل تتعدى الى غيرها من الواجبات ولم يثبت قيام الاجماع على عدم تعدد الواجب مطلقا في الوقت الواحد. وبالجملة: هذا الوجه أخص من المدعى. والعجيب من السيد الخوئي " دام ظله " انه بعد أن قرر الاشكال على المحقق النائيني في تعليقته على التقريرات وذكر انه لا دليل على الاجزاء في غير باب الصلاة قال: " فان كان لدليل الامر بالفعل الاضطراري اطلاق يقتضي جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال ولو كان الاضطرار مرتفعا بعده فهو المرجع، والا فاصالة البرائة تقتضي عدم وجوب الاعادة، فمقتضى القاعدة هو الاجزاء في موارد الامر الاضطراري مطلقا " (1). ووجه الغرابة فيه هو: رجوعه الى إصالة البرائة لنفي وجوب الاعادة، مع ان شمول اطلاق دليل الواجب الاختياري في نفسه لما بعد ارتفاع العذر امر مسلم مفروغ عنه. والكلام فيما يمنع عنه، والشاهد على شموله ما عرفت من انه لو لم يات بالفعل الاضطراري في حال الاضطرار لا يستشكل أحد في وجوب الفعل الاختياري عليه بعد ارتفاع الاضطرار بدليل الواجب، فالتمسك باصالة البرائة في قبال اطلاق الدليل لا يعرف وجهه. مضافا الى ان ما ذكره من الرجوع الى اطلاق دليل الامر الاضطراري إذا اقتضى جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال ولو ارتفع الاضطرار في الاثناء،


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 196 [ هامش رقم (1) ] - الطبعة الاولى. (*)

[ 36 ]

وكونه هو المحكم المرجع، وان كان تاما في نفسه، إلا ان الذي ينبغي ذكره بيان تقريب إقتضاء اطلاق دليل الامر الاضطراري للاجزاء وجهة دلالته عليه، فانه هو الذي ينبغي ان يحرر، لا بيان الرجوع الى الاطلاق لو اقتضى الاجزاء، فلاحظ. وقد قرب الاجزاء في بحثه - كما في مصابيح الاصول (1) - بنحو آخر يختلف عما جاء في التعليقة. وبيانه: ان الامر الاضطراري ملازم للاجزاء وذلك لان الصور الثبوتية للامر الاضطراري كما جاء في الكفاية اربعة، ثلاثة منها تلازم الاجزاء وواحدة وهي الصورة الثالثة - حسب ترتيب الكفاية - تقتضي عدم الاجزاء كما عرفت بيانه. والامر الاضطراري في هذه الصورة - أعني الثالثة - غير معقول، وذلك لرجوع الامر فيه الى التخيير بين الاقل والاكثر، فان الفعل الاختياري مامور به، اما وحده أو مع الفعل الاضطراري وهو - اي التخيير بين الاقل والاكثر - محال كما يحقق في محله انشاء الله تعالى. وإذا ثبت انه في الصورة الثالثة ليس هناك امر اضطراري وانه إذا وجد فهو لا ينفك عن ان يكون باحد الانحاء الثلاثة الاخرى، وقد عرفت انه ملازم للاجزاء فيها جميعها فيمكن على هذا دعوى ملازمة الامر الاضطراري للاجزاء بلا احتياج الى تقريب اطلاق أو قيام ضرورة واجماع. وفيه: ان التخيير بين الاقل والاكثر بعنوانه غير معقول كما ذكر، لكن سيأتي انشاء الله تعالى ارجاع ما ظاهره التخيير بين الاقل والاكثر الى التخيير بين المتباينين بدعوى ان طرف التخيير هو الاقل بحده وبشرط لا وهو مباين للاقل بشرط شئ الذي يتحقق بالاكثر.


(1) بحر العلوم علاء الدين. مصابيح الاصول 1 / 263 - الطبعة الاولى. (*)

[ 37 ]

وبالجملة: قد تقرر في محله تصوير التخيير بين الاقل والاكثر بنحو معقول وهو ارجاعه الى التخيير بين المتباينين، فيرتفع المحذور الذي يذكر في التخيير بين الاقل والاكثر كما يجاب في محله عن الايراد بعدم الاثر في التخيير. فانتظر. وخلاصة الايراد عليه: ان التخيير بين الاقل والاكثر بارجاعه الى التخيير بين المتباينين كما سيجئ لا محذور فيه، فيمكن ارجاع ما نحن فيه الى ذلك النحو من التخيير. فالتفت. الوجه الرابع لتقريب الاجزاء - وهو يختص بالاوامر الضمنيه كما سيتضح -: ان دليل الفعل الاضطراري.. تارة: يكون متكفلا لبيان محققية الفعل لما هو الشرط أو الجزء في المأمور به الواقعي. غاية الامر أنه يقيد بصورة الاضطرار والعذر. مثلا إذا اخذ في المأمور به الواقعي شرط خاص كالطهارة بالنسبة الى الصلاة ثم بين بدليل آخر أن الفعل الكذائي محقق لهذا الشرط وسبب له، كالدليل الدال على سببية الوضوء للطهارة، فمقتضى اطلاق هذا الدليل سببية الوضوء للطهارة في مطلق حالات وآنات المكلف. فإذا جاء دليل يبين فيه بان التيمم كالوضوء في محققيته للطهارة ووجودها به كقوله (عليه السلام): " التراب أحد الطهورين " ولكنه في ظرف خاص وهو ظرف الاضطرار، لم يكن منافيا لدليل سببية الوضوء، بل كان الاتيان به في ظرفه إتيانا للفعل واجدا لشرطه الواقعي، نظير ما لو دل دليل على سببية غسل الجمعة للطهارة في يوم معين وهو يوم الجمعة، فانه لا تنافي بين دليل الغسل والوضوء. فإذا كان دليل الفعل الاضطراري يتكفل بيان محققية الفعل للشرط الواقعي للمأمور به كدليل: " التراب أحد الطهورين " بالنسبة الى دليل شرطية

[ 38 ]

الطهارة وهو: " لا صلاة إلا بطهور " (1)، غاية الامر انه يقيد بصورة العذر وحاله، فإذا جاء بالتيمم في حال العذر فقد تحقق منه الشرط للمأمور به الواقعي وهو الطهارة، فيكون قد جاء بالصلاة المأمور بها واقعا، وهي الصلاة مع الطهارة، فلا كلام في الاجزاء لانه في الحقيقة يكون من الاتيان بالمأمور به الواقعي ولا اشكال في إجزاء الاتيان بالمأمور به عن أمره. وبالجملة: ليس لدينا في هذا الفرض مامور به بالامر الاضطراري، بل ليس إلا الامر الواقعي. غاية الامر دليل الاضطرار يتكفل التوسعة فيما هو المحقق للشرط فيضيف الى الوضوء - مثلا - التيمم في سببيته للطهارة. ومن هنا يقال انه لو توضأ في مواضع جواز التيمم للعذر صح الوضوء لاطلاق دليله الشامل لصورة العذر، وعدم منافاة دليل التيمم له، إذ هو يتكفل سببية التيمم ولا ينفي سببية الوضوء. وعليه، فالماتي به مع التيمم يكون هو المأمور به الواقعي لانه صلاة مع الطهارة، فلا اشكال في إجزائه، فيخرج الفرض نتيجة عن محل الكلام في الاجزاء وعدمه، إذ لا تعدد للامر في المقام. واخرى: يكون دليل الاضطرار متكفلا للامر بالفعل الاضطراري مع العذر - لا بيان إشتراك الفعل الاضطراري مع الفعل الاختياري في الاثر المعتبر في المأمور به - كالامر بالجلوس في الصلاة مع العجز عن القيام، وكالامر بالتيمم مع العذر لو قيل بان الشرط هو الوضوء لا الطهارة الحاصلة باحدهما ونحو ذلك. فلا اشكال في إجزاء الفعل الاضطراري عن الامر الواقعي أيضا. بيان ذلك: ان دليل الشرطية لا تكليفا والزاما بالفعل - حتى يختص بصورة التمكن -، بل انما يتكفل بيان دخالة هذا الفعل في حصول


(1) وسائل الشيعة 1 / 256، باب: 1 من ابواب الوضوء، حديث: 1 و 6. (*)

[ 39 ]

المركب وتوقفه على وجود الشرط، بمعنى انه مع عدم الاتيان به لا يتحقق المركب المأمور به، فحقيقة الامر بالشرط الارشاد إلى إعتبار هذا الفعل في تحقق المأمور به، ومعه لا يختص الاشتراط بصورة التمكن، بل مقتضى اطلاق الدليل هو كونه شرطا في حال التمكن وعدمه، إذ عدم التمكن من الشرط لا ينافي شرطيته ودخالته في تحقق المركب، نظير الشروط في الامور التكوينية، فان دخالتها في تحقق المركب وتوقف وجوده عليها لا يختص بحال دون حال. فان توقف " إلا سكنجبين " على السكر لا يرتفع في حال عدم التمكن من السكر أو توقفه على الطبخ الخاص للاجزاء المعينة. وبالجملة: مقتضى دليل الشرطية هو كونه شرطا مطلقا تمكن أو لم يتمكن، إذا جاء دليل يتكفل بيان شرطية شئ في حال عدم التمكن.. فتارة: يكون لسانه لسان جعل شرط مستقل غير الشروط المعتبرة، بمعنى انه لا يتعرض بمفاده الى الشروط الاخرى، بل يتكفل جعل شرط آخر في هذا الحال، فهو خارج عما نحن فيه. إذ الشرط الاختياري بعد على اعتباره في حال العذر. وانما اضيف إليه شرط آخر، فلا يكون من باب الامر الاضطراري، بل لابد من الاتيان بكلا الشرطين مع التمكن عقلا - ولا ملازمة بين التمكن وانتفاء الشرط الاضطراري، إذ يمكن ان يكون موضوعه الاضطرار الشرعي كالحرج لا العقلي. واخرى: لا يكون مفاده ذلك، بل يكون ناظرا الى الشرط المعتبر غير المتمكن منه فعلا، فيتكفل بيان ان الشرط في هذا الحال هو هذا الفعل، كالجلوس، فينفي شرطية القيام. فيكون دليل شرطية الجلوس حاكما على دليل شرطية القيام وموجبا لتقييد شرطيته في حال التمكن، ومتكفلا لجعل شرطية الجلوس في حال العذر، مع بقاء الامر الاول بالمركب على حاله وانما تبدل الشرط.

[ 40 ]

وعليه، فيكون الشرط الواقعي للمأمور به بالامر الصلاتي الواقعي هو الجلوس - مثلا - في حال العذر، فيكون الاتيان بالصلاة من جلوس اتيانا بالمأمور به الواقعي، وهو ملازم للاجزاء، لاجزاء اتيان المأمور به بالنسبة الى أمره. بتعبير آخر نقول: ان دليل شرطية الجلوس لا يتعرض الى الامر باصل الصلاة مع القيام، بل يتعرض الى دليل شرطية القيام المتكفل لاطلاق شرطيته، فيتكفل بمقتضى الحكومة تقييد دليله بحال التمكن، ويكون الشرط للصلاة في حال الاضطرار هو الجلوس، فالساقط في حال الاضطرار هو شرطية القيام لا الامر بالصلاة، بل هو باق كما كان. لكن قيد المأمور به بشرط آخر وهو الجلوس، فالاتيان بالصلاة من جلوس اتيان بالمأمور به الواقعي، وهو يقتضي الاجزاء وسقوط الامر بالصلاة، للاتيان بما هو المأمور به بشرطه. وخلاصة القول: ان إجزاء الفعل الاضطراري عن الامر الواقعي واستلزامه لسقوطه في مورد تكفل دليل الاضطرار بيان سببية ومحققية الفعل لما هو الشرط في المأمور به، ومورد تكفله بيان شرطية الفعل في حال عدم التمكن ونفي شرطية غيره في هذه الحال أمر واضح جدا لا يحتاج الى تكلف بيان ومزيد برهان، كما جاء في التقريبات الاخرى للاجزاء. ولعله لاجل وضوحه وكونه على طبق القاعدة كان الاجزاء في فتاوى الاعلام أمرا مفروغا عنه ولا يتردد فيه أحد، بل ان الفقيه الهمداني (رحمه الله) التزم بطرح رواية موثقة مفادها لزوم القضاء في مورد الاتيان بالفعل الاضطراري، لجهات منها مخالفتها للقاعدة العقلية المسلمة وهي الاجزاء، ومنافاتها لها. ولكن الذي ينبغي التنبيه عليه - كما أشرنا إليه - هو ان هذا التقريب الذي ذكرناه يتكفل بيان الاجزاء في الاوامر الضمنية الاضطرارية كالاوامر المتعلقة بالشروط والاجزاء.

[ 41 ]

واما بالنسبة الى الامر الاضطراري بمركب آخر غير المركب المأمور به في حال الاختيار، فلا يتكفل هذا التقريب بيان إجزاء الاتيان بالمأمور به عنه، فلو فرض وجود مثل ذلك في الشرع لم يصح تطبيق هذا التقريب عليه، واستنتاج إجزاء الماتي به الاضطراري عن الامر الواقعي. فان اساس ثبوت الاجزاء - على التقريب الذي ذكرناه - هو ارجاع الفعل الاضطراري الى كونه فردا للمأمور به الواقعي في عرض الفرد الاختياري، فيكون مسقطا للامر بلا كلام، لاجزاء الاتيان بالمأمور به عن أمره. وهذا المعنى لا يتاتي فيما إذا تعدد الامر كما لا يخفى. هذا كله بالنسبة إلى الاجزاء من حيث الاعادة. واما الاجزاء من حيث القضاء الذي عرفت ان محل الكلام فيه ما إذا اخذ الاضطرار تمام الوقت موضوعا للامر الاضطراري، إذ لا يتصور في المقام الاجزاء من حيث الاعادة، لان ارتفاع العذر في الاثناء يكشف عن عدم ثبوت الامر الاضطراري. ثم لا يخفى ان الكلام في الاجزاء من حيث القضاء إنما يقع في ما إذا كان مقتضى القاعدة الاولية ثبوت القضاء، لقيام الدليل عليه. فيتكلم في أن الفعل الاضطراري يكفي عن القضاء أو لا يكفي، إذ لو لم يثبت القضاء بدليل في نفسه لا معنى للبحث في إجزاء الفعل الاضطراري عنه وكفايته، لعدم ثبوته. والبحث في الاجزاء والكفاية يقتضي ثبوت كلا الطرفين المجزي والمجزي عنه والكافي والمكفي. وطريق معرفة ثبوت القضاء بقول مطلق في جميع الواجبات عند عدم الاتيان بما هو المأمور به الواقعي في الوقت. احد وجوه: الاول: ان يكون هناك اطلاق يقتضي وجوب الفعل مطلقا في الوقت وخارجه الى آخر العمر، ثم ياتي دليل منفصل يدل على التوقيت بوقت معين،

[ 42 ]

ولكن يستكشف من مجموع الدليلين أو من دليل التوقيت ان التوقيت لا يرجع إلى أصل المطلوب بل الى تمامه. وبعبارة اوضح: يفهم من قرينة داخلية أو خارجية ان التوقيت ماخوذ بنحو تعدد المطلوب لا وحدته، أو يرجع الى دخالة الوقت في ملاك اقوى ملزم، فإذا فات الفعل في الوقت كان مقتضى الاطلاق ثبوت وجوب الفعل خارجه، إذ لم يقيد أصل الواجب بالوقت. وانما كان هناك مطلوب آخر لم يؤت به، وهو الاتيان بالواجب وايقاعه في الوقت، أو يكون مقتضى عموم الملاك ثبوت الحكم خارج الوقت لفوات بعضه بخروج الوقت، والمفروض كون الباقي ملزما بالفعل. وعلى هذا الاساس يقال بتبعية القضاء للاداء وان دليل الاداء نفسه يتكفل ايجاب القضاء. الثاني: ان لا يلتزم باطلاق دليل الفعل الواجب وشموله الى ما بعد الوقت، بل ما يدل عليه هو وجوب الفعل في الوقت لا أكثر، لكن يرد دليل خارجي يدل على ان التوقيت المأخوذ في الدليل انما هو على نحو تعدد المطلوب لا وحدته، وان في المقام مطلوبين أحدهما الفعل. والآخر ايقاعه في الوقت، فإذا فات الثاني بخروج الوقت بقي الاول أعني طلب الفعل على حاله. الثالث: ان لا يكون مقتضى الاطلاق تعدد المطلوب، ولا ذلك مقتضى دليل خارجي، بل يكون الوقت والواجب بنحو وحدة المطلوب، ولكن يثبت دليل خارجي على لزوم الاتيان بالفعل مع عدم الاتيان بالواجب الواقعي في الوقت، فيثبت لزوم القضاء. والحاصل: أنه باحد هذه الوجوه الثلاثة يمكن اثبات لزوم القضاء بقول مطلق في جميع الواجبات، فيتكلم في هذا الفرض في كفاية الفعل الاضطراري عنه، واستلزامه لسقوط وعدم كفايته. ومع هذا لا وجه للتمسك في نفي وجوب القضاء باجراء إصالة البرائة

[ 43 ]

باعتبار الشك فيه، وهو شك في التكليف الذي تجري فيه اصالة البرائة، لان فرض الكلام وجود دليل يدل على لزوم القضاء وهو شامل في نفسه لما نحن فيه. والكلام في إجزاء الفعل الاضطراري عنه، اما مع الشك فيه فليس هو محل الكلام، إذ لا معنى للبحث في إجزاء الفعل الاضطراري عنه وعدم إجزائه - كما لا يخفى - ثم ان الوجه في إجزاء الفعل الاضطراري عن القضاء بناء على ما قر بناه من الاجزاء عن الاعادة واضح، إذ موضوع لزوم القضاء هو عدم الاتيان بالواجب الواقعي في الوقت. وقد عرفت بمقتضى التقريب المزبور - ان الفعل الاضطراري يكون فردا للمأمور به الواقعي، لان دليله اما ان يتكفل بيان محققية الفعل في حال الاضطرار لما هو الشرط الواقعي، أو يتكفل بيان شرطية الفعل للمأمور به الواقعي في حال العذر، بحيث ينفى بالملازمة شرطية الفعل الاختياري، ويستلزم تقييد اطلاقه بحال الاختيار وعدم العذر. وعلى كلا التقديرين يكون إتيان الفعل الاضطراري إتيانا لما هو المأمور به واقعا، ومعه يسقط الامر بالفعل، فلا يبقى ثابتا الى ما بعد خروج الوقت، بل الحال فيه ههنا عين الحال في الاعادة، كما انه لا يتحقق موضوع القضاء ليشمله دليل القضاء المنفصل، لعدم ترك الواجب الواقعي في وقته. وبالجملة: نفس التقريب السابق في نفي الاعادة يتاتى في نفي القضاء بلا زيادة ولا نقصان، فالتفت. وقد قرب نفي القضاء في الكفاية بما تقدم بيانه، من التمسك باطلاق دليل الفعل الاضطراري في نفي التخيير الملازم للاجزاء عن الاعادة - بالبيان المتقدم -، فيستلزم الاجزاء عن القضاء، إذ مع سقوط الامر بالاعادة في ظرف الاعادة يسقط الامر بالقضاء جزما، لتفرعه على الامر بالفعل في الوقت. فبيانه (قدس سره) وان اختص بنفي الاعادة لكنه يلازم نفي القضاء.

[ 44 ]

ولكن عرفت الاشكال عليه بان هذا لا يشمل الاجزاء عن القضاء فيما لو كان موضوع الامر الاضطراري هو الاضطرار تمام الوقت، لان تعيين الفعل في الوقت الثابت بالاطلاق ليس لازما للقول بالاجزاء. بل القائل بعدم الاجزاء يقول بتعيين الفعل الاضطراري في الوقت وعدم جواز تركه، فالتمسك بالاطلاق في نفي التخيير واثبات التعيين لا يلازم الاجزاء، بل هو لازم أعم للاجزاء وعدمه، فلا يتكفل تقريبه اثبات الاجزاء عن القضاء. وجاء في تقريرات المحقق النائيني (رحمه الله) تقرير الاجزاء عن القضاء بما محصله: ان القيد المتعذر في تمام الوقت اما ان يكون دخيلا في ملاك الواجب مطلقا، حتى في حال التعذر، كالطهور. فلا يمكن الامر بفاقده في الوقت لعدم كون الفاقد ذا مصلحة، واما ان لا يكون دخيلا في ملاك الواجب حين تعذره، كالطهارة المائية، فلا تكون الفريضة فائتة بملاكها لحصوله بالفعل مع التيمم، فلا يجب القضاء لان القضاء تابع لفوت الفريضة في الوقت بملاكها. فالامر بالفاقد في الوقت يكشف عن تحقق الملاك به - وإلا لما أمر به - ومعه لا معنى لايجاب الققضاء (1). وقد اورد عليه: بان هذا انما يتم في ما لو فرض وحدة المصلحة والملاك في الامر الاضطراري والواقعي وهو غير مفروض، إذ يمكن ان يكون الامر الاضطراري بملاك آخر ومصلحة اخرى - مع فوات مصلحة الواجب الواقعي في حال التعذر -، فيتكلم في ان هذه المصلحة هل يتدارك بها ما فات من مصلحة الواقع أو لا ؟. وعليه، فالامر الاضطراري لا يكشف عن وفاء الفعل بمصلحة الواقع، لامكان ان يكون ناشئا عن مصلحة اخرى في الفعل، دون ان يكون فيه مصلحة


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 195 - الطبعة الاولى. (*)

[ 45 ]

الواقع لدخالة القيد المتعذر في تحققها. والذي يظهر بعد كل هذا ان الوجه التام والقريب إلى الاذهان في اثبات الاجزاء من حيث الاعادة والقضاء هو ما ذكرناه. فتدبر. الموقع الثاني: في اجزاء الامر الظاهري عن الامر الواقعي، كما لو قام اصل أو أمارة على عدم وجوب السورة في الصلاة، فصلى بدون سورة، ثم انكشف ان السورة واجبة، فهل تكون الصلاة بدون سورة مجزية عن الواقع اولا ؟. وقبل الخوض في محل الكلام لابد من التنبيه على ما هو موضوع البحث، فنقول: موضوع البحث ما إذا استند عمله الى حجة شرعية في الواقع، بحيث لا تنسلب حجتها في ظرفها مع انكشاف كون الواقع على خلافها. وبتعبير آخر: ما إذا كان للحكم الظاهري ثبوت واقعي انقطع بانكشاف الواقع وانتهى أمده بمعرفة الواقع، فلا يشمل ما إذا كان له وجود تخيلي يتضح انتفاؤه من اول الامر بانكشاف الواقع، كما إذا استند الى ما تخيل انه حجة شرعية، كخبر فاسق تخيل انه خبر عادل فانه وان كان في حين العمل معذورا لجهله المركب، ولكن لم يثبت في حقه حكم ظاهري واقعا بل تخيلا، إذ لم تقم الحجة الواقعية في حقه، بل ما تخيل انه حجة، وهو لا يستلزم ثبوت الحكم الظاهري. والسر في عدم دخول مثل هذا الحكم الظاهري في موضوع البحث، ما يشير إليه صاحب الكفاية في ذيل مبحث الاجزاء (1) من عدم اجزاء الحكم المقطوع به عن الواقع، وذلك لان جميع ما يقال في تقريب الاجزاء في الاوامر الظاهرية بنحو التعميم أو التفصيل لا يتاتى في مثل هذا، إذ لا وجود للحكم


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 88 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 46 ]

الظاهري كي يبحث عن اجزاء العمل على طبقة عن الواقع. فهو خارج عن موضوع البحث في الاجزاء وعدمه. فموضوع البحث ما إذا كان للحكم الظاهري ثبوت واقعي في زمان محدود يتحدد بانكشاف الخلاف، بحيث يكون انكشاف الخلاف رافعا للحكم الظاهري من حينه لا من اول الامر، فهو لا يكشف عن عدم ثبوت الحكم الظاهري وانما يقتضي ارتفاعه. كما إذا استند في عمله الى قول المجتهد المفروض انه حجة في حقه، ثم بعد حين انكشف له باجتهاده ان الواقع على خلاف رأي المجتهد الذي كان يقلده، فان انكشاف الخلاف لا يسلب حجية القول المجتهد في ظرفها ولا يكشف عن عدم حجيته، فلا يقتضي الا رفع الحكم الظاهري لا نفيه من اول الامر، فللحكم الظاهري ثبوت واقعي، فيبحث في انه يقتضي اجزاء العمل المأتي به على طبقه عن الواقع اولا. ومن هذا البيان يظهر ان تبدل الرأي الحاصل للمجتهد وانكشاف كون الحكم الواقعي خلاف ما كان يرتأيه اولا لا يدخل في موضوع البحث - بالنسبة الى عمل نفسه دون مقلديه كما سيظهر -، وذلك لان الحكم الظاهري الثابت في نظره اولا بواسطة الاستناد الى حجة حكم تخيلي، فانه ينكشف لديه انه قد اشتبه في استفادة الحكم المذكور، اما لاشتباهه في دلالة الدليل فكان يتخيل ظهوره في شئ ثم يظهر له انه ظاهر في غيره، أو لاشتباهه في سند الدليل بتخيل ان الخبر لعادل فظهر انه لغير عادل. وبالجملة: الذي يتبين للمجتهد في اغلب الموارد انه لم يكن ما استند إليه في مقام العمل وابداء الرأي حجة شرعية - فلم يكن ما تخيل انه ظاهر بظاهر فلا يكون حجة، وما تخيل انه خبر عادل بخبر عادل وهو غير حجة وهكذا -، فليس للحكم الظاهري السابق وجود واقعي في حقه، إذ ليس هناك ما يقتضيه، لانه ينشاء عن قيام الحجة، بل كان له وجود تخيلي انكشف عدمه من اول الامر

[ 47 ]

بانكشاف عدم حجية ما استند إليه في مقام الحكم من ظهور ونحوه. فيشكل الاجزاء في حقه بالنسبة الى عمل نفسه. نعم يتاتى بحث الاجزاء في الفرض بالنسبة الى عمل مقلديه، إذ قول المجتهد بالنسبة إليهم حجة واقعا، فيكون الحكم الاول ثابت في حقهم في مرحلة الظاهر واقعا، وان ارتفع بالحكم الثاني المستنبط اخيرا، لكنه ارتفع من حين الراي الثاني لا من اول الامر. فتدبر. وبعد هذا نقول: ان البحث يقع في اجزاء الحكم الظاهري اعم من ثبوته باصل أو أمارة، واعم من كون انكشاف خلافه بامارة ظنية أو بعلم وجداني. وفي المسالة اقوال كثيرة، ولا يهمنا سطرها، وانما المهم بيان ما يحتمل من وجوه الاجزاء. وقد ذهب صاحب الكفاية الى الاجزاء في بعض الاصول دون الامارات إذا كان اعتبارها بنحو الطريقية - ولا يخفى ان الفرق بين الامارة والاصل، ان الشك وعدم العلم ماخوذ في موضوع الاصل دون الامارة، فان عدم العلم ماخوذ فيها بنحو الظرفية لا بنحو الموضوعية، وتحقيق الفرق بين اخذه موضوعا واخذه ظرفا ياتي في محله انشاء الله تعالى من مباحث الاصول العملية - اما ما ذكره بالنسبة الى اجزاء بعض الاصول وهو ما كان متكفلا لتنقيح ما هو موضوع التكليف وبلسان جعله وايجاده، كاصالة الطهارة واصالة الحلية واستصحاب الطهارة والحلية، بناء على كون المجعول في الاستصحاب حكما ظاهريا مماثلا للحكم الواقعي الذي قواه صاحب الكفاية (1). فقد افاد: ان اصالة الحل والطهارة بما انهما يتكفلان جعل الموضوع وايجاده في ظرف الشك، كان مقتضى ذلك ترتب الشرطية على ما هو المجعول


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 392 و 414 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 48 ]

بهما، فيكون دليلهما متكفلا لتوسعة صدق موضوع الشرطية المأخوذ في دليل الاشتراط، فيكون حاكما على ادلة اشتراط الطهارة والحلية لتكفله بيان احد افراد الموضوع، ويكون الماتي به مع الطهارة أو الحلية الظاهرية واجدا لشرطه واقعا، لان الشرط الواقعي هو الاعم. فتكون الطهارة المجعولة في ظرف الشك نظير الطهارة الاصلية الثابتة لمطلق الاشياء - غير ما استثني من الاعيان النجسة - أو الطهارة المتحققة بعد التطهير بالكر. وعليه فيكون العمل مجزيا عن الواقع للاتيان بما هو المأمور به بشرطه، ولا يكون العلم بالنجاسة من باب انكشاف فقدان الشرط، بل من باب ارتفاع الشرط كطر والنجاسة على ما كان طاهرا حسب اصله، لتحقق الشرط سابقا وهو الطهارة الظاهرية وقد ارتفعت بالعلم لتحديدها به. وبالجملة: فاصالة الطهارة تكون حاكمة على ادلة الاشتراط، فتثبت الشرطية للطهارة الثابتة بها (1). وقد اورد على ما افاده (قدس سره) بالنقض والحل ولابد قبل التعرض لبيان الايرادات من ايضاح كلام الكفاية وسبر مراده، كي يتضح الحال في ما اورد عليه نقضا وحلا. وايضاحه يتوقف على بيان مقدمتين: المقدمة الاولى: ان الحكومة - كما ذكره في محله - عبارة عن نظر احد الدليلين الى الدليل الآخر وتصرفه فيه في مرحلة دلالته، اما في عقد الوضع أو الحمل. وهذا يتصور بانحاء ثلاثة: الاول: ان يكون الدليل المحكوم متكفلا لجعل حكم على موضوع اعتباري جعلي، فياتي دليل آخر يتكفل ايجاد فرد من افراد ذلك الموضوع وجعله


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 86 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 49 ]

اعتبارا في مورد ما، فيترتب عليه الحكم الثابت بالدليل المحكوم قهرا. مثلا: لدينا دليل يتكفل جواز بيع المملوك، كما لدينا دليل يتكفل جعل الملكية واعتبارها في مورد الحيازة. فان هذا الدليل يتكفل ايجاد الموضوع فيتسع صدق الموضوع به. ويثبت الحكم له بالدليل الاول المتكفل لجواز بيع المملوك. ومثله ما إذا استصحبت الملكية، فانه - على بعض المباني - يتكفل ايجاد الملكية، نظير دليل من حاز ملك. غاية الامران موارد الاعتبار تختلف، فهذا يتكفل الاعتبار في مورد الحيازة، وذلك في مورد الشك. فالدليل المتكفل لايجاد الموضوع ليس له نظر الى ترتب الحكم عليه الثابت بالدليل الآخر، بل الحكم ثابت قهرا بمقتضى الدليل الآخر بعد تحقق الموضوع في عالمه - نعم لابد من الالتفات الى ترتب الحكم عليه كي يخرج الاعتبار عن اللغوية بلا ان يكون الاعتبار بحاظ ثبوت الاثر بدليل الاعتبار، بل دليل الاعتبار لا يتكفل سوى الايجاد والاعتبار لا غير - ومن هنا خرج هذا النحو عن الحكومة الاصطلاحية المتقومة بنظر احد الدليلين الى الآخر، لعدم كون دليل الاعتبار ناظرا لدليل ثبوت الحكم على الموضوع الاصطلاحي وانما يشترك مع الحكومة في الاثر، وهو تقدم الدليل المتكفل لايجاد الموضوع على ما يتكفل ترتيب الحكم على الموضوع، بل لا تنافي بينهما كما عرفت تقريبه. الثاني: ان يكون الدليل المحكوم بحسب ظاهره متكفلا لجعل الحكم على الموضوع الواقعي، فيتكفل دليل آخر اعتبار كون هذا الفرد فردا للموضوع مع عدم كونه كذلك حقيقة، فان هذا الدليل يكون ناظرا الى ترتيب الاثر الثابت بالدليل المحكوم على الموضوع الاعتباري بتكفله التوسعة في موضوع الحكم وجعله اعم من الحقيقي والاعتباري، فيثبت الاثر للموضوع الاعتباري بالدليل المحكوم. فالدليل الحاكم يكون ناظرا الى ترتب الحكم على موضوعه ومتكفلا بنفسه الى اثباته بالدليل المحكوم، باعتبار انه يتكفل التوسعة في موضوعه.

[ 50 ]

فالفرق بين هذا النحو وسابقه: ان الحكم يترتب على الموضوع الاعتباري في الاول بنفس الدليل المحكوم بلا ان يكون الدليل الحاكم دخيلا في هذا الامر، بخلافه في النحو الثاني فان الامر وان كان يثبت بالدليل المحكوم لكن بواسطة الدليل الحاكم ونظره في الاعتبار الى ترتب الاثر الذي يتكفله الدليل المحكوم. الثالث: ان يكون الدليل الحاكم متكفلا لاثبات حكم مماثل على موضوعه، لا اثبات نفس الحكم الثابت بالدليل المحكوم - كما في بعض ادلة التنزيل -، ولعل قوله: " الطواف في البيت صلاة " (1) يرجع الى هذا النحو، فانه بهذا اللسان ناظر الى اثبات شرطية الطهارة ونحوها للطواف، ولكن يثبت به حكم مماثل لحكم الصلاة، لا ان نفس الشرطية المنشاة في قوله مثلا: " لا صلاة الا بطهور " (2) تثبت للطواف، بل يثبت المماثل لها. المقدمة الثانية: ان الدليل المتكفل لاثبات موضوع ظاهري بلحاظ ترتب أثر معين له، تارة: يكون لهذا الاثر أثر مناقض ثابت لضد موضوعه، نظير استصحاب الملكية لزيد، فانه يترتب عليه أثر الملكية لجواز النقل والانتقال، وللملكية ضد وهو الوقف، له اثر مناقض لاثر الملكية، وهو عدم جواز النقل والانتقال. واخرى: لا يكون للموضوع الظاهري الثابت بالدليل ضد ذو أثر مناقض لاثره، نظير الطهارة بلحاظ الشرطية للصلاة، فانه ليس للنجاسة اثر يناقض الشرطية وهو المانعية عن الصلاة، إذ لم تؤخذ النجاسة مانعا، بل المأخوذ هو الطهارة في موضوع الشرطية - وقد تقرر ان احد الضدين إذا اخذ شرطا امتنع اخذ الضد الآخر مانعا لتساوي الضدين رتبة واختلاف الشرط والمانع في


(1) كنز العمال 3 / 10 الفصل الرابع في السعي والطواف. حديث: 206. (2) وسائل الشيعة 1 / 365. أبواب الوضوء حديث: 1. (*)

[ 51 ]

الرتبة -، نعم للنجاسة آثار لا تناقض الاثر المرغوب، كنجاسة الملاقي ونحوها. وهذان النحوان يشتركان في جهة ويمتازان في جهة اخرى. اما اشتراكهما: ففي انه بقيام الدليل على ثبوت الموضوع يحكم ظاهرا بنفي جميع آثار الضد الآخر المناقضة لاثر الموضوع وغيرها. اما في النحو الاول: فواضح، فانه بعد ان ترتب على استصحاب الملكية - مثلا - جواز النقل والانتقال يحكم ظاهرا بنفي عدم جواز النقل والانتقال، ولا يمكن الالتزام بهما للتناقض. واما في النحو الثاني: فان الاثر المترتب على الضد وان لم يكن مناقضا للاثر المترتب على الموضوع الظاهري، لكن الحكم بثبوته ظاهرا ملازم لنفي ضده في مرحلة الظاهر المستلزم لنفي آثار الضد، فبعد ان حكم بطهارة الماء - مثلا - المستلزم لنفي نجاسته فعلا وفي مرحلة الظاهر لا يعقل ترتيب آثار النجاسة وان لم تكن مناقضة لاثر الطهارة، إذ لا يعقل الحكم بالطهارة ونفي النجاسة وترتيب آثار النجاسة، فيحكم بطهارة ملاقيه ظاهرا ونحوه. واما امتيازهما: ففي ان الدليل المتكفل لايجاد فرد ظاهري لموضوع الحكم حقيقة إذا لم يكن للاثر المترتب عليه اثر مناقض له ثابتا لضده، كان ثبوت ذلك الاثر للموضوع المجعول ثبوتا واقعيا، بمعنى انه يثبت له في مرحلة الواقع ونفس الامر، إذ هو فرد من افراد موضوعه ولو في ظرف معين، فيثبت له واقعا بمقتضي دليله الخاص. ومن هذا القبيل الطهارة بالنسبة الى الشرطية في الصلاة، فان الدليل الذي يثبت الطهارة ويكونها ويعتبرها في مرحلة الشك يقتضي ثبوت الشرطية للهارة واقعا، لان موضوعها هو الطهارة وهي امر اعتباري، واعتبار الشارع لها في مرحلة الشك تحقق فرد تكويني لها، فتثبت له واقعا من دون مانع، فيكون حال دليل الطهارة حال الدليل المتكفل اعتبار الطهارة إذا طهر النجس في الكر في ثبوت الشرطية لها واقعا لانه فرد للموضوع.

[ 52 ]

واما إذا كان لضده اثر مناقض للاثر المترتب عليه، فبما ان الدليل لا يتكفل نفي الضد الآخر واقعا وتكوينا حتى تنتفي آثاره الواقعية واقعا بل يتكفل نفي الضد ظاهرا، فلا يمتنع ان يكون ثابتا في الواقع وتثبت له آثاره بدليلها. فحينئذ يتعارض الدليلان الدليل المتكفل لاعتبار الموضوع الذي يترتب عليه اثر خاص، والدليل المتكفل لاثبات اثر - للموضوع الواقعي المفروض تحققه - مناقض لذلك الاثر، إذا لا يمكن اجتماع هذين الحكمين المتناقضين معا على موضوع واحد. ومن هذا القبيل: الملكية لزيد الثابتة بالاستصحاب التي يترتب عليها جواز النقل والانتقال. فانه إذا كانت العين في الواقع وقفا كان أثرها مناقضا للاثر الثابت بالاستصحاب، وذلك لعدم جواز بيع الوقف ولا يقبل النقل والانتقال: فاستصحاب ملكية زيد يقتضي جواز البيع والنقل والانتقال. والوقفية الواقعية - بمقتضى الدليل الواقعي - تقتضي عدم جواز ذلك. فيتعارض الدليلان لعدم امكان اجتماع الحكمين. ففي الحال هذه اما ان يلتزم بتخصيص الادلة الواقعية وتقييدها بحال الشك وجريان الاستصحاب، بان يقال: ان عدم جواز بيع الوقف الثابت بدليله الواقعي انما هو في غير حال الشك وقيام الاصل على عدم الوقفية، واما مع ذلك فهو جائز واقعا ولا يحكم بعدم الجواز واقعا. أو لا يلتزم بذلك لوصمة التصويب فيه بتقيد الاحكام الواقعية على الموضوع بحال العلم به. وانما يلتزم بان الجواز ظاهري والحكم بعدمه واقعي، فيجمع بين الدليلين بذلك. فإذا زال الشك وعلم بالوقفية يرتفع الحكم الظاهري بجواز البيع لارتفاع موضوعه، ويتاتى فيه حديث الاجزاء. وهذا بخلاف الصورة الاولى، فانه حيث لا مانع من ثبوت الحكم واقعا للموضوع باعتبار عدم ترتب الاثر المناقض على ضده لو كان ثابتا في الواقع، مع وجود المقتضي لذلك، وهو كونه فردا للموضوع تكوينا، كان ثبوت الحكم له

[ 53 ]

ثبوتا واقعيا لا يتصور فيه انكشاف خلاف، بل يرتفع بارتفاع موضوعه لانكشاف الخلاف في موضوعه. وإذا تبين هذا فنقول: ان ادلة الاشتراط تتكفل اثبات الشرطية للهارة ودخل وجودها في العمل الصلاتي - مثلا -، فالدليل المتكفل لجعل الطهارة وايجادها في عالمها الواقعي لها - أعني العالم الاعتباري - يكون موجبا لترتب الشرطية عليها بالدليل الاول، لانه قد حقق احد مصاديق الموضوع، فيترتب عليه الحكم قهرا، فيكون حاكما على ادلة الاشتراط بالمعنى الاول للحكومة التي عرفت انها ليست من انواع الحكومة الاصطلاحية، لعدم النظر في الدليل الحاكم الى الدليل المحكوم اصلا، لانه لا يتكفل سوى جعل فرد وايجاده من دون ان ينظر الى ترتب الحكم الثابت بذلك الدليل عليه مما تقدم. وبالجملة: حال اصالة الطهارة بالنسبة الى دليل الاشتراط حال ما يتكفل تكوين " عالم " حقيقة بالنسبة الى دليل: " اكرم العلماء " ولما لم يكن للشرطية أثر مناقض مترتب على النجاسة الواقعية، إذ لم تؤخذ النجاسة مانعا لامتناع ذلك كما عرفت الاشارة إليه، كان ثبوت الشرطية للهارة الظاهرية - بمعنى المجعولة في حال الشك بالطهارة والنجاسة الواقعيتين - ثبوتا واقعيا. فالطهارة الظاهرية شرط واقعا. فيكون العمل الذي جاء به مع الطهارة الظاهرية واجدا لما هو الشرط واقعا، فإذا زال الشك وعلم بالنجاسة وزالت الطهارة الظاهرية لم يكن في العمل بالنسبة الى الشرط انكشاف خلاف الواقع لوجدانه للشرط واقعا، وانما يكون من باب تبدل الموضوع فتزول الشرطية قهرا، لارتفاع موضوعها كما لو تنجس الطاهر. وعليه، فالمقصود من حكومة اصالة الحل والطهارة على ادلة الاشتراط هذا المعنى من الحكومة - أعني حكومة ما يتكفل ايجاد ما هو الموضوع واقعا وتكوينه -، فيترتب عليه الاثر واقعا بادلة الاشتراط.

[ 54 ]

نعم اصالة الطهارة بالنسبة الى غير الشرطية من الآثار التي ثبت ضدها للنجاسة كجواز الشرب، إذ لا يجوز شرب النجس، لا تتكفل ثبوتها الواقعي، وذلك لان الموضوع الذي تكفلت بيان طهارته في حال الشك إذا كان نجسا واقعا تثبت له آثار النجاسة الواقعية في الواقع كعدم جواز الشرب، ودليل الطهارة يتكفل جواز شربه، فيتعارضان، وقد عرفت ان مقتضى الجمع الصحيح هو الالتزام بان الحكم الثابت بالاصل حكم ظاهري والثابت للنجس الواقعي حكم واقعي ويتقرر فيهما ما قرر في كيفية الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي. وهكذا الحال بالنسبة الى آثار النجاسة الخاصة غير المناقضة لاثر الطهارة، كتنجيس الملاقي - إذ ليس عدم تنجيس الملاقي من آثار الطهارة المجعولة، بل المجعول هو تنجيس الملاقي للنجاسة -، فان اصالة الطهارة تتكفل نفيها ظاهرا لاستلزامها نفي النجاسة ظاهرا كما عرفت. وعليه، فإذا زال الشك وانكشف الخلاف انكشف خلاف الحكم الظاهري الثابت، وزال الحكم الظاهري من حين انكشاف الخلاف. وخلاصة الكلام: ان اصالة الطهارة بضميمة دليل الاشتراط تتكفل اثبات الشرطية واقعا، فيكون زوال الطهارة ظاهرا موجبا لارتفاع موضوع الشرطية وهو الطهارة، ولا يتصور في الشرطية كشف خلاف الواقع، لعدم المانع من ثبوت الشرطية واقعا مع وجود المقتضي وهو دليل الشرطية. واما بالنسبة الى غير الشرطية من الآثار المترتب ضدها على النجاسة فهي تتكفل ثبوته ظاهرا لانه مقتضي الجمع بين الدليلين. ومن هنا خص صاحب الكفاية بالاجزاء مورد حكومة اصالة الطهارة على ادلة الاشتراط وبالنسبة الى الشرطية والشطرية. فالتفت جيدا. وبوضوح ما ذكرنا يتضح عدم الوجه فيما اورد على صاحب الكفاية نقضا: بان اصالة الطهارة إذا كانت تتكفل التوسعة الواقعية في موضوع له.

[ 55 ]

لزم ان لا يحكم بتنجس ما يلاقي النجس واقعا المحكوم بطهارته ظاهرا، ويحكم بطهارته بعد انكشاف الخلاف لانه لاقى الطاهر في حينه. كما لزم ان يحكم بصحة الوضوء أو الغسل بالماء الثابتة طهارته باصالة الطهارة أو استصحابها، مع كونه نجسا واقعا - لو انكشف ذلك -، لان شرط صحة الوضوء والغسل طهارة الماء وقد تحققت. وبانه لو كان الاستصحاب كاصالة الطهارة يتكفل التوسعة في الموضوع واقعا. لزم ان نحكم بصحة البيع المترتب على استصحاب ملكية زيد للمال مع انكشاف انه وقف واقعا أو انه ملك لعمرو، لتحقق موضوع صحة البيع وجواز النقل والانتقال وهو ملكية زيد. والحال انه لا يلتزم احد بهذه اللوازم حتى صاحب الكفاية نفسه (1). ووضوح عدم ورود هذه النقوض: ان نجاسة الملاقي من احكام النجس، إذ لم يؤخذ عدم النجاسة حكما للطهارة شرعا. وبما ان الطهارة تضاد النجاسة كان الحكم بطهارة الماء ظاهرا ملازما لنفي النجاسة ظاهرا الملازم لنفي نجاسة ملاقيه ظاهرا لا واقعا. وعليه إذا انكشف نجاسة الماء واقعا زال الحكم الظاهري، وعلم بان الملاقي قد لاقى ما هو نجس فيترتب عليه حكم ملاقاة النجس وهو النجاسة. وبالجملة: الحكم بطهارة الملاقى حكم ظاهري لا واقعي كالشرطية، للفرق الواضح كما اشرنا إليه في اصل التقريب. وهكذا الحال في عدم صحة الوضوء والغسل، لانه لم يثبت أخذ الطهارة في الوضوء والغسل شرطا كي تثبت للماء واقعا لعدم المانع، بل يمكن ان يدعى


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 200 - الطبعة الاولى. (*)

[ 56 ]

أخذ النجاسة فيهما مانعا، فالذي يتكفله دليل الطهارة حينئذ نفي المانعية ظاهرا بالملازمة العقلية، فإذا انكشف الخلاف بالعلم بنجاسة الماء فقد انكشف كون الوضوء مع المانع الواقعي، لعدم نفي المانعية واقعا باصالة الطهارة. وبالجملة: لا يعلم ان اصالة الطهارة بالنسبة الى الوضوء والغسل تتكفل حكما واقعيا يقتضي صحتهما، لاحتمال أخذ النجاسة مانعا فيهما وعدم أخذ الطهارة شرطا، وقد عرفت ان اعتبار أخذ الضدين ظاهرا انما ينفي آثار الضد الآخر - ولو لم تكن مناقضة لآثاره - ظاهرا لا واقعا. واما النقض باستصحاب الملكية لزيد، فعدم وروده لاجل ان للملكية ضدا، له أثر يناقض أثرها، وذلك الاثر هو عدم جواز النقل والانتقال. فجواز النقل والانتقال الثابت باستصحاب ملكية زيد بمقتضى الجمع بين الدليلين جواز ظاهري يرتفع بانكشاف خلافه، فتكون المعاملة واقعة على ما هو وقف أو ملك عمرو واقعا وحكمها عدم جواز الصحة واقعا. ولعل النقض المذكور قد جاء في ذهن صاحب الكفاية فخص حكومة الاستصحاب باستصحاب الطهارة لا مطلق الاستصحاب، فقال: " واستصحابهما... ". والحاصل: ان موارد النقوض يختلف فيها الحال عن مورد الشرطية فلا يلزم بهما صاحب الكفاية. وقد اورد المحقق النائيني على صاحب الكفاية مضافا الى بعض النقوض بالحل وهو اربعة وجوه: الاول: ان الحكومة بنظر صاحب الكفاية تتقوم بان يكون الدليل الحاكم مفسرا وشارحا للدليل المحكوم، بتضمنه الفاظ الشرح كلفظ: " أعني " وما شابهه، ولاجل ذلك لم يلتزم بحكومة ادلة نفي الضرر والحرج على ادلة الاحكام الواقعية.

[ 57 ]

وعليه، فلا تتجه دعوى حكومة اصالة الطهارة واصالة الحل والاستصحاب على ادلة الاشتراك لعدم كون لسانهما لسان الشرح والتفسير (1). وفيه: اولا: انه لم يثبت من صاحب الكفاية هذا الالتزام في باب الحكومة وان كان له شاهد في بعض عباراته في الكفاية - كما بينا ذلك في محله -، لصراحة متابعته الشيخ في حاشيته على الرسائل في تفسير الحكومة في نفي ذلك (2). ومقتضى القاعدة وان كان نسبة ما تتضمنه الكفاية إليه دون التعليقة مع الاختلاف، لتأخر الكفاية، الا انه حيث لم يكن لما ذكره في الكفاية ظهور جزمي فيما نسب إليه لم يمكن نسبة المعنى المذكور إليه. وثانيا: ان المهم فيما نحن فيه هو بيان تقدم اصالة الطهارة على ادلة الاشتراط، وتكفلها التوسعة الواقعية في مصاديق الشرط، وقد عرفت وجهه، اما كون جهة هذا التقديم هي الحكومة أو غيرها فهذا لايهم فيما نحن بصدده، فالايراد المذكور ايراد لفظي صرف يرجع الى بيان عدم صحة تسمية جهة التقديم بالحكومة، وهو غير مهم في اصل الدعوى وتحقيق الاجزاء. الثاني: ان اصالة الطهارة يستحيل ان تكون متكفلة للتوسعة الواقعية للشرط، لانها تتكفل جعل الطهارة في مرحلة الظاهر ومورد الشك بالواقع، فكيف تكون بنفسها موجبة لثبوت حكم واقعي لها وهو الشرطية ؟ (3). وفيه: انها انما تتكفل جعل الطهارة في مرحلة الظاهر، وذلك لا ينافي ان يثبت للطهارة الظاهرية المجعولة حكم واقعي، وقد عرفت ان اصالة الطهارة انما تتكفل التوسعة الواقعية في الشرط، وهو لا ينافي كون المجعول بها حكما ظاهريا.


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 198 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. حاشية فرائد الاصول / 257 - الطبعة الاولى. (3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 198 - الطبعة الاولى. (*)

[ 58 ]

وبتعبير آخر: ما ذكره (قدس سره) انما يتجه لو ادعى اتحاد ما تتكفل جعله اصالة الطهارة وما تستلزم توسعته واقعا، إذ بعد فرض ان المجعول بها امر ظاهري قد لوحظ الجهل بالواقع فيه لا يمكن فرض تكفلها توسعة المجعول بها واقعا وايجاد فرد واقعي، فانه خلف فرض كون المجعول بها امرا ظاهريا. واما مع اختلاف المجعول بها وما تستلزم توسعته فلا محذور فيه، والامر كذلك، فان اصالة الطهارة لا تتكفل التوسعة الواقعية في نفس الطهارة، بل تتكفل التوسعة في الشرط الواقعي وما هو موضوع الشرطية واقعا، وهذا لا ينافي كون المجعول بها الطهارة الظاهرية، إذ لا امتناع في كون الطهارة الظاهرية شرطا واقعا. الثالث: ان الحكومة على نحوين: نحو يكون الدليل الحاكم في رتبة الدليل المحكوم، بان لا يكون الشك في الدليل المحكوم ماخوذا في موضوع الدليل الحاكم، نظير دليل: " لا شك لكثير الشك " بالنسبة الى ادلة الشكوك في الصلاة، فانهما في رتبة واحدة لاتحاد موضوعيهما رتبة، وهذا النحو يعبر عنه بالحكومة الواقعية والدليل الحاكم فيه يكون معمما واقعا للدليل المحكوم أو مخصصا بلسان الحكومة. ونحو يكون الدليل الحاكم متاخرا في المرتبة عن الدليل المحكوم، بان كان الشك في الدليل المحكوم ماخوذا في الدليل الحاكم، فيتأخر موضوعه المستلزم للتاخر الرتبي، يعبر عن هذا النحو بالحكومة الظاهرية، لان الدليل الحاكم فيه لا يتكفل التوسعة أو التضييق في الدليل المحكوم واقعا لفرض ثبوته في مرحلة الشك بالواقع، بل يتكفل التوسعة أو التضييق في مرحلة الظاهر والاحراز، فيترتب عليه آثار الواقع ما لم ينكشف الخلاف، ومع انكشافه ينكشف عدم ثبوت الاثر الواقعي، لعدم تحقق موضوعه، فيكون مقتضى القاعدة عدم الاجزاء. والحكومة فيما نحن فيه من هذا القبيل، لكون المفروض أخذ الشك في الواقع في موضوع ادلة الاصول، فلا تكون الاصول في رتبة الدليل الواقعي، بل

[ 59 ]

يكون نظرها الى ترتب الحكم على المجعول بها ظاهرا وفي ظرف الشك. وعليه، فمع انكشاف الخلاف يتضح عدم وجدان العمل لشرطه الواقعي، فلا وجه للحكم بالاجزاء حينئذ (1). وفيه: ان ما ذكره يتم لو كانت الحكومة باحد النحوين الاخيرين الذين يتكفل الدليل الحاكم فيها ترتيب الحكم والنظر فيه الى ترتب الاثر، فيتكفل بنفسه التوسعة فيما هو موضوع الحكم، فانه يقال عليه: انه إذا فرض انه يتكفل جعل الموضوع في مرحلة الظاهر فلا محالة جعل الحكم له ظاهرا ايضا فيتاتى فيه انكشاف الخلاف. واما إذا كان المراد من الحكومة هو المعنى الاول لها الذي قد عرفت ان الدليل الحاكم فيه لا يتكفل سوى ايجاد الموضوع بلا ان يكون ناظرا الى ترتيب الحكم عليه، بل الحكم يثبت له بدليله الخاص، فلا يتكفل سوى التوسعة في مقدار صدق ما هو الموضوع وانطباقه، لا التوسعة في الموضوع، فلا يتاتى فيه ما ذكره لان ثبوت الحكم للمجعول يكون ثبوتا واقعيا، لا معنى لانكشاف الخلاف فيه. وقد عرفت ان حكومة اصالة الطهارة على ادلة الاشتراط التي ادعاها صاحب الكفاية من النحو الاول، لان موضوع الشرطية أمر اعتباري ينوجد بالاعتبار والجعل وهو الطهارة، واصالة الطهارة تتكفل ايجاد فرد للموضوع في ظرف خاص بلا ان تتكفل هي جعل الحكم وترتيب الاثر، بل تثبت الشرطية بدليلها للطهارة باعتبار انطباق الموضوع عليها وكونها فردا من افراده كالطهارة المجعولة للاشياء بحسب اصلها أو بعد التطهير بالكر، فهي انما تتكفل التوسعة في دائرة انطباق الموضوع لا في دائر نفس الموضوع. فتدبر. الرابع: ان حكومة اصالة الطهارة إذا كانت بلحاظ انها تتكفل ايجاد


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 199 - الطبعة الاولى. (*)

[ 60 ]

الموضوع وجعل ما هو المماثل، وبتعبير آخر: إذا كانت جهة حكومة اصالة الطهارة واستصحابها هو تكفلهما ايجاد حكم ظاهري، لزم ان يلتزم بالحكومة في موارد الامارات، لانها تتكفل جعل حكم الظاهري مماثل للمؤدى، فالامارة القائمة على طهارة الماء تتكفل بدليل اعتبارها جعل الطهارة واعتبارها ظاهرا، فتثبت لها الشرطية واقعا لانها فرد للموضوع الاعتباري، فلا يتصور فيه كشف الخلاف ايضا، فلا يتجه التفصيل بين الاصول والامارات، مع ان ملاك الحكومة والاجزاء في كليهما متحقق (1). ولا يخفى ان هذا الايراد - وان كان لا يخلو عن وجه في نفسه - لكنه من مثل المحقق النائيني (قدس سره) غير وجيه، لانه (قدس سره) لا يلتزم بكون المجعول في باب الامارات حكما ظاهريا، بل ما يلتزم به كون دليل الاعتبار متكفلا لجعل الطريقية وتتميم الكشف - كما سيجئ توضيحه في محله -، فالنقض على صاحب الكفاية بالامارات غير وجيه، كما ان لا يصلح ان يكون ايرادا جدليا يذكر لالزام صاحب الكفاية بالنقض، لان صاحب الكفاية يتفق مع المحقق النائيني في عدم كون المجعول حكما ظاهريا بدليل الامارة، وان كانت يختلف معه في كون المجعول بدليل الامارة المنجزية والمعذرية التي يدعي المحقق النائيني عدم معقولية جعلها. فهذا الايراد انما يورد على من يلتزم بان المجعول في باب الامارة حكم ظاهري مماثل، إذ يتجه النقض بالامارة حينئذ وطلب الفارق بين الموردين. وقد تصدى المحقق الاصفهاني للاجابة عنه وبيان الفرق الفارق بين الاصل والامارة بما بيانه: ان لسان دليل الاصل يختلف عن لسان دليل الامارة فان لسان الاصل مفاده جعل فرد ظاهري للطهارة في مقابل الفرد الواقعي، مع


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 199 - الطبعة الاولى. (*)

[ 61 ]

غض النظر عن الواقع، فيتكفل قهرا ثبوت الحكم لهذا الفرد يوجب التوسعة في موضوع الحكم، فيكون اعم من الفرد الواقعي والظاهري، فلا يتصور فيه كشف خلاف. ولسان الامارة مفاده جعل الفرد الواقعي واعتباره وبيان ان مفاد الامارة هو الواقع، فلا تتكفل جعل شئ في قبال الواقع بل تتكفل اعتبار هذا هو الواقع، فلا يقتضي التوسعة في موضوع الحكم، بل تتكفل ثبوت آثار الواقع لما اعتبر بها، فإذا تبين انه غير الواقع كان من باب انكشاف الخلاف، إذ لم تثبت الاثار الواقعية له، بل تثبت آثار الواقع للبناء على انه الواقع، فيتصور فيه انكشاف الخلاف بخلاف الاصل، فانه لما لم يكن الاعتبار فيه بلحاظ الواقع كان متكفلا للتوسعة في الموضوع وثبوت الاثار الواقعية، فلا معنى لانكشاف الخلاف، بل يزول الحكم بزوال موضوعه (1). ولا يخفى ان هذا الجواب لا يدفع الاشكال على ما قربنا به عبارة الكفاية، لانه لم نلتزم بتكفل دليل الاصل التوسعة في الموضوع وترتيب الحكم على الفرد الظاهري، كي يفرق بين الاصل والامارة في كيفية المفاد ونحو اللسان، بل قد عرفت تقريبه، بان الاصل لا يتكفل سوى جعل الموضوع الظاهري من دون لحاظ ترتب الحكم عليه، فيترتب عليه الحكم الثابت بدليله الخاص على طبيعي الموضوع الاعتباري، فهو انما يوجب التوسعة في دائرة صدق الموضوع لا دائرة نفس الموضوع. وهذا المعنى يتاتى في مفاد الامارة، فانها تتكفل جعل الموضوع الاعتباري ظاهرا فتحقق فردا للموضوع فيثبت له الحكم قهرا بدليله لانه احد افراد الموضوع، واختلاف اللسان وكون النظر في الامارة الى جعل الموضوع بلحاظ الواقع لا يكون فارقا بعد ان كانا مشتركين فيما هو ملاك ثبوت الاثر الواقعي واقعا وهو تكفلها ايجاد فرد للموضوع الاعتباري،


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 153 - الطبعة الاولى. (*)

[ 62 ]

ولا نظر لهما الى ترتب الاثار، كي يقال: ان نظر الاصل الى ترتب الاثر الواقعي واقعا، ونظر الامارة الى ترتب أثر الواقع ظاهرا. فالحق في الجواب ان يقال: ان الفرق الفارق بين الاصل والامارة لا يرجع الى اختلاف لسانيهما، بل الى اختلاف المجعول بهما، فالمجعول بالاصل غير المجعول بالامارة، بيان ذلك: ان المجعول بالاصل هو الطهارة بلا نظر الى الواقع اصلا، بل تعتبر الطهارة بالاصل مع غض النظر عن الواقع وباسدال الستار عليه، فيكون الطهارة الثابتة بالاصل فردا لطبيعي الطهارة الاعتبارية الثابت لها الاثر بالدليل المعين، في مقابل الفرد الواقعي وفي عرضه فيثبت لها الاثر الواقعي كما يثبت للطهارة الواقعية، لكون كل منهما فردا تكوينيا لما هو موضوع الاثر. وهذا بخلاف الجعل في الامارة، فانه بلحاظ الوصول الى الواقع، فالمجعول بالامارة هو الطهارة بما انها الطهارة الواقعية وبما هي ثابتة واقعا - ولذا يصح نسبة مفاد الامارة الى الله على انه الواقع، والالتزام به على انه كذلك، بخلاف مفاد الاصل فانه لا يصح الالتزام به على انه الواقع، وهذا امر تشترك فيه جميع الالتزامات في المجعول في باب الامارة من المنجزية أو الطريقية أو الحجية أو الحكم المماثل، فان الجميع يلتزمون بهذا المعنى وانه عند قيام الامارة يصح الالتزام بمفادها بما انه الواقع ويصح نسبته إليه تعالى كذلك فيقال حكم الله الواقعي كذا -. وعليه، فالفرد الثابت بالامارة لا يكون في عرض الواقع، بل في طوله فترتب عليه آثار الواقع ظاهرا لا الاثر الواقعي، فيتصور فيه كشف الخلاف بانكشاف انه غير الواقع دون ما هو مفاد الاصل. ولايضاح هذا المعنى جيدا ورفع الابهام فيه كاملا نقول: انه إذا ثبت حكم على طبيعي موضوع، كما إذا ثبت الحكم على طبيعي العالم، فكان له فرد تكويني حقيقي، وثبت بالدليل فرد اعتباري - وان لم يكن حقيقة كذلك - ثبت

[ 63 ]

ذلك الحكم لكلا الفردين الحقيقي والاعتباري، لان كلا منهما فرد للطبيعي، فإذا اعتبر الفرد الاعتباري - بلحاظ جهة ما كالشك فيه - ثابتا متحققا، بان ورد الاعتبار على الفرد لا على الطبيعي، كان دليل الاعتبار بمقتضى ذلك متكفلا لثبوت آثار الفرد الاعتباري عليه في مرحلة الشك، فإذا تبين انه ليس الفرد الاعتباري كان من باب انكشاف الخلاف ويزول الحكم حينئذ، ويتبين ان لا موضوع لترتيب الاثار، إذ لم يكن ذلك الفرد الاعتباري ثابتا في الواقع، إذ الاعتبار الثاني في طول الاعتبار الاول فتترتب عليه آثاره لا في عرضه، كي تترتب عليه الاثار الواقعية. إذا عرفت هذا فما نحن كذلك، فان الاثر وهو الشرطية قد ترتب على طبيعي الطهارة التي هي امر اعتباري، فلها فرد واقعي لم يؤخذ في موضوعه الشك كالطهارة المعتبرة عند التطهير بالكر أو كالطهارة الاصلية. وقد ثبت لها فردا آخر ظاهرا وهو الطهارة المعتبرة بالاصل، لكنه ثابت في عرض الفرد الواقعي، ولذا كان الاعتبار واردا على المفهوم الطهارة وكليها. فثبت له الشرطية كما تثبت للفرد الواقعي. ولكن الطهارة الثابتة بالامارة ليست كذلك، فانه لم يعتبر بها مفهوم الطهارة وطبيعيها، وانما المعتبر هو الطهارة الواقعية، أعني الفرد الواقعي للطهارة الاعتبارية - وهو غير المأخوذ في موضوعه الشك -، فظهر: ان المعتبر في الامارة هو الطهارة بما انها الواقع. وعليه، فلا تثبت لها آثار طبيعي الطهارة المأخوذ في الموضوع، بل تثبت لها آثار الواقع، إذ هي فرد اعتباري للواقع، فهي في طوله، فتترتب عليه آثاره، والا لما اتجه اعتبار الواقع، بل كان اللازم ان يعتبر اصل الطهارة ويتحقق كليهما في عالم الاعتبار والجعل كي تترتب عليه الاثار الواقعية، ومعه يتصور انكشاف الخلاف بظهور عدم ثبوت الطهارة الواقعية والفرد الواقعي المعتبر للطهارة،

[ 64 ]

فينكشف عدم تحقق ما هو موضوع الاثر - وهو الشرطية - فيكون العمل فاقدا للشرط الواقعي. وذلك لا يثبت في مفاد الاصل، لان المعتبر هو المفهوم - وهو ثابت في عالم الاعتبار لا ينكشف عدم تحققه - وليس المعتبر به الفرد الواقعي. وعليه فترتب عليه آثار المفهوم ومنها الشرطية واقعا، فيكون العمل واجدا للشرط الواقعي في ظرفه. ولم ينكشف عدم تحقق الشرط لتحقق موضوع الشرطية، بل يزول الشرط وينعدم بزوال الشك فتدبر. وخلاصة القول: ان الفرق الفارق هو الاختلاف في ما هو المجعول فيهما واقعا وثبوتا فلاحظ. وبهذا البيان يتضح ان ما افاده في الكفاية من الاجزاء في موارد الاصول الجارية في تحقيق ما هو موضوع التكليف أو متعلقه، لا مانع عن الالتزام به، بل لا محيص عنه لسلامته عن أي محذور قيل فيه. ثم انه (قدس سره) التزم بعدم الاجزاء في موارد الامارات الجارية في تنقيح ما هو الموضوع أو المتعلق بناء على الطريقية، وبالاجزاء بناء على السببية. واما الاصول والامارات الجارية في نفس الاحكام الشرعية، فقد التزم بعدم الاجزاء في مواردها مطلقا، قيل بالطريقية أو السببية (1). اما عدم التزامه بعدم الاجزاء في مورد الامارة الجارية في تحقيق الموضوع أو متعلق الحكم بناء على الطريقية فقد بين سره بما تقدم من المحقق الاصفهاني (قدس سره) في بيان الفرق بين الاصل والامارة - ولعله استخلصه من ظاهر عبارة الكفاية -، من ان لسان دليل الامارة جعل الموضوع بما انه الواقع، فتتكفل جعل آثار الواقع عليه، فالامارة القائمة على الطهارة تتكفل بيان تحقق ما هو الشرط واقعا، فيتصور فيه كشف الخلاف بانكشاف عدم ثبوت الطهارة


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 87 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 65 ]

الواقعية، وقد تقدم بيان عدم وفاء هذا المعنى بالمطلوب، وبيان ما هو التحقيق في الفرق الفارق من انه اختلاف المجعول واقعا وثبوتا فلا نعيد. واما التزامه بالاجزاء في مورد الامارة الجارية في تحقيق الموضوع أو المتعلق بناء على السببية، فقد بينة بانه حيث يكون مودى الامارة بقيام الامارة ذا مصلحة واقعية، فيتاتى فيه الاحتمالات الثبوتية المتاتية في المأمور به الاضطراري، من ان المصلحة اما ان تكون وافية بتمام مصلحة الواقع أو بعضها، ولم يمكن تدارك الباقي أو امكن، وكان لازم التدارك أو غير لازم التدارك، وقد تقدم ان جميع الاحتمالات الثبوتية غير الاحتمال الثابت ملازم للاجزاء، كما عرفت ان مقتضى الاطلاق نفي الاحتمال الثالث المستلزم الاجزاء. وقد اورد عليه: بان هذا انما يتم بناء على السببية التي يلتزم بها المصوبة واهل الخلاف، دون التي يلتزم بها أهل الحق المخطئة (1). ولا بد لنا في وضوح كلام الكفاية نفيا أو اثباتا في هذه الجهة والجهة الاخرى - اعني التزامه بعدم الاجزاء مطلقا في الاصول والامارات القائمة على الحكم - وما ذكره في الاصل العملي عند الشك في اعتبار الامارة من باب الطريقية أو السببية، واختلاف الحال فيه عن الاصل العملي في باب الاوامر الاضطرارية أو الظاهرية بناء على السببية. من البحث في الاجزاء مستقلا بنحو كلي، وبه تتضح كل جهة من جهات كلامه. فنقول: ان الاصل أو الامارة التي يثبت بها حكم ظاهري، تارة تكون جارية في الموضوع. واخرى في نفس الحكم. فالاولى: كما إذا قامت البينة أو الاستصحاب على موت زيد الذي يترتب عليه آثار شرعية. والثانية: كالامارة القائمة على وجوب صلاة الجمعة.


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 202 - الطبعة الاولى. (*)

[ 66 ]

وانكشاف الخلاف وان الواقع على خلاف مؤدى الامارة، تارة يحصل بالعلم الواجداني التكويني. واخر يحصل بحجة وأمارة اخرى بحيث تمنع من نفوذ الاولى. ولا يخفى انه قد يشتبه الامر على بعض، فلا يتصور دخول صورة قيام الحجة الاخرى على خلاف الاولى في موضوع الكلام، ويخصص الكلام فيما إذا حصل الانكشاف بالعلم. وجهة ذلك: ان قيام الامارة الاخرى والحجة الثانية المتأخرة لا يمنع من حجية الامارة الاولى في ظرفها، ولا ينفي كون مفاد الاولى هو الوظيفة العملية الفعلية للمكلف في حينه، وعليه فلا يتصور فيه كشف خلاف الاولى من اول الامر وان الواقع على خلاف مفادها، إذا لا تنفى حجيتها في ظرف قيامها وعدم وجود الحجة الاقوى المتأخرة. ولا يخفى انه توهم فاسد ينشأ من عدم الالتفات الى ما هو محل الكلام وموضوع النزاع. وذلك لان موضوع الكلام: ما إذا قامت أمارة على تعيين الوظيفة الفعلية الظاهرية استمر ذلك، ثم انكشف ان هذه الوظيفة الظاهرية لم تكن على طبق الواقع. وهذا كما يتصور في العلم كذلك يتصور بقيام حجة اخرى. اما صورة قيام العلم فواضحه. واما صورة قيام الحجة، فلان الحجة الاخرى وان لم تمنع من حجية الاولى في حينها ولا تنفي كون مفاد الاولى هو الوظيفة الظاهرية الفعلية في ظرفها، لكن مفادها ان الواقع هو مؤداها وان غيره ليس بواقع، فيكون مفادها ان الوظيفة الظاهرية السابقة على خلاف الواقع، فالعلم والامارة الاخرى يشتركان في عدم نفي حجية الامارة السابقة وكون مؤداها في حينها هو الوظيفة الفعلية - إذ بالعلم ينكشف الواقع، وذلك لا يمنع

[ 67 ]

من كون الامارة القائمة على خلافه حجة قبل حصوله -، الا انهما يتكفلان الكشف عن ان تلك الوظيفة الفعلية لم تكن على طبق الوظيفة الواقعية، فيقع الكلام في ان تلك الوظيفة الفعلية الظاهرية مع العلم بمخالفتها للواقع وجدانا أو تعبدا وبالامارة، هل تجزي عن الواقع ولا يلزم الاتيان بالوظيفة الواقعية فعلا، أو بما يترتب الآثار الشرعية على فوات الواقع - لو فرض فواته - أو لا تجزي ؟. وبالجملة: بعد العلم بعدم الاتيان بالوظيفة الواقعية، يتكلم في ان ما جاء به من الوظيفة الظاهرية هل يكفي فلا يلزم الاتيان بالواقع أو بما يترتب على فواته شرعا، أو لا يكفي فلابد من ترتيب آثار عدم الاتيان بالواقع من الاتيان به لو لم يفت وقته أو قضائه لو فات الوقت ونحو ذلك من الآثار الشرعية ؟. والمتحصل: ان عدم تكفل الامارة الاخرى نفي حجية الاولى، بل تتكفل تحديدها زمانا لا يكون ملاكا لخروج المورد عن محل الكلام، إذ مورد العلم الوجداني بالخلاف كذلك، إذ لا ينكشف بالعلم عدم حجية الامارة القائمة، بل هي حجة في ظرفها. فالملاك في موضوع الكلام هو انكشاف كون مؤدى الامارة على خلاف الواقع، وهذا كما يحصل بالعلم يحصل بامارة اخرى لانها تنفي مفاد الاولى - وان لم تنفي حجيتها - فيقع الكلام - كما عرفت - في اجزاء الوظيفة الظاهرية عن الواقع وعدمه. وانت خبير بانه بعد وضوح ما هو محل النزاع لا يبقى مجال لتوهم الاجزاء بناء على الطريقية، بل عدم الاجزاء بملاحظة ما هو محل الكلام من القضايا التي قياساتها معها، إذ بعد العلم - وجدانا أو تعبد - بعدم الاتيان بما هو الوظيفة في الواقع لا وجه عقلائيا ولا عقليا في الالتزام بعدم ترتيب آثار عدم الاتيان بالواقع وكفاية فعل أجنبي عن الواقع عنه. نعم غاية ما تتكفله الامارة الاولى هو المعذرية وعدم استحقاق المؤاخذة على مخالفة الواقع للجهل به مع العذر الموجب لقبح العقاب. ولكن الجهل لا

[ 68 ]

يرفع الآثار المترتبة على مخالفة الواقع، فلابد من ترتيبها بعد العلم بالمخالفة. وبالجملة: اطلاق ادلة الآثار المترتبة على عدم الاتيان بالواقع كاطلاق دليل القضاء ونحوه محكم، ولم يثبت ان الاتيان بالوظيفة الظاهرية مانع عن شموله. ومع هذا فقد ذكر للاجزاء وجوه: الاول: ما تقدم ذكره من ان قيام الحجة الاخرى لا يمنع من حجية الاولى في ظرفها، فيكون لدينا حجتان، احداهما تقضي بالاجزاء وهي الاولى التي تحدد امدها بالاخرى. والثانية تقضي بعدمه وهى الاخرى الفعلية، ولا وجه لترجيح الاخرى على الاولى والالتزام بمقتضاها من عدم الاجزاء. ووضوح وهن هذا الوجه لا يخفى على من له أقل فضل، فان الحجة الاخرى وان لم تنف حجية الاولى في حينها، الا انها تمنع من حجيتها فعلا وبقاء، فالحجة الثابتة فعلا على الواقع هي الثانية، وهي تقتضي بان الحكم الواقعي غير ما ادت إليه الحجة السابقة، وانه لابد من ترتيب الآثار الواقعية لعدم الاتيان بالواقع، فلابد من العمل بها لانها حجة في حقنا فعلا، وغيرها ليس حجة فعلا، بل كان حجة وانقطعت حجيته بقيامه. وبعبارة اخرى: انه لابد علينا من العمل بالامارة الفعلية والالتزام بمقتضاها، ومقتضاها ترتيب آثار عدم الاتيان بالواقع في ظرفه، وليس هناك حجة فعلية تعارضها، لانقطاع حجية الاولى بقيام الامارة الثانية. الثاني: ان الاتيان بالوظيفة الظاهرية المخالفة للوظيفة الواقعية كان عن استناد الى حجة في حينه، ومرجع الحجية الى الاكتفاء بما قامت عليه عن الواقع وعدم المؤاخذة عليه، وقيام الحجة الاخرى لا ينفي حجية الاولى في ظرفها، بل يمنع من حجيتها بقاء، فلا يكون مقتضاها عدم الاستناد في مقام العمل الى الحجة.

[ 69 ]

وهذا الوجه وان لم يكن كسابقه في الوهن، لكنه غير سديد، فانه لا يخلو عن نوع مغالطة، وذلك لان معنى الحجية الثابتة للامارة هو المنجزية والمعذرية، اعني ما يصح به احتجاج المولى على العبد لو صادف الواقع، واحتجاج العبد على المولى لو خالف، والاول المقصود بالمنجزية والثاني هو المقصود بالمعذرية، فيكون العبد موظفا بما توديه الامارة ما دامت قائمة ويكتفي به عن الواقع في حال قيامها. فإذا انقطعت حجيتها وانكشف ان الواقع على خلاف ما أدلة لزم ترتيب الآثار الواقعية على عدم اتيانه، ولا مجال للاكتفاء بالوظيفة الظاهرية عن الواقع بعد فرض انكشاف الخلاف والعلم بانها على خلاف الواقع بالحجة الاخرى، لان الاكتفاء بمؤداها عن الواقع - بمعنى المعذور عنه - انما يثبت ما دامت قائمة وحجة، فإذا انتفت حجيتها لم يثبت الاكتفاء بها عن الواقع. وهكذا الحال لو التزم بان المجعول في الامارة هو الحكم المماثل، فانه بلحاظ ترتب المنجزية والمعذرية عليه، والمعذرية مستمرة باستمرار الحجية، فإذا انقطعت الحجية انقطعت المعذرية ولزم العمل بالواقع الذي قامت عليه الحجة المخالفة. وبالجملة: الاكتفاء بمؤدى الامارة عن الواقع انما هو مادامت الامارة حجة، فإذا انتفت حجيتها بقيام حجة اخرى اقوى منها امتنع الاكتفاء بمؤداها، إذ لا وجه له، لان غاية ما تتكفله الامارة الاولى هو المعذرية عن الواقع، بمعنى عدم صحة المؤاخذة على الواقع، وهي ثابتة، ولكنها انقطعت بقيام الامارة الاخرى فلابد من ترتيب الآثار الواقعية التي تقضي بها الاخرى، ومنها وجوب القضاء أو الاعادة ونحوهما. فلاحظ. الثالث: ان الالتزام بعدم الاجزاء مستلزم للعسر والحرج، وذلك فان اعادة الصلاة اربعين سنة على من قلد مجتهدا لا يقول بوجوب السورة هذه المدة، ثم قلد من يقول بوجوبها، وكان قد أتى بالصلاة بدون سورة، موجب للحرج الشديد بلا كلام، وهكذا الالتزام ببطلان جميع معاملات من قلد مجتهدا يذهب

[ 70 ]

الى جواز العقد بالفارسية وعمل على قوله، ثم قلد من يذهب الى بطلان العقد بالفارسية، فانه موجب للعسر، ونحو ذلك من موارد البناء على بطلان الاعمال السابقة وعدم ترتيب الاثر عليها. وعليه فينفي عدم الاجزاء بادلة نفي العسر والحرج فيثبت الاجزاء. وفيه: انه لو تم الدليل على نفي الحرج في الشريعة - فانه اول الكلام -، فموضوعه الحرج الشخصي لا النوعي. ولذا لا يجوز ترك الوضوء بالماء البارد لمن لا يكون عليه حرجيا بلحاظ انه موجب للحرج نوعا. ومعه لابد من ملاحظة كل مورد بخصوصه، فإذا كان عدم الاجزاء فيه موجبا للحرج بنى على الاجزاء بمقدار ما يرتفع به الحرج لا مطلقا وفي جميع الاعمال. ومن الطبيعي ان اصل الحرج ومقداره يختلف باختلاف الاشخاص، فلا يمكن الحكم لاجله بالاجزاء بقول مطلق، بل يحكم بالاجزاء في مورد الحرج خاصة. ولا يخفى ان هذا يرجع الى تسليم كون مقتضى القاعدة عدم الاجزاء، ورفع اليد منها بلحاظ العنوان الثانوي، كرفع اليد عن سائر الاحكام الثابتة بلحاظه. والمتحصل: انه لا دليل على الاجزاء والقاعدة تقتضي عدمه. وبعد هذا يقع الكلام في جهات كلام صاحب الكفاية الثلاث: الجهة الاولى: في التزامه بالاجزاء في موارد الامارات القائمة على الموضوع أو المتعلق بناء على السببية. وقد عرفت توجيهه بان مؤدى الامارة يكون ذا مصلحة واقعية، فتاتي فيها الاحتمالات الثبوتية في المأمور به الاضطراري الذي عرفت انها تنتهى الى الالتزام بالاجزاء (1). وقد اورد عليه المحقق النائيني (رحمه الله): بان هذا انما يتم بناء على


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 86 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 71 ]

السببية التي يلتزم بها المصوبة واهل الخلاف. لا السببية التي يلتزم بها اهل الحق والمخطئة المعبر عنها ب‍: " المصلحة السلوكية ". فان ما ذكره لا يصح مطلقا بناء عليها، وذلك: لان الواقع يبقى على ما هو عليه من المصلحة بعد قيام الامارة، ولا يكون مؤدى الامارة ذا مصلحة بنفسه، نعم لابد ان يكون في العمل على طبق الامارة مصلحة يتدارك بها ما فات من مصلحة الواقع، فلا وجه للاجزاء بالنسبة الى الاعادة ولا بالنسبة الى القضاء. اما الاعادة فواضح، إذ لم تفت مصلحة العمل بعد لبقاء الوقت وامكان الاتيان به واستيفاء مصلحته، فلا يكون هناك مصلحة متداركة لمصلحة الواقع، نعم إذا كان انكشاف الخلاف بعد فوات اول الوقت في مثل الصلاة، لزم ان يكون في سلوك طريق الامارة مصلحة يتدارك بها مصلحة اول الوقت لا اكثر، لانها هي الفائتة دون غيرها. واما القضاء، فلان الفائت ليس الا مصلحة الوقت دون المجموع من العمل والوقت، إذ يمكن استيفاء مصلحة ذات العمل بالاتيان به بذاته خارج الوقت، فالثابت من المصلحة في العمل على طبق الامارة ليس الا ما يتدارك به مصلحة الوقت الفائتة دون مصلحة ذات العمل، لامكان الاستيفاء، فيجب القضاء لان مصلحة ذات العمل ملزمة يلزم استيفاؤها. نعم إذا استمر الاشتباه الى آخر العمر كان للاجزاء وجه لفوات مصلحة العمل على المكلف ايضا، فلا بد من ان تكون هناك مصلحة يتدارك بها تلك المصلحة. فتدبر (1). واورد عليه: بان ما ذكر من عدم الاجزاء وجيه بالنسبة الى الاعادة دون القضاء، وذلك... اما بالنسبة الى الاعادة، فلان غاية ما يفوت من المصلحة مصلحة اول


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 202 - الطبعة الاولى. (*)

[ 72 ]

الوقت، وهي مما يمكن تداركها مستقلا، لان مصلحة ايقاع الصلاة اول الوقت ليست مصلحة مرتبطة بمصلحة اصل الصلاة، بل هي مصلحة استقلالية ظرفها الصلاة، مثل مصلحة القنوت ونحوه من المستحبات - هذا يبتني على ما يلتزم المورد من عدم معقولية الجزء أو الشرط المستحب، بل مرجع الكل الى المستحب في الواجب فيكون ذا مصلحة مستقلة -، اما مصلحة نفس الصلاة فهي غير فائتة لامكان استيفائها بفعل الصلاة لعدم فوات الوقت. واما بالنسبة الى القضاء، فلانه بخروج الوقت وانكشاف الخلاف بعد مضيه تفوت مصلحة الوقت الملزمة، وهي مصلحة ارتباطية بمصلحة اصل الصلاة، بمعنى انه لا يمكن تداركها واستيفاؤها الا في ضمن الصلاة. نظير حسن طعم الطعام، في التكوينيات، فانه لا يمكن استيفاؤه بدون نفس الطعام كما لا يخفى. وعليه بعد فرض تدارك ما فات من المصلحة يلزم تدارك مصلحة الوقت الفائتة، وقد عرفت ان تداركها لا يكون الا في ضمن مصلحة الصلاة، ففرض تدارك مصلحة الوقت يلزمه فرض تدارك مصلحة الصلاة، ومعه لا مجال لايجاب القضاء لحصول مصلحة العمل بدونه. وبالجملة: فلا بد من التفصيل - بناء على السببية الحقة - بين الاعادة والقضاء، فيلتزم بالاجزاء في الثاني دون الاول (1). ولكن هذا الايراد لا يخلوا من بحث، وذلك لانه انما يتم لو كان اللازم - في صورة خطاء الامارة - تدارك نفس المصلحة الفائتة وايجاد فرد مماثل لها. واما لو كان اللازم هو جبران المصلحة الفائتة بما يرفع الفوات والخسارة، سواء كان بتدارك نفس المصلحة الفائتة أو بمصلحة اخرى تجبر فوات تلك المصلحة كما


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 274 - الطبعة الاولى. بحر العلوم علاء الدين. مصابيح الاصول 1 / 276 - الطبعة الاولى. (*)

[ 73 ]

هو الحق فلا يتم هذا الايراد. وتوضيح ذلك: ان وجه الالتزام بالمصلحة السلوكية هو ان الامارة كثيرا ما لا تصادف الواقع، فيكون العمل عليها مفوتا لمصلحة الواقع، وعليه فايجاب العمل عليها من قبل المولى الحكيم يلزمه عقلا ان يجبر فوات مصلحة الواقع بجعل مصلحة في سلوك الامارة والعمل عليها، والا لكان الالتزام بالعمل بها قبيحا، لان فيه تفويتا للمصالح الواقعية الملزمة. ومن الواضح ان العقل لا يحكم - رفعا للقبح - بلزوم تدارك نفس المصلحة الفائتة، بل غاية ما يحكم به هو لزوم الجبران، بحيث لا يفوت العبد شيئا من آثار المصلحة سواء كان يتدارك نفس المصلحة أو بايجاد مصلحة اخرى جابرة، فان القبح يرتفع بذلك كما لا يخفى. وإذا ثبت انه يمكن ان يكون الجبران بمصلحة ليست من سنخ المصلحة الفائتة، فيمكن ان يكون تدارك مصلحة الوقت بمصلحة اخرى غير مرتبطة بمصحلة الصلاة فتبقى مصلحة الصلاة بلا تدارك فيجب القضاء، ومع الشك في ذلك فاللازم هو الاحتياط، للعلم اولا بعدم استيفاء مصلحة الصلاة والشك في تداركها، فقاعدة الاشتغال تقضي بلزوم تحصيل العلم باستيفائها وهو لا يكون الا بالقضاء. فالمتحصل: ان ايراد المحقق النائيني (رحمه الله) على صاحب الكفاية وجيه. الجهة الثانية: في تفصيله - بناء على السببية - بين الامارات القائمة على الموضوع أو المتعلق، كالامارت القائمة على جزئية السورة للصلاة والامارات القائمة على الحكم، فالتزم بالاجزاء في الاولى وبعدمه في الثانية، فانه قد يتسأل عن وجه الفرق والسر في التفصيل (1).


