العودة الى مكتبة المرتضى

 

منتقى الأصول

تقرير بحث الروحاني للحكيم ج 5

 


[ 1 ]

منتقى الاصول تقريرا لابحاث آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الروحاني الشهيد آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم الجزء الخامس

[ 2 ]

اسم الكتاب منتقى الاصول ج 5 المؤلف: الشهيد آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم المطبعة: الهادي الطبعة: الثانية 1416 ه‍ الكمية: 2000 نسخة السعر: 7000 ريال حقوق الطبع محفوظة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

تتمة مبحث البراءة

[ 7 ]

" الشبهة الموضوعية " ويقع الكلام بعد ذلك في الشبهة الموضوعية التحريمية. والكلام في جهات: الاولى: في الدليل على البراءة فيها شرعا. الثانية: في تقريب جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان. الثالثة: في ضابط ما تجري فيه البراءة منها، وتمييزه عما لا تجري فيه. أما الجهة الاولى: فتحقيق الكلام فيها: ان الدليل على البراءة في الشبهات الموضوعية هو ما تقدم من أدلة البراءة، ويضاف إليها بعض النصوص التي قيل باختصاصها في الشبهة الموضوعية: منها: رواية عبد الله بن سنان: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) كل شئ يكون فيه حرام وحلال، فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه " (1). وقد ورد هذا المضمون في نصوص أخرى وقع السؤال فيها عن الجبن (2).


(1) وسائل الشيعة 12 / 59 باب: 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث: 1. (2) وسائل الشيعة 17 / 90 باب: 61 من أبواب الاطعمة المباحة. (*)

[ 8 ]

وقد تعرض الشيخ (رحمه الله) الى هذا المضمون، وذهب الى عدم شموله للشبهة الحكمية وانه يختص بالشبهة في الموضوع لقرائن متعددة. كفرض وجود القسمين من الحلال والحرام. وظهور ان ذكر القيد لبيان منشأ الاشتباه، وان وجود القسمين هو الذي أوجب اشتباه الحال في المشكوك، وهذا لا يتم في الشبهة الحكمية لعدم كون منشأ الاشتباه وجود القسمين، بل يتحقق الشك من جهة الحكم ولو لم يكن هناك قسمان. وكون الغاية هي معرفة الحرام منه. ومن الواضح انه لو فرض تصور جامع بين ما هو الحلال والحرام في موارد الشبهة الحكمية، فلا تكون معرفة الحرام غاية لحلية المشكوك، كما لا يخفى. وبالجملة: ظهور النص في جعل الحلية في خصوص مورد الشبهة الموضوعية لا ينكر (1). ومنها: قوله (عليه السلام): " كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه " (2) - بناء على أنه غير رواية مسعدة بن صدقة، وقد تقدم الحديث في ذلك فراجع -. وظهورها في خصوص مورد الشبهة الموضوعية قد ينكر بدوا، لعموم: " كل شئ " لكل مشكوك ولو بالشبهة الحكمية. لكن قوله: " حتى تعلم أنه حرام " يوجب الظهور في الاختصاص، إذ لا يعبر في موارد الشبهة الحكمية بهذا التعبير، بل يقال: " حتى تعرف حرمته "، فمثل التعبير ظاهر في العلم بمصداقيته للحرام وانطباق الحرام عليه، وهو ظاهر في موارد الشبهة الموضوعية. ولو تنزلنا عن هذه الدعوى، فمفهومها للشبهة الحكمية لا يضر دلالتها


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 200 - الطبعة الاولى. (2) قريب من هذا المضمون روايات باب: 4 من أبواب ما يكتسب به ج 11. (*)

[ 9 ]

على الاباحة في الشبهة الموضوعية، وهو يكفينا في المقام لانه المهم. ومنها: رواية مسعدة بن صدقة التي استدل بها العلامة (رحمه الله) في التذكرة وهي قوله: " كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثواب يكون عليك ولعله سرقة، أو العبد يكون عندك ولعله حر قد باع نفسه أو قهر فبيع أو خدع فبيع، أو أمرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البينة " (1). هذا، وقد تقدمت الاشارة الى الاشكال في دلالتها على أصالة الاباحة والحلية، باعتبار ان الموارد المذكورة في النص ليست من موارد اجراء أصالة الحل، بل الحل فيها مستند الى الاصول أو الامارات الموضوعية كاليد في مثال الثوب والعبد، بحيث انه لولا هذا الاصل الموضوعي لكان الحكم فيها بحرمة التصرف لا بحليته، لجريان أصالة بقاء الثوب على ملك مالكه الاول - في مثال الثوب -. وأصالة الحرية في الانسان المشكوك، أو أصالة عدم تأثير العقد الواقع عليه، فان الاصل في المعاملات الفساد - في مثال العبد المشترى -. وكأصالة عدم تحقق الرضاع والنسب - في مثال الزوجة - فانه يستلزم الحلية، ولولا هذا الاصل لكان المعين الحكم بالحرمة لاصالة عدم تأثير العقد. وقد صرح الشيخ (رحمه الله) بهذا الاشكال، كما تقدم منا - في مقام تحقيق الحال فيه - ان هذا الحديث بعد عدم إمكان حمله على ظاهره من انشاء الحلية في جميع هذه الموارد وغيرها من موارد أصالة البراءة بانشاء واحد، فانه يستلزم استعمال اللفظ في اكثر من معنى، يدور أمره بين احتمالين: أحدهما: ان يكون إخبارا عن جعل الحلية في جميع موارد الشك فيها، فيدل على جعل أصالة الحل لوجود المورد الفاقد لدليل يدل على الحلية غيرها.


(1) وسائل الشيعة 12 / 60 باب: 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث: 4. (*)

[ 10 ]

والاخر: ان يكون اخبارا بعنوان الاشارة الى ما هو المجهول المفروض جعله في الشريعة من أحكام تسهيلية (1). وقد عرفت عدم دلالته - بناء على هذا الاحتمال - على جعل أصالة الحل. وقد تقدم عدم ظهور الحديث في أحد الاحتمالين، فيكون مجملا. فراجع تعرف. وأما الجهة الثانية: فتحقيق الكلام فيها: أنه قد يدعى عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان. ولا يخفى ان هناك موردا تنفى فيه هذه القاعدة وهو مورد الشبهة الحكمية البدوية قبل الفحص. ولكن الوجه الذي تنفى به القاعدة هناك لا يتأتى هنا ولا يرتبط بما نحن فيه. فان الوجه المذكور هناك يرجع الى بيان ان البيان المأخوذ في موضوع القاعدة ليس هو خصوص البيان الواصل بنفسه الى العبد، كي لا يجب على العبد الفحص لعدم وصول الدليل فيحكم العقل بالبراءة، بل هو ما يعم الواصل وما هو في معرض الوصول، لان طريقة المولى ليست على ايصال كل حكم الى المكلف بنفسه، بل طريقته على ايصاله الى بعض المكلفين، فيصل الى الجميع تدريجا بواسطة النقل، وفي مثل ذلك لا يحكم العقل بقبح العقاب قبل الفحص واليأس عن الدليل. ولا يخفى انه لا موضوع لهذا الوجه فيما نحن فيه لفرض العلم بالحكم، فلو لم يتم هذا الوجه والتزم بارادة البيان الواصل من موضوع القاعدة، فهو حاصل فيما نحن فيه للعلم بالحكم الكلي. إذن فلابد من كون منشأ الشك في جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان وعدم جريانها فيما نحن فيه أمرا آخر غير


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 201 - الطبعة الاولى. (*)

[ 11 ]

تردد الامر في كيفية البيان، وانه البيان الواصل أو ما هو في معرض الوصول. وإلا لما كان مجال للشك في عدم جريانها لفرض كون البيان واصلا للعلم بالحكم. وعلى ما ذكرنا يظهر لك التسامح الواقع في بعض التقريرات لظهورها في تقريب وجه عدم جريان القاعدة فيما نحن فيه بما يذكر لتقريب عدم جريانها في الشبهات قبل الفحص (1). فالوجه الذي ينبغي ان يقال في تقريب عدم جريان القاعدة فيما نحن فيه هو: ان المعتبر في البيان المأخوذ في موضوع القاعدة هو بيان الحكم الشرعي الذي يرتبط بالمولى. ولا يخفى ان ما يرتبط بالمولى هو الحكم الكلي، أما الحكم الجزئي في المورد الخاص فهو أجنبي عن المولى، وليس على المولى بيانه، بل تشخيصه موكول الى العبد نفسه. فما يلزم على المولى بيانه هو الحكم الكلي. والمفروض تعلق العلم به، فيكون منجزا، فلابد من الخروج عن عهدته بترك المشكوك كونه من افراد الحرام الكلي. فهذا الوجه يرجع الى تشخيص ما يلزم بيانه عما لا يلزم بيانه. والوجه السابق يرجع الى تشخيص كيفية البيان المأخوذ في الموضوع. وقد تصدى الشيخ (رحمه الله) الى رد هذا الوجه، وأنه لا ينفع في اثبات الاحتياط في الشبهة الموضوعية (2). ولكن بيانه - في الشبهة التحريمية والوجوبية - لا يخلو عن إجمال، بل هو اشبه بالدعوى بلا تنبيه على اساس النكتة التي بها يندفع هذا الوجه. وقد أوضحه بصورة علمية المحقق النائيني، فأفاد (قدس سره): ان الحكم الكلي مجعول بنحو القضية الحقيقية، فهو ينحل الى احكام متعددة بتعدد افراد


(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الاصول 2 / 489 - الطبعة الاولى. (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 221 - الطبعة الاولى. (*)

[ 12 ]

الموضوع الكلي. ولا يخفى ان الحكم الثابت على الموضوع المفروض الوجود انما يصير فعليا بفعلية موضوعه، فإذا لم يكن موضوعه فعليا لم يكن الحكم كذلك، إذ لا معنى للنهي الفعلي عن شرب الخمر غير الموجود، وانما يتعلق الحرمة على تقدير وجوده. وعلى هذا فالعلم بفعلية الحكم يناط بالعلم بالموضوع، فمع الشك في الموضوع يشك في فعلية الحكم، فلا يكون منجزا، لان الحكم الذي يتنجز بالعلم هو الحكم الفعلي. فالدليل العام المعلوم لا يستلزم سوى العلم بجعل الحكم على تقدير وجود الموضوع، ولا يقتضي العلم بنفس الحكم المجعول. والذي ينفع في مقام التنجيز هو العلم بالحكم الفعلي، لا بأصل الجعل. إذن فالعلم بجعل الحكم الكلي لا يكون منجزا في مورد الشك في الموضوع (1). وبذلك يتضح ما قرره (قدس سره) من ان التنجز يتقوم بالعلم بالكبرى والعلم بالصغرى، ولا فائدة في العلم بالكبرى مع عدم العلم بالصغرى، كما لا فائدة في العلم بالصغرى مع عدم العلم بالكبرى. فلاحظ. ولعل هذا هو مراد الشيخ من ان الدليل على النهي العام لا يكون دليلا على تحريم الخمر المشكوك. فالتفت. ثم ان الشيخ (2) (رحمه الله) بعد ان تصدى لرد الوجه المذكور تصدى للنقض على القائل بموارد الشبهات الحكمية، لوجود عمومات تدل على حرمة أمور واقعية يحتمل أن يكون المشتبه حكمه - كشرب التتن - منها، كقوله تعالى: (ما نهاكم عنه فأنتهوا) (3). وقوله: (حرمت عليكم الخبائث) (4).