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 87 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 74 ]

ولتوضيح جهة الفرق: لابد اولا من الاشارة الى جهة ثبوت المصلحة في المؤدي الذي هو مفاد الالتزام بالسببية، فنقول: ان الوجه فيه احد امرين: الاول: ان الامر الذي تتكفله الامارة كسائر الاوامر الشرعية الواقعية لابد ان يكون بملاك وجود المصلحة في متعلقه، والا لم يتجه البعث نحو متعلقه من الحكيم العادل. ولا خصوصية للامر الواقعي في كونه تابعا للمصلحة في متعلقه دون غيره، فما تقوم عليه الامارة من امر يكون متعلقه ذا مصلحة. الثاني: ان ايجاب العمل على طبق الامارة كثيرا ما يفوت مصلحة الواقع على المكلف، لكثرة خطاء الامارة، وعليه فلابد ان يكون مؤداها مشتملا على مصلحة تجبر بها فوات مصلحة الواقع. إذا عرفت هذا فاعلم ان سر الفرق يرجع الى كون الوجه في الالتزام بالسببية هو الاول. وذلك: لان الامارة القائمة على الموضوع أو المتعلق مرجعها الى بيان كون الامر الواقعي متعلقه كذا، والامر بالاتيان بهذا المتعلق، ومقتضى ذلك ثبوت المصلحة الباعثة للامر الواقعي في ما هو مؤدى الامارة - كالصلاة بدون السورة مثلا -، فيكون امتثاله سببا للاجزاء لاستيفاء مصلحة الامر الواقعي وصيرورته بعد العمل بلا ملاك فيسقط، ولا يمكن ان يتعلق بنفسه بالمتعلق الواقعي لتعلقه واقعا بما هو مؤدى الامارة لثبوت الملاك فيه، وهو لا يتعلق واقعا بامرين. واما الامارة القائمة على الحكم، كالامارة القائمة على وجوب الجمعة، فهي لا تنفي وجوب صلاة الظهر واقعا، لان غاية ما تتكفله احداث مصلحة في وجوب الجمعة، فيكون وجوبها واقعيا، وهو لا ينافي وجوب الظهر، لان مفاد الامارة وجوب هذا العمل، ولا تتكفل نفي وجوب غيره فيبقى وجوب غيره على ما هو عليه من المصلحة. ولا تفي مصلحة مؤدى الامارة بها لانها مصلحة اخرى

[ 75 ]

وكل منهما ملزمة. نعم لو كان مفاد الامارة كون الواجب الواقعي هو الجمعة كان للاجزاء وجه لانقلاب مصلحة الواقع من الظهر الى الجمعة، ولكنه خلاف الفرض، لانه من مورد قيام الامارة على المتعلق وان الواجب هذا، لا على اصل الحكم وان هذا واجب من دون تعرض لاثبات ونفي غيره. وبالجملة: مع قيام الامارة على اصل الحكم يكون كل من الواقع ومؤدى الامارة واجبا واقعيا ذا مصلحة في متعلقه ولا يجزى احدهما عن الاخر، الا ان يدل دليل خارجي على عدم وجوب عملين واقعيين من سنخ واحد كصلاتين في وقت واحد، فانه كلام آخر غير مقتضي القاعدة. ومحصل الفرق: ان الامارة القائمة على المتعلق أو الموضوع بما ان لها نظرا الى الواقع الثابت المتقرر، فهي تقلبه عما كان عليه وتجعل المصلحة الباعثة نحوه في مؤداها، فيسقط بالاتيان بمؤداها. واما القائمة على الحكم، فغاية ما تثبته تحقيق مؤداها واقعا لصيرورته بها ذا مصلحة، واما الواقع الثابت فلا تقلبه عما هو عليه من المصلحة لعدم نظرها إليه اصلا. واما بناء على الوجه الثاني، فلا يفترق الحال بين الامارة القائمة على الحكم وغيرها في الاجزاء مطلقا، إذ بقيام الامارة على الحكم أو غيره لابد ان يكون فيه مصلحة تسد عن مصلحة الواقع وتفي به، وهذا ملازم للاجزاء لاستيفاء مصلحة الواقع بما هو مؤدى الامارة، لان المصلحة الثابتة فيه قد لوحظ فيها تدارك مصلحة الواقع مطلقا، وهو يقتضي الاجزاء. الجهة الثالثة: فيما ذكره عند الشك في كون حجية الامارات بنحو الطريقية أو بنحو السببية، من ان القاعدة تقتضي عدم الاجزاء ولزوم الاعادة في الوقت للعلم باشتغال ذمته بما يشك في فراغها منه بما أتى به بضميمة اصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف، ولا يعارض هذا الاصل استصحاب عدم

[ 76 ]

فعلية التكليف، لانه لا يثبت مسقطية ما أتى به الا بنحو الاصل المثبت (1). فان هذا الكلام لا يخلو عن اجمال وغموض، ولابد في توضيحه من الاشارة الى مواضع الغموض والتسأول. فنقول: ما المراد من العلم باشتغال الذمة وثبوت التكليف ؟ هل العلم التفصيلي بثبوت التكليف الواقعي بعد كشف الخلاف، أو المراد العلم الاجمالي ؟. فان كان المراد من العلم العلم التفصيلي، ففيه: ان مجرد العلم التفصيلي بثبوت التكليف لا يكفي في لزوم افراغ الذمة ما لم يعلم فعلية ذلك التكليف الثابت، وهي غير معلومة، لان حجية الامارة إذا كانت بنحو الطريقية كان التكليف فعليا، وإذا كانت بنحو السببية لا يكون التكليف الواقعي فعليا، بل التكليف الفعلي على طبق مؤدى الامارة، وقد أتى به دون الواقع، وبذلك يحصل له الشك في ثبوت التكليف الواقعي واصل البراءة ينفيه. ولو تنزلنا وقلنا: بكون التكليف الواقعي المعلوم فعليا، كان ذلك بنفسه موجبا للزوم امتثاله جزما بحكم العقل، لعدم الاتيان بمتعلقه، فاجراء اصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف وضمه إليه لم يعرف وجهه الصناعي. وان كان المراد به العلم الاجمالي، فاما ان يراد به العلم الاجمالي في مرحلة الحدوث، فيقال: انه يعلم قبل العمل وبعد قيام الامارة بثبوت تكليف فعلي عليه اما على طبق مؤدى الامارة - لو كانت حجيتها بنحو السببية -، أو بالواقع - لو كانت حجيتها بنحو الطريقية - واما ان يراد به العلم الاجمالي في مرحلة البقاء، فيقال: انه يعلم بعد العمل وانكشاف الخلاف بانه مكلف بالواقع المنكشف فعلا أو بمؤدى الامارة الذي جاء به. فان اريد به العلم الاجمالي في مرحلة الحدوث، الذي يقتضي بدوا الاتيان


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 87 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 77 ]

بكل من مؤدى الامارة والواقع بمقتضى تنجيز العلم الاجمالي، لاحتمال فعلية كل من التكليفين فتجب موافقته قطعا، فهو منحل حكما بقيام الامارة على كون التكليف الفعلي على طبق مؤداها ونفي فعلية غيره بالملازمة، إذ قد تقرر في محله انه إذا قامت امارة معينة لما هو المعلوم بالاجمال في أحد الاطراف ينحل العلم الاجمالي ولا يكون منجرا، كما إذا علم الاجمالا بنجاسة احد هذين الانائين، فقامت البينة على ان النجس هو هذا الاناء فانها تنفي نجاسة الآخر بالملازمة، ومعه لا يجب الاجتناب الا عما قامت البينة على نجاسته دون الآخر، لانحلال العلم الاجمالي حكما. وما نحن فيه من هذا القبيل، لان مفاد الامارة كون التكليف الفعلي هو مؤداها، فتنفي بالملازمة فعلية الواقع، وعليه فلا يجب الاتيان بغير مؤداها، لعدم كون الواقع فعليا بمقتضى الامارة وانحلال العلم الاجمالي. ولو فرض التنزل والالتزام بعدم انحلال العلم الاجمالي وكونه منجزا في المقام، فهو بنفسه يقتضي بالاتيان بالفرد المشكوك الآخر، أعني الواقع بعد الاتيان بمؤدى الامارة بلا احتياج للتمسك باصالة عدم الاتيان بما هو مسقط للتكليف، لان مقتضى تنجيز العلم الاجمالي لزوم الاتيان بجميع افراده تحصيلا للموافقة القطعية، فاي ميزة لهذا العلم اوجبت الاحتياج الى ضم اصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف ؟. وان كان المراد به العلم الاجمالي في مرحلة البقاء، فمرجعه الى العلم باشتغال الذمة اما بتكليف ساقط - لو كان مؤدى الامارة -، أو بتكليف باق - لو كان هو الواقع -، ومثل هذا العلم لاحظ له من التنجيز لخروج احد طرفيه عن محل الابتلاء وعدم كون التكليف المعلوم على جميع تقاديره فعليا فلا يكون منجزا. وبعد هذا كله ننقل الكلام الى جهة اخرى من كلامه، وهي ما ذكره من ان استصحاب عدم فعلية الواقع لا تثبت مسقطية الماتي به الا على القول

[ 78 ]

بالاصل المثبت (1). فانه قد يتسائل: بان مجرد اثبات عدم فعلية الواقع تكفي في نفي التكليف فعلا، سواء كان ما أتى به مسقطا أو لم يكن، فما هي جهة الاهتمام بهذا الامر مع فرض ثبوت عدم فعلية الواقع بالاصل ؟. هذه هي مواضع الغموض في كلامه وقد تبين انها في جهتين: الجهة الاولى: في تشخيص المراد من العلم، وبيان جهة الحاجة الى اصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف. ويمكن رفع الغموض في هذه الجهة بان يقال: ان المقصود بالعلم هو العلم التفصيلي، وبالاصل الاستصحاب الموضوعي الذي يثبت به بقاء التكليف، لا الاستصحاب الحكمي - أعني استصحاب نفس بقاء التكليف -. بيان ذلك: انا نعلم تفصيلا بثبوت الحكم الواقعي قبل الاتيان بمؤدى الامارة، سواء كانت حجية الامارة من باب الطريقية أو من باب السببية، فان الحكم الواقعي له نحو تقرر على كلا التقديرين، وقد وقع الكلام في كيفية ثبوته وتقرره. وقد ذهب صاحب الكفاية في مبحث الجمع بين الاحكام الواقعية والظاهرية الى انه يكون في مورد الطرق والامارات حكما انشائيا لو علم به يصير فعليا ويتنجز (2). وعليه، فبعد الاتيان بمؤدى الامارة وانكشاف الخلاف نعلم تفصيلا بان الحكم الواقعي كان ثابتا بثبوت انشائي، لكنا نشك في بقائه وارتفاعه من جهة الشك في كون الماتي به مسقطا وعدمه، فيستصحب عدم الاتيان بما هو مسقط للتكليف، فيترتب عليه بقاء التكليف - ولا يجري استصحاب بقاء التكليف، لامكان اجراء الاصل في الموضوع، معه لا تصل النوبة الى اجرائه في المسبب -،


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 87 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 277 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 79 ]

وبمقتضى ان الاستصحاب يكون بمنزلة العلم الموضوعي الطريقي، يكون الحكم الواقعي الثابت بالاستصحاب الموضوعي معلوما تعبدا لا تكوينا، فتثبت فعليته، لان المفروض ان ثبوته كان بنحو لو علم به كان فعليا. وإذا ثبتت فعليته وجب امتثاله بالاتيان بمتعلقه. وقد يستشكل على هذا الاستصحاب بلزوم الدور، وذلك لان جريانه متوقف على ثبوت الاثر المتوقف على فعلية الحكم، وفعلية الحكم تتوقف على جريان الاستصحاب، فيلزم الدور، ولا يخفى ان هذا الاشكال سار في جميع الموارد التي يجري فيها الاصل لاثبات الاثر المأخوذ في موضوعه العلم بالحكم الواقعي كالفعلية ونحوها. وجوابه في محله وليس محله ههنا. الجهة الثانية: جهة الارتباط بين اصالة عدم كون الواقع فعليا واثبات مسقطية الماتي به. ولرفع الغموض من هذه الجهة نقول: ان النظر في اجراء استصحاب عدم فعلية الواقع هو ايجاد المعارض لاصالة عدم كون الاتيان بما يسقط معه التكليف، كي تسقط عن العمل، والمعارضة تتوقف على كون استصحاب عدم فعليه الواقع مثبتا، لكون الماتي به مسقطا، فإذا كان اثباته بالملازمة العقلية، يكون من الاصل المثبت فلا يكون حجة، فلا يعارض اصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف، بل يكون هذا مقدما على استصحاب عدم فعلية الواقع بملاك تقدم الاصل السببي على المسببي. بيان ذلك: ان التنافي بين الاصلين وان كان موجودا، لان الغرض من اصالة عدم الاتيان بمسقط التكليف اثبات فعلية الواقع واستصحاب عدم فعليته ينفيه، الا ان الاصل المثبت للفعلية لما لم يكن مثبتا لها رأسا - بمعنى ان موضوعه ليس هو بقاء الفعلية - وانما يثبتها بتوسط اثبات عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف، واستصحاب عدم فعلية الواقع لا يثبت الاتيان بالمسقط الا بنحو الملازمة، كان استصحاب عدم الاتيان بالمسقط

[ 80 ]

مقدما على استصحاب عدم فعلية الواقع، لانه يتكفل نفي مفاد استصحاب عدم الفعلية باثباتها، واستصحاب عدم الفعلية لا ينفي مفاده ومجراه الا بالملازمة غير المعتبرة شرعا، فيكون رفع اليد عن استصحاب عدم فعلية الواقع بوجه - وهو استصحاب عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف لانه ينفيه -، ولا يكون رفع اليد عن استصحاب عدم الاتيان بما هو المسقط بوجه، إذ الاصل الآخر لا ينفيه كما هو الفرض، أو بوجه دائر، وهو نفي جريان استصحاب عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف باصالة عدم الفعلية المتوقفة على عدم جريان استصحاب عدم الاتيان بالمسقط. وبالجملة: الوجه في تقديم استصحاب عدم المسقط على استصحاب الفعلية هو الوجه في تقديم الاصل السببي على المسببي، فانهما من قبيلهما وان لم يكونا من مصاديقهما. ومثل هذا يقال في الجواب عما يدعى من معارضة الاستصحاب التعليقي بالاستصحاب المنجز دائما بتقريب: ان المستصحب حرمته تعليقا كان حلالا جزما قبل حصول المعلق عليه، فتستصحب حليته بعد حصوله، فيتعارض الاصلان. مثلا: بعد قيام الدليل على حرمة العنب إذا غلى، وشك في سراية هذا الحكم الى الزبيب وعدمها، فتستصحب هذه الحرمة التعليقية، فيقال: ان الزبيب حين كان عنبا كان إذا غلى يحرم والآن بعد ان صار زبيبا يشك في ذلك فيستصحب كونه كذلك وبقاؤه على ما كان. ولكن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب فعلي منجز، وهو استصحاب حلية الزبيب الثابتة له قبل الغليان، فيقال: ان الزبيب كان حلالا قبل الغليان، وبعد الغليان، وبعد الغليان يشك في حليته وحرمته فيبنى على انه حلال بالاستصحاب. فانه يقال في مقام رد هذه الدعوى: ان استصحاب الحلية الفعلية لا ينفي الحرمة التعليقية التي هي مؤدى الاستصحاب الآخر الا بالملازمة العقلية، لان

[ 81 ]

عدم الحرمة التعليقية ليس من آثار الحلية الفعلية شرعا كما لا يخفى. بخلاف استصحاب الحرمة التعليقية فانه ينفي الحلية الفعلية بعد الغليان شرعا وبالملازمة الشرعية، لان عدم الحلية من أثار الحرمة التعليقية شرعا. وعليه، فعدم العمل باستصحاب الحلية يكون بوجه، وعدم العمل باستصحاب الحرمة التعليقية يكون بدون وجه أو على وجه دوري، فيتعين العمل باستصحاب الحرمة التعليقية، وهذا الوجه احسن ما يقال في جواب دعوى المعارضة. فقد قيل في جوابها وجوه لا تخلو عن مناقشة ظاهرة، فراجع مبحث الاستصحاب التعليقي في الاصول. وبعد جميع هذا يحسن التعرض لتنبيهات المسالة، وهي ثلاثة: التنبيه الاول: - وقد ذكره في الكفاية (1) - كما اشرنا إليه فيما تقدم (2)، ان موضوع الكلام في الاجزاء ما إذا كان هناك حكم ثابت ظاهري أو اضطراري، فيبحث عن كونه مجزيا عن الواقع وعدمه. اما إذا لم يكن هناك حكم متقرر له ثبوت، وانما تخيل ثبوته، فهو اجنبي عن بحث الاجزاء، إذ لا حكم كي يبحث عن اجزائه وعدمه، بل عدم الاجزاء في مثله مما لا كلام فيه، إذ لا يتجه الاجزاء بوجه من الوجوه المذكورة له لعدم انطباقها عليه. ومن هنا يظهر عدم الاشكال في عدم الاجزاء فيما إذا قطع بحكم ثم انكشف خلافه، إذ القطع لا يوجب تحقق الامر لا واقعا ولا ظاهرا، فلا يكون في البين الا تخيل لثبوت الحكم. فلا وجه لاجزاء الماتي به مع عدم كونه الواقع. نعم قد يكون ما أتى به مشتملا على مقدار من المصلحة، بحيث لا يمكن معه تدارك الباقي من مصلحة الواقع، فلا يجب الاتيان بالواقع حينئذ، لكنه ليس


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 88 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) راجع 2 / 45 من هذا الكتاب. (*)

[ 82 ]

من جهة اجزاء المقطوع به عن الواقع، بل من باب عدم امكان تدارك مصلحة الواقع الباقية، ولكن هذا اثباتا يحتاج الى دليل خاص، وقد ثبت في بعض الموارد كما إذا صلى جهرا في مورد الاخفات وبالعكس، وكما إذا صلى تماما في السفر مع الجهل بكون الوظيفة غير ما أتى به، فان الدليل دل على الاكتفاء بالعمل وعدم لزوم الاعادة مع معاقبته على تقصيره في السؤال والتعلم، مما يكشف عن عدم كون ما أتى به متعلقا للحكم، وانما هو محصل لبعض المصلحة بحيث لا يمكن تدارك الباقي، ولذا لا تجب الاعادة ولكن يعاقب على ذلك باعتبار انه فوت على نفسه مصلحة الواقع الملزمة. التنبيه الثاني: - وقد ذكره في الكفاية ايضا (1) - وموضوعه، بيان عدم الملازمة بين الاجزاء والتصويب، فانه قد يتوهم ملازمة القول بالاجزاء للتصويب، لان مرجع الاجزاء الى كون الواقع هو مؤدى الامارة الذي هو التصويب. وانه كان من الجدير بالذكر ان يذكر هذا الامر وجها لابطال الاجزاء، فيقال: ان الاجزاء ملازم للتصويب، وهو - أي التصويب - باطل بالاجماع، فكذلك ما هو لازم وهو الاجزاء. والذي ادعاه في الكفاية نفي ملازمة القول بالاجزاء القول بالاجزاء للتصويب، بل عدم معقوليته، لاستلزامه لزوم عدم الشئ من وجوده. وبيان ذلك: ان الحكم له في نظر صاحب الكفاية مراتب اربع، مرتبة الاقتضاء ومرتبة الانشاء ومرتبة الفعلية ومرتبة التنجيز - وشرح المراد من كل منها ليس محله ههنا، وانما المقصود هنا الاشارة إليها -، والذي يرتبط بمحل الكلام فعلا من هذه المراتب هو مرتبة الفعلية والانشاء دون مرتبي الاقتضاء والتنجز، ثم ان الذي ذهب إليه صاحب الكفاية في الجمع بين الاحكام الظاهرية


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 88 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 83 ]

والواقعية، كما اشرنا إليه، هو كون الحكم الواقعي في موارد الطرق والامارات انشائيا، بحيث لو حصل العلم به يصير فعليا، سواء في ذلك القول بالطريقية والقول بالسببية، فان الواقع يكون انشائيا والامارة مانعة عن فعليته لا اكثر. ولا يخفى ان الحكم الذي دلت الادلة على اشتراك العالم والجاهل فيه انما هو الحكم الانشائي، فان ادلة الاشتراك لا تقتضي أكثر من ذلك، اما الحكم الفعلي فهو يختص بالعالم لان موضوعه العلم بالحكم الانشائي. وبهذا البيان ظهران القول بالاجزاء الذي هو فرع الالتزام بالسببية في حجية الامارة، لا يلازم التصويب بمعنى ارتفاع الحكم الواقعي، لبقاء الحكم الواقعي على ما هو عليه، ولكنه بمرتبة الانشاء والامارة المخالفة مانعة عن فعليته. وهكذا الحال لو التزم بالاجزاء بناء على الطريقية. بل لا يعقل التصويب في مورد الامارة والحكم الظاهري، لان الجهل بالحكم الواقعي ماخوذ في موضوع الحكم الظاهري، فلا بد ان يفوض ثبوت واقع يتعلق به الجهل والعلم، فلو فرض ارتفاع الحكم الواقعي بقيام الامارة يرتفع الشك في الواقع فيلزم ارتفاع موضوع الحكم الظاهري، فيلزم من وجود الحكم الظاهري عدمه وذلك محال. هذا ايضاح ما ذكره في الكفاية. والتحقيق ان يقال: انه ان التزمنا في الجمع بين الاحكام الظاهرية والاحكام الواقعية بما يلتزم به صاحب الكفاية، من ان الاحكام الواقعية احكام انشائية، كان الحق ما ذهب إليه صاحب الكفاية في المقام من عدم الملازمة بين الاجزاء والتصويب. وان لم نلتزم بذلك اما من جهة ان المرتبة الانشائية للحكم بالمعنى الذي يفرضه لها صاحب الكفاية، لا يمكن تعقله، وبمعنى آخر معقول - يذكر في محله - ترجع الى المرتبة الفعلية، والحكم الذي يكون مشتركا بين العالم والجاهل هو الحكم الفعلي، وهو الذي يقع البحث في ارتفاعه وبقائه في موارد الامارات والطرق. واما من جهة ان المرتبة الانشائية بالنحو الذي يصورها

[ 84 ]

صاحب الكفاية وان كان امرا معقولا في نفسه الا ان الحكم الذي يشترك فيه العالم والجاهل هو الحكم الفعلي لا الانشائي، لان الحكم الفعلي هو الذي فيه جهة البعث دون الانشائي، فانه لا بعث فيه، بل هو في الحقيقة ليس حكما. وبالجملة: لو لم نلتزم بمذهب صاحب الكفاية والتزمنا بان الحكم الواقعي في مورد الطرق والامارات فعلي لا انشائي، فهل الالتزام بالاجزاء يلازم التصويب وارتفاع الحكم الواقعي اولا ؟. نقول: انه حيث عرفت ابتناء القول بالاجزاء على القول بالسببية، فان كان شان السببية ومرجعها الى رفع الحكم الواقعي بلحاظ ثبوت المصلحة المعادلة لمصلحة الواقع في مؤدى الامارة، فيوجب ذلك تخيير الشارع بين العمل بالواقع والعمل على طبق الامارة، فيرتفع الوجوب التعييني الواقعي ويصير الوجوب الثابت تخييريا، وعلى هذا الاساس يقال بالاجزاء، لان الواجب احدهما وقد جاء به فيتحقق الامتثال - إذا كان مرجع السببية الى ذلك -، فالقول بالاجزاء ملازم للتصويب، لارتفاع الحكم الواقعي الثابت، فان الحكم الواقعي كان هو الوجوب التعييني وقد فرض تبدله الى الوجوب التخييري بقيام الامارة. وان كان مرجع السببية الى رفع موضوع الحكم الواقعي بقاء لا حدوثا، فيسقط امتثاله في مرحلة البقاء لارتفاع موضوعه، وذلك ببيان: ان الحكم الواقعي يبقى فعليا على ما هو عليه، إلا انه بعد الاتيان بمؤدى الامارة المشتمل على مصلحة يستوفى بها مصلحة الواقع لا يبقى مجال بعد ذلك لامتثال الواقع لسقوطه باستيفاء مصلحته، فيكون نظير ما لو وفى عمرو الدين الذي في ذمة زيد، فان المأمور بالوفاء وان كان زيدا لكنه باداء عمرو يرتفع موضوع الامر فيسقط بعد ان كان. فالحكم الواقعي لا يرتفع بقيام الامارة، بل يبقى لكنه يسقط بامتثال الامر الظاهري، لارتفاع موضوعه في مرحلة البقاء لا الحدوث والا لزم ارتفاعه بقيام الامارة. ان كان مرجع السببية ذلك لم يكن القول بالاجزاء ملازما للتصويب، لبقاء الامر الواقعي على ما كان عليه وعدم ارتفاعه

[ 85 ]

بقيام الامارة. والذي يتحصل: ان القوم بالاجزاء لا يلازم التصويب بقول مطلق، حتى بناء على السببية التي يلتزم بها اهل الخلاف، فيكون ذلك جهة ايراد على القائلين بالاجزاء. والذي كان بناؤنا عليه في الدورة السابقة هو ملازمة القول بالاجزاء للتصويب حتى بناء على السببية بمعنى المصلحة السلوكية، فانتبه وتدبر. التنبيه الثالث: - وقد ذكره المحقق النائيني (قدس سره) - انه لا فرق في عدم الاجزاء وكونه مقتضى القاعدة الاولية بين اختلاف الحجة بالنسبة الى شخص واحد أو شخصين، فكما لا يجوز ترتيب آثار الواقع على ما كان يبني عليه اولا من الحكم تبعا للحجة كذلك لا يجوز ترتيب آثار الواقع على ما قامت عليه الحجة إذا كانت الحجة لديه على خلافه، فلا يجوز لمن لا يرى صحة العقد بالفارسية ان يكون احد طرفي العقد مع من يرى صحة العقد بالفارسية واجراه بذلك. وهكذا لمن يرى نجاسة العصير العنبي لا يجوز ان يعامل مع من يرى طهارته معاملة الطاهر إذا علم بملاقاته للعصير. ولا يجوز لمن يرى جزئية السورة ان يقتدي بمن لا يرى جزئيتها إذا ترك السورة. وغير ذلك من موارد العبادات والمعاملات. نعم قد يستثنى من ذلك باب الطهارة والنجاسة ويحكم فيها بالاجزاء، وذلك لما جرت عليه السيرة المتشرعة التي يعلم بانتهائها الى زمان الائمة (عليهم السلام) بلا ردع منهم، على معاملة الناس معاملة الطهارة وان اختلفوا معهم في الرأي في كيفية التطهير واعداد النجاسات، بل ويشهد لذلك صريحا معاملتهم مع اهل الخلاف معاملة الطاهرين مع اختلافنا معهم في تعيين النجاسات وكيفية التطهير منها، فهم قد لا يرون الدم نجسا أو يرون التطهير منه بمجرد زواله عن البدن أو الثوب، ومع هذا يعاملون معاملة الطاهرين بلا

[ 86 ]

توقف احد مما يكشف عن انخرام قاعدة عدم الاجزاء في هذا الباب (1). واضاف السيد الخوئي الى هذا الاستثناء استثناء باب آخر، وهو باب النكاح متمسكا بما ورد من ان لكل قوم نكاحا، فانه يدل على البناء على صحة نكاح كل من يرى عقده نكاحا وان لم يكن ثابتا عند الغير، فيلزم ترتيب آثار الصحة على النكاح بالفارسية على من لا يرى صحته وهكذا (2). وتحقيق الحال يقتضي التكلم في جهات ثلاثة: الجهة الاولى: فيما قرره من عدم الفرق في حكم عدم الاجزاء بين شخص واحد أو شخصين، مرجعه الى تفريع عدم امضاء عمل شخص في حق الآخر إذا كان على خلافه في الرأي تفريعه على عدم الاجزاء. وهو غير وجيه، فان هذا البحث لا يرتبط ببحث الاجزاء اصلا، إذ عدم امضاء عمل شخص في حق الآخر المخالف له في الرأي لا يختص بالبناء على عدم الاجزاء، بل الحاكم اعم من القول بعدم الاجزاء والقول بالاجزاء. واما على القول بعدم الاجزاء فواضح. واما على القول بالاجزاء، فلان اساسه على ما عرفت هو الالتزام بالسببية التي مرجعها الى كون مؤدى الامارة ذا مصلحة فعلية ملزمة، فيكون التكليف الفعلي على طبق مؤدى الامارة، ومن الواضح ان هذا المعنى يختص بمن قامت لديه الامارة، اما من قامت عنده الامارة على خلاف ذلك أو علم بالواقع فالحكم الفعلي في حقه هو ما قامت عليه الامارة لديه أو ما علم به، ولا ينقلب الواقع الى ما قامت عليه الامارة لدى الشخص الآخر لفرض انكشاف الواقع لديه اما تكوينا بالعلم أو تعبدا بالامارة، وتلك الامارة لدى غيره ليست حجة


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 208 - الطبعة الاولى. (2) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 286 - الطبعة الاولى. (*)

[ 87 ]

عليه كي يكون متعلقها ومؤداها ذا مصلحة واقعية مجزية عن الواقع. فالبحث في هذا الامر لا يرتبط بالاجزاء وعدمه، بل موضوع البحث فيها هو ما بينة الشيخ في مكاسبه (1)، وأشار إليه في رسائله (2) وهو ان الحكم الظاهري في حق شخص هل يكون حكما واقعيا في حق غيره اولا ؟ ومن الواضح ان صيرورته واقعيا في حق غيره مجرد وهم ولفظ لا أكثر. الجهة الثانية: في كون استثناء باب الطهارة من جهة الحكم بالاجزاء فيها. وقد عرفت ان ذلك لا يبتني على الاجزاء، فلا يجوز لمن يرى لزوم التعدد في التطهير من البول ترتيب آثار الطهارة على الصب مرة واحدة ممن يرى عدم لزوم التعدد، لو قلنا بالاجزاء، والا لزم ترتيب آثار الطهارة على مجرد زوال الدم عن بدن المخالف لانه يرى الطهارة بذلك ولو علمنا بعدم وصول الماء إليه اصلا وهو مما لا يلتزم به احد، فالذي توجه به السيرة القطعية على معاملة الناس معاملة الطاهرين وان اختلفوا رأيا في باب الطهارة والنجاسة، مع عدم العلم ببقاء النجاسة وعدم التطهير، بل مع احتمال حصول الطهارة الواقعية هو احد وجهين: الاول: البناء على ان غيبة المسلم مطهرة مطلقا ولا تختص بمورد دون آخر، بل مع احتمال حصول الطهارة الواقعية لبدن المسلم أو ثوبه في غيبته يبني على طهارته وان اختلف رأيا في كيفية التطهير. الثاني: البناء على جريان اصالة الصحة في عمل الغير مطلقا ولو مع الاختلاف تقليدا أو اجتهادا في العمل الصحيح، وذلك بترتيب آثار الصحيح الواقعي على العمل الماتي به إذا احتمل ان يكون قد جئ به على ذلك النحو ولو عفوا بدون اختيار وقصد، فيرتب على تطهير من يرى اجزاء المرة آثار


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. المكاسب / 101 - الطبعة الاولى. (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 29 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 88 ]

الصحة الواقعية لا الصحة عند الفاعل. وهذه المسألة خلافية، وقد التزم بها بعض، وتحقيق احد الطرفين فيها يكون في بعض جهات الكلام في اصالة الصحة، وموضوعها ان دليل اصالة الصحة هل هو يقتضى ترتيب آثار الصحة الواقعية على العمل أو الصحة الفاعل ؟ فراجع. الجهة الثالثة: فيما استثناه السيد الخوئي (حفظه الله) - أعني باب النكاح - مستدلا بما ورد من ان لكل قوم نكاحا. ومن الواضح ان هذا النص اجنيي عما نحن فيه، فانه وارد لبيان إلغاء اعتبار الشروط المأخوذة في النكاح شرعا بالنسبة الى نكاح غير المسلمين، وان صحة النكاح بالنسبة إليهم مترتبة على ملاحظة الشروط المعتبرة لدينهم في النكاح، وذلك لان مقتضى عموم أدلة اعتبار الشروط هو اعتبارها في صحة كل نكاح سواء صدر من مسلم أو من غيره، فهذا النص ورد لتخصيص اعتبار تلك الشروط الواقعية في نكاح المسلمين فقط، فصحة نكاح المسلم تتوقف على توفره على الشروط المعتبرة فيه، فإذا اختلف شخصان في ذلك وبنى احدهما على فقدان نكاح الآخر لبعض الشروط لا يجوز ترتيب آثار الصحة عليه، إذ النص المذكور لا يشمل مثل ذلك، وانما هو ناظر الى نكاح غير المسلمين من اقوام الكفر، فلا يلغي اعتبار الشرط الواقعي بالنسبة الى نكاح المسلم إذا كان يرى عدم اعتباره، بل هو يؤكد اعتبارها ويخصصه بنكاح المسلمين. هذا تمام الكلام في هذا التنبيه. وبه يتم الكلام في الاجزاء (1) (*).


(1) وقد تم تدريسا في يوم 14 / ع 1 / 85 وكتابة في يوم 2 / ع 2 / 85،، إذ لم اكن في المباحث الاخيرة في النجف الاشرف، وقد كرر تقريرها علي سيدنا الاستاذ (دام ظله)، فلا زال متفضلا. (*) ملخص ما أفيد في الدورة المتأخرة في النجف الاشرف حول إجزاء الامر الظاهري الوجه الثالث: من وجوه الاشكال على صاحب الكفاية هو: ان دليل التوسعة لابد وأن يأخذ الطهارة مفروغا عنها، ثم يثبت سعة الشرطية، مع انه في مقام جعل الشرطية. = (*)

[ 89 ]

[... ]


= والجواب: إنه بمقتضى الحكومة يتكفل التوسعة بالمدلول الالتزامي، فهو بالمطابقة يتكفل جعل الطهارة المستلزم لترتب الاثر وهو الشرطية، فتكون دلالته على التوسعة بالالتزام نظير سائر موارد الحكومة المتكفلة للتوسعة. فتدبر. كما إن إشكال: إن المورد من موارد الحكومة الظاهرية، يمكن دفعه: مضافا الى ما في المتن، من إن الدليل يتكفل التوسعة الواقعية لدليل الشرطية ولا ينافي ذلك كونه متكفلا لحكم ظاهري، إذ الحكم الظاهري لا يمتنع أن يكون له أثر واقعي. ثم ان جريان مطلب الكفاية في إصالة الحل يبتني على أمرين: الاول: كون المراد من محرم الاكل هو هذا العنوان لا جعله طريقا الى مصاديقه الخارجية كالاسد والهر. الثاني: كون الشرط هو كون الملبوس مما يؤكل لحمه لا أن المانع هو لبس محرم الاكل فلاحظ. ثم إن الفرق بين الامارة والاصل: ان مرجع التعبد بالامارة إلى التعبد بوجود الشرط لانه هو مؤدي الامارة وهو لا اثر له الا الدخول في الصلاة، فإذا انكشف الخلاف فلا وجه للاجزاء، بخلاف الاصل فانه يتعبد بنفس الطهارة ويجعلها ويوجدها ويترتب عليه صحة الصلاة لوجدان الشرط. ثم ان ما ذكره في الكفاية من التمسك باطلاق دليل الحجية بناء على السببية لاثبات الاجزاء غير واضح. أما اولا: فلان عمدة الدليل هو بناء العقلاء، وهو دليل لبي لا إطلاق له. وإما ثانيا: فلان دليل الحجية ولو كان لفظيا لا يتكفل الامر. وأما ما ذكره في مورد الشك من الرجوع إلى إصالة عدم سقوط التكليف مع العلم الاجمالي، فقد يورد عليه: بانه لا تنجيز للعلم الاجمالي ها هنا لخروج احد طرفيه عن محل الابتلاء. والجواب: إنه لم يتمسك بالعلم الاجمالي وإنما تمسك باصالة عدم اتيان ما يسقط به التكليف فتدبر. هذا ما يرتبط بمطلب الكفاية. وأما تحقيق المقام: فلابد من تحديد محل الكلام، فقد يقال: إن عمدة البحث في الشبهات الحكمية لا الموضوعية، ولكن الامر بالعكس، لان جميع موارد الشبهة الحكمية أو اكثرها يرجع الى تبديل الرأي لاجل انكشاف عدم الحجية واقعا، وهذا راجع الى الامر الظاهري التخيلي لا الامر الظاهري الحقيقي، وهو خلاف محل الكلام. والحق في المقام اجزاء الامر الظاهري الموضوعي أصلا كان أم إمارة في العبادات دون المعاملات. والسر فيه: إن الشارع حين يتحقق منه التعبد الظاهري المؤمن - مثلا - يكون قد تصدى للمنع عن حكم العقل بالاشتغال حين الشك أو أستصحاب التكليف لو كان وقلنا بجريانه. ومع هذا يسقط الحكم الواقعي جزما بعدم قابليته للداعوية مع حكم العقل بالامان إذ قوام التكليف بالداعوية، وهي تتقوم بالخوف والرجاء، فإذا أتى المكلف بالعمل ثم إنكشف الخلاف فالموجب لثبوت التكليف الواقعي إما قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب أو إطلاق دليل الامر الواقعي. = (*)

[ 90 ]

[... ]


= أما قاعدة الاشتغال فلا تجري، لان الشك في حدوث التكليف. واما إطلاق الادلة، فقد يقرب جريانه بان المورد كموارد الغفلة التي يسقط فيها التكليف ثم يعود بالالتفاف. ولكن الحق عدم جريانه، لان المورد من مصاديق المسألة المعروفة وهي دوران الامر بين عموم العام واستصحاب حكم المخصص، وهو من موارد عدم العام لان الثابت حكم واحد مستمر، وقد إنقطع إستمراره، فلا مجال للتمسك بالدليل لاثبات الحكم بعد الانقطاع، كما في الامر بالوفاء بالعقد فلاحظ. وأما الحكم في موارد الغفلة، فثبوته بعد الغفلة إنما هو للقطع بثبوت التكليف، وعدم الفرق بين صورة عروض الغفلة من أول الامر التي يكون للاطلاق فيها مجال، وصورة العروض في الاثناء. ومن هنا يمكن أن يقرب ثبوت الحكم بعد الغفلة بان الاطلاق المثبت للحكم بعد الغفلة مع كونها من أول الامر يثبت الحكم بعد الغفلة في الاثناء بالملازمة، والقطع بعدم الفرق. ومن هنا يتضح إن قيام الامارة لو كان من أول الامر لم يجر البيان السابق، لانه يمكن التمسك بالاطلاق بعد زوال الجهل. ولكن هذا يقتضي ثبوت الحكم في الامارة القائمة في الاثناء بالملازمة، كما أشير إليه في صورة الغفلة. وعلى هذا فيختص هذا البيان بخصوص الامارة أو الاصل الذي لا يمكن ان يقوم من الاول، كقاعدة الفراغ، أو التجاوز، والظن في الركعات أو الافعال - على تقدير إعتباره -، ثم إنه لو تم هذا البيان لا يعارض بحديث لا تعاد لان ظاهره ثبوت الاعادة في مورد قيام المقتضي لها وقد عرفت عدم تمامية المقتضي للاعادة في موارد قاعدة الفراغ، فيختص مدلولها بخصوص النسيان. فتأمل. ويمكن أن يقرب الاجزاء بوجهين آخرين: أحدهما: إنه عند قيام الامارة أو الاصل يثبت جواز الاكتفاء بالعمل في مقام الامتثال، وبعد الانكشاف يستصحب ذلك. ودعوى: إن الاطلاق حاكم على الاستصحاب. تندفع: بان الاطلاق يثبت الحكم الواقعي، وهو لا ينافي جواز الاكتفاء الثابت بالاستصحاب، لانه متفرع على الحكم الواقعي. ولكن هذا الوجه انما يتم في موارد يكون جواز الاكتفاء ثابتا شرعا، كموارد قاعدة الفراغ والتجاوز. أما موارد البينه ونحوها فلا، إذ جواز الاكتفاء فيها عقلي لا شرعي، فلا معنى لاستصحابه. واستصحاب الطبيعي يكون من القسم الثالث وهو لا نلتزم به. والاخر: إنه عند قيام الامارة يثبت الترخيص في ترك الواقع، فيستصحب ذلك بعد الانكشاف، وهو ينفي الوجوب بناء على ما تقدم من إن الوجوب بحكم العقل الثابت بلحاظ الطلب وعدم الترخيص، وإذا ثبت الترخيص فلا وجوب ولو كان هذا الترخيص بواسطة الاصل. وقد يقال: إن مقتضي ذلك عدم ثبوت الوجوب مطلقا في موارد الامر الاستصحاب الترخيص قبل التشريع. وهذا خلاف ما يبني عليه القوم من الاخذ بالدليل وإثبات الوجوب، إلا إذا أثبت الاستحباب بالدليل. وفيه إن الترخيص قبل الشرع ثابت في ضمن الاباحة وقد إنتفت قطعا هنا بوجود الطلب ولو استحبابا. واستصحاب طبيعي الترخيص من القسم الثالث من استصحاب الكلي وهو ممنوع وهذا بخلاف = (*)

[ 91 ]

[... ]


= ما نحن فيه فان المستصحب هو الترخيص الظاهري الثابت سابقا الذي يجتمع مع الطلب الواقعي، وهو غير معلوم الزوال. ثم إن البيان وسوابقه للاجزاء يتاتي حتى في الامارات القائمة على الحكم. ولا يختص بالموضوع فلاحظ. ثم إنه لو تم الاجزاء على القول بالطريقية، فلا إشكال في ثبوته على السببية لنفس البيانات. ولو فرض عدم الاجزاء والرجوع الى اطلاق الادلة الدالة على لزوم الاعادة أو القضاء. فهل يحكم بالاجزاء على السببية أو لا ؟. التحقيق: ان للسببية مسالك ثلاثة: الاول: السببية بمعنى عدم الواقع إلا ما قامت عليه الامارة، وهذا هو المنسوب الى الاشاعرة ومقتضاه هو الاجزاء، بل لا موضوع للاجزاء وعدمه لانه لا واقع هنا غير ما أدت إليه الامارة حتى يقال إنه مجز عنه. الثاني: المصلحة السلوكية التي بنى عليها الشيخ، ومقتضاها التفصيل بين الالتزام بتبعية القضاء للاداء وكون التوقيت بنحو تعدد المطلوب، والالتزام بعدم التبعية وانه بامر جديد وان التوقيت بنحو وحدة المطلوب. فعلى الاول لا وجه للاجزاء من حيث القضاء، إذ لم تفت الا مصلحة الوقت، وأما مصلحة الفعل فهي قابلة للتدارك، وعلى الثاني يلتزم بالاجزاء لفوات مصلحة الواجب السابق، فلا بد من تداركه ومع تداركه لا يصدق الفوت الموضوع للقضاء. الثالث: السببية المعتزلية الراجعة الى انقلاب الواقع عما أولا، ومقتضاها عدم الاجزاء، إذ غاية ما يقرب الاجزاء عليها بان المورد عليها يكون كموارد الاوامر الاضطرارية. لكن بيان الاجزاء في الاوامر الاضطرارية - الراجع الى ان ادلة الاوامر الاضطرارية تقتضي تصنيف المكلفين - لا يجري ههنا، إذ لا يقتضي دليل الحجة ولا نفس الامارة تصنيف المكلفين. كما ان الوجه كما ان الوجه الاخر الراجع الى تكفل دليل الامر الاضطراري تحقيق الشرط كالطهارة بالتميم لا يجري ههنا، فلاحظ وتدبر. يبقى الكلام في بعض خصوصيات كلام الكفاية كتفصيله على السببية بين إمارة الموضوع وإمارة الحكم وقد أوضحنا الفرق في المتن فلاحظ. وأما رجوعه مع الشك الى إصالة عدم المسقط بضميمة العلم بالشغل فالمراد به كما تقدم ليس التمسك بالعلم الاجمالي بل بالعلم الاجمالي ولضميمة استصحاب ما يثبت بقاء التكليف، فالتنجز بقاء بواسطة الاستصحاب. وهذا أحسن ما يمكن توجيه كلام الكفاية به ولا يرد عليه سوى إن هذا الاستصحاب من استصحاب الفرد المردد لا الكلي القسم الثاني، لان الوجوب لا يتعلق بطبيعي الصلاة الجامعة بين الظهر والجمعة - مثلا - فليس المستصحب كلي الوجوب بل الفرد المردد بين فرديه، وليس نظير الحدث مما كان المجعول أمرا كليا لا تعلق له بشئ: وتحقيق ذلك الامر في محله، مع انه لو رجع إلى استصحاب القسم الثاني فنحن لا نقول به ايضا. فلاحظ. * * * (*)

[ 93 ]

مقدمة الواجب

[ 95 ]

مقدمة الواجب قبل الخوض في المهم لابد من التنبيه على جهة وهي: انه قد يتساءل عن جهة اطناب صاحب الكفاية في مبحث المقدمة. والبحث في امور دقيقة نظرية، مع اعترافه اخيرا بعدم الثمرة العملية لهذا البحث وان ما ذكر له من الثمرات ليس بثمرة له. والجواب: ان موضوع هذا البحث الطويل وان كان بحسب العنوان والمدخل هو وجوب المقدمة، لكن الواقع انه يشتمل على ابحاث دقيقة نظرية لا ترتبط في حقيقتها بوجوب المقدمة وعدمه، وكل منها ذو آثار عملية في الفقه ومقام الفتوى. اما اصل وجوب المقدمة فالبحث عنه نفيا واثباتا مختصر جدا مع انه غير خال عن الثمرة العملية كما سنشير إليه. اما تلك الابحاث الاستطرادية غير المرتبطة بوجوب المقدمة. فمنها: البحث عن امكان الشرط المتأخر ومعقوليته وعدمه، فانه بحث دقيق طويل يستهلك قسما كبيرا من مبحث وجوب المقدمة، مع انه لا علاقة له بوجوبها وعدمه، فسواء كانت المقدمة واجبة أو غير واجبة يبحث عن امكان الشرط المتأخر، وتترتب عليه آثار عملية فقهية، كامكان الالتزام بالكشف في

[ 96 ]

المعاملة الفضولية المتعقبة للاجازة بناء على امكانه، واما بناء على عدم امكانه فلا مناص عن الالتزام بالنقل، وثمرة كلا الالتزامين تظهر في النماء المتجدد الحاصل بين زمان العقد والاجازة، فانه بناء على الكشف يكون للمشتري واما بناء على النقل فيكون للبائع لانه نماء حدث في ملكه. ومنها: بعض صغريات بحث المقدمة الموصلة، وهو البحث عن كون المشروع من المقدمات العبادية هل هو الموصل منها أو الاعم ؟ مع قطع النظر عن وجوبه وعدمه وثمرة هذا البحث ظاهرة، فان الايصال إذا كان دخيلا في مشروعية الوضوء للصلاة مثلا، فلازمه عدم صحة الوضوء إذا لم يترتب عليه الواجب، بخلاف ما إذا لم يعتبر في المشروعية وكان المشروع مطلق المقدمة. ومنها: البحث في امكان الواجب المعلق وعدمه، فانه مما لا يرتبط بوجوب المقدمة وعدمه وله آثار مهمة في الفقه، كلزوم الاتيان بالمقدمة عقلا إذا لم يبنى على وجوبها شرعا، وعلم المكلف انه لا يقدر على الاتيان بها عند دخول وقت الواجب. وغير ذلك من المباحث التي لا تخفى على النبية. واما الثمرة العملية للبحث في وجوب المقدمة، فهو كون المورد من موارد التعارض بناء على وجوب المقدمة لو كانت المقدمة محرمة وكونه من موارد التزاحم بناء على عدم وجوبها. بيان ذلك: انه إذا وجب شئ كانقاذ الغريق وكانت له مقدمة محرمة، وهي الاجتياز في ملك الغير بدون اذنه، فلو قلنا بوجوب المقدمة كان المورد من موارد التعارض، لعدم امكان تعلق الحرمة والوجوب بشئ واحد، فيتعارض دليل التحريم مع دليل الوجوب بخلاف ما إذا التزمنا بعدم وجوب المقدمة، فانه يكون من موارد التزاحم، لاختلاف متعلق الحكمين، وعدم المحذور في جعل الحرمة والوجوب لكل من متعلقيهما في نفسه، لكن الحكمين لا يمكن امتثالهما معا لعدم القدرة فيقع التزاحم بينهما، ومن الواضح

[ 97 ]

اختلاف الاثر العملي بين ما إذا كان المورد من موارد التعارض أو من موارد التزاحم. وجملة القول: ان هذا الاطناب ليس موضوعه وجوب المقدمة، بل موضوعه كثير من المباحث التي يتعرض لها بالمناسبة، مع ان بحث وجوب المقدمة لا يخلو عن ثمرة عملية كما عرفت. وبعد هذا يقع الكلام في أمور: الامر الاول: والبحث فيه من جهتين: الجهة الاولى: في ان هذه المسالة اصولية أو فقهية أو غيرهما. والذي افاده صاحب الكفاية (رحمه الله) هو: انه يمكن فرض المسالة بنحو تكون من المسائل الفقهية، كان يفرض البحث عن وجوب المقدمة وعدمه. كما يمكن فرضها بنحو تكون من المسائل الاصولية، كان يفرض البحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها، فانها بذلك تكون من المسائل الاصولية، لان نتيجتها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، وهو وجوب المقدمة المعينة كالوضوء - كما يشير إليه في اواخر المبحث -، وبهذا الاعتبار لابد من تحرير المسالة بهذا النحو كي تندرج في مسائل علم الاصول ولا تكون من المسائل الاستطرادية في هذا العلم، إذ مع امكان فرض البحث بنحو تكون من المسائل لا وجه لفرضه بنحو تكون خارجة عن العلم ويلتزم بان ذكرها بنحو الاستطراد. هذا مما افاده في الكفاية (1). وقد افيد - خلافا له - بان المسألة لا يمكن ان تكون من المسائل الفقهية، وذكر لذلك وجوه ثلاثة: الاول: - ما افاده المحقق النائيني (رحمه الله) - ان المسالة الفقهية ما كان


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 89 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 98 ]

موضوعها امرا خاصا كوجوب الصلاة أو الصوم أو نحوهما. اما ما كان موضوعها عنوانا عاما ينطبق على عناوين خاصة فليست بمسالة فقهية، وذلك كمسالة وجوب المقدمة، فان المقدمة عنوان عام ينطبق على عناوين خاصة في الابواب المختلفة كالوضوء ونحوه. فلا تكون من المسائل الفقهية وان كان محمول المسالة هو الوجوب وعدمه (1). واورد عليه المحقق العراقي (رحمه الله): بالنقض ببعض المسائل الفقهية مما كان موضوعها عاما لا يختص بباب دون آخر، كمسالة وجوب الوفاء بالنذر، فانه يشمل كل منذور سواء كان صلاة أو حجا أو صوما أو غيرها. ومسالة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وعكسها - أي ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده - فان الموصول يعم جميع العقود التي تنطبق عليها الصلة كالبيع والاجارة وغيرهما (2). الثاني: - ما افاده المحقق العراقي (قدس سره) - ان المسالة الفقهية ما كان الحكم المبحوث عنه فيها ناشئا عن ملاك واحد، ووجوب المقدمة ليس كذلك، لان وجوب كل مقدمة بوجوب ذيها، فملاكه يكون ملاك وجوب ذيها، ولا يخفى اختلاف الاحكام في الملاكات فملاك وجوب الصلاة غير ملاك وجوب الصوم وهكذا، فوجوب المقدمة يختلف ملاكه باختلاف موارده فلا تكون المسالة من المسائل الفقهية (3). وفيه: اولا: ان تعيين الضابط لمسائل العلم امرا يرجع الى اختيار كل احد، والا لم صح الايراد بعدم الطرف والعكس على احد، بل الملحوظ فيه احد


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 213 - الطبعة الاولى. (2) الاملي الشيخ ميرزا هاشم. بدائع الافكار 1 / 313 - الطبعة الاولى. (3) الاملي الشيخ ميرزا هاشم. بدائع الافكار 1 / 312 - الطبعة الاولى. (*)

[ 99 ]

امرين: اما ان تكون هناك مسائل مجموعة اصطلح عليها باسم خاص، فيلحظ الجامع بينها ويفرض كونه هو الضابط لمسائل العلم، واما ان يلحظ الغرض والملاك في تدوين العلم وتحرير مسائله، فينتزع الضابط للمسائل بلحاظه. واما فرض الضابط بلا لحاظ أحد هذين الامرين، بل بالاختيار، فكذلك ما لا وجه له. ولا يخفى ان الضابط للمسالة الاصولية بلحاظ غرض علم الفقه، انما هو كل ما يبحث فيه عن عوارض فعل المكلف الشرعية، سواء تعدد ملاكه أو اتحد، فمسالة وجوب المقدمة على هذا من المسائل الفقهية، وزيادة قيد اتحاد الملاك بلا وجه ظاهر. وثانيا: ان وجوب المقدمة بعنوان انها مقدمة يكون بملاك واحد في جميع موارده وهو ملاك المقدمية، فانه هو الذي يوجب ترشح الوجوب على المقدمة في كل الموارد وليس له ملاك آخر غيره. الثالث: - وهو ما افاده السيد الخوئي (حفظه الله) - ان البحث ليس عن خصوص وجوب مقدمة الواجب أو استحباب مقدمة المستحب وانما البحث في الحقيقة يرجع الى مطلوبية مقدمة المطلوب بقول مطلق بلا خصوصية للوجوب والاستحباب، وذكر الوجوب في العنوان ليس الا لاهميته لا لخصوصية فيه، ومعه لا تكون المسالة فقهية، لان جامع الطلب ليس من الاحكام الشرعية والعوارض التي تفرض لفعل المكلف، إذ ما يعرض على فعل المكلف هو خصوصيات الطلب، بل تكون المسالة مما يستنبط بواسطتها حكم شرعي وهو وجوب المقدمة أو استحبابها كما لا يخفي (1). وفيه: ان جامع الطلب لو كان امرا متقررا في قبال الوجوب أو الاستحباب، أو لم يكن كذلك ولكن كان البحث عن مطلوبية المقدمة بكلي


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 293 - الطبعة الاولى. (*)

[ 100 ]

الطلب بلا نظر الى خصوصية الوجوب والاستحباب، كان ما ذكر في محله، لكنه ليس كذلك، بل الطلب المأخوذ في العنوان قد أخذ عنوانا ومرآتا للوجوب والاستحباب، فالبحث يرجع في الحقيقة الى وجوب مقدمة الواجب واستحباب مقدمة المستحب، غاية الامر انه يشار اليهما بلفظ وعنوان واحد. وبعبارة اخرى: ان لكل من خصوصيتي الوجوب والاستحباب دخل في وجوب المقدمة واستحبابها، وليس الترشح من جهة اصل الارادة والطلب فقط، والا لما اتجه وجوب مقدمة الواجب دون المستحب، بل غاية ما يثبت مطلوبيتها، اما كون الطلب وجوبيا فلا دليل عليه. فالانتهاء الى وجوب مقدمة الواجب واستحباب مقدمة المستحب من البحث كاشف عن تعلق النظر في البحث بخصوصيتي الوجوب والاستحباب، غاية الامر انه عبر عنهما بعنوان واحد وهو لا يعني الغاء الخصوصية، وبذلك لا تخرج المسالة عن الفقه لان البحث عن مطلوبية المقدمة عنوانا لا حقيقة. فتدبر. والانصاف: ان المسالة ليست من المسائل الاصولية ولا الفقهية، وانما هي من مبادئ الاصول. اما عدم كونها من مسائل الاصول: فلما عرفت في مبحث ضابط المسالة الاصولية من ان المسالة الاصولية ما كانت نتيجتها رافعة لتحير المكلف في مقام العمل، اما تكوينا كمباحث الملازمات العقلية، أو تعبدا، كمباحث الامارات. ولا يخفى ان هذه المسالة لا تتكفل هذه الجهة، إذ لا تحير للمكلف في مقام العمل واداء الوظيفة، إذ لابد عليه من الاتيان بالمقدمة تحصيلا لامتثال ذيها وجبت شرعا أو لم تجب، فوجوب المقدمة وعدمه لا يؤثر في عمل المكلف أصلا. واما عدم كونها من مسائل الفقه: فلان المسائل الفقهية ما يبحث فيها عن عوارض الفعل الشرعية العملية لا مطلق العوارض الشرعية. ولا يخفى ان وجوب المقدمة شرعا لا أثر عمليا له، إذ لا اطاعة له ولا عصيان ولا ثواب عليه

[ 101 ]

ولا عقاب ولا بعث فيه ولا زجر وقد عرفت ان المكلف يلزمه الاتيان بالمقدمة سواء كانت واجبة شرعا أو لم تكن. واما كونها من المبادئ: فلما عرفت من ان ثمرتها العملية تحقيق صغرى لمسألة التعارض بناء على الوجوب، أو صغرى لمسألة التزاحم بناء على عدم الوجوب، وكل من مسألتي التزاحم والتعارض من مسائل الاصول، فهي بذلك تكون من مبادئ المسألة الاصولية فلا حظ. الجهة الثانية: في ان المسألة عقلية أو لفظية. ذهب صاحب الكفاية الى كونها عقلية لا لفظية - كما قد يظهر من صاحب المعالم (1) - والوجه فيه: ان اصل الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته محل اشكال، فلابد من ايقاع البحث فيه، ولا معنى لايقاع البحث في مقام الاثبات وكون وجوب المقدمة مدلولا للفظ بأي الدلالات، أو عدم كونه مدلولا له بأحدها (2). ولا يرد على صاحب الكفاية: ان موضوع البحث لا يتحمل البحث في مقامين الثبوت والاثبات - كما هو ظاهر الكفاية -، لان مرجع البحث الاثباتي في ثبوت الدلالة الالتزامية على وجوب المقدمة الى تحقيق وجود الملازمة ثبوتا وعدمه، فالبحث في مقام الاثبات ينتهي الى تحقيق مقام الثبوت (3). وجه عدم ورود هذا الايراد: ان الملازمة التي هي ملاك الدلالة الالتزامية هي الملازمة العرفية، والمبحوث عنه ثبوتا هو كلي الملازمة، ومع كون اصل الملازمة محل الاشكال لا تصل النوبة الى مرحلة الاثبات، وتحقيق أي نوع ثابت من انواع الملازمة وعلى أي حال فالامر سهل.


(1) العاملي جمال الدين. معالم الدين في الاصول / 61 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 89 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (3) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 1 / 261 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 102 ]

الامر الثاني: في تقسيمات المقدمة. وقد تعرض في الكفاية الى ذكر تقسيمات متعددة لها: التقسيم الاول: انقسامها الى المقدمة الداخلية، وهي: الاجزاء المأخوذة في المأمور به. والمقدمة الخارجية، وهي: الامور الخارجة عن الماهية التي يتوقف وجود المأمور به عليها. وقد تعرض صاحب الكفاية الى البحث عن المقدمة الداخلية من جهتين: الجهة الاولى: في صحة اطلاق المقدمة عليها، إذ قد يستشكل (1) في ذلك: بان المقدمية تتوقف على كون المقدمة سابقة على ذي المقدمة، والاجزاء غير سابقة على المركب، لان الكل هو عين الاجزاء، ونفس الشئ لا يكون سابقا عليه. والجواب الذي اشار إليه في الكفاية عن هذا الاشكال هو: ان الاجزاء بالاسر فيها جهتان واقعيتان احداها مترتبة على الاخرى، فان في كل جزء جهة ذاته وجهة اجتماعه مع غيره من الاجزاء. ولا يخفى ان جهة الذات متقدمة على جهة اجتماع الذات مع الذات الاخرى تقدم المعروض على العارض، لان جهة الاجتماع عارضة على الذوات. وعليه فنقول: إذا لوحظت الاجزاء بجهة ذاتها كانت المقدمة، وإذا لوحظت بوصف الاجتماع والانضمام كانت الكل، فالمقدمة سابقة على الكل وذي المقدمة سبق المعروض على العارض، وهذا السبق يصحح اطلاق المقدمية عليها. ويمكن التعبير عن الفرق بين الاجزاء والكل بحسب اصطلاح المعقول: بان الاجزاء ما لو حظت لا بشرط، والكل ما لوحظ بشرط شئ (1). وقد نبه عليه في الكفاية تمهيدا للاشارة الى الاشكال على جواب صاحب التقريرات عن الاستشكال في مقدمية الاجزاء: بان الجزء ما لوحظ بشرط لا (2)،


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 90 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الكلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 40 - الطبعة الاولى. (*)

[ 103 ]

وانه ناشئ عما قيل في بيان جهة الفرق بين الاجزاء الخارجية كالمادة والصورة المعبر عنهما في الانسان بالنفس والبدن، والاجزاء التحليلية كالجنس والفصل المعبر عنهما بالحيوان والناطق الموجبة لعدم صحة حمل المادة على الصورة وبالعكس في ظرف صحة حمل كل من الجنس والفصل على الآخر، فقد قيل في بيان جهة الفرق: ان الاجزاء الخارجية ماخوذة بشرط لا فلا يصح حملها، والاجزاء التحليلية ماخوذة لا بشرط، فكان ذلك منشأ لان يكون جواب صاحب التقريرات في بيان الفرق بين الجزء والكل بان الجزء ماخوذ بشرط لا، غفلة منه بان ذلك لا يتلاءم مع كونه جزء للكل لان الكلية والجزئية متضائفان. واخذ الجزء الخارجي بشرط لا بلحاظ الحمل لا بلحاظ الجزئية والكلية. الجهة الثانية: في دخولها في محل النزاع، والذي قرره في الكفاية عدم دخولها في محل النزاع لوجهين: الاول: وهو ما أشار إليه في حاشية له في المقام: ومرجعه الى عدم المقتضي للوجوب الغيري فيها، وذلك لان ما يدل على وجوب المقدمة وترشح الوجوب عليها، انما هو الارتكاز العقلائي العرفي، وهو غاية ما يدل على ثبوت الوجوب والترشح في مورد تعدد الوجود ومغايرة وجود المقدمة لوجود ذيها، اما مع عدم مغايرة وجود المقدمة لوجود ذيها واتحادهما في الوجود، وتصحيح المقدمية بوجه من الوجوه الدقيقة العقلية، كما في الجزء والكل، فالدليل قاصر عن اثبات وجوبها وترشح الوجوب من ذيها عليها (1). الثاني: وهو ما ذكره في متن الكفاية، ومرجعه الى وجود المانع من تعلق الوجوب الغيري بها، وبيان ذلك: ان الاجزاء لما كانت عين الكل في الوجود كان الامر النفسي المتعلق بالكل متعلق بها حقيقة، فهي متعلقة للوجوب النفسي،


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 91 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 104 ]

وعليه فيلزم من تعلق الوجوب الغيري بناء على ثبوت مقتضيه اجتماع حكمين على موضوع واحد وهو محال، لانه من باب اجتماع المثلين وهو في المنع كاجتماع الضدين، فالاجزاء لا تكون متعلقة للوجوب الغيري وان ثبت مقتضيه فيها لوجود المانع وهو استلزامه للمحال (1). وقد ذكر للتفصي عن هذا المحذور وجهان: الاول: ما ذكره المحقق النائيني (رحمه الله) من: انه لا مانع من تعلق الوجوب الغيري بالاجزاء مع تعلق الوجوب النفسي بها إذا رجع الى تعلق حكم واحد بها مؤكد لا حكمين مستقلين كي يستلزم اجتماع المثلين، فمحذور اجتماع المثلين يرتفع بالالتزام بالتأكيد في الوجوب، كما يلتزم به في غير الاجزاء من الواجبات النفسية إذا كانت مقدمة لواجب آخر، نظير صلاة الظهر فانها مقدمة لصلاة العصر فهي واجبة بوجوب مؤكد لثبوت ملاك الوجوب الغيري فيها بضميمة تعلق الوجوب النفسي. ولكنه استشكل في هذا الوجه بدعوى: ان التاكد انما يتصور في غير المورد الذي يكون الوجوب الغيري معلولا للوجوب النفسي، نظير مثال صلاة الظهر. واما إذا كان الوجوب الغيري معلولا لنفس الوجوب النفسي كالاجزاء، فان وجوبها الغيري المفروض يترشح من وجوبها النفسي، فيمتنع فرض التاكد فيه (2). واورد عليه السيد الخوئي (حفظه الله): بان امتناع التاكد انما يتم لو كان احدهما سابقا على الآخر زمانا، بمعنى ان وجود احدهما بعد وجود الآخر، لا ما كان احدهما متقدما على الآخر رتبة مع تقاربهما في الوجود كما فيما نحن فيه، إذ


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 90 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 218 - الطبعة الاولى. (*)

[ 105 ]

العلة لا تنفك عن المعلول وجودا والسبق واللحوق بينهما رتبي لا زماني فلا مانع من التأكد (1). وفيه: ان جهة استحالة التاكد لا يفترق فيها الحال بين النحوين. فان الوجه في امتناع تأكد المعلول مع العلة: ان ترشح الوجوب الغيري لما كان معلولا للوجوب النفسي لا يمكن فرضه إلا بفرض تحقق الوجوب النفسي خارجا ووجوده كي يترشح منه الوجوب الغيري ويكون موثرا في وجوده تأثير العلة بالمعلول، ولا يخفى ان لكل وجود حد خاص معين، وعليه فإذا فرض ترشح الوجوب الغيري عن الوجوب النفسي مقارنا لوجوده، فاما ان يكون لكل منهما وجود مستقل فيلزم اجتماع المثلين. واما ان ينعدم الوجوب النفسي بحده الخاص ويحدث فرد جديد للوجوب مؤكد فيلزم انعدام علة الوجوب الغيري - إذ قد عرفت أنه الوجوب النفسي بحده الوجودي -، وهو مساوق لعدم وجود الوجوب الغيري لانعدام المعلول بانعدام علته، ففرض التاكد بين المعلول والعلة ملازم لفرض انعدام العلة بحدها الوجودي الذي به قوام التأثير، وهو مستلزم لانعدام المعلول وهو خلف فرض التاكد، ولا يخفى ان هذا الوجه لا يرتفع بدعوى المقارنة بين وجود المعلول ووجود العلة زمانا والاختلاف رتبة، فان ملاكه أعم، فكما يمتنع التاكد مع التقدم الزماني لعين الوجه، فكذلك يمتنع مع التقدم الرتبي والعلية وان تقارن زمان العلة والمعلول. فلاحظ. الثاني: ما ذكره في الكفاية من انه قد تقرر في مبحث اجتماع الامر والنهي ان اختلاف الوجه والعنوان يجدي في رفع غائلة امتناع اجتماع الحكمين المتضادين، فلابد ان يكون كافيا في رفع غائلة اجتماع الحكمين المتماثلين لانه موجب لتعدد المعنون، ولا يخفى ان العنوان الذي يثبت له الوجوب الغيري في


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 300 - الطبعة الاولى. (*)

[ 106 ]

الاجزاء غير العنوان الذي يثبت له الوجوب النفسي فيها، فان الوجوب النفسي طارئ على عنوان المركب الخاص من صلاة وصوم وغيرهما، والغيري طارئ على الاجزاء بعنوان المقدمية، فيختلف العنوان وبه ترتفع غائلة اجتماع الحكمين المتماثلين. واورد عليه في الكفاية: ان عنوان المقدمية لم يؤخذ جهة تقييدية، فليس الوجوب بعارض على عنوان المقدمة، بل هو عارض على ذات المقدمة وما هي بالحمل الشائع مقدمة، فعنوان المقدمية ماخوذ بنحو الجهة التعليلية، فتكون ذوات الاجزاء متعلقة للوجوب النفسي باعتبار انها عين المركب، ومتعلقة للوجوب الغيري لانها مقدمة فيجتمع المثلان في واحد (1). فتحصل من مجموع ما ذكرنا خروج الاجزاء عن موضوع الكلام، فموضوع الكلام هو المقدمات الخارجية التي لا ينبسط عليها الوجوب النفسي. التقسيم الثاني: انقسامها الى المقدمة العقلية والشرعية والعادية. فالعقلية: ما توقف وجود الشئ عليها عقلا. والشرعية: ما توقف وجود الشئ عليها شرعا. والعادية: ما توقف وجو الشئ عليها عادة. وقد افاد صاحب الكفاية: بان التحقيق يقضي برجوع الكل الى العقلية، وانه ليس لدينا مقدمة غير عقلية. اما الشرعية: فلان توقف وجود الشئ عليها شرعا لا يكون الا باخذها شرطا في الواجب والمامور به، ولا يخفى ان استحالة المشروط بدون شرطه عقلية. وبعبارة اخرى: توقف وجود الواجب - بما أنه واجب - على وجود الشرط


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 90 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 107 ]

مما يحكم به العقل بعد أخذه شرطا. واما العادية: فهي بمعنى خارجة عن المقسم، ولا تكون مقدمة حقيقة. وبمعنى آخر ترجع الى العقلية، فانها بمعنى كون التوقف عليها بحسب الاعتياد والتعارف مع امكان وجود ذيها بدونها نظير لبس الحذاء أو الرداء عند الخروج الى السوق، لا تكون مقدمة حقيقة لان معنى المقدمية مساوق للتوقف، والفرض انه لا توقف هنا، واطلاق المقدمة على مثله مسامحي. وبمعنى ان التوقف، والفرض انه لا توقف هنا، واطلاق المقدمة على مثله مسامحي. وبمعنى ان التوقف عليها فعلا واقعي لكنه باعتبار عدم امكان غيره عادة لا عقلا، كتوقف الصعود على السطح على نصب السلم تكون مقدمة عقلية، لان العقل يحكم باستحالة الصعود بدون مثل النصب فعلا وان كان ممكنا في نفسه وذاته، لان العقل انما يحكم باستحالة الطفرة لا بعدم امكان الصعود بدون مثل النصب ذاتا كما لا يخفى (1). التقسيم الثالث: انقسامها الى مقدمة الصحة ومقدمة الوجود ومقدمة الوجوب ومقدمة العلم. وقد التزم ان موضوع البحث هو مقدمة الوجود دون غيرها، لرجوع مقدمة الصحة الى مقدمة الوجود، لان مفروض الكلام هو مقدمة الواجب، ولا يخفى ان مقدمة صحة العمل وما عليه يتوقف صحة العمل يرجع الى كونه مقدمة لوجود الواجب، إذ الواجب انما هو الصحيح دون الاعم، كي يتوهم انفراد مقدمة وجوده عن مقدمة صحته. واما مقدمة الوجوب: فلان الوجوب النفسي لا يتحقق إلا بعد تحققها،


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 91 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). لا يظهر من كلامه رجوع الكل الى العقلية إذ لم ينكر وجود المقدمة العادية باحد معنييها، وعدم رجوعها الى العقلية، وانما التزم بخروجها عن محل النزاع لعدم وجود ملاك الوجوب الغيري فيها وهو التوقف. وهو لا ينافي كونها مقدمة عادة وعرفا. (المقرر). (*)

[ 108 ]

نظير الاستطاعة بالنسبة الى وجوب الحج، ومعه لا يعقل فرض ترشح الوجوب من ذيها عليها، للزوم طلب الحاصل. واما مقدمة العلم: مما لا يتوقف وجود الواجب عليها واقعا، فان الصلاة الى كل جهة من الجهات المحتملة للقبلة لا تكون دخيلة في حصول نفس الواجب الواقعي، نعم هي دخيلة في حصول ما هو واجب عقلا وهو حصول العلم بالامتثال، فتكون واجبة بالوجوب العقلي الارشادي من باب وجوب الاطاعة لا الوجوب الشرعي المولوي من باب الملازمة، لعدم كونها مقدمة له. واعلم: ان هذين التقسيمين لا يستدعيان أكثر من ايضاح مطلب الكفاية، إذ لا يتكفلان بحثا علميا ومطلبا دقيقا، ولذلك اقتصرنا في الكلام عنهما على مطلب الكفاية. وانما المهم هو البحث في الشرط المتأخر الذي يجئ ذكره في التقسيم الاخر فلاحظه. التقسيم الرابع: انقسامها الى المقدمة المتقدمة والمقدمة المقارنة والمقدمة المتأخرة. فانها ان كانت سابقة زمانا على ذيها كانت متقدمة. وان كانت مقارنة في وجودها لوجود ذي المقدمة كانت مقارنة. وان كانت لاحقة له في الوجود كانت متاخرة. وقد وقع الكلام في معقولية المقدمة المتأخرة، وبتعبير آخر: " الشرط المتأخر "، كالاغسال الليلية المعتبرة عند بعض في صحة صوم المستحاضة في اليوم السابق. وجهة الاشكال في معقولية الشرط المتأخر هي: ان معنى كونه شرطا ومقدمة انه دخيل في وجود المشروط وتحققه، بحيث يكون من اجزاء علته، وعليه فإذا فرض وجود المشروط في زمان سابق على زمان وجود الشرط المفروض أنه دخيل في التأثير لزم ان يؤثر المعدوم - وهو الشرط - في الموجود - وهو المشروط -،

[ 109 ]

وتاثير المعدوم في الموجود محال. وقد أسرى صاحب الكفاية هذا الاشكال الى الشرط المتقدم وجوده عند وجود المشروط: كالعقد في الصرف والسلم، فان حصول الملكية انما يكون بعد القبض، ولا يخفى انه لا وجود للعقد حينه فيلزم تأثير المعدوم في الموجود، إذ لا كلام في دخالة العقد في تحقق الملكية. بل في كل عقد بالنسبة الى غالب أجزائه ما عدا الجزء الاخير منه، لان الانشاء بالفاظه دخيل في تحقق الاثر المنشا مع انه لا وجود لغالب الالفاظ حال تحقق الاثر (1). وبهذه التسرية ألزم صاحب الكفاية نفسه والاعلام بحل الاشكال، إذ الالتزام به في هذه الموارد ونظائرها يستلزم تأسيس فقه جديد وأحكام غريبة، لان الاشكال لو كان يقتصر على الشرط المتأخر خاصة، لامكن الالتزام به ونفى الشرط المتأخر وتوجيه ما ورد مما ظاهره ذلك لقلة موارده، اما بعد ان صار الاشكال ساريا في موارد كثيرة جدا فالالتزام به مشكل جدا فلابد من حله. والذى افاده في الكفاية في مقام الحل هو: ان الشرط والمؤثر في الحقيقة ليس ما يصطلح عليه الشرط ويسمى به، وانما هو امر آخر مقارن للمشروط، وهذا الامر ثابت بالنسبة الى الشرط المقارن ايضا. بيان ذلك: ان الشرط اما ان يكون شرطا للحكم، سواء كان حكما تكليفيا أو وضعيا. واما ان يكون شرطا للمأمور به. اما الحكم، فقد ادعى: ان الشرط الحقيقي المؤثر فيه هو الوجود العلمي للشرط لا الخارجي، والوجود العلمي مقارن للحكم مطلقا. بتقريب: أنه قد تقرر في محله ان العلة باجزائها لابد ان تكون من سنخ المعلول - وهو المعبر عنه بقانون السنخية -، فلابد ان يتحد افق العلة مع افق المعلول، ويمتنع ان يكون


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 92 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع).

[ 110 ]

افق العلة غير أفق المعلول، فإذا كان المعلول من الامور الذهنية امتنع ان تكون علته من الامور الخارجية لامتناع تأثير الخارجي في الذهنيات، والالزم وجود الخارجي بما انه كذلك في الذهن وهو محال. وعليه، فبما ان الحكم الشرعي - تكليفيا كان أو وضعيا - من افعال المولى الاختيارية، فهي صادرة عن ارادة المولى ومنبعثة عنها، فلا معنى لتاثير الامور الخارجية فيه، وانما ينقل الكلام الى مصدر نشوء الارادة وتحقيقها، فبما ان افق الارادة ليس هو الخارج وانما هو النفس امتنع ان يؤثر فيها شئ من الخارجيات، ولذا كانت مقدماتها ذهنية، ومنها تصور الشرط الخارجي فانه يوجب ارادة الحكم ويؤثر فيها، فالمؤثر هو العلم بالشرط وتصوره لا نفس الشرط بوجوده الخارجي لامتناع تأثيره في الارادة كما عرفت، وهذا المعنى كما يتاتى في الشرط المتقدم والمتاخر يتاتى في الشرط المقارن ايضا، فان المؤثر في الحقيقة هو تصور وجوده لا نفس وجود الخارجي، لامتناع تأثير الخارجيات في الارادة. وبالجملة: في مورد ثبوت الشرط للحكم، يكون الشرط في الحقيقة هو الوجود العلمي التصوري لذلك الامر لا نفس ذلك الامر الخارجي، فانه هو الذي يصلح للتاثير في الارادة دون المطابق الخارجي. ومن الواضح ان تصور الشرط يكون مقارنا للمعلول، أعني الارادة، وان كان مطابقة متاخرا أو متقدما، فلا يلزم تأثير المعدوم في الموجود. واما تسمية الامور الخارجية بالشروط فهي بلحاظ كونها مطابقا لما هو الشرط في الحقيقة: أعني الوجود الذهني لها. واما المأمور به فقد أدعى: ان الشرط في الحقيقة ليس ما يصطلح عليه بالشرط، وانما هو اضافة خاصة للمأمور به طرفها ذلك الامر، والاضافة مقارنة مطلقا للمأمور به. بتقريب: ان الشئ لا يكون متعلقا للامر وموردا له الا إذا كان معنونا بعنوان حسن يستلزم تعلق الامر به، ومن الواضح الذي لا اشكال فيه اختلاف الحسن والقبح باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة من

[ 111 ]

الاضافات، فالشئ باعتبار اضافة خاصة يكون ذا وجه به يتصف بالحسن. وعليه، فالذي يكون دخيلا في تعلق الامر وصيرورة الشئ مامورا به نفس اضافة ذات المأمور به الى أمر آخر باضافة خاصة لا نفس الامر الآخر الذي يكون طرف الاضافة. وعلى هذا فشرطية شئ للمأمور به مرجعها الى كون اضافة المأمور به إليه محصلة لوجه يوجب اتصافه بالحسن، فمرجعها الى دخالة اضافة المأمور به في تعلق الامر وتاثيرها فيه. ومن الظاهر انه كما تكون اضافة شئ إلى أمر مقارن له موجبة لتعنونه بعنوان حسن به يكون متعلقا للامر، كذلك يمكن ان تكون اضافته الى أمر متقدم عليه أو متاخر عنه موجبة لذلك، فالتاثير في الحقيقة في جميع ذلك الى الاضافة وهي الشرط حقيقة، وهي مقارنة للمأمور به مطلقا. اما نفس الامر المقارن أو المتقدم أو المتأخر فاطلاق الشرط عليه باعتبار أنه طرف الاضافة لا غير، لا باعتبار انه الشرط حقيقة كي يتوهم استلزام ذلك تأثير المعدوم في الموجود في مورد الشرط المتأخر. والمتحصل: ان الشرط في الحقيقة أمر مقارن للمشروط - سواء كان الحكم أو المأمور به -، واطلاق الشرط على الامور المتأخرة والمتقدمة، بل المقارنة بلحاظ نوع من العلاقة والارتباط بينها وبين ما هو الشرط حقيقة والمؤثر في الواقع. هذا ايضاح ما ورد في الكفاية في التفصي عن الاشكال المذكور (1). وقد قيل في التفصي عنه: ان اجزاء العلة على نحوين: نحو يكون دخيلا في نفس تأثير المقتضي في المعلول. ونحو لا يكون دخيلا في التأثير وانما يكون مقربا للمعلول من علته، ويعبر عنه في الاصطلاح بالمعد، نظير الخطوات


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 93 - طبعة موسسة آل البيت (ع). (*)

[ 112 ]

التدريجية غير الخطوة الاخيرة المنتهية الى المكان الذي يراد الوصول إليه، فان الخطوة الاولى والثانية وهكذا - وان كانت مما يتوقف عليها الكون في المكان لكنها - غير موثرة في نفس الكون في ذلك المكان، وانما أثرها مقربية ذلك المكان للمؤثر وهو الخطوة الاخيرة. وهذا النحو من الاجزاء - اعني المعدات - لا يمتنع تقدمها على المعلول بحيث تكون معدومة عند حصوله كما في المثال المزبور، فان الخطوات السابقة منعدمة عند الكون في المكان الخاص، وانما الذي تلزم مقارنته للمعلول هو الاجزاء المؤثرة فيه. وعليه، فحيث ان الشرائط الشرعية كلها من قبيل المعدات المقربة لم يمتنع تقدمها على المشروط وكونها منعدمة عند وجوده (1). وهذا الجواب مضافا الى انه يرفع الاشكال في خصوص الشرط المتقدم لا المتأخر - إذ ليس هو من قبيل المعد - يبتني على استظهار كون الشروط الشرعية من قبيل المعدات، وهو لا يخلو من جزاف، ولعلنا نعود الى هذا الجواب وما حوله من الكلام مرة اخرى. ثم ان المحقق الاصفهاني ذكر امرا - في تعليقته على مطلب الكفاية في شرائط الحكم - بعنوان الايراد على صاحب الكفاية، ثم تصدى الى جوابه، وتوجيه كلام صاحب الكفاية وتصحيحه في بعض انحائه. اما ما ذكره بعنوان الايراد فهو: ان للبعث والتحريك الاعتباريين الذين هما من افعال المولى الآمر جهتين: جهة تعلق اردة الآمر بهما. وجهة ذاتيهما ووجوديهما الحقيقيين. فهما بلحاظ الجهة الاولى كسائر مرادات المولى لا يتاثر ان


(1) تعرض إليه في نهاية الدراية 1 / 170 وادعى ان الالتزام بكون جميع الاسباب والشرايط الشرعية معدات، جزاف. (*)

[ 113 ]

بالامور الخارجية، لان الارادة من الكيفيات النفسانية فلا يؤثر فيها ما هو خارج عن افق النفس. ولكنهما بلحاظ هذه الجهة خارجان عن محل الكلام، فان محل الكلام جهة وجودهما الحقيقي، وبهذا اللحاظ يبقى الاشكال في محله ولا ينحل بما افيد، لامكان توقف وجود البعث الحقيقي على الامور الخارجية، وعليه فيقع الكلام في صحة توقفه على ما هو متاخر عنه وجودا. هذا ما ذكره بنص. العبارة - تقريبا - وهو لا يخلو عن اجمال (1). وسيتضح في طي ذكر كلمات الاعلام وما يدور حولها، لذلك سنترك الكلام فيه وننتقل الى كلام علم آخر وهو المحقق النائيني... فقد اورد على ما افاده صاحب الكفاية من ارجاع الشروط الى التصور وعلم الآمر: بانه نقل للكلام الى غير موضعه، وناشئ عن الخلط بين القضايا الحقيقية والقضايا الخارجية. بيان ذلك: ان انشاء الحكم يتصور على نحوين: الاول: ان يكون بنحو القضية الخارجية، وذلك بان ينشأ الحكم على موضوع متحقق ثابت خارجي، كما يقال - مثلا - " اكرم زيدا "، فان الحكم قد رتب على موضوع خارجي موجود ولم يعلق على شئ، وهذا النحو من الاحكام يكون الدخيل في ملاكه وموضوعه علم المولى بلا تأثير للامور الخارجية ومطابقات العلم فيه، فيعلم المولى بان زيدا صديق له فيوجب اكرامه ويثبت الحكم بذلك، وان لم يكن زيد في الواقع صديقا له. ومن الواضح ان فعلية الحكم ههنا لا تنفك عن انشائه وجودا، إذ الفرض انه لم يعلق على شئ، بل ثبت على موضوع موجود خارجا. نعم هي متاخرة عن إنشائه رتبة. الثاني: ان يكون بنحو القضية الحقيقية، وذلك بان ينشأ الحكم على


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 170 - الطبعة الاولى. (*)

[ 114 ]

موضوع مقدر الوجود، ولا يلحظ فيه مقام الخارج وانه ثابت خارجا أو لا، بل الحكم ينشأ بنحو التعليق على وجود الموضوع خارجا بلانظر للمولى الى الخارج اصلا، فيقال مثلا: " يجب الحج على من يستطيع " اما تشخيص المستطيع خارجا والحكم عليه فهو أجنبي عن المولى وليس من وظيفته، بخلاف القضية الخارجية فان المولى في حكمه ناظر إلى الخارج ومرجع حكمه إلى تشخيص الموضوع وتعيينه بنفسه. ولا يخفى ان فعلية الحكم يمكن أن تنفك عن إنشائه - في القضايا الحقيقية - فيتحقق انشاؤه فعلا بلا ان يكون فعليا، إذ فعليته تدور مدار ثبوت موضوعه، فقد لا يكون الموضوع حال الانشاء متحققا، فلا يكون الحكم فعليا وثابتا ايضا. ومن هنا التزم (قدس سره) بامكان انفكاك الجعل عن المجعول وان للمجعول عالما غير عالم الجعل. ونظر له بالوصية التمليكية، فان إنشاء التمليك يكون في حال الحياة مع ان الملكية لا تتحقق إلا بعد الموت بالانشاء السابق، لان موضوعها هو الموت وهو لم يكن متحققا حال الانشاء. وكما تفترق القضايا الحقيقية عن الخارجية في هذه الجهة - اعني انفكاك الحكم المجعول عن الجعل والانشاء زمانا - كذلك تفترق عنها في جهة اخرى، وهي ان المؤثر في ثبوت الحكم في القضايا الخارجية على ما عرفت هو علم المولى بتحقق الموضوع وتشخيصه ذلك، وان لم يكن في الواقع ثابتا. اما القضايا الحقيقية فليس الحال فيها كذلك، فان المؤثر في ثبوت الحكم من حيث الموضوع هو وجود الموضوع خارجا علم به المولى أو لم يعلم، لان الفرض كون الحكم منشأ على تقدير ثبوت الموضوع فيدور مدار ثبوته الواقعي لا مدار علم المولى، بخلاف القضية الخارجية، لان الحكم لم ينشأ على تقدير الموضوع، بل أنشئ فعلا على الموضوع الخارجي، فترجع جهة ثبوته الى علم المولى بتوفر جهات الموضوع فيما حكم عليه وان لم يكن كذلك واقعا.

[ 115 ]

وإذا تبين هذا يعلم ان ما ذكره صاحب الكفاية من رجوع شرائط الحكم الى التصور والعلم انما يتم في ما إذا كانت الاحكام بنحو القضايا الخارجية، لا ما إذا كان الحكم بنحو القضية الحقيقية، لما عرفت في انحصار التأثير في الاولى في نفس العلم لا الى الخارجيات. وعليه فلا يمتنع ان يكون مطابق العلم متقدما أو متاخرا، لان التأثير لصورته وهي مقارنة لا لوجوده الخارجي. اما القضايا الحقيقية فقد عرفت ان فعلية الحكم فيها لا ترجع الى علم المولى وعدم علمه، بل ترتبط بوجود الموضوع وتحققه وعدمه. ومحل الكلام في الشرط المتأخر هو هذا النحو من الاحكام لا النحو الاول، فما جاء في الكفاية يكون نقلا للكلام الى غير موضعه وخلطا بين القضايا الحقيقية والقضايا الخارجية (1). وعلى اي حال فمحل الكلام وموضع البحث في نظر المحقق النائيني هو الاحكام المنشأة بنحو القضية الحقيقية، لانها التي يتصور دخل الامور الخارجية فيها، فيقع البحث في انه هل يمكن ان يفرض امرا متاخرا عن الحكم وجودا دخيلا في وجود الحكم وتحققه أو لا ؟، دون المنشأة بنحو القضية الخارجية لعدم تأثير الامور الخارجية فيها، بل المؤثر فيها ليس الاعلم المولى وهو مقارن، وان كان المعلوم متاخرا أو متقدما لعدم تأثيره. اما الحكم المنشاء بنحو القضية الحقيقية فلما لم يكن لعلم المولى تأثير في تحققه وفعليته، بل التأثير لوجود موضوعه، فيتصور ان يؤثر فيه ما هو متاخر عنه، فيتكلم في انه هل يمكن ان يوثر في وجود الحكم ما هو متاخر زمانا عنه أو لا ؟. والذي بنى عليه المحقق المذكور عدم امكان ذلك وامتناعه عقلا. ببيان: ان تعليق الحكم على امر مرجعه الى أخذ ذلك الامر في موضوع الحكم، ومرجع ذلك الى اخذه مفروض الوجود في مرحلة سابقة على الحكم في ثبوت الحكم، بمعنى ان ثبوت الحكم متفرع على


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 222 - الطبعة الاولى. (*)

[ 116 ]

تحققه وثبوته، فلابد ان يفرض وجوده في مرحلة ثبوت الحكم فان هذا هو معنى فرض وجود الموضوع الذي عرفت توقف فعلية الحكم عليه. وعليه، فيمتنع ان يعلق الحكم على امر متاخر عنه، ويكون الامر المتأخر شرطا له، إذ الحكم - على هذا - يوجد قبل وجود الامر المتأخر، وهذا يستلزم الخلف، لان معنى كونه شرطا اخذه مفروض الوجود في مرحله ثبوت الحكم، وثبوت الحكم على تقدير تحققه، فثبوت الحكم مع عدم تحققه يرجع الى وجود الحكم قبل وجود موضوعه وهو خلف محال. بهذا التقريب انتهى المحقق النائيني الى امتناع الشرط المتأخر. واورد عليه السيد الخوئي (حفظه الله): بان أخذه شرطا ومفروض الوجود وربط الحكم به بنحو ارتباط امر بيد الشارع الجاعل، فيتبع كيفية الجعل والتقدير والفرض، فإذا فرض ان الجاعل فرض الارتباط بينه وبين الحكم بوجوده المتأخر عن الحكم، بمعنى انه أخذه مفروض الوجود في زمان متاخر وتاثيره في ثبوت الحكم بهذا النحو، فلا يمتنع ان يوجد الحكم قبله، إذ لم يؤخذ مفروض الوجود حال الحكم، بل أخذ مفروض الوجود في الزمان المتأخر، فلا يستلزم ثبوت الحكم قبله الخلف المحال، بل يكون ذلك مطابقا لما هو المفروض والمجعول من قبل الشارع. وعلى هذا فلا يمتنع الشرط المتأخر من هذه الجهة (1). ولابد في تحقيق الحال في كلام المحقق النائيني وما يدور حوله من كلام من تحقيق بعض الامور: الامر الاول: في انه هل يكون وراء انشاء المولى وجعله امرا يكون مرتبطا بالامور الخارجية ؟، وبتعبير آخر: هل ان للمجعول - بتعبير - والمعتبر


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 313 - الطبعة الاولى. (*)

[ 117 ]

والامر الاعتباري - بتعبير آخر - عالما غير عالم الجعل والاعتبار، ويكون مرتبطا بالامور الخارجية أو لا ؟. وتحقيق الحال: ان في هذا الامر مسالك ثلاثة: المسلك الاول: - وهو مسلك المحقق النائيني (رحمه الله) - ان المجعول والمعتبر له عالم غير عالم الجعل والاعتبار، فيمكن ان ينفك عنه، فيتحقق الجعل دون المجعول لارتباط المجعول بامور خارجية تتحقق فيما بعد، وقد نظر لذلك بباب الوصية التمليكية، فان الموصي ينشئ التمليك حال الحياة مع عدم حصول الملكية في تلك الحال، بل تحصل بعد الموت، فالاعتبار منفك عن المعتبر. وبالجملة: الذي يدعيه ان فعلية المجعول لا تلازم فعلية الجعل، بل هي ترتبط بالامور الخارجية فتدور مدارها وجودا وعدما. ومن هذه الجهة يقع البحث في الشرط المتأخر كما تقدم تقريبه. وهذا اصل قرره وبنى عليه كثير من الآراء الاصولية كامتناع الشرط المتأخر والواجب المعلق وغير ذلك (1). وقد نوقش هذا الوجه: اولا: بان المعتبر لا تقرر له ولا عالم سوى عالم الجعل والاعتبار، فيستحيل ان ينفك عن الاعتبار ويوجد متاخرا عنه، فانه نظير الماهية المتصورة في الذهن، فانها كما لا يمكن انفكاكها عن التصور، فيوجد التصور بدون الماهية المتصورة، لان واقعها هو التصور، كذلك لا يمكن انفكاك المعتبر عن الاعتبار والمجعول عن الجعل لتمحض واقعه في الجعل والاعتبار، وليس له واقع وراء ذلك، فلا يمكن تخلفه عنه. وثانيا: - أو بتقريب آخر - ان نسبة الاعتبار الى المعتبر نسبة الايجاد الى الوجود، وقد تقرر ان الايجاد والوجود متحدان ذاتا، والتغاير بينهما اعتباري فلا


(1) المحقق الخوئي أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 127 و 145 - الطبعة الاولى. (*)

[ 118 ]

يمكن تصور الانفكاك بينهما. المسلك الثاني: - وهو ما يظهر من كلمات المحقق الاصفهاني - ان الاعتبار بحسب ذاته وواقعه يرجع الى الفرض والبناء، نظير التخيل والادعاء كانياب الاغوال، الا ان يختلف عنه بان الفرض إذا كان متعنونا بعنوان حسن، كما إذا كان ذا مصلحة سمي اعتبارا وخرج عن مجرد الفرض كالتخيل. والتعنون بالعنوان الحسن المقوم لتحقق الاعتبار والمعتبر قد يكون مرتبطا بامور خارجية بحيث تكون دخيلة في ذلك. فالاعتبار والمعتبر لا ينفكان إلا أنهما يتحققان بلحاظ تعنون القرار بعنوان حسن، ولكنهما قد يتاخران تحققا عن الفرض لتاخر التعنون بالحسن، باعتبار ارتباطه بالامور الخارجية. وعلى هذا الاساس يقع البحث في الشرط المتأخر، وذلك بان يقال: انه هل يمكن ان يكون من الامور الخارجية المؤثرة في حصول العنوان الحسن وتحقق الاعتبار والمعتبر، ما هو متاخر وجودا عن ترتب الاثر اولا ؟. وهذا المسلك باطل كما أشار إليه المحقق الاصفهاني نفسه فان الاعتبار هو عبارة عن الانشاء والجعل بداع عقلائي لا لصرف الفرض والبناء - كي يكون نظير انياب الاغوال - وعليه فهو لا يتاخر عن نفس القرار والجعل، ولا ينفك عنه المجعول والمعتبر - كما هو المفروض - ولا يتوقف ثبوته على نفس ترتب الآثار. المسلك الثالث: - ما يظهر من المحقق العراقي - وهو ان الجعل والمجعول لا ينفكان وليس للجعل عالم غير عالم المجعول بل عالمهما واحد، وفعلية المجعول لا تنفك عن الجعل. الا ان تأثير المجعول وترتب الآثار العقلائية عليه قد تنفصل عن فعلية المجعول فلا تترتب عليه الباعثية والمحركية بمجرد وجوده، بل يكون ترتبها بلحاظ ثبوت بعض الامور الخارجية وبتعبير آخر: ان فعلية المجعول وان كانت ثابتة بالجعل، لكن فاعليته قد تنفصل عنها، فيحصل الانفكاك بين

[ 119 ]

الفاعلية والفعلية لتوقف الفاعلية على حصول بعض الامور الخارجية. ومن هذه الجهة يقع البحث في الشرط المتأخر فيقال: انه هل يمكن تأثير أمر في فاعلية الحكم وترتب الاثر عليه يكون متاخرا عنه أو لا يمكن ؟. والا فنفس الحكم ثابت بنفس الجعل غير معلق على شئ بالمرة. وهذا المسلك مخدوش من وجهين: الاول: انه غير تام في نفسه، فانه مع البناء والالتزام بان الحكم ثابت بنحو الفعلية وغير مقيد باي امر من الامور، يمتنع الالتزام بعدم ترتب الباعثية والمحركية عليه، وانه غير واجب الاطاعة فعلا، فانه مما لا محصل له، إذ يرجع الى تخصيص الحكم العقلي بلزوم الاطاعة وهو ممتنع حتى من قبل الشارع. وبالجملة: بعد تمامية الحكم بجميع جهاته لا وجه لعدم ترتب الاثر عليه وتوقفه على امر لا يرتبط بالحكم. الثاني: ان المورد بذلك يخرج عن موضع البحث، إذ موضع البحث هو تقييد نفس الحكم وتعليقه على شرط متاخر، لا تقييد الاثر عليه بشرط متاخر مع كون نفس الحكم ثابتا بقول مطلق. وبنحو أوضح نقول: ان الغرض هو البحث عما يرى بالبداهة شرطا متاخرا للحكم وتصحيحه بنحو يرفع الاشكال، فارجاع ذلك الى كونه شرطا لغير الحكم وهو ترتب الاثر عليه وكون الحكم ثابتا بلا تعليق مما يخالف الظهور البديهي للشرط، خروج عن محل الكلام ونقل الكلام الى موضع آخر لا يهمنا البحث عنه فعلا. وبانتفاء كل من المسالك الثلاثة يشكل البحث في الشرط المتأخر، إذ لا يتحدد موضعه ومحله كي يدور النفي والاثبات والنقض والابرام حوله. فالتحقيق ان يقال: ان الانشاء ليس عبارة عن اعتبار المعنى المنشاء من قبل المنشئ، بل هو - كما حقق في محله على ما تقدم - التسبيب الى تحقق الاعتبار العقلائي للمعنى المنشا الموجد باللفظ، بمعنى ان المنشا

[ 120 ]

يتسببب بانشائه الى تحقق اعتبار العقلاء لما انشأه باللفظ، اما لاجل تحقق الاعتبار العقلائي في نفسه فيكون بعمله وانشائه متسببا لتطبيق الاعتبار الكلي على المورد أو لاجل أنه بانشائه يحدث الاعتبار العقلائي بعد أن لم يكن ثابتا قبل الانشاء. وببيان أوضح: أنه تارة: يكون للعقلاء اعتبار كلي بنحو القضية الحقيقية، كأن اعتبروا الملكية عند انشائها - مثلا -، فإذا أنشاء المنشئ يكون مسببا الى تطبيق ذلك الاعتبار الكلي على مورد انشائها لايجاده ما هو موضوع الحكم العقلائي واعتبار العقلاء. واخرى: لا يكون لهم اعتبار كلي. بل يتحقق اعتبارهم عند تحقق كل إنشاء، فالمنشئ يتسبب بانشائه الى احداث اعتبار العقلاء. وعلى أي حال: فالاعتبار انما هو من قبل العقلاء لا نفس المنشئ، نعم يمكن تسمية الانشاء بالجعل، لكنه لا بالمعنى الحقيقي للجعل، لما عرفت من انه لا يتكفل سوى التسبيب لجعل العقلاء. ثم ان الاعتبار العقلائي قد يكون مرتبطا بالامور الخارجية، وذلك لانه يتبع قصد المنشئ وكيفية انشائه. فتارة ينشئ المعنى مطلقا بمعنى انه يقصد تحقق اعتباره حال إنشائه فيكون الاعتبار على طبق قصده. واخرى ينشؤه مقيدا، بمعنى انه يقصد تحققه في ظرف خاص أو عند وجود أمر معين. فيكون الاعتبار على نحو قصده فلا يتحق الاعتبار إلا في ذلك الظرف وعلى النحو الذي قصده وانشأه. وبذلك يتضح ان للمجعول عالما غير عالم الانشاء والجعل - بالمعنى المسامحي -، وان لم ينفك عن الجعل العقلائي، ويمكن ان يكون مرتبطا بالامور الخارجية ولا يتمحض ارتباطه بالموجودات الذهنية كنفس الانشاء، فيقع الكلام حينئذ في انه هل يمكن ان يكون مرتبطا بما يكون متاخرا عنه في وجوده أو لا ؟. فيتجه الكلام في الشرط المتأخر ويتحدد موضعه، وبعد هذا ننقل الكلام الى...

[ 121 ]

الامر الثاني: الذي يدور البحث فيه حول تشخيص نوع الارتباط الموجود بين المجعول والامور الخارجية. وقد عرفت ان مرجع الارتباط بالامور الخارجية هو كيفية الانشاء والجعل، لان الاعتبار العقلائي تابع لقصد المنشئ، فقد يقصد تحقق المعنى في ظرف معين، فلا يتحقق الاعتبار إلا في ذلك الظرف، وهذا هو المعنى الارتباط، فيعلم بذلك بان الارتباط بين الامر الخارجي المفروض والمجعول ليس من قبيل ارتباط العلة بالمعلول، بمعنى ان يكون الامر الخارجي دخيلا في تحقق الاعتبار وموثرا فيه، كي يستشكل بان الاعتبار فعل من افعال العقلاء تابع للارادة فلا يمكن ان يؤثر فيه ما هو خارج أن أفق النفس من الخارجيات. وانما الارتباط بينهما ناشئ عن كيفية الانشاء والجعل، فانه كما عرفت تابع لقصد المنشئ، فإذا أنشاء المعنى وقصد تحققه في فرض وتقدير خاص كان الاعتبار في ذلك الظرف الخاص وعلى ذلك التقدير المعين، ولا يخرج بذلك عن كونه فعلا من افعال العقلاء تابعا لتحقق الارادة بلا تأثير للخارجيات فيها اصلا. الامر الثالث: في تحقيق معنى الفرض والتقدير الذي ورد في كلام المحقق النائيني في مقام بيان المراد من القضية الحقيقية من أن موضوعها ماخوذ بنحو فرض الوجود، وانه هل يمكن ان يكون الامر المتأخر ماخوذا بنحو الفرض والتقدير أو لا يمكن ؟. ولابد قبل ذلك من البحث في ان هذه القيود المأخوذة في القضية الحقيقية بنحو فرض الوجود هل هي من قبيل قيود متعلق التكليف أو لا، بل تكون من قبيل آخر ؟. بيان ذلك: ان قسما من القيود يكون راجعا الى متعلق التكليف ولا يجب تحصيله، كما إذا كان من الامور غير الاختيارية كالوقت في مثل: " صل في الوقت الكذائي "، أو كان من الامور الاختيارية ولكن أخذ قيدا بوجوده - لا بذاته كي يجب تحصيله نظير أخذ الطهارة في الصلاة -، وذلك كالمسجد في مثل: " صل في المسجد "، فان كلا من

[ 122 ]

المسجد والوقت مما لا يلزم تحصيله مع رجوعه الى المتعلق، فان متعلق التكليف هو الحصة الخاصة كالصلاة في الوقت أو في المسجد. وقسما من القيود لا يكون راجعا الى المتعلق مع كونه قيدا للحكم - بمعنى تقيد الحكم به - كظرف الحكم، فان الحكم إذا تحقق في زمان خاص كان متقيدا به واقعا مع ان ذلك الزمان لم يؤخذ قيدا في المتعلق، بل المتعلق في حيز الخطاب مطلق من جهته وان كان لا ينفك عنه حقيقة. إذا عرفت ذلك، نقول: ان قيود الحكم في القضية الحقيقية المفروضة الوجود - والقدر المتيقن منها الامور غير الاختيارية - هل هي راجعة الى المتعلق فتكون من قيوده ويكون المتعلق هو الحصة المتقيدة بها وان لم يلزم تحصيلها، أو انها لا ترجع الى المتعلق ؟. والثمرة انه إذا كانت راجعة الى المتعلق ومن قيوده كان فرض وجود الامر المتأخر بمكان من الامكان، لان مرجع ذلك الى تقييد متعلق الحكم بالقيد واضافته إليه بجعله الحصة المضافة إليه بنحو من أنحاء الاضافة. ومن الواضح ان كيفية التقييد والاضافة بيد الجاعل، فيمكن ان يقيد المتعلق بالمتاخر بجعله الحصة المتعقبة بذلك الامر كتقييده بالمقارن وجعله الحصة المقارنة له. وهذا بخلاف ما إذا لم تكن راجعة الى المتعلق، فانه لا يمكن يؤخذ منها ما هو متاخر من الحكم قيدا له. والتحقيق: انها لا ترجع الى متعلق التكليف، وذلك لوجوه: الاول: الوجدان الشاهد على عدم رجوع بعض تلك القيود في بعض مواردها الى متعلق الحكم نظير الحيازة أو البيع الذي يكون سببا لملكية العين المحازة أو المباحة. فان من الظاهر ان متعلق الحكم - وهو الملكية - هو ذات العين كالارض والكتاب من دون ان تتقيد في مقام طرؤ الحكم عليها بالحيازة والبيع، مع ان كلا من الحيازة والبيع ماخوذ بنحو فرض الوجود، إذ تحقق الملكية انما

[ 123 ]

يكون عند تحققهما، فهما من قيود تحقق الملكية لكنهما لا يرجعان الى المتعلق، فان اعتبار الملكية موضوعه نفس العين بذاتها، لا العين بقيد الحيازة أو البيع، نعم لا يتحقق الاعتبار إلا عند تحقق الحيازة أو البيع، لكنه لا يعنى رجوعه إلى المتعلق. الثاني: ان تحقق الحكم تابع لتحقق ملاكه ودواعيه، ومن الواضح أنه تابع لثبوت المصلحة في متعلقه، والفعل بلحاظ المصلحة المترتبة عليه له مرحلتان: مرحلة اتصافه بالمصلحة بان يكون ذا مصلحة، ومرحلة فعلية مصلحته بمعنى مرحلة الترتب الفعلي للمصلحة عليه، فمن القيود ما يكون دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة، وهذا النحو لا يكون واجب التحصيل. ومنها ما يكون دخيلا في فعلية مصلحة الفعل وترتبها عليه، وهذا يكون لازم التحصيل. ومثاله في التكوينيات: شرب الدواء، فانه قبل تحقق المرض لا يكون ذا مصلحة اصلا، فالمرض دخيل في اتصاف الدواء بالمصلحة، بمعين ان شربه يكون ذا مصلحة، ولكن قد يشرب الدواء ولا تترتب عليه المصلحة وهي الشفاء، لفقد بعض الشروط الدخيلة في ترتبها نظير الاعداد بالنحو الخاص من حرارة خاصة وكمية خاصة وغيرهما، فمثل الوضع على النار للحرارة يكون دخيلا في ترتب المصلحة على الدواء المشروب ولذا يكون لازم التحصيل. وعليه، فما يكون دخيلا في اصل الاتصاف بالمصلحة يكون دخيلا في تحقق الارادة التي ينبعث عنها الحكم، فتحقق الارادة مترتب على تحققه - وان لم يكن بنفسه موثرا بالمباشرة لمعلولية الارادة للصور الذهنية بلا تأثير للخارجيات -، إذ بعد تحققه يتصور الامر مصلحة الفعل فيبعث نحوه لحصول الشوق إليه عندئذ، ومثل هذا لا يكون ماخوذا في متعلق الارادة والحكم لفرض تحققه حين تعلق الارادة بالفعل، فلا يتجه اضافة، المتعلق إليه. إذا تم هذا فاعلم: ان الشروط المأخوذة بنحو فرض الوجود كلها تكون دخيلة في اتصاف الفعل بالمصلحة، فتكون سابقة على الارادة والحكم فلا يتجه أخذها في متعلق الحكم.

[ 124 ]

الثالث: ان ارتباط قيود المتعلق به ينشاء من تقييد طبيعي المأمور به بوجود القيد الخاص، بمعنى ان المأمور به يكون هو الحصة المضافة الى وجود القيد الخاص باضافة معينة خاصة، وذلك يكون بتوسيط بين مفهوم المأمور به ومفهوم القيد بلحاظ المراتية عن الواقع والنظر الى الخارج والحكاية عنه. وهذا المعنى غير ثابت في فرض الوجود، فان فرض الوجود مرجعه الى فعل نفسي محصله الاتيان بهذا العمل حين وجود ذلك العمل، فالارتباط الثابت بفرض الوجود ارتباط بين الواقعين والخارجين، وليس ذلك بمعنى تقييد احدهما بالاخر واضافته إليه وكونه الحصة المتقيدة به، بل بمعنى تحقق ذلك خارجا عند تحقق هذا، وهذا ينافي البناء النفسي على ذلك. فسنخ الارتباط بينهما يختلف عن سنخ ارتباط المتعلق بقيوده، فالارتباط بينهما ناشئ من الاتحاد في التحقق والمقارنة في الوجود بفرض الجاعل وبنائه على هذا العمل. والارتباط بين المتعلق وقيوده ناشئ من تقييده بها واضافته إليها. وعليه، فلا مجال لرجوع الشروط المفروضة الوجود إلى قيود المتعلق، فيقع الكلام بعد هذا في صحة كون مفروض الوجود متاخرا عن الحكم. والتحقيق: انه ممنوع، وذلك لان فرض الوجود الذي هو عبارة عن ربط مخصوص لا محصل له ولا معنى سوى الربط بنحو الترتب، بمعنى كون وجود الحكم مترتبا على ما فرض وجوده فانه معنى فرض الوجود ومن المعلوم أنه لا يعقل ترتب وجود الحكم على وجود الشرط المتأخر عنه، بل لابد من مقارنته للحكم، لان الترتب لازم لمقارنة المترتب على المترتب عليه أو تأخره عنه زمانا ولا يعقل تقدمه عليه، ومن هنا يتعين القول باستحالة الشرط المتأخر بالتقريب الذي قرره المحقق النائيني من لزوم الخلف منه. ومن هذا البيان يظهر أن ما افاده السيد الخوئي (حفظه الله) في مقام الايراد على المحقق النائيني (قدس سره): بان الفرض والربط بين الحكم

[ 125 ]

والشرط تابع لكيفية الجعل وفرض الجاعل، فيمكن ان يفرض الارتباط بين الحكم والامر المتأخر كما مر تفصيله. غير وجيه، لانك قد عرفت ان واقع الفرض والتقدير ترتيب وجود الحكم على وجود الشرط من قبل الجاعل، فترتيبه، على أمر متاخر غير معقول. واما ما افاده صاحب الكفاية من تصحيح الشرط المتأخر بارجاع الشرط حقيقة الى أمر مقارن، وهو الوجود العلمي، وان اختلف مطابقه الخارجي من جهة المقارنة والتقدم والتاخر. فقد عرفت الايراد عليه من قبل المحقق النائيني من أنه خلط بين القضايا الخارجية التي يتبع الحكم فيها علم المولى وتشخيصه الموضوع والقضايا الحقيقية التي يؤخذ فيها الموضوع مفروض الوجود بلا دخل لعلم المولى وتصوره في البين. واما ما جاء في حاشية المحقق الاصفهاني في مقام الايراد على صاحب الكفاية من: ان للبعث اعتبارين: اعتبار أنه فعل من افعال المولى، واعتبار انه موجود حقيقي. وانه بالاعتبار الاخير يتاثر بالخارجيات. فقد عرفت انه لا يخلو عن غموض، وغاية ما يمكن توضيحه به هو ما تقدم من المسلك الثاني في باب الاعتبار الذي عرفت ظهوره من كلماته (قدس سره)، من ان الاعتبار عبارة عن الفرض، ولكنه يختلف عنه بانه الفرض المتعنون بعنوان حسن أو المترتب عليه أثر عقلائي - على اختلاف تعبيراته - وبذلك يتاثر بالامور الخارجية الموجبة للتعنون بالحسن، فنفس الفعل وان كان من أفعال المولى إلا أن وجود الاعتبار والمعتبر حقيقة يرتبط بالتعنون بالحسن الذي يتاثر بالامور الخارجية. ولكنك عرفت الخدشة في نفس المسلك منه (قدس سره) وأن الاعتبار ليس إلا البناء والقرار بداع عقلائي. كما يرد عليه: إن توقف الاعتبار على التعنون بالعنوان الحسن لا يخرجه عن حقيقته وهي الفرض الذي هو فعل من افعال المولى المستلزم لامتناع تأثره بالخارجيات، واختلاف الاعتبار واللحاظ في البعث

[ 126 ]

لا يستلزم تغيير حقيقته. ثم ان المحقق العراقي (قدس سره) حاول تصحيح الشرط المتأخر في الشرعيات والتكوينيات ببيان: ان حقيقة الشرط ليس كما يقال من أنه المتمم لتاثير المقتضي كي يمتنع تأخر، لاستحالة تأثير المعدوم في الموجود. وانما حقيقته هو كونه طرفا لاضافة المقتضي إليه فيتحدد بها ويتحصص بواسطتها، فيكون بهذه الاضافة مؤثرا من دون أن يكون لنفس الشرط تأثير في وجود المعلول، بل المؤثر ليس إلا المقتضي، لكنه هو الحصة الخاصة منه، فالمؤثر في الاحراق ليس هو مطلق النار، بل الحصة الخاصة منها وهي النار المجاورة للشئ، أو يكون طرفا لاضافة المعلول إليه، فيكون بتلك الاضافة قابلا للانوجاد والتاثير، فليس الشرط كما يدعى هو المتمم لفاعلية الفاعل أو قابيلة القابل، بل هو طرف اضافة وتحديد بها تحصل الفاعلية للفاعل والقابلية للقابل، ومن الواضح انه لا يمتنع ان يكون طرف الاضافة من الامور المتأخرة بعد ان كانت الاضافة مقارنة ولم يكن للامر المتأخر أي تأثير (1). ولا يخفى ما فيه: لانه إن أريد من الاضافة الخاصة التي بها يكون المعلول قابلا للانوجاد أو المقتضي قابلا للايجاد الاضافة الاعتبارية اللحاظية، لم يتجه الالتزام بتأثيرها في قابلية العلة أو المعلول، فانها لا تعدو التصور والبناء، فلا معنى لدخالتها في تأثيرها في قبول المعلول للانوجاد والعلة للايجاد، فانه من الواضح إن تأثير النار في الاحراق وقابلية الشئ للحرق لا يرتبط يعالم اللحاظ والاضافات بل هو مرتبط بعالم الخارج وناشئ عن الجهات الخارجية، وهذا أمر لا يشك فيه أحد، فدعوى تأثير نفس الاضافة في القابلية بحيث لا يكون المضاف قبل اللحاظ الخاص قابلا للتاثر أو التأثير لا ترجع الى محصل.


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 1 / 275 - الطبعة الاولى. (*)

[ 127 ]

واما إذا اريد من الاضافة الحقيقة المقولية التي لها تقرر واقعي، فهي تتوقف على تحقق طرفيها فعلا، والمفروض أنه بصدد تصحيح كون طرفها غير متحقق فعلا، فلاحظ جيدا. وملخص ما حررناه: هو امتناع الشرط المتأخر بناء على كون الاحكام مجعولة بنحو القضية الحقيقة، وما قيل في تصحيحه من الوجوه التي عرفتها لا تغني ولا تسمن من جوع. وعليه فلو ورد ما ظاهره شرطية الامر المتأخر، كما لو ورد ما يدل على حصول الملكية من حين العقد إذا اجاز المالك بعد حين - في عقد الفضولي -، فلابد من الالتزام بخلاف ظاهره بحمله على كون الشرط عنوانا انتزاعيا عن وجود الامر المتأخر في زمانه، كعنوان التعقب به، فالموثر هو العقد المتعقب بالاجازة، فالشرط هو عنوان التعقب وهو أمر مقارن دون طرف الاضافة أعني الاجازة. فلا يتحقق المحذور. فعلى هذا يمكننا أن ندعي: بان الشرط المتأخر بمعنى ممتنع وبمعنى آخر معقول، لكنه بالمعنى المعقول خلاف الظاهر، لان الظاهر من الدليل كون الشرط هو نفس الامر المتأخر، وقد عرفت ان معقوليته تكون بارجاع الشرط الى العنوان الانتزاعي. وقد اشترط المحقق النائيني في الالتزام بان الشرط هو العنوان الانتزاعي كعنوان التعقب امرين: الاول: قيام الدليل على شرطية الامر المتأخر بحيث لا يمكن توجيهه الا بذلك. الثاني: مساعدة العرف والعقل على كون الشرط هو العنوان الانتزاعي في خصوص المورد لا مطلقا لفرض تجويز العقل لذلك في نفسه (1).


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 228 - الطبعة الاولى. (*)

[ 128 ]

وقد استشكل المحقق الخوئي في الشرط الثاني: بانه فرض معقولية هذا المعنى ثبوتا وامكان حمل الدليل الاثباتي عليه - بل انحصار محمله به -. فلا معنى لتقييد ذلك بمساعدة العرف والعقل، إذ ليس للعرف والعقل مجال تشريع في قبال الشارع المقدس (1). والظاهر ان هذا الاستشكال ناشئ عن عدم التدقيق في معرفة مراد المحقق النائيني (قدس سره)، فان مراده ليس ان للعرف والعقل جهة تشريعية في قبال الشارع، وانما نظره إلى أن هذا المعنى وان كان في نفسه معقولا لكن قد لا يساعد العقل في خصوص مورد لخصوصية فيه على كون الشرط هو المعنى الانتزاعي، بان كان يرى عدم دخالة هذا المعنى في الحكم، كأن يرى أن المؤثر في ملكية - لو كان غير العقد مؤثر - هو نفس الرضا دون عنوان التعقب. أو لا يساعد العرف عليه بحسب مرتكزاته بحيث لم يمكنه توجيه الدليل إلى الوجه العقلي المعقول وحمله عليه. ففي مثل هاتين الحالتين لا يحمل الدليل على ذلك المعنى الثبوتي، لانه مناف للفهم العرفي أو الادراك العقلي كمنافاة ظاهره للحكم العلقي بامتناع الشرط المتأخر. فلابد من طرحه وما افاده ههنا نظير لما يقال في باب الاستصحاب من ان المحكم في تعيين موضوع الحكم الوارد في الدليل هل هو العقل أو العرف أو المتبع لسان الدليل ؟، فانه لا يعني ان العقل والعرف يحكم في قبال الشارع بتعيين الموضوع، بل النظر إلى أن العقل هل يحكم نظره في دخالة هذا الوصف - مثلا - في الموضوع الشرعي أو عدم دخالته بان كان يراه من الجهات التعليلية ؟، أو انه هل يتبع العرف بحسب مرتكزاته وفهمه، فما يراه موضوعا شرعيا للحكم الشرعي يؤخذ به اولا ؟. وبتعبير آخر: وظيفة العقل والعرف تعيين ما هو الموضوع عند الشارع بحسب القواعد المقررة لكل منهما


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 316 - الطبعة الاولى. (*)

[ 129 ]

لا تعيين موضوع الحكم قبالا للشرع وحكمه به. فالاستشكال لا مجال له. يبقى الكلام في شئ وان لم يكن مرتبطا بمحل كلامنا، وهو ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره): من أن كل قيد أخذ في الخطاب ولم يكن لازم التحصيل لابد أن يكون مأخوذا بنحو فرض الوجود (1)، وقد التزم بذلك وكرر التنبيه عليه. فلابد من معرفة مقدار وجاهة هذا المفاد. والتحقيق انه غير وجيه. وذلك لان القيود التي تؤخذ في الخطاب على انحاء ثلاثة: الاول: قيود المتعلق. الثاني: ما يكون مرتبطا بالحكم بنفسه، كالزمان فان نسبته الى الحكم نسبة الظرف الى المظروف. الثالث: ما لا يكون بنفسه وبلحاظه خاصة ارتباط مع الحكم اصلا. ومن الواضح ان الذي يحتاج الى أخذه مفروض الوجود هو النحو الثالث الذي لا ارتباط له بنفسه مع الحكم اصلا، فمع لحاظ المولى كلا من الحكم والقيد لا يمكنه جعل الارتباط بينهما من دون توسط شئ آخر إلا بنحو فرض الوجود. وهذا بخلاف مثل الزمان فانه يمكنه جعل الارتباط بينهما من دون توسط شئ آخر بدون فرض الوجود، فيقول مثلا: " اوجبت التصدق في يوم الجمعة "، لان الزمان يكون مرتبطا بالشئ لو وجد فيه بلا توسط شئ، بخلاف مجئ زيد بالنسبة الى وجوب التصدق، فانه لا ارتباط بينهما بغير الفرض والتقدير إذا توسط بينهما شئ آخر كالزمان، فانه يقال: " يجب التصدق في زمان مجئ زيد "، لكنه خلاف الفرض، إذ المفروض ان المولى لا يلحظ شيئا غير الحكم والقيد، ومعه


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 132 - الطبعة الاولى. (*)

[ 130 ]

لا يمكن الربط بينهما إلا بالفرض والتقدير، وهو - أعني فرض الوجود - ليس شيئا آخر زائدا كالزمان، بل هو فعل نفسي مرجعه الى ايجاد أحد الشيئين مترتبا على وجود الآخر كما عرفت. ومن هنا يتضح الحال في قيود المتعلق، إذ بعد تقيد المتعلق بها وكونه الحصة الخاصة، لا حاجة الى ربطه بالحكم باخذه مفروض الوجود لتحقق ارتباطه به بتوسط ارتباط الحكم بالمتعلق بلا احتياج الى فرض وجوده. فتدبر. هذا كله بالنسبة الى ما يرجع إلى شرائط الحكم التكليفي أو الوضعي. واما ما يرجع الى شرائط المأمور به المتأخرة، فالاشكال فيها من جهتين: الجهة الاولى: - وهي تعم جميع موارد الشرط المتأخر للمأمور به -: ان الاثر المترتب على المأمور به والذي بلحاظه يتعلق به الامر - أعني المصلحة الواقعية - اما ان يكون مترتبا على المشروط قبل حصول الشرط. أو يكون مترتبا بعد حصول الشرط، إذ المفروض تخلل العدم بين الشرط والمشروط، فان كان مترتبا على المشروط قبل حصول الشرط لزم ان يؤثر المعدوم في الموجود، لان مقتضي شرطية المتأخر تأثيره فيه، والفرض انه - أي الشرط المتأخر - معدوم عند حصول الاثر. وان ترتب بعد حصول الشرط كان المشروط حينئذ منعدما، فيلزم ايضا تأثير المعدوم في الموجود. فعلى كلا التقديرين يلزم ما هو المحال من تأثير المعدوم في الموجود. ورفع الاشكال من هذه الجهة باحد وجهين: الاول: ان يلتزم بترتب الاثر عند حصول الشرط مع عدم كون المشروط دخيلا في التأثير، بل هو يكون من قبيل المعد للاثر، بمعنى أنه يقرب المعلول من العلة - كما مر - وقد عرفت ان المعد يمكن أن يكون سابقا، إذ لا يستلزم سبقه تأثير المعدوم في الموجود لعدم كونه من اجزاء المؤثر. الثاني: ان يجاب بما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره)، وذلك بعد انكار

[ 131 ]

تبعية الحكم للمصلحة الواقعية في متعلقه، وانما هو تابع للحسن المتعنون به المأمور به، فيقال حينئذ: بان الحسن يختلف بالوجوه والاعتبارات الناشئة من اختلاف الاضافات، فالحسن ينشأ من اضافة خاصة، وعليه فالدخيل في تحقق المأمور به هو نفس الاضافة الى الامر المتأخر أو غيره. وتسمية الامر المتأخر شرطا ليس إلا بلحاظ كونه طرف الاضافة من دون ان يكون دخيلا في تحقق المأمور به. ومن الواضح أن الاضافة من الامور المقارنة وان كان طرفها متاخرا. فشرط المأمور به في الحقيقة أمر مقارن وهو الاضافة الخاصة، لانها هي الموجبة لتعنون العمل بالحسن دون طرفها، إذ وجود الامر المتأخر لا يوجب تعنون المأمور به بالحسن ما لم يلحظ المأمور به مضافا إليه ومتقيدا به (1). وقد بنى المحقق النائيني (قدس سره) ارتفاع الاشكال ههنا على الالتزام بتعلق الامر الضمني كالاجزاء، ثم قرر هذا المعنى وهو: ان الامر الضمني متعلق بالشرائط، ومعه يرتفع الاشكال (2). ولكنا لم نعلم الربط بين تعلق الامر الضمني بالشرط وارتفاع الاشكال، لان الاشكال إن كان من جهة ان تحقق المأمور به فعلا يتوقف على وجود الامر المتأخر، فيكفي في دفعة تعلق الامر بنفس التقيد ولو لم يتعلق بنفس القيد، لانه - أي التقيد - مقارن للمأمور به. وان كان من جهة ترتب الاثر، فلابد من الاجابة عنه بما عرفت من الوجهين، ولا يندفع بتعلق الامر بالشرط، لانه متاخر وجودا عن المشروط، فارتفاع الاشكال لا يرتبط بتعلق الامر الضمني بالشرط اصلا. الجهة الثانية: - وهي خاصة بمورد المثال الذي يذكر لشرط المأمور به


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 93 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 221 - الطبعة الاولى. (*)

[ 132 ]

المتأخر ويتصدون لتصحيحه، وهي تقيد صحة صوم المستحاضة بغسل الليلة الاتية - فان الاشكال فيه ليس من جهة تأخر الشرط عن المشروط، كي يدفع بما عرفت، بل الاشكال فيه من جهة ان من يلتزم باعتبار الغسل يلتزم به من باب أنه دخيل في تحقق الطهارة المعتبرة في الاعمال السابقة كالصوم، فيقع الاشكال في صحة تأثير المتأخر في تحقق الشرط المتقدم الذي هو الطهارة المفروض مقارنته للعمل، إذ الطهارة اما أن تحدث في ظرف العمل - كما هو المفروض - أو بعده، فان حدثت في ظرف العمل لزم تأثير المعدوم - وهو الغسل - في الموجود. وان لم تحدث في ظرف العمل، بل حدثت في زمان الغسل لزم وقوع العمل بلا طهارة. فالعمدة في الاشكال في هذا المورد هو هذه الجهة، ولكن الاعلام لم يتعرضوا لها ولا لحلها، بل تابعوا صاحب الكفاية، سوى المحقق النائيني فانه تعرض لبيان جهة الاشكال فيها فقط. والوجه ان يقال: انه حيث يرجع الغسل إلى شرطية الحكم الوضعي وهو الطهارة، فمن يلتزم بامكان شرطية المتأخر للحكم الوضعي كصاحب الكفاية ينحل الاشكال هنا لديه. ومن لا يلتزم بامكان ذلك كما هو المختار تبعا للمحقق النائيني يشكل الامر في الموارد، فلو دل دليل قطعي على اعتبار الغسل في صحة العمل السابق لابد من توجيهه: إما بان يلتزم بان الشرط نفس الغسل لا بلحاظ تأثيره في الطهارة. أو يلتزم بان الشرط هو العنوان الانتزاعي المقارن للعمل كعنوان التعقب، كما قد ألتزم بذلك في باب عقد الفضولي، لكن الامر ههنا أشكل، لان ما يتعنون بعنوان التعقب في مورد العقد موجود وهو نفس العقد الذي هو المقتضي للملكية. اما ما نحن فيه فقد لا يوجد ذلك، بل لا يكون المؤثر في الطهارة سوى الغسل المتأخر، فليس هناك ما يتعنون بعنوان التعقب يكون هو المؤثر، بل ليس لدينا سوى نفس العنوان، والالتزام بتأثيره نفسه مشكل جدا. وذلك كما لو

[ 133 ]

استحاضت قبل الفجر بقليل ولم تغتسل إلا بعد الفجر، إذ المعتبر هو الغسل للصلاة وهو لا يعتبر إلا حال الصلاة ولا يلزم ان يكون قبل الفجر، فيمضي مقدار من الصوم قبل الغسل، وليس غيره ما يؤثر في الطهارة كي يقال ان ذلك الشئ بعنوان تعقبه بالغسل مؤثر في الطهارة. فالتفت. والغريب من السيد الخوئي اغفاله التعرض إلى هذه الجهة من الاشكال في المورد، والاكتفاء بما جاء في الكفاية مع تنبيه المحقق النائيني على الاشكال كما عرفت. والى هنا ينتهي الكلام فيما يرجع الى شرائط المأمور به. ولا باس بالتنبيه على أمر وهو: انه قد وقع في عبارات بعض الاعلام - كالسيد الخوئي والمحقق العراقي - في هذا المقام التعبير عن المأمور به: بانه الحصة الخاصة (1) وهذا المعنى قد يتنافى مع الالتزام بجريان البراءة في الاقل والاكثر الارتباطيين، لان أساس الالتزام بها هو كون المأمور به نفس الاجزاء وذاتها، فينحل العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي بوجوب الاقل. اما إذا لم يكن المأمور به نفس الاجزاء فقط، بل كانت فيه جهة اضافية خارجة عن دائرة الامر وهي عنوان الحصة الخاصة أشكل التمسك بالبراءة عند الشك في شرطية شئ أو جزئيته، للشك في تحقق الحصة الخاصة بدون المشكوك. فليكن هذا على ذكر منك حتى نصل إلى محله ونرى ما هو الحق فيه. هذا تمام الكلام في الشرط المتأخر. وننتقل بعد ذلك الى الكلام في... الامر الثالث: والكلام فيه في تقسيمات الواجب، وهي متعددة: التقسيم الاول: انقسامه الى المطلق والمشروط. وقد ذكر صاحب الكفاية: انه قد عرف كل منهما بتعريفات أورد عليها


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 315 - الطبعة الاولى. البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 1 / 275 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 134 ]

بعدم الطرد والعكس، ولكن الحق انه لاوحه للايراد عليها بذلك، لانها تعريفات لفظية يقصد منها تقريب المعنى إلى الذهن، لا تعريفات حقيقية يقصد منها بيان الحقيقة والماهية، كي يورد عليها بانها غير مطردة أو غير منعكسة. ثم افاد بعد ذلك: أن الاطلاق والاشتراك وصفان إضافيان، فان الواجب قد يكون مطلقا بالاضافة إلى شئ ومشروطا بالاضافة إلى آخر، إذ الاطلاق من جميع الجهات وبقول مطلق غير متحقق في واجب من الواجبات، إذ كل واجب لابد أن يكون وجوبه مشروطا بشرط ولا أقل من اشتراطه بالشرائط العامة من البلوغ والعقل. فعلى هذا يقال: إن كل واجب لوحظ بالاضافة الى أمر، فاما أن يكون وجوبه متقيدا به أو لا يكون، فالاول هو الواجب المشروط. والثاني هو الواجب المطلق (1). وقد وقع الكلام بين الاعلام في امكان الواجب المشروط، بمعنى إمكان رجوع القيد إلى الوجوب وتقييد الوجوب به، بحيث لا يتحقق إلا بعد تحققه. والآراء فيه ثلاثة: الاول: ما ذهب إليه الشيخ الانصاري - على ما في التقريرات - من عدم امكان رجوع القيد الى الوجوب، وانما هو راجع الى الواجب والوجوب فعلي مطلق (2). الثاني: ما التزم به صاحب الكفاية خلافا لما نسب الى الشيخ، من امكان رجوع القيد الى الوجوب وتعليق تحققه على الشرط (3). الثالث: ما التزم به المحقق النائيني، من ان القيد راجع الى المادة المنتسبة، واليه ارجع كلام الشيخ لا الى الاول، مدعيا استحالة الاول لرجوعه الى


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 95 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الكلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 45 - 46 - الطبعة الاولى. (3) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 95 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 135 ]

الواجب المعلق وهو محال (1). وقد استدل الشيخ على رأيه، مع اعترافه بان مقتضى القواعد العربية رجوع القيد الى الهيئة في الجملة الشرطية لا المادة بوجهين: الاول: ان مفاد الهيئة معنى حرفي غير قابل للاطلاق والتقييد، لان التقييد من شان المفاهيم القابلة للسعة والضيق، والحرف موضوع للافراد الجزئية وهي غير قابلة للتقييد، فيمتنع رجوع القيد الى مفاد الهيئة لعدم قابليته للتقييد. الثاني: - وهو وجه وجداني - ان الانسان إذا توجه الى شئ إما ان يتعلق به طلبه باعتبار اشتماله على المصلحة الداعية للامر أو لا يتعلق به طلبه، أما الفرض الثاني فهو خارج عن محل الكلام. وأما الفرض الاول، فالمصلحة التي تترتب عليه إما أن تترتب عليه بقول مطلق بلا تعليق على شئ فيتعلق به طلبه على جميع تقاديره. واما ان تكون تترتب عليه على تقدير خاص، فيكون ذو المصلحة هو الفعل على ذلك التقدير، فيتعلق الطلب والشوق بذلك الفعل على ذلك التقدير. فالشوق فعلي متعلق بما هو استقبالي، لان الآمر إذا علم بترتب المصلحة عليه في المستقبل يتعلق به شوقه فعلا ويطلبه في نفس الحين بلا تعليق. وهذا أمر وجداني يلتفت إليه كل أحد ويجده من نفسه. بهذين الوجهين استدل الشيخ على ما ذهب إليه من عدم رجوع القيد الى الهيئة ورجوعه الى المادة. وقد تنكر صحة نسبة هذا الالتزام إلى الشيخ باعتبار ما يقرره في مكاسبه في مبحث جواز التعليق في العقود من: ان الوجه في بطلان التعليق هو قيام الاجماع على عدم صحته، وبطلان العقد به، مما يظهر منه انه لو لا الاجماع لكان مقتضى القواعد صحة التعليق في العقد، مع ان هذا يتنافى مع الالتزام بعدم صحة


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 132 - الطبعة الاولى. (*)

[ 136 ]

تقييد مفاد الهيئة، لان الانشاء مدلول الهيئة ايضا فكيف يصح تعليقه وتقييده ثبوتا (1). وبالجملة: الالتزام بصحة نسبة الالتزام المذكور إلى الشيخ لازمه الالتزام بوقوع التهافت في كلماته، وهو مما يجل عنه مثل الشيخ في مثل هذا المطلب الواضح. والانصاف: انه لا مناقضة بين الالتزام بعدم صحة رجوع القيد الى الهيئة والالتزام بصحة التعليق في العقود، وذلك لان ما يدور البحث حول صحة تعليقه وعدمها ليس نفس الانشاء، وانما هو المنشاء كالتمليك. ومن الواضح أن المنشاء مدلول إسمي، فالتمليك مدلول للمادة في قول المنشئ: " ملكت "، وهي من الاسماء الموضوعة للمفاهيم. وهكذا سائر المنشاءات فانها مداليل المواد. والمفاهيم الاسمية قابلة للتعليق والتقييد ثبوتا، فلو لا الاجماع لصح أن يلتزم بصحة التعليق في العقود، ولا ينافي ذلك إلتزامه بعدم صحة تقييد مفاد الهيئة لانه معنى حرفي غير قابل للتقييد. وقد تفصى صاحب الكفاية عن الوجه الاول بما قرره من: ان المعنى الحرفي لا يختلف عن المعنى الاسمي في كونه مفهوما عاما، وان إختلف معه في كيفية الوضع ونحوه، وعليه فكما ان المعنى الاسمي يقبل التقييد لقابليته للسعة والضيق كذلك المعنى الحرفي لاشتراكهما في المفهومية التي هي موضوع الاطلاق والتقييد (2). وتحقيق الكلام في المقام: ان عمدة الاشكال واساسه امر مغفول عنه في عبارات الاعلام، وان اعترف به المحقق النائيني في بعض كلماته وهو: ان الجملة


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. المكاسب / 100 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 97 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 137 ]

الشرطية تفيد تعليق الجزاء على الشرط، وربط أحدهما بالآخر بنحو من انحاء الربط، سواء قلنا أن ذلك مفاد نفس الاداة كان، أو قلنا بان مفاد الاداة ليس إلا كون تاليها واقعا موقع الفرض والتقدير، والتعليق يستفاد من " الفاء " أو " ثم " أو غيرهما من الادوات الداخلة على الجزاء، أو من نفس ترتيب الجزاء على الشرط والهيئة التركيبية الخاصة - فان تحقيق احد الوجهين الذين ذهب الى اولهما اهل الميزان والى ثانيهما اهل العربية، وليس بمهم في المقام -، إذ لا اختلاف بينهم في النتيجة، فان القدر المسلم لدى الطرفين هو أن مفاد الجملة الشرطية تعليق الجزاء على الشرط، اما سببه فهو محل الاختلاف. ومن البديهي ان الربط الموجود في الجملة الشرطية انما هو ربط بين المفاهيم التركيبية، أعني المفهوم التركيبي لجملة الشرط والمفهوم التركيبي لجملة الجزاء، لا بين المفاهيم الافرادية. فمفاد: " إذا جاء زيد يجئ عمرو " تعليق مجئ عمرو على مجئ زيد وترتيب نسبة مجئ عمرو على نسبة مجئ زيد، وليس مفادها تعليق نفس المجئ في الجزاء على مجئ زيد، إذ مرجع ذلك إلى الحكم الفعلي على عمرو بالمجئ الخاص وهو المترتب على مجئ زيد، نظير: " عمرو جاء بالمجئ المترتب على مجئ زيد ". وهذا امر لا يجده المخبر بالجملة الشرطية من نفسه، فانه لا يعلم بمجئ زيد فكيف يحكم بثبوت المجئ المقدر عليه ؟. كما أنه ليس مفادها الحكم بالمجئ على عمرو على تقدير مجئ زيد برجوع القيد إلى الموضوع لا الحكم، لوضوح انه يصح إطلاق الجملة الشرطية مع التصريح باخذ موضوع الجزاء بنحو مطلق بلا تقييده بشئ. فمن البديهي ان المخبر بالجملة الشرطية لا يجد في نفسه الا أنه يخبر عن الربط بين المفهومين التركيبين - أعني مفهومي جملتي الشرط والجزاء -، بحيث إذا سئل عن قصد لاجاب بذلك. ومن هنا ياتي الاشكال، فان المفاهيم التركيبية من المعاني الحرفية لانها مداليل هيئات الجمل

[ 138 ]

أو الاضافة أو غيرهما. فيشكل تحقق الربط بين المفهومين التركيبيين لامتناع تحقق الربط بين المعاني الحرفية وتقييد أحدهما بالآخر على جميع المذاهب في المعنى الحرفي. بيان ذلك: ان الآراء في وضع الحروف مختلفة، وعمدتها اقوال عديدة: الاول: ان الموضوع له الحرف هو الافراد الخاصة الخارجية أو الذهنية للمفاهيم العامة (1). الثاني: ما ذهب إليه صاحب الكفاية من ان الحروف موضوعة للمفاهيم العامة كالاسماء، ف‍: " من " ولفظ الابتداء موضوعان الى مفهوم الابتداء (2). الثالث: ما ذهب إليه المحقق النائيني من ان الموضوع له الحرف هو النسبة الكلامية التي عرفت ان المراد منها هي النسبة الذهنية بين المفاهيم الاسمية، لاحتياج المفاهيم الاسمية الى رابط يربطها لعدم الارتباط بينها في انفسها، فشان الحرف الربط بين المفاهيم الاسمية (3). الرابع: ما ذهب إليه المحقق الاصفهاني من ان المعني الحرفي هو الوجود الرابط الذي هو نوع رابع من انواع الوجود (4). وقد عرفت رجوع هذا الوجه الى اختيار المحقق النائيني. الخامس: ما ذهب إليه السيد الخوئي من أن الحروف موضوعة لتضييق المعاني الاسمية، لانها واسعة النطاق في الصدق فاحتيج الى تفهيم الحصة الخاصة منه الى وضع شئ فكان هو الحروف (5). وقد تقدم انه لا محصل له إلا ان يرجع


(1) الحائري الشيخ محمد حسين. الفصول الغروية / 16 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 12 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 18 - الطبعة الاولى. (4) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 16 - الطبعة الاولى. (5) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 1 / 79 - الطبعة الاولى. (*)

[ 139 ]

الى اختيار العلمين النائيني والاصفهاني (1). وعلى كل: فتقييد المعنى الحرفي وربطه. وتعبير آخر ورود معنى حرفي على معنى حرفي آخر ممتنع على جميع هذه الاقوال الخمسة. اما على القول الاول: فواضح، لان التقييد انما يطرء على المفاهيم القابلة للسعة والضيق دون الافراد التي لا تقبل السعة والضيق اصلا. واما على القول الثاني: فلانه وان كان المعنى الحرفي من سنخ المفاهيم التي تقبل السعة والضيق، إلا أنه لا يمكن تقييده ايضا، لان صاحب الكفاية وان التزم بان الموضوع له الحرف هو المفهوم العام، لكنه أخذ في وضع الحرف كون المعنى ملحوظا آليا، وبه افترق عن المعنى الاسمي. وبهذا القيد يمتنع تقييد المفاهيم الحرفية، وذلك لان لازم كون المعنى الحرفي ملحوظا آلة للغير كون الغير ملحوظا بالاستقلال. وعليه، فإذا كان الربط الثابت بين المعنيين الحرفيين ملحوظا آلة - لكونه معنى حرفيا - كان ملازمه لحاظ ذية وهو المعنى الحر في المقيد استقلالا، والمفروض انه معنى حرفي ملحوظ باللحاظ الآلي، فيلزم ان يكون المعنى الحرفي ملحوظا في حين واحد بلحاظين، وهو ممتنع كما يقرره صاحب الكفاية. ومن هنا يظهر ان ما أفاده في دفع اشكال الشيخ من كون المعنى الحرفي عاما غير مجد في ما نحن فيه، إذ الاشكال يتاتى من ناحية أخرى لم يتعرض لدفعها في كلامه، وهي استلزام التقييد اجتماع اللحاظين. واما على القول الثالث: فلان الربط انما يكون بين المفاهيم الاسمية، والمعنى الحرفي ليس من سنخ المفاهيم، بل هو من سنخ الوجود غير القابل للربط لانه على ما تقدم من شؤن الوجود وكيفية من كيفياته.


(1) راجع 1 / 114 من هذا الكتاب. (*)

[ 140 ]

واما على القول الرابع: فالامر فيه كالامر على الثالث، فان التقييد انما يطرء على المفاهيم دون ما هو من سنخ الوجود وهو الوجود الرابط، الذي هو كيفية من كيفيات وجود الشئ. واما على القول الخامس: فلان القائل لا يدعي الوضع لمفهوم التضييق، لانه من المعاني الاسمية، وانما يدعي الوضع لواقع التضييق وهو غير قابل للتقييد والربط، لعدم كونه قابلا للسعة والضيق. فتحصل ان تقييد احد المفهومين التركيبيين وربط احدهما بالآخر مما قام البرهان على استحالته ولا اشكال فيه، كما ان مفاد الجملة الشرطية هو الربط بين المفاهيم التركيبية بالبداهة، فكيف يجتمع الأمر البديهي الواضح مع الامر البرهاني الثابت. ولا يخفى ان ما افاده الشيخ (رحمه الله) من رجوع القيد الى المادة لا يجدي في رفع الاشكال، لان مرجعه الى تحقق الربط بين المفاهيم الافرادية الذي قد عرفت انه خلاف الوجدان، فان الشخص المخبر بالجملة الشرطية لا يرى من نفسه إلا أنه يخبر بالربط بين المعاني التركيبية، وهذه البداهة وان لم تكن واضحة في الجملة الانشائية، ولا سبيل لنا إلى انكاره بالبداهة والبرهان السابق على عدم كون المعلق هو المفهوم الافرادي، إلا أنه من المعلوم أن حال الجملة الشرطية في كلتا الصورتين واحد لا يختلف، وقد ثبت ان الربط في الجملة الشرطية الخبرية بين المفاهيم التركيبية وجدانا بل برهانا، فيثبت ذلك في الانشائية ايضا. كما انه يجدي في رفع الاشكال ما أفاده السيد الخوئي من: ان الانشاء عبارة عن ابراز الاعتبار النفساني، فليس ثمة معنى حرفي يكون مدلولا للهيئة، بل مدلولها فعل من افعال النفس تبرزه (1).


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 323 - الطبعة الاولى. (*)

[ 141 ]

وذلك: لان التعليق لا يرد على نفس الابزار والاعتبار لانه فعلي، وانما يرد على المعتبر وهو كون الفعل في عهدة المكلف. ومن الواضح أن هذا من المفاهيم التركيبية الحرفية، لانه مدلول هيئة الاضافة، فياتي الكلام في صحة تعليقه وتقييده بالشرط. والتحقيق في رفع هذا الاشكال ان يقال: ان الاخبار والانشاء - كما مر سابقا (1) - خارجان عن مدلول الجملة الخبرية والانشائية، وانما هما أمران نفسيان قصديان، والجملة لا تدل إلا على النسبة بين الموضوع والمحمول لا أكثر. وهذه النسبة تارة تكون متعلقة للاخبار، كما إذا قصد الحكاية عن ثبوتها. وأخرى متعلقة للانشاء كما إذا قصد تحققها. وقد أستشهدنا على ذلك بان من الجمل الخبرية ما لا يسمى اخبارا قطعا، كما إذا قال: " علمت ان زيدا قائم "، فان: " زيدا قائم " جملة خبرية ذات موضوع ومحمول، مع انها لا تسمى خبرا، إذ ليس القصد الحكاية عن تحقق مضمونها، بل القصد الحكاية عن تحقق العلم بتحقق مضمونها فالجملة الخبرية الاسمية لا تدل إلا على النسبة الاتحادية بين الموضوع والمحمول، بمعنى ان الموضوع والمحمول أمر واحد، والاخبار ليس جزء مدلولها، وانما يطرء عليها، وهو عبارة عن قصد الحكاية عن ثبوت هذه النسبة اولا ثبوتها. ومن هنا يعلم ان ثبوت النسبة اولا ثبوتها خارجان عن مدلول الجملة ايضا، فلا دلالة لها على الثبوت وعدمه، بل هي انما تدل على خصوص النسبة. اما ثبوتها فيعلم من دال آخر وهو القرينة العامة عند عدم أداة النفي، وعدم ثبوتها يعلم من أداة النفي كليس ولا نحوهما. فكل من الاخبار والثبوت خارجان عن مدلول الهيئة وليس مدلولها سوى النسبة. وهكذا الحال في الانشاء، فانه عبارة


(1) راجع 1 / 148 من هذا الكتاب. (*)

[ 142 ]

عن قصد تحقق النسبة - لا الحكاية عن ثبوتها - فتحقق النسبة خارج عن مدلول الهيئة كنفس القصد. وإذا اتضح ذلك يتضح إندفاع الاشكال، فان مفاد الجملة الشرطية ليس تعليق احدى النسبتين على الاخرى وتقييدها بها، كي يدعى أن ذلك يستلزم تقييد المعنى الحرفي وهو ممتنع. وانما مفادها تعليق ثبوت إحدى النسبتين على ثبوت هذه النسبة على ثبوت الاخرى، فالجملة الشرطية الاخبارية تتكفل الاخبار بترتب ثبوت هذه النسبة على ثبوت تلك. وقد عرفت ان ثبوت النسبة خارج عن مدلول الهيئة فلا يكون من المعاني الحرفية وانما هو معنى اسمي قابل للتقييد. وهكذا الحال في الجملة الانشائية فانها تتكفل تعليق تحقق الجزاء على ثبوت الشرط. وقد عرفت ان التحقق خارج عن مدلول الهيئة وهو من المعاني الاسمية القابلة للتقييد والتعليق، فما هو المعلق على ثبوت الشرط غير المعنى الحرفي، بل أمر خارج عن مدلول الكلام الحرفي، وبذلك نجمع بين امتناع تقييد المعاني الحرفية وبداهة كون الربط في الجملة الشرطية بين المفاهيم التركيبية. ومن هنا يظهر امكان الواجب المشروط وعدم استحالته عقلا كما إدعاه الشيخ في الوجه الاول، لان القيد لا يطرء على مدلول الهيئة وانما يطرء على ما هو خارج عن مدلولها - أعني ثبوت النسبة -، فالمقيد ليس نفس النسبة الطلبية المدلولة للهيئة، وانما هو ثبوت النسبة، وهو معنى إسمي قابل للتقييد، ونتيجة ذلك عدم تحقق الوجوب إلا عند تحقق الشرط. فالتفت. وبما ذكرناه يتضح انه يمكن التفصي عن الاشكال المزبور بما افاده السيد الخوئي من: ان مدلول الهيئة الانشائية ابراز الاعتبار النفساني. ببيان: انه وان كان الاعتبار فعليا لكن المعتبر هو ثبوت الفعل في الذمة، فالمقيد هو الثبوت الخارج عن مدلول الهيئة وهو من المعاني الاسمية كما تقدم. فالتفت. ثم انه حفظه الله تعرض الى ذكر بعض الاشكالات الواردة على الواجب المشروط والاجابة عنها.

[ 143 ]

الاشكال الاول: ما أشير إليه من أن معنى الهيئة من المعاني الحرفية وهي غير قابلة للتقييد. واجاب عنه: بان المعنى الحرفي انما لا يقبل التقييد بمعنى التضييق، واما التقييد بمعنى التعليق الذي هو مفاد اداة الجملة الشرطية فلا مانع منه (1). وفيه: اولا: أنه ظاهر في الالتزام بان معنى الهيئة من المعاني الحرفية، وهو خلاف ما قرره اولا من خروج مدلولها عن المعاني الحرفية وانه إبراز الاعتبار النفساني. وثانيا: أنه مناف لما قرره في مبحث المعنى الحرفي من أن الحروف موضوعة للتضييق بما فيها ادوات الشرط، فدعوى أن اداة الشرط لم توضع للتضييق لم يظهر لها وجه منه. وبالجملة: ما افاده هنا يستظهر منه اغفال عما قرره في مبحث المعنى الحرفي من رأي. الاشكال الثاني: ما أفاده المحقق النائيني من ان معنى الهيئة من المعاني الحرفية غير القابلة للحاظ الاستقلالي الذي يقتضيه التقييد، فلا يصح تقييدها لانها ملحوظة آلة. واجاب عنه: بانه يمكن ان يلحظ المعنى استقلالا فيقيد، ثم يلحظ المقيد آلة في حال الاستعمال، فالقيد يطرء على ما هو ملحوظا استقلالا ثم المقيد يلحظ آلة في حال الاستعمال (2). وفيه: انه وان أشار إليه في الكفاية لكنه بلحاظ مقام الانشاء لا مقام اللحاظ، ان المعنى المقيد عند لحاظه بقيد التقيد آليا إما أن يكون ملحوظا


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 320 - الطبعة الاولى. (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 129 [ هامش رقم (1) ] - الطبعة الاولى. (*)

[ 144 ]

بالاستقلال المقوم للتقييد اولا يكون. فان كان ملحوظا بالاستقلال لزم أن يجتمع اللحاظان فيه الآلي والاستقلالي. وان لم يكن ملحوظا بالاستقلال إمتنع طرو القيد عليه ولحاظه مقيدا حال الاستعمال، لتقوم القيد بان يكون ذوه ملحوظا استقلالا. وبالجملة: لا يجتمع تقيد المعنى الحرفي مع كونه ملحوظا آليا. ثم انه قد تكرر في كلام السيد الخوئي التعبير بكون الاعتبار متعلقا بامر على تقدير (1). ولابد من تحقيق هذا الامر ومدى صحته وسقمه، فانه مما يترتب عليه آثار عملية، كصحة الالتزام بالكشف الانقلابي في عقد الفضولي. بيان ذلك: أنه وقع الكلام في عقد الفضولي المتعقب بالاجازة في أن الاجازة هل تكون موجبة لحدوث الملكية مثلا من حينها المصطلح عليه بالنقل، أو كاشفة عن تحققها من حين العقد المصطلح عليه بالكشف ؟. وهناك قول ثالث، وهو أن الاجازة تكون موجبة لتحقق الملكية وترتب آثارها من حين العقد إلا أن حدوث الملكية السابقة يكون بالاجازة لا أنه كان من حين العقد، ويعبر عن هذا المعنى بالانقلاب، وبه تصحح الروايات الدالة على ترتب آثار المنشأ من حين العقد مع عدم معقولية الكشف الحقيقي. وقد تبنى المحقق الايرواني هذا الرأي، وعبر عنه بالبرزخ بين الكشف والنقل، وحاول تصحيحه ينحو يكون حكما على طبق القاعدة لا حكما تعبديا (2). وتابعه السيد الخوئي في ذلك (3). ولا يخفى ان صحة هذا المبنى تتوقف على الالتزام بامكان تعلق الاعتبار الفعلي بالملكية أو نحوها في الزمان اللاحق، وعلى تقدير


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 323 - الطبعة الاولى. (2) المحقق الايرواني الشيخ ميرزا على. حاشية المكاسب / 127 - الطبعة الاولى. (3) التوحيدي محمد علي. مصباح الفقاهة 4 / 142 - الطبعة الاولى. (*)

[ 145 ]

شئ آت أو تعلقه بالملكية في الزمان السابق، وبتعبير أخصر: امكان اعتبار الملكية اللاحقة أو الملكية السابقة وعدمه. فلو تم بطلان هذا الامر وامتناعه لم يثبت للانقلاب أساس. فموضوع الكلام: هو تعلق الاعتبار فعلا بالملكية السابقة أو اللاحقة. والذي يبدو النظر عدم امكان ذلك عقلا، وذلك: لان اعتبار الفعلي يتعلق بالملكية في الزمان المعين الخاص أو غيره من التقديرات، بحيث تلحظ الملكية مرتبطة بالزمان الخاص. ومن الوضح ان كلا من الملكية والزمان مفهوم مستقل لا ارتباط بالآخر بما هو كذلك، لان كل مفهوم له تقرر خاص بحد واقعي ثابت. وعليه، فارتباط احد المفهومين بالآخر بالنحو الذي يصحح استعمال الحرف بينهما فيقال: " الملكية في الزمان المعين الكذائي " انما يكون بلحاظ وجود أحد المفهومين مرتبطا بوجود الآخر بنحو ارتباط، كارتباط الظرفية بالنسبة إلى زمان المصحح لاستعمال " فيه " بمعنى أن يكون بين وجود كل منهما ووجود الآخر نحو اضافة ونسبة. وقد تقرر ان مدلول الحرف ومعناه هو النسبة الذهنية بين المفهومين الناشئة عن لحاظ كل منهما مرتبطا بالآخر، بحيث تكون النسبة من كيفيات اللحاظ، فلحاظ زيد قائما يحقق النسبة الذهنية بين زيد والقيام. كما تقرر أن النسبة الذهنية بين المفهومين وضع لها الحرف لتكون مرآتا للخارج والنسبة الخارجية بين الوجودين الخارجيين، فتحكى عنها حكاية المماثل عن المماثل، لا بمعنى استلزامها لانتقال النسبة الخارجية الى الذهن كما هو شأن سائر الاستعمالات لامتناع ذلك. فالنسبة الذهنية تطابق النسبة الخارجية ولو لم تكن متحققة حقيقة، ولكن تؤخذ في عين الحال بنحو الفرض. فالنسبة بين القيام وزيد قد تتحقق في الذهن بلا أن يكون لها مطابق خارجي متحقق، ولكنها تتحقق بالنحو الذي يفرض به تحقق النسبة الخارجية وبكيفيته وهذا هو معنى المطابقة.