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 3 / 390 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 221 - الطبعة الاولى. (3) سورة الحشر، الاية: 7. (4) سورة الاعراف، الاية: 157. (*)

[ 13 ]

ثم إن جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا يختلف الحال فيه بين كون الشبهة تحريمية أو وجوبية، فمثل ما لو دار أمر الفوائت بين الاقل والاكثر، لا يتنجز عليه سوى وجوب الاقل. وأما الزائد فلا عقاب عليه لعدم البيان. فما ذهب إليه البعض في المثال من عدم الرجوع الى أصالة الاحتياط والتمسك بالبراءة في غير محله. وقد ذكر الشيخ لبعض المحققين (1) تفصيلا في مثال الفوائت، وهو أن المكلف.. تارة: يعلم تفصيلا بمقدار الفوائت ثم يعرض عليه النسيان فلا يعلم انها كانت خمسة أو عشرة - مثلا -. وأخرى: يكون جاهلا من أول الامر بالمقدار ومترددا بين فوات الاقل والاكثر. ففي الصورة الاولى يلزمه الاحتياط، لتنجز ما علمه تفصيلا في حقه ولا يزول ذلك بعروض النسيان، فانه - اي النسيان - لا يرفع الحكم الثابت بالاطلاق. وفي الصورة الثانية لا يلزمه الاحتياط، لعدم تنجز شئ في حقه سابقا يشك في براءة ذمته منه، بل الذي يعلم ثبوته في حقه هو الاقل لا غير. ونفاه (قدس سره): بانه يظهر النظر فيه مما ذكرناه سابقا (2). ولم يزد على هذا بقليل ولا كثير. ومن الواضح انه ليس فيما تقدم من بيان جريان البراءة العقلية ما ينفي ما ادعاه، من لزوم الخروج عن عهدة العلم التفصيلي المنجز السابق. فالتحقيق في جواب هذا التوهم هو: ان العلم تفصيليا كان أو إجماليا إنما


(1 و 2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 234 - الطبعة الاولى. (*)

[ 14 ]

يكون منجزا ما دام باقيا، فإذا زال زال أثره. وأشار الشيخ الى ذلك في أول مبحث القطع بقوله: " ما دام موجودا " (1). ويوضح ذلك في مبحث الاشتغال فيبين: ان العلم الاجمالي انما يكون منجزا إذا بقى ثابتا ولم يرتفع، فلو علم إجمالا بنجاسة احد الاناءين ثم بعد حين زال علمه الاجمالي بان علم تفصيلا بطهارتهما أو بطهارة أحدهما أو بعدم وقوع النجاسة في أحدهما وان شك في نجاستهما بدوا، لم يكن مجال لدعوى لزوم الاحتياط بملاحظة حدوث العلم الاجمالي (2). ولا يرد على هذا: بان لازمه عدم لزوم الاجتناب عن احد الطرفين المعلوم نجاسة أحدهما إذا طهر الاخر لزوال العلم الاجمالي بالنجاسة. وذلك لان التطهير إنما يرفع المعلوم بالاجمال بقاء، أما حدوثا فلا، فالعلم الاجمالي فعلا بنجاسة أحد الاناءين حدوثا ثابت ولم ينتف بالتطهير، فيكون التنجيز بلحاظه، فالمعتبر بقاء العلم لا المعلوم. وإذا ظهر ذلك تعرف الحال في ما ذكره المحقق المزبور، فان علمه التفصيلي انما تلزم مراعاته مادام موجودا. أما إذا زال كما هو الفرض فلا موضوع للتنجيز، فليس عدم التنجيز لتقييد المطلقات، بل لعدم موضوعه وهو العلم، والعلم السابق لا ينفع في تنجيز الحكم لا حقا، فلاحظ وتدبر. وأما الجهة الثالثة: فتحقيق الكلام فيها: ان البراءة انما تجري في مورد الشك في التكليف الزائد، سواء كان استقلاليا أو ضمنيا، أو فقل انها انما تجري مع الشك في أصل التكليف أو في سعته وانبساطه على أمر خاص مع العلم بأصله، كموارد دوران الامر بين الاقل والاكثر، والسر في ذلك واضح، لان ما هو بيد


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 2 - الطبعة الاولى. (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 250 - الطبعة الاولى. (*)

[ 15 ]

الشارع رفعا ووضعا هو التكليف، فيستطيع ان يرفعه من أصله كما بيده تضييق دائرة شموله وانبساطه وتوسيعها. أما غير ذلك، فليس مما يرجع إليه كي يصح له رفعه. إذا تبين ذلك: فقد تقدم ان النهي - سواء كان عبارة عن الزجر عن الفعل أو طلب الترك - انما ينشأ عن مفسدة في متعلقه في قبال الامر الذي ينشأ عن مصلحة في متعلقه. وعليه، فهو لا يخرج عن أحد صور ثلاث، لان المفسدة.. إما ان تكون في كل فعل على استقلاله فيكون النهي متعلقا بجميع الافعال بنحو العموم الاستغراقي، فيكون كل فعل محرما على حدة. وإما أن تكون في مجموع الافعال بنحو الارتباط، فيكون النهي متعلقا بمجموع الافعال، ويلزمه تحقق الامتثال بترك أحد الافعال ولو ترك فعل الباقي بأسره لتحقق ترك المجموع. وأما ان تكون في صرف الوجود، فيتعلق النهي به ويلزمه عدم تحقق الامتثال إلا بترك الجميع، وقد تقدم منا ما يوضح ذلك. فراجع. أما إذا كان النهي متعلقا بجميع الافعال بنحو العموم الاستغراقي، فمع الشك في شئ انه مصداق للمحرم كالشك في أن هذا المائع خمر أو خل، تجري البراءة فيه، لانه يشك في تكليف مستقل تعلق بهذا الفرد المجهول، فتجري البراءة شرعا كما تجري فيه البراءة عقلا، إذ قد عرفت أن العلم بالكبرى الكلية لا ينفي قاعدة قبح العقاب بلا بيان لعدم استلزامه للتنجيز. وأما إذا كان النهي متعلقا بمجموع الافعال، فلا اشكال في صحة ارتكاب المشكوك مع اجتناب أحد الافراد المعلومة، انما الاشكال في ارتكاب جميع الافراد المعلومة وترك المشكوك فقط، فهل يصح أولا ؟. فقد قيل: بجريان البراءة في الاقل المعلوم فرديته فيصح ارتكابه، ويتحقق الامتثال بترك المشكوك، وذلك

[ 16 ]

لرجوع الشك الى دوران الامر بين الاقل والاكثر، والحكم فيه في باب التحريم يختلف عنه في باب الوجوب، لدوران الامر في تعلق الحرمة من تعلقها بخصوص الافراد المعلومة وتعلقها بالمجموع المركب منها ومن الفرد المشكوك - لو كان مصداقا للحرام واقعا - فهو يعلم بحرمة الاكثر إما لنفسه أو لحرمة الاقل في ضمنه. أما الاقل، فهو غير معلوم الحرمة لا حتمال ان يكون المشكوك مصداق الحرام، فيتحقق ترك المجموع بتركه، فيكون مجرى البراءة دون الاكثر، على العكس في دوران بين الاقل والاكثر في باب الوجوب. وهذا البيان غير سديد، وذلك لان المفروض ثبوت العلم بتعلق الحرمة بعنوان المجموع المشكوك تحققه بالاقل أو الاكثر، فهو يعلم إجمالا اما بحرمة مجموع الاقل أو مجموع الاكثر، والمطلوب هو اثبات انحلال هذا العلم، وما أفيد لا يحقق الانحلال، إذ أصالة البراءة في الاقل تعارضها أصالة البراءة من الاكثر لعدم العلم تفصيلا بحرمة الاكثر بما هو أكثر، فلا انحلال بخلاف موارد الوجوب، فانه يعلم تفصيلا بوجوب الاقل - عند دوران الامر بين وجوبه ووجوب الاكثر - على كل تقدير، وهو يمنع من تنجيز العلم الاجمالي - على ما قيل - إذن فمقتضى الاشتغال بالتكليف المزبور هو عدم الاكتفاء بالمشكوك عند ارتكاب غيره، لعدم العلم بتحقق الامتثال بذلك. وأما إذا كان النهي متعلقا بصرف وجود الفعل.. فمع الشك في مصداقية شئ للحرام قد يلتزم بالبراءة.. إما لاجل الشك في صدق أول الوجود عليه ليكون حراما، فيكون مشكوك الحرمة والمرجع فيه البراءة. وإما لاجل الشك في كون المكلف في ضيق من التكليف فيه، والبراءة تتكفل رفع الضيق على المكلف ونفيه.

[ 17 ]

ولكن الحق هو جريان قاعدة الاشتغال وفاقا لصاحب الكفاية (1) - كما تقدم -، وعدم تمامية ما قيل في وجه اجراء البراءة سواءا كان النهي عبارة عن الزجر عن الفعل أو كانت عبارة عن طلب الترك. أما إذا كان عبارة عن الزجر عن الفعل، فلان النهي تعلق بصرف وجود الفعل وهو أو وجوده، وهو معلوم بحدوده وقيوده، وإنما الشك في انطباق صرف الوجود المعلوم بحده على هذا الفرد المشكوك. ومن الواضح ان كون هذا الفرد من افراد الحرام واقعا لا يستلزم سعة في التكليف وزيادة فيه، كما ان عدم كونه من افراده واقعا لا يستلزم نقصا في دائرته، كما لو أوجد شخص فردا للخمر أو أتلفه، فان الايجاد لا يستلزم سعة التكليف، كما ان اتلاف الفرد لا يستلزم ضيقه بعد ان كان النهي عن صرف الوجود، إذ لا ربط لانطباق متعلق التكليف المعلوم بمفهومه على فرد وعدم انطباقه بالتكليف زيادة ونقيصة. وإذا تبين ذلك، فلا مجال لاجراء البراءة فيه لعدم تعلق التكليف به، ولا يكون ثبوت الحكم له على تقدير كونه من أفراد الحرام مستلزما لسعة التكليف وزيادته عما كان معلوما. وقد عرفت ان البراءة إنما تجري فيما إذا كان الشك في أصل التكليف أو زيادته وسعته. وعليه فمقتضى قاعدة الاشتغال لزوم اجتنابه، ليعلم بترك صرف الوجود فيعلم بالامتثال. وأما إذا كان عبارة عن طلب الترك - كما فرضه العراقي (قدس سره) - فقد يتخيل جريان البراءة للشك في سعة التكليف، لان الشك في كون هذا فردا للحرام يلازم الشك في أن تركه مشمول للطلب أولا، فيرجع الشك الى الشك في سعة التكليف وانبساطه على ترك المشكوك. ولكن فيه: ان الالتزام بان النهي عبارة عن طلب الترك والعدم مع كونه


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 353 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 18 ]

مخالفا لظاهر النهي في كونه زجرا عن الفعل وردعا عنه، إنما هو من جهة عقلية، وهي ما تقدم من ان التكليف لتحريك الارادة، والمتصور في باب النهي هو تحريك الارادة في عدم الفعل لا في نفسه. ولا يخفى ان هذا المعنى يرجع الى ان المطلوب في موارد النهي هو عدم إعمال الارادة في الفعل. ولا يخفى ان عدم إعمال الارادة في صرف وجود الفعل لازم للترك المستمر بين المبدأ والمنتهى، فليس المطلوب هو الترك بنفسه، بل ما هو لازمه. وعليه، فالشك في فردية أمر للحرام لا يستلزم الشك في سعة التكليف، لان متعلقه أمر بسيط لازم للمتروك، فلا يكون مجرى للبراءة. وإنما المحكم هو قاعدة الاشتغال تحصيلا للفراغ اليقيني. فتدبر. يبقى الكلام فيما أفاده صاحب الكفاية (رحمه الله) من وجود أصل موضوعي - في بعض الاحيان - ينقح الاتيان بمتعلق التكليف، فيكون حاكما على قاعدة الاشتغال أو واردا عليها. كما إذا كان المكلف مسبوقا بترك صرف الوجود، فانه مع اتيانه بالمشكوك يشك أنه بعد تارك لصرف الوجود أولا، فيستصحب كونه تاركا لصرف الوجود ويثبت به الامتثال (1). وهذا الاصل بهذه الصورة أنما يتأتى فيما لو كان الطلب متعلقا بالترك بعنوانه، اما إذا كان مرجع الطلب الى طلب عدم إعمال الارادة في الفعل، فاستصحاب الترك لا يجدي، لانه - اي الترك - من لوازم متعلق التكليف لا نفسه. ولكن يمكننا ان نلتزم باجراء الاستصحاب في نفس متعلق التكليف المفروض، وهو عدم اعماله الارادة في الفعل، لانه متيقن الثبوت مشكوك الارتفاع.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 353 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 19 ]