[ 146 ]

وبتعبير آخر: النسبة الذهنية بين زيد والقيام عبارة عن الصورة الذهنية لوجود زيد قائما. فالنسبة الذهنية صورة للنسبة الخارجية. وإذا تقرر هذا، فالملكية في الزمان الكذائي التي يراد اعتبارها فعلا قد لوحظ وجودها مرتبطا بوجود الزمان بنحو الظرفية، فقولنا: " الملكية في يوم الجمعة " معناه الملكية المتحققة والموجودة في يوم الجمعة، ومعه يمتنع اعتبارها، إذ لا معنى لايجاد الملكية الموجودة في يوم الجمعة. فمرجع اعتبار وايجاد الملكية في الزمان اللاحق إلى ايجاد الملكية الموجودة في الزمان اللاحق لعدم امكان فرض هذا العنوان، أعني الملكية في الزمان اللاحق، إلا باخذ قيد الوجود في الملكية، فيقال: " الملكية الموجودة في الزمان اللاحق " وبذلك يمتنع اعتبارها وايجادها فعلا للخلف. وبتعبير آخر: إذا توقف الاعتبار والايجاد على أخذ قيد في المعتبر ناش منه ومعلول له وبلحاظ تحققه كان ذلك ممتنعا لاستلزامه أخذ المتأخر في مرحلة سابقة عليه، إذ المفروض أن الملكية في الزمان اللاحق يراد ايجادها فعلا، فكيف يؤخذ وجودها في موضوع الاعتبار والايجاد ؟. فبذلك يتضح امتناع كون الاعتبار متعلقا بامر على تقدير الذي ورد مكررا في عبارات السيد الخوئي، كما يتضح امتناع القول بالكشف الانقلابي، وتمام تحقيق ذلك في محله من مبحث التجارة والبيع. ثم ان المحقق النائيني تصحيحا للواجب المشروط إلتزم برجوع القيد الى المادة المنتسبة، ببيان: ان القيد يرجع الى المادة، ولكن لا بمعنى كون القيد من قيود الواجب والوجوب يكون فعليا، لانه يرجع الى الواجب المعلق الذي التزم به صاحب الفصول (1) وهو باطل، بل بمعنى ان القيد يطرء على المادة من


(1) الحائري الشيخ محمد حسين. الفصول الغروية / 79 - الطبعة الاولى. (*)

[ 147 ]

حيث ورود النسبة عليها، بتقريب: ان الشئ قد يكون متعلقا للنسبة الطلبية مطلقا من غير تقييد. وقد يكون متعلقا للنسبة الطلبية حين اتصافه بقيد في الخارج، مثلا الحج المطلق لا يتصف بالوجوب، بل المتصف به وهو الحج المقيد بالاستطاعة الخارجية، فما لم يوجد هذا القيد يستحيل تعلق الطلب به وكونه طرفا للنسبة الطلبية، فالقيد راجع الى المادة ولكن لا بما هي، بل بما هي منتسبة الى الفاعل. هذا ما افاده المحقق النائيني بنص عبارة التقريرات تقريبا (1). ولكن الذي يتوجه عليه: أن تقيد المادة بالقيد بحيث يكون الواجب هو الحصة الخاصة - أعني الفعل على تقدير القيد الخاص - أو مشترك بين الواجب المعلق والواجب المشروط، وانما الاختلاف في أن فعلية الوجوب في المعلق متحققة قبل تحقق القيد، بخلاف الوجوب في الواجب المشروط، فيقال: بانه ما الوجه في هذا الامر ؟ ان كان وجهه رجوع القيد في الوجوب المشروط في الحقيقة إلى النسبة، عاد المحذور الذي يحاول الفرار منه، وهو لزوم تقييد المعنى الحرفي غير القابل للتقييد. وان لم يرجع القيد الى النسبة، فلا وجه لتوقف فعلية الوجوب على حصول القيد. والحقيقة ان ما ذكرناه لا يعد اشكالا على مطلب المحقق النائيني، بل هو أشبه بالسؤال عن مراده فيما افاده، فانه لم يوضح باكثر مما عرفت كما انتهى بمجرد الادعاء. فالذي ينبغي هو التساؤل عن مراده لا الايراد عليه كما قد يظهر من السيد الخوئي (2). هذا كله في المرحلة الاولى من البحث التي أشار إليها صاحب التقريرات بوجهه الاول - أعني مرحلة معرفة امكان الواجب المشروط ورجوع القيد الى


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 130 - الطبعة الاولى. (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 130 [ هامش رقم (1) ] - الطبعة الاولى. (*)

[ 148 ]

الهيئة وعدمه - وقد عرفت تصور رجوع القيد إلى أصل الوجوب. يبقى الكلام في المرحلة الثانية التي أشار إليها بالوجه الثاني، وهي رجوع القيد إلى المادة لبا وان سلمنا امكان رجوعه إلى الهيئة عقلا. وقد عرفت تقريب ذلك: بأن الشئ إما أن لا يكون ذا مصلحة بجميع تقاديره، فلا يتعلق به الارادة. واما أن يكون ذا مصلحة على بعض تقاديره، فيتعلق به الارادة الفعلي على ذلك التقدير، لان العلم بتحقق المصلحة فيه في ذلك التقدير موجب لا نقداح الشوق فعلا إليه، أي إلى الفعل على ذلك التقدير. فلا يتصور التعليق في الارادة، بل أمرها دائر بين الوجود والعدم اصلا. وقد تصدى صاحب الكفاية (رحمه الله) إلى منع ذلك، ببيان: ان الفعل قد يكون ذا مصلحة على بعض تقاديره فيتعلق به الارادة الفعلية، إلا أنه يكون هناك مانع من طلبه فلا يبعث نحوه فعلا، بل يبعث نحوه على تقدير زوال المانع (1). ولا يخفى انه مرجع ايراد صاحب الكفاية إلى: أن الارادة التشريعية هي الارادة المستتبعة للبعث والطلب، فمع وجود المانع عن البعث لا تكون الارادة ارادة تشريعية التي هي ملاك الحكم، بل الموجود ليس الا الشوق وهو غير كاف في الحكم. وبدون هذا الارجاع لا يظهر لايراد صاحب الكفاية ربط بكلام الشيخ، بل ظاهره أنه من واد آخر. وعلى كل فالتحقيق ان يقال: انه إذا التزمنا بان حقيقة الحكم ليس الا الارادة وابرازها لا اكثر - كما قد يلتزم به المحقق العراقي (2) كان ما افاده


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 97 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين. مقالات الاصول / 106 - الطبعة الاولى. (*)

[ 149 ]

الشيخ هو المتعين (1)، إذ مع كون الفعل ذا مصلحة على تقدير خاص أو مطلقا، لا تتعلق به الارادة ولا يتصور التعليق فيها، لانها فعل نفسي غير اختياري ينشأ عن العلم بالمصلحة، فمع تصور المصلحة في الفعل يتحقق الشوق إليه فعلا بلا تعليق على شئ، واما الابزار فالمفروض تحققه بالانشاء. فالحكم بحقيقته ووجوده الواقعي ثابت متحقق بدون تعليق. وان التزمنا بان حقيقة الحكم تختلف عن حقيقة الارادة وانه أمر اعتباري مجعول مستتبع للارادة كان ما ذكره صاحب الكفاية هو المتعين، لان الارادة وان تحققت في النفس بتصور المصلحة الا أن الاعتبار والجعل يمكن ان يكون له مانع عن تحققه فيعلق تحققه على زوال المانع، لانه فعل اختياري قابل للتعليق، فلا يتحقق الحكم الا عند تحقق القيد، وان كانت الارادة متحققة من السابق لعدم تصور التعليق في تحققها، بل تتعلق بالامر اللاحق لتصور المصلحة فيه فعلا الذي هو ملاك تحقق الارادة. إذا عرفت التحقيق، يبقى لدينا تشخيص أي الوجهين أصح، وان حقيقة الحكم هل هي عين الارادة وابرازها، أو أنه امر جعلي اعتباري ؟. الحق هو الثاني وانه أمر مجعول اعتباري، فانه المرتكز بين الاصوليين، بل بين الناس، فان الايجاب يرونه امرا غير محض الارادة، بل عبارة عن الزم اعتباري. ويدل عليه ورود الادلة الرافعة للاحكام بلحاظ بعض العناوين الثانوية، كالجهل والضرر والعسر والحرج وغيرها، بضميمة ظهورها في الامتنان، فان ذلك ظاهر في كون الحكم شيئا بيد الشارع يستطيع وضعه ويستطيع رفعه، فرفعه امتناعا، إذ لو كان الحكم عبارة عن الارادة لم يكون رفعه ووضعه بيد الشارع لانها غير اختيارية.


(1) سيأتي منه (دام ظله) في مبحث استصحاب الحكم التعليقي العدول عن ذلك، الالتزام بان الارادة لا تحصل الا عند حصول القيد. (منه عفي عنه). (*)

[ 150 ]

ولا معنى للتعبير: بان الرفع كان لاجل الامتنان، بل الارتفاع يكون لعدم تحقق مبادئها خارجا. نعم لو لم يكن لسان هذه الادلة لسان امتنان لم يكن لها دلالة على المدعى إذ يمكن ان يكون الرفع لعدم الارادة لا لاجل الامتنان، وانه كان يتمكن من الوضع فرفعه منة، الظاهر في كونه امرا اختيارا بيد الشارع. وبالجملة: كون الحكم من المجعولات لا يمكن لنا انكاره وجدانا ودليلا. ثم أن صاحب الكفاية أشار الى سوأل قد يتجه، محصله: ان تصور المانع عن الحكم أمر معقول لو كان الحكم تابعا للمصلحة فيه، فانه يمكن ان يفرض وجود المانع عن تحقق المصلحة فيه واما بناء على ان الحكم تابع لوجود المصلحة في متعلقه فيشكل وجود المانع منه، لفرض تحقق المصلحة في متعلقه، ولذا تعلقت به الارادة، كما ان المفروض تبعيته للمصلحة، فمقتضى ذلك تحققه بلا تعليق على شئ. واجاب عنه: بان تبعية الاحكام للمصالح في متعلقاتها إنما يلتزم به في الاحكام الانشائية. اما الاحكام الفعلية والبعث الفعلي، فهو تابع للمصالح فيه، ومعه يتصور المانع عن تحقق المصلحة فيه فيعلق على تقدير زواله (1). ولكنه لاجل عدم وضوح وجود مرتبة انشائية للحكم يكون له فيها وجود حقيقي، لان الانشاء لا بداعي البعث لا يكون وجودا حقيقيا له، والانشاء بداعي البعث هو معنى الحكم الفعلي إذ لا يتصور إلا فرض يمكن تحقق البعث بدون مانع. لاجل ذلك، عدل المحقق الاصفهاني الى الاجابة عن السوال، بان المقصود من تبعية الحكم للمصلحة في متعلقه ليس تبعيته بنحو تبعية المعلول


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 98 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 151 ]

للعلة، بل بنحو تبعية المقتضى للمقتضي، وعليه فيمكن فرض المانع مع وجود المصلحة في المتعلق. فلاحظ وتدبر (1). هذا تمام الكلام في الواجب المشروط، وقد عرفت انه لادليل على امتناعه ثبوتا ولا اثباتا. ويبقى الكلام في بعض الجهات المرتبطة بالبحث: الجهة الاولى: فيما افادوه - لغرض ربط البحث بمبحث وجوب المقدمة - من ان وجوب المقدمة بما انه مترشح عن وجوب ذيها، فهو تابع في الاطلاق والاشتراط لوجوب ذيها، فإذا كان وجوب ذي المقدمة مشروطا بشرط كان وجوبها كذلك (2). ويتوجه على هذا: ان ما ينتهي إليه بعد اثبات الملازمة ليس وجوب المقدمة، بمعنى ان يثبت لها وجوب مجعول مترشح عن وجوب ذيها، بل ما ينتهي إليه هو كون المقدمة متعلقة للارادة كذيها. فالثابت هو الملازمة بين إرادة ذيها وارادتها لا بين تعلق الحكم بذيها وتعلقه بها، فوجوب المقدمة ليس امرا مجعولا. بل بمعنى تعلق الارادة بها، وحقيقته ذلك لا غير - وبذلك يفر عن اشكال لغوية جعل الوجوب لها - وإذا كان الامر كذلك فلا يكون وجوب المقدمة تابعا في الاشتراط لوجوب ذيها، إذ عرفت أن وجوب المقدمة حقيقته ارادة المقدمة، وقد عرفت ان الارادة غير قابلة للتعليق، بل إما أن توجد أو لا توجد، والوجوب المشروط في ذي المقدمة هو الحكم الجعلي لا الارادة المتعلقة به، بل هي مطلقة فتتعلق الارادة الفعلية بالمقدمة وان كان وجوب ذي المقدمة مشروطا. وهذا الايراد قد كان يجول في الذهن منذ القديم ولم نر له حلا.


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 183 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 95 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 148 - الطبعة الاولى. (*)

[ 152 ]

الجهة الثانية: فيما تعرض صاحب الكفاية في بيان الثمرة بين اختياره في الواجب المشروط واختيار الشيخ (رحمه الله). ومحصل ما افاده (قدس سره): ان الشرط الذي يعلق عليه الوجوب في الخطاب خارج عن محل النزاع على المختار من رجوعه الى الوجوب، لانه يكون مقدمة وجوبية، وقد عرفت عدم تاتي النزاع فيها فلا نعيد. واما على مختار الشيخ: فهو وان كان من قيود الواجب الا انه أخذ بنحو لا يكون قابلا لترشح الوجوب عليه، وذلك لان الواجب هو الشي على ذلك التقدير، فالوجوب متعلق بذلك الشئ على تقدير الشرط، فتعلق الوجوب به يكون من باب طلب الحاصل (1). وتوضيح ذلك: أن الشرط قد أخذ قيدا للواجب على أن يكون حصوله طبعيا ومن دون تسبيب من المولى، فالوجوب متعلق بالفعل على تقدير حصول ذلك الشرط من نفسه وبطبعه، حينئذ قبل حصوله يمتنع أن يتعلق به طلب المولى وبعثه لانه خلف أخذه قيدا على ان يتحقق طبعيا، وبعد حصوله يمتنع ان يتعلق به الطلب لانه طلب الحاصل. فالضمير في قوله: " فمعه " يرجع الى حصول ذلك الشرط. ومن هنا يندفع الايراد على صاحب الكفاية: بانه إذا كان الوجوب فعليا والواجب بقيده استقباليا، فتعلقه بالقيد لا يكون من طلب الحاصل لانك عرفت ان مراد صاحب الكفاية ان تعلق الوجوب بالشرط بعد حصوله يكون من طلب الحاصل كما لو كان مقدمة وجوبية، لا أنه كذلك قبل حصوله، بل المحذور في تعلقه به قبل حصوله أمر آخر يعلم من طئ الكلام. فالتفت. واما المقدمات الوجودية للواجب المشروط غير المعلق عليها وجوبه:


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 99 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 153 ]

فهي على مختار صاحب الكفاية لا تكون متعلقة للطلب الا بعد حصول الشرط، لتبعية وجوبها في الاشتراط لوجوب ذيها، إذ لا وجوب لذي المقدمة قبل حصول الشرط كي يترشح منه وجوب المقدمة. واما على مختار الشيخ فهي تكون متعلقة للطلب قبل حصول الشرط، لكون وجوب ذي المقدمة حاليا قابلا لان يترشح منه وجوب المقدمات. نعم، الامر في المعرفة والتعلم يختلف عنه في غيرها من مقدمات الوجود، فانه لا يبعد دعوى وجوبها قبل حصول الشرط حتى على المختار في الواجب المشروط، ولكن لا من باب الملازمة، بل من باب آخر ليس التعرض له محله ها هنا. هذا ملخص ما افاده في الكفاية وقد ظهرت بذلك الثمرة بين القولين (1). الجهة الثالثة: وهي ما أشار إليه في الكفاية تحت عنوان: " تذنيب " من ان اطلاق الواجب على الواجب المشروط قبل حصول شرطه مجاز على المختار، لعدم التلبس فعلا بالوجوب. نعم إذا كان بلحاظ حال التلبس يكون حقيقة (2). وهكذا بناء على مختار الشيخ، ولو بدون لحاظ حال حصوله لفعلية التلبس على اختياره (3). واما الصيغة مع الشرط: فاستعمالها حقيقي على القولين، لانها مستعملة على مختار الشيخ في الطلب المعلق أعني شخص الطلب الموضوعة له. وعلى المختار في الطلب المقيد، ولكن نحو تعدد الدال والمدلول، إذ الدلالة على التقيد بدال آخر وهو القيد. وانت إذا لاحظت ما جاء في الكفاية مما عرفته، تعرف انه بيان لامر لا أثر له اصلا لا عمليا ولا علميا، فسواء كان الاستعمال حقيقيا أو مجازيا لا يختلف


(1) الخراساني المحقق محمد كاظم. كفاية الاصول / 99 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 100 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (3) الكلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 45 - 46 - الطبعة الاولى. (*)

[ 154 ]

الاثر، وليس هذا البحث ببحث علمي. فتدبر. التقسيم الثاني: انقسامه الى المعلق والمنجز. وهو الذي ابتكره صاحب الفصول، والذي افاده في بيان المراد من كل منهما هو: ان المنجز ما يتعلق وجوبه بالمكلف، ولا يتوقف حصوله على امر غير مقدور، كالمعرفة. والمعلق ما يتعلق وجوبه بالمكلف، ويتوقف حصوله على امر غير مقدور له، كالحج، فان الوجوب يتعلق به في أول أزمنة الاستطاعة أو خروج الرفقة، لكن فعله يتوقف على مجئ وقته وهو غير مقدور للمكلف كما هو واضح (1). وقد انكر الشيخ (رحمه الله) هذا التقسيم (2). ووجه صاحب الكفاية انكاره: بان الواجب المعلق الذي ذكره صاحب الفصول هو بعينه الواجب المشروط بالمعنى الذي اختاره الشيخ، فليس لمعلق معنى معقول في قبال المشروط، ثم ذكر (قدس سره): ان انكار الشيخ في الحقيقة يرجع الى انكار الواجب المشروط بالمعنى المشهور له الذي اختاره صاحب الكفاية، لا الى انكار الواجب المعلق بالمعنى الذي فرضه صاحب الفصول. وبتعبير آخر: انه لم ينكر واقع الواجب المعلق الذي فرضه صاحب الفصول، وانما انكر تسميته بالمعلق بعد ان اطلق عليه المشروط (3). وقد تصدى البعض الى بيان ان انكار الشيخ يرجع واقعه الى انكار الواجب المعلق بواقعه لا بلفظه، وأن ما ذهب إليه الشيخ من معنى الواجب المشروط يختلف عن معنى الواجب المعلق الذي فرضه صاحب الفصول (4).


(1) الحائري الشيخ محمد حسين. الفصول الغروية / 79 - الطبعة الاولى. (2) الكلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 51 - 52 - الطبعة الاولى. (3) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 101 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (4) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 130 - الطبعة الاولى. (*)

[ 155 ]

وحيث انه لا يرجع الى ثمرة عملية فلا ملزم لنا للبحث عن ذلك. وانما نوقع الكلام في أصل الواجب المعلق، وانه هل يمكن تحققه اولا يمكن. وقبل ذلك لابد ان تعرف ثمرة هذا التقسيم، لانه في الحقيقة تقسيم للواجب المطلق. والذي ادعاه صاحب الكفاية: عدم الثمرة، وذلك لان ما رتبه على وجود الواجب المعلق من فعلية وجوب المقدمة من آثار اطلاق الوجوب وحاليته لا من آثار استقبالية الواجب. وعليه فلا وقع لهذا التقسيم بعد ان كان بكلا قسميه من الواجب المطلق، واختلاف انحاء الواجب لا توجب التقسيم ما لم توجب الاختلاف في الاثر، والا لكثرت تقسيماته الى عدد كبير. وقد عرفت عدم الاختلاف في الاثر (1). واورد على صاحب الكفاية: بوجود الاثر المترتب على التقسيم، وذلك تصحيح وجوب المقدمة قبل تحقق زمان الواجب، إذ قد يستشكل في ذلك، فبدعوى وجود الواجب المعلق يصحح وجوب المقدمة قبل تحقق زمان ذيها، إذ مع امتناعه يمتنع وجوبها قبل زمان ذيها، فالتقسيم لا يخلو من ثمرة تصحح التعرض لذكره والبحث عن خصوصيات اقسامه. وبعد ذلك علينا ان نعرف امتناع الواجب المعلق وعدمه. فقد ادعي امتناعه عقلا، وذكر له وجوه: الوجه الاول: - ما عن المحقق النهاوندي وقد ذكره في الكفاية - ان الارادة التشريعية كالارادة التكوينية في جميع الخصوصيات والاثار، غير ان الاولى تتعلق بفعل الغير، والثانية بفعل نفس الشخص، وبما أن الارداة


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 101 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 156 ]

التكوينية يستحيل انفكاكها عن المراد، لانها الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات، فكذلك يستحيل انفكاك الارادة التشريعية عن المراد وهو فعل الغير. وعليه، فيمتنع الواجب المعلق لامتناع تعلق الارادة الفعلية بامر متاخر، لاستلزامه انفكاك المراد عن الارادة، وهو ممتنع. وقد تقصى عنه صاحب الكفاية بوجوه ثلاثة: - الاول: انكار امتناع انفكاك المراد عن الارادة التكوينية، وعدم امتناع تعلق الارادة التكوينية بامر استقبالي، فانه من الواضح انه قد يكون ما تعلق به الشوق مما يحتاج إلى مقدمات كثيرة كطي المسافات ونحوه، ولا يخفى ان فعل هذه المقدمات لا يكون له إرادة استقلالية، بل يتبع إرادة الوصول إلى المكان المقصود، بحيث لو لا ارادته لما تعلقت بالمقدمات إرادة، فقد تعلقت الارادة بالامر الاستقبالي بدليل الانبعاث نحو فعل المقدمات بلا أن تتعلق بها ارادة استقلالية، بل ارادة تبعية مترشحة عن ارادة ذيها فعلا. الثاني: ان المقصود من تعريف الارادة بانها الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات نحو المراد الموهم لامتناع تعلقها بالمتاخر زمانا لامتناع تحريك العضلات نحوه، ليس ما هو الظاهر من إرادة التحريك الفعلي، بل المراد منه تحديد مرتبة الشوق الذي يسمى بالارادة، وانه هو الحد الخاص الذي يستتبع التحريك شانا لا فعلا، لامكان ان يتعلق الشوق فعلا بامر استقبالي غير محتاج إلى تمهيد مقدمة، ويكون الشوق المتعلق به أقوى وآكد مما تعلق بامر فعلي، بحيث يستتبع التحريك فعلا. الثالث: انه لو سلم عدم امكان إنفكاك الارادة التكوينية عن المراد، فالحال في الارادة التشريعية يختلف عنه في التكوينية، إذ الطلب لابد وان يتعلق بما هو متاخر، وذلك لان الطلب والامر انما يكون لجعل الداعي واحداثه في نفس

[ 157 ]

المكلف نحو المأمور به، ولا يخفى ان حدوث الداعي يتوقف على بعض المقدمات، كتصور العمل بما يترتب عليه من مثوبة وعلى مخالفته من عقوبة، وهذا مما لا يمكن أن يتحقق إلا بعد البعث بزمان ولو قليلا جدا، فالبعث يتعلق بالامر المتأخر عنه دائما، وإذا لم يستحل ذلك مع قصر الزمان فلا يستحيل أيضا مع طوله، وذلك لان ملاك الاستحالة والامكان لا يختلف فيه الحال بين قصر المدة وطولها بعد انطباق الموضوع عليها، وهو انفكاك المراد عن الارادة التشريعية، فإذا فرض ان الانفكاك قهري ولا يرى العقل مانعا فيه فطول الزمان وقصره لا يوجب اختلاف الحال فيه فتدبر (1). وقد نوقش في الوجه الاول: بان ما ذكر شاهدا لتعلق الارادة بما هو متاخر لا يصلح للاستشهاد به. وذلك لان الشوق إلى المقدمة بما أنها مقدمة وان لم يحصل إلا بتبع الشوق المتعلق بذيها، إلا أن الشوق المتعلق بذيها لم يبلغ حد الارادة لعدم وصوله حد التحريك والباعثية لتوقف حصوله على المقدمات، بخلاف الشوق الى المقدمة فانه لا مانع من وصوله الى حد التحريك والباعثية ولذا يكون ارادة، فارادة المقدمة غير تابعة لارادة ذي المقدمة، كيف ؟ وارادة ذي المقدمة غير متحققة، بل الشوق إلى المقدمة تابع للشوق إلى ذي المقدمة، وهو كاف في التحريك لعدم المانع. فالتبعية في اصل تعلق الشوق لا في حده ووصوله الى مرحلة الباعثية (2). كما انه نوقش الوجه الثاني: بان (3) المراد من تعريف الارادة بالشوق المؤكد المحرك للعضلات ليس ما استظهره صاحب الكفاية، من انه بيان لمرتبة الشوق وان لم يكن محركا بالفعل، بل المراد هو الشوق المحرك فعلا وغيره لا يسمى


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 102 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 186 - الطبعة الاولى. (3) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 185 - الطبعة الاولى. (*)

[ 158 ]

ارادة وان بلغ ما بلغ، وقد أقيم على ذلك البرهان من كلام اهل الفن، والبحث فيه ومعرفة الحقيقة من كلامهم وادلتهم خارج عن الاصول، وانما الذي نقوله دليلا على عدم تمامية كلام صاحب الكفاية، وان الارادة هي الشوق المحرك للعضلات فعلا هو ما يلمسه وجدان كل احد من أنه قد يحصل الشوق إلى شئ فيستتبع تحريك عضلاته نحوه ويعد ارادة، ويحصل شوق أكد منه بمراتب إلى شئ آخر من دون استتباع لتحريك العضلات لوجود المال الكافي آكد بمراتب من الشوق إلى قراءة كلمة يستتبع تحريك العضلات. ومن الواضح أن الثاني يعد ارادة دون الاول، وهذا دليل على عدم كون أخذ تحريك العضلات في تعريف الارادة لتحديد مرتبة الشوق الذي يكون ارادة، ولا لكان اطلاق الارادة على الشوق الاول اولى. فلاحظ. واما الوجه الثالث: فقد نوقش بوجهين: احدهما: ذكره المحقق الاصفهاني (1). والآخر: ذكره المحقق النائيني (2)، إلا ان ما ذكراه لا يرجع في الحقيقة إلى منع ما افاده صاحب الكفاية في نفسه، وعدم توجهه على المحقق النهاوندي، بل مرجع ما ذكراه إلى منع ورود كلام صاحب الكفاية وعدم تماميته على كل من الوجه الذي أفاده كل منهما في بيان استحالة الواجب المعلق. فهو ليس في الحقيقة منعا لكلام صاحب الكفاية، بل هو منع لتوجهه عليهما في ما يفيده كل منهما في بيان الاستحالة، وانه اجنبي عن منع الاستحالة بالوجه الذي يفيده كل منهما. ولاجل ذلك نؤجل بيانه الى ان تصل النوبة الى ذكر ما أفاده كل منهما


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 186 - الطبعة الاولى. (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 136 - الطبعة الاولى. (*)

[ 159 ]

في وجه استحالة الواجب المعلق. هذا ما يرتبط بكلام صاحب الكفاية. اما ما يربط باصل الوجه الذي ذكره المحقق النهاوندي في منع الواجب المعلق، فالحق عدم تماميته فان الارادة التشريعية ليس كالارادة التكوينية مما يستحيل انفكاكها عن متعلقها، لان متعلقها فعل الغير وهو ليس بارادي للمريد بل للغير، وانفكاك فعل الغير عن الارادة التشريعية أمر متحقق بالبداهة كموارد العصيان وعدم الاطاعة، نعم الارادة التشريعية إنما تستتبع طلب الفعل من الغير - الذي هو فعل المريد - وهو غير منفك في الواجب المعلق لصدور الطلب والايجاب من المولى. وبالجملة: ما يمتنع انفكاكه عن الارادة التشريعية إنما هو الطلب لا نفس فعل الغير، فان انفكاكه بديهي التحقق، والمفروض تحقق الطلب بلا انفكاك عن الارادة التشريعية. فلا يتجه ما أفاده المحقق النهاوندي في وجه المنع. الوجه الثاني: - وهو ما أفاده المحقق الاصفهاني - ان الامر والطلب انما هو جعل ما يمكن ان يكون باعثا وداعيا ومحركا للمكلف نحو الفعل، بحيث يصدر الفعل عن المكلف باختياره بداعي البعث الصادر من المولى، إذ ما يترتب عليه المصلحة هو الفعل الاختياري للعبد والحصة الخاصة لا مطلق الفعل ولو كان بالقهر والجبر وإذا كانت حقيقة الطلب هو ما يمكن ان يكون باعثا إمتنع تعلقه بالامر الاستقبالي، إذ مع تمامية جميع المقدمات وانقياد المكلف لامر المولى لا يمكن انبعاثه نحو الفعل، فلا يتحقق البعث بنحو الامكان بالامر ايضا. وبتقريب آخر: نقول: ان البعث والانبعاث متضائفان - كالعلة والمعلول - فلا يصدق أحدهما بدون الآخر، فلا بعث بدون إنبعاث، كما لا إنبعاث بدون بعث، وقد تقرر إن المتضائفين متكافئان في القوة والفعلية، فإذا كان أحدهما فعلي التحقق كان الآخر كذلك، ويمتنع ان يكون أحدهما متحققا بالفعل والآخر

[ 160 ]

بالقوة، وعليه فإذا كان الامر عبارة عن جعل ما يمكن أن يكون باعثا فهو بعث بالامكان، فلا يتحقق واقعا إلا فيما يمكن تحقق الانبعاث. وبتعبير آخر: أن الامر إذا كان بعثا بالامكان لزم تحقق الانبعاث بالامكان عند تحققه لمكان التضائف. ففي المورد الذي لا يتحقق الانبعاث الامكاني لا يصدق البعث الامكاني ايضا المساوق لعدم الامر. وموردنا من هذا القبيل، فانه مع تعلق الامر بالفعل الاستقبالي لا يمكن الانبعاث نحوه في فرض حصول جميع مقدماته، وإذا لم يتحقق الانبعاث امكانا لم يتحقق البعث بالامكان، وهذا يرجع الى عدم تحقق الامر لان حقيقته ليس إلا جعل ما يمكن أن يكون باعثا. ومن هنا ينقدح: ان ما أورده صاحب الكفاية على المحقق النهاوندي من تحقق انفكاك المأمور به عن الامر وتاخره في الوجود في مطلق الاوامر، فلا محيص عن الالتزام بالواجب المعلق. ليس بوارد على ما بين من وجه الاستحالة، إذ ليس المحذور انفكاك تحقق الفعل خارجا عن الامر، بل المحذور هو انفكاك الانبعاث عن البعث، وقد عرفت أن المراد من الانبعاث هو الانبعاث امكانا لا خارجا، فانه هو طرف التضايف لا الانبعاث الخارجي. وعليه، فإذا كان الامر متعلقا بامر فعلي كان الانبعاث ممكنا في كل وقت يفرض الانقياد فيه دون ما إذا تعلق بامر استقبالي على ما عرفت، وتاخر الانبعاث الخارجي عن الامر غير ضائر، لانه ليس بطرف التضايف. وعليه، فلا يشترك الامر بالفعل الحالي والامر بالفعل الاستقبالي فيما هو ملاك الاستحالة، لحصول الانبعاث امكانا في الاول دون الثاني. فلا يتجه ايراد صاحب الكفاية (1).


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 186 - الطبعة الاولى. (*)

[ 161 ]

ومن هنا يظهر ما ذكرناه سابقا من: أن مناقشة المحقق الاصفهاني لصاحب الكفاية في الوجه الثالث لا ترجع في الحقيقة إلى منعه في نفسه، بل إلى بيان أنه غير مصحح ورافع لمحذور الواجب المعلق الذي ذكره هو (قدس سره)، لابتناعه على الالتزام بالتضائف بين البعث والانبعاث، وكلام الكفاية أجنبي عنه. والانصاف ان ما التزم به من أن حقيقة الامر جعل ما يمكن ان يكون باعثا وداعيا، بلا وجه ملزم - وان تم ما رتبه عليه من استحالة الواجب المعلق -، بل يمكننا الالتزام بان حقيقة الامر إنما هي جعل ما يقتضي الداعوية والبعث، بمعنى جعل ما يمكن له إقتضاء الداعوية والتاثير فيها. ومن الواضح أن وجود المانع من تأثير المقتضي في مقتضاه سواء كان المانع من الخارج، أو لاجل عدم قبول المحل، لا ينافي كونه مقتضيا، فالنار مقتض للاحراق ولو لم تكن فعلا مؤثرة فيه باعتبار وجود المانع. لان معنى المقتضي هو ما يكون مؤثرا لو حصلت باقي اجزاء العلة من الشرط وعدم المانع، فوجود المانع لا يرفع اقتضاء المقتضي ولا ينافيه. وعليه، فعدم امكان الدعوة فعلا والانبعاث عن الامر في الواجب المعلق لا ينافي كون الامر مقتضيا للبعث والدعوة، لان عدم التمكن ناشئ من وجود المانع، وعدم قابلية المورد للانبعاث، وهذا لا يضير في إقتضاء الامر فليس في مورد الواجب المعلق ما يتنافى مع حقيقة الامر كي يلتزم بعدم الامر. ولعل نظر المحقق العراقي في ما ذكره في مقام الاجابة عن هذا الوجه: بان الامر وان كانت حقيقته جعل ما يمكن ان يكون داعيا، لكنه لا يشترط ان يكون ممكن الدعوة فعلا، بل يكفي فيه امكانه ولو في المستقبل (1)، لعل نظره في


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 1 / 310 - الطبعة الاولى. (*)

[ 162 ]

ذلك الى ما ذكرناه. فلا حظ. وبالجملة: الذي يبدو لنا هو عدم تمامية الوجه الذي أفاده المحقق الاصفهاني في بيان إستحالة الواجب المعلق. الوجه الثالث: - وهو ما افاده المحقق النائيني - ان كل قيد لا يكون واجب التحصيل لابد وان يؤخذ مفروض الوجود بالنسبة الى الحكم، بمعنى أن يكون وجود الحكم مترتبا على وجوده كما مر تقريبه في مبحث الشرط المتأخر. وعليه فإذا لم يكن قيد الواجب غير الاختياري كالزمان بواجب التحصيل فهو لا محالة يكون قيدا للحكم بنحو فرض الوجود - لانه يكون دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة -، وإذا ثبت ذلك امتنع تحقق الوجوب فعلا قبل حصول ذلك القيد، لكون المفروض ترتب ثبوت الحكم وتحققه على تحقق ذلك القيد - كما هو مقتضى فرض الوجود - فوجوده قبل وجود القيد يستلزم الخلف. ويمكن تقريب امتناع الواجب المعلق على بناء المحقق النائيني في باب جعل الاحكام، وانها مجعولة بنحو القضية الحقيقية، وان جميع القيود التي لا يجب تحصيلها تؤخذ بنحو فرض الوجود - يمكن تقريبه - بوجه آخر وهو ان يقال: ان القدرة على المأمور به من شرائط التكليف عقلا، فإذا فرض تقيد الواجب بقيد غير مقدور كالزمان، امتنع تعلق الوجوب به قبل حصول قيده، لان وجود الحكم يترتب على وجود القدرة على متعلقه لانها شرطه فتكون ماخوذة بنحو فرض الوجود الذي عرفت استلزامه لتاخر الحكم عن قيده. فقبل حصول قيد المتعلق وهو الزمان لا قدرة عليه، ومعه يمتنع تعلق الوجوب به لا ستلزامه تقدم الحكم على موضوعه وهو خلف باطل. ثم انه تصدى لدفع ايراد صاحب الكفاية (قدس سره) السالف الذكر بعد بيانه بما محصله: ان تأخر الفعل عن الحكم انما هو في الحكم المجعول بنحو القضية الخارجية، إذ جعله يكون ابتدائيا وبلا سابقة، لانه يرتبط بتشخيص

[ 163 ]

المولى تحقق موضوع الحكم، فعند جعل الحكم الفعلي يتصور المكلف ما يترتب على اطاعة الحكم ومعصيته من ثواب وعقاب، وذلك يستلزم انفكاك الواجب عن الوجوب. اما بالنسبة الى الحكم المجعول بنحو القضية الحقيقية - الذي عرفت ان جعل الاحكام الشرعية كلها بهذا النحو - فتأخر الفعل عن الحكم ليس من الامور القهرية الضرورية - كي يدعى ان الالتزام بالواجب المعلق ليس بالشئ الجديد المستحدث، فان الاحكام كلها تتعلق بامر متاخر -، وذلك لان إنشاء الحكم بنحو القضية الحقيقية يكون سابقا على فعليته، لتوقف فعليته على حصول شرائطها ووقيودها المأخوذة بنحو فرض الوجود، فيمكن ان يهيئ المكلف نفسه للامتثال قبل فعلية الحكم، وذلك بتصور ما يترتب على اطاعة الحكم الذي سيتحقق عند تحقق شرطه من الثواب وعلى معصيته من العقاب إلى غير ذلك مما يكون مقربا للامتثال، فلا ينتظر العبد بعد ذلك إلا صيرورة الحكم فعليا لينبعث نحو متعلقه بلا تأخر. وبالجملة: ما يدعى: من ان انفكاك الفعل عن الحكم أمر سار في جميع الاحكام، وانه امر تقتضيه طبيعة الحكم وواقعه، فلا خصوصية للمتعلق من هذه الجهة كي يدعى امتناعه. مندفع: بما عرفت من عدم سرايته بعد فرض كون جعل الاحكام بنحو القضية الحقيقية، لامكان اتصال الحكم مع الفعل بلا انفكاك. لا نقول: بان عدم الانفكاك بين الحكم ومتعلقه لا يتحقق دائما بناء على جعل الاحكام بنحو القضية الحقيقية، إذ يمكن ان يتحقق الانفكاك بداهة، إذ قد لا يكون الشخص عالما بالحكم قبل حصول الشرط وانما يعلم به بعد ذلك، فيحدث في نفسه التهيوء للامتثال بعد حصول الحكم وفعليته. وانما الذي نريد ان نقوله: هو ان الانفكاك الحاصل ليس امرا دائميا

[ 164 ]

تقتضيه طبيعة الحكم وملاك جعله، بتقريب انه لجعل الداعي وهو متاخر قهرا عن جعل الحكم لكي ينتهي من ذلك الى جواز الواجب المعلق. فالحكم بطبيعته لا يتعلق بالامر المتأخر دائما، بل التاخر ينشا من العوارض الخارجية، وهذا لا يعني تعلق الحكم بامر متاخر عنه الذي يحاول المدعي اثباته كي يصل الى اثبات دعواه من عدم استحالة الواجب المعلق. فلا حظ (1). ومن هنا يتضح لك ان ما أفاده لدفع الوجه الثالث الذي ذكره صاحب الكفاية، وان رجع إلى منعه في نفسه وبيان عدم تماميته، وبه يختلف عن نحو مناقشة المحقق الاصفهاني فيه، لانها لا ترجع إلى منعه في نفسه بتاتا، لكنه إنما يدفعه في نفسه مبنيا على تقدير خاص وبناء معين، وهو تقدير الالتزام بكون جعل الاحكام بنحو القضايا الحقيقية ولا يرجع الى منعه بتاتا على جميع التقادير. وبتعبير آخر: ان هذا المنع لا يلزم به صاحب الكفاية، لامكان ان يدعي نفي كون الاحكام مجعولة بنحو القضية الحقيقية. والذي يتحصل ان ما ذكره صاحب الكفاية ايرادا على الوجه الذي ذكره المحقق النهاوندي لم تظهر الخدشة فيه من كلام هذين العلمين، فوروده محكم. هذا بالنسبة إلى ما يرتبط بكلام صاحب الكفاية. واما نفس الوجه الذي أفاده في بيان استحالة الواجب المعلق من رجوع قيد المتعلق الذي لا يجب تحصيله إلى الموضوع المأخوذ بنحو فرض الوجود، فيمتنع وجود الحكم قبله. فالخدشة فيه تظهر مما تقدم منا من إنكار هذه الكلية التي يتكرر ذكرها في كلامه، فليس كل ما لا يجب تحصيله يكون ماخوذا بنحو فرض الوجود، بل قد عرفت أن القيود على أنحاء ثلاثة: منها: ما يرجع الى المتعلق. ومنها: ما يكون


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 136 - الطبعة الاولى. (*)

[ 165 ]

مرتبطا بالحكم بنفسه، كالزمان فان نسبته الى الحكم نسبة الظرف إلى المظروف ومنها: مالا ارتباط له بالحكم بنفسه اصلا. وعرفت ان ما يحتاج إلى أخذه مفروض الوجود هو النحو الثالث فقط دون مثل الزمان وقيود المتعلق، إذ لا وجه يقتضي فرض الوجود فيهما، وليس فرض الوجود امرا مدلولا لدليل شرعي كي يتمسك باطلاقه. وعليه، فالقيد الذي علق عليه الواجب - في الواجب المعلق - وان لم يجب تحصيله إلا أنه ليس ماخوذا في الموضوع بنحو فرض الوجود، لانه من قيود المتعلق التي لا تؤخذ كذلك، على ما تحقق، وإذا لم يتقيد بها الوجوب لم يمتنع أن يوجد قبلها، فيكون الوجوب حاليا والواجب استقباليا. ودعوى: ان ما لا يجب تحصيله يكون دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة، فيكون ذلك ملاكا لاخذه في موضوع الحكم ومفروض الوجود (1). مندفعة: فانه لا ملازمة بين ما لا يجب تحصيله وبين دخالته في الاتصاف بالمصلحة، بل يمكن أن يكون الامر غير الاختياري الذي لا يجب تحصيله في وجود المصلحة وفعليتها، كما لو كان الدواء غير نافع للمريض إلا في استعماله في وقت خاص كوقت النوم ونحوه. فان الوقت الخاص غير دخيل في الاتصاف بالمصلحة، بل في وجودها وفعليتها، فيكون ما تترتب عليه المصلحة هو الحصة المقيدة به، فيتعلق به التكليف فعلا، فالطبيب يامر فعلا بشرب الدواء ليلا وعند النوم. وعليه، فيمكن ان يكون القيد المأخوذ في الواجب المعلق من هذا القبيل، ويكون ما يترتب عليه المصلحة هو الحصة الخاصة المقيدة به، مع عدم لزوم تحصيله لعدم اختياريته. فيتعلق به الوجوب فعلا لتحقق ملاكه. فلاحظ جيدا.


(1) كما عن المحقق النائيني (قدس سره). (*)

[ 166 ]

الوجه الرابع: وهو ما أشار إليه في الكفاية ان القدرة على العمل من شرائط التكليف عقلا، فيكون الوجوب معلقا على تحققها، وهي في الواجب المعلق غير متحققة في ظرف الوجوب لعدم القدرة على الواجب في ظرفه، فيكون الوجوب قد تحقق قبل تحقق شرطه، واخذ الشرط القدرة في وقت الامتثال مرجعه إلى أخذها بنحو الشرط المتأخر. وهو ممنوع (1). ومن هنا يظهر ان ما ذكره صاحب الكفاية في الجواب عن هذا الوجه: بان القدرة وان كان شرطا للتكليف، لكنها القدرة في ظرف الامتثال لا في ظرف الامر، غاية الامر تكون ماخوذة بنحو الشرط المتأخر. لا يفي بالمطلوب على جميع التقادير، لانكار الشرط المتأخر من قبل بعض كما قرر في نفس الوجه، فالالتزام بالشرط المتأخر لا يدفع الايراد. فالتحقيق ان يقال: ان اطلاق الشرط على القدرة لا يراد منه شرطية القدرة بالمعنى الفلسفي للشرط، وهو ما كان دخيلا في تحقق المشروط ومن اجزاء العلة، بل يراد منه شرطيتها بمعنى مصحح التكليف والموجب لخروجه عن اللغوية فلا يمتنع تأخرها عن الحكم، نظير ما يقال: ان ترتب الاثر على الاصل شرط اعتباره وجريانه، مع ان ترتب الاثر عليه متاخر رتبة عنه لا سابق عليه. وقد ذكرنا - هذا المعنى في مبحث التعبدي والتواصلي فراجع (2) -. وعليه، فإذا لم تكن القدرة دخيلة في التأثير كي تؤخذ في الموضوع ويمتنع تأخرها عن الحكم، بل كانت دخيلة في تصحيح العمل من الحكيم بحيث يخرج عن اللغوية - ولذا كانت شرطا في التكليف الصادر من الحكيم لا غيره - يكتفى منها بالقدرة على الواجب في ظرف الامتثال ليمكن الانبعاث نحوه واتيانه، ولا


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 103 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) راجع 1 / 416 من هذا الكتاب. (*)

[ 167 ]

يضير تأخرها عن أصل الوجوب لعدم أخذها في موضوعه، وليست نسبتها إليه نسبة جزء العلة الى المعلول. والذي يتحصل ان ما ذكر من الوجوه لبيان استحالة الواجب المعلق غير واف في اثبات استحالته، فهو أمر ممكن ثبوتا ولا محذور فيه ظاهر. بل قيل: انه بالاضافة إلى إمكانه ثبوتا واقع إثباتا، فلا يتجه انكاره، وذلك في موارد ثلاثة: الاول: الواجبات التدريجية المقيدة بالزمان كالصوم، فان الوجوب متعلق بالجزء الاخير من الامساك، وهو الامساك في الجزء الاخير من النهار - متعلق به - من أول الفجر. ونظير الصلاة من اول الوقت، فان الوجوب متعلق بآخر جزء منها المقيد بمضي زمان جميع الاجزاء السابقة عليه - متعلق به - من حين دخول الوقت، لان المفروض وحدة الوجوب والواجب في كلا الموردين فيلزم الفصل بين الوجوب والواجب. الثاني: الواجبات التدريجية غير المقيدة بزمان معين كالصلاة أثناء الوقت، فان الوجوب يتعلق بالجزء الاخير منها من حين الابتداء بها. الثالث: الواجبات التي يكون لها مقدمات يتوقف عليها حصولها، إذ الوجوب متعلق بالواجب قبل الاتيان بمقدماته، مع انه لا يمكن الاتيان به قبلها، فيلزم الفصل بين الوجوب والواجب وهو الواجب المعلق الذي يدعي امتناعه. وهذه الامور كما تذكر لبيان تحقق الواجب المعلق خارجا، تذكر في مقام النقض على من يلتزم باستحالة الواجب المعلق ببيان: ان وقوع مثل ذلك خارجا ينافي دعوى استحالة الواجب المعلق. وقد تصدى المحقق النائيني إلى التفصي عن هذه النقوض، وبيان عدم المنافاة بين دعوى استحالة الواجب المعلق وتحقق مثل هذه الموارد، بعد ان أوردها نقضا على دعوى استحالة الشرط المتأخر ايضا. ببيان: ان وجوب

[ 168 ]

الامساك في اول الفجر مشروط ببقاء شرائط التكليف إلى آخر الوقت، فإذا انتفى أحدها في الاثناء يكشف عن عدم تحقق الوجوب من اول الوقت. وعليه، فالتكليف بالامساك من اول الوقت مشروط ببقاء شرائط التكليف إلى الغروب. فتحقق الشرائط في آخر الوقت متاخر زمانا عن تحقق التكليف مع انه شرطه، وهكذا الحال في الصلاة أول الوقت، لان وجوبها أول الوقت مشروط ببقاء شروطها إلى مقدار أربع ركعات بعد اول الوقت، وهو شرط متاخر. هذا بالنسبة إلى النقض بالمورد الاول. واما ما أفاده في مقام التفصي عن كلا النقضين فتوضيحه: اما النقض بالمورد الاول على دعوى إمتناع الشرط المتأخر، فحله: انه بعد ان عرفت استحالة الشرط المتأخر عقلا، فلابد من الالتزام بان الشرط في مثل المورد الذي دل الدليل فيه على أخذ المتأخر شرطا ليس هو نفس الامر المتأخر، بل العنوان المنتزع عن وجوده في ظرفه كعنوان التعقب، إذ قد عرفت ان الالتزام بذلك في بعض الموارد لا محيص عنه، فان فيه جمعا بين الحكم العقلي باستحالة الشرط المتأخر وظاهر الدليل الذي أخذ فيه المتأخر شرطا، فيكون الشرط في الحقيقة في المورد هو بالنسبة إلى كل جزء من اجزاء العمل التدريجي هو الحياة المقارنة المسبوقة والملحوقة بمثلها، فان عنوان السبق واللحوق أمر مقارن للجزء. واما النقض به على دعوى امتناع الواجب المعلق فحله: ان الواجب وشرطه إذا كانا تدريجيين كانت فعلية الوجوب تدريجية ايضا، وذلك لان فعلية الحكم بفعلية موضوعه، فبعدان كان الشرط تدريجي الحصول كانت فعلية الحكم تدريجية ايضا بتدريجية الشرط، وعليه فلا يكون التكليف المتعلق بالجزء الاخير فعليا من اول الوقت، بل يصير فعليا عند حصول الشرط في ظرفه، ولا

[ 169 ]

منافاة بين تدريجية الحكم ووحدته، كسائر الامور التدريجية التي تتصف بالوحدة (1). ثم انه قد يتساءل عن شئ وهو: ان المحقق النائيني (رحمه الله) ذهب إلى استحالة الواجب المعلق من جهة رجوعه في الحقيقة إلى الشرط المتأخر الذي بنى على امتناعه. وعليه، فكان من السهل عليه ان يدفع النقض المذكور على كلتا دعوييه - أعني دعواه امتناع الشرط المتأخر، ودعواه امتناع الواجب المعلق - بوجه واحد وهو: الالتزام بكون الشرط وما علق عليه الوجوب هو العنوان المنتزع، فتنحل كلتا جهتي النقض. فما هو الوجه في العدول في مقام حل النقض على دعوى امتناع الواجب المعلق عن الوجه الذي ذكره في حل النقض عن دعوى امتناع الشرط المتأخر وهو الالتزام بكون الشرط هو عنوان التعقب المنتزع ؟ !. والجواب عن هذا السوال: بان الشرط المأخوذ في موضوع التكليف بالجزء الاخير، بل غيره من الاجزاء، هو القدرة عليه، ومن الواضح ان العقل إنما يحكم بشرطيتها نفسها بملاك تقوم التكليف بها، لانه تحريك لقدرة العبد على الفعل، دون العنوان المنتزع عن وجودها في ظرفها، فوجوب الامساك في آخر النهار مقيد بنفس القدرة عليه لا بالقدرة على غيره من الاجزاء اللاحقة للقدرة عليه. فان العقل يحكم بان متعلق الحكم لابد وان يكون مقدورا، فنفس القدرة مما يحكم بشرطيتها العقل. فلا محيص في حل النقض إلا بما عرفت من دعوى عدم فعلية الحكم قبل فعلية القدرة على الجزء. نعم القدرة على الاجزاء السابقة أو اللاحقة ليس مما يحكم العقل


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 145 - الطبعة الاولى. (*)

[ 170 ]

بشرطيتها، لتعلق التكليف بالجزء المسبوق والملحوق، بل هي من الشرائط الشرعية - بمقتضى وحدة الواجب وارتباطيته -، فيمكن أن يفرض كون الشرط هو العنوان المنتزع كما عرفت، فيتخلص به عن محذور إمتناع الشرط المتأخر. وهكذا الحال في شرطية الحياة للتكليف بالجزء، فان الحياة في وقت العمل شرط للتكليف لتقوم التكليف بها لانه توجه الخطاب إلى الحي، فلا يكفي فيها العنوان المنتزع عن وجودها في الزمان اللاحق، بل نفس الحياة في ظرف الجزء الاخير شرط تعلق التكليف. واما ما ذكره في مقام التخلص عن النقض بالمورد الثاني فهو: ان العمل إذا لم يكن مقيدا بقيد غير مقدور كالزمان يكون مقدورا ولو بالواسطة، وعليه فالجزء الاخير وان كان متاخرا في وجوده، الا انه لما كان مقدورا عليه فعلا بالقدرة على الاتيان بالاجزاء السابقة صح تعلق التكليف به فعلا لانه مقدور عليه بالواسطة، فمحذور الواجب المعلق وهو تعلق التكليف بما هو مقيد بغير المقدور كالزمان المستلزم لاخذ القدرة بنحو الشرط المتأخر غير متحقق ههنا، لان التكليف متعلق بالمقدور فعلا. ومن هنا يظهر التفصي عن النقض بالواجبات ذوات المقدمة، فانها مقدورة فعلا بالقدرة على مقدماتها، فلا مانع من تعلق التكليف فعلا بها، إذ الشرط وهو القدرة متحقق فعلا. كما أنه لم يقيد الواجب بقيد لابد وان يكون ماخوذا بنحو فرض الوجود كالزمان - كما هو المفروض - فكلا المحذورين في الواجب المعلق منتفيان في كلا الموردين. وقد تفصى المحقق الاصفهاني (قدس سره) عن النقض بالواجبات التدريجية مطلقا - المقيدة بالزمان وغيرها - بعين ما تفصى به المحقق النائيني عن النقض بالواجبات التدريجية المقيدة بالزمان من: الالتزام بتدريجية فعلية الحكم بتدريجية حصول الشرط من دون منافاة ذلك لوحدة الحكم والشرط، كما هو

[ 171 ]

الحال في سائر الامور التدريجية المتصفة بالوحدة. ولكنه تفصى عن النقض بالواجبات ذوات المقدمة بوجه آخر وهو: الالتزام بان التكليف بذي المقدمة قبل الاتيان بالمقدمة لا يكون فعليا وان تعلق به الشوق، لوجود المانع عن فعليته ومحركيته. واما التكليف بالمقدمة فهو فعلي لتزشح الشوق عليها من الشوق المتعلق بذيها، والمفروض انه لا مانع من محركية الشوق المتعلق بها فيتعلق بها الطلب الفعلى. وبالجملة: يلتزم المحقق الاصفهاني بفعلية البعث نحو المقدمة دون البعث نحو ذيها، وانما التلازم بينهما في تعلق الشوق، فان تعلقه بذي المقدمة ملازم لتعلقه بها (1). والذي يتحصل: ان هذه الموارد الثلاثة لا تصلح نقضا على من يلتزم باستحالة الواجب المعلق، لامكان حله بوجه معقول ثبوتا، فيلتزم به اثباتا، جمعا بين الحكم العقلي باستحالة الواجب المعلق ودلالة الدليل الشرعي على هذه الموارد. ثم ان صاحب الكفاية بعد ان انهى الكلام عن امكان الواجب المعلق، تعرض إلى تحديد الوجوب المقدمي والمقدار الواجب من المقدمات - بيانا لثمرة الواجب المعلق -، وهذا كما لا يخفى يبتني على مقدمتين: الاولى: بيان نحو الوجوب النفسي الذي يكون قابلا لان يترشح منه الوجوب الغيري فعلا. الثانية: بيان المقدمة القابلة لترشح الوجوب. فقوله (قدس سره): " ثم لاوجه لتخصيص المعلق... " لتحقيق المقدمة الاولى، وتوضيح ما أفاده: ان الملاك في الواجب المعلق حيث كان فعلية الوجوب


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 187 - الطبعة الاولى. (*)

[ 172 ]

وحاليته مع استقبالية الواجب الذي يقصد منه ثبوت وجوب المقدمات فعلا، لم يتجه تخصيص الواجب المعلق بما علق على أمر غير مقدور، كما جاء في الفصول، بل ينبغي تعميمه الى كلما علق على أمر متأخر، سواء كان مقدورا أو غير مقدور، وسواء كان المقدور المتأخر مما يقبل لترشح الوجوب عليه في ظرف الواجب اولا يقبل لاشتراك الجميع في كون الوجوب فعليا والواجب استقباليا. وبذلك يختلف المعلق عن المشروط، لعدم فعلية الوجوب في المشروط قبل وجود الشرط إلا في صورة واحدة، وهي أن يكون الشرط ماخوذا بنحو الشرط المتأخر وفرض حصوله في ظرفه، فيعلم بتحقق الوجوب فعلا فيترشح منه الوجوب الغيري (1). وبذلك يكون الوجوب القابل لان يترشح منه الوجوب الغيري فعلا انواع ثلاثة: الاول: الوجوب المنجز. الثاني: الوجوب المعلق بالنحو الذي عممه صاحب الكفاية. الثالث: الوجوب المشروط بالشرط المتأخر مع فرض حصول الشرط. ولا يخفى أن ما ذكره استدراكا على تخصيص صاحب الفصول الواجب المعلق بما علق على أمر غير مقدور بتعميمه إلى كل ما يؤخذ قيدا للواجب في ظرف متاخر ولو كان مقدورا. لاوجه له. وذلك لان الامر المقدور الذي علق عليه الواجب اما أن يعلق عليه الواجب بلا قيد تأخره، بل مطلقا ولو كان فعلا، فهذا لا يرجع الى الواجب المعلق بل يكون واجبا منجزا. واما ان يقيد الامر بالزمان المتأخر ويؤخذ قيدا للواجب بهذا القيد - كما هو ظاهر العبارة -، فيخرج عن كونه مقدورا لتقيده بما


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 103 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 173 ]

هو غير مقدور وهو الزمان، فيندرج في ما أفاده صاحب الفصول من ان الواجب المعلق ما علق على أمر غير مقدور إلا أن يكون الايراد على صاحب الفصول لفظيا بان يقال له: بانه ينبغي تعميم الواجب المعلق لما علق على أمر غير مقدور بنفسه أو بالواسطة، والا فكل ما يعلق عليه الواجب بقيد التاخر يكون غير مقدور لتقيده بما هو مقدور. فتدبر. واما ما أفاده في الواجب المشروط من أنه إذا علق على شرط متاخر وفرض حصوله في ظرفه كان الوجوب فعليا قبل حصول الشرط. فقد يدعى عدم خلوه من المسامحة، وذلك ببيان: ان صاحب الكفاية إلتزم بان حقيقة شرط الحكم ليس الا الوجود العلمي للامر الخارجي من دون دخل لنفس الخارج في ثبوت الحكم، لاستحالة ذلك بعد أن كان الحكم فعلا اراديا للحاكم. وعليه، فالحكم يدور مدار تصور المولى واحرازه وجود الشرط خارجا، سواء طابق احرازه الواقع أو لم يطابق. فلا وجه حينئذ لتوقيف فعلية الوجوب المشروط على حصول الشرط المتأخر في ظرفه، بل فعليته تدور مدار لحاظ المولى للشرط سواء تحقق خارجا أو لم يتحقق، نعم في مثل شرائط المأمور به يتجه هذا الامر، باعتبار أنه جعل الامر الخارجي طرفا للاضافة والتقيد، فلابد من فرض وجوده خارجا كي يعلم بتحقق الاضافة والتقيد. وبالجملة: لما كان شرط الحكم حقيقة هو الوجود العلمي، وهذا لا يتوقف على تحقق مطابقة خارجا، لم يكن وجه لما افاده صاحب الكفاية في المقام. والانصاف ان هذا لا يرد على صاحب الكفاية. كما لا يرد عليه ان الالتزام بالواجب المشروط مطلقا ينافي ما قرره من ان شرط الحكم هو الاحراز لانفس المحرز، إذ بعد تبعية الحكم للصور الذهنية فلا معنى لتعليقه على تحقق شئ خارجا، بل الاحكام اما موجودة من الازل لتحقق لحاظ الشرط ازلا أو غير موجودة

[ 174 ]

من الازل لعدم تحققه من الازل. كما أشار إليه الشيخ (1) في تقريب رجوع الشرط إلى المادة لا الهيئة، إذ امر الارادة دائر بين الوجود والعدم لتبعيته للصور الذهنية واللحاظات. وجه عدم ورود الايراد الاول: أن الحكم المترتب على موضوع معين لابد وان يحرز في موضوعه المعين وجود ملاكه والمصلحة الداعية إليه. وعليه، فإذا كان الحكم شخصيا مرتبا على فرد معين من الافراد كان جعل الحكم منوطا باحراز المولى وجود الملاك في هذا الفرد الموضوع، فإذا احرز المولى ان زيدا محصل لما هو ملاك الحكم أمر بالشئ الكذائي، ولا يضير في ذلك عدم مطابقة احرازه لما هو الواقع، إذ الحكم يناط بالاحراز والعلم بوجود شرط الملاك، سواء طابق الواقع الخارجي أو لم يطابق. واما إذا كان الحكم كليا مرتبا على طبيعة بلا لحاظ خصوصية افرادها، كان جعل الحكم منوطا باحراز المولي وجود الملاك في الموضوع الكلي لا غير، فعليه أن يحرز أن هذا الكلي مما يترتب عليه الملاك وليس عليه أن يحرز تحقق الملاك في افراده، إذ الحكم ليس على كل فرد بعنوانه الخاص، بل على كل فرد بعنوانه الكلي. ولا فرق بين الحكم الشخصي والكلي في لزوم إحراز الملاك في موضوعه، وانما الفرق ان الحكم الشخصي يستدعي احراز تحققه في الفرد - لانه موضوع الحكم -، والحكم الكلي لا يستدعي احراز تحققه في الفرد، بل في الكلي فقط. فعلى هذا فإذا أحرز المولى ان وجود شئ بعد حين دخيل في ثبوت الملاك فعلا في الشئ وكان هناك جماعة افراد أحرز المولى تحقق الشرط فيهم وجه إليهم الخطاب شخصيا، فيقول مثلا: " يجب عليكم كذا ". واما إذا لم يحرز وجود الملاك فيهم أجمع، بل احرزه في بعضهم ولم يحرزه في بعض آخر واحرز عدمه في


(1) الكلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 52 - الطبعة الاولى. (*)

[ 175 ]

بعض ثالث، فلا يمكن توجيه الخطاب إليهم شخصيا بانشاء واحد، بل لا يسعه إلا ان ينشئ الحكم على الموضوع الكلي، وقد عرفت أنه لا يستدعي سوى إحراز كون العنوان محصلا للغرض وملاك الحكم بلا نظر الى الافراد، فإذا أحرز ان الاستطاعة بوجودها المتأخر محصلة للملاك، ولم يحرز تحقق الاستطاعة في بعض الاشخاص، أنشا الحكم على الموضوع الكلي فيقول: " يجب الحج فعلا على المستطيع بعد حين "، وبعد هذا يكون أمر تطبيق الموضوع على المكلفين بيدهم لا بيد المولى، فان وظيفته ليس إلا جعل الحكم على موضوعه، فمن علم انه يتحقق منه هذا الشرط فقد أحرز انه فرد الموضوع الكلي، فيحرز ثبوت الحكم له، وبدونه لا يحرز كونه فردا للموضوع كي يحرز ثبوت الحكم له. فلا يقال: انه بعد أخذ الاحراز شرطا لا معنى لتقييد ثبوت الحكم بوجود الشرط في ظرفه. فان هذا إنما يتم في الاحكام الشخصية دون الكلية، لانها لا تناط باحراز تحقق الشرط خارجا، إذ لانظر للمولى إلى عالم الخارج، بل تناط باحراز دخالة الشرط في الملاك، فالخطاء انما يتصور في هذا الفرض في دخالة الشرط في الملاك لا في اصل وجود الشرط. ولا ينافي هذا الالتزام بكون الاحكام منشاءة بنحو القضية الخارجية لا الحقيقية، إذ المنفي هو أخذ الشرط بنحو فرض الوجود وترتيب وجود الحكم على وجوده اما جعل الحكم فعلا على الموضوع الكلي، وكون أمر تطبيقه بيد المكلف لا بيد المولى، فلا مانع من الالتزام به، وهو لا ينافي القضية الخارجية كما في قول القائل: " كل من في الدار عالم "، ولكنه إذا سئل عن: " أن زيدا كان في الدار اولا " يجيب لا أدري. مع ان حكمه بنحو القضية الخارجية. وبالجملة: كون الاحكام الشرعية بنحو الحكم الكلي لا الشخصي، فلا يكون أمر تطبيق الموضوع بيد المولى بل بيد العبد، مما يلتزم به صاحب الكفاية

[ 176 ]

وان رجع إلى القضية الحقيقية، فانها بهذا المعنى لا ينكرها صاحب الكفاية، بل المنكر هو أخذ الشئ مفروض الوجود. ويشهد لما ذكرنا نفس التزامه بالواجب المشروط، فانه لا يتلاءم الا مع ما ذكرناه. ومن هنا يتضح الجواب عن الايراد الثاني، فان مقدمات الارادة وان كانت تامة، الا انه قد يمنع مانع من جعل الحكم، فإذا أحرز المولى تمامية المصلحة بعدم المانع ينشئ الحكم معلقا على عدم المانع بنحو كلي ويكون التطبيق بيد المكلفين. وقد أشار صاحب الكفاية فيما تقدم الى هذا الجواب، وانه قد تتحقق الارادة بتحقق مقدماتها، لكن يمنع مانع من جعل الحكم فيعلقه على زوال المانع، ولا يخفى انه إنما يتم بالتوجيه الذي عرفته من الحكم على الموضوع الكلي المفروض فيه زوال المانع والا فمجرد مانعية المانع لا تكفي في رفع الاشكال، إذ للمستشكل ان يدعي بانه كما كان احراز الشرط دخيلا بنفسه دون نفس وجود الشرط، فكذلك احراز عدم المانع دون نفس عدم المانع، لانه من الخارجيات التي يمتنع تأثيرها في الارادة، فإذا احرز المولى عدم المانع في المستقبل انشأ الحكم فعلا بلا وجه لتعليقه على زواله. فالجواب الصحيح ما عرفت من أن ما هو مرتبط بالمولى احراز تمامية المصلحة بعدم المانع، لا احراز تحققه وعدم تحققه، والملاك في إنشاء الحكم هو الاول دون الثاني. فتدبر جيدا. هذا كله بالنسبة الى المقدمة الاولى. واما المقدمة الثانية: فقد تعرض إليها بقوله: " قد انقدح من مطاوى... "، وتوضيح ما أفاده: ان المقدمات بجميعها قابلة لترشح الوجوب عليها إلا انواع ثلاثة: الاول: مقدمة الوجوب، والوجه في عدم قابليتها لترشح الوجوب عليها

[ 177 ]

ما عرفت من توقف حصول الوجوب على حصولها، فلو ترشح الوجوب عليها والحال هذه لزم طلب الحاصل وهو محال. الثاني: المقدمة الوجودية المأخوذة عنوانا للمكلف كالمسافر والحاضر، فان السفر وان كان مقدمة وجودية لصلاة القصر، لكنه يمتنع ترشح التكليف عليه، لان تعلق التكليف بالفعل لا يتحقق إلا عند تحققه، لانه أخذ في موضوع الحكم فلابد من وجوده في وجود الحكم، ومع ذلك يمتنع ترشح الوجوب عليه لاستلزامه طلب الحاصل ايضا. الثالث: المقدمة الوجودية المأخوذة في الواجب بقيد حصولها اتفاقا، بمعنى ان يكون الواجب هو الفعل المقيد بهذا القيد الحاصل بنحو الاتفاق عن إختياره أو غير إختيار، لا بالبعث والتحريك نحوه. فان ترشح التكليف عليه قبل حصوله خلف فرض أخذه قيدا إذا حصل بنحو الاتفاق. وبعد حصوله يكون طلبا للحاصل. فغير هذه الانواع الثلاثة من المقدمات الوجودية لا مانع من تعلق الوجوب به إذا كان فعليا. * * *

[ 179 ]

المقدمة المفوتة وبعد هذا كله يقع الكلام في ثمرة الواجب المعلق، فقد أدعي: ان ثمرته تصحيح وجوب المقدمات المفوتة قبل زمان الواجب (1). ولاجل ذلك ننقل الكلام إلى اصل المقدمات المفوتة وما دار من البحث حولها، ولو كان اجنبيا عن مبحث الواجب المعلق، ولكنه يذكر في ذيله لمناسبة له معه ستعرفه من طيات الحديث فيها. فنقول: أنه وقع التسالم على وجوب بعض المقدمات قبل تحقق وقت ذيها إذا لم يتمكن على الاتيان بها بعد حلول وقت ذيها، وهي موارد: منها: التسالم على وجوب حفظ الماء قبل الوقت لمن يعلم أنه لا يجده بعد الوقت، بل قد أفتى البعض بلزوم تحصيل الماء قبل الوقت لو علم انه لا يتمكن منه بعد الوقت. منها: التسالم على لزوم الغسل للصوم قبل الفجر. فان وقت الواجب متاخر عن وقت وجوب المقدمة.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 104 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 180 ]

ومنها: الحكم بوجوب حفظ الاستطاعة في أشهر الحج، مع أنها مقدمة وجوبية، بل أفتى البعض بلزوم حفظها مطلقا ولو قبل اشهر الحج، فلا يجوز صرف المال مثلا في غير الحج، وهكذا الحكم بلزوم تحصيل المقدمات الوجودية قبل وقت الحج، كالسير مع الرفقة ونحوه. ومنها: الحكم بلزوم التعلم على الصبي قبل بلوغه إذا علم بفوت الواجب بعد البلوغ لو تركه. وجهة الاستشكال في هذه الموارد ونظائرها هي: ان الوجوب المقدمي حيث انه وجوب تبعي مترشح عن الوجوب النفسي، فإذا فرض تأخر فعلية الوجوب النفسي لتاخر زمان الواجب، فباي ملاك تجب المقدمات قبل ذلك مع عدم فعلية الوجوب ؟. خصوصا في مثل المقدمات الوجوبية كالاستطاعة. وبتقريب آخر نقول: ان هذه المقدمات لابد وان لا تكون واجبة أبدا، لانه في حال تمكن منها قبل زمان ذيها لا تجب لعدم فعلية الوجوب النفسي، وبعد زمان ذيها لا يتمكن عليها، فيسقط الوجوب النفسي لعدم القدرة على الواجب. فباي وجه تصحح الفتوى ويوجه التسالم على وجوب المقدمات في الموارد المذكورة ؟. وقد أطلق على هذا النحو من المقدمات ب‍: " المقدمات المفوتة " بلحاظ فوات الواجب بتركها. وقد تصدى صاحب الكفاية (قدس سره) إلى تصحيح الفتوى بالوجوب قبل الوقت بوجوه ثلاثة: الوجه الاول: الالتزام بالواجب المعلق في هذه الموارد، فيكون الوجوب فعليا قبل وقت الواجب، ويكون الواجب استقباليا. وعليه، فيصح الحكم بوجوب المقدمة المفوتة قبل الوقت لفعلية الوجوب النفسي الذي هو المناط في الترشح ووجوب المقدمة وان تأخر زمان الواجب.

[ 181 ]

الوجه الثاني: الالتزام بالواجب المشروط بالشرط المتأخر، فيلتزم بان الوقت أو غير الوقت من الشروط شرط للوجوب ولكن بنحو الشرط المتأخر، فإذا علم بحصوله في ظرفه يعلم بفعلية الحكم فعلا قبل حصول الشرط، فلا مانع من ترشح الوجوب على المقدمات لفعلية الوجوب النفسي قبل حصول الشرط ووقت الواجب، فلا يلزم على كلا الوجهين وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها، بل اللازم ليس إلا الاتيان بالمقدمة قبل الاتيان بذيها وهو ليس بمحذور. كيف ؟ وذلك شان غالب المقدمات فانه يؤتى بها قبل ذيها. وبالالتزام بالوجه الثاني انكر ثمرة الواجب المعلق، لان الثمرة منه ليس الا امكان التفصي عن الاشكال المزبور والتخلص عن محذور وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها، وقد عرفت انه ينحل الاشكال بالالتزام بالواجب المشروط بنحو الشرط المتأخر، وينتفي المحذور به فلا ملزم للالتزام بالواجب المعلق كما هو نظر صاحب الفصول، فلو التزم باستحالة الواجب المعلق لم يترتب عليه الحيرة في التخلص عن محذور وجوب المقدمات المفوتة قبل زمان ذيها. ثم انه وان كان الالتزام بكل من الواجب المعلق والواجب المشروط بالشرط المتأخر ممكنا ثبوتا، الا انه يحتاج إلى دليل في مقام الاثبات، بل قد يكون ظاهر الدليل هو تعليق فعلية الوجوب على حصول الشرط الذي ينافي كلا من الواجب المعلق والمشروط بالشرط المتأخر، نظير قوله عليه السلام: " إذا زالت الشمس فقد وجبت الصلاة والطهور " (1). وقد تنبه صاحب الكفاية الى هذه الجهة، وتصدى لحلها بما محصله: انه إذا تم الدليل على وجوب المقدمة قبل زمان ذيها نستكشف من ذلك بطريق الان


(1) عن أبي جعفر عليه السلام: إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة. وسائل الشيعة 1 / 261 باب 4 من ابواب الوضوء، حديث 1. (*)

[ 182 ]

سبق وجوب ذي المقدمة وكون المتأخر زمان اتيانه لا وجوبه، لعدم طريق للتخلص الا بذلك، لان وجوب المقدمة يستحيل ان يكون قبل وجوب ذيها. الوجه الثالث: وهو الالتزام بوجوب هذه المقدمات بالوجوب النفسي التهيئي، وذلك بعد العلم بعدم سبق وجوب ذي المقدمة اما لعدم تصوره ثبوتا أو لعدم مساعدة الدليل عليه اثباتا، فانه لا محيص عن الالتزام بذلك إذ الوجوب الغيري محال لعدم وجوب ذي المقدمة. فيلتزم بالوجوب النفسي غاية الامر انه ليس لغرض في نفس المقدمة، بل لتحصيل غرض الواجب والتهيوء للاتيان به في ظرفه (1). هذا ما افاده صاحب الكفاية في التخلص عن اشكال وجوب المقدمات المفوتة قبل زمان ذيها. وقد استشكل المحقق الاصفهاني في الوجه الثاني الذي أدعى صاحب الكفاية أنه طريق للتخلص عن الاشكال غير طريق الالتزام بالواجب المعلق، وانه ظهر به عدم انحصار التفصي عن العويصة بالتعلق بالتعليق. وجهة الاشكال أنه لا فائدة في الالتزام بالشرط المتأخر ما لم يلتزم بتأخر زمان الواجب. ببيان: ان الغرض تصحيح وجوب المقدمة قبل زمان ذيها، فلا بد من فرض تأخر زمان الواجب وتقيده بوقت معين متاخر، فالالتزام بالشرط المتأخر الملازم لفعلية الوجوب المصحح لوجوب المقدمة فعلا إنما يتعقل بناء على الالتزام بالواجب المعلق، فحالية الوجوب وفعليته لتحقق شرطه في ظرفه لا تكفي ما لم يلتزم بالواجب المعلق، لكون المفروض تأخر زمان الواجب عن زمان وجوبه. وبالجملة: الفرض ان الواجب مقيد بزمان معين، فالالتزام بفعلية


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 105 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 183 ]

الوجوب قبله لتصحيح وجوب مقدماته إلتزام بالواجب المعلق ايضا، لانه التزم بانفكاك زمان الوجوب عن الواجب، فلا محيص عن الالتزام به وان إلتزم باشتراط الوجوب بالشرط المتأخر وحصول الشرط في ظرفه (1). وعلى اي حال فالتفصي بالوجهين الاولين، أعني الالتزام بالجواب المعلق وبالجواب المشروط المتأخر، يبتي على القول بامكانها ثبوتا، واما مع القول باستحالتهما فلا يتجه التفصي بهما عن الاشكال. ومن هنا استشكل المحقق النائيني (قدس سره) في التفصي بهما لما عرفت من إلتزامه باستحالة كل من الواجب المعلق والشرط المتأخر، كما اضاف إلى وجه الاستشكال: ان الالتزام بهما لا ينفع في اثبات ايجاب التعلم قبل البلوغ وقبل الاستطاعة، لعدم تحقق التكليف بذي المقدمة قبلهما جزما، مع انه لو التزم بتحقق الوجوب قبلهما فلازمه ايجاب سائر المقدمات لا خصوص التعلم، مع انه لا يقول احد بلزوم المسير الى الحج على من يعلم بتحقق الاستطاعة فيما بعد. فما هو الفرق بينه وبين سائر المقدمات الوجودية ؟ (2). ولاجل ذلك سلك طريقا آخر للتفصي عن الاشكال. وقد اشار اولا الى وجه آخر للتفصي وهو: الالتزام بمتمم الجعل. وبيانه: ان مصلحة الواجب إذا كانت تامة فعلا قبل فعلية الوجوب، بحيث كان عدم التكليف به فعلا لعدم القدرة عليه لا لعدم تمامية ملاكه، تعلق التكليف بمقدماته التي لا يتمكن منها بعد حصول زمانه، ويعبر عنه بمتمم الجعل. وضابطه: ان يكون غرض المولى يتحقق بفعل بنحو خاص لا يمكنه الامر به كذلك، كالفعل بقصد الامر، فيتصدى لانشاء حكمين يتوصل بهما إلى


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 191 - الطبعة الاولى. (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 148 - الطبعة الاولى. (*)

[ 184 ]

تحصيل غرضه. فما نحن فيه كذلك، لان التكليف مثلا بالصوم قبل الفجر ممتنع، والمفروض انه بترك الغسل تفوت مصلحة الصوم لعدم القدرة عليه بدونه، فيتعلق تكليف مستقل بالغسل فعلا يكون متمما للجعل وتكليف الصوم نفسه (1). ولكنه لم يبن عليه في المقام، لعدم اطراده في سائر الموارد، إذ الالتزم بتمامية المصلحة قبل البلوغ أو قبل الاستطاعة مما لا يمكن، فلا وجه حينئذ للامر بالتعلم، وعلى تقدير الالتزام بذلك فلازمه عدم التفريق بين التعليم وغيره من المقدمات الوجودية وهو مما لا يلتزم به أحد. واما ما سلكه من الطريق للتفصي، فهو يتضح ببيان جهات ثلاث: الاولى: انه قد تقرر ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا وينافيه خطابا وان خالف في ذلك بعض، فذهب الى عدم منافاته عقابا وخطابا - كما ينسب الى ابي هاشم (2) - وذهب بعض الى منافاته خطابا وعقابا. ولكن الحق ما عرفته من منافاته خطابا وعدم منافاته عقابا. وذلك اما منافاته خطابا: فلان التكليف انما هو بلحاظ جعل الداعي للمكلف نحو الفعل - اما بان نلتزم ان حقيقته ذلك، أو ان ذلك لازمه الاخص وان حقيقته هو نفس الارادة التشريعية، أو جعل الفعل في العهدة، فان إبراز الارادة أو جعل الفعل في العهدة إنما هو بلحاظ ترتب الداعوية عليه -، وفي مورد الامتناع يمتنع حصول الداعي نحو الفعل وتحقق التحرك والانبعاث إليه، وهذا لا ينافي كونه اختياريا باختيارية سببه، فان قوام صحة التكليف ليس اختيارية الفعل فقط، بل امكان الانبعاث وحصول الداعي نحوه. نعم من يلتزم بان حقيقة التكليف ليس الا جعل الفعل في عهدة المكلف


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 149 - الطبعة الاولى. (2) شرح مختصر الاصول / 96. (*)

[ 185 ]

بلا شرط تحقق الداعوية نحوه - كما قد يظهر من بعض عبارات السيد لخوئي - (1) له ان يلتزم ههنا بان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار خطابا، لان التكليف يكون كسائر الاحكام الوضعية التي لا يعتبر فيها امكان الانبعاث، بل تتعلق بذمة المكلف وان لم يكن قادرا اصلا. واما عدم منافاته عقابا: فلان الفعل وان خرج عن القدرة، لكنه حيث كان ذلك بالاختيار كان امتناعه اختياريا، فيستحق العقاب على تركه، لان ملاك العقاب اختيارية العمل، ولاجل ذلك يتحقق العقاب على قتل شخص نفسه لو رمى جسمه من السطح، فان الاصطدام بالارض المحقق للموت لا يكون اختياريا بعد الرمي، ولذا يمتنع التكليف بتركه في تلك الحال، ولكنه حيث ان كان منشؤه الاختيار لم يمتنع عقابه إذ يعد ذلك قتلا للنفس اختياريا وان كان حين حصوله غير اختياري. الثانية: ان العقل يحكم بلزوم تحصيل غرض المولى الملزم إذا لم يتمكن من ايجاد الامر على طبقة لعدم التفاته أو لغير ذلك، كما لو رأى العبد ابن سيده في الحوض بحيث لو تركه يغرق، ولم يكن سيده حاضرا، فانه يجب عليه انقاذه تحصيلا لغرض مولاه الملزم، لانه يعلم لو كان سيده حاضرا لا وجب عليه إنقاذ ابنه. نعم لو كان المولى متمكنا من الامر ولم يامر لم يجب على العبد تحصيل غرضه في هذه الحال، لان عدم امره مع تمكنه يكشف عن عدم ارادته تحصيل هذا الغرض ولو كان ملزما في نفسه. الثالثة: ان القدرة على العمل تارة: لا تكون دخيلة في الملاك، بل تكون شرطا عقليا لتصحيح التكليف، والا فالملاك بدونها حاصل واخرى: تكون دخيلة


(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الاصول 2 / 108 - الطبعة الاولى. (*)

[ 186 ]

في الملاك، فتكون شرطا شرعيا، وهي في هذه الفرض تارة: تكون دخيلة في الملاك مطلقا في أي ظرف تحققت. واخرى: تكون دخيلة فيه على تقدير خاص وظرف معين لا مطلقا. والثانية: تارة: تكون دخيلة فيه بعد حصول شرط الوجوب، ولو قبل تحقق زمان الواجب. واخرى: تكون دخيلة فيه بعد تحقق زمان الواجب، فالقدرة الحاصلة قبل ذلك غير محصلة للملاك اصلا. فالاحتمالات أربعة. اما الاول والثاني: فيلزم على تقديرهما وجوب تحصيل المقدمات في اول أزمنة الامكان. واما الثالث: فيفرق فيه بين المقدمات المفوتة قبل حصول شرط الوجوب والمقدمات المفوتة بعد حصوله، فلا يحرم تفويتها على الاول دون الثاني. واما الرابع: فلا يجب الاتيان بالمقدمات المفوتة قبل وقت الواجب. هذا محصل ما افاده (قدس سره) وقد اطال فيه الكلام (1). والتحقيق ان يقال: ان قاعدة: " الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار " تذكر لدفع توهم: عدم اختيارية الافعال، لان كل فعل ارادي حين تعلق الارادة به يكون واجبا، وحين عدم تعلقها به يكون ممتنعا، وذلك لان الارادة لما كانت هي الجزء الاخير للعلة التامة، فعند تحققها يكون تحقق المعلول قهريا بحكم استحالة تخلف المعلول عن العلة - ومن هنا قيل: ما لم يجب لم يوجد -، وعند عدم تحققها يكون انتفاء المعلول ضروريا، لان المعلول لا يوجد بدون علته، فالفعل الارادي يدور أمره بين الضرورة والامتناع فلا يكون اختياريا، لانه اما ان تتعلق به الارادة فيكون ضروريا، أو لا تتعلق به الارادة فيكون ممتنعا، لان المعلول ضروري الوجود عند وجود علته كما انه عدم عند عدم علته. انه يقال في رده: ان الوجوب الناشئ عن الارادة الذي يعبر عنه واجب بالغير لا بالذات، لا يتنافى مع اختيارية الفعل، كما ان الامتناع الناشئ


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 150 - الطبعة الاولى. (*)

[ 187 ]

عن عدم الارادة الذي يقال عنه انه ممتنع بالغير، لا يتنافى مع كون عدم الفعل كوجوده اختياريا، فان الضرورة والامتناع الذين يتنافيان مع اختيارية الفعل هما الضرورة والامتناع السابقان على مرتبة الارادة لا اللاحقان لها الناشئان منها. فالفعل وان كان ضروريا بالارادة لكنه اختياري، لاجل ان ضروريته بالارداة. فالقاعدة المذكورة اساس بيانها والتنبيه عليها هو دفع هذا الوهم، وقد طبقت على موارد: المورد الاول: ما اشرنا إليه من كون الامتناع - في الفعل الارادي - ناشئا من عدم الارادة، فانه قيل عنه: ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. واما تحقيق صحة تعلق الخطاب بالفعل الممتنع لعدم الارادة وعدم صحته فليس محله ههنا، وان كان الحق عدم صحته، فلا يصح ان يتعلق الخطاب بعثا أو زجرا بالفعل على تقدير عدم تعلق الارادة به، لان الفعل على هذا التقدير ممتنع الحصول، والمفروض ان التكليف انما هو لايجاد الداعي والمورد غير قابل لذلك. المورد الثاني: المسببات التوليدية بعد حصول السبب، فانها بعد حصول السبب وقبل تحققها لا تكون ارادية، بل تكون ضرورية الحصول، كما هو المقصود من المسبب التوليدي، نظير القتل الحاصل بعد رمي السهم أو بعد إلقاء الشخص بدنه من شاهق. فقد يتوهم: انه يمتنع تحقق العقاب عليها، لانها في ظرف تحققها ليست اختيارية. لكنه يندفع بالقاعدة المذكورة، فان الامتناع في المسببات التوليدية إنما نشأ عن الارادة والاختيار لتعلقها بالسبب، وهذا يصحح ترتب آثار الفعل الاختياري على المسبب من صحة المؤاخذة عليه ونحوها، لان ارادة السبب ارادة للمسبب بنظر بنظر العقلاء، فالفعل اختياري بنظرهم. نعم يمتنع تعلق التكليف به في الحال المفروضة، إذ التكليف لا يتقوم

[ 188 ]

بصدق اختيارية الفعل كصحة العقاب عليه، بل يتوقف على امكان التحريك والدعوة، وهو غير متحقق لعدم القدرة على الفعل ولا على الترك بعد حصول السبب، فلا يكون المورد موردا لا يجاد الداعي والبعث لعدم قابليته لذلك. المورد الثالث: ان يكون الفعل في نفسه من الافعال الارادية التي تتعلق بها الارادة بنفسها مباشرة - لا كالمسببات التوليدية -، فيفعل المكلف فعلا يستلزم سلب إرادية ذلك الفعل، فيكون ضروريا بلا ان تتعلق به الارادة. نظير حركة المرتعش، فانه من الموارد التي تطبق عليها القاعدة المزبورة، فيدعي فيه بصحة العقاب على الفعل غير الارادي، لانه وان كان فعلا غير اختياري إلا ان عدم الاختيار لما كان ناشئا عن الاختيار كان ذلك مصححا لترتب آثار الفعل الاختياري عليه - من صحة المؤاخذة عليه - بنظر العقلاء. نعم يمتنع والحال هذه تعلق التكليف به، لانه ليس بمقدور، فلا يتحقق الداعي المقصود ايجاده بالتكليف. فالامتناع بالاختيار في هذه الموارد لا ينافي الاختيار عقابا وان كان ينافيه خطابا. لكنه ينبغي أن يقال: انه ان كان الفعل المسلوب عنه الارادة مبغوضا للمولى بجميع افراده وأحواله كان تطبيق القاعدة على المورد في محله، لانه فعل باختياره ما ينتهي إلى فعل مبغوض للمولى وان كان غير مقدور عليه في ظرفه، لكن عدم القدرة بعد ان كانت ناشئة عن الاختيار لا تنافي الاختيار. واما إذا كان الفعل المسلوب عنه الارادة مبغوضا للمولى في بعض افراده وهو الفرد الارادي، بمعنى ما تتعلق به الارادة مباشرة وما يقع عن إختيار في ظرفه فلا وجه للحكم بصحة العقاب على الفعل المزبور بمقتضى القاعدة، لانه فعل غير مبغوض للمولى، إذ هو ليس بارادي فعلا. فالوجه التفصيل بين الصورتين، وتشخيص كل منهما يتبع ما يستظهر من لسان دليل الحكم والحرمة والمبغوضية. ولا يخفى ان الذي يتناسب مع ما نحن فيه هو هذا المورد دون مورد

[ 189 ]

المسببات التوليدية، إذ الواجب ذو المقدمة المفوتة من الافعال الارادية في نفسه، وليست نسبة المقدمة المفوتة إليه نسبة السبب التوليدي إلى مسببه. وقد عرفت ان الحكم بصحة العقاب مطلقا في هذا المورد غير وجيه. لكن المورد يختلف عما نحن فيه ايضا من جهتين: الاولى: ان المورد الذي نحن فيه يختص بالواجبات العبادية كالحج والصلاة والصوم مما يعتبر فيها الارادة والقصد إليها، فلا كلام فيها من هذه الجهة كما هو الحال في المورد الثالث. الثانية: ان الاشكال فيما نحن فيه ليس من جهة مخالفة التكليف الفعلي المتعلق بالعمل، كي يقال إنه هل أخذ الفعل الارادي في متعلق الحكم أو مطلق الفعل، بنحو ينسب إلى اختيار الفاعل ولو بالواسطة ؟، فان الفرض ان الواجب مقيد بزمان متاخر فلا يتمكن منه فعلا، لعدم اختيارية قيده. وانما الكلام في سلب القدرة عليه في ظرفه بترك بعض مقدماته، فليس فيما نحن فيه تكليف بالفعل يتكلم بان مخالفته تتحقق بالنسبة إليه مع انسلاب الارادة عنه بذلك، أو لا تتحقق إلا باعمال الارادة فيه بخصوصه، كما هو الحال في مورد الثالث. وعليه، فاساس الاشكال والبحث فيما نحن فيه هو التساول عن الملزم للاتيان بالمقدمات المفوتة، لانه قبل حصول زمان الواجب لا وجوب يترشح عليها، وبعد حصول زمانه لا تكليف بالواجب لعدم القدرة عليه بتركها، فحالها من هذه الجهة حال المقدمات الوجوبية من عدم تعلق الالزام بها. وقد ذكر للجواب عنه - غير ما جاء في الكفاية (1) - وجهان: الاول: ما افاده المحقق النائيني (قدس سره) من ان الملاك في ظرفه إذا كان تاما لا قصور فيه يحكم العقل بحرمة تفويته ولزوم المحافظة عليه في زمانه،


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 104 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 190 ]

وعليه فهو يحكم بلزوم المقدمة المفوتة، لان بالاتيان بها محافظة على الغرض وبفواتها تفويت للغرض، وبالملازمة بين حكم العقل والشرع يتعلق وجوب شرعي بالمقدمة ويعبر عنه بمتمم الجعل. واستشهد على هذا المعنى بموارد الارادة التكوينية، فان الشخص إذا علم بانه سبيتلي في سفره بالعطش، وانه لا يجد الماء في الطريق، يرى نفسه ملزما بحكم العقلاء بتهيئة الماء واستصحابه معه قبل الابتلاء به محافظة على تحصيل الغرض الملزم في ظرفه وهو رفع العطش، ويعد مذموما عند العقلاء لو ترك أخذ الماء معه. والارادة التشريعية كالارادة التكوينية في سائر الجهات كما حقق في محله. وبالجملة: وجوب المقدمة شرعا انما هو كحكم العقل بلزوم المحافظة على غرض المولى الملزم وقبح تفويته بترك مقدماته (1). الثاني: ما افاده السيد الخوئي (حفظه الله) من ان لزوم المقدمة المفوتة من باب وجوب المقدمة العلمية. بيان ذلك: ان العقل كما يحكم بصحة العقاب على مخالفة التكليف الذي سيتحقق في المستقبل ولو بترك بعض ما يستلزم تركه مخالفته في ظرفه، كذلك يحكم بصحة العقاب على تفويت غرض المولى الملزم للزوم تحصيله. فإذا علم المكلف ان للمولى غرضا ملزما يتحقق بالفعل في الزمان المستقبل، حكم العقل بلزوم المحافظة عليه وصحة العقاب على تفويته في ظرفه، فإذا توقف تحققه على الاتيان بفعل في هذا الزمان لزم ذلك بحكم العقل لانه مقدمة علمية (2). وهذان الوجهان وان كانا تامين في أنفسهما، إلا ان ربطهما بقاعدة:


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 151 - الطبعة الاولى. (2) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 361 - الطبعة الاولى. (*)

[ 191 ]

" الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار " لاوجه له محصل. اما ما افاده المحقق النائيني: فقد عرفت ان العقل والشرع يحكمان بلزوم المقدمة بملاك حرمة تفويت الغرض ولزوم المحافظة عليه. ومن الواضح ان تفويت الغرض وعدم المحافظة عليه يحصلان بمجرد ترك المقدمة المفوتة، فتحقق المخالفة للتكليف بترك المقدمة نفسها، فيكون العقاب عليه وهو فعل اختياري كما لا يخفى. وعليه فتطبيق قاعدة: " الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار " ناشئ عن المسامحة، إذ العقاب على ترك المقدمة وتفويت الغرض به لا على ترك الواجب، كي يقال انه ممتنع بالاختيار وهو لا ينافي الاختيار. وقد عرفت ان ترك المقدمة أمر اختياري لتعلق الارادة به مباشرة، فالعقاب عليه عقاب على ما هو بالاختيار. واما ما افاده السيد الخوئي: فهو وان ارتبط بالقاعدة المذكورة بنحو ارتباط، لان لزوم المقدمة كان بحكم العقل بصحة العقاب على تفويت الغرض الملزم في ظرفه، وترك الواجب الذي يترتب عليه الغرض وان كان استقباليا. فلقائل ان يقول: ان الواجب في ظرفه ممتنع، فلا يصح العقاب عليه. فيجاب: بالقاعدة المزبورة، وان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فالوجه مرتبط بالقاعدة بنحو ارتباط. إلا أن التنصيص عليها في خصوص المورد وجعلها من متممات الحكم بلزوم المقدمة غير وجيه، لان المفروض ان الحكم بلزوم المقدمة كان من باب حكم العقل بلزوم المقدمة العلمية فهو تام في نفسه، والاشكال بان الواجب في ظرفه ممتنع اشكال عام يسري في كثير من الموارد، ويدفع بما تكرر من أن اختيارية الامتناع لا تنافي الامتناع، وليس هو ايرادا خاصا بالمورد حتى يفرض كون القاعدة من متممات وجه الحكم بلزوم المقدمة. والا كان اللازم التنصيص عليه فيما إذا التزم بالواجب المعلق في دفع الاشكال، لانه يقال أيضا: انه لا يصحح العقاب على ترك الواجب في ظرفه لانه ممتنع بترك المقدمة،

[ 192 ]

فلابد من بيان هذه القاعدة. وبالجملة: الحكم باللزوم لابد وان يفرض مفروغا عنه لوجه من الوجوه المذكورة التامة في نفسها، ويكون ذكر القاعدة لدفع توهم يقال، لا ان تكون القاعدة قواما لوجه الحكم باللزوم ومتمما له فتدبر ولاحظ. ثم انه بعد ان تبين أن اساس الحكم بلزوم المقدمة المفوتة، هو حرمة تفويت الغرض الملزم فقد يتوهم: ان هذا انما يتم فيما لم تكن القدرة دخيلة في تحقق الملاك، بل كان الفعل بنفسه واجدا للملاك ولو لم يكن مقدورا نظير ترتب الغرض على الدواء عند تحقق المرض ولو لم يكن مقدورا، إذ لو كانت القدرة دخيلة في تحقق الملاك لم يكن تحصيل القدرة لازما، إذ قبل القدرة ليس هناك غرض ملزم يلزم المحافظة عليه ويحرم تفويته. ولا يلزم تحقيق هذا الامر، أعني واجدية الفعل للملاك. الا انه يندفع: بما مر من تصوير دخالة القدرة في الملاك بانحاء ثلاثة الذي ورد في كلام المحقق النائيني: النحو الاول: ان تكون القدرة دخيلة في الملاك بوجودها المطلق، بمعنى ان الملاك يتحقق بتحققها في أي ظرف كان. ومن الواضح ان المقدمة تجب في اول أزمنة امكانها، لحصول القدرة على الواجب بواسطتها، فيكون الفعل واجدا للملاك في ظرفه، فيحرم تفويته بترك المقدمة. فالقدرة وان كانت دخيلة في تحقق الملاك، لكن دخالتها بنحو لا يمنع من وجوب المقدمة المفوتة. النحو الثاني: ان تكون القدرة الدخيلة في الملاك هي القدرة على الواجب بعد حصول بعض مقدمات الوجوب التي يتوقف عليها الملاك، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج. والحكم في هذا الفرض هو لزوم المقدمة الوجودية المفوتة بعد حصول شرط الوجوب، لكون الفعل في ذلك الحين واجدا للملاك فيحرم تفويته، وعدم

[ 193 ]

لزومها قبل حصول شرط الوجوب، لعدم تمامية ملاك الواجب فلا يحرم تفويته، إذ ليس فيه تفويت للغرض الملزم. النحو الثالث: ان تكون القدرة الدخيلة هي القدرة على الواجب بعد دخول وقته، ولا اشكال في عدم لزوم المقدمة المفوتة، إذ الفعل وان كان مقدورا عليه في زمانه قبل زمانه، لكنه غير واجد للملاك. فلا يحرم ترك المقدمة، إذ ليس فيه تفويت للغرض الملزم. وقد عرفت عدم لزوم جعل الفعل واجدا للملاك في ظرفه، وانما اللازم هو المحافظة على الملاك الفعلي الملزم. فيتحصل: ان أخذ القدرة في الملاك لا يلازم عدم وجوب المقدمة االمفوتة بقول مطلق، بل هو ملازم له في الجملة. والتحقيق: ما عرفته، وقد افاده المحقق النائيني (قدس سره). ثم انه قد يشكل: بانه إذا فرض وجوب الملزم للاتيان بالمقدمات المفوتة، لم يختلف الحال في مطلق المقدمات، بل مقتضي ذلك وجوبها، إذ ملاك الالزام هو المقدمية وحصول التفويت بتركها، وهو أمر مطرد في جميع المقدمات المفوتة، مع انه لا يلتزم بذلك في مطلق المقدمات، ولذا يفتى بجواز اجناب الشخص نفسه قبل الوقت مع علمه بعدم تمكنه من الغسل في الوقت. والجواب عن الاشكال: ما أفاده صاحب الكفاية: من انه يمكن اختلاف المقدمات في نحو دخالتها في الملاك فتارة: تكون القدرة على المقدمة دخيلة في الملاك بقول مطلق، فيلزم تحصيل المقدمة قبل زمان ذيها. وأخرى: لا يكون الامر كذلك، بل يكون الدخيل في الملاك هي القدرة على المقدمة في زمان ذيها، بحيث لا يكون للقدرة عليها قبل زمان ذيها أي تأثير في الملاك. فلا يلزم تحصيلها قبل زمان ذيها، لعدم الملزم حينئذ (1) حتى على فرض كون وجوب المقدمة وجوبا


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 105 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 194 ]

شرعيا مترشحا من وجوب ذيها، وذلك بالالتزام بالواجب المعلق أو نحوه كما عليه صاحب الكفاية، وذلك لان القدرة على الواجب من قبل المقدمة في زمانه إذا كانت دخيلة في الملاك كانت شرطا للوجوب، فلا يلزم تحصيلها قطعا، إذ المقدمة الوجوبية لا تجب بالوجوب المقدمي فالتفت. هذا تمام الكلام في المقدمات المفوتة غير التعلم. ولا بأس بالتعرض إلى أمرين أفادهما المحقق النائيني (قدس سره): الامر الاول: ان اشتراط القدرة على الواجب في زمانه ودخالتها بخصوصها في الملاك دون مطلق القدرة، انما يصح في التكليف العام إذا كان العجز عن المقدمة في زمانه اتفاقيا وفي بعض الاحيان. كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، فان الغالب هو تمكن المكلفين من الوضوء بعد الوقت، وتحقق العجز عنه في أثناء الوقت اتفاقي لا غالبي. واما إذا كان العجز من المقدمة في زمانه وتوقفه على تحققها قبل زمانه غالبيا أو دائميا. نظير المسير بالنسبة إلى الحج، فان القدرة على الحج في زمانه تتوقف على المسير إليه قبل زمانه غالبا، وعدم توقفه على ذلك وامكان المسير إليه بعد زمانه إتفاقي ونادر جدا، فلو كان الامر كذلك، ودل دليل بظاهره على كون الدخيل في الملاك هو القدرة على الواجب في زمانه، فاللازم حمل الدليل على خلاف ظاهره، اما بجعل الدخيل في الملاك هو القدرة المطلقة، أو القدرة عليه بعد حصول شرط الوجوب، وذلك لان التزام بظاهره يستلزم تخصيص التكليف العام بالفرد النادر، وهذا قبيح ومستهجن، إذ قد عرفت ان المكلف القادر على الاتيان بالحج بعد زمانه بدون المسير إليه قبله نادر جدا. نعم إذا جاء دليل يدل على اشتراط القدرة بعد زمان الواجب، وكان نصا في مدلوله، كان المتعين الالتزام به ولو استلزم اختصاص التكليف بالفرد النادر (1)


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 153 - الطبعة الاولى. (*)

[ 195 ]

واورد على التفرقة بين النص والظاهر: بان تخصيص التكليف العام بالفرد النادر، اما ان يكون مستهجنا وقبيحا اولا، فان كان قبيحا لم يتجه الالتزام بالدليل المستلزم لذلك ولو كان نصا بل المتعين طرحه. وان لم يكن قبيحا لم يتجه التصرف بظاهر الدليل المستلزم لذلك، إذ لا مانع من ابقائه على ظاهره. فالتفرقة بين النص والظاهر لم يظهر لها وجه (1). والتحقيق: ان للتفصيل وجها وجيها وهو: ان تقدم ظهور المخصص على ظهور العام انما هو باعتبار اقوائية ظهوره من ظهور العام، ففي المورد الذي يكون فيه استبعاد للتخصيص أو إستهجان وقبح يضعف ظهور المخصص ولا يكون مع ذلك مفيدا للظن النوعي الذي هو الملاك في حجية الظهور عند العقلاء، فلا يصلح ظهوره للتصرف في العام حجيته. اما إذا كان المخصص قطعيا لا يحتمل الخلاف، فيكون قرينة - بعد فرض عدم امكان الالتزام بالعموم لانتهائه الى التخصيص بالاكثر المستهجن - على وجود قرينة لفظية أو نحوها على تعلق الحكم من أول الامر بالعنوان الخاص النادر وهو غير مستهجن. وبالجملة: الفرق هو ان المخصص القطعي يكون دليلا على كون بيان الحكم من اول الامر على العنوان الخاص، وليس كذلك الحال في المخصص الظني، فانه ترتفع حجيته لضعف ظهوره وعدم صلاحيته لمزاحمة ظهور العام بواسطته للاستبعاد والاستهجان. وهذا المعنى ثابت متقرر وينص عليه في مسالة تخصيص الاكثر، فانه يلتزم بعدم الالتزام بالمخصص الظني المستلزم لخروج أكثر الافراد. بخلاف ما إذا كان المخصص قطعيا كالاجماع، فانه يكون محكما ولو استلزم خروج أكثر الافراد، لكن يلتزم رفعا للاستهجان بكون ذلك قرينة على كون بيان الحكم من


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 153 [ هامش رقم (1) ] - الطبعة الاولى. (*)

[ 196 ]

اول الامر على الموضوع الخاص النادر، وهو مما لا استهجان فيه. الامر الثاني: ان القيود المأخوذة في واجب واحد قد تختلف، فيكون الشرط في بعضها القدرة عليه في زمان الواجب فلا يجب فعله قبل الوقت، وان ترتب على تركه فوات الواجب في ظرفه، ويكون في بعضها الآخر هو مطلق القدرة عليه ولو قبل زمان الواجب، فيلزم الاتيان به وتحقيقه قبل الوقت إذا علم بتفويت الواجب في ظرفه بتركه. وتعين أحد النحوين يتبع فيه دلالة الدليل الخاص. وقد مثل للاول: بالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، فان ظاهر الآية الشريفة: " فإذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا.. " الآية (1). هو تعليق وجوب الوضوء على القيام الى الصلاة، ومن الواضح ان المراد بالقيام دخول الوقت بنحو الاستعمال الكنائي، لانفس القيام، إذ لا يقيد وجوب الوضوء بحال القيام الى الصلاة. وعليه، فتكون مصلحة الوضوء اللزومية مقيدة بدخول الوقت. وعليه فيكون الشرط هو القدرة عليه بعد الوقت. ومثل للثاني: بالماء الذي هو مقدمة إعدادية، فانه يستكشف من الرواية الصحيحة الدالة على لزوم ابقائه قبل الوقت، ان الشرط هو القدرة المطلقة ولو قبل الوقت (2). ولا يخفى انه قد اورد على المحقق النائيني (قدس سره) في المثال للثاني بالماء واستشهاده بوجود النص الصحيح - أورد عليه -: بانه لا رواية صحيحة تتضمن هذا المعنى، وقد نقل عنه ان أقر أخيرا بذلك واعترف (3). واما تمثيله للاول بالوضوء واستشهاده بالآية، ففيه ما لا يخفي: لانه لو


(1) سورة المائدة، الآية: 5. (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 153 - 154 - الطبعة الاولى. (3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 154 [ هامش رقم (1) ] - الطبعة الاولى. (*)

[ 197 ]

سلم كون القيام كناية عن دخول الوقت، فغاية ما تدل عليه دخالة الوقت في تحقق الملاك الملزم للوضوء، وان وجوبه مقيد بدخول الوقت كالواجب، واما دخالة القدرة عليه بالنحو الخاص في تحقق الملاك فهو مما لا تتكفل الآية بيانه، إذ لا تعرض لها الى اصل دخالة القدرة وعدم دخالتها أو كيفية دخالتها في الملاك، بل الآية ليست باصرح من قوله (عليه السلام): " إذا زالت الشمس فقد وجبت الصلاة والطهور " (1) في تقييد الوجوب بالزوال. وبالجملة: الكلام في دخالة القدرة ونحوها، والآية إنما تتكلف دخالة الوقت في المصلحة، وهو لا يدل على كون الدخيل هو القدرة بعد الوقت، بل يمكن ان تكون القدرة المطلقة دخيلة في تحقق الملاك وان كان الوجوب بعد الوقت، لان الوقت دخيل إيضا في الملاك. فالتفت. واما التعلم ومعرفة الاحكام: فقد إدعى المحقق النائيني: عدم اندراجها في المقدمات المفوتة، لعدم انسلاب القدرة على الاتيان بالواجب بترك التعلم، بل الواجب يكون مقدورا، ولذا يصح تعلق التكليف به في حال الجهل كتعلقه به في حال العلم. وعلى هذا فلا يكون الوجه في ايجاب التعلم هو قاعدة: " عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار " لعدم تحقق موضوعها، إذ لا يمتنع الفعل بترك التعلم. وعليه، ففي فرض ترك التعلم.. تارة: يكون المكلف متمكنا من الاحتياط واحراز الاتيان بالواجب في ظرفه، فلا اشكال في عدم وجوب التعلم حينئذ، لعدم الوجه فيه بعد امكان الاتيان بالواجب واحراز الامتثال.


(1) عن أبي جعفر (عليه السلام): إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة. وسائل الشيعة 1 / 261 باب 4 من أبواب الوضوء: حديث: 1. (*)

[ 198 ]

واخرى: لا يكون المكلف متمكنا من الاحتياط في ظرف الامتثال واحراز الامتثال، بل غاية ما هنالك هو احتماله موافقة ما جاء به لما هو المأمور به واقعا ومصادفته للواقع، كما في بعض موارد حصول السهو والشك، وعدم العلم بحكمه، فانه قد لا يتمكن من الاحتياط فياتي بالعمل بنحو يحتمل موافقته للواقع كما يحتمل مخالفته للواقع. ففي مثل هذه الحال يجب التعلم بحكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل، وذلك لان التكليف وان كان مجهولا إلا أنه لا يكون مجرى لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، كي يطمئن العبد بعدم العقاب، وذلك لان العقل انما يحكم بمعذورية الجاهل وقبح عقابه فيما لم يكن هناك بيان اصلا، أو كان ولكن لم يتمكن المكلف من العثور عليه وتحصيله بعد التصدي لذلك، اما مع وجود البيان وعدم الفحص عنه واهمال التصدي لمعرفة ما بينه المولى وانه هل يتكفل حكما الزاميا اولا ؟ فلا يستقل العقل بقبح العقاب مع مخالفته الواقع جهلا. وعليه، فإذا استحق العبد - فيما نحن فيه - العقاب على المخالفة، فمع احتمالها يحتمل العقاب، فلابد من دفعه لحكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل، ودفعه انما يكون بالتعلم. فلزوم التعلم ملاكه حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل، لا قاعدة: " الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار " أو لزوم تحصيل غرض المولى. وبهذا البيان يتضح انفراد التعلم عن المقدمات المفوتة انما يثبت في المورد الذي يعلم بثبوت التكليف المتوقف على المقدمة في ظرفه علما وجدانيا أو تعبديا أو عاديا، إذ بدون ذلك لا يعلم بوجود الملزم كي يجب تحصيله. وليس الامر كذلك في وجوب التعلم، فانه يثبت مع احتمال التكليف احتمالا عقلائيا، وان لم يتحقق العلم، إذ باحتمال التكليف يحتمل العقاب بمخالفته، فيحكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل. الثانية: ان استحقاق العقاب على المقدمات المفوتة يثبت من حين تركها،

[ 199 ]

لان فوات الواجب يكون بتركها. واما العقاب في صورة ترك التعلم فهو منوط بالاتيان بالواجب فان خالف الواقع ثبت استحقاق العقاب في ذلك الحين، لان العقاب على ترك الواجب وهو لا يفوت بمجرد ترك التعلم. هذا محصل ما افاده المحقق النائيني (قدس سره) في المقام (1). وهو - مع غض النظر عما افاده اخيرا من ثبوت استحقاق العقاب بترك المقدمات المفوتة من حين تركها، فانه لا يخلو من بحث ليس المقام محله فقد ناقشة المحقق الاصفهاني (2) - وجيه وتام. فان التعلم ليس من المقدمات المفوتة، وملاك وجوبه يختلف عن ملاك وجوبها بالتقريب الذي بيناه. إلا أن السيد الخوئي (حفظه الله) ناقش في هذا الكلام على اطلاقه، وذكر: ان ترك التعلم في بعض موارده يلازم سلب القدرة على الواجب في ظرفه، فيندرج بذلك في المقدمات المفوتة ويترتب عليه حكمها من لزومه بملاك لزوم تحصيل غرض المولى وقاعدة: " الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار "، لو لم تؤخذ القدرة في ظرف الواجب دخيلة في الملاك. وذلك لان ترك االتعلم قد يستلزم الغفلة وعدم الالتفات الى وجوب بعض الاجزاء أو الشرائط المعتبرة في الواجب، فالاتيان بها مع الغفلة عنها خارج عن حيز القدرة، فيستلزم ترك التعلم عدم التمكن من الواجب وعدم توجه الخطاب به إلى المكلف. كما أنه قد يستلزم عدم تمكنه منه، لتوقف القدرة عليه على تعلمه، كترك تعلم القراءة أو الذكر لمن لا يعرف النطق بالعربية أصلا، فانه بترك التعلم تنسلب القدرة على الواجب.


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 154 - 157 - الطبعة الاولى. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 198 - الطبعة الاولى. (*)

[ 200 ]

وبالجملة: دعوى خروج التعلم عن المقدمات المفوتة ممنوعة على اطلاقها. نعم هي مسلمة في الجملة، كما في موارد امكان الاحتياط أو احتمال ادراك الواقع (1). ولكن يمكن الدفاع عن المحقق النائيني: بان كلا من الموردين - اللذين ذكرهما السيد الخوئي - لا يصلح شاهدا على اندراج التعلم - في بعض موارده - في المقدمة المفوتة. اما مورد ترك تعلم مثل القراءة ونحوها من متعلقات الاحكام لا نفس الاحكام، فتحقيق المناقشة فيه موكول إلى محله، وانما نشير إلى جهة المناقشة فقط فنقول: ان تعلم القراءة ونحوها يكون دخيلا في ايجاد القدرة لا المحافظة على القدرة الموجودة، وملاك وجوب المقدمات المفوتة موضوعه المحافظة على القدرة، واما الحاق ايجاد القدرة بالمحافظة عليها فتحقيقه موكول إلى محله كما عرفت. واما مورد استلزام ترك التعلم لحصول الغفلة عن الحكم الملازم لامتناع امتثاله، فمناقشته تظهر ببيان شئ: وهو انه قد استشكل في رفع المؤاخذة في حال النسيان الوارد في حديث الرفع، بان الحكم مرتفع في حال النسيان جزما لاستحالة تكليف الناسي عقلا لغفلته، فارتفاع الحكم ليس امرا مربوطا بيد الشارع كي يكون رفعه امتنانا على العباد. وقد أجيب عنه: بان الغرض رفع المؤاخذة على ترك المقدمات الموجبة لعدم النسيان، وذلك لان الحكم وان ارتفع بالنسيان، إلا ان النسيان قد ينشاء من أمر إختياري للعبد، وهو ترك التحفظ، فيمكن تصور ثبوت المؤاخذة على ترك التحفظ المؤدي للنسيان لا على مخالفة الحكم المنسئ. فحديث الرفع


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 367 - الطبعة الاولى. (*)

[ 201 ]

يتكفل رفع هذه المؤاخذة منة وتفضلا على العباد. فترك التحفظ المؤدي للغفلة لا يوجب العقاب وان إنتهى الى ترك الواجب الواقعي (1). إذا عرفت هذا نقول: إن ترك التعلم المؤدي إلى الغفلة وان اوجب امتناع الواجب بالاختيار، إلا أنه قام الدليل على عدم تحقق المؤاخذة عليه، وهو حديث الرفع، فلا يكون التعلم واجبا في هذا الفرض لرفع المؤاخذة على تركه الكاشف عن عدم لزوم تحصيله شرعا. وان شئت قلت: إن حديث الرفع يكشف عن دخل القدرة على الواجب من جهة التعلم في ظرف الواجب، فالقدرة عليه من جهة التعلم قبل زمانه غير دخيلة في ملاك الواجب، فلا يجب تحصيلها أو المحافظة عليها أصلا. فالتعلم وان كان من المقدمات المفوتة في بعض موارده، لكنه لا يشترك معها حكما لقيام الدليل الخاص على عدم لزوم تحصيله. وبذلك يظهر: ان ما افاده المحقق النائيني من خروج التعلم - الذي يكون واجبا - عن المقدمات المفوتة، لان تركه لا يستلزم امتناع الواجب، وانما يستلزم امتناع إحراز الواجب، متين. فلاحظ وتدبر. هذا تمام الكلام في المقدمات المفوتة. يبقى الكلام في أمر تعرض له صاحب الكفاية بعنوان: " تتمة "، وهو انه أو دار الامر في القيد الوارد في الخطاب بين رجوعه إلى الهيئة، فيكون قيدا للوجوب. ورجوعه إلى المادة فيكون قيدا للواجب. فهل هناك قاعدة مطردة تعين رجوعه إلى خصوص أحدهما المعين اولا توجد قاعدة مطردة، فلابد من ملاحظة كل مورد بخصوصه والحكم بما تقتضيه القرائن والمناسبات لو كانت ؟.


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 197 - الطبعة الاولى. (*)

[ 202 ]

ذهب الشيخ الى تعيين رجوعه الى المادة (1). وخالفه صاحب الكفاية بذهابه الى عدم الوجه في رجوعه إلى أحدهما، بل المرجع القرائن الخاصة لو كانت والا فالاصول العملية (2). وقبل الشروع في تحقيق المطلب لابد من ذكر امرين: الامر الاول: في ثمرة البحث، وهي واضحة، وذلك لان القيد إذا كان راجعا إلى الهيئة لم يجب تحصيله لانه شرط للوجوب، بخلاف ما إذا كان راجعا إلى المادة فانه يكون من القيود الوجودية للواجب فيجب تحصيله، بل للبحث ثمرة ولو كان القيد مما لا يجب تحصيله لو رجع الى الواجب، كما لو اخذ قيدا إذا حصل من باب الصدفة والاتفاق، وهي: وجوب المقدمات الوجودية للواجب التي يجب تحصيلها قبل حصول القيد لفعلية الوجوب قبله، بخلاف ما لو كان راجعا إلى الهيئة، فان الوجوب لا يكون فعليا قبل حصوله فلا يجب الاتيان بسائر المقدمات الوجودية، ومن هنا صح ما جاء في الكفاية من قوله: " وان يكون راجعا إلى المادة على نهج يجب تحصيله أو لا يجب " فلا حظ. الامر الثاني: انه قد تقدم من الشيخ انكار امكان رجوع القيد إلى الهيئة، وبيان امتناع الواجب المشروط، ومع ذلك لا يتجه له تحرير النزاع والحكم برجوع القيد الى المادة من جهة الترجيح اللفظي. مع انه على مذهبه متعين عقلا. ويندفع هذا الايراد بوجهين: الاول: انه يمكن ان يكون تحرير الشيخ للكلام في هذا الموضوع مبني على التنزل عن مذهبه مجاراة للخصم، وهذا امر مألوف في طريقة المحققين مثل


(1) الكلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 49 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 105 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 203 ]

الشيخ (رحمه الله). الثاني: ما أدعي من ان الشيخ لم ينكر الواجب المشروط ببعض المعاني في قبال رجوع القيد الى صرف المادة، كرجوعه إلى المادة المنتسبة كما نسبه إليه المحقق النائيني (1). أو كون الوجوب المشروط عبارة عن سنخ ارادة غير الارادة المطلقة وهي الارادة على تقدير، كما ادعاه المحقق العراقي، فانها كما ذكر سنخ ارادة تختلف بها عن الارادة المطلقة حتى بعد حصول التقدير والقيد (2). فللكلام على هذه المباني مجال، إذ يتكلم في رجوع القيد الى المادة المنتسبة أو الارادة فتكون الارادة الثابتة سنخ ارادة خاصة، أو إلى ذات المادة. وعلى كل حال فقد إدعى الشيخ رجحان تقييد المادة على تقييد الهيئة، وان اللازم في مثل الفرض الالتزام برجوع القيد إلى المادة دون الهيئة، وقد ذكر لذلك وجهين: الوجه الاول: ان اطلاق الهيئة يكون شموليا، كما في شمول العام لافراده، فان وجوب الاكرام على تقدير الاطلاق يشمل جميع التقادير التي يمكن ان يكون تقديرا له، واطلاق المادة يكون بدليا غير شامل لفردين في حالة واحدة (3). وقد أوقع الكلام في هذا الوجه في مقامين: المقام الاول: في تحقيق الكبرى الكلية التي فرضها الشيخ، وهي ترجيح الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي، عند دوران الامر بين رفع اليد عن احداهما. فقد انكرها صاحب الكفاية بدعوى: انه لا وجه لترجيح أحدهما على


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 130 - الطبعة الاولى. (2) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 1 / 296 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (3) الكلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 49 - الطبعة الاولى. (*)

[ 204 ]

الآخر بعد ان كان كل منهما ثابتا بمقدمات الحكمة والاطلاق، فان مفاد مقدمات الحكمة يختلف باختلاف الموارد، فكما تقتضي الشمولية في مورد قد تقتضي البدلية في غيره، كما انها قد تقتضي التعيين في بعض الموارد، وإذا كان منشأ ثبوت كل منهما متحدا لم يكن وجه لتقدم أحدهما على الآخر لتساويهما ظهورا، ولعل منشأ الترجيح ما رأي من تقدم عموم العام على إطلاق المطلق وترجيحه عليه، والغفلة عن ان مرد ذلك لا يرجع الى شمولية العام، بل الى كون شموله بالوضع وشمول المطلق بالاطلاق، فيكون العام أظهر منه، لان ظهوره وضعي وظهور المطلق اطلاقي (1). ولكن خالفه المحقق النائيني ووافق الشيخ في لزوم ترجيح المطلق الشمولي على الاطلاق البدلي عند دوران الامر بينهما، فإذا ورد مثلا: " اكرم العالم " ثم ورد: " لا تكرم فاسقا "، فانه يقيد المطلق البدلي بغير العالم ويبقى الاطلاق الشمولي على اطلاقه (2). وقد تعرضنا لبيان وجه ما افاده في الاستدلال على هذه الدعوى، وبيان ما ذكر من المناقشة فيه، كما ذكرنا وجها للدعوى بعنوان توجيه ما أفاده (قدس سره) اثبتنا به صحة الدعوى، وان المتعين موافقته فيما ذهب إليه من ان الاطلاق الشمولي يرجح على الاطلاق البدلي، كل ذلك ذكرناه في مبحث التعادل والترجيح (3). فقد كانت النتيجة: هو أن المعارضة في باب الاطلاق الشمولي والاطلاق


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 106 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 160 - الطبعة الاولى. (3) وقد أعاده سيدنا الاستاذ (دام ظله) بتفصيله اتماما للفائدة، وحيث انه وافق التقرير المحرر سابقا كان إعادة تحريره تطويلا بلا طائل، وانما المهم الاشارة إلى نتيجة الدعوى بعد توجيهها. فراجع ما اوضحناه تعرف. (منه عفي عنه). (*)

[ 205 ]

البدلي، بين الشمول في طرف المطلق الشمولي ونفس الاطلاق في طرف المطلق البدلي. وبما ان الشمولية ليست من مفاد الاطلاق ومقدمات الحكمة، بل مفاد دليل خارجي يختلف باختلاف الموارد، كان الشمول مقدما على الاطلاق، اما لاجل انهدام مقدمات الحكمة فيه، بناء على كون مجراها هو المراد الجدي الملازم لان تكون إحدى مقدماته عدم البيان إلى الابد المنتفية بورود البيان بالشمول. أو لاجل أقوائية ظهور المطلق في الاطلاق، بناء على كون مجراها هو المراد الاستعمالي، فقد تقرر ان كل دليل يصادم الاطلاق ولم يكن من سنخه يكون مقدما عليه بلا كلام لاحد الوجهين المشار إليهما فعلا، وبهذا الوجه الذي اوضحناه بمقدمات ثلاث تعين علينا موافقة المحقق النائيني في اصل الكبرى الكلية، وهي ترجيح الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي فان نسبة دليل الشمول الى مقدمات الحكمة نسبة الوارد الى المورود. المقام الثاني: في انطباق هذه الكبرى على موردنا الذي نحن فيه، وكون المقام من صغرياتها، والذي يظهر من الشيخ وصاحب الكفاية المفروغية عن هذه الجهة وانما الكلام في الكبرى فقط. الا انه استشكل في ذلك: بانه لو سلمت الكبرى الكلية - أعنى ترجيح الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي - فلا تنطبق على ما نحن فيه، وعليه فلا تصلح دليلا على تعيين رجوع القيد الى المادة دون الهيئة. وبيان ذلك: ان القيد الذي يدور أمره بين الرجوع الى المادة أو الهيئة اما ان يكون متصلا أو منفصلا. فان كان متصلا: لم ينعقد للهيئة ظهور في الاطلاق وكذا المادة، لا حتقاف الكلام بما يصلح للقرينية الموجب لا جماله فلا يبقى موضوع للترجيح، إذ ليس هناك اطلاق شمولي واطلاق بدلي كي يرجح احدهما على الاخر.

[ 206 ]

وان كان منفصلا: فلانه وان انعقد لكل من الدليلين ظهور في الاطلاق، الا ان تقديم الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي من جهة أقوائية ظهوره انما يكون فيما إذا كان التنافي بين الاطلاقين بحسب ذاتيهما، بان كان مدلول كل منهما ينافي الآخر في نفسه. واما إذا لم يكن بينهما تناف، بل علم بخطا احدهما من الخارج، لم يكن وجه لتقديم الاقوى ظهورا على غيره. وما نحن فيه كذلك، إذ ليس بين كل من الاطلاقين منافاة ذاتية، الا انه بعد ورود التقييد وتردد أمره بين رجوعه إلى المادة أو الهيئة يعلم اجمالا بعدم موافقة أحدهما للواقع (1). وفيه ما لا يخفى: اما حكمه باجمال الدليلين فيما لو كان القيد متصلا، فوجه الخدشة فيه: انه قد عرفت ان التصادم انما هو بين شمول أحد الاطلاقين والاطلاق الاخر، ومن الواضح ان القيد المتصل إنما يوجب اجمال الاطلاق البدلي، لانه يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة، وبوجودها يصلح للقرينية فلا تتم المقدمات ولكنه لا يوجب اجمال الشمول، لانه ليس بمدلول للدليل اللفظي كي يوجب اجماله وجود القيد المتصل المجمل، بل هو مفاد قرينة عقلية لا ترتبط بعالم اللفظ، فلا يوجب القيد المجمل اجمالها. واما حكمه بعدم الترجيح في صورة انفصال القيد، فلا يظهر وجهه: لان التعارض البدوي بين الدليلين الذي يرتفع بالجمع العرفي بينهما بما عرفت، إنما هو عبارة عن تنافيهما وعدم امكان اجتماعهما معا تحت دليل الحجية، وهذا كما يتحقق بالتنافي الذاتي بين الدليلين كذلك يتحقق بالتنافي العرضي المتحقق بالعلم الخارجي بكذب أحدهما. وكما يجري وجه الجمع الذي عرفته في صورة التنافي وبحسب ذاتهما كذلك يجري في صورة التنافي بالعرض، ولا وجه للتفكيك بين الصورتين.


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 338 - الطبعة الاولى. (*)

[ 207 ]

فالتحقيق ان يقال في وجه عدم انطباق الكبرى الكلية على المورد: ان اساس تقديم الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي على ما عرفت، هو بيان ان لكل من الاطلاقين دالين ومدلولين، اطلاق وشمول واطلاق وبدلية، والدال على الاطلاق غير الدال على الشمول أو البدلية بضميمة ان المعارضة بين شمول احدهما واطلاق الآخر، وهذا المعنى غير متحقق فيما نحن فيه، فان الشمول بالمعنى المصطلح ليس هو مفاد الهيئة، والا لما ثبت ذلك بالاطلاق ومقدمات الحكمة، بل كان في ثبوته محتاجا الى جريان مقدمات عقلية اخرى غير مقدمات الحكمة. ولذلك عبر عنه صاحب الكفاية بقوله: " فان وجوب الاكرام على تقدير الاطلاق يشمل جميع التقادير... " (1)، فانه اشارة الى ان الشمول ليس بمعناه المصطلح، المراد به شمول افراد الطبيعة. الوجه الثاني: ان تقييد اطلاق الهيئة يستلزم تقييد اطلاق المادة والتصرف فيه، إذ يمتنع أخذ المادة بدون قيد الوجوب، وتقييد المادة لا يستلزم تقييد اطلاق الهيئة وهو واضح. ومن الواضح انه إذا دار الامر بين تقييد وتقييدين كان الترجيح للتقييد الواحد، إذ الالتزام بالتقييدين ارتكاب لمخالفة الظاهر باكثر من الالتزام بالتقييد الواحد، لان التقييد على خلاف الاصل. وعليه فيتعين ارجاع القيد الى المادة لانه يستلزم تقييدا واحدا (2). وقد ناقش فيه صاحب الكفاية، والتزم بلزوم الالتزام بالتفصيل بين القيد المتصل والقيد المنفصل. ببيان: انه إذا كان القيد متصلا ورجع الى الهيئة كان ذلك مانعا عن انعقاد الظهور الاطلاقي في المادة، لانتفاء محل الاطلاق فيها بعد امتناع ثبوتها بدون قيد الوجوب، فلا ظهور للمادة في الاطلاق كي يكون


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 106 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 49 - الطبعة الاولى. (*)

[ 208 ]

التصرف فيه مخالفة للظاهر، بل تقييد الهيئة يرفع موضوع الظهور الاطلاقي، لا انه يتصرف في الظهور الثابت، والاول ليس فيه مخالفة للاصل، إذ مخالفة التقييد للاصل باعتبار انه مناف لظهور الاطلاق وموجب لرفع اليد عنه والتقييد ههنا ليس كذلك. واما إذا كان منفصلا، فحيث أنه قد أنعقد ظهور للمادة في الاطلاق، فرجوع القيد الى الهيئة يوجب رفع اليد عن هذا الظهور وهو خلاف الاصل. وبالجملة: الوجه انما يتجه في ما كان القيد منفصلا، اما إذا كان متصلا فلا يدور الامر بين تقييد وتقييدين، بل بين تقييد وتقييد، لان تقييد الهيئة يمنع من انعقاد ظهور المادة في الاطلاق، لا انه يرفع ظهورها المنعقد، كما هو الحال في القيد المنفصل، والمخالف للاصل هو الثاني دون الاول (1). ولكن المحقق النائيني (قدس سره) وافق الشيخ (رحمه الله) وخالف صاحب الكفاية في تفصيله، بدعوى: انه مع دوران الامر في رجوع القيد المتصل الى الهيئة أو المادة، يكون تقييد المادة وعدم تمامية الاطلاق فيها متيقنا، اما لرجوعه إليها واقعا أو لرجوعه الى الهيئة. وعليه، فيكون تقييد الهيئة مشكوكا بدوا فينفي باصالة الاطلاق فيها. وبالجملة: انه مع وجود القدر المتيقن في التقييد يكون الباقي مشكوكا ينفى باصالة الظهور في المطلق. فاصالة الظهور في طرف الهيئة بلا معارض لكون المتيقن تقييد المادة، واما تقييدها فهو مشكوك ينفي بالاصل (2). هذا، ولكن حيث ان اساس هذه المناقشات والدعاوي هو استلزام تقييد الهيئة لتقييد المادة دون العكس التي أخذ في الكلمات مفروغا عنه، لابد لنا من معرفة مقدار صحة ذلك.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 107 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 165 - الطبعة الاولى. (*)

[ 209 ]

فقد أدعي: عدم الملازمة بين تقييد الهيئة وتقييد المادة. وقرب المحقق الاصفهاني ذلك بوجهين (1). ذكر ثانيهما السيد الخوئي كما في تقريرات بحثه.. وهو: أن تقيد الهيئة معناه أخذ القيد مفروض الوجود غير داخل تحت الطلب، سواء كان اختياريا اولا، فيكون تحقق الحكم معلقا على تحققه. واما تقييد المادة فمعناه اخذ المتقيد تحت الطلب الملازم لوجوب تحصيل القيد إذا كان اختياريا. ولا يخفى ان النسبة بين هذين التقييدين عموم من وجه، فهما يجتمعان في مورد، فيكون القيد قيدا للمادة والهيئة، ويفترقان في مورد. اما اجتماعهما ففي مثل الوقت الخاص بالنسبة الى الصلاة، فانه قيد لوجوب الصلاة كما انه قيد لصحة الصلاة. واما مورد افتراق تقييد المادة عن تقييد الهيئة فكتقيد الصلاة بالطهارة، فان وجوبها غير مقيد بها. واما مورد افتراق تقيد الهيئة عن تقيد المادة فكاشتراط وجوب الحج بالاستطاعة، فانه وجوبه لا يتحقق بدون الاستطاعة، مع انه لا يعتبر في صحة الحج تحقق الاستطاعة، فانه لو استطاع شخص ثم ازال الاستطاعة وحج متسكعا كان حجه صحيحا. وإذا تبين ان بين التقييدين عموما من وجه لم يكن وجه لدعوى استلزم تقييد الهيئة لتقيد المادة، لوجود بعض الموارد التي تتقيد فيها الهيئة دون المادة (2). ولا يخفى ما فيه: فان القيد إذا أخذ قيدا للوجوب كان تقيد الواجب به بما انه واجب قهريا، إذ يستحيل تحقق الواجب بدون الوجوب، والمفروض توقف الوجوب على تحقق القيد. وعليه فيمتنع ان يؤخذ مع كونه قيدا للوجوب قيدا للواجب، بحيث يكون التقيد به مطلوبا الملازم لطلب تحصيله - اي نفس


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 193 - الطبعة الاولى. (2) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 343 - الطبعة الاولى. (*)

[ 210 ]

التقيد - لو كان اختياريا، وذلك لانه بعد ان أخذ قيدا للوجوب كان التقيد به قهريا لا ينفك عن الواجب فلا يتجه تعلق الطلب به وأخذه في حيز الطلب. وبالجملة: ما يؤخذ قيدا للوجوب يستحيل ترشح الطلب عليه وعلى التقيد به، وهذا امر واضح لاسترة عليه، وعلى هذا فيمتنع ما ذكره من امكان ان يكون القيد قيدا للوجوب والواجب، وما ذكره من امكان ان يكون القيد قيدا للوجوب بلا ان يتقيد به الواجب، لما عرفت من قهرية التقييد واستحالة انفكاكه عن أخذ القيد قيدا للوجوب، ومعه يمتنع تعلق الطلب به لانه طلب الحاصل. واما ما ذكره من المثال على الاول، من قيدية الوقت الخاص للصلاة ولوجوبها، إذ لا كلام في كون الوقت الخاص شرطا في الصحة، كما انه قيد للوجوب، فيمكن التفصي عنه بعد ان عرفت امتناع مثل هذا عقلا، بان يقال: ان الوقت الخاص قيد للواجب فقط دون الوجوب، وما يكون قيد الوجوب هو ما به ابتداء ذلك الوقت كالزوال والغروب ونحوهما. فحدوث الوجوب المتعلق بصلاة الظهر واستمراره قد أخذ الزوال شرطا له ولم يؤخذ الزوال قيدا للواجب، واما الوقت من بعد الزوال الى الغروب فهو قيد للواجب، بمعنى ان تقيد الصلاة به قد أخذ في حيز الطلب، فالصلاة الواجبة هي الصلاة الماتي بها في الوقت الخاص المعين. وليس في هذا المعنى كبير مخالفة لظواهر الادلة، بل تمكن دعوى انه ظاهر الادلة، لان الظاهر قيدية الزوال ونحوه للوجوب كما هو ظاهر الآية والرواية، اما الآية فقوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) (1)، واما الرواية فقوله عليه السلام: " إذا زالت الشمس فقد وجب الصلاة والطهور " (2).


(1) سورة الاسراء، الآية: 78. (2) عن ابي جعفر (عليه السلام): إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة. وسائل الشيعة 1 / 291 باب: 4 من ابواب الوضوء، حديث: 1. (*)

[ 211 ]

واما ما ذكره شاهدا على الثاني، من عدم قيدية الاستطاعة للحج مع كونها قيدا للوجوب، ففيه مالا يخفى: فان الاستطاعة التي تكون شرطا للوجوب هو مطلق الاستطاعة ولو حصلت في آن واحد لا الاستطاعة المستمرة. وبعبارة اخرى: الاستطاعة حدوثا شرط للوجوب لا الاستطاعة بقاء، ومن الواضح ان تقيد الحج بالاستطاعة الحادثة المرتفعة أمر لا كلام فيه، فالواجب قد تقيد قهرا بما هو شرط للوجوب وهو الاستطاعة الحدوثية، والاستطاعة في حال العمل ليس شرطا للوجوب كي يكون عدم اعتبارها في صحة العمل كاشفا عن امكان انفكاك الواجب عن قيد الوجوب، والا امتنع صحة العمل بدونها لعدم تحقق الوجوب في حال العمل لعدم شرطه. وبالجملة: ما أخذ من الاستطاعة شرطا للوجوب قد تقيد به الواجب قهرا، وغيره لم يؤخذ شرطا للوجوب، فتقيد الواجب به وعدمه بحتاج الى دليل خاص، وعدم تقيده لا يكون دليلا وشاهدا على ما أدعاه. فلا حظ. واما الوجه الاول فهو: ان للمادة جهتين: إحداهما: جهة المطلوبية، والاخرى: جهة الوفاء بالملاك والمصلحة مع غض النظر عن تعلق الطلب بها، ورجوع القيد الى الهيئة وان اوجب تقيد المادة من الجهة الاولى، إذ يمتنع تحقق مطلوبية المادة بدون تحقق قيد الطلب لعدم الطلب بدونه. ولكنه لا نظر له الى الجهة الثانية، فان الوفاء بالملاك لا يلازم الطلب. وعليه، فاطلاق المادة من جهة الوفاء بالمصلحة وتحقق الملاك بها بدون القيد لا ينثلم بتقييد الهيئة، إذ النظر في التقييد إلى جهة الطلب لا غير. ونظير هذا ثابت في موارد التزاحم، فانه يتمسك باطلاق المادة لاثبات تحقق الملاك بها في صورة المزاحمة مع عدم تعلق الطلب بها للمزاحمة بما هو أهم (1).


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 193 - الطبعة الاولى. (*)

[ 212 ]

وهذا الوجه متين، لكنه يبتني على صحة التمسك باطلاق المادة في اثبات تحقق الملاك في غير صورة الطلب. ولكن سيأتي ان شاء الله تعالى بيان عدم تمامية هذا الوجه في اثبات الملاك في غير صورة الطلب. وان هناك وجها آخر لاثباته وهو التمسك بالدلالة الالتزامية للظهور الاطلاقي. فانتظر. والذي يتحصل: ان الكبرى المذكورة في كلام الشيخ، وهي ملازمة تقييد الهيئة لتقييد المادة مسلمة. واما تحقيق المقام بعد تسليمها فقد عرفته مما تقدم، وان ما ذكره المحقق النائيني هو المتجه. فلا حظ. التقسيم الثالث: انقسامه الى الواجب النفسي والغيري. وقد اختلف في تعريفهما وبيان حقيقتهما. فعرفهما المشهور: بان النفسي ما كان ايجابه لا لداعي التوصل به الى واجب آخر. والغيري ما كان الداعي فيه هو التوصل الى واجب آخر. وهو المراد من ان النفسي ما وجب لنفسه والغيري ما وجب لغيره. ولكن أورد على هذا التعريف: بانه يستلزم ان تكون أكثر الواجبات، بل كلها سوى المعرفة بالله، واجبات غيرية، لان الامر بها انما يكون لاجل ما يترتب عليها من الاثر والفائدة، فان تحصيل هذا الاثر اما ان يكون لازما أو غير لازم، فعلى الثاني لا وجه لايجاب العمل الذي يترتب عليه الاثر لاجله، لعدم كون المصلحة لزومية، وعلى الاول كان الواجب واجبا غيريا لانه وجب للتوصل به الى واجب آخر. نعم المعرفة بالله واجبة لنفسها، لانها محبوبة بذاتها. والايراد عليه: بان الاثر المترتب لما كان خارجا عن قدرة المكلف، لانه من خواص العمل امتنع تعلق الوجوب به، وان كانت محبوبيته بحد اللزوم. مندفع - كما جاء في الكفاية -: بانها داخلة تحت قدرة المكلف بالقدرة على اسبابها، فتكون كسائر المسببات التوليدية التي يتعلق بها التكليف بلحاظ القدرة

[ 213 ]

عليها بالقدرة على اسبابها. كالتمليك والتطهير ونحوهما من المسببات التوليدية المتعلقة للتكاليف. وقد اجاب صاحب الكفاية عن هذا الايراد: بان الفعل وان كان يترتب عليه الاثر، الا أنه معنون حسن في نفسه، والايجاب متعلق به بما انه كذلك، وان كان في الواقع مقدمة لامر مطلوب واقعا. وهذا بخلاف الوجوب الغيري، فان جهة الوجوب متمحضة في كونها التوصل إلى واجب نفسي. فالواجب النفسي بنظر صاحب الكفاية ما امر به لتعنونه بعنوان حسن وان كان مقدمة لغيره. والواجب الغيري ما امر به لاجل المقدمية والتوصل الى الغير وان كان معنونا بعنوان حسن في نفسه. وقد ذكر انه يمكن ان يكون هذا المعنى مراد المشهور من ان الواجب النفسي ما أمر به لنفسه والغيري ما أمر به لاجل غيره (1). وقد تصدى المحقق النائيني لدفع الايراد المذكور: بان نسبة الفعل الواجب الى الاثر ليست نسبة السبب التوليدي الى مسببه كي يكون مقدورا بالواسطة، بل نسبته إليه نسبة المعد له، لان الاثر لا يترتب على الفعل مباشرة أو بتوسط امور اختيارية، بل يتوسط بينه وبين الفعل أمر غير اختياري، فيمتنع تعلق التكليف به، لكونه غير مقدور حتى بالواسطة، كما لو امره بشرب الدواء لاجل رفع المرض، فان رفع المرض لا يترتب على شرب الدواء مباشرة، بل تتوسط بينه وبين الشرط امور غير اختبارية، كمصادفة الدواء محل المرض ونحوها. وكما لو أمره بالاتيان بالماء ليشرب، فان شرب المولى يتوقف على ارادته، ولا يترتب على الاتيان بالماء فقط. وبالجملة: الغايات المترتبة على الواجبات النفسية غير مقدورة، ونسبة


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 107 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 214 ]

الواجب إليها نسبة المعد الى المعد له. ثم استشكل فيما افاده صاحب الكفاية في دفع الايراد: بانه يستلزم ان يكون في الواجب النفسي ملاكان ملاك الوجوب النفسي وملاك الوجوب الغيري وهو ممتنع (1). وبما ان تحقيق هذا الامر ليس بذي اثر عملي في المسالة اصلا لا يتجه لنا اطالة الكلام في سبر كلمات الاعلام وتحقيقها، فالاكتفاء بهذا المقدار لمجرد الاشارة متعين، والقدر المتيقن هو ان الواجب النفسي ما وجب من دون تقيد بوجوب شئ آخر اصلا، وليس كذلك الغيري فانه مقيد بوجوب شئ آخر. واما حقيقة كل منهما فلا يهمنا معرفتها. وانما المهم تحقيق الاصل عند الشك في كون واجب معلوم نفسيا أو غيريا. والكلام يقع في مقامين: المقام الاول: في تحقيق مقتضى الاصل اللفظي. وقد ادعى صاحب الكفاية: امكان التمسك باطلاق الهيئة لاثبات كون الواجب نفسيا لا غيريا. (2) خلافا للشيخ حيث انكر صحة التمسك بالاطلاق. ببيان: ان مدلول الهيئة واقع الطلب لا مفهومه، وهو لا يقبل الاطلاق والتقييد، لان الاطلاق والتقييد من شان المفاهيم القابلة للسعة والضيق، اما الواقع فهو غير قابل للسعة والضيق كما لا يخفى، فيمتنع فيه الاطلاق والتقييد. اما سر كون مدلول الهيئة واقع الطلب لا مفهومه، فيتبين في ان الفعل يتصف بالمطلوبية بمجرد الانشاء والامر، فيقال عنه انه مطلوب. ومن الواضح


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 167 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 108 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع).

[ 215 ]

ان اتصاف الشئ بالعرض انما يكون بطرو واقع العرض عليه لا مفهومه، فالجسم لا يتصف بالبياض الا بعروض حقيقة البياض عليه. وعليه فاتصاف الفعل بالمطلوبية بمجرد الامر يكشف عن كون مدلول الهيئة واقع الطلب لا مفهومه، إذ مفهوم الطلب لا يصحح اتصاف الفعل بالمطلوبية (1). وقد ناقش فيه صاحب الكفاية: بان واقع الطلب يمتنع ان يكون مدلولا للصيغة، فان وجود واقع الطلب تابع لا سبابه التكوينية الخارجية، لانه من الصفات النفسانية الخارجية، ولا يتحقق بالانشاء، فلا وجه لانشائه لعدم وجوده بالانشاء. فالمتعين ان يكون مدلول الصيغة مفهوم الطلب القابل لتعلق الانشاء به، فانه أحد اسباب وجوده، فيوجد بوجود أنشائي وهو غير الوجود الخارجي والذهني كما تقدم تحقيقه. واما وجه اتصاف الفعل بالمطلوبية بمجرد الامر والانشاء: فهو لاجل تعلق الطلب الانشائي به، والمقصود بوصف المطلوبية هو المطلوبية الانشائية، التي قد تلازم المطلوبية الحقيقية وقد تنفك عنها. وبالجملة: الطلب العارض على الفعل والذي يوصف به العمل المطلوب هو الطلب الانشائي المتحقق بالانشاء. وإذا تبين ان مدلول الصيغة هو مفهوم الطلب، فهو قابل للاطلاق والتقييد. وتقريب التمسك بالاطلاق في اثبات النفسية: هو ان مدلول الصيغة وان كان يعم الطلب النفسي والغيري، لكنه قد تقدم ان الوجوب النفسي الوجوب الثابت سواء وجب شئ آخر أو لا، والغيري هو الثابت عند وجوب شئ آخر فالذي يحتاج الى التنبيه عرفا والمؤنة الزائدة على اصل مدلول الكلام هو الوجوب الغيري لانه مقيد، فمع عدم التقييد يتمسك باطلاق الهيئة في ثبوت


(1) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 68 - الطبعة الاولى. (*)

[ 216 ]

الوجوب مطلقا، سواء وجب شئ آخر أو لم يجب في قبال تقييده بثبوته عند وجوب غيره. وعليه فيثبت بالاطلاق كون الواجب نفسيا (1). وقد اورد المحقق الاصفهاني على ما افاده صاحب الكفاية ايرادات ثلاثة: الاول: ان التفاوت بين النفسي والغيري لما كان من جهة ان النفسي ما كان الداعي الى وجوبه حسن ذاته والغيري ما كان الداعي الى وجوبه التوصل به الى واجب نفسي، وكان المحتاج الى التنبيه عرفا هو المعنى الثاني - أعنى ما كان الداعي فيه التوصل الى واجب آخر - كان اللازم جعل الاطلاق بمعنى عدم تقييده بانبعاثه عن داع آخر غير نفس الواجب، لا بمعنى عدم تقييده بوجوب شئ آخر كما هو ظاهر صاحب الكفاية، فان الاطلاق بالمعنى الذي ذكرناه هو المتناسب مع واقع النفسية دون ما افاده صاحب الكفاية، فانه ليس بمعنى النفسية، بل هو لازم لها. الثاني: ان التقييد بالمعنى الذي عرفته، أعنى كونه منبعثا عن داع غير الواجب لا يتنافى مع كون البعث المنشاء جزئيا حقيقيا. وعليه فلا مانع من التمسك باطلاق الصيغة في نفيه وان التزم بان الموضوع له هو واقع الطلب، إذ مرجع التمسك بالاطلاق الى التمسك بظهور الصيغة في هذا الفرد دون ذلك، لاحتياج احدهما الى موؤنة دون الآخر. الثالث: ان القيود تارة تكون من الشوؤن والاطوار. واخرى تكون من قبيل الدواعي والاسباب، فإذا كان من الاول أوجب تضييق المعنى المقيد، بخلاف ما إذا كان من قبيل الثاني، فان تقييد الشئ بداع خاص لا يوجب تضييق معناه، وعليه فالتقييد بالداعي لا يوجب التضييق. وعلى هذا فلا مانع من تقييد مدلول الصيغة بداع خاص، وان التزم بانه


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 109 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 217 ]

فرد الطلب وواقعه، لعدم منافاة هذا التقييد للفردية، لانه لا يوجب التضييق، كي يقال: ان التضييق من شان المفاهيم لا الافراد، ومع ذلك فلا مانع من التمسك باطلاق الهيئة لاثبات الفرد الخاص، لانه لا يحتاج الى مزيد بيان (1). وقد ذكر هذا المطلب في مبحث الواجب المشروط، في مقام بيان امكان رجوع القيد الى الهيئة، ولو التزم بان مدلولها الفرد لا المفهوم، بتقرير: ان التقييد بمعنى التعليق لا يستلزم التضييق الممتنع في الافراد (2). وقد وافقه السيد الخوئي في ذلك، وأورد هذا الامر في مقام ايراده على المحقق النائيني كما تقدم ذكره فراجع. والانصاف ان هذه الوجوه مخدوشة كلها: اما الاول: فلان ارجاع الاطلاق الى نفي التقييد بكون الداعي في البعث هو واجب آخر، واثبات التقييد بانبعاث الوجوب عن حسن ذات الواجب يتنافى مع التمسك بالاطلاق، لان كلا من خصوصيتي النفسية والغيرية بالمعنى الذي ذكره قيد زائد على اصل الوجوب، سواء قلنا بان النفسية عبارة عن انبعاث الوجوب عن حسن نفسه فتكون قيدا وجوديا. أو انبعاثه لا عن داعي غيره فتكون قيدا عدميا. فالنفسية من هذه الجهة قيد زائد على اصل الوجوب يحتاج إلى بيان كالغيرية، ولا وجه لدعوى أنه لا يحتاج إلى بيان زائد بعد ان كان قيدا كسائر القيود العدمية أو الوجودية. فالتمسك بالاطلاق من هذه الجهة غير صحيح. نعم في الواجب النفسي جهة اخرى تتلائم مع الاطلاق، وهي ثبوت وجوبه مطلقا وفي سائر الاحوال وجب هناك شئ آخر اولا، بخلاف الغيري فان وجوبه يكون في ظرف وجوب غيره، والتمسك بالاطلاق من هذه الجهة لا


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 196 - الطبعة الاولى. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 181 - الطبعة الاولى. (*)

[ 218 ]

محذور فيه ويثبت به الوجوب النفسي، فما أفاده صاحب الكفاية في جهة التمسك بالاطلاق مما لا محيص عنه. وبالجملة: في الواجب النفسي جهتان: احداهما: كونه منبعثا عن حسن نفسه، اولا عن غيره. ثانيتهما: كونه ثابتا على جميع التقادير وفي جميع الاحوال، ولا يمكن التمسك بالاطلاق من الجهة الاولى، لانها قيد زائد تحتاج إلى بيان وان كان عدميا، لان ما لا يحتاج الى البيان الزائد هو عدم القيد لا التقيد بالعدم، فان التقيد بالعدم كالتقيد بالوجود قسيم الاطلاق وينفى به. نعم يمكن التمسك بالاطلاق من الجهة الثانية، وبها يثبت الوجوب النفسي، واليها نظر صاحب الكفاية في كلامه، فما أفاده متجه. واما الثاني: فقد اتضحت الخدشة فيه، لانه متفرع على تمامية الاول، فبعد ان عرفت أن موضوع الاطلاق لا يرتبط بداعي الوجوب، بل بثبوت الوجوب مطلقا، لا يبقى مجال لدعوى ان التقييد بالغيرية بهذا المعنى - أي بمعنى الانبعاث عن داع غير الواجب - لا يتنافى مع الجزئية الحقيقية، إذ الاطلاق لا يثبت النفسية من هذه الجهة كي يدعى عدم منافاتها للجزئية الحقيقية، والبحث أجنبي عنها. واما الثالث: فلان موضوع التقييد بالداعي وما هو من قبيلة مما كان في مرحلة سابقة عن وجود الشئ أو لا حقة له، اما ان يفرض المفهوم أو المصداق. فان فرض المفهوم فاستلزامه لتضييق دائرته أمر بديهي غير قابل للانكار، فان المفهوم بعد تقييده بداع خاص يتحدد صدقه على الافراد وتتضيق دائرة انطباقه، فمفهوم الاحتراق - مثلا - ينطبق على كل فرد من افراده، فإذا قيد بما كان ناشئا عن السبب الخاص كالنار تضيقت دائرة صدقه فلا ينطبق حينئذ على ما حصل من الكهرباء. وان فرض المصداق، فهو غير قابل للتضييق، كما هو المفروض،

[ 219 ]

سواء كان القيد من قبيل الدواعي أو كان من الشؤن والاطوار. فالتفريق بين القيود في استلزام نحو منها التضييق وعدم استلزام نحو آخر منه لا وجه له، بل هي جميعها مستلزمه للتضييق ان قيد بها المفهوم، وغير مستلزمه له ان قيد بها المصداق لعدم قابليته للتضييق. وبعبارة اخرى: انه إذا كان الغرض من التفريق بين نحوي القيود هو بيان قابلية مدلول الهيئة التي هو الفرد الحقيقي للطلب للتقيد بالداعي الخاص، لعدم كون التقييد به موجبا للتضييق الممتنع في الفرد كالتقييد بما هو من شؤون الشئ، فانه يمتنع طروه على الفرد، لان مفاده التضييق وهو ممتنع في الفرد، إذا كان الغرض ذلك فهو منتف، لان التقييد بكلا نحويه يؤدي إلى تضييق دائرة المقيد فيمتنع ان يتحقق فيما هو غير قابل للضيق. وخلاصة الكلام: ان ما افاده صاحب الكفاية في تقريب التمسك بالاطلاق، وفي دفع ما قيل في منع الاطلاق، وجيه من الجهة التي ينظر إليها صاحب الكفاية، أعني عموم الموضوع له وخصوصه. والذي يتحصل: انه ان التزم بكون مدلول الهيئة واقع الطلب، أو انه النسبة الخاصة الطلبية، كما هو التحقيق، امتنع التمسك باطلاق الهيئة في اثبات الوجوب النفسي لعدم قابليتها للتقييد. واما بناء على ما إلتزم به صاحب الكفاية من كون مدلول الهيئة مفهوم الطلب القابل للتقييد، كان التمسك باطلاق الهيئة باعتبار هذه الجهة ممكنا. إلا انه يشكل من جهة اخرى تقدم ذكرها فيما مر، وهي ان مدلول الهيئة بنظر صاحب الكفاية وان كان معنى عاما، إلا أنه ملحوظ باللحاظ الآلي، فانه هو الفارق بين معاني الاسماء والحروف في نظره (قدس سره)، ولا يخفى ان الاطلاق يتنافى مع هذا الفرض، إذ هو يستدعي تعلق اللحاظ الاستقلالي بالمطلق، كيف ؟ والمفروض انه يكون في مقام البيان الملازم لتوجه المتكلم إلى

[ 220 ]

المعنى استقلالا. وعليه، فالتمسك باطلاق الهيئة ممتنع، لان معناها ملحوظ آليا وهو لا يتلائم مع الاطلاق. وقد اشار صاحب الكفاية إلى هذا الاشكال في مبحث مفهوم الشرط (1)، ولذا عد ما ذكره هناك مناقضا لما ذكره هنا، وما ذكره في مبحث الواجب المشروط من صحة رجوع القيد الى الهيئة. وقد عرفت فيما تقدم التخلص عن اشكال التناقض: بانه لم يصرح هنا بالتمسك باطلاق الهيئة في اثبات الوجوب النفسي، بل التزم بالتمسك باطلاق الصيغة، وهي كما لا يخفى تتالف من الهيئة والمادة، فلعل مراده هو التمسك باطلاق المادة - أعني نفس الواجب - في اثبات الوجوب النفسي، وهي معنى إسمي ملحوظ بالاستقلال قابل للاطلاق والقيد. وقد تقدم تقريب اطلاق المادة. وكلامه وان كان يظهر منه في بعض عباراته التمسك باطلاق الهيئة، لكنه يمكن ان يكون نظره إلى بيان نفي المانع من جهة خصوص الموضوع له لا في مقام اختيار هذا المعنى في نفسه والالتزام به، بل في مقام دفع الاشكال فيه من بعض جهاته. فتأمل. نعم، ما جاء منه في الواجب المشروط من امكان رجوع القيد الى الهيئة يتنافى بحسب النظر الاولي مع ما أفاده في مبحث مفهوم الشرط من عدم قابلية المعنى الحرفي للاطلاق لكونه ملحوظا آليا، إذ التقييد ايضا يستدعي لحاظ المقيد استقلالا لانه حكم على المقيد، فيمتنع طرؤه على المعنى الحرفي لمنافاته لحرفيته. ولكن قد اشرنا فيما تقدم إلى حل هذا التنافى البدوي. فلا حظ. والنتيجة: ان التمسك باطلاق الهيئة ممتنع، لان مدلولها هو النسبة غير القابلة للتضييق لانه شان المفاهيم. مضافا الى تعلق اللحاظ الآلي بها المنافي


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 195 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 221 ]

للاطلاق. نعم، لا مانع من التمسك باطلاق المادة ومتعلق النسبة الطلبية، فانها مفهوم إسمي ملحوظ استقلالا. فلا حظ. المقام الثاني: في مقتضي الاصل العملي بعد عدم تمامية الاصل اللفظي. والتحقيق: انه يختلف باختلاف الموارد، فقد تتفق نتيجته مع النفسية في مورد ومع الغيرية في مورد آخر. وقد ذكر المحقق النائيني لموارد الشك ثلاث صور: الصورة الاولى: ان يعلم بوجوب أمرين تفصيلا وكان الوجوبان متماثلين في الاطلاق والاشتراط، لكنه شك في كون أحدهما مقيدا بالآخر. كما لو علم بوجوب كل من الوضوء والصلاة بعد الزوال وشك في تقيد الصلاة بالوضوء فيكون وجوبه غيريا وعدم تقيده فيكون وجوبه نفسيا. وبما ان الشك في هذه الصورة يتمحض في تقيد الصلاة بالوضوء، إذ اصل وجوب كل منهما معلوم، ولابد من الاتيان بكل منهما، فليس المشكوك الا تقيد الصلاة بالوضوء، ومقتضى إصالة البراءة نفيه، وعليه فيكون المكلف في سعة في اتيان الوضوء قبل الصلاة وبعدها. وهذا بالنتيجة يتفق مع كون وجوب الوضوء نفسيا فلا حظ (1). واستشكل فيه السيد الخوئي (حفظه الله): بان جريان اصالة البراءة في تقيد الصلاة بالوضوء معارض بجريانها في وجوب الوضوء النفسي للعلم، الاجمالي بوجوب الوضوء نفسيا أو وجوب التقيد نفسيا، فلا وجه لاجراء البراءة في طرف مع امكان جريانها في الآخر. ولاجل ذلك لابد من الاحتياط باتيان الوضوء قبل الصلاة (2).


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 170 - الطبعة الاولى. (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 170 - [ هامش رقم (1) ] - الطبعة الاولى. (*)

[ 222 ]

ولا يخفى ان هذا المعنى الذي ذكره السيد الخوئي مما يلتفت إليه من له قليل علم فضلا عن مثل المحقق النائيني (قدس سره)، اذن فما هو الوجه في اجراءه البراءة في التقيد مع أنه طرف العلم الاجمالي ؟. والاجابة عن هذا السوال هي: ان المحقق النائيني يذهب الى إنحلال العلم الاجمالي المزبور، وعدم امكان اجراء البراءة في احد البراءة في احد الطرفين، فتكون البراءة في الآخر بلا معارض. بيان ذلك: ان وجوب الوضوء معلوم على كل حال نفسيا كان أو غيريا فهو لا يكون مجرى البراءة، ووجوب التقيد محتمل، فيكون مجرى البراءة، لان اصل البراءة فيه بلا معارض بعد ان إمتنع جريانه في طرف الوضوء. وعلى هذا فتمامية ما ذكره السيد الخوئي تتوقف على مقدمتين: المقدمة الاولى: هو الالتزام بعدم جريان اصل البراءة في الوجوب الغيري، باعتبار أنه ليس من المجعولات الشرعية، بل هو من الامور اللازمة للوجوب النفسي، فهو كالامور التكوينية غير قابل للوضع ولا للرفع، فلا معنى لاجراء البراءة الشرعية فيه. فالوجوب القابل لجريان البراءة هو الوجوب النفسي لانه حكم مجعول قابل للرفع والجعل. وعليه، فتكون البراءة من وجوب التقيد معارضة بمثلها، لجريان البراءة من الوجوب النفسي لانه مشكوك، واما أصل الوجوب فهو ليس بموضوع البراءة على تقديريه - كما هو المفروض -، وما هو موضوع البراءة مشكوك وهو الوجوب النفسي، فجريان البراءة فيه يعارض جريانها في وجوب التقيد. المقدمة الثانية: انه قد يقال - في تقريب مدعى النائيني -: بان لزوم الوضوء واستحقاق العقاب على تركه معلوم على كل حال، اما على تركه بنفسه لو كان واجبا نفسيا، أو على ترك الواجب النفسي المقيد به لو كان واجبا غيريا، فلا يكون العقاب عليه عقابا بدون بيان، بخلاف التقيد فانه لا يعلم لزومه ولا

[ 223 ]

يعلم بثبوت العقاب على تركه، فيكون مجرى البراءة العقلية. وان لم يكن مجرى للبراءة الشرعية بمقتضى ما قرر في المقدمة الاولى. ويشكل: بان ترتب العقاب على ترك الوضوء اما لتركه نفسه أو ترك الواجب المقيد به بتركه، مرجعه إلى تقرير العلم الاجمالي المدعى المانع من اجراء البراءة في طرف التقيد، فان تحقق العقاب على ترك الوضوء لترك الواجب المقيد به يرجع الى تحقق العقاب على ترك التقيد الواجب، فليس ترك التقيد طرفا لترك الوضوء بكلا احتماليه كي يكون مجرى البراءة، بل هو أحد احتمالي ترك الوضوء، ففي الحقيقة انه يعلم اجمالا بلزوم الوضوء نفسيا لو لزوم التقيد، وان العقاب ثابت على ترك الوضوء اما من جهة وجوبه النفسي أو من جهة استلزامه لترك الواجب. وبعبارة اخرى: يعلم اجمالا بثبوت العقاب على ترك الوضوء أو ترك الصلاة المقيدة به، واجراء البراءة في كل طرف معارض باجرائها في الطرف الآخر، لان كل طرف موضوع لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. والحاصل: ان وجوب التقيد لا يكون مجرى للبراءة الشرعية كما هو مقتضى المقدمة الاولى، ولا مجرى للبراءة العقلية كما هو مقتضى المقدمة الثانية. ولكن التحقيق عدم تمامية كلتا المقدمتين، وما ذكره المحقق النائيني من دعوى الانحلال وجيه، وذلك: اما المقدمة الاولى: فلان اساسها هو عدم قابلية الوجوب الغيري لجريان البراءة فيه. وهذا مسلم في الجملة لا مطلقا، وذلك لان الوجوب الغيري المستفاد من الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة أمر ذاتي لازم له غير قابل للوضع والرفع، ولكن قد يلتفت الآمر الى المقدمات فينشئ حكما خاصا بها، كما لو قال: " ادخل السوق واشتر اللحم "، فان الامر بالمقدمة في مثل الحال أمر مجعول قابل للجعل والرفع، فيمكن إجراء البراءة فيه مع الشك. وبالجملة: عدم جريان البراءة فيما لا انشاء له مستقلا من الوجوبات

[ 224 ]

الغيرية مسلم، لعدم كونه مجعولا شرعيا، بل هو لازم تكويني - كما ياتي تحقيقه - واما ماله انشاء مستقل وجعل خاص، فلا مانع من اجراء البراءة فيه، لانه حكم مجعول قابل للوضع والرفع. وما نحن فيه من هذا القبيل، إذ المفروض تعلق الامر بالوضوء المردد بين كونه نفسيا أو غيريا، فعلى تقدير كونه غيريا يكون من النحو الذي تجري فيه البراءة. وعليه فوجوب الوضوء - فيما نحن فيه - قابل لجريان البراءة بكلا نحويه، لكنه لا يكون مجرى البراءة بعد العلم به على كل حال، فينحل العلم الاجمالي ويكون اصل البراءة في طرف التقيد في طرف التقيد بلا معارض. واما المقدمة الثانية: فنورد عليها فعلا بانه لم يلتزم بعدم الانحلال في مثل هذه الصورة حكما، بل التزم بالانحلال، فالايراد عليه فعلا جدلي. هذا كله حول ما ذكره في تعليقته على: " اجود التقريرات " من تقريب عدم جريان البراءة بتشكيل العلم الاجمالي بوجوب الوضوء نفسيا أو وجوب التقيد نفسيا، فطرفا العلم الاجمالي هما وجوب الوضوء النفسي ووجوب التقيد النفسي. ولكنه في تقريرات بحثه قرر العلم الاجمالي بنحو آخر، وقد أشار إليه في ذيل تعليقته على اجود التقريرات، وهو: انا نعلم اجمالا بوجوب الوضوء نفسيا، أو وجوبه غيريا، وجريان البراءة في الوجوب الغيري معارض بجريانها في الوجوب النفسي (1). ومن الواضح ان هذا المقدار من البيان لا يرتبط بما هو محل الكلام، من لزوم التقيد وعدمه، فان مورد الشك هو لزوم تقيد الصلاة بالوضوء وعدمه، وقد عرفت ان المحقق النائيني إدعى جريان البراءة فيه ولم يرتض السيد الخوئي ذلك، وتقرير الاشكال بما عرفته لا ينفع في الالزام بالاتيان بالتقيد، وذلك لان


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 170 [ هامش رقم (1) ] - الطبعة الاولى. الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 392 - الطبعة الاولى. (*)

[ 225 ]

مقتضى العلم المذكور ليس إلا الاتيان بالوضوء، اما الاتيان بالصلاة مقيدة به فلا، إذ ليس ذلك من آثار الوجوب الغيري - كي يلزم ترتيبه بمقتضى العلم الاجمالي -، وانما هو من ملازماته والمفروض أنه غير معلوم كي يعلم بلازمه، فهو نظير عدم ترتب نجاسة الملاقي لما هو محتمل النجاسة الذي يكون طرفا للعلم الاجمالي. فلابد من تتميم هذا البيان بان يقال: ان هناك علما اجماليا آخر متعلق بالوجوب النفسي المردد بين الوضوء والتقيد، فلدينا علمان اجماليان ذوا اطراف ثلاثة لاشتراك احد الطرفين فيهما، لان احدهما متعلق بوجوب الوضوء المردد بين النفسي والغيري، والآخر متعلق بوجوب النفسي المرددبين الوضوء والتقيد. فوجوب الوضوء النفسي طرف لكلا العلمين. وعليه، فيقال: ان جريان البراءة في كل من اطراف هذين العلمين معارض بجريانه في الطرف الآخر، فيمتنع جريان البراءة في طرف التقيد لمعارضة بجريانها في الوجوب النفسي للوضوء. فلا ينحل العلم الاجمالي - كما ادعي -. وانت خبير: بان هذا الوجه إنما يجدي في اثبات الاحتياط والاتيان بالصلاة مقيدة بالوضوء لو فرض ان لكل من خصوصيتي النفسية والغيرية أثرا خاصا بها غير اصل الالزام الذي هو مقتضى اصل الوجوب الجامع. كي يكون إجراء البراءة فيه بلحاظ نفي ذلك الاثر. ولكن الامر ليس كذلك، إذ ليس لكلل منهما أي أثر إلزامي. وعليه فليست النفسية والغيرية موضوعا لاصل البراءة كي يدعى معارضتها بالبراءة في الطرف الآخر. واما اصل وجوب التقيد بلا معارض، إذ البراءة لا تجري في اصل وجوب الوضوء للعلم به، ولا تجري في خصوصية النفسية والغيرية لعدم الاثر فيها. فلاحظ.