وبالجملة: يجري الاستصحاب في متعلق التكليف كيفما فرض، لانه متيقن الثبوت مشكوك الارتفاع. فتدبر. هذا تمام الكلام في الشبهة الموضوعية.

[ 21 ]

فصل في دوران الامر بين الوجوب والحرمة إذا دار أمر الفعل بين أن يكون واجبا أو حراما بحيث علم إجمالا تعلق الوجوب أو الحرمة به - كما إذا علم انه حلف على الجلوس في هذا المكان في هذه الساعة أو على تركه. أو حلف أما على وطء زوجته هذه الليلة أو على ترك وطئها في الليلة نفسها -، فتارة: يكون الوجوب والحرمة توصليين. واخرى: يكون أحدهما أو كل منهما تعبديا. وقد جعل الشيخ (قدس سره) محل الكلام هو الصورة الاولى دون ما لو كانا تعبديين أو كان أحدهما المعين كذلك، وذلك للتمكن من المخالفة القطعية العملية في هذه الصورة، فلا يمكن اجراء الاباحة المستلزمة لطرح كلا الاحتمالين، وهي أحد الوجوه في المسألة (1). ولكن صاحب الكفاية (قدس سره) ذهب الى انه وان كانت الاباحة غير جارية في هذه الصورة، إلا ان الحكم فيها هو التخيير عقلا بين الفعل بنحو قربي أو الترك كذلك، لعدم التمكن من الموافقة القطعية (2).


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 236 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 356 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 22 ]

وبما أن المهم في هذا المقام هو تحقيق أصالة التخيير بين الفعل والترك، لم يكن وجه لتخصيص المورد بالتوصليين. ولا يخفى عليك أن تعميم المورد للتعبديين أو تخصيصه بالتوصليين غير مهم إنما المهم معرفة حكم كلتا الصورتين، وسيتضح ان شاء الله تعالى بعد ذلك ان الحق في جانب الشيخ (رحمه الله) لا في جانب صاحب الكفاية. فيقع الكلام في مسألتين: المسألة الاولى: ما إذا كان الوجوب والحرمة توصليين يسقطان بمجرد الموافقة بلا احتياج الى قصد التقرب. ولا يخفى ان المكلف لا يقدر في هذه الصورة على الموافقة القطعية لعدم قدرة المكلف على الفعل والترك معا، كما لا يتمكن من المخالفة العملية القطعية لعدم خلو المكلف من الفعل أو الترك. ومنه يظهر ان كلا من الموافقة الاحتمالية والمخالفة الاحتمالية قهرية الحصول لا دخل لاختيار المكلف فيها. والاقوال المذكورة في المسألة خمسة: الاول: جريان البراءة نقلا وعقلا. الثاني: الاخذ باحدهما تعيينا. الثالث: الاخذ باحدهما تخييرا. الرابع: التخيير بين الفعل والترك عقلا مع جريان اصالة الاباحة شرعا. الخامس: التخيير بين الفعل والترك عقلا، مع عدم جريان البراءة والاباحة وعدم الحكم بشئ أصلا. واختار الرابع صاحب الكفاية (1). وتحقيق الكلام على نحو يتضح به ما هو الصحيح من هذه الاقوال: هو


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 355 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 23 ]

أنك عرفت انه لا تمكن موافقة ومخالفة العلم الاجمالي قطعا، والموافقة الاحتمالية والمخالفة كذلك قهرية الحصول. وعليه نقول: أما جريان البراءة شرعا، فقد يقرب - كما اشار إليه في الكفاية -: بان كلا من الوجوب والحرمة مجهول، فيعمه حديث الرفع ونحوه مما دل على رفع الحكم عند الجهل به (1). وقد ذهب المحقق النائيني (رحمه الله) الى نفيه لوجهين: الاول: ان الحكم الظاهري لابد له من أثر شرعي وإلا لكان لغوا، وجعل البراءة فيما نحن فيه لا أثر له بعد عدم خلو المكلف من الفعل أو الترك قهرا، لحكم العقل بالترخيص والتخيير بين الفعل والترك. الثاني: ان رفع الالزام انما يصح في المورد القابل لوضعه بجعل الاحتياط - كما تقدم بيانه في حديث الرفع -، وفي ما نحن فيه لا يتمكن الشارع من جعل الاحتياط لعدم التمكن من الاحتياط، فلا معنى لرفع التكليف (2). كما ان المحقق الاصفهاني (رحمه الله) نفى البراءة الشرعية بدعوى: ان ظاهر أدلة البراءة كونها في مقام معذورية الجهل وارتفاعها بالعلم، فما كان تنجزه وعدمه من ناحية العلم والجهل كان مشمولا للغاية والمغيى، وما كان من ناحية التمكن من الامتثال وعدمه فلا ربط بأدلة البراءة، وما نحن فيه من الثاني لعدم القصور في العلم، وانما القصور من جهة عدم التمكن من امتثال الالزام المعلوم. فلاحظ (3). أقول: أما محذور اللغوية في جريان البراءة الشرعية، فهو محذور عام يقال في جميع موارد البراءة لفرض حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وعدم لزوم