[ 226 ]

هذا ولكن الانصاف: ان الاحتياط بالاتيان بالوضوء قبل الصلاة ليتحقق التقيد هو المتعين، بيان ذلك: انه وقع الكلام في جريان البراءة الشرعية التي يتكفلها حديث الرفع في نفي الوجوب الغيري المشكوك. والسر في ذلك هو: الخلاف في كون المرفوع في حديث الرفع هل هو الحكم الشرعي المجعول، أو أنه المؤاخذة على مخالفة الحكم الواقعي ؟ فعلى تقدير كون المرفوع نفس الحكم المجعول أمكن القول بجريان البراءة في الوجوب الغيري إذا كان مجعولا، لا الوجوب الغيري المبحوث عنه في علم الاصول وهو الملازم للوجوب النفسي، لان هذا غير قابل للوضع والرفع، لانه من الامور التكوينية غير المجعولة شرعا. نعم قد يتفق إنشاء البعث الغيري - كما ذكرنا ذلك -، فهو المورد القابل لجريان البراءة لو التزم بان المرفوع هو الحكم المجعول، فان مقتضى اطلاق حديث الرفع هو رفع الحكم المجعول مطلقا نفسيا كان أو غيريا. وعلى تقدير كون المرفوع رأسا هو المؤاخذة لا الحكم نفسه - كما هو رأي الشيخ - فاما ان يقصد رفع المؤاخذة المترتبة على نفس العمل لاجل مخالفة الحكم المتعلق به، أو يقصد به رفع المؤاخذة المتاتية منه ولو كانت على غيره مباشرة. وبعبارة اخرى: المؤاخذة على العمل اما ان تكون على نفسه مباشرة، أو تكون على غيره ولكن كانت بواسطته وكان هو سببا لتحقق مخالفة الحكم الثابت على غيره، فالكلام في حديث الرفع في أنه يرفع المؤاخذة المترتبة على العمل مباشرة أو الاعم منها ومن المؤاخذة المترتبة بواسطة هذا العمل. وبتعبير أوضح: هل حديث الرفع يرفع المؤاخذة على العمل، أو المؤاخذة من جهة العمل ولو لم تكن عليه بل على غيره ؟. فعلى الاول: يمتنع جريان البراءة في نفي الوجوب الغيري، إذ من الواضح انه لا مواخذة على ترك الواجب الغيري بما انه كذلك، بل تتحقق

[ 227 ]

المؤاخذة عند تركه لترك الواجب النفسي بتركه، فالمواخذة على ترك الواجب النفسي لاترك الواجب الغيري. وعليه فلا معنى لشمول حديث الرفع للوجوب الغيري. واما على الثاني: فالوجوب الغيري مشمول لحديث الرفع، إذ بترك الواجب الغيري يترتب العقاب على ترك الواجب النفسي بتركه. وبما ان المختار - كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى - هو كون المرفوع هو المؤاخذة على نفس العمل، لا الحكم المجعول، ولا المؤاخذة المترتبة عند تحقق العمل أعم من ان تكون على نفس العمل أو على غيره، كان القول بعدم جريان البراءة الشرعية في الوجوب الغيري هو المتعين. واما البراءة العقلية: فهي غير جارية بلا اشكال، لان ملاكها هو قبح العقاب بلا بيان، ومرجع ذلك الى أنه لو كان في الواقعة حكم واقعي تترتب على مخالفته في نفسه المؤاخذة، بحيث يكون مقتضيا لها، فلا تصح المؤاخذة على مخالفته بدون الوصول الى المكلف والعلم به. فموضوع القاعدة وجود المقتضي للعقاب، ولكنه لا يؤثر بدون البيان. ومن الواضح ان الوجوب الغيري لا يقتضي العقاب والمواخذة، إذ ليس على مخالفته بنفسه عقاب، فهو خارج عن موضوع ثبوت البراءة العقلية. فالمتحصل: ان الوجوب الغيري غير قابل للبراءة العقلية ولا الشرعية. وعليه، فحيث يعلم اجمالا بوجوب الوضوء نفسيا أو وجوب التقيد نفسيا، كان جريان البراءة من وجوب التقيد النفسي معارض بجريانها في وجوب الوضوء النفسي. ودعوى: الانحلال بالعلم بوجوب الوضوء الجامع بين النفسي والغيري، فلا يكون مورد البراءة. مندفعة: بان كلي الوجوب وطبيعية ليس مجرى البراءة، لانه ليس بكلا

[ 228 ]

نحويه قابل لجريانها، وما هو مجرى البراءة وهو خصوص الوجوب النفسي مشكوك وليس بمعلوم، فالمقتضي للبراءة فيه ثابت، فيعارض البراءة من وجوب التقيد. فالوجه في عدم جريان البراءة هو: عدم قابلية الوجوب الغيري لجريان البراءة فيه. ولاجل ذلك لا يتجه من السيد الخوئي انكار الانحلال، ودعوى لزوم الاحتياط، لان كلامه صريح في جريان البراءة في الوجوب الغيري، ومعه تتجه دعوى الانحلال، لان وجوب الوضوء معلوم وغير قابل لجريان البراءة، فتكون البراءة من وجوب التقيد بلا معارض. الا ان يشكل العلم الاجمالي بوجوب الوضوء نفسيا أو وجوب التقيد نفسيا، فان البراءة في كل منهما معارضة للآخر، لكنه خلاف ظاهر كلامه في تعليقته وتقريرات بحثه كما أشرنا إليه. فتدبر. الصورة الثانية: ان يعلم بوجوب شئ فعلا مردد بين كونه نفسيا أو غيريا، مع العلم بانه لو كان غيريا كان وجوب ذي المقدمة فعليا، لكن لم يصل الينا، نظير ما لو علم بانه نذر اما الاتيان بالوضوء أو الصلاة، بحيث لو كان هو الوضوء كان وجوبه نفسيا، وان كان هو الصلاة كان وجوب الوضوء غيريا، فهو يعلم اما بوجوب الوضوء بخصوصه أو بوجوبه مع الصلاة. وقد اختار المحقق النائيني لزوم الاتيان بالوضوء للعلم بترتب العقاب على تركه، اما لاجل تركه نفسه أو لاجل ترك ذي المقدمة من ناحيته. واما ترك ذي المقدمة من ناحية غير الوضوء، فهو مما لا يعلم بترتب العقاب عليه، فاصل البراءة من الفعل لا مانع منه. وقد نسب الى صاحب الكفاية في هذه الصورة: القول بالبراءة بالنسبة الى الوضوء ايضا، واستشكل فيه: بانه لا يتم بناء على امكان التفكيك في تنجز المركب، فيكون منجزا من جهة غير منجز من جهة اخرى، إذ المقام من هذا القبيل، فان وجوب الصلاة من جهة الوضوء منجز ومن جهة غيره ليس بمنجز،

[ 229 ]

فجريان البراءة فيه من غير ناحية الوضوء لا ينافي عدم جريانها من ناحيته (1). وبالجملة: مرجع كلام المحقق النائيني الى دعوى انحلال العلم الاجمالي الى العلم التفصيلي بلزوم الوضوء واستحقاق العقاب على تركه، وشك بدوي في لزوم الصلاة بسائر اجزائها وشرائطها، فتكون مجرى البراءة بلا معارض. وقد وافقه السيد الخوئي على ذلك، فذهب إلى انحلال العلم الاجمالي الى علم تفصيلي بلزوم الوضوء، وشك بدوي في وجوب الصلاة، فيكون وجوبها مجرى البراءة بلا معارض لعدم جريانها في الوضوء بعد العلم بوجوبه (2). وما افاده المحقق النائيني مخدوش من جهات: الاولى: ما افاده من دعوى الانحلال للعلم التفصيلي بوجوب الوضوء والشك في وجوب الصلاة. وجهة الخدشة في ذلك: قد عرفتها بما تقدم من عدم قابلية الوجوب الغيري لجريان البراءة، فلا يكون طبيعي الوجوب مجرى البراءة، بل مجراه خصوص الوجوب النفسي وهو مشكوك في الفرض، فتكون البراءة من وجوب الصلاة معارضة بالبراءة من وجوب الوضوء نفسيا. فلا ينحل العلم الاجمالي بما ذكر، لفرض تعارض الاصلين الذي هو قوام منجزية العلم الاجمالي. أللهم إلا ان يقال ان المحقق النائيني يلتزم بكون الشرائط متعلقة للامر النفسي الضمني كالاجزاء. وعليه فيكون الوجوب النفسي للوضوء معلوما على التقديرين إلا انه على تقدير استقلالي وعلى آخر ضمني. ومن الواضح قابلية الامر الضمني لجريان البراءة. وعليه فيمتنع جريان البراءة من وجوب الوضوء حينئذ للعلم بكلية المانع منها، فتكون البراءة من وجوب الصلاة بلا معارض


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 171 - الطبعة الاولى. (2) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 389 - الطبعة الاولى. (*)

[ 230 ]

فالتفت. الثانية: ما أفاده من تطبيق الالتزام بالتفكيك في تنجيز المركب على ما نحن فيه. ولا يضاح وجه الخدشة فيه لا باس بالاشارة إلى المقصود بالتفكيك في مقام التنجيز فنقول: ان المركب بما انه عين اجزائه كان ترك كل جزء موجبا لترك المركب، فترك المركب يمكن ان يكون بترك كل جزء على حده، وإذا كان المركب واجبا كان تركه بترك أي جزء من اجزائه موجبا للمواخذة والعقاب. وقد ذكر في مبحث الاقل والاكثر انه يمكن عقلا التفكيك في اجزاء المركب، فيكون ترك المركب بترك بعضها موجبا للمواخذة وتركه البعض الآخر غير موجب للمواخذة. وعلى هذا الاساس بني على اجراء البراءة العقلية من الزائد على الاقل المتيقن، وانحلال العلم الاجمالي بالوجوب المردد بين الاقل والاكثر. بتقريب: ان المؤاخذة على ترك الواجب من جهة ترك الاقل معلومة فلا تجري فيها البراءة. واما المؤاخذة على تركه من ترك الزائد المشكوك فهي غير معلومة فيكون الزائد مجرى البراءة وان استلزم نفي المؤاخذة على ترك الواجب - لو كان المشكوك جزء واقعا -، إذ لا امتناع من نفي العقاب على ترك الواجب من جهة واثباته من جهة أخرى. وصاحب الكفاية حين أنكر جريان البراءة العقلية في الاقل والاكثر انما هو لاجل انكاره امكان التفكيك، فلا ينحل العلم الاجمالي (1). إذا عرفت هذا نقول: ان نظر المحقق النائيني إلى تطبيق هذه القاعدة على ما نحن فيه، فان العقاب على ترك الصلاة من جهة ترك الوضوء معلوم،


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 364 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 231 ]

والعقاب على تركها من غير ناحيته غير معلوم فتجري فيه البراءة بلا معارض. ولكن الانصاف ان هذا الوجه إنما يتم بالنسبة إلى خصوص اجزاء المركب دون الشرائط، لانها لا يتقوم بها المركب فلا يكون تركها تركا للمركب كالاجزاء، بل يكون تركها سببا وملازما لترك المركب، فليس هناك تروك متعددة للمركب بتعدد الشرائط كي يتصور التفكيك بينها في المؤاخذة وعدمها، ووضوح هذا المعنى موكول إلى محله، وانما القصد هو الاشارة إلى جهة الاشكال في كلامه من هذه الجهة، وان اقحام ذلك المبحث فيما نحن فيه وتطبيقه عليه في غير محله. الثالثة: ما افاده من حمل كلام صاحب الكفاية على هذه الصورة واستشكاله في اجرائه البراءة من الوضوء. وجهة الخدشة فيه: ان نظر صاحب الكفاية إلى صورة اخرى غير هذه الصورة، وهي ما إذا علم اجمالا بوجوب شئ مردد بين كونه نفسيا أو غيريا مع العلم بانه لو كان غيريا فذي المقدمة ليس بفعلي، كما إذا علمت الحائض بوجوب الوضوء عليها، لكنها ترددت في كونه نفسيا أو غيريا لاجل الصلاة، والمفروض - بحكم كونها حائضا - عدم وجوب الصلاة عليها فعلا. ومن الواضح ان اجراء البراءة في هذه الصورة لا اشكال فيه، إذ مع العلم بعدم فعلية الواجب النفسي الذي يحتمل كون الواجب المعلوم قيدا له، لا يكون العلم الاجمالي بوجوب الشئ المردد بين كونه نفسيا وغيريا منجزا، لانه لو كان غيريا لا يكون فعليا، فلا يكون أحد طرفيه فعليا، فهو ليس بمنجز على كل تقدير، فلا مانع من جريان البراءة فيه. فلاحظ. ونتيجة الكلام: ان المتعين في هذه الصورة هو الاحتياط باتيان الوضوء والصلاة المقيدة به للعلم الاجمالي بالوجوب النفسي المردد بينهما، ولا وجه لانحلاله بناء على ما عرفت من عدم قابلية الوجوب الغيري لجريان البراءة،

[ 232 ]

لتعارض الاصلين حينئذ. ولكنه انما يوأخذ به من يلتزم بكون الشروط متعلقة للامر الغيري - كما هو الحق - واما من يلتزم بكونها متعلقة للامر الضمني كالاجزاء كالمحقق النائيني، فالعلم الاجمالي منحل لجريان البراءة في طرف دون آخر كما عرفت. الصورة الثالثة: ان يعلم تفصيلا بوجوب أمرين وشك في كون أحدهما المعين شرطا للآخر، مع عدم العلم بتماثل الوجوب فيهما من حيث الشرائط، كما إذا علمنا بوجوب الصلاة نفسيا في الوقت الخاص، وعلمنا بوجوب الوضوء وشك في أنه نفسي أو غيري، وإذا كان نفسيا فهو غير مقيد بالوقت الخاص، وإذا كان غيريا فهو مقيد به لتبعيته لوجوب ذي المقدمة. وقد ذكر المحقق النائيني ان الشك في هذه الجهة يتصور من جهات، وهو في جميعها مجرى البراءة: الاولى: الشك في وجوب تقيد الصلاة بالوضوء، وقد تقدم ان الاصل فيه هو البراءة من وجوبه. الثانية: الشك في وجوب الوضوء قبل الوقت، لاحتمال كونه نفسيا أو انه يختص بما بعد الوقت، فتجري البراءة من وجوبه قبل الوقت. الثالثة: الشك في ان الوضوء قبل الوقت هل يسقط وجوب الوضوء بعد الوقت اولا ؟ ومرجع هذا الشك الى الشك في أن وجوب الوضوء بعد الوقت هل هو مطلق أو مختص بمن لم يتوضاء قبله، ومقتضى البراءة عدم وجوبه بالنسبة إلى من توضاء قبل الوقت، فاصالة البراءة عن تقيد الصلاة بالوضوء وعن وجوبه قبل الوقت وعن وجوبه لمن توضاء قبل الوقت بلا معارض. وقد ذكر ان نتيجة البراءة في الجهة الاولى والثالثة نتيجة النفسية، ونتيجتها في الجهة الثانية نتيجة الغيرية في تقيد الوجوب بما بعد الوقت، لانه

[ 233 ]

شرط لوجوب الصلاة ايضا (1). وقد ذكر السيد الخوئي في مقام تحقيق هذه الصورة: انه يمكن ان تتصور على وجهين: الاول: ان يكون هناك علم اجمالي بوجوب الوضوء المردد بين النفسي والغيري من دون علم بالتماثل مع الصلاة في الاطلاق والاشتراط، لكن يعلم انه ان كان وجوب الوضوء نفسيا فهو ثابت قبل الوقت فقط، وان كان غيريا فهو ثابت بعد الوقت، فهنا علم اجمالي بوجوب الوضوء قبل الوقت أو وجوبه بعده، وقد تقرر في محله ان العلم الاجمالي في التدريجيات منجز كغيره. وعليه فيمتنع اجراء البراءة من وجوب الوضوء النفسي قبل الوقت واجرائها من تقيد الصلاة بالوضوء بعد الوقت، لانه يستلزم عدم لزوم الاتيان بالوضوء بالمرة. وهو مخالفة عملية قطعية للعلم الاجمالي. وعليه فمقتضى العلم الاجمالي الاتيان بالوضوء قبل الوقت والاتيان بالصلاة متقيدة به. نعم لا يلزم الوضوء بعد الوقت إذا أتى به قبله لكفاية الوضوء قبله وان لم يكن واجبا. الثاني: ان يعلم اجمالا بوجوب الوضوء المردد بين النفسي والغيري بلا علم بالتماثل، لكنه يعلم انه ان كان غيريا فهو مقيد بالوقت وان كان نفسيا فهو غير مقيد به، بل مطلق بالنسبة الى ما قبل الوقت وبعده. وما افاده المحقق النائيني في الجهات الثلاث لا يخلو من خدشة: اما ما افاده من جريان البراءة في الشك في تقيد الصلاة بالوضوء. فجهة الخدشة فيه: ما مر من عدم انحلال العلم الاجمالي بوجوب الوضوء أو التقيد، والبراءة في احدهما معارضة بالبراءة في الآخر.


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 171 - الطبعة الاولى. (*)

[ 234 ]

واما ما افاده من جريان البراءة في الشك في الوجوب النفسي للوضوء قبل الوقت فيخدش: بعدم امكان البراءة، لانها مستلزمة لتضييق دائرة الواجب وتقليل افراده التخييرية، وهذا ينافي الامتنان المفروض انه ملاك البراءة. ولذا يمنع من جريان البراءة في كل مورد يوجب جريانها للتضييق على المكلف والكفلة عليه لا السعة. واما ما افاده من جريان البراءة من الوضوء بعد الوقت لو أتى به قبله على تقدير كونه غيريا. فهو في نفسه وان كان تاما، الا ان الذي ينبغي ان يذكر في وجهه علميا هو: ان المعلوم على تقدير الغيرية هو اصل تقيد الواجب بالوضوء، واما تقيده به على ان يؤتى به بعد دخول الوقت فهو غير معلوم، فتنفى الخصوصية المذكورة بالبراءة. واما ما ذكره في وجه ذلك: من كون المعلوم لزوم الاتيان بالوضوء لمن لم يات به قبل الوقت، اما من أتى به قبله فلا يعلم لزوم الاتيان به بعد الوقت، فينفي وجوبه عليه باصالة البراءة. فهو وجه ليس بعلمي (1). والتحقيق: ان الوجه الاول الذي ذكره السيد الخوئي وان كان وجها علميا لا خدشة فيه، إلا انه لا يرتبط بما هو نظر المحقق النائيني، فان نظره في كلامه إلى الوجه الثاني كما لا يخفى. واما الاشكال على المحقق النائيني في ما أفاده من جريان البراءة في الجهات الثلاث للشك. فيتحقق الحال فيه: اما لزوم الاحتياط في الشك في تقيد الصلاة بالوضوء، وان كان تاما في نفسه، إلا انه قد عرفت أن المحقق النائيني لابد له من الذهاب الى البراءة، لالتزامه بتعلق الامر الضمني بالشرائط الموجب لانحلال العلم الاجمالي، لكون


(1) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 393 - الطبعة الاولى. (*)

[ 235 ]

جريان البراءة في طرف التقيد بدون معارض، كما تقدم بيانه وتوضيحه، وقد عرفت ان التحقيق عدم الانحلال ولزوم الاحتياط لتعلق الامر الغيري بالشرائط وعدم قابليته للبراءة. واما الاشكال عليه بعدم صحة نفي الوجوب قبل الوقت مع الشك فيه، لكون البراءة موجبة للتضييق، وهو ينافي الامتنان ففيه: اولا: ان هذا المعنى وان كان اشكالا على المحقق النائيني، لكنه مما لا يتجه الالتزام به من قبل المستشكل، لان دليل البراءة في نظره لا يختص بحديث الرفع - كما يرى الشيخ ذلك -، كي يقال باختصاص مجراها بما يكون في جريانها امتنانا على العباد، لانه لسان حديث الرفع. بل أنه ألتزم بان استصحاب عدم التكليف من أدلة البراءة ايضا، وخالف في ذلك الشيخ (رحمه الله) حيث استشكل في تماميته دليلا على البراءة. ومن الواضح ان دليل الاستصحاب لا يختص بمورد الامتنان، وعليه فحديث الرفع ان لم يشمل الشك في الصورة المزبورة فاستصحاب عدم التكليف يكفي في اجراء البراءة فيه بنظر المستشكل. وثانيا: ان ما ذكره لا يصلح اشكالا على المحقق النائيني ايضا، وذلك لان نفي الوجوب قبل الوقت ان لم يمكن بادلة البراءة لمنافاتها الامتنان، فهو ممكن بالاستصحاب، إذ يمكن استصحاب عدم الوجوب إلى الوقت ولا مانع منه. ولنا ان ندافع عن المحقق النائيني فنقول: ان نظره هو نفي التكليف قبل الوقت، ولم يثبت أنه التزم به لجريان اصل البراءة، وصدور التعبير بالبراءة لا صراحة فيه في كون الدليل هو أصل البراءة، بل يمكن ان يكون تعبيرا عن نتيجة الاستصحاب المحكم في المقام. فتأمل. واما ما افاده من عدم علمية الوجه الذي ساقه المحقق النائيني لبيان عدم وجوب الوضوء بعد الوقت لمن أتى به بعده، وان الوجه العلمي ان يحرر بنحو آخر، وهو ما تقدم. فهو غير سديد لانه إنما يتم إذا التزم بلزوم الاتيان

[ 236 ]

بالتقيد لمكان العلم الاجمالي، فانه يقال - كما افاده المحقق الخوئي - ان أصل التقيد معلوم، اما التقيد بالوضوء بالخصوصية المعينة - أعني كونه بعد الوقت - فهو غير معلوم فتجري فيه البراءة. ولكن المحقق النائيني لم يلتزم بلزوم التقيد، بل عرفت انه أجرى البراءة منه، فلا معنى أن يقال إن أصل التقيد معلوم والشك في خصوصية زائدة عليه، بل المتعين هو تحرير الوجه بالنحو الذي ذكره من ان المعلوم هو لزوم الوضوء على من لم يات به قبل الوقت، اما من أتى به قبله فلزومه عليه بعده غير معلوم فتجري فيه البراءة. هذا تمام الكلام في تأسيس الاصل وتحقيقه بمقامه. وههنا تنبيهان ذكرهما صاحب الكفاية، وتابعه في التعرض اليهما الاعلام، وتبعا للاعلام ولما يترتب عليهما من أثر علمي وعملي نتعرض إليهما بالتفصيل. التنبيه الاول: وموضوعه استحقاق العقاب والثواب على مخالفة الامر الغيري وموافقته. وقد تعرض صاحب الكفاية فيه إلى جهات ثلاث: الجهة الاولى: بيان عدم استحقاق العقاب والثواب على مخالفة الامر الغيري وموافقته (1). وقد ذكر لتفريبه وجوه: الاول: ما جاء في الكفاية من: بناء العرف والعقلاء على عدم العقاب والثواب على المقدمات، ولذا لا يرون من يترك واجبا ذا مقدمات متعددة انه مستحق لعقابات متعددة بعدد المقدمات، كما لا يرون من ياتي بمثل هذا الواجب بمقدماته مستحقا لثوابات متعددة، بل لا يرونه مستحقا لغير عقاب واحد أو


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 110 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 237 ]

ثواب واحد على ترك الواجب أو فعله (1). الثاني: ما ذكره المحقق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية، وهو وجه برهاني لا عرفي كالاول، ومحصله: ان الوجوب المقدمي بما انه معلول لوجوب ذي المقدمة، لكون الغرض منه غرض تبعي لا استقلالي، كانت محركيته وباعثيته تبعية ايضا بتبع باعثية ومحركية الامر النفسي، فان انبعاث نحو الامتثال الامر النفسي لازم للانبعاث نحو إمتثال الامر الغيري، كملازمة البعث الغيري للبعث النفسي، وإذا كان الانبعاث عن الامر الغيري تابعا للانبعاث عن الامر النفسي كان أمرا ارتكازيا كنفس البعث الغيري قد لا يلتفت إليه بنحو التفصيل، وكما أنه غير مستقل في مقام البعث والانبعاث كذلك هو غير مستقل في مقام عدم الانبعاث، فان عدم الانبعاث عنه بتبع عدم الانبعاث عن الامر النفسي، وعليه فلا يكون الانبعاث عنه موجبا للقرب، ولا عدمه موجبا للبعد، فلا يكون امتثاله موجبا للثواب ولا عدمه موجبا للعقاب (2). الثالث: وهو وجه برهاني آخر، فان ما ذكره المحقق الاصفهاني بهذا المقدار لا يخرج عن كونه وجها صوريا لا يخلو عن خدشة عند التأمل. ومحصل ما نريد ان نقوله بيانا لهذا الوجه هو: ان الثواب انما ينشأ عن اتيان العمل مرتبطا بالمولى بالاتيان به بداعي الامر - الذي هو معنى الامتثال -، فترتب الثواب على موافقة الامر الغيري انما تتصور بالاتيان بالمقدمة بداعي الامر الغيري، ومن الواضح ان الامر الغيري لا يصلح للداعوية والتحريك


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 110 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). هذا ما افاده سيدنا - دام ظله - في مجلس الدرس، لكن ظاهر الكفاية ان الوجه برهاني لا عرفي، لتعبيره باستقلال العقل، وان لم يبين جهته. وعلى كل فهو وجه في نفسه وان لم يكن مراد صاحب الكفاية. هكذا تفضل سيدنا الاستاذ - دام ظله - اخيرا بعد عرض الامر عليه. (منه عفي عنه). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 197 - الطبعة الاولى. (*)

[ 238 ]

اصلا فلا يمكن الاتيان بالعمل بداعي امتثال الامر الغيري. أما انه لا يصلح للداعوية والتحريك، فلان المكلف عند الاتيان بالمقدمة اما ان يكون مصمما وعازما على الاتيان بذي المقدمة أو يكون عازما على عدم الاتيان به، فان كان عازما على الاتيان به، فاتيانه المقدمة - مع إلتفاته إلى مقدميتها كما هو المفروض - قهري لتوقف ذي المقدمة عليها، سواء تعلق بها الامر الغيري كي يدعى دعوته إليها أو لا، فالاتيان بالمقدمة في هذا التقدير لا ينشأ عن تحريك الامر الغيري، بل هو أمر قهري ضروري ومما لا محيص عنه. وان كان عازما على عدم الاتيان بذي المقدمة، فلا يمكنه قصد الامر الغيري بالاتيان بالمقدمة، إذ ملاك تعلق الامر الغيري بالمقدمة هو جهة مقدميتها والوصول بها إلى الواجب النفسي، لو لم نقل - إذ وقع الكلام في أن المقدمية جهة تعليلية للوجوب الغيري أو جهة تقييدية -: بان موضوع الامر الغيري هو المقدمة بما هي مقدمة لا ذات المقدمة. ومن الواضح أنه مع قصد عدم الاتيان بذي المقدمة لا تكون جهة المقدمية وتوقف الواجب عليها ملحوظة عند الاتيان بالمقدمة، ومعه لا معنى لقصد امتثال الامر الغيري، بالعمل، إذا جهة تعلق الامر الغيري غير ملحوظة أصلا. ويتضح هذا الامر على القول بكون الامر الغيري متعلقا بالمقدمة الموصله، فانه مع القصد إلى ترك الواجب النفسي لا يكون الماتي به واجبا بالوجوب الغيري، فلا معنى لقصد امتثاله فيه لانه ليس بمتعلق الوجوب. وخلاصة الكلام: ان البرهان والعمل العرفي قائمان على عدم استحقاق العقاب والثواب على مخالفة الامر الغيري وموافقته. الجهة الثانية: انه بناء على عدم كون ترك الواجب الغيري موجبا لاستحقاق العقاب، فلو ترك مقدمة لواجب استقبالي بحيث لا يتمكن من الواجب في ظرفه عند تركها، كما لو ترك إحدى المقدمات المفوتة كالغسل قبل

[ 239 ]

الفجر للصوم، إذ بتركه لا يتمكن من الصوم في ظرفه (1). فهل يستحق العقاب على ترك الواجب النفسي من حين ترك المقدمة أو من زمان الواجب نفسه ؟. وقد ذكر المحقق الاصفهاني وجها لكل من الاحتمالين: اما وجه استحقاق العقاب من حين ترك المقدمة فهو: ان ملاك الثواب هو انقياد العبد للمولى وكونه بصدد امتثاله أمره، كما ان مناط العقاب هو طغيان العبد وخروجه عن وظيفة العبودية والرقية، فانها هي الجهة التي يترتب عليها العقاب عند ترك الواجب أو فعل المحرم، لكشف ذلك عن عدم كون العبد في مقام الانقياد الى المولى وطغيانه على المولى. ومن الواضح ان هذا المعنى ينكشف ويحصل بترك المقدمة، إذ يتحقق الخروج عن مقام العبودية بتركها الملازم لترك ذيها في ظرفه، فملاك العقاب متحقق بترك المقدمة. واما وجه عدم استحقاقه العقاب قبل مجئ زمان الواجب وانتهائه فهو: ان الانقياد للامر النفسي انما يكون في ظرفه، ولا يعقل تحققه قبل ظرفه، فعدم الانقياد الذي يكون عصيانا وموجبا للعقاب هو عدمه في ظرفه ايضا، لانه هو نقيض الانقياد والاطاعة - للزوم اتحاد الزمان في المتناقضين -، وعليه فملاك العقاب لا يتحقق قبل ظرف الواجب (2). والانصاف ان ما ذكره المحقق الاصفهاني تبعيد للمسافة ونقل للبحث إلى جهة غير ما ينبغي تحريره. فالذي ينبغي ان يقال هو: احالة الالتزام باحد الوجهين على ما يلتزم به في مسالة التجري من استحقاق المتجري للعقاب وعدمه، فان البحث هناك يقع في أن ملاك الثواب والعقاب هل هو نفس مخالفة التكليف وموافقته. وبتعبير


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 110 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 198 - الطبعة الاولى. (*)

[ 240 ]

آخر: ان العقاب يكون على نفس العمل الذي يكون مخالفا للتكليف امرا أو نهيا، أو ان ملاك الثواب والعقاب هو ما يتصف به العبد من كونه في مقام الاطاعة والامتثال، أو كونه في مقام المعصية والمخالفة وان لم يتحقق منه المخالفة فعلا، نعم يشترط فيه اظهار هذه الصفة النفسية، فلا يتحقق العقاب على مجرد كون العبد في مقام المعصية - لو اطلع عليه المولى - مع عدم إظهار ذلك بمظهر. فموضوع النزاع هو: ان العقاب والثواب يترتب على نفس المخالفة والموافقة للتكليف أو يترتب على الانقياد والتجري، والاول كون العبد في مقام الاطاعة مع اظهار ذلك. والثاني كونه في مقام المعصية مع اظهاره إيضا، لا مجرد الصفة النفسانية فانها لا تقضي فانها لا تقتضي ثوابا ولا عقابا. فمع الالتزام بان العقاب يترتب على نفس التجري ولو لم تحصل المخالفة للتكليف، لان ملاك العقاب هو طغيان العبد على المولى الموجب لبعده عنه والحاصل بالتجري - كما عليه المحقق الخراساني (1) -، لابد من الالتزام بان العقاب يتحقق عند ترك المقدمة لتحقق التجري به، واظهار عدم المبالاة بامر المولى، ولاجل ذلك التزم صاحب الكفاية ههنا بترتب العقاب عند ترك المقدمة. ومع عدم الالتزام بذلك، والالتزام بان موضوع العقاب نفس المخالفة فلا عقاب على التجري ما لم يصادف الواقع - كما يظهر من الشيخ (رحمه الله) (2) -، كان الوجه الالتزام - فيما نحن فيه - بترتب العقاب في ظرف الواجب، إذ لا يتحقق ترك الواجب ومخالفته بمجرد ترك المقدمة، لتقيده بظرف خاص وهو بعد لم يات. وبالجملة: لابد من بناء الحق في المقام على ما يحقق في مسالة التجري من


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 259 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 5 - الطبعة الحجرية. (*)

[ 241 ]

أحد الوجهين. واما ما يظهر من المحقق الاصفهاني من نفي ترتب العقاب عند ترك المقدمة، ولو التزم بان موضوع الثواب والعقاب هو الانقياد وعدمه، فهو لا يخلو عن مسامحة. الجهة الثالثة: في توجيه ما ورد في بعض النصوص من ترتب الثواب على بعض المقدمات، كما روي أن في كل خطوة في زيارة الحسين (عليه السلام) كذا من الثواب (1)، فانه بظاهره يتنافي مع نفي الثواب على المقدمة الذي قرر في الجهة الاولى (2). وقد ذكر لذلك وجوه: منها: انه من باب التفضل لا الاستحقاق. ومنها: ان الثواب يكون على ذي المقدمة لكنه بزيادة المقدمات أو بمشقتها يزيد الثواب عليه من باب ان افضل الاعمال أحمزها، فليس الثواب على نفس المقدمة، بل على ذي المقدمة، فانه يثاب عليه بثواب عظيم على قدر مقدماته المذكورة في النص. وبتعبير آخر: ان للواجب - ذي المقدمة - حصصا يكون مقتضى الروايات المزبورة زيادة الثواب على هذه الحصة المعينة وعدمه في غيرها. وتوهم: ان الوعد بالثواب على المقدمات يكشف عن استحباب هذه المقدمات في أنفسها كما يستظهر ذلك من روايات: " من بلغ " (3)، ويبنى على التسامح في ادلة السنن. يندفع: بانه - لو تم في نفسه - إنما يلتزم به لو لم يكن هناك وجه آخر


(1) كامل الزيارات / 133 فيما ورد في زيارة ابي عبد الله الحسين (عليه السلام). (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 110 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (3) المحاسن / 25 والكافي 2 / 87. (*)

[ 242 ]

يوجه به الوعد بالثواب بحيث يحافظ على كونها واجبات غيرية ويجمع بين كلتا الجهتين، اما مع امكان حمل النصوص على ما لا ينافي المقدمية فلا تصل النوبة الى الحمل على الاستحباب النفسي فلاحظ. هذا تمام الكلام في جهات هذا الامر الثلاثة. يبقى الكلام في أمر تعرض إليه الاعلام جميعا، وهو البحث في عبادية الطهارات الثلاث وترتب الثواب عليها، فان فيها اشكالا، وقد قرره الشيخ (قدس سره) في كتاب الطهارة بلزوم الدور (1). وتقريبه يتوقف على مقدمتين: الاولى: ان رفع الحدث المانع من الصلاة، - وان شئت فقل: الطهارة - انما يتحقق بالوضوء إذا وقع الوضوء على وجه العبادية المتوقف على تعلق الامر به كي يقصد الاتيان به بداعي ذلك الامر فيكون عبادة. إذ من الواضح انه إذا جاء بافعال الوضوء من دون ان تتعنون بعنوان العبادية وبلا ان تكون على وجه العبادة لم يتحقق بها رفع الحدث ولا استباحه الصلاة. الثانية: انه لا أمر بالوضوء لاجل الصلاة إلا الامر الغيري الثابت له بملاك المقدمية. وإذا تمت هاتان المقدمتان ياتي الاشكال، وذلك لان الامر الغيري انما يتعلق بالوضوء بما أنه مقدمة - باعتبار أنه رافع للحدث المانع، ورفع المانع من المقدمات -، ومقدميته متوقفة على الاتيان به على وجه العبادة - إذ عرفت ان رفع الحدث المانع يتوقف على إتيانه بنحو العبادة -، والاتيان به على وجه العبادة يتوقف على الامر به، فعليه يكون الامر الغيري متوقف على مقدميته ومقدميته متوقفة على الامر الغيري به فيلزم الدور. وعبر عن هذا الاشكال بعبارة اخرى ومحصلها: ان ايجاب الوضوء الغيري يتوقف على كون الوضوء مقدمة في نفسه،


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. الطهارة / 87 - الطبعة الاولى. (*)

[ 243 ]

وهذا يتنافى مع فرض كون مقدمية الوضوء تتوقف على الاتيان به بداعي امتثال الامر، إذ لا أمر هنا غير الامر الغيري. ومن هنا لابد من رفع اليد عن إحدى المقدمتين، فيلتزم: اما بوجود أمر آخر متعلق بالوضوء غير الامر الغيري، يكون قصده مصححا لعبادية ومحصلا لمقدميته فيتعلق به بما هو كذلك الامر الغيري، فلا دور، إذ الامر الغيري وان توقف على عبادية الوضوء، لكن عبادية الوضوء غير متقومة به، بل بالامر الآخر المفروض. واما بتحقيق رفع الحدث من دون التعبد بالوضوء ووقوعه بنحو العبادية، بل يكون من لوازم الفعل كرفع الخبث، فيرد الامر الغيري على الوضوء لانه مقدمة في نفسه. ولكن الالتزام الاول خلاف فرض عدم وجود أمر غير الامر الغيري. والثاني مناف للاجماع المنعقد على توقف رفع الحدث بالوضوء على الاتيان به بنحو العبادة. فالاشكال وارد، الا انه تصدي لدفعه بوجهين: الوجه الاول: ان الوضوء في نفسه معنون بعنوان واقعي راجح في ذاته، بذلك العنوان يكون الوضوء رافعا للحدث، إلا أن العنوان من العناوين القصدية التي لا تتحقق إلا بالقصد إليها - نظير عنوان التعظيم -. وعليه، فالوضوء مع قطع النظر عن الامر الغيري مقدمة لتحقق رفع الحدث به بدونه بقصد ذلك العنوان الراجح في ذاته الموجب لوقوعه بنحو العبادة. فيتعلق به الامر الغيري من دون اشكال، لان عبادية الوضوء لا تتوقف على الامر الغيري - كي يلزم الدور -، بل هو عبادة مع قطع النظر عن الامر الغيري. نعم هناك شئ، وهو انه لما كان العنوان القصدي الذي يتعنون به الوضوء مجهولا لدينا فلا طريق إلى قصده إلا بقصد امتثال الامر الغيري

[ 244 ]

بالعمل، إذ الامر الغيري متعلق بالوضوء بلحاظ العنوان المتعنون به، فيكون العنوان بذلك مقصودا اجمالا، ويكون قصد امتثال الامر الغيري طريقا إلى قصد العنوان القصدي. وبالجملة: التقرب والعبادية الحاصلة بالوضوء ناشئة من رجحانه الذاتي بلحاظ العنوان المنطبق عليه، وليست ناشئة من قصد الامر الغيري. ومن هنا يظهر ان استحقاق الثواب ليس من جهة قصد الامر، كي يقال بان الامر الغيري مما لا يستحق على موافقته المثوبة، بل من جهة رجحانه الذاتي ولكونه في نفسه عبادة. هذا توضيح ما افاده الشيخ من الاشكال، والوجه الاول من الجواب. ومنه تعرف ما في الكفاية من المسامحات وذلك بامور ثلاثة: الاول: ذكره هذا الوجه جوابا عما قرره من الاشكال في الطهارات الثلاث، ببيان انه قد أجيب به عنه، وما قرره من الاشكال يختلف عما - قرره الشيخ من اشكال الدور - كما ستعرفه ان شاء الله تعالى -، فالجواب المذكور لم يذكر جوابا عن اشكال صاحب الكفاية، بل ذكر جوابا عن اشكال الدور الذي ذكره الشيخ. الثاني: ذكر الجواب بنحو ناقص، فانه لم يذكر فيه كون العنوان الذي يتعنون به الوضوء من العناوين الراجحة في ذاتها الذي صرح به الشيخ، بل غاية ما جاء في الكفاية انه من العناوين القصدية، فتقصد اجمالا بقصد امتثال الامر الغيري. وهذا التصرف مخل بالمقصود كما سيتضح. الثالث: الايراد عليه بانه لا يفي برد اشكال ترتب المثوبة على الوضوء. ووضوح هذه المسامحة مما لا يخفى على من لاحظ جواب الشيخ، فانه كيف لا يفي برد الاشكال المزبور ؟ مع فرض أنه راجح في ذاته، فتكون المثوبة على رجحانه ذاتا لا على امتثال الامر الغيري، وقد أشار الشيخ (رحمه الله) الى هذا

[ 245 ]

الاشكال واندفاعه، فلم يعلم وجه ذكره، ولعله لاجل عدم فرض العنوان راجحا في ذاته في تقرير الجواب الذي ذكره. وخلاصة القول: ان ما جاء في الكفاية من المسامحات الغريبة التي كون صدورها من مثل صاحب الكفاية مورد العجب، وغاية ما لدينا من الاعتذار عنه أنه لم يكن يحضره حين تحرير هذا المطلب كتاب طهارة الشيخ ليطلع على خصوصيات ما جاء فيها اشكالا وجوابا، بل كان مطلب كتاب الطهارة في ذهنه فكان ذلك منشاءا لفوات بعض خصوصياته عليه. وبعد ذلك نعود الى أصل المبحث، فنذكر ما ذكر من الاشكالات على عبادية الطهارات الثلاث وما قيل في الجواب عنها. والذي يحضرنا من الاشكالات خمسة: الاول: ما جاء في الكفاية من ان موافقة الامر الغيري قد فرض انها لا تستلزم القرب، والمفروض حصول التقرب بالاتيان بالطهارات الثلاث لاجل الصلاة. الثاني: ما جاء في الكفاية - أيضا - من أن موافقة الامر الغيري لا تستوجب ثوابا كما فرض، مع ترتب الثواب على الاتيان بالطهارات الثلاث لاجل الصلاة بلا إشكال. الثالث: ما جاء في الكفاية - ايضا - من ان الامر الغيري أمر توصلي يسقط بمجرد الاتيان بمتعلقه، مع أنه في الطهارات الثلاث ليس كذلك، إذ لابد من الاتيان بها بنحو العبادة وقصد امتثال الامر الغيري (1). الرابع: ما ذكره الشيخ من اشكال الدور، وان الامر الغيري يتوقف على عبادية الوضوء واخويه، فإذا كانت عبادية الوضوء تتوقف على الامر الغيري


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 111 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 246 ]

لزم الدور. وقد مر توضيحه. الخامس: ما افاده المحقق النائيني (قدس سره) من ان الامر الغيري يتعلق بما هو عبادة، والعبادية تحتاج الى الامر، فاما ان تكون عبادية الوضوء ناشئة من تعلق الامر الغيري به، أو من تعلق أمر نفسي آخر به إستحبابي. فعلى الاول يلزم الدور. والثاني ممتنع من وجوه: الاول: انه لو تم، فهو إنما يتم بالنسبة إلى الوضوء والغسل مما قام الدليل على استحبابهما في أنفسهما، واما التيمم فلا دليل على استحبابه في نفسه. الثاني: ان الامر النفسي الاستحبابي ينعدم بعروض الوجوب، لامتناع اجتماع المثلين. الثالث: انه لو كانت العبادية ناشئة من تعلق الامر النفسي بها لما صح الاتيان بها بقصد أمرها الغيري من دون إلتفات إلى أمرها النفسي الاستحبابي، مع انه لا اشكال في صحتها لو أتي بها بدأعي الامر الغيري المترشح عن الامر بذي المقدمة بلا التفات إلى الامر النفسي المتعلق بها، ويشهد لما ذكر عدم صحة الاتيان بصلاة الظهر بداعي الامر الغيري المتعلق بها المترشح من الامر النفسي المتعلق بصلاة العصر، من دون قصد الامر النفسي المتعلق بها بذاتها. وهكذا الاتيان بالصوم الذي هو مقدمة للاعتكاف بداعي أمره الغيري المترشح عن الامر بالاعتكاف بلا قصد الامر النفسي المتعلق به بخصوصه. وهذا يكشف عن أن الطهارات الثلاث ليست كالصوم للاعتكاف وصلاة الظهر من كونها متعلقة للامر النفسي مع كونها مقدمة، والا لجرى فيها ما جرى فيها من لزوم قصد الامر النفسي في صحة العمل (1).


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 174 - الطبعة الاولى. (*)

[ 247 ]

هذا مجموع ما ذكر من الاشكالات، واما ما ذكر من وجوه الجواب فهو: الوجه الاول: ما افاده صاحب الكفاية (رحمه الله) من ان هذه الطهارات الثلاث مستحبة في أنفسها. وهي بما عبادة مقدمة للصلاة، فالامر الغيري متعلق بما هو عبادة في نفسه (1). وبهذا الوجه تندفع الوجوه الاربعة الاولى للاشكال. اما الاول: فلان التقرب لم يحصل من جهة موافقة الامر الغيري، كي يقال ان موافقته لا تستلزم القرب، بل من جهة ان الفعل في نفسه عبادة ومأمور به نفسيا، فالتقرب يحصل بلحاظ موافقته للامر الاستحبابي. واما الثاني: فلان استحقاق الثواب ليس لاجل موافقة الامر الغيري، بل من جهة موافقة الامر الاستحبابي، ولكون الفعل راجح في ذاته. واما الثالث: فلان الامر الغيري ههنا لا يختلف عنه في سائر المقدمات في كونه توصليا، إلا ان متعلقه ههنا ما هو عبادة في نفسه، فلا يتحقق الاتيان بمتعلقه إلا بالاتيان به بنحو العبادية، إذ قد عرفت ان المقدمة ما هو عبادة، فالعبادية ليست من جهة كون الامر الغيري عباديا كي يتجه سوال الفرق بينه هنا وبين غيره في سائر المقدمات، بل من جهة ان الواجب النفسي يتوقف على ما هو عبادة، فمتعلق الامر الغيري ما هو عبادة في نفسه. واما الرابع: فلان العبادية إذا كانت ناشئة من جهة الامر النفسي المتعلق بها يرتفع الدور، إذ الامر الغيري وان توقف على العبادية لقوام المقدمية بها، إلا ان العبادية لا تتوقف على الامر الغيري فلا دور. واما ما ذكره المحقق النائيني (رحمه الله) من وجوه الاشكال على هذا الوجه فهي مندفعة:


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 111 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 248 ]

اما الوجه الاول: فلانه وان لم يقم دليل خارجي على استحباب التيمم في نفسه، الا ان الاجماع القائم على لزوم التعبد به مع عدم تعلق غير الامر الغيري به، إذا كان بنحو يصح الاعتماد عليه ودليلا على ما قام عليه كان بنفسه كاشفا عن استحبابه في نفسه، إذ ذلك يلازم لزوم الاتيان به عبادة، لان لا طريق إلى ذلك غير هذا الوجه. وإذا لم يكن بنحو يصح الاستناد إليه لم يكن وجه للالتزام بلزوم الاتيان بالتيمم بنحو العبادية، إذ لا وجه له غير الاجماع والمفروض انه غير صالح للنهوض على اثبات ما قام عليه. واما الوجه الثاني: فلان الاستحباب وان كان يندك بالوجوب الغيري، الا ان المرتفع هو الامر والارادة بحدها، لا ستلزام بقائه اجتماع المثلين، اما واقع الارادة الاستحبابية وذاتها فهي لا ترتفع بالوجوب الغيري، بل تتداخل الارادتان وتنشاء منهما ارادة واحدة موكدة كتداخل النورين، وذلك يكفي في امكان الاتيان به بنحو العبادة وفي تحقق التقرب كما سيتضح. واما الوجه الثالث: فلوجود الفرق بين الطهارات ومثل الصلاة الظهر والصوم للاعتكاف بحيث يصح قصد الامر الغيري في الطهارات ولا يصح في مثل صلاة الظهر، فلنا دعويان: احداهما: صحة قصد الامر الغيري في الطهارات وتحقق التقرب بذلك. وثانيتهما: عدم صحة قصد الامر الغيري في مثل صلاة الظهر مما يكون واجبا نفسيا. وتقريب الاولى: ان الطهارات وان كانت مستحبة في ذاتها، الا أنها إذا كانت مقدمة لا تكون موردا إلا للامر الغيري، سواء قلنا بان الامر الغيري عبارة عن الارادة الشديدة التبعية أو أنه عبارة حكم مجعول، كما يقال في مثل: " أدخل السوق واشتر اللحم ".

[ 249 ]

اما إذا قلنا بانه عبارة عن نفس الارادة، فتعلقها بالطهارات بحدها مع تعلق الارادة الاستحبابية بها يستلزم اجتماع المثلين وهو محال، بل الواقع هو اندكاك الارادة الاستحبابية بالارادة الوجوبية وخروج كل منهما عن حده الخاص، وتنشا منهما ارادة واحدة مؤكدة، نظير اندكاك النور الضعيف بالنور القوي وانصهار احدهما بالآخر، فينشأ منهما نور واحد أقوى، ولكن لا يكون لكل منهما وجود منحاز عن الآخر أصلا، بل ليس هناك إلا وجود واحد للنور وهو النور الاقوى. فالحال في الارادة كذلك فانه تنشاء من الارادتين المندكتين ارادة واحدة مؤكدة يعبر عنها بالوجوب الغيري، إذ هو يغلب الاستحباب، والمفروض ان الارادة الزامية. كما انه لا تكون ارادة نفسية كما لا يخفى، فلا محيص عن ان تكون هذه الارادة المؤكدة ارادة غيرية، إلا انها ليست كسائر الارادات الغيرية لانها مشوبة بجهة راجحة نفسية، ولاجل ذلك صح قصد الامر الغيري دون الاستحبابي، لعدم بقاء الامر الاستحبابي، بل لا يتصور سوى قصد الامر الغيري، إذ لا أمر غيره. ويحصل بقصده التقرب، إذ هو يشتمل على جهة رجحان في ذاته، فهو ليس على حد سائر الاوامر الغيرية كي يقال ان حصول التقرب به ينافي فرض عدم مقربية الامر الغيري، بل هو أمر غيري، لكنه يختلف عن سائر الاوامر الغيرية، لعدم تمحضه في الغيرية، بل هو مشوب بجهة راجحة ذاتية، فان الجهة الاستحبابية مؤثرة في تحقق التقرب وان لم يكن لها وجود بحدها. نظير النور الضعيف فانه مؤثر في ذاته، لكنه لا تميز له ولا انحياز. وبالجملة: لا منافاة بين الالتزام بحصول التقرب بقصد الامر الغيري ههنا، وبين ما تقدم من عدم مقربية الامر الغيري، إذ الامر الغيري ههنا يختلف عن سائر الاوامر الغيرية لاشتماله على جهة رجحان في ذاته. واما إذا كان الامر الغيري حكما مجعولا، فالامر فيه بالنسبة إلى

[ 250 ]

الاندكاك كذلك، إذ بعد فرض حصول الاندكاك في منشاء الجعل وعدم وجود ارادتين، بل ليس هناك إلا ارادة واحدة لا يعقل فرض تحقق حكمين مجعولين لخلوهما عن منشاء الجعل، فليس لدينا أيضا سوى حكم واحد مجعول هو الحكم الغيري المشوب بجهة رجحان نفسية. وتقريب الدعوى الثانية: ان صلاة الظهر ونحوها مما كان واجبا في نفسه لم يثبت تعلق الامر الغيري بها، إذ هناك من يرى عدم صحة تعلقه لوجود المانع وهو الامر النفسي، فيرتفع موضوع الايراد على هذا ولو سلم تعلق الامر الغيري بها، فهو مندك بالامر النفسي. ومن الواضح ان المغلب هو جانب الارادة النفسية، والامر النفسي لاقوائيته، فيمتنع قصد الامر الغيري حينئذ لعدم وجوده، فلابد من قصد الامر النفسي المتعلق بها. واما الصوم للاعتكاف، فموضوع البحث منه ما إذا كان الاعتكاف واجبا ولم يكن الصوم واجبا، فيكون حاله حال الطهارات المشتملة على جهة استحباب نفسي ووجوب غيري. ولا يخفى ان الالتزام بصحة قصد الامر الغيري فيه وصحته بذلك لا محذور فيه، ولم يثبت قيام الاجماع بنحو يكون حجة على خلافه، إذ لا تصريح للكل بذلك، فدعوى الاجماع ترجع إلى نسبة الحكم إليهم اجتهادا. وبذلك تعرف اندفاع ما افاده المحقق النائيني بحذافيره. وقد تصدى صاحب الكفاية للجواب عن اشكال الاكتفاء بقصد الامر الغيري وصحة الفعل بالاتيان به بهذا القصد، بما توضيحه: ان الامر الغيري حيث انه متعلق بالفعل العبادي، فهو انما يدعو إليه، لان الامر يدعو إلى ما تعلق به فيقصد التقرب بالفعل بتوسط قصد الامر الغيري، فمعنى الاتيان بالعمل بداعي أمره الغيري هو الاتيان به بالنحو العبادي، لانه هو الذي يدعو

[ 251 ]

إليه الامر الغيري (1). وقد استشكل المحقق الاصفهاني في هذا الجواب: بان الامر النفسي الاستحبابي أو الجهة الراجحة النفسية، اما ان يكون ملتفتا إليها عند العمل، أو مغفولا عنها بالمرة، فان كانت ملتفتا إليها كانت هي الداعية إلى العمل، لا الامر الغيري، إذ لا حاجة حينئذ الى توسيط دعوة الامر الغيري. وان كانت مغفولا عنها لم يتحقق القصد إليها ولو اجمالا، فلا تتحقق العبادية، لكون المفروض قوامها بقصد الامر النفسي (2). وهذا الاشكال بظاهره سديد، إلا أنه قد يخدش فيه عند التأمل. فالاولى ان يقال: - اشكالا على صاحب الكفاية -: ان المقصود.. اما ان يكون قصد الامر الغيري بنحو داعي الداعي، بلحاظ أنه يدعو الى الاتيان بالفعل بداعي الاستحباب النفسي لانه متعلقه، فيكون الامر الغيري داعيا إلى داعوية الامر النفسي، فيؤتى بالفعل بداعي الامر النفسي، والمجموع بداعي الامر الغيري. فإذا كان المقصود هذا المعنى، فهذا مما لا يستشكل فيه أحد، لفرض قصد الامر النفسي، وكون الامر الغيري بنحو داعي الداعي أمر لا محذور فيه، بل له نظائر واشباه في كثير من الفروع. وبالجملة: هذا النحو خارج عن المفروض، إذ المفروض كون المقصود خصوص الامر الغيري. واما ان يكون مقصوده قصد الامر الغيري فقط بمعنى انه يؤتى بالعمل كالوضوء بداعي الامر الغيري لا غير، فهذا يتوقف على تعلق الامر الغيري بذات الوضوء. وهو يتصور على نحوين:


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 111 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 201 - الطبعة الاولى. (*)

[ 252 ]

احدهما: ان يتعلق به أمر غيري استقلالي، باعتبار ان المقدمة إذا كانت هي العمل بقصد القربة، فكل من العمل وقصد القربة جزء المقدمة، وجزء القمدمة يكون مقدمة أيضا، فيكون العمل بنفسه مقدمة ويتعلق به الامر الغيري بذاته. ثانيهما: ان يتعلق به أمر غيري ضمني، باعتبار تعلق أمر استقلالي واحد بالمركب من الوضوء وقصد القربة، وهو ينحل إلى أمرين ضمنيين غيريين يتعلق أحدهما بذات الوضوء. وعلى أي حال فالوضوء متعلق لامر غيري يقصد امتثاله عند الاتيان به. وهذا المعنى لم تم، فهو لا يستلزم تحقق العبادية بالقصد الاجمالي، بلحاظ أن الامر الغيري يدعو الى ما تعلق به، فان المفروض انه إنما تعلق بذات الوضوء، فهو أنما يدعو إلى ذات الوضوء لا إلى الوضوء بقصد القربة، فمن أين تتحقق عبادية الوضوء ؟ فالمتعين في جواب اشكال الاكتفاء بقصد الامر الغيري ما ذكرناه. ونتيجة ما تقدم هو: ان الوجه الذي ذكره صاحب الكفاية في رفع اشكال عبادية الطهارات وجه خال عن المحذور، فهو ممكن ثبوتا. إلا انه انما يتعين الالتزام به إثباتا لو لم يتم وجه آخر من الوجوه المذكورة في دفع الاشكال، إذ ينحصر حل العويصة به، ويكون هو طريق الجمع بين الاجماع على عبادية الطهارات وما يرد على العبادية من إيراد. واما لو فرض تمامية بعض الوجوه الآتية، فلا يتعين الالتزام بهذا الوجه، إذ لامعين له في مقام الاثبات دون غيره. ثم انه لابد من التعرض - بعد إنهاء هذا المبحث - إلى بيان صحة قصد الامر الاستحبابي في مورد تعلق الامر الغيري بالوضوء ونحوه، كما لو دخل الوقت أو عدمها، فان الظاهر من تعبير صاحب الكفاية ب‍: " الاكتفاء بقصد

[ 253 ]

امرها الغيري " هو عدم تعين قصده وجواز قصده الاستحباب كما لا يخفى، مع انه قد يدعي عدم صحة قصد غير الامر الغيري في مورده. وهذا بحث تعرض إليه الاعلام (قدس سرهم)، وان كان بحثا فقهيا وليس من مباحث الاصول. فانتظر. الوجه الثاني: ما ذكره الشيخ (رحمه الله) وقد تقدم بيانه وبعض الكلام حول عبارة الكفاية بالنسبة إليه، ومحصله: الالتزام بان الوضوء معنون بعنوان قصدي راجح في ذاته، يكون قصد الامر الغيري طريقا إلى قصد ذلك العنوان اجمالا، لان الامر الغيري يدعو الى ما تعلق به. ومن الواضح انه تندفع به جميع الاشكالات، فان المقربية والثواب انما يكونان بلحاظ كون العمل بنفسه راجحا لتعنونه بالعنوان الراجح، لامن جهة اقتضاء امتثال الامر الغيري لذلك، كما ان الامر الغيري ليس تعبديا، بل هو توصلي، وقصده انما هو لاجل طريقيته الى قصد العنوان الراجح. كما ان محذور الدور يرتفع به - كما تقدم بيانه - إذ العبادية لم تنشاء من الامر الغيري فتوقف الامر الغيري على عباديته لا تستلزم الدور. واما الاشكالات المذكورة في كلام المحقق النائيني، فقد عرفت اندفاعها، إذ هذا الوجه كالوجه الذي ذكره صاحب الكفاية في النتيجة لكنه يؤاخذ: اولا: بانه لا ملزم للالتزام بان الوضوء متعنون بعنوان قصدي راجح في ذاته، إذ ينحل الاشكال بالالتزام برجحان الوضوء بنفسه واستحبابه بذاته - كما ذكره صاحب الكفاية - بلا حاجة إلى فرض عنوان مجهول قصدي، فان ذلك تبعيد للمسافة. وثانيا: بما جاء في الكفاية من الايراد على توجيه قصد الامر الغيري، بانه لاجل تحقق قصد العنوان اجمالا للجهل به. وتوضيحه: ان قصد العنوان المجهول بتوسط الامر الغيري لا ينحصر

[ 254 ]

باخذ الامر الغيري داعيا الى العمل، بل يتحقق مع أخذه بنحو التوصيف، وكون الداعي شيئا آخر، فيقصد المكلف الاتيان بالوضوء المأمور به لا الوضوء بداعي الامر. فان الوصف اشارة ايضا إلى ذلك العنوان (1). وبمثل هذا الايراد أورد الشيخ (رحمه الله) نفسه على من التزم بلزوم قصد الوجه في العبادات بتقريب: ان الامر انما تعلق بهذه الافعال بلحاظ انطباق عناوين واقعية راجحة عليها، ولا يمكن قصد تلك العناوين تفضيلا للجهل بها، فلا طريق إلا الاتيان بالفعل بداعي الوجوب، لانه متعلق بالفعل المعنون بذلك العنوان، فيكون العنوان مقصودا اجمالا، فقد أورد الشيخ على هذا التقريب، انه لا يستلزم تعين قصد الوجه، بحيث يكون الوجوب داعيا، إذ قصد العنوان الواقعي الراجح يتحقق بالاتيان بالفعل المتصف بالوجوب، بحيث يؤخذ الوجوب بنحو التوصيف لا الداعي. فتدبر. الوجه الثالث: ما نسب صاحب الكفاية إلى الشيخ أيضا، وهو: ان الغرض من ذي المقدمة كما لا يتحقق إلا بالاتيان به بنحو عبادي، فكذلك بتوقف تحقق الغرض من الغاية - ذي المقدمة - على تحقق المقدمة، والاتيان بها بنحو عبادي. فعبادية الطهارات لاجل توقف حصول الغرض من غاياتها عليها (2). ومن الواضح: ان هذا لا يصلح حلا لاي اشكال من الاشكالات السابقة كيف ؟ وهو بيان لموضوع الاشكال، فان نتيجته ليست إلا اثبات ان الطهارات لابد من الاتيان بها بنحو عبادي، وهذه الجهة قد أخذت مفروغا عنها، والمفروض ان الاشكالات مترتبة على الاعتراف بهذه الجهة، فكيف تصلح


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 111 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 112 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 255 ]

حلا للاشكالات ودفعا لها ؟ فان موضوع البحث هو معرفة منشاء عبادية الطهارات الثلاث والسر فيه، بحيث تندفع به الايرادات، لا معرفة ان الطهارات عبادية أو غير عبادية. ومن العجيب نسبته هذا الوجه الى الشيخ (رحمه الله) مع ان الوجه المذكور في كلام الشيخ لا يرتبط به بالمرة. فان الشيخ في مقام دفع اشكال الدور المتقدم ذكره ذكر وجهين: أحدهما ما تقدم وتقدم الكلام حوله. وثانيهما هو: ان المقدمية إذا كانت متقومة بكون الفعل عباديا، فلا محيص عن ان يلتجئ المولى إلى الامر بذات العمل - بدون أخذ قصد الامر فيه، بناء على امتناع أخذه في متعلق الامر كما تقدم البحث فيه -، ثم اعلام المكلف بلزوم الاتيان بالفعل بداعي أمره، وان الغرض منه لا يتحقق بدون ذلك، وبذلك لا يحتاج الى أمر آخر لتحقق غرض المولى بذلك، فيكون الامر مقوما للمقدمية ومغن عن أمر آخر، وبذلك يرتفع الدور، إذ عبادية الفعل وان نشات من تعلق الامر به، لكن الامر تعلق بذات العمل، فهو لا يتوقف على الفعل العبادي كي يتحقق الدور (1). ومن الواضح ان ما جاء في الكفاية لا ربط له بما ذكرناه عن كتاب الطهارة، فان ما جاء في كتاب الطهارة حل للاشكال، ومن العجيب ان المشكيني ادعى ان الوجه المذكور في الكفاية هو مختار التقريرات (2)، فانه كما عرفت لا يحل اشكال الدور أصلا، بل هو يمهد موضوع الاشكال، وقد عرفت ان الاشكال الذي ذكره الشيخ هو اشكال الدور فقط، فكيف يجعل هذا الوجه جوابا له وردا عليه ؟ وبذلك نستطبع الجزم بعدم كونه مراد التقريرات وان لم


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. الطهارة / 88 - الطبعة الاولى. (2) كما في حاشية كفاية الاصول 1 / 179 - طبعة المحشاة بحاشية المشكيني. (*)

[ 256 ]

تحضرنا التقريرات فعلا (1). واعجب منه ما ذكره المحقق الاصفهاني من: ان الوجه الذي في الكفاية هو نفس الوجه المذكور في كتاب الطهارة بادنى تغيير (2)، فانك قد عرفت البون الشاسع بينهما وعدم ارتباط احدهما بالآخر. ومجمل الكلام: ان الانسان يقف موقف الحيرة والاستغراب تجاه هذه الاشتباهات المتكررة. فلا حظ. الوجه الرابع - وهو ما نقله صاحب الكفاية -: انه يلتزم بوجود أمرين: أحدهما يتعلق بذات العمل. وثانيهما يتعلق بالعمل بقصد الامر الاول، فيتمكن المولى بهذه الطريقة من تحقيق عبادية الطهارات، إذ بدون ذلك لا يتمكن منه، لعدم كون الطهارات بنفسها عبادة، وعدم إمكان أخذ قصد الامر في متعلق الامر الاول. وأورد عليه في الكفاية بوجهين: الاول: ان ذات العمل ليست بمقدمة، إذ المفروض كون المقدمة هو العمل العبادي لا مجرد الحركات الخاصة. وعليه فيمتنع ان يتعلق بها أمر غيري مترشح من الامر النفسي، إذ ملاك تعلق الامر الغيري بالعمل كونه مقدمة للواجب النفسي، فلا يتعلق بما ليس بمقدمة. الثاني: انه قد مر امتناع تصحيح أخذ قصد الامر في متعلق الامر شرعا بالالتزام بامرين، وانه لا محيص عن كونه مما يحكم به العقل لا الشرع. فتصحيح عبادية الطهارات بامرين لا يخلو عن المحذور (3).


(1) ذكر سيدنا الاستاذ - دام ظله - في اليوم الثاني: بانه راجع التقريرات، فوجدها غير موافقة لما ذكره صاحب الكفاية كما جزم به اولا. (منه عفي عنه). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 203 - الطبعة الاولى. (3) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 112 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 257 ]

والتحقيق ان الوجه الاول لا يخلو عن بحث، وهو: ان الامر الاول الذي يتعلق بالطهارات الثلاث اما ان يكون غيريا، أو نفسيا تهيئيا، أو نفسيا استقلاليا. اما إذا كان غيريا - كما هو مفروض ايراد صاحب الكفاية بحسب ما فهمه من كلام المستدل - فيصح تعلقه بذات العمل على بعض الوجوه. بيان ذلك: ان العمل مع قصد القربة اما ان يلتزم بانهما ماخوذان بنحو التركيب، فيكون كل منهما جزء المقدمة، أو يلتزم بان الامر متعلق بالعمل القربي بنحو التوصيف والتقييد. فعلى الاول: لا امتناع في تعلق الامر الغيري بذات العمل، لانه يكون بنفسه مقدمة، فان جزء المقدمة مقدمة، كما لا يخفى. وعلى الثاني: فاما ان يبنى على انحلال الواجب والمامور به إلى جزئين، ذات العمل والتقيد، بحيث يختص كل منهما بامر ضمني. وعلى هذا الاساس يبنى على جريان البراءة في الاقل والاكثر عند الشك في شرطية شئ، كما تقدمت الاشاره إليه في اول مبحث التعبدي والتوصلي. أو يبنى على عدم انحلال المأمور به، وان الواجب في الحقيقة امر بسيط، وهو الحصة الخاصة. وعلى هذا الاساس يبنى على عدم جريان البراءة مع الشك في شرطية شئ في باب الاقل والاكثر. فان بني على انحلال المأمور به المقيد إلى جزئين، يكون كل منهما قابلا لتعلق الا مربه، فلا مانع حينئذ من تعلق الامر الغيري بذات العمل لانه جزء المأمور به. نعم إذا لم يبن على الانحلال لم يتجه تعلق الامر بذات العمل، لانه ليس

[ 258 ]

بمأمور به ولا يمكن ان يكون مامورا به لعدم توفر الملاك فيه. فاشكال صاحب الكفاية انما يتوجه على البناء الاخير، والا فهو على البنائين الاولين غير متجه. وتحقيق أحد هذه المباني ليس محله ههنا، بل له مجال آخر ياتي التعرض إليه. فالمتعين من ايرادي الكفاية هو الثاني، فقد مر بيان مراد الكفاية من الاشكال على تصحيح أخذ الامر في متعلق الامر بالالتزام بامرين، وانه مما لا محيص عن الالتزام به فيتوجه على هذا الوجه ويضاف إليه ايرادين آخرين: احدهما: ما تقدم من ان الامر الغيري غير قابل للدعوة والتحريك نحو العمل المأمور به، فلا وجه لان يدعو الامر الثاني الى دعوة الامر الاول. وثانيهما: ان قصد امتثال الامر الغيري الاول بتوسط الامر الثاني لا يستوجب المقربية وترتب الثواب عليه كما تقدم، وتعدد الامر لا يصحح ترتب الثواب وحصول القرب كما لا يخفى. وبعبارة اخرى نقول: ان المقصود من الامر الثاني انما هو الاتيان بالعمل بقصد الامر الاول ليكون عباديا، وهو غير متحقق، إذ الامر الاول لما كان غيريا لا يكون قصده محققا للعبادية، إذ لا يوجب القرب، فلا يتوصل الى العبادية بتعدد الامر. هذا إذا كان الامر المتعلق بذات العمل غيريا. واما إذا كان نفسيا تهيئيا، بمعنى انه أمر مستقل غير تابع لثبوت الامر بالغاية، ولكن الغرض منه التوصل إلى تحقق الغاية، فهو وسط بين الامر الغيري والنفسي المحض. وقد التزم بتعلقه بالمقدمات المفوتة عند عدم تمامية الوجوه المذكورة في تصحيح وجوبها قبل زمان وجوب ذيها. فيرد عليه: انه يمتنع تعلق الامر النفسي التهيئي في هذا الفرض ونحوه

[ 259 ]

مما كان وجوب ذي المقدمة فعليا، وذلك لما ذكرناه في الامر الغيري من عدم قابليته للدعوة والتحريك. ببيان: ان المكلف اما ان يكون في مقام امتثال الامر النفسي بذي المقدمة أو لا يكون، فان كان في مقام امتثال الامر النفسي، كان إتيانه بالمقدمة مما لابد منه، سواء قصد امتثال الامر التهيئي أو لم يقصد. وان لم يكن في مقام امتثال الامر النفسي لم يتحقق منه قصد الامر التهيئي، إذ قد عرفت انه بملاك التوصل إلى الواجب الآخر، فإذا لم يقصد امتثال الواجب الآخر لم يتحقق التوصل قهرا، فلا يلحظ ملاك الامر التهيئي عند اتيان العمل، فيمتنع قصد امتثاله. نعم الامر التهيئي المتعلق بالعمل قبل زمان الواجب الآخر المقصود التوصل به إليه، كالمتعلق بالمقدمات المفوتة، له قابلية الدعوة، إذ لولاه لما أتي بالمقدمة المستلزم لترك الواجب، فيمكن ان يكون الداعي للاتيان بالمقدمة ليس الا تعلق الامر به، ولولاه لما أتى به وكان معذورا في ترك الواجب في ظرفه، لعدم القدرة عليه، وعدم الملزم لايجادها أو المحافظة عليها قبل ظرفه. واما إذا كان الامر نفسيا محضا وذاتيا بلا ارتباط له بامر آخر. فلا اشكال فيه، إلا أنه خارج عما هو محل الكلام، فان الغرض من هذا الوجه تصحيح عبادية الطهارات من طريق غير الامر النفسي، والا رجع هذا الوجه الى الوجه الاول الذي التزم فيه باستحباب الطهارات بذاتها. فالتفت. الوجه الخامس: ما افاده المحقق النائيني (قدس سره) من ان الشرائط كالاجزاء متعلقة للامر الضمني النفسي، فالاتيان بها بداعي أمرها النفسي الضمني كما يؤتى بالاجزاء كالركوع. وعليه فعبادية الطهارات باعتبار تعلق الامر النفسي، وبذلك تندفع الايرادات، إذ المقربية والثواب ناشئان من امتثال الامر النفسي الضمني، ولا أمر غيري في المقام كي يستشكل في عباديته، واشكال الدور يندفع بما يدفع به نفس الاشكال على تعلق الامر بنفس العمل

[ 260 ]

وذي المقدمة المفروض كونه عباديا، والمحاذير الاخرى التي ذكرها (قدس سره) واضحة الاندفاع (1). وهذا الوجه - مع غض النظر عن صحة ما التزم به من كون الشرائط كالاجزاء متعلقة للامر الضمني، وعدم صحته، فانه محل كلام، فقد أدعي امتناعه - غير سديد، فانه لو سلم كون الامر الضمني يتعلق بالشرائط، فالشرط في ما نحن فيه هو الطهارة لا نفس الوضوء وهي مسببة عن الوضوء، والاشكال في تصحيح عبادية نفس الاعمال الماتي بها، وهي لا تكون متعلقة للامر الضمني لانها ليست شرطا، كما ان الطهارة غير متعلقة للامر الضمني، إذ للشيخ (رحمه الله) بيان وجيه لعدم امكان تعلق الامر بالطهارة اصلا - يأتي ذكره في محله ان شاء الله تعالى -، فالطهارة ليست على حد سائر الشرائط في كونها متعلقة للامر الضمني النفسي. فتدبر. الوجه السادس: ما ذكره السيد الخوئي (حفظه الله) من انه يمكن الاتيان باحدى الطهارات بقصد التوصل بها إلى الواجب النفسي التي هي مقدمة له، فانه محقق لعباديتها، إذ يكفي في تحقق العبادية الاتيان بالفعل مضافا إلى المولى المتحقق بقصد التوصل، وان لم نقل بوجوب المقدمة غيريا. فعبادية الطهارات الثلاث تتحقق - بنظر السيد الخوئي - بطريقين: أحدهما: قصد أمرها النفسي لو دل الدليل الاثباتي على استحبابها في انفسها كما هو مختاره. ثانيهما: قصد التوصل بها إلى الواجب النفسي، وان لم يلتفت إلى استحبابها النفسي (2).


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 175 - الطبعة الاولى. (2) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 401 - الطبعة الاولى. (*)

[ 261 ]

ولتحقيق الحال في الطريق الثاني - إذ مر الكلام في الطريق الاول - لابد ان نقول: انه مما لا اشكال فيه ان هناك فرقا بنظر العرف والعقلاء بين الاتيان بالمقدمة بقصد التوصل بها إلى الواجب النفسي، والاتيان بها لا بهذا القصد، بل بقصد دنيوي في حصول المثوبة والقرب في الاول دون الثاني. فانه إذا وجب الوصول الى الكوفة، وكان المشي مقدمة لتحققه، فان اتيانه بالمشي بداعي الوصول الى الكوفة الواجب يختلف أثره في مقام الاطاعة والقرب عما لو مشى لا بقصد الوصول، بل بقصد الترويج عن النفس أو ترويض الجسد. فان مثل هذا لا يقبل الخلاف، إلا ان تحقق القرب والثواب عند الاتيان بالمقدمة بداعي التوصل بها إلى الواجب النفسي يمكن أن يرجع سره الى أحد وجوه ثلاثة: الاول: أنه شروع في إطاعة الامر النفسي المتعلق بذي المقدمة، بلحاظ توقفه على المقدمة، فالاتيان بالمقدمة شروع في إطاعة الامر النفسي، فيستحق الثواب على المقدمة من باب أنه اطاعة للامر النفسي لا على ذات الاتيان بالمقدمة. الثاني: ان الثواب على نفس العمل، إلا أنه من جهة كشفه عن تحقق صفة حسنة لدى العبد، وهي صفة الانقياد، وقد تقدم ان حسن الانقياد حسن فاعلي لا فعلي، فمدح المنقاد لا يكون على فعله بل على الصفة الحسنة ألتي يكشف عنها الفعل، إذ قد يكون الفعل في نفسه مبغوضا، كما لو قتل ابن سيده بتخيل انه عدوه. وبالجملة: التقرب الحاصل في صورة الانقياد انما يتحقق بصفة الانقياد لا بالفعل المنقاد به. الثالث: ان الثواب على ذات العمل لمقربيته بنفسه. ولا يخفى ان العبادية المعتبرة في ما نحن فيه هي الاتيان بالفعل بنحو مقرب. وبتعبير أوضح: هو التقرب بالفعل بحيث يكون نفس الفعل سببا للقرب

[ 262 ]

لكونه محبوبا للمولى. وعليه، فقصد التوصل بالمقدمة إنما يجدي لو ثبت ان حكم العقلاء بترتب الثواب عليه - الذي لا كلام فيه - يرجع سره الى الوجه الثالث. واما إذا كان مرجعه إلى أحد الوجهين الاولين، فلا ينفع في العبادية المعتبرة، إذ لا تقرب بنفس العمل على الوجهين الاولين كما لا يخفى. ومن الواضح ان الجزم بكون مرجعه هو الوجه الثالث في غاية الاشكال - ان لم نقل في غاية البعد -، إذ الاحتمال الاول لا دافع له، ولو فرض تنزلا اندفاعه، فلا نجد في انفسنا دافعا للاحتمال الثاني، فانه قريب إن لم نقل أنه متعين. ويؤيد نفي كون قصد التوصل موجبا للعبادية: ان اغلب المقدمات في كثير من الموارد يؤتي بها قصد التوصل، إذ لا يكون غرض للعبد فيها غير الوصول بها الى الواجب النفسئ، فلازم الوجه المذكور كون جميع هذه المقدمات تعبدية، وهذا مما لا يلتزم به أحد. كما يؤيده: انه لو جاء بالمقدمة بقصد التوصل وجاء بذيها بداع غير قربي كالرياء، لزم ان تكون المقدمة بما أنها مقدمة عبادية دون ذيها، وهو مستبعد جدا. ثم أنه قد يورد على قصد التوصل بالطهارات الثلاث وتحقق العبادية به بلزوم الدور بتقريب: ان التوصل انما يكون بما هو مقدمة، والمفروض ان المقدمة ما هو عبادة لا ذات العمل، فإذا كانت العبادية ناشئة عن قصد التوصل يلزم الدور، لان قصد التوصل يتوقف على ان يكون العمل عبادة بنفسه، والعبادية تتوقف على قصد التوصل، وهو الدور. والجواب عن هذا الايراد: ان المراد من التوصل المقصود بالعمل ليس هو التوصل الفعلي المباشر، بمعنى ترتب ذات الواجب على المقدمة مباشرة وفعلا. بل المراد به التوصل الى الواجب من جهة هذه المقدمة فقط، باعتبار انها

[ 263 ]

تقع في طريق الوصول إليه فيؤتي بها بقصد التوصل من جهتها ولو لم يتحقق التوصل الفعلي، لامكان توقف الواجب على مقدمات اخرى. فمثلا لو وجب الكون في الكوفة، فكل خطوة في المشي مقدمة يمكن قصد التوصل بها الى الواجب، ومن الواضح انه لا يتحقق التوصل الفعلي إلا بآخر خطوة، فان ما قبلها من الخطوات من قبيل المعد. وبالجملة: المراد هو ايجاد القدرة على الواجب من جهة هذه المقدمة ورفع المانع من قبلها، بحيث لو انضمت سائر المقدمات تحقق الواجب فعلا، فالمراد من التوصل التوصل التقديري. إذا اتضح هذا فنقول: ان المقدمة وان كان العمل العبادي إلا ان ذات العمل ايضا مقدمة باعتبار انه جزء المقدمة. وعليه فيمكن ان يقصد التوصل بذات العمل بلحاظ ايجاد القدرة على الواجب من جهته فقط، لا القدرة الفعلية - كي يقال بتوقفها على العبادية فيمتنع حينئذ قصد التوصل - وتحقق العبادية فتحقق العبادية به لا يستلزم الدور. فالعمدة في الايراد على الوجه المزبور ما ذكرناه. والذي ينتج من مجموع ما تقدم: ان جميع الوجوه المتقدمة غير خالية عن الاشكال سوى الوجه الذي ذكره صاحب الكفاية الذي يرجع الى استحباب الطهارات ذاتا وفي انفسها. ومن الواضح انه نستطيع بنفس هذا الوجه اثبات إستحباب الطهارات الثلاث النفسي من دون حاجة الى البحث عن الدليل الخاص على ذلك، وذلك لان إذا قام الاجماع على لزوم الاتيان بها على نحو عبادي - كما هو المفروض - ولم يكن وجه مصحح لعباديتها سوى الالتزام بالامر النفسي كشف ذلك عن تعلق الامر النفسي بها، فانه ملازم لتعلق الامر الوجوبي بالواجب المقيد بها، لعدم التمكن منه بدون تعلق الامر النفسي بها، كي يستطاع

[ 264 ]

الاتيان بها بنحو عبادي فيحصل التعبد المعتبر في الواجب. وانت خبير في ان هذا إنما يجدي في اثبات تعلق الامر النفسي بها بعد دخول وقت الواجب للملازمة بين وجوب الواجب وبين إستحبابها بالتقريب الذي عرفته، اما تعلق الامر النفسي بها قبل دخول الوقت وتعلق الامر بالواجب النفسي فلا يتكفل هذا الوجه إثباته، فانه غاية ما يتكفل توقف عباديتها على الامر النفسي، وهذا انما يثبت الامر النفسي في صورة تعلق الامر الغيري بها، لتوقف ذي المقدمة على الاتيان بها المتوقف على استحبابها فيكشف عن تعلق الامر النفسي بها، دون ما لم يتعلق الامر الغيري بها، لانه لا يقتضي لزوم الاستحباب، بل غاية ما يقتضي انه عند وجوبها والامر بها لابد وان يؤتى بها بنحو عبادي المتوقف على الاستحباب. ولاجل ذلك وقع البحث من الاعلام في اثبات استحباب الطهارات النفسي في كل آن من الدليل الخارجي غير هذا الوجه. والثمرة: انه لو ثبت استحبابها النفسي كان الاتيان بها قبل الوقت بداعي القربة ممكنا، بخلاف الوجه الاول، فانه انما يتكفل إثبات إستحبابها النفسي بعد الوقت بالملازمة المذكورة. وهذا البحث وان كان بحثا فقهيا لا يرتبط بالاصول، إلا أنه يحسن التعرض إليه لمزيد الفائدة فيه وعدم تنقيحه كما ينبغي. لابد قبل التعرض إلى هذا المطلب من التعرض إلى بحث اخر لم ينقح كما ينبغى.. وهو معرفة كون الشك في اعتبار شئ في الطهارات الثلاث من جزء أو شرط مجرى للبراءة أو الاشتغال، ويتفرع على ذلك تحقيق كون الطهارة امرا مسببا عن هذه الافعال أو أنها عنوان لها. وتحقيق ذلك: انه قد التزم بان الشك المذكور يكون مجرى للاشتغال لا البرائة

[ 265 ]

وذلك: لان الامر تعلق بالطهارة وهي امر بسيط، وهذه الافعال محققات ومحصلات للطهارة، فيكون الشك في اعتبار جزء فيها شكا في المحصل، والمقرر انه مجرى للاشتغال، لانه شك في تحقق الامتثال لا في التكليف. وقد استشكل في هذا الوجه: بان الطهارة ليست امرا مغايرا لهذه الافعال، فانها عنوان لهذه الافعال، فوجودها عين وجود الافعال. وعليه فيكون الشك في الحقيقة شكا في التكليف الزائد، لان الامر متعلق بهذه الافعال بعنوان كونها طهارة. وهذا الوجه مما يشعر به كلام الفقيه الهمداني وحققه المحقق الاصفهاني وتابعه على ذلك السيد الخوئي (1). ولتوضيحه نقول: ان الامور الاعتبارية التي تتحقق بامر من الامور. تارة: تكون نسبتها الى ما يحققها نسبة المسبب الى المسبب، فيكون لها وجود منحاز عن وجود سببها في عالم الاعتبار، وتكون مغايرة له نظير الملكية بالنسبة الى العقد، فان الملكية غير العقد. واخرى: تكون نسبتها إلى المحقق نسبة العنوان الى المعنون، بحيث ينطبق الامر الاعتباري على نفس محققه فلا تكون بينهما مغايرة وانفصال، نظير التعظيم الحاصل بالقيام، فان التعظيم من الامور الاعتبارية التي تختلف باختلاف الانظار. ومن الواضح انه ينطبق على نفس القيام، فيقال للقيام انه تعظيم فليس التعظيم غير القيام وجودا. إذا عرفت ذلك نقول: ان من يذهب الى اجراء الاشتغال في الطهارات الثلاث ينظر الى ان نسبة الافعال إلى الطهارة نسبة السبب الى المسبب، نظير العقد والملكية الحاصلة به، ومن يذهب الى اجراء البراءة ينظر الى ان نسبة


(1) الغروي الميرزا علي. التنقيح في شرح العروة الوثقى 3 / 515 - 517 - الطبعة الاولى. (*)

[ 266 ]

الافعال الى الطهارة نسبة المعنون الى عنوانه نظير القيام والتعظيم الحاصل به، فلابد.. اولا: من معرفة ما هو الحق من كون نسبة الطهارة الى الافعال نسبة المسبب الى السبب أو نسبة العنوان الى المعنون، وان الاحتمال الثاني هل يمكن تعلقه أو لا ؟. وثانيا: معرفة انه إذا التزم بكون النسبة بينهما نسبة العنوان الى المعنون، فهل يجدي ذلك في اجراء اصالة البراءة عند الشك كما ادعي أو لا يجدي ؟، بل لا يختلف الحال في لزوم اجراء قاعدة الاشتغال على كلا التقديرين ؟. والذي نراه هو عدم معقولية التقدير الثاني - أعني كون النسبة بينهما نسبة العنوان الى المعنون -، وعلى تقدير معقوليته فهو لا ينفع في اجراء اصالة البراءة. اما عدم معقوليته: فلان كون النسبة نسبة العنوان الى المعنون ترجع الى اعتبار العنوان الاعتباري للفعل الخارجي عند تحققه، يعني ان الفعل عند وجوده يعتبر كونه كذا كالقيام، فانه عند وجوده يعتبر انه تعظيم، فالتعظيم عنوان اعتباري للقيام الموجود. وبعبارة اخرى: العنوان يجعل ويعتبر بازاء المعنون، فلابد ان يفرض المعنون موجودا كي يعنون بالعنوان اعتبارا. ومن الواضح انه ليس للوضوء وأخويه وجود استمراري كي يعتبر كونه طهارة مستمرا، بل وجوده وقتي منقطع، مع ان الطهارة أمر استمراري، فعليه نقول: ان اعتبار الطهارة في مرحلة البقاء اما ان يكون مع اعتبار وجود الافعال، فيعتبر كونها طهارة بعد ذلك. أو بدون ذلك، بل لا يكون سوى اعتبار الطهارة. والثاني غير معقول، إذ لازمه اعتبار العنوان بدون معنونه، إذ المفروض انه لا وجود للافعال بقاء لا حقيقة ولا اعتبارا، فتكون الطهارة عنوانا لامر معدوم وهو غير معقول، إذ لا وجود للعنوان بدون المعنون لتقومه به.