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 355 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2 / 232 - الطبعة الاولى. (3) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 236 - الطبعة الاولى. (*)

[ 24 ]

الاحتياط، بناء على الالتزام بحكم العقل المزبور الذي عليه الكل، والجواب هناك هو الجواب هنا. فراجع (1). وأما الوجه الثاني: فهو يبتني على ملاحظة أصالة البراءة بالنسبة الى الجامع المعلوم وفرض الطرفين طرفا واحدا، إذ لا يتصور الاحتياط حينئذ، مع انه لا ينبغي ذلك، إذ البراءة تلحظ بالنسبة الى كل طرف بخصوصه، وجعل الاحتياط والضيق بالنسبة إليه ممكن للشارع، إذ للشارع أن يجعل الاحتياط بلحاظ احتمال الوجوب، فيلزم بالفعل كما له ان يجعله بلحاظ احتمال الحرمة، فينفي الاحتياط بلحاظ كلا الحكمين تسهيلا ومنة، برفع كل منهما على حدة. ومنه ظهر الاشكال فيما أفاده المحقق الاصفهاني، فان عدم التمكن من الامتثال إنما هو بملاحظة الجامع المعلوم. وإلا فبملاحظة كل احتمال بحياله يكون المكلف قادرا على امتثاله، فتجري أصالة البراءة فيه للجهل به بخصوصه وإن كان الجامع معلوما. وبالجملة: فايراد المحققين (قدس سرهما) ناش من ملاحظة الطرفين طرفا واحدا، وقياس البراءة بالنسبة الى جامع الالزام المعلوم. وهو ليس كما ينبغي. ولكن هذا الايراد عليهما بدوي، إذ يمكن توجيه كلامهما بما يرتفع به الايراد فنقول: انه بناء على ان النهي عبارة عن الزجر عن الفعل لا طلب الترك - كما يراه صاحب الكفاية - يكون مورد الوجوب والحرمة شيئا واحدا وهو الفعل. إذن فالجامع بين الوجوب والحرمة معلوم التعلق بالفعل، والفعل يعلم بورود الجامع بينهما عليه، ولنسمه الالزام - تبعا للاعلام -، فالالزام الجامع يعلم تفصيلا بتعلقه بالفعل. وإنما الشك في خصوصية الالزام من وجوب أو حرمة.


(1) راجع 4 / 196 من هذا الكتاب. (*)

[ 25 ]

ولا يخفى عليك ان هذا الالزام لا أثر له عملا بعد تردده بين الوجوب والحرمة، فلا يكون سببا للتنجز ولا منشئا للمؤاخذة على المخالفة، لما عرفت من أنه مما لا يتمكن المكلف من موافقته ومخالفته العملية القطعية، ومما لا يخرج المكلف عن موافقته ومخالفته الاحتمالية. إذن فانطباق الالزام واقعا على أي الاحتمالين من الوجوب والحرمة لا أثر له. وعليه، فان اريد اجراء البراءة من خصوصية الوجوب أو الحرمة. ففيه: ان اجراء البراءة من كل منهما باعتبار جهة الالزام والكلفة التي فيه، وهي معلومة بالفرض. وإن أريد إجراء البراءة بملاحظة الشك في انطباق الالزام المعلوم على الوجوب أو على الحرمة، نظير الشك في انطباق النجس المعلوم على احد الاناءين. ففيه: ان الانطباق الواقعي على كل من الحكمين إذا لم يكن بذي أثر - كما عرفت - فلا معنى لنفيه ورفعه بدليل البراءة مع الشك فيه، لانه لا يمكن وضع الالزام. وإن أريد اجراء البراءة بملاحظة الالزام المعلوم المتعلق بالفعل. ففيه: أولا: انه معلوم تفصيلا. وثانيا: انه مما لا يمكن جعل الاحتياط بالنسبة إليه ومما لا يتمكن من امتثاله. وهذا البيان لا يتأتى بناء على كون النهي عبارة عن طلب الترك، لاختلاف متعلق الالزام المعلوم، إذ الوجوب والحرمة لا يردان على شئ واحد، فكل من الفعل والترك مشكوك الالزام، فقد يقال بجريان البراءة فيه لعدم العلم بالالزام في كل طرف، نظير تردد الوجوب بين تعلقه بالظهر والجمعة. ولكن لا يمكن الالتزام بجريان البراءة حتى على هذا المبنى، وذلك لان الحكم بالبراءة شرعا انما هو بملاحظة جهة التعذير عن الواقع، وبملاك معذورية المكلف بالنسبة الى الواقع المحتمل، وهذا إنما فيما كان احتمال

[ 26 ]

التكليف قابلا لداعوية المكلف وتحريكه نحو المكلف به، بحيث يكون المكلف في حيرة منه وقلق واضطراب، فيؤمنه الشارع، أما إذا لم يكن الامر كذلك، بل كان المكلف آمنا لقصور المقتضي فلا معنى لتأمينه وتعذيره. وما نحن فيه كذلك، لان احتمال كل من الحكمين بعد انضمامه واقترانه باحتمال الحكم المضاد له عملا لا يكون بذي أثر في نفس المكلف ولا يترتب عليه التحريك والداعوية، لان داعوية التكليف ومحركيته بلحاظ ما يترتب عليه من أثر حسن من تحصيل ثواب أو فرار عن عقاب أو حصول مصلحة أو دفع مفسدة، وإذا فرض تساوي الاحتمالين في الفعل لم يكن أحدهما محركا للمكلف لا محالة. ومن هنا أمكننا ان نقول: بامتناع جعل مثل هذا الحكم واقعا، بناء على ان الحكم يتقوم بامكان الداعوية، إذ لا يمكن كل من الوجوب والحرمة ان يكون داعيا الى متعلقه مع تساوي احتمالهما، فلا حكم واقعي أصلا، بل نلتزم بعدم الحكم واقعا، بناء على ما قربناه في حقيقة الحكم من أنه جعل ما يقتضى الداعوية، إذ لا اقتضاء في كل منهما للداعوية، فان عدم الداعوية راجع الى قصور المقتضي لا لوجود المانع، إذ اقتضاء الحكم للداعوية باعتبار العلم أو احتمال ترتب الاثر الحسن عليه فإذا كان هذا الاحتمال مقرونا بعكسه كان المقتضي قاصرا، نظير العلم بثبوت مصلحة ومفسدة متساويتين في الفعل، فانه لا تكون المصلحة في هذا الحال ذات اقتضاء للداعوية والتحريك. فانتبه. أو فقل: ان التكليف ههنا لغو بعد عدم تأثيره الفعلي في المتعلق، ولو قلنا بان التكليف ما فيه اقتضاء الداعوية، فان جعل ما يقتضى الداعوية مع عدم انتهاءه الى التأثير فعلا في متعلقه، فيكون محالا، والا لصح تعلق التكليف على هذا المنهج بغير المقدور، وهو مما لا يمكن الالتزام به. ومن هنا يظهر انه لا مجال لاجراء البراءة العقلية في خصوص كل من