[ 267 ]

والاول يستلزم ان يكون هناك اعتباران: أحدهما: اعتبار الافعال وكون الانسان غاسلا ماسحا. والآخر: اعتبار كون هذه الافعال الاعتبارية طهارة. من الواضح انه لو استطاع أحد ان يتفوه بهذا، فهو لغو محض، لانه يتمكن من اعتبار الطهارة بنفسها من دون ملزم للاعتبار الثاني، لكن لا على وجه تكون النسبة نسبة العنوان الى المعنون، بل نسبة المسبب الى السبب، فاعتبار وجود الوضوء بقاء لا أثر فيه كما هو واضح. وبالجملة: الالتزام بكون نسبة الطهارة الى الافعال نسبة العنوان إلى المعنون مما لا يساعد عليه التأمل. واما عدم تأثير الالتزام به في اجراء البراءة: فلان الامر لم يتعلق بنفس الافعال، بل بالعنوان البسيط الاعتباري المنطبق عليها، والافعال تكون محققة لذلك العنوان البسيط المعلوم، فالشك فيها شك في محصل المأمور به، إذ يشك في تحقق الطهارة بدون الجزء المشكوك، ولا يكون الشك شكا في التكليف كما تخيل. وعليه فقاعدة الاشتغال هي المحكمة فيما نحن فيه. والمتحصل: انه لابد من اجراء قاعدة الاشتغال سواء التزم بان النسبة بين الطهارة والافعال نسبة السبب والمسبب أو نسبة العنوان والمعنون. ثم ان ههنا مذهب ثالث، وهو ان الامر لم يتعلق بالطهارة حتى يقع الكلام المتقدم، بل هو متعلق بنفس الافعال من الغسل والمسح. وعليه فمع الشك في اعتبار جزء أو شرط زائد يكون من دوران الامر بين الاقل والاكثر، فانه شك في تكليف زائد على المتيقن، والمقرر ان ذلك مجرى اصل البراءة. ولا يخفى ان هذا أيضا لا ينفع في اجراء البراءة لانه لو سلم فما يثبت به هو تعلق الامر النفسي الندبي بالافعال لا الامر النفسي الوجوبي، فانه لا يحتمل ذلك، إلا في الغسل وهو احتمال ضعيف لا يلتزم به. والذي بنينا عليه في بحث البراءة هو عدم جريان البراءة في الاوامر

[ 268 ]

الاستحبابية، فلا فائدة في اثبات تعلق الامر بنفس الافعال من هذه الجهة. نعم هناك طريق آخر لاجراء البراءة - على هذا الالتزام - وهو اجراؤها في تقيد الواجب النفسي بها. بيان ذلك: انه إذا فرض أخذ نفس هذه الافعال شرطا وكان تقيد الواجب بها معتبرا والتزم بجريان البراءة في مسالة الاقل والاكثر، سواء كان المشكوك جزءا أو شرطا امكن جريان البراءة عند اعتبار شئ في الوضوء زائد على الاجزاء والشرائط المعلومة، وذلك فانه إذا التزم بجريان البراءة عند الشك في اصل الشرطية، فلابد من اجرائها مع الشك في اعتبار خصوصية في الشرط المعلوم، لان التقيد بما هو معلوم الجزئية والشرطية للشرط معلوم الوجوب، والتقيد بالاكثر الزائد غير معلوم، فتجري فيه أصالة البراءة لرجوع في الحقيقة الى الشك في الشرطية الزائدة وهو مجرى البراءة. ففيما نحن فيه حيث يعلم بوجوب التقيد بافعال الوضوء المعلومة الدخل فيه، ولا يعلم بوجوب التقيد بالزائد المشكوك دخله كان ذلك مجرى البراءة. ولا يخفى ان هذا الوجه انما ينفع في اجراء البراءة لو فرض ان الشرط نفس الافعال لا الطهارة التي تتعنون بها الافعال أو تكون مسببة عنها. واما إذا كان الشرط الذي يعتبر التقيد به هو الطهارة، فلا مجال لاجراء البراءة مع الشك في دخل شئ في الوضوء أو احد أخويه، لان الشرط أمر بسيط، وهو معلوم الشرطية، والشك لا يرجع الى دخالة شئ في نفس الشرط كي يكون الشك في الحقيقة شكا في اعتبار التقيد به، بل يرجع الى دخالة شئ فيما هو محقق ومحصل لهذا الشرط المعلوم، ومعه لا تجري البراءة، لان الشك لا يكون شكا في تكليف زائد على ما هو المعلوم. فلاحظ. وحيث انحصر طريق جريان البراءة عند الشك في دخالة شئ في هذه الافعال الخاصة في الالتزام بكونها بذاتها شرطا للواجب النفسي، وليس الشرط هو الطهارة، فلابد من معرفة الحق في هذا الامر..

[ 269 ]

وهو: وان كان ظاهر بعض الادلة حيث ورد فيها الامر بنفس الوضوء لاجل الصلاة كالاية الشريفة وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين امنوا إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم..) الاية (1)، وكبعض الاخبار الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) (2)، الا أنه يتعين رفع اليد عن ظاهرها والالتزام بكون الشرط هو الطهارة لمجموع وجوه: الاول: ورود التعبير عن الحدث بنقض الوضوء، ومن الواضح ان النقض لا يتلام الا مع الاستمرار، والوضوء بذاته غير قابل للاستمرار، فانه افعال خاصة تتحقق وتتصرم لا استمرار فيه، فلا يناسبه اسناد النقض إليه حقيقة، فلا بد ان يكون اسناد النقض إليه مسامحيا بلحاظ انتقاض أثره الاستمراري بالحدث وهو الطهارة، فانها قابلة للنقض لاستمراريتها. ودعوى: انه لا ينحصر اثر الوضوء المستمر القابل للنقض بالطهارة، بل له أثر آخر هو جواز الدخول في الصلاة واستباحة الصلاة به، وهو حكم اعتباري مستمر يمكن ان يكون النقض بلحاظه، فلا دلالة للتعبير بالنقض على كون الشرط هو الطهارة. تندفع: بانها خلاف الظاهر، فان الظاهر ان التعبير بالنقض لبيان عدم تحقق الشرط الذي يترتب عليه جواز الدخول في الصلاة، فالملحوظ في النقض مقام تحقق الشرط ليترتب عليه عدم جواز الدخول في العمل المشروط به لا نفس الحكم المترتب على تحقق الشرط ويشهد ما جاء في بعض النصوص من بيان عدم جواز الدخول في الصلاة مرتبا على انتقاض الوضوء. فلاحظ.


(1) سورة المائدة، الاية: 6. (2) وسائل الشيعة 1 / 256. باب: 1 من ابواب الوضوء، حديث: 4 و 7. وسائل الشيعة 1 / 256. باب: 2 من أبواب الوضوء، حديث 1 و 2 و 4 / وسائل الشيعة 1 / 256. باب: 3 من ابواب الوضوء، حديث 2 و 3. (*)

[ 270 ]

الثاني: التعبير عن الوضوء بالطهور الظاهر في كون جهة شرطيته هو ترتب الطهارة عليه. فتأمل. الثالث: ما ورد من تعليل الامر بالوضوء للصلاة بانه مما يترتب عليه الطهارة. الرابع: ما ورد من ان ثلت الصلاة الطهور، فانه ظاهر في ان الشرط هو الوضوء، ولكن لا بذاته، بل بما انه مطهر، فجهة ترتب الطهارة عليه ملحوظة في شرطيته. الخامس: تسالم الفقهاء في تعبيراتهم عن شرط الصلاة بالطهارة، فانه مؤيد لما استظهرناه من شرطية الطهارة. وبالجملة: من مجموع هذه الوجوه - وان كان بعضها يقبل المناقشة - يحصل الجزم بان مفاد الادلة شرطية الطهارة لا شرطية الوضوء بذاته. وعلى هذا يمتنع اجراء اصالة البراءة في مورد الشك في اعتبار شئ في الوضوء. وبعد هذا يقع الكلام في أصل المبحث وهو: معرفة تعلق الامر النفسي الندبي بالوضوء وعدمه. فقد عرفت ان التفصي عن اشكال اعتبار قصد القربة في الطهارات الثلاث ينحصر في الالتزام بثبوت الامر النفسي بها، ولذا اورد على صاحب الكفاية بعدم تمامية ما ذكره بالنسبة الى التيمم، لعدم استحبابه النفسي. وقد عرفت الجواب عن هذا الايراد المأخوذ من كلام الشيخ (رحمه الله) بان استحباب التيمم يستكشف من تعلق الامر بالصلاة بضميمة الاجماع على توقف حصول الشرط على العبادية المتوقفة على تعلق الامر النفسي بالعمل. الا ان المحقق العراقي حاول الاجابة على الايراد المزبور ببيان: وجود الدليل الاثباتي على استحباب التيمم وهو قوله (عليه السلام): " التراب

[ 271 ]

احد الطهورين " (1)، بضميمة ما دل على استحباب الطهر في نفسه، فانه يقتضي استحباب التيمم (2). وتابعه على ذلك السيد الخوئي (3). والانصاف عدم تمامية ما ذكراه من الجواب لوجهين: الاول: بان الامر الذي يبحث عن ثبوته وتعلقه بالتيمم وغيره غير الامر بالطهارة، وذلك لان الامر المبحوث عنه أمر تعبدي، بمعنى ان الغرض منه لا يتحقق إلا باتيان متعلقه بقصد القربة وبنحو العبادية، فتصحح عبادية هذه الافعال به. وامر الطهارة أمر توصلي لا تعبدي، فان الغرض منه يتحقق بمجرد تحقق متعلقه ولو لم يات به بقصد القربة، فان الطهارة إذا تحققت يمتثل الامر المتعلق به ولو لم يقصد بها القربة. نعم نفس تحقق الطهارة لا يكون إلا بقصد القربة بالافعال المحققة لها، وهذا أجنبي عن كون الامر المتعلق بها عباديا، فان الامر العبادي ما توقف امتثاله على الاتيان بمتعلقه بقصد القربة لا ما توقف تحقق متعلقه على قصد القربة. وعليه، فاثبات تعلق الامر الثابت لعموم الطهارة بالتيمم لانه احد افرادها، لا ينفع فيما نحن بصدده واثباته من تعلق الامر التعبدي بالتيمم لا الامر التوصلي، وقد نبه على هذا المعنى - أعني توصيلة الامر المتعلق بالطهارة - الشيخ (رحمه الله) في طهارته ولذلك يستغرب وقوع مثل هذا الامر من هذين العلمين، وبالاخص المحقق العراقي لمزاولته كتاب الطهارة. الثاني: ان مفاد قوله: " التراب أحد الطهورين " كون التيمم محققا للطهارة، فاستحباب الطهارة لا يجدي في اثبات استحباب ذات الافعال، بل


(1) عن ابي جعفر عليه السلام: " فان التيمم احد الطهورين ". وسائل الشيعة 2 / 991 باب: 21 من ابواب التيمم حديث: 1. (2) الاملي الشيخ ميرزا هاشم. بدائع الافكار 1 / 380 - الطبعة الاولى. (3) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 298 - الطبعة الاولى. (*)

[ 272 ]

غاية ما يقتضي تعلق الامر الغيري بها كاقتضاء الامر بالصلاة. والذي نحن بصدده اثبات استحباب ذات الافعال النفسي كي يصحح اعتبار العبادية فيها. وبالجملة: الطهارة كسائر الغايات المترتبة على العمل لا يقتضي الامر بها سوى ترشح الامر الغيري على العمل، وهو لا يجدي في العبادية، والكلام في ثبوت الامر النفسي بذات العمل الذي يتوقف على قصد امتثاله تحقق الطهارة. والمتحصل: ان ما ذكر لا ينهض دليلا على استحباب التيمم النفسي. ولا دليل عليه غير هذا. واما الوضوء، فقد ادعي استحبابه النفسي باستظهار ذلك من الادلة، وعمدتها ما ورد من ان: " الوضوء على الوضوء نور على نور " (1). وجهة الاستدلال به واضحة، فان التعبير عن الوضوء بانه نور يكشف عن كونه محبوبا في ذاته. ولكن يشكل الاستدلال بها لوجهين: الاول: ان النص لم يرد في مقام تشريع الوضوء وبيان تعلق الامر به، وانما هو وارد لدفع توهم أنه في فرض مشروعية الوضوء يمنع تعدد الوضوء وتجديده. ومن الواضح ان توهم امتناع الوضوء التجديدي انما يتلام مع كون المشروع هو الطهارة، والوضوء مقدمة إليه لا ذات الوضوء، وذلك لانه لو كان ذات الوضوء مامورا به فلا مجال لتوهم امتناع التجديد، لانه فرد آخر من المأمور به غير الفرد الاول، اما لو كان المأمور به هو الطهارة فللتوهم مجال، لاحتمال ان تكون الطهارة كالنظافة الخارجية لا تقبل التجديد، إذ النظيف لا يقبل النظافة ثانيا. فدفع بالنص المذكور ببيان: ان الطهارة ليست كالنظافة، بل كالنور القابل للشدة، فيمكن ان يتاكد بنور آخر، فالتعبير بان الوضوء نور يلحظ فيه الطهارة


(1) وسائل الشيعة 1 / 265 باب: 8 من ابواب الوضوء، حديث: 8. (*)

[ 273 ]

وما هو نتيجة الوضوء، فلا دلالة على مشروعية الوضوء في نفسه. الثاني: لو سلم ظهور النص في استحباب الوضوء في ذاته، إلا انه ترفع اليد عن هذا الظهور بما ورد من الامر بالطهارة بذاتها، وما ورد من الامر بالوضوء لاجل الطهارة، فانه مع ثبوت مثل ذلك لا يبقى ظهور ما ظاهره الامر بذات الوضوء على حاله. ويتاكد هذا بملاحظة الامثلة العرفية، فلو أمر المولى عبده بشرب دواء ثم أمره بشربه لاجل رفع الحمى ثم أمره برفع الحمى، فان الامر بشرب الدواء وان كان ظاهرا في الامر بنفسه، إلا أنه بملاحظة الامرين الاخرين لا يبقى ظهوره على حاله. فالمتحصل: انه لا دليل على استحباب الوضوء في نفسه، والثابت في الادلة استحباب الطهارة. وعليه، فنقول: ان اكتفي في تحقق الطهارة الاتيان بالوضوء بقصد الكون على الطهارة بداعي القربة فهو والا كان الدليل الدال على استحباب الطهارة في كل وقت دالا على استحباب الوضوء ايضا كذلك، إذ لا تتحقق الطهارة الا بقصد القربة بذات الافعال، وهو كما عرفت يتوقف على استحبابها النفسي، فاستحباب الطهارة يلازم استحباب الوضوء بذاته. هذا تمام الكلام في هذه الجهة. ويقع الكلام في جهات: الجهة الاولى: وهي: التنبيه الثاني: الذي ذكره صاحب الكفاية - في اعتبار قصد التوصل بها إلى ذيها في صحتها. فقد ادعي توقف صحتها وعباديتها على قصد التوصل بها الى ذيها. ووجه ذلك بامور: الاول: ان عبادية المقدمة لا تتحقق الا بالاتيان بها يقصد التوصل الى ذيها. وعليه قصد التوصل في الطهارات باعتبار توقف عباديتها على هذا

[ 274 ]

التوصل بها الى ذيها، ولا طريق تتحقق به العبادية غيره. الثاني: ان الافعال ذات عنوان قصدي راجح في ذاته ولا طريق الى قصده إلا بقصد امتثال الامر الغيري، باعتبار انه لا يدعو الى ما تعلق به، فيكون العنوان مقصودا اجمالا، وقد تقدم ان قصد امتثال الامر الغيري لا يتصور الا بقصد التوصل الى الواجب وقصد امتثاله، إذ بدونه لا داعوية للامر الغيري. الثالث: ان الامر الغيري متعلق بالمقدمة بما هي مقدمة، وبما ان متعلق التكليف هو الحصة الاختيارية دون غيرها، فامثتال الامر الغيري يتوقف على قصد المقدمة بما هي مقدمة، لتحقق اختيارية المتعلق. ومن الواضح ان قصد المقدمية لا يكون الا بقصد التوصل الى ذي المقدمة وامتثال أمره. وقد استشكل المحقق صاحب الكفاية في تصحيح قصد التوصل بهذا الوجه، بناء على كون المصحح لاعتبار قصد القربة هو الامر الغيري، ووجه اشكاله: انكار المقدمة الاولى، وهي تعلق الامر بالمقدمة بما انها مقدمة بدعوى: ان المقدمية جهة تعليلية، والامر متعلق بذات المقدمة، لانها هي التي يتوقف عليها الواجب لا عنوان المقدمة، نعم العلة في تعلق الامر بذات العمل كونه مقدمة للعمل الواجب النفسي. وقد تقدم هذا المطلب من صاحب الكفاية (1). واورد عليه المحقق الاصفهاني: بان الجهات التعليلية تكون في الاحكام العقلية جهات تقييدية لموضوع أو متعلق الحكم، فالحكم عقلا بوجوب شئ لانه كذا يرجع الى الحكم بوجوب عنوان العلة. نعم يتصور التفكيك بين الجهة التعليلية والموضوع الذي يرد عليه الحكم في الاحكام العرفية أو الشرعية، وليس ما نحن فيه من هذا القبيل (2).


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 112 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 204 - الطبعة الاولى. (*)

[ 275 ]

ولم يبين (قدس سره) الوجه في هذه الدعوى، بل اوكله إلى ما تقرر في محله. ولكن يرد عليه: اولا: بان ما افاده من رجوع الجهات التعليلية الى التقييدية في الاحكام العقلية ليس من المسلمات في محله، فقد ادعي خلافه، ووجود الجهة التعليلية في الاحكام العقلية. وثانيا: لو سلمت أصل الكبرى فانطباقها على ما نحن فيه محل منع وذلك: اولا: لانها تختص بالاحكام العقلية المرتبطة بباب الحسن والقبح - كما يقال ان مرجع حكم العقل بحسن ضرب اليتيم للتاديب الى حكمه بحسن التاديب، بل في الحقيقة يرجع الحكم بحسن التاديب الى الحكم بحسن الاحسان وتشخيص كون التاديب احسانا -، أو بباب الاستحالة والامكان - كما يقال ان مرجع حكم العقل باستحالة أخذ قصد الامر في متعلق الامر، للزوم الدور إلى حكمه باستحالة الدور - ولم يثبت عمومها إلى مطلق الادراكات والاحكام العقلية. وثانيا: لو سلم عمومها لمطلق الاحكام العقلية، فوجوب المقدمة من باب الملازمة ليس من الاحكام العقلية التي يفرضها العقل بطريق البرهان، بل هي من الامور الوجدانية التي يحسها بالوجدان والارتكاز كل أحد. وبعبارة اخرى: إرادة المقدمة عند إرادة ذيها من الامور التكوينية التي يدركها الوجدان كما يدرك البصر المبصرات، وليست من الاحكام العقلية النظرية أو العملية كما لا يخفى على المتأمل. وعليه، فلا طريق لنا الى معرفة كون عنوان المقدمية ماخوذا بنحو الجهة التقييدية أو الجهة التعليلية إلا الوجدان، وهو يحكم بالثاني، لانه يرى ان

[ 276 ]

الوجوب يطرأ على ذات العمل المقدمي لا على المقدمة بما هي كذلك، فان الآمر الذي يأمر بالمقدمة يرى انه يأمر العمل كالدخول إلى السوق من دون ان ياخذ عنوان المقدمية في متعلق الامر. فلا حظ. كما يرد على كل من المحققين: انه لو سلمنا اصل الكبرى وانطباقها على ما نحن فيه، فلا يلزم مع ذلك قصد التوصل بالمقدمة - كما هو ظاهر كلاميهما كما لا يخفى -. بيان ذلك: ان القصد يطلق ويراد به.. تارة: ما يساوق الداعي والمحرك، كما يقول من يأكل: " قصدي من الاكل الشبع " فان القصد ههنا بمعنى الداعي. واخرى: يراد به ارادة العمل واختياره ووقوعه عن التفات في مقابل وقوعه عن غفلة، كسائر الافعال الاختيارية. وافتراق المعنيين خارجا واضح، فمثلا لو رمى شخص سهما وعلم بانه يصيب شخصا فيقتله، وكان رميه بداعي تجربة السهم. فانه من الواضح ان قتل الشخص واصابته يكون مقصودا للرامي ومرادا له، لكنه ليس الداعي إلى الرمي، بل داعيه هو تجربة السهم. ولا يخفى ان المطلوب فيما نحن فيه هو القصد بمعنى الداعي، يعني كون الداعي إلى الاتيان بالمقدمة هو التوصل الى ذيها. والوجه المذكور لا يفي بلزوم ذلك، إذ غاية ما يتكفل - بعد الاعتراف بان المأمور به المقدمة بما هي مقدمة - هو الاتيان بها بما هي كذلك عن اختيار، لانها هي الحصة المأمور بها. ومن الواضح ان هذا المعنى يتحقق بمجرد الالتفات الى المقدمية والتوصل بالعمل الى الواجب، ولو كان الاتيان بالعمل لداع آخر غير التوصل، فيصدق قصد التوصل بمعنى ارادته وارادة الاتيان بما هو مقدمة، وان لم يكن الاتيان بداع التوصل.

[ 277 ]

وعلى أي حال، فهذه الوجوه غير مجدية في اثبات لزوم قصد التوصل بعد ان عرفت ان طريق العبادية ينحصر بالالزام بتعلق الامر النفسي بها، ومعه لا يلزم قصد التوصل، بل يكفي الاتيان بها بما انها محبوبة في أنفسها. الجهة الثانية: في انه بعد الفراغ عن تعلق الامر الاستحبابي النفسي بالطهارات، فالاتيان بها بداعي الاستحباب قبل دخول وقت الصلاة الواجبة مما لا اشكال الغيري بها. وقد ذكر المحقق النائيني: ان ذلك لا محذور فيه ويقع العمل صحيحا، بتقريب: ان الامر النفسي الاستحبابي وان إندك في الامر النفسي الضمني المتعلق بها - بناء على ما ذهب إليه من ان الشرائط كالاجزاء تكون متعلقة للامر الضمني النفسي -، الا ان المنعدم هو حد المرتبة الاستحبابية دون واقع الطلب والاستحباب، فواقعه على ما هو عليه وان لم يبق بحده نظير اتصال خيطين أحدهما بالآخر، فان واقع كل منهما موجود على حاله وانما المنعدم حد وجود كل منهما، وعليه فيمكن الاتيان بالعمل بقصد المحبوبية بواقعها لا بحدها. ثم افاد: ان الاندكاك انما يتحقق بين الاستحباب والوجوب الضمني، اما الوجوب الغيري فهو على حاله لا يتغير. واوضح ذلك ببيان: ان الوضوء ونحوه له بعد دخول وقت الواجب المشروط به جهات ثلاث: الاولى: تعلق الطلب الاستحبابي النفسي به. الثانية: تعلق الطلب الوجوبي النفسي الضمني به. الثالثة: تعلق الطلب الغيري الوجوبي به. ولا يخفى ان الاستحباب يندك في الوجوب الضمني، فينشاء منهما حكم واحد، واما الطلب الغيري فهو يبقى بحده لا يبتدل، وذلك لان الاندكاك

[ 278 ]

والتداخل انما يكون فيما لو كان كل من الحكمين واردا على موضوع واحد، فيندك أحدهما بالآخر أو الضعيف بالقوي، لان في بقائهما بحديهما اجتماعا للمثلين أو الضدين في شئ واحد. اما لو اختلف موضوع كل من الحكمين فلا يتداخلان، لعدم المحذور في بقائهما بحديهما. وعليه، فحيث ان متعلق الطلب الاستحبابي والطلب الضمني النفسي ذات الوضوء، كانا واردين على موضوع واحد، فيندك الاستحباب في الوجوب قهرا. اما الطلب الغيري، فحيث ان موضوعه ليس ذات الوضوء، بل موضوعه العمل الماتي به بقصد الامر الاستحبابي أو الضمني، كان في طول الامر الاول ويتعدد موضوعهما فلا يتداخلان نظير الامر المقدمي بصلاة الظهر، فلا يتبدل أحدهما بالآخر. هذا ملخص ما افاده (1) وينبغي التنبيه على موارد الكلام والبحث في ما افاده من دون تحقيق الحال فيه، بل نوكله الى مجال آخر، وهي جهات ثلاث: الاولى: التعبير باندكاك الاستحباب في الوجوب الضمني، فانه قد يكون مثار الاشكال على مبنى المحقق النائيني، من انه لا فرق بين الوجوب والاستحباب من جهة واقع الطلب، وكون الطلب الوجوبي والاستحبابي بحد واحد والاختلاف من ناحية اخرى، وذلك لان الاندكاك ظاهر في أضعفية المندك في المندك فيه، وأقوائية الثاني من الاول، بحيث يتغلب عليه فلابد من معرفة صحة هذا المعنى من بطلانه. الثانية: ما افاده من كون الشرط موردا لاوامر ثلاثة أحدها الامر الضمني المنحل من الامر النفسي بالمشروط، فقد أشرنا الى الخدشة فيه، وسيأتي


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 177 - الطبعة الاولى. (*)

[ 279 ]

تحقيق الحال وبيان بطلان هذا المسلك في محل آخر ان شاء الله تعالى. فانتظر. الثالثة: ما افاده من كون الوجوب الغيري في طول الامر الاستحبابي، وعدم اندكاكه فيه. فانه مما يحتاج الى تحقيق، والذي نراه حقا هو التفصيل بين ما إذا كان متعلق الامر الغيري العمل المقيد بكونه بداعي الامر بحيث تكون ذات المقيد متعلقا للامر الغيري، وما إذا لم يكن متعلقه كذلك، بل ما يتعلق به الامر الغيري هو نفس تقيد العمل بداعوية الامر الاول، من دون أن يؤخذ ذات العمل في موضوعه - نظير ما تقرب به الكراهة في العبادات من ان متعلق الامر هو العمل، ومتعلق الكراهة إيقاعه في المكان الخاص أو بالنحو المعين، فمتعلق كل منهما غير متعلق الآخر -، فيلتزم بحصول الاندكاك في الحالة الاولى دون الثانية واثبات هذه الدعوى لها مجال آخر. فانها لا ترتبط بما نحن فيه ارتباطا كليا. فلا حظ. الجهة الثالثة: إذا جاء المكلف باحدى الطهارت الثلاث بقصد التوصل إلى بعض الغايات كالصلاة، ثم لم يات بالغاية، فهل عدم تحقق الغاية خارجا يمنع من صحتها وعباديتها أو لا ؟ قد يوجه عدم الصحة بعدم ترتيب الغاية بوجوه: الاول: انه مع الالتزام بالمقدمة الموصلة، بمعنى ان الواجب الغيري هو المقدمة الموصلة لا مطلق المقدمة، يكشف عدم حصول الغاية عن عدم كون الماتي به مامورا به واقعا - بل تخيلا -. وعليه فلا يكون مقربا لعدم الامر به، فقصده لا يكون موجبا لمقربية العمل. الثاني: ان يلتزم بان العبادية لا تتحقق الا باضافة العمل الى المولى من الناحية التي هو مضاف بها إليه حقيقة وواقعا. وعليه فمع القول بالمقدمة الموصلة والالتزام باستحباب الطهارات، لو قصد التوصل ولم يترتب الواجب لم يقع عبادة، لان الاضافة المقصودة غير ثابتة واقعا والاضافة الواقعية وهي اضافة

[ 280 ]

الاستحباب لم تقصد، فلا يقع العمل عبادة لعدم قصد اضافته الى المولى بالاضافة الواقعية. وهكذا لو لم نقل بالمقدمة الموصلة، ولكن جاء بها قبل الوقت بتخيل دخوله وتعلق الامر الغيري بها. الثالث: انه بناء على كون الشرائط متعلقة للامر الضمني، وان عباديتها تتحقق بقصد امتثاله، فإذا جاء بالعمل بداعي الامر الضمني، ولم يات بالمشروط لم يكن العمل امتثالا لامره الضمني، لان الاوامر الضمنية ارتباطية في مقام الامتثال، فلا يتحقق امتثال احدها بدون امتثال الآخر، فيكشف عدم الاتيان بسائر الاجزاء والشرائط عن عدم كون الوضوء متعلقا للامر الضمني. هذا، ولكن عرفت ان عبادية الطهارات لا تتحقق إلا بقصد الامر الاستحبابي المتعلق بها. ومن الواضح انه مع قصده تكون صحيحة مطلقا جئ بالغاية أو لا، لعدم تاتي أحد هذه الوجوه فيه. فلا مجال لهذا الكلام بناء على انحصار طريق العبادية بقصد الامر النفسي، فلاحظ وتدبر والله ولي التوفيق. * * *

[ 281 ]

" فصل " لابد من ايقاع الكلام في جهتين: الاولى: ان الوجوب الغيري هل يتعلق بمطلق المقدمة، أو يختص بالمقدمة التي يقصد بها التوصل إلى ذيها ؟. الثانية: ان الوجوب الغيري هل يتعلق بخصوص المقدمة التي يترتب عليها الواجب، فيكون عدم ترتبه كاشفا عن عدم وقوع المقدمة على صفة الوجوب، وهي المعبر عنها بالمقدمة الموصلة. أو يتعلق بمطلق المقدمة، ولو لم يترتب عليها الواجب ؟. فالكلام في مقامين: المقام الاول: في اعتبار قصد التوصل. وقد نسب إلى الشيخ القول به، وان المقدمة لا تكون واجبة ما لم يقصد بها التوصل الى ذيها، بمعنى ان الوجوب يتعلق بالمقدمة التي يقصد بها التوصل (1). كما وجه كلام صاحب المعالم (2) الظاهر في اعتبار التوصل قيدا للوجوب لا الواجب بما ذهب إليه الشيخ تصحيحا لكلامه.


(1) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 72 - الطبعة الاولى. (2) العاملي جمال الدين. معالم الدين في الاصول / 74 - الطبعة الاولى. (*)

[ 282 ]

إذ يورد عليه: انه بعد البناء على وجوب المقدمة وترشح الوجوب الغيري من الوجوب النفسي، لا اشكال في تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذيها اطلاقا واشتراطا، لعدم انفكاك الوجوبين، وهو أمر وجداني يحسه كل أحد، وعليه فإذا قيد وجوب المقدمة بارادة ذيها، فاما ان يقيد وجوب ذيها بارادته أو لا يقيد، بل يكون مطلقا من هذه الجهة، فإذا قيد وجوب ذي المقدمة بارادته - التزاما بعدم التفكيك - كان ممنوعا لاستحالة حصول الوجوب مع تعلق الارادة بالعمل الذي يراد البعث نحوه، فانه تحصيل الحاصل. وإذا لم يقيد لزم انفكاك وجوب ذي المقدمة عن وجوب المقدمة وهو باطل كما عرفت. لاجل ذلك صحح كلام صاحب المعالم اخذه قيدا للواجب، فيكون وجوب المقدمة فعليا كوجوب ذيها بدون قصد التوصل. وعلى أي حال: فيقع الكلام في اعتبار قصد التوصل قيدا للواجب بالوجوب الغيري وعدم اعتباره. ولابد قبل ذلك من معرفة ثمرة البحث، إذ قد يدعى عدم الثمرة فيه، إذ لا اشكال في انه لو أتى بالعمل المقدمي لا بداعي التوصل بل بداع آخر غيره يترتب الاثر عليه ولا يلزم اعادته ثانيا بقصد التوصل - حتى على القول باعتباره -، فلو أمر بشراء اللحم، فذهب إلى السوق بداعي رؤية زيد لا بداعي شراء اللحم، فانه يصح منه بعد ذلك شراء اللحم ولا يلزمه الخروج من السوق ثم العود إليه بداعي التوصل. أذن فما فائدة اعتباره والبحث فيه ؟. وقد تعرض في التقريرات (1) إلى بيان ثمرتين: إحداهما: وهي تظهر في خصوص المقدمات العبادية، بناء على انحصار طريق العبادية بقصد الامر الغيري. وذلك ببيان: انه بناء على اعتبار قصد


(1) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 72 - 73 - الطبعة الاولى. (*)

[ 283 ]

التوصل ولزوم الاتيان بالمقدمة عبادة بقصد امتثال الامر الغيري، لو لم يقصد التوصل بالمقدمة لم تقع على وجه العبادية، إذ يمتنع قصد امتثال الامر الغيري مع عدم قصد التوصل لكونه قيدا للمتعلق، فقصد التوصل دخيل في تحقق العبادية لان امتثال الامر يتوقف على الاتيان بمتعلقه وهو لا يكون الا بقصد التوصل. وقد فرع على ذلك عدم صحة الصلاة إلى جهة واحدة فقط - في فرض لزوم الصلاة الى الجهات الاربع -، إذ لا يقصسد بها التوصل الى الواجب وهو الصلاة الى الجهات الاربع. وانت خبير بان هذه الثمرة لا تترتب على المسلك الذي اخترناه، وهو كون عبادية المقدمات بتعلق الامر النفسي بها وقصد امتثاله، كما ذهب إليه صاحب الكفاية، لان الامر النفسي لم يؤخذ في متعلقه قصد التوصل، فيمكن قصد امتثال الامر وتحقق العبادية بنفس العمل من دون قصد التوصل. واما ما ذكره من التفريع فعجيب لوجهين: الاول: ان الكلام فيما نحن فيه في مقدمة الوجود، والصلاة إلى كل جهة مقدمة للعلم، وهي ليست واجبة من باب الوجوب الغيري المقدمي، بل من جهة حكم العقل من باب دفع الضرر المحتمل كما أشرنا إليه في اوائل المبحث، فالمثال أجبني عما نحن فيه بالمرة. الثاني: انه لو سلمنا كونها من باب مقدمة الوجود، فعباديتها لا تنحصر في قصد امتثال أمرها الغيري كي يتوقف على قصد التوصل، لانها عبادة في نفسها. وما يدعى من لزوم قصد الامر الغيري انما هو في ما لم تكن المقدمة بنفسها عبادية لا في مطلق المقدمات العبادية، فانه من الواضح انه لا يعتبر في عبادية صلاة الظهر قصد التوصل بها إلى صلاة العصر، فانها تصح ولو بني على عدم الاتيان بصلاة العصر مع انها مقدمة لصلاة العصر.

[ 284 ]

وبالجملة: لا ينحصر طريق العبادية في مطلق المقدمات بقصد الامر الغيري، بل ينحصر في المقدمات غير العبادية في انفسها. فلاحظ. الثانية: - وهي التي تعرض إليها في الكفاية (1)، ولعله لم يتعرض للاولى لاجل ما ذكرناه - انه إذا كانت المقدمة مع قطع النظر عن الوجوب الغيري محرمة في نفسها، كالعبور في الارض المغصوبة مقدمة لانقاذ الغريق، فانه بناء على القول بوجوب مطلق المقدمة يكون العبور في الارض غير حرام ولو لم يقصد به التوصل الى الواجب، لانه واجب مطلقا فترتفع الحرمة بوجوبه. واما بناء على القول بوجوب المقدمة التي يقصد بها التوصل، فيكون العبور مع عدم قصد التوصل حراما، لانه ليس بواجب فلا حكم يزاحم الحرمة. إذا اتضح ذلك، فقد استدل على اعتبار قصد التوصل في معروض الوجوب الغيري بوجهين: الوجه الاول: ما ذكره في التقريرات وذكره المحقق الاصفهاني ببعض تغيير: ان الوجوب الغيري متعلق بعنوان المقدمة دون ذوات الاعمال، فليس هو متعلق بالمشي بذاته، بل بما انه مقدمة، فعنوان المقدمة ماخوذ في معروض الوجوب الغيري، لما حقق من ان الجهات التعليلية تكون تقييدية في الاحكام العقلية، فمرجع حكم العقل بحسن ضرب اليتيم للتاديب الى حكمه بحسن التاديب، وضرب اليتيم من مصاديقه فيكون محكوما بالحسن قهرا. وهكذا مرجع حكمه باستحالة أخذ الامر في متعلقه للزوم الدور، الى حكمه باستحالة الدور وتطبيقه على المورد. ثم انه قد تقرر ايضا ان متعلق الامر هو الحصة الاختيارية، إذ غير الاختيارية غير قابلة للبعث والدعوة. ومن الواضح ان الاختيار يتقوم بتحقق القصد الى العمل إذ بدونه لا يكون اختياريا بل قهريا.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 114 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 285 ]

وعليه، فلا يتحقق الواجب الغيري إلا بالقصد الى المقدمة وقصد المقدمية لا يفترق عن قصد التوصل حقيقة. فهذا الوجه يبتني على مقدمتين. إحداهما: تعلق الوجوب الغيري بعنوان المقدمة. والاخرى: توقف تحقق الواجب الغيري إلا يقصد المقدمية، وهو في الحقيقة قصد التوصل بها الى ذيها. الوجه الثاني: وهو وجه عرفي، وهو انه لا ريب في إنا نجد أن من ياتي بالمقدمة بدون قصد التوصل بها الى ذيها، بل بداع آخر، لا يعد في العرف ممتثلا للوجوب الغيري وآتيا بمتعلقه، مما يكشف عن كون معروضه هو المقدمة التي يقصد بها قصد التوصل (1). بهذين الوجهين استدل في التقريرات على مدعاه، ولكن قد عرفت ما في الوجه الاول بكلتا مقدمتيه، فقد عرفت عدم تمامية الاولى وعدم اجداء الثانية، إذ هي لا تستلزم القصد بمعنى الداعي فلا نعيد. ثم ان المحقق النائيني (قدس سره) حكم بتشوش عبارة التقريرات، وعدم ظهور المراد منها بوضوح وجلاء، لذلك تصدى لبيان محتملات الكلام، والبحث فيها، فافاد: انه.. اما ان يكون المقصود هو اعتبار قصد التوصل في تحقق العبادية والامتثال بالمقدمة فهو حق، وقد تقدم البحث فيه. واما ان يكون المقصود هو اعتبار قصد التوصل في معروض الوجوب فهو ممنوع، لعدم دخل قصد التوصل في مقدمية فيستحيل تقيد الواجب به. ثم ذكر في تقريب اعتباره الوجه الاول بنحو الاختصار، واورد على المقدمة الاولى منه: بان جهة المقدمية جهة تعليلية لا تقييدية. واما ان يكون نظره الى اعتبار قصد التوصل في مقام المزاحمة، بمعنى انه


(1) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الانظار / 72 - الطبعة الاولى. (*)

[ 286 ]

إذا كانت المقدمة في نفسها محرمة فلا تصير واجبة بالوجوب الغيري إلا بقصد التوصل. ببيان: ان المقدمة إذا كانت محرمة وتوقف عليها واجب فعلى - كتوقف انقاذ الغريق على اجتياز ارض الغير بدون إذنه -، فلا ترتفع حرمة المقدمة ما لم يؤت بها بقصد التوصل، وكون المكلف في مقام امتثال الواجب، والا كانت الحرمة على حالها باقية، ولا مقتضي لرفع اليد عنها. فيرد عليه: ان المزاحمة انما هي بين وجوب ذي المقدمة الموقوف على المقدمة المحرمة وبين حرمتها ولو لم نقل بوجوب المقدمة أصلا، فالتزاحم إنما هو بين واقع الانقاذ والتصرف في الارض المغصوبة مثلا، وقصد التوصل أجنبي عن ذلك رأسا. نعم يترتب على ذلك خطاب تحريمي على نحو الترتب كما في تمام الخطابات المتزاحمة، ويظهر ذلك عن قريب إن شاء الله تعالى. هذا محصل ما افاده (قدس سره) (1). ويقع البحث معه في ما ذكره من الاحتمالات الثالث، أعني اعتبار قصد التوصل في مقام المزاحمة وما اورده عليه. اما الاحتمالات الآخران فقد عرفت تحقيق البحث في الاول. واما الثاني فهو محل الكلام وستعرف ما هو الاقرب الى الواجدان. والكلام معه فيما افاده في تقريب الاحتمال الثالث ودفعه من جهات: الاولى: ما يظهر منه من تسليم كون المقام من باب المزاحمة. فقد تقدم في اول مبحث المقدمة انه مع الالتزام بوجوب المقدمة يكون المورد من موارد التعارض، لتوارد الحكمين على موضوع واحد. نعم لو لم نقل بوجوب المقدمة تحقق التزاحم بين حرمة المقدمة ووجوب ذيها. الثانية: انه لو سلم كون المقام من موارد التزاحم، فحكمه هو ارتفاع الحكم المهم وبقاء الحكم الاهم من دون دخل لقصد امتثال الاهم وعدمه، فان


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 235 - الطبعة الاولى. (*)

[ 287 ]

التزاحم بين ذات الحكمين، فوجود أحدهما يرفع الآخر قصد امتثاله أو لم يقصد، فتخصيص ارتفاع الحرمة بخصوص صورة قصد التوصل ما لا يعرف له وجه. وعليه فلا وجه لاقراره هذه الجهة والايراد عليه من جهة اخرى. الثالثة: فيما اورد على كلام التقريرات من ان باب التزاحم أجنبي عن وجوب المقدمة وقصد التوصل. إذ فيه: ان كون باب التزاحم أجنبيا عن وجوب المقدمة وقصد التوصل، لا ينافي دعوى اختصاص المزاحمة هنا بصورة قصد التوصل، إذ يمكن ان يتصادق البابان الاجنبيان في مورد واحد ويرتبط أحدهما بالآخر في ذلك المورد وان انفصلا في انفسهما وملاكاتهما، فاجنبية احدهما عن الآخر لا تمنع من انطباقهما على المورد الواحد. فتدبر. الرابعة: فيما أشار إليه من وجود خطاب تحريمي على الترتب، فانه غير وجيه، فان الترتب بين المقدمة وذيها غير معقول، فانه انما يرفع غائلة التزاحم لا غائلة التضاد. وتحقيق ذلك وتوضيحه يوكل الى محله. وعليه فلا مكان لمناقشة فيه بالتطويل كما جاء في تعليقة التقريرات للسيد الخوئي (حفظه الله) (1). ونعود بعد هذا الى ما استدل به في التقريرات على مدعاه، وقد عرفت الاشكال في الوجه الاول البرهاني. واما الوجه الوجداني، فهو بالمقدار الذي ذكرناه لا يفي بالمطلوب، ويمكن ايضاحه: بان نفس الوجه الذي يقام دليلا على اصل وجوب المقدمة يقتضي تعلق الوجوب بخصوص المقدمة التي يقصد بها التوصل. وذلك فان ما يذكر دليلا على أصل الملازمة هو بناء العرف على وجوب المقدمة، ويكشف عنه وجود بعض الاوامر العرقية بالمقدمة كما يقول المولى لعبده: " ادخل السوق


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 236 - الطبعة الاولى. (*)

[ 288 ]

واشتر اللحم "، ونحن نرى ان العرف يرى ان من يؤمر بالمقدمة هو من كان في مقام امتثال الامر بذيها، واما من ليس في مقام امتثال الامر النفسي فلا يؤمر بالمقدمة بنظر العرف، ويعد أمره بها لغوا محضا، إذ الغرض منه تحصيل الواجب، وهو غير متحقق كما هو الفرض، ولا يرد النقض بصحة تكليف من يعلم بعصيانه، إذ يمكن ان يكون تكليفه لالقاء الحجة عليه فيترتب عليه عقابه ومواخذته، وهذا غير متحقق بالنسبة الى الامر الغيري إذ لا عقاب على مخالفته، فالاثر المصحح له ليس الا تحصيل الواجب والمفروض انتفاؤه. وعلى هذا فدعوى اعتبار قصد التوصل في الواجب الغيري قريبة. واما ما افاده صاحب الكفاية من منع اعتباره وعدم معقوليته بتقريب: ان ملاك الوجوب الغيري والغرض منه هو توقف الواجب على المقدمة ومقدميتها له. ومن الواضح ان هذا يتوفر في سائر المقدمات بلا دخل لقصد التوصل فيه اصلا، فقصد التوصل غير دخيل فيما هو ملاك الوجوب الغيري، ومما يكشف عن حصول الغرض من مطلق المقدمة ولو لم يقصد بها التوصل هو سقوط الوجوب الغيري مع الاتيان بالمقدمة من دون قصد التوصل بها إلى ذيها، فلا يجب عليه الاتيان بها مرة أخرى بقصد التوصل، ولو لم يكن الغرض حاصلا بمجرد المقدمة من دون دخل قصد التوصل فيه لم يسقط الامر الغيري لعدم حصول غرضه. وبالجملة: فالمقتضي للوجوب الغيري وهو المقدمية موجود في مطلق المقدمات، والمانع من تعلق الوجوب مفقود، إذ المانع الذي يتصور ليس الا تعلق الحرمة بالعمل فيمنع من البعث إليه وهو يظهر عدم صحة النقض بسقوط الوجوب الغيري لو أتى بالفرد المحرم من المقدمة - فيما كان لها فردان -، مع عدم تعلق الوجوب به، فسقوط الوجوب لا يقتضي كونه مامورا به. ووجه عدم الصحة هو: ان عدم تعلق الوجوب بالفرد المحرم لمانعية

[ 289 ]

الحرمة من وجوبه، فالمقتضي وان كان موجودا إلا أن تأثيره يتوقف على عدم المانع وهو غير متحقق لوجود المانع. فتتلخص دعوى الكفاية: بان المقتضي للوجوب الغيري موجود والمانع مفقود فيتحقق المقتضي - بالفتح - وهو الوجوب (1). ففيه: اولا: النقض عليه بما لو التزم بان عنوان المقدمية ماخوذ في متعلق الوجوب الغيري الملازم - كما عرفت - لاخذ قصد التوصل في الواجب الغيري - بنظره، إذ استشكاله انما كان في المقدمة الاولى لا الثانية -، فانه مما لا اشكال فيه سقوط الوجوب لو أتى بالمقدمة من دون قصد التوصل، وعدم لزوم الاتيان بها ثانيا، مع انه يلتزم بكون الواجب هو المقدمة بقصد التوصل. وثانيا: الحل، بان المعلول لا يتحقق بمجرد وجود المقتضي وثبوت عدم المانع، فان للعلة اجزاء اخرى كالشرط والمعد، فلعل قصد التوصل يكون شرطا لتاثير المقتضي، ولم يثبت بنحو جزمي عدم شرطيته وعدم دخل غير المقدمية في الواجب، ومجرد احتمال الشرطية تكفي في دفع البرهان على عدم أخذ قصد التوصل في الواجب الغيري، فان مراد صاحب الكفاية الاستدلال على عدم أخذه لا بيان عدم الدليل على أخذه. فالاحتمال يكفي في ابطاله، وهو احتمال عقلائي ان لم يجزم به خصوصا بعد ما عرفت من تقريب الوجه العرفي فتدبر ولاحظ. المقام الثاني: في اعتبار ترتب الواجب على المقدمة. وقد اختاره في الفصول واستدل عليه بوجوه (2). وخالفه في ذلك صاحب


الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 114 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الحائري الطهراني الشيخ محمد حسين. الفصول الغررية / 86 - الطبعة الاولى. (*)

[ 290 ]

الكفاية، فذهب الى تعلق الوجوب الغيري بعموم المقدمة ترتب عليها الواجب - المعبر عنها بالمقدمة الموصلة - أو لم يترتب. واستدل على مختاره بوجوه اربعه: الاول: ان الملاك والغرض من الوجوب الغيري متوفر في مطلق المقدمات من دون اختصاص له بصنف دون آخر، وذلك لان الغرض هو حصول ما لولاه لما امكن حصول ذي المقدمة، وليس هو ترتب ذي المقدمة، وذلك لان الغرض هو ما يترتب على الشي من اثره. ومن الواضح ان الذي يترتب على المقدمة من أثر هو حصول ما لو لاه لما امكن حصول ذي المقدمة، اما ترتب الواجب - ذي المقدمة - فليس من الامور التي يحصل بالمقدمة، بل لا يحصل بمجموع المقدمات في غير المسببات التوليدية، لتوقف حصول الواجب في الافعال الاختيارية على ارادة المكلف له فلا يحصل بدون ارادته وان حصل جميع مقدماته. وعليه فلا يمكن ان يفرض ترتب الواجب غرضا من الوجوب الغيري كي يخصص الوجوب بخصوص ما يترتب عليه الغرض وهو المقدمة الموصلة. بل الغرض هو ما ذكر من كونه حصول ما بدونه لا يمكن ان يحصل ذو المقدمة. وبديهي ان هذا يترتب على مطلق المقدمات من دون اختصاص له بقسم خاص منها. وبما انه لا يعتبر في الواجب الا ماله دخل في غرضه كان الواجب الغيري هو مطلق المقدمة لاشتراك الجميع في الدخل في الغرض. الثاني: انه بعد ان عرفت ان ترتب الواجب يختص بالمقدمة التوليدية، لانها التي يحصل بها المسبب من دون توسط ارادة الفاعل، كحصول الاحراق بالالقاء بالنار، فلو فرض انه هو الغرض من الوجوب الغيري واختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة لزم انكار وجوب المقدمة في مطلق الواجبات غير الواجبات التوليدية، فيلتزم بوجوب العلة التامة فيها، لعدم تخلف المعلول عنها، اما غيرها فقد عرفت ان الواجب لا يحصل بمجموع المقدمات لتوسط الارادة بعد ان كان الفعل اختياريا.

[ 291 ]

وقد يورد عليه: ان كل فعل لابد وان يكون له علة تامة لا يختلف عنها، ضرورة ان الممكن لا يوجد بدون علة. وعليه فكما يلتزم في الواجبات التوليدية بوجوب علتها التامة، كذلك يلتزم بوجوب العلة التامة في سائر الواجبات، لعدم تخلف الواجب عنها فتكون مما يترتب عليها الغرض. وفيه: ان وجود العلة التامة لكل واجب مسلم، لكن من اجزاء العلة التامة في الافعال الاختيارية ارادة الفاعل الفعل. ومن الواضح ان الارادة ليست من الامور الارادية الاختيارية - والا لزم التسلسل -، فيمتنع ان يكون متعلقا للتكليف. وعليه فيمتنع تعلق التكليف بالعلة التامة لان من اجزائها ما لا يقبل تعلق التكليف به، وهذا بخلاف الافعال التوليدية فان جميع اجزاء العلة التامة من الافعال الاختيارية، لعدم توسط الارادة، فيصح تعلق الوجوب الغيري بالعلة التامة في موردها. الثالث: انه من الواضح ان الوجوب الغيري يسقط بمجرد الاتيان بالمقدمة بلا انتظار لترتب الواجب عليها، فانه يكشف عن عدم اعتبار ترتب ذي المقدمة، والا لما سقط الطلب بمجرد الاتيان بالمقدمة، لعدم العلم بتحقق الواجب بمجرده. الرابع: - وقد تخيل انه من الوجه الثالث لكن التحقيق انه وجه مستقل كما سيأتي بيانه - ان سقوط الامر يكون باحد امور اربعة: الموافقة والمخالفة وارتفاع موضوع التكليف - كغرق الميت الرافع لموضوع التكليف بالتغسيل، أو التكفين - وحصول الغرض من دون تعلق الامر به لمانع، كما يسقط الامر التوصلي بفعل الغير للواجب أو بالفرد المحرم. ومن الواضح ان سقوط الامر بالاتيان بالمقدمة ليس بالمخالفة، كما انه ليس بارتفاع موضوع التكليف للاتيان بمتعلقة وليس من جهة حصول الغرض به من دون تعلق الامر به، لانه لا مانع من تعلق الامر به، إذ المانع الذي يتصور هو كونه حراما فعليا، وليس ما نحن

[ 292 ]

فيه كذلك، فإذا كانت المقدمة واجدة الملاك تعلق بها الامر كما يتعلق بغيرها لعدم الفرق بينهما. فيتعين ان يكون السقوط من جهة الموافقة وهو المطلوب. هذا توضيح ما جاء في الكفاية (1). وقد استشكل المحقق الاصفهاني في الوجه الاول وذكر: انه لا يمكن ان يكون الغرض غير ما هو مسلك صاحب الفصول. ببيان: ان الغرض المفروض لا يخلو.. اما ان يكون هو الملازمة بين عدم المقدمة وعدم امكان ذيها، التي عبر عنها صاحب الكفاية بما لولاه لما امكن ذي المقدمة، وقد عبر عنها المحقق الاصفهاني بالمعني السلبي التعليقي تارة وبالاستلزام العدمي اخرى (2). واما ان يكون امكان ذي المقدمة ذاتا ووقوعيا. واما ان يكون التمكن من ذي المقدمة والقدرة عليه. اما الاول: فهو ليس باثر لوجود المقدمة، بل هو لازم أثرها، فان أثر المقدمة انما يكون امرا وجوديا لا عدميا. واما الثاني: فامكان ذي المقدمة مطلقا، وكذلك التمكن عليه، متحقق بامكان المقدمة والتمكن عليها لا بوجودها، فهما من آثار امكان المقدمة والتمكن عليها لا من آثار وجودها. ثم أخذ في تقريب مسلك صاحب الفصول (3). والذي يهمنا البحث عنه فعلا هو القسم السلبي من كلامه - أعني ما نفي به مسلك صاحب الكفاية - لا القسم الايجابي - أعني الذي اثبت به مسلك صاحب الفصول -. فنقول: انه يمكن ان يفرض كون الغرض هو التمكن من


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 115 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) لاحظ حاشيته على شرحه المقام، قد اوضح الاشكال فيها جيدا. (منه عفي عنه). (3) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 205 - الطبعة الاولى. (*)

[ 293 ]

ذي المقدمة، ولكن لا بالمعنى الاصطلاحي الفلسفي للتمكن، كي يرد عليه ما عرفت، بل بمعنى عرفي وبيان ذلك: ان التمكن على الشئ ذي المقدمات يتصور عرفا على نحوين: احدهما: التمكن بالواسطة، وذلك قبل الاتيان بمقدماته التي يتمكن على الاتيان بها، فانه يقال عرفا انه يتمكن على ذي المقدمة ولكن بواسطة، لانه لا يستطيع اعمال ارادته في ذي المقدمة بلا واسطة. ثانيهما: التمكن عليه بدون واسطة، بحيث يستطيع اعمال ارادته فيه بلا واسطة، كما لا جاء بالمقدمة فانه يتمكن من اعمال ارادته في ذيها بلا واسطة المقدمة. وعليه، فيمكن ان يدعى كون الغرض من المقدمة هو حصول التمكن على الواجب بالمعنى الثاني وهو التمكن بلا واسطة، وهو يتوقف على وجود المقدمة لا على التمكن منها كما عرفت. وبالجملة: امكان كون الغرض هو التمكن من ذي المقدمة بالمعنى الذي ذكرناه ثابت لكن لا يتعين ذلك الا بنفي امكان كون الغرض هو ترتب ذي المقدمة أو ما يلازمه، والا احتاج ترجيح احدهما على الآخر الى دليل إثباتي. فالتفت. واما الوجه الثاني: فقد عرفت الاستشكال فيه: بان كل واجب ممكن، فلا يوجد الا بوجود علته التامة، فالعلة التامة في كل واجب توليدي أو غيره مما يترتب عليها الواجب، فتكون واجبة، ولا يختص الوجوب الغيري بالاسباب التوليدية. كما عرفت ما اجاب صاحب الكفاية من ان الارادة من اجزاء العلة التامة في الواجبات الاختيارية الارادية، وهي غير قابلة لتعلق التكليف بها، لانها ليست بالاختيار لاستلزام ذلك التسلسل. وهذا الجواب مخدوش لوجهين:

[ 294 ]

الاول: ان المتقرر في محله - كما سيجئ في مبحث التجري - ان الارادة لا يمتنع ان تكون بالاختيار، وانما الذي يمتنع هو تقوم الارادة بالارادة والاختيار، فانه مما يستلزم التسلسل. وبعبارة اخرى: انه لا يجب ان تكون الارادة بالارادة للزوم التسلسل، لا انه لا يمكن ان تنشاء الارادة عن ارادة غيرها، فانه لا محذور فيه، بل وقوعه يشهد له الوجدان، كما يتضح بملاحظة بعض الامثلة العرفية. وعليه فلا يمتنع تعلق التكليف بالارادة لانها يمكن ان تكون اختيارية قابلة للبعث. الثاني: انه لو تنزلنا وسلمنا امتناع اختيارية الارادة مطلقا وامتناع تعلق البعث بها لاجل ذلك، فهو لا يرتبط بما نحن فيه من فرض تعلق الوجوب الغيري بها، لان الوجوب الغيري الذي يفرض ثبوته وتعلقه بالمقدمة ليس حكما مجعولا متكفلا للبعث على حد سائر الوجوبات، وانما عبارة عن شوق نفساني يتعلق بالمقدمة بتبع تعلق الشوق بذيها، فحقيقة الوجوب الغيري ليست الا شوقا مترشحا عن الشوق النفسي المتعلق بذي المقدمة. ومن الواضح ان متعلق الشوق لا يعتبر فيه ان يكون اختياريا، فكثيرا ما يتعلق الشوق بامر غير اختياري، ولا وجه لاعتبار كونه اختياريا كما لا يخفى. فعليه، لا مانع من تعلق الوجوب الغيري بالارادة، اما لاجل كونها اختيارية، أو لاجل عدم اعتبار الاختيار في متعلق الوجوب الغيري. واما الوجه الثالث: - ويتبعه الوجه الرابع، لانهما بملاك واحد، ولذا تخيل وحدتهما وكونهما وجها واحدا لا وجهين - فيمكن دفعه: بان سقوط الامر الغيري بالمقدمة عند الاتيان بها لا يكشف عن تعلق الامر الغيري بذاتها، فانه يمكن ان يكون من قبيل سقوط الامر بالجزء عند الاتيان به، مع انه لا يقطع بفراغ الذمة الا عند الاتيان بجميع اجزاء المركب الارتباطي، فمع عدم الاتيان بها تبقى الذمة مشغولة. فالاتيان بالجزء مسقط لامره - إذ لا يجب الاتيان به فعلا

[ 295 ]

ثانيا -، لكن سقوطه مراعي بالاتيان بباقي الاجزاء وبدونه لا يستقر السقوط. وعليه فما نحن فيه يمكن ان يكون من هذا القبيل، فان الامر الغيري وان كان يسقط بمجرد الاتيان بالمقدمة، لكنه سقوط مراعي بالايصال وترتب الواجب، وبدونه يلزم الاتيان بها ثانيا. والذي يتحصل من مجموع ما ذكرنا: ان ما ذكره صاحب الكفاية من الاشكالات على القول بوجوب المقدمة الموصلة والمحاذير فيه غير تام في نفسه، سوى الاشكال الاول الذي يبتني على أخذ الغرض هو التمكن لا فعلية الترتب. ولا يخفى انه ليس بمحذور ثبوتي في القول بالمقدمة الموصلة فالقول بالمقدمة الموصلة ممكن في نفسه، وانما الالتزام به أو بعدمه ينظر فيه ما تقتضيه الوجوه الاثباتية. لكن المحقق النائيني (قدس سره) ذهب الى استحالة الالتزام بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، لانه يستلزم محاذير ثلاثة. وبيان ذلك - كما جاء في اجود التقريرات -: ان الايصال المعتبر ليس من الصفات الخارجية التي تتنوع باعتبارها المقدمة وتنقسم الى قسمين، نظير الكفر والايمان في الانسان، وانما هو من الصفات الانتزاعية المنتزعة عن الاتيان بذي المقدمة، فإذا أخذ هذا القيد الانتزاعي المتوقف تحققه على الاتيان بذي المقدمة في الواجب المقدمي لزم: اولا: ان يكون الواجب النفسي مقدمة للمقدمة لتوقف تحقق الايصال على تحققه، وهو باطل لاستلزامه الدور، لان الواجب النفسي يتوقف على تحقق المقدمة، فإذا كان مقدمة لها كان تحققها منوطا بتحققه فيلزم الدور. وثانيا: ان يكون الواجب النفسي واجبا بوجوب ناشئ من المقدمة، لانه يكون مقدمة لما هو واجب كما تقرر في الوجه الاول، وهو باطل ايضا لمحذور الدور، فان وجوب المقدمة انما يترشح من وجوب ذيها، فهو معلول لوجوبه، فإذا كان وجوب ذيها معلولا لوجوبها لزم الدور.

[ 296 ]

وثالثا: ان تكون ذات المقدمة مقدمة للمقدمة وهو يستلزم الخلف أو التسلسل. اما لزوم كونه مقدمة للمقدمة الواجبة: فلان المقدمة الواجبة على الفرض هي الذات بقيد الايصال، فكل من الذات والتقيد بالايصال جزء المقدمة، وجزء الشئ مقدمة لو لتوقفه عليه، فذات المقدمة مقدمة للمقدمة الموصلة. واما لزوم الخلف أو التسلسل: فلانه إذا كانت ذات المقدمة مقدمة للمقدمة وللواجب الغيري، ترشح عليها الوجوب قهرا. وحينئذ نقول: ان الوجوب الآخر اما ان يتعلق بذات المقدمة من دون اعتبار الايصال، فهو خلف المدعى من اعتبار قيد الايصال في الواجب الغيري وكر على ما فر منه، واما ان يتعلق بالمقدمة الموصلة، فهو يستلزم ان تكون ذات المقدمة مقدمة للمقدمة الموصلة الى المقدمة الموصلة، فيترشح عليها الوجوب الغيري، وحينئذ اما ان يتعلق بها بذاتها فقط وهو خلف. أو بقيد الايصال فيلزم ان تكون ذاتها مقدمة وهكذا يستمر هذا الكلام في الذات الى غير نهاية. والانصاف ان هذه المحاذير الثلاثة غير تامة: اما الاول: فلان قيد الايصال لم يؤخذ مقوما للمقدمية، وانما أخذ مقوما للواجب الغيري، اما المقدمة فهي ذات العمل، وعليه فلا دور، لان ما يتوقف على الواجب النفسي هو الواجب الغيري بما هو كذلك لا المقدمة، وما يتوقف عليه الواجب النفسي هو ذات العمل بلا حيثية وجوبه الغيري. واما الثاني: فلان الوجوب المترشح من قبل الواجب الغيري على الواجب النفسي غير الوجوب الذي يترشح منه الوجوب الغيري، فان ما يترشح منه الوجوب الغيري هو الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة. واما ما يترشح من الواجب الغيري فهو وجوب غيري، وهو غير الوجوب النفسي فلا دور. غاية الامر أنه يلزم أن يترشح من قبل الوجوب النفسي وجوب غيري

[ 297 ]

يتعلق بما تعلق به، وهو لا محذور فيه. واما الثالث: فلان ذات المقدمة وان كانت مقدمة للمقدمة بقيد الايصال، باعتبار أنها جزؤها، ولكنها مقدمة داخلية، وقد تقدم أنها غير قابلة لتعلق الوجوب الغيري بها حتى بنحو التاكد، فلا يتاتى فيها الكلام السابق لعدم موضوعه. هذا مضافا إلى أنه يمكن أن يدعى: كون الواجب الغيري بنحو يلازم الايصال وترتب الواجب، لا بان يؤخذ الايصال قيدا في الواجب، ومعه ترتفع جميع هذه المحاذير، لكونها مبتنية على أخذ قصد الايصال بعنوان في الواجب الغيري. فلاحظ. والمتحصل: هو عدم تمامية ما افاده المحقق النائيني من المحاذير. وتحقيق الكلام: ان البحث يقع في مقامين: الاول: في بيان معقولية القول بالمقدمة الموصلة وامكانه. الثاني: - بعد الفراغ عن معقوليته - في بيان الدليل عليه إثباتا، فان مجرد المعقولية لا يكفي في الالتزام به بعد فرض معقولية القول الآخر. ومجرد دعوى اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة لا يغني ولا يسمن من جوع. اما المقام الاول، فتحقيقه: انه لابد من ذكر بعض احتمالات القول بالمقدمة الموصلة. وبيان ما يدور حولها من كلام. فنقول: انه قد استقرب كون الواجب الغيري متعلقا بخصوص العلة التامة التي يترتب عليها الواجب قهرا، فلابد من النظر إلى ما ذكر من المحاذير المتقدمة، وبيان التفصي عنها ان أمكن. وهي سبعة، اربعة ذكرها صاحب الكفاية (1)، وثلاثة ذكرها المحقق النائيني (2). فاما ما ذكره صاحب الكفاية.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 116 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 237 - الطبعة الاولى. (*)

[ 298 ]

فالاول منها: لا يرتبط بالمرة مع القول المزبور، وذلك لان حاصله هو: ان الغرض من الوجوب لو كان هو الترتب، فهو مما لا يتحقق بمجموع المقدمات فضلا عن كل واحد منها. ومن الواضح ان موضوع هذا الايراد هو دعوى تعلق الوجوب بكل مقدمة، فتنفى بان كل مقدمة مما لا يترتب عليها الغرض، وهذا أجنبي عن القول المزبور، فان دعواه تعلق الوجوب بالعلة التامة لا بكل مقدمة، فالايراد أجنبي موضوعا عن هذا القول. واما الثاني: فحاصله دعوى إختصاص الوجوب الغيري بالاسباب التوليدية - لو قيل بالمقدمة الموصلة -، ولا يتعلق بالعلة التامة في غير المسببات التوليدية، لان أحد اجزائها هو الارادة، وهي غير قابلة لتعلق التكليف بها. وهذا يرتبط بالقول المزبور، لانه قول بتعلق الوجوب بالعلة التامة، وصاحب الكفاية بوجهه الثاني ينفيه، ويدعي اختصاصه بالسبب التوليدي، ولكنك عرفت الخدشة فيه: اولا: بان الارادة قابلة لتعلق التكليف بها، لامكان كونها إرادية، والممتنع برهانا هو لزوم كونها إرادية. وثانيا: بان الوجوب الغيري قابل لتعلقه بالارادة وان كانت غير اختيارية، لانه ليس عبارة عن بعث وانما هو عبارة عن شوق نفسي. ومن الواضح إمكان تعلق الشوق النفسي بالامر غير الاختياري. ولو تنزلنا عن ذلك وقلنا بعدم إختيارية الارادة مطلقا، وعدم صحة تعلق الوجوب الغيري بها. فهذا لا يمنع من القول بالمقدمة الموصلة بهذا المعنى، وذلك بان يلتزم بان متعلق الوجوب هو سائر المقدمات غير الارادة، نظير ما يقال في قصد القربة. فان وجود المانع من تعلق التكليف بقصد القربة لا يمنع من تعلق التكليف بغيرها مما هو دخيل في الغرض. فالوجوب الغيري متعلق بغير الارادة

[ 299 ]

من المقدمات، وعدم تعلقه بالارادة لمانع عدم القدرة وان كانت دخيلة في الغرض. وهذا وان لم يكن قولا بتعلق الوجوب بالعلة التامة لكنه حكما مثله فتدبر. واما الثالث والرابع: فحاصلهما هو سقوط الوجوب الغيري عند الاتيان بالمقدمة الكاشف عن تعلقه بها من دون اعتبار الايصال. ولا يخفى أنه ينافي الالتزام بوجوب خصوص العلة التامة. لكنك عرفت الاشكال فيه. وبيانه: أنه كما أنه إذا أتى بجزء المأمور به الارتباطي يسقط الامر الضمني المتعلق بالجزء، ولكنه مراعى بالاتيان بسائر الاجزاء، لان سقوطه من دون مراعاة ينافي الارتباطية والامر الضمني، والسر فيه ان الامر الضمني له جانبان، جانب الداعوية وجانب الامتثال وسقوطه بالموافقة، فعند الاتيان بالجزء تنتفي داعوية الامر الضمني، ولكنه لا يسقط بمجرد ذلك، بل امتثاله يتوقف على الاتيان بياقي الاجزاء المرتبطة به، كذلك ما نحن فيه، فانه إذا فرض وجوب العلة التامة كانت كل مقدمة واجبة بالوجوب الضمني لانها جزء الواجب، فعند الاتيان بها ترتفع داعوية الامر الضمني، ولكنه لا يسقط إلا بالاتيان بسائر اجزاء العلة التامة الملازم لترتب الواجب. واما ما ذكره المحقق النائيني، فقد عرفت الاشكال في كل واحد بنفسه. فلا ترد على هذا القول، كما عرفت أنها جميعها تبتني على أخذ قيد الايصال بعنوانه في الواجب الغيري، وهذا القول لا يتكفل ذلك، فان واقعه تعلق الوجوب بذات العلة التامة، من دون أخذ قيد الايصال، نعم هي ملازمة للايصال لكنه لا يترتب على ذلك آثاره ومحاذيره. فلاحظ. وإذا ظهر ان القول بالمقدمة الموصلة بهذا المعنى معقول في نفسه، فيقع الكلام في..