[ 27 ]

الحكمين، إذ لا موضوع لها بعد خروج المورد عن مقسم التعذير والتنجيز. مضافا الى ما أفاده صاحب الكفاية من ان البيان ههنا تام، وهو العلم الاجمالي، وانما القصور من ناحية عدم القدرة فهو نظير ما لو علم بالتكليف بأمر غير مقدور، فلا يقال انه يقبح العقاب لعدم البيان، بل لعدم التمكن من الامتثال، ولا يخفى ان العلم الاجمالي مانع من جريان البراءة العقلية في كل من الطرفين ولو لوحظ كل منهما بنفسه وعلى حدة. فانتبه (1). وبذلك يتضح عدم تمامية القول الاول. وأما لزوم الالتزام والاخذ بأحدهما - بحيث لو ثبت كان مانعا من إجراء أصالة الاباحة. ولا مجال لدعوى: أن الالتزام بالوجوب أو الحرمة واقعا لا يتنافى مع الاباحة الظاهرية، إذ لا تنافي واقعا بين الحكم الواقعي والظاهري، فلا تنافي بين الالتزام بهما. وذلك لان المراد من الالتزام باحدهما هو الالتزام مقدمة للعمل على طبقه لا مجرد الالتزام بلا عمل به. وهو يتنافى مع الاباحة الظاهرية. وقد أشار الشيخ (رحمه الله) الى هذا المعنى (2) -. فهو يقرب بوجهين: الوجه الاول: انه حيث تجب موافقة الاحكام التزاما، بمعنى انه يجب الالتزام بالحكم الواقعي، فيجب الالتزام بكل من الوجوب والحرمة، للعلم بثبوت أحدهما، وبما أنه غير متمكن عقلا من ذلك لان الالتزام بالضدين محال، فان الايمان بثبوت الضدين محال كثبوتهما، فتمتنع الموافقة القطعية، وإذا امتنعت


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 356 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 236 - الطبعة الاولى. (*)

[ 28 ]

الموافقة القطعية وجبت الموافقة الاحتمالية لتنزل العقل من الموافقة القطعية الى الموافقة الاحتمالية ولا مجال لسقوط العلم الاجمالي عن التجزية رأسا، فيلتزم بأحد الحكمين. وببيان آخر: ان المكلف مضطر الى ترك أحد طرفي العلم الاجمالي، وقد قرر في محله انه مع الاضطرار الى أحد الاطراف بعينه يلتزم بالتوسط في التنجيز ونتيجته لزوم الموافقة الاحتمالية. والفرق بين البيانين، هو عدم ابتناء الاول على التوسط في التنجيز في مورد الاضطرار. وهذا الوجه مردود. أولا: ان الواجب من الالتزام على تقدير ثبوته هو الالتزام بالحكم الواقعي على واقعه لا بعنوانه الخاص وهو لا ينافي اجراء الاصل لانه حاصل فعلا مع اجراء الاصل. أما الالتزام بالحكم بعنوانه الخاص بما هو وجوب أو حرمة الذي يتنافى مع اجراء الاصل كما عرفت، فليس وجوبه ثابتا ولا دليل عليه، إذ الدليل على لزوم الالتزام لو تم لزوم الالتزام بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو لا يقتضي اكثر من الالتزام بالواقع على واقعه. وثانيا: لو سلم انه يجب الالتزام بالحكم بعنوانه، فصاحب الكفاية (1) ممن لا يلتزم بالتوسط في التنجيز مع الاضطرار الى احد الاطراف لا بعينه بل يرى عدم منجزية العلم بالمرة، فالمسألة مبنائية. وثالثا: ان الالتزام مع الشك تشريع محرم، فلا يحكم العقل بمنجزية العلم إذا استلزمت موافقته الاحتمالية الوقوع في الحرام القطعي. بل ذهب الاصفهاني


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 360 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 29 ]

(قدس سره) الى ان الالتزام مع الشك محال لان الايمان بالشئ مع الشك فيه لا يجتمعان (1). الوجه الثاني: قياس المقام بمورد تعارض الخبرين الدال أحدهما على الوجوب والاخر على الحرمة، فانه يلتزم بالتخيير بينهما، وعبارة الشيخ (2) ههنا لا تخلو عن غموض وعلى كل فالوجه المصحح للقياس أحد امور. الاول: دعوى ان الملاك في الحكم بالتخيير في مورد تعارض الخبرين هو مجرد ابدائهما احتمال الوجوب والحرمة فيسري الحكم الى كل مورد كذلك ومنه ما نحن فيه. الثاني: دعوى ان الملاك هو نفي الثالث. وما نحن فيه كذلك. الثالث: ان رعاية الحكم الظاهري وهو الحجية يدل بالفحوى على رعاية الحكم الواقعي فإذا ثبت التخيير بين الحجتين وعدم طرحهما فثبوت التخيير بين الحكمين الواقعيين أولى. ولكن جميع هذه الوجوه ممنوعة. أما الاول: فلانه تخرص وتحكم على الغيب، بل بناء على السببية لا مجال له لان التخيير يكون من باب التخيير بين الواجبين المتزاحمين، وأي ربط لذلك بما نحن فيه. وأما الثاني: فهو كالاول، مع ان نفي الثالث قد لا يقول به الكل، لا بهما - كما يراه الشيخ - لتبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية كتبعيتها لها في أصل الثبوت. ولا باحدهما - كما يراه صاحب الكفاية - لعدم تصور ما أفاده في تقريبه في محله فراجع. مع ان الكل يرى التخيير ولو لم يتكفل الخبران نفي الثالث.