[ 300 ]

المقام الثاني - أعني مرحلة الاثبات -: وقد نسب صاحب الفصول الاستدلال على دعواه، وهي اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة، بانه الاشكال في صحة منع المولى عن جميع مقدمات الواجب غير التي يترتب عليها الواجب، فيصرح بتحريم المقدمة غير الموصلة، فانه يكشف عن عدم تعلق الوجوب بها، وإلا لامتنع عنها، فانه من باب اجتماع المتضادين (1). وأورد عليه صاحب الكفاية بوجهين: الاول: وهو يتكفل منع دلالته على المدعى. وذلك ببيان: ان الملازمة المدعاة لا تكون علة تامة لتعلق الوجوب الغيري بالمقدمة، وانما هي مؤثرة بنحو الاقتضاء، وفعلية تأثيرها تتوقف على عدم وجود المانع، فإذا كان هناك مانع من تعلق الوجوب الغيري كتعلق الحرمة بالمقدمة، فلا يثبت الوجوب لها، فمانعية المنع لا تكشف عن اختصاص الوجوب الغيري بالموصلة، إذ تعلق الوجوب بغيرها يمكن أن يكون لاجل وجود المانع لا لعدم المقتضي. الثاني: وهو يتكفل نفي الاستدلال وبيان عدم امكان المنع عن المقدمة غير الموصلة للزوم المحذور من جهتين: الاولى: انه يلزم أن لا تتحقق مخالفة للواجب في تركه، وذلك لان وجوب الواجب معلق على القدرة عليه، والقدرة عليه بالقدرة على مقدماته. ومن الواضح أنه كما تعتبر القدرة على المقدمات عقلا تعتبر القدرة عليها شرعا، بان لا تكون ممنوعا عنها ومحرمة شرعا، وإلا كانت غير مقدورة، فإذا فرض المنع عن المقدمة غير الموصلة واختصاص الجواز بالموصلة، كان تحقق القدرة على المقدمة شرعا منوطا باتيان الواجب، فمع عدم الاتيان به كانت المقدمة محرمة لانها غير موصلة،


(1) الحائري الشيخ محمد حسين. الفصول الغروية / 87 - الطبعة الاولى. (*)

[ 301 ]

فكان غير مقدور فيسقط وجوبه، فلا يكون تركه مخالفة. الثانية: انه إذا فرض كون ثبوت القدرة على المقدمة منوطا بصورة الاتيان الواجب، فتكون القدرة عليه منوطة بالاتيان به فيكون وجوبه مختصا بصورة الاتيان به، وهو محال لانه من طلب الحاصل (1). أقول: ورود الايراد الاول يبتني على كون نظر صاحب الفصول في كلامه الى الاستدلال على وجوب خصوص المقدمة الموصلة دون غيرها، فانه يورد عليه بان ما ذكر لا دلالة له على ذلك، وهذا المعنى هو الذي فهمه صاحب الكفاية وتابعه المحقق النائيني (2)، فحملا كلام الفصول على الاستدلال. اما لو كان نظره - كما فهمه المحقق الاصفهاني (3) - إلى نفي محالية القول بالمقدمة الموصلة في قبال من أدعى محاليته ووجود المحاذير فيه. فالايراد بعيد عن محط نظر المدعي، إذ كلام الفصول يتضمن امكان اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة كالفرض الذي ذكره، والايراد لا يتكفل منع صحة الفرض، بل غاية ما يتكفل منع دلالة الفرض على الاختصاص، وهو غير ملحوظ في الاستشهاد بالفرض إذ الملحوظ فيه دلالته على امكان الاختصاص لا ثبوت الاختصاص. نعم الايراد الثاني موجه، فانه يتكفل منع الفرض. ولكن اورد عليه المحقق النائيني ان جواز المقدمة غير مشروط بالايصال، ليتوقف تحققه على تحقق الايصال خارجا، بل المتوقف عليه انما هو تحقق ما هو جائر شرعا، إذ المفروض ان الايصال قيد للواجب لا للوجوب، وبما ان المقدمة الخاصة وهي الموصلة مقدورة للمكلف، للقدرة على ايجاد قيده وهو الايصال، والمفروض جوازها شرعا، فهو يكفي في تحقق القدرة على الواجب، لكفاية جواز


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 120 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 237 - الطبعة الاولى. (3) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 209 - الطبعة الاولى. (*)

[ 302 ]

المقدمة في الجملة فيها. وعليه فلا يلزم ان لا يكون ترك الواجب مخالفة وعصيانا (1). وما ذكره من ان الايصال ليس قيدا للجواز بل هو قيد لتحقق الجائز، نظير أجزاء الصلاة، فان كلا منها واجب بالوجوب الضمني ولو لم يات بالاخر، إلا أن اتصاف الماتي به بالوجوب يتوقف على الاتيان بغيره. وقد يوجه كلام صاحب الكفاية ويدفع كلام النائيني بوجهين: الوجه الاول: ان الجواز والمنع لما كانا واردين على ذات واحدة، وهي ذات المقدمة ولكن أخذ في المنع عدم الايصال كما أخذ في الجواز الايصال، كان ذلك ملازم قهرا لتقييد أصل الجواز بالايصال، وذلك لانه عند تحقق المقدمة وقبل تحقق الايصال لا تكون المقدمة متصفة فعلا بالجواز ولا بالمنع، فإذا تحقق الايصال اتصفت بالجواز. من الواضح ان تحقق الايصال لا يلازم تحقق خصوصية تكوينية منوعة للمقدمة، كما لا يكشف عن وجود خصوصية يكون الفعل بها متصفا بالجواز، فيكون الايصال كاشفا عن سبق ثبوت الجواز للفعل، إذن لا تأثير له في الفعل إلا اتصافه بالجواز، فالفعل الجائز بما أنه جائز لا يكون إلا بالايصال فللمكلف ان لا ياتي بالفعل الواجب، فلا تتحقق المقدمة الجائزة فيتحقق الجواز باختيار المكلف، وليس هناك حصة جائزة منحازة عن الحصة الممنوعة. الوجه الثاني: ان الجواز الثابت هنا ليس هو الجواز بمعنى الاباحة، بل الجواز بالمعنى الاعم - أعني عدم المنع -، وهو ليس بحكم مجعول كي يعلق على شرط أو يتعلق بحصة خاصة، وانما المجعول ليس إلا المنع، وهو متعلق بالمقدمة بقيد عدم الايصال. وعليه فإذا تحقق الايصال كان رافعا للمنع ومانعا


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 240 - الطبعة الاولى. (*)

[ 303 ]

منه، فعدم المنع انما يتحقق بالمانع عن المنع، وهو الايصال. وعليه فيكون الجواز - وهو عدم المنع - مشروطا بالايصال، إذ مع عدم الايصال يثبت المنع لثبوت قيده. فلاحظ. والحق ان ايراد. المحقق النائيني وارد، وكلا الوجهين مخدوشان: اما الاول: فلان الجواز متعلق بالحصة المقيدة، أعني المقدمة بقيد الايصال، بحيث كان قيد الايصال قيدا للمتعلق لا الحكم. وعليه فقبل تحقق الايصال لم يثبت متعلق الحكم، لعدم حصول جزئه الاخر وهو التقيد، فليس الايصال دخيلا في الاتصاف بالجواز، بل دخيل في تحقق متعلق الجواز ومصداق ما هو الجائز، فانه محقق لخصوصية التقيد المأخوذة في المتعلق، فالجواز ثابت من اول الامر على الحصة المقيدة كما افاد المحقق النائيني، نظير اجزاء الصلاة كما عرفت. وعليه، فالواجب مقدور عليه للقدرة على مقدمته فتركه يكون مخالفة، كما أن وجوبه لا يكون معلقا على الاتيان به كي يكون من طلب الحاصل المحال. واما الثاني: فلان المنع إذا كان متعلقا بالمقدمة المقيدة بعدم الايصال، كان عدمه قهرا متعلقا بالمقدمة بقيد الايصال، فيكون الايصال دخيلا في تحقيق الخصوصية المأخوذة في متعلق عدم المنع، وثبوت الجزء الاخر لغير الممنوع وهو التقيد بالايصال. لا دخيلا في ثبوت عدم المنع كي يجئ ما تقدم. وعليه، فيكون الواجب مقدورا للقدرة على مقدمته، فلا يكون وجوبه معلقا على الاتيان به، فيكون تركه مخالفة وعصيانا كما لا يكون من طلب الحاصل. وخلاصة الكلام: ان الايراد الثاني على صاحب الفصول غير صحيح. واما الاول فهو انما يمنع الاستدلال على ثبوت اختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة لا الاستدلال على امكانه الذي يمكن ان يكون نظر

[ 304 ]

القائل إليه. واما ايراد المحقق النائيني على صاحب الفصول فمحصله: ان جواز المنع عن بعض المقدمات لا يلازم اختصاص ملاك الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة، لان التوقف ان لم يكون هو ملاك الوجوب لزم عدم تعلق الوجوب بجميع المقدمات وانكار وجوب المقدمة وان كان هو الملاك، فاما ان يكون هو الملاك بقول مطلق من دون تقييده بشئ كان اللازم وجوب جميع المقدمات لاشتمالها على الملاك. وان كان الملاك هو الحصة الخاصة من التوقف، وهي ما يستحيل انفكاك الواجب عنه في الخارج، لزم اختصاص الوجوب بالمقدمات التوليدية وهو مما لا يلتزم به (1). ويمكن الجواب عنه بتصوير شق آخر للترديد وهو: كون الملاك هو التوقف على ما يلازم وجود ذي المقدمة، وليس لازمه تعلق الوجوب بالمقدمة الموصلة، بل يمكن الالتزام بتلعق الوجوب بما يلازم المقدمة الموصلة لا بعنوان المقدمة الموصلة، فلا يرد عليه أي محذور كما أشرنا إليه. اما هذا العنوان الملازم فسياتي تحقيقه. ومن مجموع ما ذكرناه يتبين أن ما ذكره في الفصول يصلح وجها لبيان امكان القول بالمقدمة الموصلة. والغريب من المحقق النائيني ما يظهر من كلامه من الاعتراف بصحة الفرض الذي ذكره صاحب الفصول، مع ان لازمه اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة الذي ذهب إلى محاليته عقلا وثبوت المحاذير فيه. اما وجه إعترافه بصحة الفرض المزبور، فلما جاء في تقريرات بحثه من قوله: " ان جواز المنع لا يدل... " فانه ظاهر في الاعتراف بجواز المنع الذي


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 238 - الطبعة الاولى. (*)

[ 305 ]

عرفت ان لازمه اختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة. وفي كون الاشكال عليه من ناحية أخرى وهي عموم الملاك ونحوه. وبالجملة: فظاهر كلامه هنا يتنافى مع ما تقدم منه عدم معقولية المقدمة الموصلة. والذي صار بايدينا من مجموع ما تقدم هو: إمكان القول بالمقدمة الموصلة، وامكان القول بوجوب مطلق المقدمة، فأيها يتعين الالتزام به ؟. استدل صاحب الفصول على الاول بوجوه ثلاثة ذكرها صاحب الكفاية: الاول: ان طريق ثبوت وجوب المقدمة ليس إلا حكم العقل بالملازمة بين وجوب شئ ووجوب مقدمته، والقدر المتيقن منه هو الملازمة بين وجوب شئ ووجوب خصوص مقدمته الموصلة. الثاني: ان العقل والضرورة قاضيان بصحة تصريح الامر بعدم إرادة المقدمة غير الموصلة في الوقت الذي يقضيان فيه بقبح تصريحه بعدم ارادة مطلق المقدمة أو خصوص الموصلة. الثالث: انه لما كان الغرض من وجوب المقدمة هو التوصل بها الى الواجب، فلابد ان يكون حصوله ماخوذا في مطلوبيتها، فان من يريد شيئا لاجل التوصل الى آخر لا يريده إذا تجرد عنه بلا إشكال. واستشكل في هذه الوجوه صاحب الكفاية ببيان: انه بعد ان تقدم منا بيان ثبوت حكم العقل بوجوب مطلق المقدمة بلا تخصيص له بخصوص الموصلة، فلا يبقى مجال لدعوى كون القدر المتيقن منه وجوب الخصوص الموصلة، وبذلك يندفع الوجه الثاني، فانه ليس للامر الحكيم التصريح بعد مطلوبية المقدمة غير الموصلة لثبوت الملاك فيها كغيرها. نعم، له ان يصرح بعدم حصول المطلوب أصلا - مع حصولها فقط - لكون نظره الاصلي الى المطلوب النفسي، فحين عدم حصوله لا نظر له إلى

[ 306 ]

حصول المقدمة وان كانت مطلوبة تبعا وهذا لا يعني عدم وجوبها، لان التصريح المزبور ناشئ من تبعية الوجوب الغيري لا عدمه. واما الوجه الثالث، فاندفاعه بما ثبت من ان الغرض والملاك في الوجوب الغيري ليس هو التوصل، بل التمكن من ذي المقدمة وهو متوفر في جميع المقدمات (1). فاساس مناقشة صاحب الكفاية وارتباط كلامه بكلام صاحب الفصول هو: انه بعد ان تم الاستدلال على كون الغرض هو التمكن وعدم إمكان اختصاص الوجوب بخصوص الموصلة، لا وجه لما ذكر من عدم الدليل على وجوب غير الموصلة أو صحة تصريح الامر بعدم ارادة غير الموصلة ونحو ذلك، فانه لا ينهض في قبال الاستدلال المتقدم. ومناقشته وجيهة لشق استدلاله المتقدم، إلا إنا ناقشنا كلامه المتقدم ولم يثبت لدينا من كلامه سوى امكان القول بوجوب المقدمة الموصلة لا تعينه، فلا بد لنا من الوقوف موقف المتأمل في ادلة الفصول لا الوقوف موقف المستظهر لها كما فهمه صاحب الكفاية. والانصاف ان الوجه الاول لا مناقشة فيه، فانه لا طريق لدينا إلى إحراز حكم العقل، ومع عدم احرازه من حيث المقدار وغيره لا نستطيع الجزم به، وعدم الجزم في حكم العقل ملازم للجزم بعدم الحكم كما لا يخفى، فالقدر المتيقن من حكم العقل ليس إلا وجوب خصوص المقدمة الموصلة لا غير. ومنشأ التردد المذكور وان كان هو التردد في كون الملاك هو التوصل الى الواجب والتمكن منه، فكان الانسب تحقيق ما هو الملاك إلا إنه حيث طريق لنا إلى ذلك وكان وجوب المقدمة الموصلة محرزا على كل تقدير، فالمحرز من حكم


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 118 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 307 ]

العقل هو دون غيره، وان لم يعلم الملاك فيه تفصيلا، إذ لا يعتبر حكم العقل معرفة ملاك ما يحكم به بنحو التفصيل، بل يكفي العلم الاجمالي بثبوت ملاك الحكم في المورد. وبالجلمة: فالوجه الاول يكفي في الحكم بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، ومعه لا نحتاج إلى بعض الاستدلالات المذكورة، فانه لا تنهض على المدعى كما جاء في كلام المحقق الاصفهاني من الاستدلال: بان الغرض من المقدمة لما كان تبعيا، والغرض الاصلي انما هو في ذي المقدمة فمع حصول المقدمة وعدم حصول ذي المقدمة لا غرض من هذه المقدمة (1). فانه لا يخلو عن مصادرة، فان المتجه هو البحث عن الغرض والملاك في وجوب المقدمة وانه هل هو التوصل إلى الواجب أو التمكن منه ؟. اما تبعية الغرض من المقدمة، فهو لا يعتبر في وجوبها مطلقا لو كان الغرض من وجوبها هو التمكن من ذيها. فكلامه (قدس سره) بعيد عن نقطة البحث. ثم انك قد عرفت تصوير القول بالمقدمة الموصلة بالالتزام بتعلق الوجوب الغيري بالعلة التامة بلا ورود أي محذور فيه. وبعد ان تبين نهوض الدليل على اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة، يمكننا القول بكونه متعلقا بالعلة التامة، فلا يكون لدينا إلا وجوب غيري واحد متعلق بالعلة التامة. إلا انه يتنافى مع ما هو المتسالم عليه بين الاعلام، والمفروغ منه لديهم، من تعلق الوجوب بكل مقدمة بنفسها، بحيث تتعدد الوجوبات الغيرية بتعدد المقدمات، وانما النزاع في اقتصار الوجوب المقدمات الموصلة أو عمومه


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 206 - الطبعة الاولى. (*)

[ 308 ]

وقد حاول المحقق العراقي - كما جاء في تقريرات بحثه - نفي صحة القول باختصاص الوجوب الغيري بالعلة التامة على طريق البرهان والوجدان. اما البرهان فبيانه: ان المقدمات يختلف نحو تأثيرها. فمنها: ما يكون تأثيره بنحو الاقتضاء والفاعلية، وهو المعبر عنه بالمقتضي. ومنها: ما يكون تأثيره على نحو الشرطية، وهو الشرط. ومنها: ما يكون تأثيره بنحو الاعداد، وهو المعد. من الواضح ان اختلاف انحاء المقدمات يستلزم اختلاف نحو تقييد الواجب النفسي بها، فيتعدد التقيد بتعدد أنحاء التأثير ولا يرجع الى نحو واحد، وظاهر ان التقيد متعلق للامر النفسي الضمني، فيترشح منه أمر غيري مستقبل متوجه إلى كل مقدمة من المقدمات، فيتعدد الامر الغيري بتعدد المقدمات سنخا. واما الوجدان فتقريبه: انه لا اشكال في امكان الاتيان بكل مقدمة بقصد أمرها الاستقلالي كلالوضوء في باب الصلاة وهذا لا يتلاءم مع كون الامر المتعلق به ضمنيا، إذ لو كان ذلك لما جاز قصد أمرها الاستقلالي، بل يكون مصداقا للتشريع (1). والانصاف: ان محاولة المحقق العراقي فاشلة، للخدشة في برهانه من وجوه: الاول: انه أخص من المدعى، فانه إذا كان تعدد سنخ التأثير في المقدمات هو الموجب لتعدد التقيدات التي ينشأ منها الوجوب الغيري، فمقتضى ذلك تعلق وجوب غيري واحد بالمقدمات المتحدة في نحو التأثير كالمعدات أو الشروط، لان التقيد بها واحد فيترشح منه وجوب غيري واحد. والمدعى غير ذلك، فان المدعى تعلق الوجوب بكل مقدمة مقدمة. الثاني: ان الكلام لا يختص بالمقدمة الشرعية التي أخذ التقيد بها جزء


(1) الاملي الشيخ ميرزا هاشم. بدائع الافكار 1 / 390 - الطبعة الاولى. (*)

[ 309 ]

للواجب النفسي، بل هو في مطلق المقدمة ولو كانت عقلية، ومن الواضح ان التقيد بالمقدمة العقلية لم يؤخذ في الواجب النفسي كي يترشح منه وجوب غيري على المقدمة، فالوجوب الغيري لا يرتبط بالتقيد وإلا لاختص بالمقدمة الشرعية. الثالث: ان الوجوب الغيري ليس معلولا للامر الضمني والارادة الضمنية المتعلق بالتقيدات، وانما هو معلول للغرض التبعي الناشئ من الغرض الاصيل، وهو اما التمكن من الواجب أو حصوله، والذي يفرض غرضا على القول بالمقدمة الموصلة هو حصول الواجب والوصول إليه، وهو غرض واحد تنشأ ضمن ارادته ارادة المقدمات، وارادته لا تستلزم ان تتعلق بكل مقدمة ارادة، بل يمكن ان تنشأ عنه ارادة واحدة تتعلق بمجموع المقدمات. وهذا الغرض وان كان تبعيا لكنه ناشئ من الغرض الاصيل المتوفر في ذي المقدمة ولا ارتباط له بالاوامر الضمنية المتعلقة بالتقيدات. واما ما استشهد به من الوجدان بامكان الاتيان بالوضوء للصلاة بداعي أمره المستقل، فهو غريب بعد ان عرفت فيما تقدم من النقض والابرام في صحة قصد الامر الغيري في الوضوء، وان الامر المقصود امتثاله ما هو ؟ فكيف يتضح ذلك سريعا بالوجدان ؟ !. والخلاصة ان ما افاده المحقق العراقي لا يخلو عن خدشة. فلا دافع لدعوى تعلق الوجوب بالعلة التامة، غير انه خلاف المتسالم والمفروغ عنه بين الاعلام - ان صح كون هذا دافعا -. ثم أنه لو لم يلتزم بتعلق الوجوب الغيري بالعلة التامة والتزم بانه متعلق بكل مقدمة مستقلا.. فهل يمكن تصوير اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة بنحو معقول سالم عن كل محذور ؟ تصدى الاعلام لتصويره بوجه معقول.

[ 310 ]

فذهب المحقق العراقي إلى تعلق الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة، لكن لا بنحو أخذ الايصال قيدا، بل هو مأخوذ بنحو القضية الحينية نظير حمل النوع على الانسان، فانه لا يصح إلا عند لحاظ الانسان، مع ان الموضوع ليس هو الانسان المقيد باللحاظ، لانه كذلك يكون جزئيا ذهنيا لا نوعا كليا، وانما الموضوع هو الانسان في ظرف اللحاظ وحينه، ونظير تقيد الاوامر الضمنية المتعلقة بالاجزاء بعضها ببعض، فان الامر الضمني المتعلق بكل جزء لا يكون متعلقا به مستقلا، بل عند تعلق مثله بالجزء الاخر، لكن لا بنحو يكون مقيدا به فهو غير مقيد ولا مطلق. وعليه، فالواجب الغيري هو المقدمة في حين الايصال أو الحصة التوأم كما يعبر بها كثيرا بنحو لا يؤخذ الايصال قيدا، فلا يرد عليه أي محذور (1). أقول: قد تكرر من المحقق العراقي (2) هذا المعنى في موارد متعددة وأصر عليه بنحو جدي وجزمي، ولكنا لا نقر تطبيقه فيما نحن فيه. بيان ذلك: ان القضية الحينية انما تكون معقولة في المورد الذي لا يكون الاطلاق معقولا، سواء كان التقييد معقولا أو غير معقول، إذ لا لزوم للتقييد في حصر الحكم بالحصة الخاصة، لانه بحكم طبعه لا يتعدى عنها - كما عرفت - والذي يحضرنا بذلك موردان: احدهما: ما مثل به من: " الانسان نوع " ونحوه مما يعبر عنه بالمعقولات الثانوية التي يفرض كون موطن الحمل بها الذهن ولا واقع لها سواه، وحينئذ فيمتنع ان يكون الموضوع مجردا عن اللحاظ ومطلقا من جهته، إذ لا معنى للوجود الذهني سوى اللحاظ، كما يمتنع ههنا التقييد به، لان اللحاظ يوجب


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 1 / 340 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) قد مر ذلك المعنى الحرفي في تفسير كلام صاحب الكفاية فراجع. (*)

[ 311 ]

جزئية الملحوظ بما هو ملحوظ. وهي ينافي حمل مثل النوع عليه. وعليه فيقال: ان الموضوع هو ذات الانسان ونفس الماهية لا بقيد اللحاظ، ولكن في حين اللحاظ وظرفه، فليست الماهية المحمول عليها مطلقة ولا مقيدة. ثانيهما: ما مثل به من الامر المتعلق باجزاء المركب، وذلك لان الارادة المتعلقة بالمركب ارادة واحدة تضم جميع الاجزاء - ويشبهها (قدس سره) باللحاف - فكل جزء ليس متعلقا للارادة بنفسه ومستقلا، فالارادة الضمنية المتعلقة بكل جزء لا تنفك عن الارادة الضمنية المتعلقة بالجزء الاخر، فهي ليست مطلقة من هذه الجهة، وحينئذ يمكن أن يقال ان عدم انفكاك كل ارادة عن الاخرى لا يلازم تقييد متعلق كل منها بمتعلق الاخرى، بل يقال أنه لغو محض، لحصول نتيجة التقييد وعدم انفكاك متعلق كل منها عن الاخر. فتحقق كل جزء مأخوذ في متعلق كل أمر ضمني بنحو القضية الحينية. اما في المورد الذي يمكن تصور الاطلاق فيه من جهة القيد، فتصور أخذ القيد بنحو القضية الحينية محل اشكال. وذلك كسائر قضايا الاحكام الاستقلالية بناء على كون الاحكام مجعولة بنحو القضية الحقيقية لا الخارجية، إذ يقال ان المولى إذا لاحظ متعلق الامر ولاحظ القيد فاما ان يقيده به أو لا يقيده به، اما نفس جعل الحكم مع لحاظ القيد من دون تقييد، فهذا لا يستلزم شيئا، بل يكون من قبيل ضم الحجر إلى جنب الانسان، فلا أثر له في ثبوت نتيجة التقييد. وما نحن فيه كذلك، فان الامر الذي يتعلق بالمقدمة يتعلق بها إستقلالا لا ضمنا والدعوى انه يتعلق بالحصة التي تلازم الايصال. فنقول نفس لحاظ المقدمة في ظرف الايصال لا يستلزم تخصيص الحكم بها ما لم ينص المولى على تقييد متعلق الامر، وإلا فالامر متعلق بذات المقدمة، ولحاظ ظرف الايصال معها لحاظ أجنبي لا أثر له في أي شئ ما دام لا يغير من واقع الامر وكيفية الارادة، كما هو الحال في الاوامر الضمنية.

[ 312 ]

وبعبارة أخرى: ان الامر إذا لم يكن بنحو يستلزم اختصاص متعلقه بحصة معينة، فنفس لحاظ الحصة حال الامر لا يستلزم ذلك ما لم يرجع إلى التقييد وانشاء الحكم على المقيد، بل يكون اللحاظ المزبور من قبيل ضم الحجر إلى جنب الانسان لا ربط له بالامر، ومتعلقه بما هو متعلق الامر. بل عدم تصور القضية الحينية في قضايا الاحكام لا يختص بالبناء على كون جعل الاحكام بنحو القضية الحقيقية، بل هو ثابت ولو كان جعلها بنحو القضية الخارجية، إذ غاية ما يدعى في تصورها: ان المولى إذا جعل الحكم على الموضوع الخارجي فهو غير مطلق بالاضافة الى صفاته الفعلية كالقيام مثلا، كما لا داعي إلى التقييد، فان نتيجته حاصلة فيكون القيام مأخوذا بنحو القضية الحينية. ومن الواضح: إن هذا إنما يتم في الصفات اللازمة غير القابلة للتغير كاللون الخاص، اما القابلة للتغيير كالافعال، نظير القيام، فيأتي فيها الكلام السابق، فان الاطلاق من جهتها غير ممتنع كما إذا زال القيام، فيسأل عن موضوع أمر المولى وأنه هل هو زيد مطلقا قائما كان أو قاعدا، أو خصوص زيد القائم، ولحاظ قيام زيد أو وجوده خارجا حال الحكم لا يستلزم تعلق الحكم به بنحو يختص بحال القيام، إذ للامر ان يصرح بالاطلاق، فلا يختص الحكم بحال القيام إلا بالتقييد. وهذا بخلاف الموردين السابقين، فان نحو الحكم فيهما يتنافى مع التصريح بالاطلاق، فنتيجة التقييد حاصلة، فلا وجه للتقييد ويمكن عدمه ولا منافاة لغرضه. فتدبر. والمتحصل: ان تخصيص الوجوب بالمقدمة الموصلة بنحو القضية الحينية لا نعرف له توجيها سديدا. وقد ذهب المحقق الاصفهاني إلى تصوير المقدمة الموصلة بلا أخذ الايصال قيدا، بدعوى: ان الواجب هو المقدمة بالفعل.

[ 313 ]

وتوضيح ذلك: ان المقدمات بانحائها لا تكون مقدمات فعلية، إلا إذا ترتب الواجب عليها، وبدون ذلك تكون مقدمات بالقوة، فالمقتضي الموجود وحده من دون وجود سائر اجزاء العلة فاعل بالقوة، والموجود مع سائر اجزاء العلة فاعل بالفعل، والشرط الموجود فقط من دون اقتران بالمقتضي مصحح للفاعل بالقوة. واما الموجود مع المقتضي فهو مصحح بالفعل، وهكذا الحال في غيرهما من انحاء اجزاء العلة، فكل منها ان وجد من دون انضمام جميع اجزاء العلة ينسب إليه أثره بالقوة، ومع انضمام الاجزاء الاخرى ينسب إليه الاثر بالفعل. وحينئذ يقال: ان متعلق الوجوب الغيري هو المقدمات الفعلية لا مطلق المقدمات ولو كانت بالقوة، وهذا المعنى ملازم للايصال، لان الفعلية لا تتحقق إلا بتحقق الواجب، من دون أن يؤخذ الايصال قيدا (1). وتابع السيد الخوئي الحقق الاصفهاني في هذا التصوير (2). ولكنه تصوير قابل للمناقشة من جهتين: الاولى: ان الفرق الذي جعله بين المقدمة الموصلة وغير الموصلة هو تأثير المقدمة في أثرها المترقب على اختلاف انحائها، فلا بد ان نلاحظ ان هذا التأثير هل يوجب فرقا واقعيا بين المقدمات، بحيث تختلف واقعا، فيقال الحكم متعلق بهذا الصنف دون الاعم، أو أنه لا يوجب الفرق الواقعي أصلا ؟ فيشكل التقريب المزبور. والحق انه لا يوجب فرقا واقعيا، فالمقتضي في حال تأثيره عين المقتضي في حال عدم تأثيره من دن أي اختلاف بينهما ذاتا اصلا وانما الاختلاف في أمر


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 206 - الطبعة الاولى. (2) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 420 - الطبعة الاولى. (*)

[ 314 ]

خارج، وهو تحقق التأثير بهذا الفرد دون ذلك. ومن الواضح ان التأثير ليس إلا عين وجود الاثر كما يصرح بذلك (قدس سره)، فانه كثيرا ما ينص على ان الايجاد والوجود امر واحد لا أمران، فاخذ التأثير في متعلق الامر الغيري اخذ لوجود الواجب فيه، وهو ما قصد الفرار منه، وأما المؤثرية فهي عنوان انتزاعي عن تحقق التأثير والاثر نظير عنوان الايصال، فاخذه لا يختلف عن اخذ قيد الايصال. الثانية: - وهي المهمة في المقام - ان المهم من المقدمات الذي يدور الكلام حوله، لا يرتبط ترتب أثره فعلا بوجود سائر اجزاء العلة وهو المعدات. بيان ذلك: ان الواجب تارة يكون من المسببات التوليدية لاتي لا يتوسط بينه وبين مقدماته الارادة، نظير الاحراق المترتب على النار. وأخرى يكون من الافعال الارادية الاختيارية التي لا تتحقق إلا بالارادة المباشرة. ولا يخفى ان البحث انما هو في القسم الثاني من الواجبات، للمفروغية عن وجوب السبب التوليدي، بل ذهب البعض إلى كونه متعلق الامر النفسي حقيقة. ومن الواضح ان المقدمات التي تسبق الارادة في الافعال الاختيارية كلها من قبيل المعد، إذ المقتضي لتحقق الفعل ليس سوى الارادة، والفعل لا يتخلف عنها، وما يؤثر في فاعلية الارادة وتاثيرها بحيث يكون دخيلا في حصول الفعل بنحو المباشرة فهو لا يعدو افق النفس بمقتضى قانون السنخية، إذ الارادة من افعال النفس، فلا يؤثر فيها ما هو خارج عن افق النفس. اما المقدمات الخارجية، فكلها من قبيل المعد شانها تقريب المعلول لعلته من دون أي تأثير مباشر في نفس حصول المعلول. وعليه، فنقول: إذا كان اثر المعد هو المقربية لا غير، فهي متحققة بتحققه مطلقا، وجد المعلول أو لم يوجد، فالقرب من المكان المطلوب الكون فيه يحصل بنقل الخطى سواء اراد المكلف تحقيق الفعل أو لم يرد. فلا يختلف الحال في المعد

[ 315 ]

من جهة ترتب أثره بين تحقق ذي المقدمة وعدمه، والمهم من المقدمات التي يقع البحث عنها هي من هذا القبيل، فالاتيان بالماء للوضوء بل ونفس الوضوء ونحوه معد للصلاة مع الطهارة. اما نفس الارادة، فالمفروض أنه لا يتخلف عنها الواجب المراد، ولو فرض تخلفه عنها فليس البحث في وجوبها وعدمه بذي أهمية اصلا. وبالجملة: المقدمات المرغوبة لا يختلف حالها من حيث ترتب الاثر بين تحقق ذي المقدمة وعدمه، فالقول بان الواجب خصوص ما ترتب عليه أثره لا يلزمه اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة. ومن الغريب ما جاء في كلام المحقق الاصفهاني من ان المعد الذي لا ينضم إليه سائر المقدمات مقرب بالقوة لا بالفعل. وعلى هذا فما افاده المحقق الاصفهاني في تصوير القول بالمقدمة الموصلة لا يعرف له وجه سديد. ونهاية الكلام: ان أخذ عنوان المؤثرية أو الايصال أو نحوهما في متعلق الوجوب الغيري ليس بمعقول، لا لاجل ما تقدم ذكره من المحاذير، فقد عرفت دفعه، بل لاجل ان هذه العناوين لا تنتزع إلا عن ترتب الواجب وحصوله، والمفروض ان أخذها انما هو لاجل كون الغرض حصول ذي المقدمة، فاخذ ما ينتزع عن حصوله فيما كان الغرض من وجوبه حصوله بديهي البطلان. واما اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة لا بنحو أخذ قيد الايصال، بل بنحو يلازمه بالتقريبين اللذين عرفت أحدهما من المحقق العراقي والاخر من المحقق الاصفهاني، فهو مما لا محصل له. يبقى تصوير واحد، وهو ما تقدم الكلام فيه، وهو ان يكون متعلق الحكم هو العلة التامة بمجموع أجزائها. وهذا التصوير وان استحسناه فيما تقدم، إلا انه يمكن المناقشة فيه مما

[ 316 ]

عرفت من مناقشة كلام المحقق الاصفهاني. وبيان ذلك: ان العلة التامة في الافعال الاختيارية بمعنى ما يكون مؤثرا في حصول الواجب، بحيث يكون حصول الواجب به، ليس إلا الارادة وتوابعها. اما المقدمات الخارجية فوظيفتها ليس إلا الاعداد ومقربية الواجب للفاعل من دون ان يكون لها أي تأثير مباشر في حصول الواجب، فانها قد تحصل ولا يحصل الواجب أصلا. وعليه، فإذا فرض الالتزام بكون متعلق الوجوب هو العلة التامة لزم اختصاص الوجوب بالارادة وشرائطها، لان المعد وان كان اصطلاحا من اجزاء العلة التامة، ومقتضاه دخوله في ضمن الواجب الغيري، إلا انه حيث كان الالتزام بوجوب العلة التامة انما هو لاجل كون ملاك الوجوب الغيري حصول الواجب، وقد عرفت ان ما هو المحصل للواجب ليس إلا الارادة وليس شأن المعد تحصيل الواجب وانما شأنه مقربية الواجب، فلا محالة يكون متعلق الوجوب ما به يحصل الغرض وهو الارادة وشؤونها. ولا يخفى انه لا يترتب أي أثر على وجوب الارادة وعدمها، وانما الاثار العملية المفروضة انما تفرض على تقدير وجوب المقدمات الخارجية، وهي بهذا البيان خارجة عن دائرة متعلق الوجوب الغيري. ومن هذا البيان تعرف السر في إصرار صاحب الكفاية على ان ما يترتب على المقدمة ليس إلا التمكن من الواجب دون حصول الواجب، وان الغرض من وجوبها - على تقديره - لا بد وان يفرض التمكن لا الحصول لانه لا يترتب عليها. فانه قد إتضح ان جميع المقدمات لا تؤثر سوى المقربية والتمكن على الواجب لا غير.

[ 317 ]

وعليه، فالمتعين الالتزام بوجوب مطلق المقدمة. وبهذا ينتهي تحقيق الحق في المقدمة الموصلة. يبقى شئ لا بأس بالاشارة إليه وهو: ما تعرض إليه المحقق النائيني (قدس سره) من بيان كلام صاحب الحاشية في المقدمة الموصلة، فانه ذكر: انه انكر على صاحب الفصول الالتزام باخذ قيد الايصال في الوجوب الغيري، وسلك طريقا آخر في تخصيص الوجوب بالمقدمة الموصلة، وهو الالتزام بان الواجب هو المقدمة من حيث الايصال. وقد اوضحه (قدس سره) بما ملخصه: ان الغرض من المقدمة وملاك الوجوب الغيري لما كان التوصل إلى الواجب، كان وجوب المقدمة لاجل الايصال، وحينئذ فيختص الوجوب بصورة ترتب الواجب ووقوع المقدمة في سلسلة العلة التامة، لعدم توفر الملاك في غيرها، ولكن لا بان يؤخذ قيد الايصال قيدا فيها لامتناعه كما عرفت. وان يكون الواجب هو المقدمة في حال الايصال. وبتعبير آخر: الواجب هو الحصة التوامة مع ذيها. فيكون القيد والتقييد خارجين. كما انه لا يكون مطلقا من جهته، لان امتناع التقييد يستلزم امتناع الاطلاق، لان التقابل بينهما تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والايجاب، كما ذهب إليه الشيخ (رحمه الله). فالتزم بتعين الاطلاق في المورد الذي يمتنع فيه التقييد. وانما يكون مهملا ثبوتا من هذه الناحية، لامتناع كلا الامرين، كما يمتنع ان تؤخذ الحيثية المزبورة بنحو نتيجة التقييد، لان الوجوب الغيري تابع للوجوب النفسي في شؤنه وخصوصياته، فكما لا يكون الوجوب النفسي بالنسبة إلى متعلقه إلا مهملا ولا تعرض لخطابه إلى حالتي وجوده وعدمه اطلاقا ولا تقييدا ولا بنحو نتيجة التقييد، فكذلك الوجوب الغيري بالنسبة إلى ذي المقدمة لابد ان يكون مهملا كما هو مقتضى التبعية. (*)

[ 318 ]

وهذا ملخص ما جاء في تقريرات الكاظمي (1). وقريب منه ما في أجود التقريرات (2). والامر الذي لابد من التنبيه عليه هو: ان الظاهر من هذا البيان - مع غض النظر عما في بعض جهاته من الاشكال - هو تصحيح كلام صاحب الحاشية فيه. وهذا يتنافى مع التزامه بامتناع القول بالمقدمة الموصلة، وان الوجوب يتعلق بمطلق المقدمة. فلا حظ. ثمرة القول بالمقدمة الموصلة: ثم انه قد ذكر للنزاع المزبور ثمرة وهي: حرمة العبادة التي تكون ضدا لواجب أهم، لان تركها يكون مقدمة للواجب فيكون واجبا فيحرم الفعل. هذا بناء على القول بوجوب مطلق المقدمة. واما بناء على القول بوجوب المقدمة الموصلة فلا يكون الفعل حراما، لان الترك الواجب هو الترك الموصل لا مطلق الترك، والفعل ليس نقيضا للترك الموصل لجواز ارتفاعهما معا والنقيضان لا يرتفعان. وقد استشكل في هذه الثمرة بان الفعل على كلا القولين لا يكون نقيضا للواجب لان نقيض كل شئ رفعه فنقيض مطلق الترك هو عدمه، وهو ينطبق على الفعل، كما ان نقيض الترك الموصل عدمه، وهو ينطبق على الفعل وعلى الترك غير الموصل. وعليه، فكما يكون الفعل حراما على القول بوجوب مطلق الترك، مع أنه


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 1 / 293 - طيعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 240 - الطبعة الاولى. (*)

[ 319 ]

ليس بنقيض. وانما هو مصداق ما هو النقيض، كذلك كونه حراما على القول بوجوب المقدمة الموصلة، لانه مصداق النقيض ايضا. وانما النقيض على هذا القول له فردان، وعلى القول الاول له فرد واحد، وهو فرق غير فارق، فالعبادة محرمة على كلا القولين في الفرض المزبور. وقد اجاب عنه صاحب الكفاية بقوله: " وانت خبير بما بينهما من الفرق، فان الفعل في الاول لا يكون إلا مقارنا لما هو النقيض من رفع الترك المجامع معه تارة ومع الترك المجرد اخرى، ولا يكاد يسري حرمة الشئ إلى ما يلازمه فضلا عما يقارنه احيانا، نعم لابد ان لا يكون محكوما فعلا بحكم آخر خلاف حكمه، لا ان يكون محكوما بحكمه، وهذا بخلاف الفعل في الثاني، فانه بنفسه يعاند الترك المطلق وينافيه، لا ملازم لمعانده ومنافيه، فان لم يكن عين ما يناقضه بحسب الاصطلاح مفهوما، لكنه متحد معه عينا وخارجا، فإذا كان الترك واجبا فلا محالة يكون الفعل منهيا عنه قطعا. فتدبر جيدا " (1). هذا محصل ما يذكر في ايضاح الثمرة، ويقع الكلام في امرين: الاول: في بيان مراد صاحب الكفاية من كلامه الذي ساقه في تقريب الثمرة. الثاني: في تحقيق الحال في صحة الثمرة وعدمها. اما كلام الكفاية، فهو يختلف بتقريبه الثمرة عن التقريب الذي أشرنا إليه باجمال. كما أنه يبدو غامضا لاول وهلة فقد قال (قدس سره): " ان ثمرة القول بالمقدمة الموصلة هي تصحيح العبادة التي يتوقف على تركها فعل الواجب، بناء على كون ترك الضد مما يتوقف عليه فعل ضده، فان تركها على هذا القول لا يكون مطلقا واجبا، ليكون فعلها محرما، فتكون فاسدة، بل فيما


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 121 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 320 ]

يترتب عليه الضد الواجب، ومع الاتيان بها لا يكاد يكون هناك ترتب، فلا يكون تركها مع ذلك واجبا، فلا يكون فعلها منهيا عنه فلا تكون فاسدة " (1). والذي يظهر منه بدوا هو: كون قيد الايصال ماخوذا للوجوب، فبدونه لا وجوب. وعليه فمع الفعل لا يتحقق شرط الوجوب فلا يجب الترك. ولكن هذا المعنى لا يمكن عادة ان ينسب إلى مثل صاحب الكفاية الذي صرح بان القائل بالمقدمة الموصلة لا يقول بان الايصال قيد الوجوب بل هو قيد الواجب وهو بعد لم يبعد عن هذا المطلب كي يدعى امكان الغفلة في حقه عن هذا الشئ. كما انه لا يبقى مجال للايراد وجوابه على هذا المعنى، فانه أجنبي عنه بالمرة كما لا يخفى على من له أدنى التفات. وقد حمل المحقق الاصفهاني (قدس سره) عبارته على أخذ قيد الترتب والايصال في النقيض، فنقيض الترك الموصل لابد وان يؤخذ فيه الايصال. فالفعل لا يكون نقيضا للترك الموصل لانه غير موصل. واورد عليه: بانه لا يعتبر في النقيض أخذ القيد المأخوذ في بديله، لان نقيض كل شئ رفعه، فليس نقيض الجسم الابيض، بحيث يكون الابيض قيدا للغير لا للجسم (2). والتحقيق: أنه يمكن أن يكون مراد الكفاية معنى غير ما ذكر، خال عن الاشكال، وهو ان يقال: ان الواجب إذا كان هو المقدمة الموصلة والوجوب يتعلق بها، فلا كلام ان تأثير الوجوب في المقيد انما يكون عند تحقق قيده، فبدونه لا يقع على صفة الوجوب، فالصلاة بدون الطهارة لا تقع على صفة الوجوب وان كانت الطهارة قيدا للواجب.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 121 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 210 - الطبعة الاولى. (*)

[ 321 ]

وعليه، ففي ظرف عدم الايصال وهو ظرف الفعل لا يكون الترك على تقدير وقوعه واقعا على صفة الوجوب، لعدم حصول قيده الذي به يكون واجبا، وإذا كان الترك في هذه الحال غير واجب كان نقيضه وهو الفعل غير حرام. وبالجملة: بلحاظ ظرف عدم الايصال لا يكون نقيض الفعل لو تحقق مكانه وبدله واجبا فلا يحرم الفعل. وهذا المعنى لا اشكال فيه. واما تحقيق الحال في صحة الثمرة، فقد استشكل فيها المحقق الاصفهاني - بعد تقريبها بما عرفته - اولا: بان القول بالمقدمة الموصلة يرجع اما الى الالتزام بوجوب العلة التامة، أو بوجوب ذات المقدمة ولكن بقيد تأثيرها. وعليه، فالواجب على الاول - فيما نحن فيه - هو الترك مع الارادة فانه العلة التامة. ومن الواضح ان نقيض المركب الاعتباري انما يكون عبارة عن نقيضي الجزئين، لانه لا واقع له الا الجزئين، إذ الاعتبار نقيضه عدمه. وعليه فنقيض. الواجب فيما نحن فيه هو الفعل مع عدم الارادة، فيكون مجموع الفعل مع عدم الارادة محرما. ومن الواضح انه مع الفعل لا يمكن تحقق الارادة، فيتحقق المحرم فيكون الفعل محرما ضمنا. وبنحو هذا البيان قرب تحريم الفعل على الالتزام الثاني (1). وفيه - مع قطع النظر عما أفاده في بيان نقيض المركب الاعتباري -: اولا: ان هذا انما يتوجه على التقريب الذي ذكره للثمرة. اما التقريب الذي ذكره صاحب الكفاية بالبيان الذي عرفته فلا يتوجه عليه ما ذكره، فانا نقول: ان الفعل في ظرف عدم الايصال لا يكون نقيضا لا يكون نقيضا لما هو واجب وهو الترك فلا يكون محرما. ودعوى: ان الفعل مع عدم الارادة نقيض ما هو الواجب فيكون محرما


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 210 - الطبعة الاولى. (*)

[ 322 ]

كما جاء في الاشكال. تندفع: بان الحرمة المتعلقة باحد النقيضين من جهة وجوب الاخر - بتقريب أنها غير وجوب الاخر - انما تثبت في ظرف يكون النقيض فيه متصفا بالوجوب بحيث يؤثر فيه الحكم، بحيث لو وقع النقيض بموقع الاخر لكان واجبا، وقد عرفت ان الترك في ظرف عدم الايصال لا يكون متصفا بالوجوب، فلا يكون الفعل محرما لان بديله في ظرفه غير واجب. فتدبر. وثانيا: ان نقيض المركب إذا كان عبارة عن نقيضي الجزئين ذاتيهما. كان مقتضى ذلك تعلق الحرمة بذاتي النقيضين، فاخذ وصف المجموع في متعلق الحرمة لم يعلم له وجه محصل. وعلى تقدير تعلق الحرمة بذاتي الجزئين ياتي الكلام الذي عرفته في تقريب عبارة الكفاية. فلاحظ. وخلاصة الكلام: ان تقريب الثمرة بما جاء في الكفاية بالبيان الذي ذكرناه لا نعرف فيه مناقشة. الا ان أصل الثمرة بجميع انحاء تقريباتها تتوقف على مقدمة اشار إليها في الكفاية وهي: كون ترك الضد مقدمة لفعل الضد الاخر حتى يتصف بالوجوب، والا لم يكن واجبا فلا يكون فعل الضد محرما. والحق كما سيأتي هو عدم مقدمية ترك أحد الضدين للضد الاخر، لكونهما في رتبة واحدة، والمقدمية تتوقف على اختلاف الرتبة فانتظر لذلك مزيد تحقيق والله تعالى هو الموفق. واعلم أن المحقق النائيني ذكره ثمرة الاختلاف بين مسلك صاحب الفصول واخيه صاحب الحاشية في المقدمة الموصلة، وذلك في المقدمة المحرمة: فانها تقع محرمة على مسلك صاحب الفصول إذا لم يترتب عليها الواجب من دون احتياج إلى الالتزام بالترتب، إذ المقدمة على مسلكه تنقسم الى قسمين:

[ 323 ]

ما يكون موصلا وهو واجب، وما لا يكون موصلا وهو محرما لعدم ما يرفع الحرمة لانه ليس بواجب اصلا. واما بناء على مسلك أخيه فلا تقع المقدمة على صفة الحرمة الا بنحو الترتب، لان الواجب هو ذات المقدمة من دون تقييد له بقيد الايصال، بل عرفت أنه مهمل من ناحيته، فليس هناك قسمان للمقدمة يتصف أحدهما بالوجوب دون الاخر. وعليه فلا تقع محرمة الا بنحو الترتب وهو ان تعلق الحرمة على عصيان الوجوب، فتكون الحرمة مشروطة بعصيان الوجوب - كما هو المقرر في باب الترتب من تعليق وجوب أحد الضدين على عصيان وجوب الضد الاخر الاهم لارتفاع المزاحمة -. لكنه (قدس سره) استشكل في تقريب الترتب بهذا النحو ببيان: ان الترتب وان صححناه في بابه، لكنه انما يصح بالنسبة الى الحكمين الواردين على موضوعين، فيكون الحكم المتعلق بهذا الموضوع ثابتا عند عصيان الحكم المتعلق بالموضوع الاخر، كما في مثال مزاحمة وجوب أحد الضدين لوجوب الاخر، كمزاحمة وجوب الازالة لوجوب الصلاة، فانه موضوع الحكمين متعدد. اما الحكمان المتعلقان بموضوع واحد فلا يصح الترتب فيهما. وسره هو: ان عصيان أحد الحكمين يلازم الاتيان بمتعلق الاخر، فلا معنى لثبوت الحكم الاخر لتحقق متعلقه، فان عصيان الوجوب بالترك، فلا معنى للحرمة حينئذ. كما ان عصيان الحرمة بالفعل، فلا معنى حينئذ للوجوب. وسيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى. وما نحن فيه كذلك، لان الحرمة والوجوب يتعلقان بالمقدمة، فلا معنى لفرض الترتب بينهما. نعم يمكن فرض ترتب حرمة المقدمة على عصيان وجوب ذي المقدمة، فتكون حرمة العبور في الارض المغصوبة مشروطة بعصيان وجوب إنقاذ الغريق، وهو لا مانع منه، لتعدد متعلق الحكمين فيصح فرض الترتب.

[ 324 ]

هذا ملخص ما افاده المحقق النائيني بتوضيح منا (1). وقد اورد المحقق الخوئي على ما ذكره أخيرا من فرض الترتب بين وجوب ذي المقدمة وحرمة المقدمة: بانه يستلزم اولا طلب الحاصل. وثانيا عدم كون ترك الواجب مخالفة وعصيانا. اما استلزامه لطلب الحاصل، فلان وجوب الشئ يتوقف على القدرة عليه، والقدرة عليه تتوقف على القدرة على مقدماته، وهي تتوقف على جوازها شرعا، فإذا فرض تعليق حرمة المقدمة على عصيان وجوب ذي المقدمة فلازمه فرض جواز المقدمة في صورة عدم عصيان وجوب ذي المقدمة وهي فرض الاتيان به، وقد عرفت ان الامر به يتوقف على جواز مقدمته، لاعتبار القدرة عليه في صحة الامر، فيكون الامر به في فرض الاتيان به وهو طلب للحاصل. واما عدم كون تركه مخالفة وعصيانا، فلانه إذا فرض كون المقدمة محرمة على تقدير عصيان الامر بذي المقدمة، فمع ترك ذي المقدمة تكون المقدمة محرمة فيكون ذيها غير مقدور، فلا يكون مامورا به، فلا يتحقق العصيان بتركه، لعدم الامر به لاجل عدم القدرة عليه. والانصاف: ان كلا من الوجهين غير وارد. واما عدم ورود الوجه الاول، فوضوحه يتوقف على ذكر أمرين: الاول: ان موضوع الترتب ما إذا كان التنافي بين الحكمين في مقام امتثالهما، لا ما إذا كان التنافي بينهما في أنفسهما. وذلك لان تصحيح الترتب وفرضه إنما هو لاجل رفع المنافرة بين الحكمين في مقام الامتثال مع الالتزام بثبوتهما معا. ولاجل ذلك لا يشمل ما إذا كانت المنافرة بين الحكمين ذاتية، كالحرمة


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 242 - الطبعة الاولى. (2) الفياض محمد اسحاق. محاضرات في اصول الفقه 2 / 424 - الطبعة الاولى. (*)

[ 325 ]

والوجوب الواردين على موضوع واحد، فانهما ضدان لا يجتمعان، ولا يجدي الترتب في رفع المنافرة بينهما أصلا. وهذا أمر مسلم لدى الملتزمين بالترتب، وتحقيقه سيجئ في محله ان شاء الله تعالى. الثاني: ان عدم القدرة على نحوين: عدم القدرة على الشئ في نفسه، وعدم القدرة على الشئ من جهة المزاحم. فالاولى: نظير عدم قدرة المشلول على الصعود الى السطح. والثانية: نظير عدم القدرة على إنقاذ أحد الغريقين، فان القدرة على الانقاذ في نفسه ثابتة، لكن عدم القدرة عليه لاجل المزاحم، لان كلا من الحكمين بمقتضى دعوته إلى متعلقه وتحريكه نحوه يحاول صرف القدرة في متعلقه، فيكون عدم القدرة على انقاذ كل غريق لاجل مزاحمتها بحكم شرعي. والقدرة المعتبرة في صحة التكليف هي القدرة عليه في نفسه لا من جهة عدم المزاحم، فان اساس الالتزم بالترتب على ذلك. فعدم القدرة لاجل المزاحمة لايمنع من الامر. وهذا أمر مسلم كسابقه، وسيتضح في مبحث الترتب. فانتظر. إذا عرفت ذلك نقول: ان الامر بذي المقدمة في الفرض لا يتوقف على جواز مقدمته لانه وان لم يكون مقدورا بدون جوازها الا ان عدم القدرة عليه لاجل المزاحم وهو الحرمة، والا فالقدرة عليه في نفسه حاصلة، وقد عرفت ان عدم القدرة لاجل المزاحم لا يمنع لا يمنع من الامر والبعث، فما ذكر من ان الامر بذي المقدمة يتوقف على جواز المقدمة المتوقف على الاتيان بذي المقدمة، غريب جدا بعد ما عرفت من تسليم عدم مانعية عدم القدرة لاجل المزاحم للامر. وأشد منه غرابة هو الايراد بالوجه الثاني: فان الحرمة - على الفرض - معلقة على العصيان، فيستحيل ان يكون ذلك مستلزما لعدم تحقق العصيان،

[ 326 ]

فان وجود الحرمة إذا كان فرع العصيان كان ذلك لازما لوجود الامر، إذ العصيان فرع وجود الامر، فكيف تكون حرمة المقدمة موجبة لعدم تحقق العصيان وعدم الامر بالواجب ؟، فانه خلف، بل يستلزم ان يلزم من وجود الحرمة عدمها، لان وجود الحرمة انما يكون مترتبا على العصيان، فإذا كان وجودها لازمه عدم الامر فلا عصيان، كان لازم ذلك ارتفاعها لعدم شرطها وهو العصيان، فيلزم من وجودها عدمها. ولعل الوجه في ذكر هذا الايراد: ما تقدم من صاحب الكفاية من ذكره ردا على تجويز المنع عن المقدمة غير الموصلة. ولكنه غفلة عن ان المنع مقيد هناك بعدم الايصال وهو امر تكويني خارجي لا يرتبط بالامر، والمنع هنا مقيد بالعصيان وقد عرفت انه لا يستلزم ما ذكره فما ذكرناه من الايراد لا يرد على صاحب الكفاية. فتدبر. هذا تمام الكلام في المقدمة الموصلة (1). ننتقل بعده إلى الكلام في. ثمرة المسألة وقد ذكر لها ثمرات متعددة. كبرء النذر بفعل المقدمة بناء على الوجوب لو نذر فعل الواجب. وحصول الاصرار على الحرام بترك واجب مع مقدماته الكثيرة بناء على وجوبها، وعدم جواز أخذ الاجرة على المقدمة لو قيل بوجوبها بناء على عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات. وقد نوقش فيها: بانها لا تصلح ثمرة للمسالة الاصولية، لانها بذلك لا تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي. بل في مقام تطبيق الكبرى الكلية


(1) ولم يتعرض سيدنا الاستاذ (دام ظله) الى البحث عن الاصلي والتبعي، لانه مما لا اثر له عملي اصلا، ولم يعرف ربطه بجهة من جهات بحث المقدمة. فالتفت. (*)

[ 327 ]

على مصاديقها. كما ذكر صاحب الكفاية عن الوحيد البهبهاني (رحمه الله) بيان الثمرة بنحو آخر وهو: صيرورة المورد من موارد اجتماع الامر والنهي في المقدمة المحرمة بناء على الوجوب. وناقش فيه صاحب الكفاية بوجوه ثلاثة أستشكل في بعضها (1). ونحن بعد ان بينا سابقا ثمرة المسالة لا نرى حاجة الى تحقيق هذه الثمرات ومعرفة صحتها وعدمها. فقد ذكرنا سابقا ان الثمرة هي صيرورة المورد من موارد التعارض بناء على الوجوب لو كانت المقدمة محرمة، بمعنى انه يقع التعارض بين دليل حرمة المقدمة ودليل وجوب ذي المقدمة، لان وجوب ذي المقدمة لما كان لازما ذاتا لوجوب المقدمة المنافي لحرمتها، بحيث لا يمكن التفكيك بين وجوبيهما، كان دليل الحرمة منافيا لدليل وجوب ذي المقدمة لعدم امكان الالتزام بهما معا لتنافى مدلوليهما، إذ منافاة الحرمة لوجوب المقدمة ملازمة لمنافاتها لوجوب ذي المقدمة بعد فرض عدم امكان التفكيك بينهما، فيكون دليل الحرمة معارضا لدليل الوجوب. واما بناء على عدم الوجوب، فيكون المورد من موارد التزاحم، بمعنى انه يقع التزاحم بين وجوب ذي المقدمة وحرمة المقدمة، لعدم امكان امتثال كلا الحكمين من دون منافاة بينهما في أنفسها. فلاحظ وتدبر. فاثر المبحث، هو: تنقيح صغرى من صغريات باب التزاحم أو باب التعارض الذي يترتب على كل منهما آثار عملية فقهية مهمة، وسيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى تحديد باب التزاحم وباب التعارض وفصل كل منهما عن الاخر. فانتظر.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 124 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 328 ]

يبقى الكلام في أمرين: أحدهما: البحث في الاصل للمسالة الذي يرجع إليه مع الشك. ثانيهما: البحث عن الدليل على وجوب المقدمة. تأسيس الاصل في المسالة اما البحث عن الاصل في المسالة فتحقيقه: ان موضوع الاصل تارة: يلحظ المسالة الاصولية أعني الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته. واخرى: يلحظ المسالة الفقهية أعني نفس وجوب المقدمة. والاصل الذي يمكن فرضه في المقام هو الاستصحاب. وهو لا يجري في المسالة الاصولية، وذلك لان الملازمة بين الوجوبين - بأي معنى فسرت من كونها أمرا واقعيا، أو انتزاعيا ينتزع عن حصول أحد المتلازمين عند حصول الاخر، أو كونها عبارة عن دوام حصول الجزاء عند حصول الشرط - ليست لها حالة سابقة لانها ازلية، فان كانت فهي ازلية الوجود وان لم تكن فهي ازلية العدم. وعليه فلا يقين في مرحلة الحدوث باحد الطرفين كي يستصحب. ومن الواضح ان جريان الاستصحاب يتوقف على اليقين بالحدوث. واما وجوب المقدمة، فهو مسبوق بالعدم لعدم تحققه قبل وجوب ذي المقدمة، فيستصحب عدمه بعد وجوب ذيها. وقد أستشكل في هذا الاستصحاب من وجوه: الاول: ان وجوب المقدمة على تقدير ثبوته ليس مجعولا مستقلا، بل هو من قبيل لوازم الماهية فلا تناله يد الجعل اثباتا ونفيا. واجاب عنه صاحب الكفاية: بانه وان كان من لوازم الماهية إلا أنه يكون مجعولا يتبع جعل وجوب ذي المقدمة. وهذا الجعل التبعي يكفي في صحة كونه

[ 329 ]

أمرا بيد الشارع، إذ لا يعتبر كونه بيده مباشرة (1). والكلام مع صاحب الكفاية في جوابه من جهتين: الاولى: ما ذكره من تسليم كون وجوب المقدمة بالاضافة الى وجوب ذيها من قبيل لوازم الماهية. فانه عجيب منه (قدس سره)، فان لازم الماهية لا يكون له وجود مستقل منحاز عن وجود الماهية، بل يكون امرا انتزاعيا ينتزع عن ذات الماهية في أي عالم وجدت من ذهن أو خارج. كالزوجية بالاضافة الى الاربع. ووجوب المقدمة ليس كذلك، فان له وجودا منحازا عن وجوب ذي المقدمة، غاية الامر انه ينشأ منه. فان من يدعي وجوب المقدمة يدعي تعلق الارادة الغيرية بالمقدمة، فهناك ارادتان وشوقان: أحدهما يتعلق بالمقدمة. والاخر يتعلق بذيها. الثانية: ما ذكره من كفاية الجعل بالعرض في صحة الاستصحاب. والكلام في هذه الجهة موكول الى محله في مبحث الاستصحاب، في مقام تحقيق صحة جريان الاستصحاب في مثل الجزئية والشرطية من الامور الانتزاعية التي لا وجود لها الا منشا انتزاعها، وان نفيها هل يرجع الى نفي منشأ انتزاعها أو لا يرجع الى ذلك ؟. فانتظر. الثاني: ان وجوب المقدمة لو ثبت، فهو غير اختياري للشارع، لانه لازم قهري لوجوب ذي المقدمة، وإذا لم يكن اختياريا لم يجر الاصل فيه، لانه غير قابل للوضع والرفع. وفيه: انه وان لم يكن اختياريا عند حصول وجوب ذي المقدمة، لكنه قبل حصوله اختياري لانه مقدور عليه بالواسطة، فهو كالمسبب التوليدي بعد حصول سببه، فانه لا مانع من جريان الاصل فيه لانه اختياري باختيارية سببه. الثالث: ان وجوب المقدمة لا يترتب عليه أي اثر عملي، وجريان الاصل


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 125 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 330 ]

انما يكون بلحاظ الاثر العملي. وفيه: ان ما اشير إليه من الثمرات العملية المتعددة للمسالة يكفي في صحة جريان الاصل، وان لم تكف في اثبات اصولية المسالة، وهي الجهة التي يتركز النقاش فيها بلحاظها. الرابع: ما ذكره في الكفاية من ان جريان الاصل يستلزم احتمال التفكيك بين المتلازمين، لان احتمال الملازمة موجود، فالحكم بعدم وجوب المقدمة فيه احتمال التفكيك بين المتلازمين، واحتمال التفكيك بينهما محال كنفس التفكيك. واستشكل فيه صاحب الكفاية: بان الدعوى ان كانت هي الملازمة بين الحكمين الانشائيين فلا ورود للاشكال، لان الاصل لا نظر له الى الحكم الانشائي ولا يرتبط بمقام الانشاء. وان كانت هي الملازمة بين الحكمين في مراتبهما - يعني ولو كانا فعليين - كان الاشكال في محله، وحينئذ لا يصح التمسك بالاصل وصح التمسك بالاشكال في اثبات بطلان الاصل، كما جاء في بعض النسخ الاخرى للكتاب (1). اقول: من الغريب ما ذكره صاحب الكفاية من الترديد، فان دعوى كون الملازمة بين الحكمين الفعليين لا مجال للترديد فيها، إذ الفرض ان الملازمة المدعاة هي الملازمة بين الارادتين والشوقين الفعليين. وأين هذا من الملازمة بين الحكمين الانشائيين. وعلى كل، فيمكن الجواب عن الاشكال المذكور: بان احتمال التفكيك لا يجدي في منع التمسك بالاصل بعد مساعدة الدليل عليه، فان العقلاء لا يعتنون بمجرد الاحتمال. كما افاد هذا البيان الشيخ (رحمه الله) في دفع الاشكال على جواز التعبد


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 126 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 331 ]

بالظن، بانه وان كان لا طريق الى الجزم باستحالته الا انه يحتمل ذلك، واحتمال الاستحالة يكفي في الحكم بالمنع. فقد دفعه: بان احتمال استحالة التعبد لا يضير ولا يعتني به عقلائيا بعد مساعدة الدليل الاثباتي على التعبد. فلاحظ (2). تحقيق اصل المبحث واما تحقيق اصل المبحث وما هو مدار البحث بين الاعلام من وجوب المقدمة وعدمه. فقد وصلت النوبة إليه وقد اختلفت الاقوال في وجوب المقدمة وعدمه والتفصيل بين الواجب منها وغيره. ولا يهمنا التعرض الى التفصيلات سوى ما قد يقال من التفصيل بين السبب التوليدي فلا يجب، وغيره من المقدمات فيجب. بتقرير: ان السبب التوليدي متعلق للامر النفسي الثابت للمسبب، لان الامر انما يكون لاحداث الداعي والارادة للمأمور به، والمسبب التوليدي لا يمكن فيه اعمال الارادة مباشرة، لانه يخرج عن اختيار بحصول سببه، بل الارادة تتعلق بسببه، فالامر النفسي في الحقيقة يتعلق بالسبب. فإذا وجب القتل فقد وجب الرمي وهكذا. وللمحقق النائيني (رحمه الله) كلام في المقام محصله: ان الاسباب والمسببات التوليدية على قسمين: الاول: ما يكون لكل منهما وجود منحاز عن الاخر كالرمي والقتل، والاكل والشبع، فان وجود القتل والشبع غير وجود الرمى والاكل. الثاني: ما لا يكون للمسبب وجود غير وجود السبب، فلا يكون الا وجود واحد يعبر عنه بعنوان السبب تارة والمسبب اخرى، كالغسل والتطهير والالقاء


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 24 - الطبعة الاولى. (*)

[ 332 ]

والاحراق. فان كلا منهما متحد وجودا مع مسببه. اما القسم الاول، فالامر انما يتعلق بالمسبب، لانه هو المحصل للملاك، ولا معنى لصرف الامر عنه الى سببه لانه اختياري بالواسطة وهو يكفي في صحة التكليف، فيقع الكلام في وجوب السبب بالوجوب الغيري وعدمه. واما القسم الثاني، فهو خارج عن محل النزاع، لان الامر إذا تعلق باحدهما فقد تعلق بالاخر قهرا، لانهما واقعا امر واحد متعدد العنوان. وعليه فلا معنى للنزاع في انه إذا وجب المسبب هل يجب السبب بالوجوب الغيري أو لا يجب ؟ (1). اقول: ما ذكره من فصل القسمين وادخال احدهما في محل النزاع دون الاخر مسلم كبرويا افاد (قدس سره)، انما الاشكال فيما ساقه للقسم الثاني من الامثلة كالغسل والتطهير والالقاء والاحراق، لان هذه الامثلة من القسم الاول، لان التطهير له وجود غير وجود الغسل، كيف والتطهير موجود اعتباري والغسل موجود حقيقي واقعي ؟ !، كما ان وجود الاحراق غير وجود الالقاء، لان الاحراق عبارة عن ايجاد الحرقة، وايجاد الحرقة ووجودها متحدان واقعا وحقيقة ومتغايران اعتبارا، كما هو شأن كل ايجاد شئ ووجوده. ومن الواضح ان وجود الحرقة غير وجود الالقاء خارجا وحقيقة. وبالجملة: لو وجد خارجا وجود واحد ذو عنوانين - كما قد نعثر له على مثال في مبحث اجتماع الامر والنهي - تم فيه ما ذكره من خروجه عن محل الكلام واختصاص محل الكلام في القسم الاول. وعليه، فالكلام في وجوب المقدمة وعدمه يشمل الاسباب التوليدية كما يشمل غيرها.


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1 / 219 - الطبعة الاولى. (*)

[ 333 ]

وقد ذهب صاحب الكفاية الى وجوب المقدمة، واستشهد على ذلك بالوجدان، فانه يشهد على ان من أراد شيئا اراد مقدماته، واستشهد على هذا المعنى بوجود الاوامر الغيرية في الشرع والعرف، كما يقول المولى لعبده: " ادخل السوق اشتر اللحم " فان الامر بدخول السوق على حد الامر بشراء اللحم، فيكون امرا مولويا. ومن الواضح انه لا خصوصية لهذه المقدمة، بل باعتبار وجود الملاك فيها، وليس إلا المقدمية والتوقف. فيكشف ذلك عن وجوب جميع المقدمات بالوجوب المولوي الغيري. ثم تعرض (قدس سره) إلى ذكر دليل الحسن البصري على وجوب المقدمة الذي هو كالاصل لادلة القوم - كما ذكر (قدس سره) -، وناقشه بعد اصلاحه بتعيين المراد من بعض اصطلاحاته (1). ولكن الحق عدم وجوب المقدمة، إذ الوجدان لا يشهد بذلك، كما ان ما استشهد به من الاوامر العرفية المتعلقة بالمقدمة لا يصلح للشهادة على ما يحكم به الوجدان، إذ ليست هذه الاوامر اوامر مولوية، بل هي ارشادية، وذلك لان الامر المولوي انما يجعل لجعل الداعي في نفس المكلف الى العمل وتحريكه نحوه، والامر الغيري لا صلاحية له لذلك كما تقدم بيان ذلك. فان العبد ان كان بصدد امتثال امر ذي المقدمة جاء بالمقدمة كان هناك أمر بها أو لم يكن، وان لم يكن بصدد امتثاله لم يكن الامر الغيري داعيا للاتيان بها بما هو أمر غيري، فلا صلاحية للامر الغيري للدعوة والتحريك، فلا بد ان تكون هذه الاوامر المفروض تعلقها بالمقدمة أوامر إرشادية تتكفل الارشاد إلى مقدمية الشئ وتوقف الواجب عليه. وخلاصة الكلام: انه لم يثبت لدينا وجوب المقدمة لعدم الدليل عليه. ولو ثبت فهو يشمل مطلق المقدمات الموصلة وغيرها والسبب التوليدي وغيره.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 126 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 334 ]

تذنيب: لا يخفى انه لو التزم بوجوب مقدمة الواجب، فلازمه الالتزام باستحباب مقدمة المستحب بعين الوجه القائم على وجوب مقدمة الواجب. واما مقدمة الحرام، فقد ادعي ان المحرم منها - على القول بالملازمة بين حكم الشئ وحكم مقدمته - هو ما لا يتوسط بينهما وبين ذيها اختيار وارادة، وهي الاسباب التوليدية في المحرمات التوليدية، كالرمي بالنسبة الى القتل المحرم، والارادة في المحرمات الارادية - بناء على صحة تعلق التكليف بها -. اما غير هذا النحو من المقدمات كالمعدات ونحوها فلا يكون محرما. وقد قرب صاحب الكفاية خروجها عن دائرة التحريم: بان التحريم عبارة عن طلب الترك، فيكون الترك واجبا، فتكون مقدماته واجبة ايضا، فكل مقدمة يكون تركها مما يتوقف عليه ترك الحرام تكون واجبة الترك. ومن الواضح ان ترك الحرام لا يتوقف على ترك سائر المقدمات، إذ الاختيار لا يسلب بفعلها، فيتحقق الترك مع فعلها، وهو دليل عدم التوقف، فما يتوقف عليه ترك الحرام ليس الا الارادة في الافعال الاختيارية والسبب التوليدي في الافعال التوليدية (1). ولكن هذا التقريب لا يجدي من يذهب الى ان النهي ليس طلب الترك، بل هو الزجر عن الفعل، فلازمه الزجر عن مقدماته، لان متعلق النهي نفس الفعل. وغاية ما يقرب به نفي حرمة سائر المقدمات - بناء على هذا المعنى - ان يقال: ان وجوب المقدمة أو حرمتها بما انه مترشح عن وجوب ذيها أو حرمته، فثبوت الوجوب لها أو الحرمة فرع دخالتها في ثبوت ملاك الوجوب والحرمة بنحو دخالة ذيها فيهما. وبما ان حرمة الشئ تنشأ عن وجود المفسدة في فعله أو


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 128 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 335 ]

المصلحة الملزمة في تركه، بحيث لو لا تركه لوجدت المفسدة أو فاتت المصلحة، فمقدمة الحرام انما إذا كان لها هذا الاثر وهو منحصر بالمقدمة التوليدية. اما غيرها ففعله لا يلازم وجود الحرام، كي يقال انه لو لا تركه لوجدت المفسدة أو فاتت المصلحة. وبنظير هذا البيان يثبت وجوب مقدمة الواجب، إذ وجوب الواجب لاجل اشتماله على مصلحة ملزمة أو لاجل ان في تركه مفسدة ملزمة بحيث لو لا فعله لفاتت المصلحة أو وجدت المفسدة، ومقدماته. جميعها لها هذا الاثر، إذ لو لا فعلها لفاتت المصلحة أو وجدت المفسدة لان تركها يلازم ترك الواجب. فلاحظ وتدبر فانه لا يخلو عن دقة. ثم ان الكلام الجاري في مقدمة الحرام يجري بعينه في مقدمة المكروه حرفا بحرف. فاعرف. هذا تمام الكلام في مبحث المقدمة، وقد انتهى البحث فيه في يوم السبت المصادف الخامس من ذي القعدة سنة 1385 ه‍. نسأل الله تعالى التوفيق والهداية إلى سواء السبيل إنه حسبنا ونعم الوكيل. * * *

[ 337 ]

الضد

[ 339 ]

مبحث الضد موضوع البحث هو: أن الامر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده اولا يقتضي ؟ وهو من المباحث الاصولية والعقلية، ولا نطيل في بيان ذلك لوضوحه من ملاحظة نحو البحث ونتيجته. نعم لا باس بالتنبيه على ما يراد من الاقتضاء، وما يراد من الضد، كما فعل صاحب الكفاية لتحديد محل البحث ومدار الكلام. فنقول: المراد بالاقتضاء - كما ذكره صاحب الكفاية (1) وتابعه عليه غيره -: أعم من ان يكون بنحو العينية - كما ادعي في بعض الفروض - أو الجزئية - كما ادعي أيضا ذلك بلحاظ تركب الامر -، والالتزام أعم من كونه لزوما بينا بالمعنى الاخص وغيره وبتعبير آخر نقول: المراد بالاقتضاء هو اللابدية من أي طريق كانت. واما الضد، فالمراد منه: مطلق المنافي والمعاند، سواء كان امرا وجوديا - وهو المعبر عنه بالضد الخاص - أو كان امرا عدميا - وهو المعبر عنه بالضد


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 129 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 340 ]

العام، ويعبر عنه ايضا بالترك - وليس المراد منه هو الضد بالمعنى الفلسفي المختص بالامر الوجودي المعاند لغيره تمام المعاندة، فلا يشمل الضد العام. وهناك معنى آخر للضد العام، وهو الامر الوجودي الجامع للاضداد الوجودية. وهذا لا كلام لنا فيه، بل هو خارج عن موضوع الكلام. وعلى هذا، فينبغي ايقاع الكلام في مسألتين: الاولى: اقتضاء الامر بالشئ النهي عن الضد الخاص. والثانية: اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده العام وهو الترك. المسالة الاولى: في ان الامر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده الخاص اولا ؟. وقد أدعي اقتضائه النهي عن ضده الخاص لوجوه: اهمها وعمدتها - ما ذكره صاحب الكفاية -: من دعوى مقدمية ترك أحد الضدين لفعل الاخر. بيان ذلك: ان عدم أحد الضدين مقدمة للضد الاخر، ومما يتوقف عليه الضد الاخر، فإذا وجب احدهما وجبت مقدماته ومنها عدم ضده، فإذا وجب ترك ضده فقد حرم ضده قهرا. اما تقريب مقدمية ترك أحد الضدين للاخر: فبان التمانع والتنافر بين الضدين مما لا شبهة فيه، وإذا كان كل من الضدين مانعا عن حصول الاخر كان عدم كل منهما من أجزاء علة الاخر، لان عدم المانع من اجزاء العلة، وقد فرض مانعية الضد فعدمه من اجزاء علة ضده، وإذا كان من اجزاء العلة كان من المقدمات. فهاتان المقدمتان هما اساس دعوى مقدمية عدم الضد للضد الاخر. وعلى هذا فينبغي ان يكون البحث في مقدمية ترك أحد الضدين للضد الاخر. وقد ذكر فيها وجوه:

[ 341 ]

الاول: مقدمية عدم كل منهما للاخر مطلقا. والثاني: عدم المقدمية مطلقا. والثالث: التفصيل بين الضد الموجود والضد المعدوم، فعدم الاول مقدمة دون عدم الثاني. والرابع: مقدمية العدم للوجود دون مقدمية الوجود للعدم. والخامس: مقدمية الوجود للعدم دون العكس. والذي ذهب إليه المتأخرون تبعا لسلطان العلماء هو عدم المقدمية بقول مطلق. وقد ناقش صاحب الكفاية (قدس سره) القول بالمقدمية بوجوه ثلاثة: الاول: انه يستلزم الدور، وذلك لان عدم أحد الضدين إذا كان مقدمة للاخر من باب انه عدم المانع يكون من اجزاء علته، كان وجود احد الضدين مقدمة لعدم الاخر ايضا، لتوقف عدم الشئ على مانعه كما يتوقف نفس الشئ على عدم مانعه، فيكون عدم أحدهما متوقفا على وجود الاخر، كما ان وجود الاخر يتوقف على عدم ضده، فيلزم الدور الباطل. الثاني: النقض بالمتناقضين، وبيانه: انه لا اشكال في ان بين المتناقضين منافرة ومعاندة شديدة واكيدة، مع انه من المسلم كون أحدهما في رتبة عدم الاخر، وليس عدم احدهما مقدمة للاخر، كيف ؟ وهو يستلزم ان يكون الشئ مقدمة لنفسه، لان عدم أحدهما نفس الاخر. وعليه، فمجرد وجود المعاندة لا تستلزم مقدمية احد المتمانعين للاخر، والا لكان انطباق ذلك على المتناقضين أنسب لما بينهما من شدة المعاندة والممانعة. الثالث: - وهو ما ذكره في الكفاية اولا، وعبارة الكفاية لا تخلو عن تشويش، وقد حملها المحقق الاصفهاني على ارادة ما بيانه: - انه لا اشكال في كون كل من الضدين مع الاخر في رتبة واحدة، فليس أحدهما متقدما على الاخر، ومن

[ 342 ]

المسلمات ايضا ان وجود كل ضد وعدمه في رتبة واحدة، فانهما يتواردان على محل واحد، فعدم الشئ في رتبة وجوده بلا اشكال. وعليه فيكون عدم كل ضد في رتبة الضد الاخر قهرا، لانه في رتبة نفس الضد، والمفروض بالمقدمة الاولى ان نفس الضد في رتبة ضده الاخر (1). وهذا الوجه لا يصلح ان يكون بيانا لعبارة الكفاية، فانها بعيدة جدا، بل اجنبية عن هذا المعنى وتابي الحمل عليه باي وجه من الوجوه، وهو يظهر بادنى ملاحظة. وعليه فكان الاولى ان يذكر وجها مستقلا في دفع دعوى المقدمية، ينظر في صحته وسقمه، لا ان يذكر ويسند لصاحب الكفاية ثم يستشكل فيه. والذي يبدو لنا ان مراد صاحب الكفاية من عبارته هو: انه ليس بين الضدين الا التمانع والمعاندة في مقام التحقق، فكل منهما يمنع الاخر عن التحقق، فالتمانع في مرتبة وجوديهما لا في مرتبة عليتهما. وعليه، فهما متحدان رتبة من دون ان يكون أحدهما سابقا على الاخر، وإذا كان كذلك فالشئ الذي يرفع هذا التمانع، بمعنى يرفع المانع عن وجود أحد الضدين من جهة الضد الاخر، لا بد ان يكون في رتبة الضد، لانه يرفع المانع في مرحلة وجوده ورتبته لا في مرحلة علته ورتبتها. وعدم الضد له هذا الشان، فانه انما يرفع المانع في هذا المقام فهو في رتبة الضد الاخر وليس سابقا عليه. فنظر صاحب الكفاية الى ان العدم لا يؤثر الا في رفع ما أثر فيه الوجود، والمفروض ان ما يؤثر فيه الوجود هو المانعية في رتبة نفس الشئ لا في رتبة علته واجزائها. وهذا المعنى يمكن تطبيقه على عبارة الكفاية، وان كانت العبارة لا تخلو من تشويش، فيمكن ان يكون مقصوده: " وحيث لا منافاة اصلا بين أحد


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 219 - الطبعة الاولى. (*)

[ 343 ]

العينين وما هو نقيض الاخر وبديله، بل بينهما كمال الملائمة... " هو ان العدم لما كان يرفع التمانع الثابت بالضد وكان بينه وبين الضد كمال الملائمة، فبه يرتفع تلك الممانعة، فكان في رتبة الضد قهرا. وبالجملة: فما يريده صاحب الكفاية هو ما ذكرناه، وسيتضح ذلك جدا من كلامه في ضمن البحث، فتدبر. وقد أورد على الدور: بان توقف كل من الضدين على عدم الضد الاخر فعلي، وتوقف عدم الضد على الضد الاخر تقديري، فيرتفع الدور. بيان ذلك: ان عدم الشئ لا يستند الى وجود المانع عن الشئ الا في صورة وجود المقتضي والشرط، والا فلو لم يكن المقتضي موجودا استند العدم إليه، فيعلل عدم تحقق الحرقة - عند عدم وجود النار - بعدم وجود النار لا بوجود الرطوبة، كما يعلل ايضا بعدم الملاقاة عند وجود النار، والرطوبة بدون الملاقاة، نعم يعلل بوجود الرطوبة لو تحققت ملاقاة النار للجسم. واما وجود الشئ فهو يستند الى جميع اجزاء علته فعلا. وعليه، فوجود الضد يستند فعلا الى عدم الضد الاخر لانه من اجزاء علته. واما عدم الضد فهو لا يستند الى وجود الضد الاخر الا في صورة وجود مقتضيه وشرطه فاستناده إليه تقديري، بمعنى أنه معلق على وجود المقتضي والشرط، وهو لا يتحقق دائما. وذلك لان وجود الضدين اما ان يلحظا بالاضافة الى ارادة شخص واحد أو بالاضافة إلى شخصين. فعلى الاول: لا يمكن تحقق المقتضي، وذلك لانه مع ارادة المانع عن الضد وهو الضد الاخر - كما هو الفرض - لا يمكن ان تكون هناك ارادة اخرى متعلقة بالضد، فمع ارادة السواد لا يمكن ارادة البياض. وعليه ففي فرض وجود احد الضدين لا بد ان يفرض انتفاء مقتضي الضد الاخر - وهو الارادة -، فيستند عدم الضد الاخر الى عدم المقتضي لا إلى وجود الضد المانع.

[ 344 ]

وعلى الثاني: فالمقتضي لكلا الضدين وان امكن فرض وجوده، لعدم امتناع تعلق ارادة احد الشخصين بايجاد احد الضدين وتعلق ارادة الشخص الاخر بايجاد الضد الاخر، الا ان وجود أحدهما يستند إلى اقوائية قدرة احد الشخصين على الاخر بحيث يتغلب عليه. فيكون عدم الضد الاخر لاجل عدم حصول شرطه، وهو القدرة لا لاجل وجود المانع وهو الضد. فلا يستند عدم الضد الى وجود الضد الاخر الا بنحو التعليق والتقدير. وقد اجاب عنه صاحب الكفاية: بانه وان رفع اشكال الدور ونفي التوقف الفعلي من الطرفين، الا ان محذور الدور موجود بحاله وهو لزوم الخلف، لان الاعتراف بصلاحية استناد العدم إلى وجود الضد - عند فرض وجود المقتضي والشرط - اعتراف بكون وجود الضد في رتبة سابقة على عدم الضد الاخر - لانه في رتبة المانع - فيمتنع ان يستند وجود الضد الى عدم الاخر، لانه يستلزم تقدم ما هو المتأخر وهو خلف. وربما يقال: بان استناد عدم أحد الضدين الى وجود الاخر معلق على وجود المقتضي والشرط، فالاستناد إليه ماخوذ بنحو القضية الشرطية. ومن الواضح ان صدق القضية الشرطية لا يستلزم صدق طرفيها، كما يشهد له قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (1)، وقد عرفت امتناع تحقق المقتضي أو الشرط لاحد الضدين مع الضد الاخر. ومعه لا يكون وجود احد الضدين صالحا للمانعية في حال من الاحوال لامتناع صدق المقدم. فينتفي محذور الخلف ايضا. واستشكل فيه صاحب الكفاية: بان هذا القول يساوق نفي مانعية كل من الضدين للاخر، ومعه لا يكون عدم احدهما مقدمة للاخر، لان اساس ذلك


(1) سورة الانبياء، الاية: 22. (*)

[ 345 ]

هو مانعية كل منهما للاخر. ومن هنا يثار سؤال أو اشكال: بان نفي التمانع بين الضدين ينافي الوجدان والبديهة، فان التمانع بينهما كالنار على المنار والشمس في رابعة النهار - كما قال في الكفاية - كما ان عدم المانع من المقدمات بلا اشكال، فما قيل مما ينافي ذلك شبهة في مقابل البديهة، وهي لا تكون مورد القبول. واجاب عنه في الكفاية: ان التمانع بين الضدين وان سلم بلا تردد، لكنه بمعنى يختلف عن المعنى الذي يكون عدمه من المقدمات، فدعوى المقدمية ناشئة من الخلط بين المعنيين. بيان ذلك: ان التمانع بين الامرين تارة: يكون في مرتبة الوجود، بمعنى انه لا يمكن اجتماعهما في الوجود. واخرى: يكون في مقام التأثير بمعنى ان يكون احد الامرين مانعا عن تأثير مقتضي الاخر فيه، فالمانع الذي يكون عدمه من المقدمات هو المانع بالمعنى الثاني نظير الرطوبة المانعة من تأثير النار في الحرقة. ومانعية الضد الاخر من قبيل الاول. فان التمانع بينهما ليس الا بمعنى التمانع في الوجود وعدم امكان وجود أحدهما مع وجود الاخر من دون أن يؤثر احدهما في مقتضي الضد الاخر ويمنع من تأثيره، فلا يكون عدمه من المقدمات. وهذا المعنى هو الذي كان ينظر إليه صاحب الكفاية في الوجه الثالث من وجوه اشكاله على المقدمية (1). وسيتضح جيدا في مطاوي البحث. هذا خلاصة ما افاده في الكفاية بتوضيح (2). ولكن المحقق الاصفهاني (قدس سره) لم يرتض انكار المقدمية، وحاول تصيحها بلا ورود أي اشكال.


(1) أعني: بالترتيب الذي ذكرناه، اما بالترتيب الكفاية فهو الوجه الاول. (منه عفي عنه). (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 130 - 132 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 346 ]

وقد اوضح قبل الدخول في أصل المبحث المقصود بالتقدم الرتبي بالطبع، ببيان: ان ملاك التقدم والتاخر بالطبع هو ان يكون لاحد الشيئين وجود الا وللاخر وجود ولا عكس، بمعنى انه يمكن فرض وجود الاخر بدون وجود ذلك الشئ كالواحد والكثير فانه لا يمكن ان يفرض للكثير وجود الا ويكون للواحد وجود، مع انه يمكن ان يوجد الواحد بدون وجود الكثير، فالمتقدم هو الواحد والمتاخر هو الكثير. ثم ذكر ان منشأ هذا التقدم أحد امور اربعة: الاول: ان يكون الشئ المتقدم عن علل قوام الاخر كالجزء والكل، فان الكل يتقوم باجزائه، ولذا لا يمكن ان يفرض له وجود الا ويكون لاجزائه وجود، مع انه يمكن ان يفرض لجزئه وجود بلا ان يكون له وجود. الثاني: ان يكون المتقدم موثرا في المتأخر كالمقتضي والمقتضى. الثالث: ان يكون المتقدم مصححا لفاعلية الفاعل وهو المعبر عنه بالشرط. الرابع: ان يكون المتقدم متمما لقابلية القابل، وهو المعبر عنه بعدم المانع أو الشرط العدمي، كعدم الرطوبة المتمم لقابلية المحل للاحتراق. وبعد هذا البيان أفاد: ان عدم الضد متقدم بالطبع على الضد الاخر، لانه لا يمكن ان يفرض للضد وجود الا ويكون الضد الاخر غير موجود، بخلاف العكس فانه يمكن ان يكون أحد الضدين غير موجود وليس للاخر وجود، لامكان عدم كلا الضدين، فمثلا لا يمكن فرض السواد الا ويثبت عدم البياض، ولكن يمكن ان يفرض عدم البياض من دون ثبوت السواد. ومنشأ التقدم الطبعي لعدم الضد على الضد الاخر هو: كون عدم الضد متمما لقابلية المحل لعروض الضد الاخر عليه، إذ بدونه لا يكون المحل قابلا، فلا يكون المحل قابلا للبياض إلا في صورة عدم السواد.

[ 347 ]

اما دعوى: توقف عدم أحد الضدين على الضد الاخر، التي هي اساس الدور الذي ذكره صاحب الكفاية. فقد دفعها (قدس سره): بان العدم لا يحتاج الى فاعل وقابل، فليس هو شيئا قابلا للتاثر وعليه فلا يحتاج الى ما يكون مصححا لفاعلية الفاعل أو متمما لقابلية القابل بالنسبة إليه، فينتفي توقف عدم أحد الضدين على وجود الاخر. هذا مجمل ما يتعلق بالمقام ونخبة كلامه الذي اسس عليه مقدمية عدم الضد للضد الاخر بلا ورود إشكال الدور (1). والكلام معه ينبغي أن يكون في جهتين: الجهة الاولى: فيما ذكره ملاكا للتقدم بالطبع مع حصر منشئه بالامور الاربعة المزبورة. فانه مما لا نعرف له وجها صحيحا، إذ يرد عليه: انه اما ان يكون المقصود من ملاك التقدم بالطبع هو عدم تحقق نفس وجود التاخر الا والمتقدم موجود دون العكس، أو عدم امكان وجود المتأخر الا وللمتقدم وجود ولا عكس. فعلى الاول: لا يصح هذا ملاكا للتقدم بالطبع، لتخلفه في بعض الموارد، كما لو كان هناك ماءان أحدهما كثير والاخر قليل وجعل أحدهما في عرض الاخر وجنبه، ولم يكن هناك إلا ماكنتان للحرارة احداهما ضعيفة النار لا تؤثر إلا في حرارة القليل والاخرى قوية تؤثر في حرارة كليهما، ووضع الماء بنحو ينحصر ايجاد حرارتهما من غير طريق هاتين الماكنتين، فانه حينئذ لا توجد حرارة الماء الكثير الا وحرارة القليل موجودة دون العكس إذ قد توجد حرارة القليل بالماكنة الضعيفة النار ولا توجد بها حرارة الكثيرة. ومن الواضح جدا انه لا تقدم وتاخر بين حرارة القليل والكثير.


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1 / 219 - 220 - الطبعة الاولى. (*)

[ 348 ]

وبالجملة: يتخلف المورد فيما لو كانت هناك علتان إحداهما تؤثر في شيئين والاخ