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين نهاية الدراية 2 / 27 - الطبعة الاولى. (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 236 - الطبعة الاولى. (*)

[ 30 ]

وأما الوجه الثالث: فلان الاولوية انما تتم لو فرض ثبوت الموضوع لكل من الحكمين الواقعيين كثبوته للحكمين الظاهريين، وليس الامر كذلك، بل هو حكم واقعي مردد بين الحكمين، بخلاف الحكمين الظاهريين فان كلا منهما واجد لموضوعه وهو الخبر التام الشرائط، وببيان آخر نقول: ان الطريقية بأي وجه صورت في باب الطرق مشوبة بالموضوعية وإلا لزم اعتبار كل طريق وكاشف، فللطريق الخاص موضوعية كانت منشأ لجعله حجة ككثرة انضباطه ونحوها، وقد ادعى صاحب الكفاية (1) ان الموضوع هو احتمال الاصابة. وأورد عليه الاصفهاني: بأنه شرط للحجية لا موضوع وان الموضوع هو عنوان التسليم (2). إذن فموضوع الحكم الظاهري الناشئ من مصلحة معينة ثابت، وتردد الحال بينهما واين ذلك مما نحن فيه. فيما هناك موضوع واحد لحكم واقعي واحد غير معلوم. فلا يقال بعد هذا أنه بناء على الطريقية يكون المدار على الواقع المنكشف بلا خصوصية للطريق، والواقع المحتمل هو امر واحد، فيكون مورد الخبرين المتعارضين مثل ما نحن فيه، فيتحقق التخيير فيما نحن فيه. فتدبر والتفت. والمتحصل: انه لا وجه للزوم الالتزام بأحدهما، ومنه ظهر انه لا وجه للالتزام بأحدهما المعين، لانه يتفرع على لزوم الالتزام باحدهما فيلتزم بترجيح جانب الحرمة أو الوجوب على الاخر. فظهر بطلان القولين الثاني والثالث. وأما الالتزام بالاباحة، فيوجه بعموم قوله: " كل شئ حلال حتى تعلم انه حرام " للمورد.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 355 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 235 - الطبعة الاولى. (*)

[ 31 ]

ولكن يرد عليه وجوه: الاول: انها تجري في المورد بتمامية مقدمتين: الاولى: ارجاع الوجوب الى الحرمة بمعنى حرمة الترك كي تشمل الشبهة الوجوبية. الثانية: كون الغاية عقلية لا شرعية، لانها ان كانت شرعية فالعلم بظاهره أعم من الاجمالي، وهو حاصل فيما نحن فيه، للعلم إجملا بحرمة الترك أو الفعل، فلا تجري أصالة الاباحة واما إذا كانت عقلية، فان الغاية هي العلم المنجز لا ذات العلم، وهو غير متحقق فيما نحن فيه، فيثبت المغيى. وكل من المقدمتين قابل للمناقشة. أما الاولى، فقد تقدم الحديث فيها في أخبار البراءة. وأما الثانية، فلظهور الغاية في كونها شرعية جعلها الشارع، لا انها ارشاد الى حكم العقل، فانه خلاف الظاهر. الثاني: ما أفاده المحقق النائيني (رحمه الله) في خصوص المقام، من انه يعتبر في جريان الاصل احتمال مطابقته للواقع لاخذ الشك في موضوعه، اما مع العلم بعدم مطابقته للواقع فلا يجري. وبما ان أصل الاباحة ههنا أصل واحد يرجع الى مساواة الفعل مع الترك - لا انه يجري في كل من الفعل والترك على حدة نظير أصالة البراءة، إذ اجراؤه في الفعل يعني انه مع الترك على حد سواء، فلا معنى لاجرائه في الترك -، فلا يمكن اجراؤه للعلم بخلافها للعلم بالالزام. وعدم تساوي الفعل مع الترك، يعلم بعدم مطابقتها للواقع (1). الثالث: ما تقدم منا في نفي إجراء البراءة من ان الحكم الواقعي لا يقبل


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 3 / 445 - طبعه مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 32 ]

التحريك، فلا يقبل جعل المعذر بلحاظه، وقد عرفت ان جعل الحكم الظاهري انما هو بلحاظ التعذير على الواقع، بل عرفت انه لا ثبوت للواقع بعد عدم قابليته للتحريك. فراجع. فظهر بذلك بطلان القول الرابع. فيتعين الالتزام بالتخيير لا من قبيل الوجوب التخييري شرعا، ولا من قبيل التخيير العقلي في باب التزاحم، لان مرجع التخيير في هذين المقامين الى الالزام بأحد الامرين، وهو غير متصور فيما نحن فيه، إذ واحد من الفعل والترك قهري الحصول، فلا معنى للالزام بأحدهما، فالمراد من التخيير هو عدم الحرجية في الفعل والترك، وهو ما ذهب إليه المحقق النائيني. فانتبه وتدبر. هذا كله إذا دار الامر بين الوجوب والحرمة في واقعة واحدة، كما إذا علم أنه حلف أما على وطء زوجته في ليلة الجمعة خاصة أو على تركه فيها. واما إذا دار الامر بين الوجوب والحرمة في وقائع متعددة، كما إذا علم انه حلف اما على الجلوس في الصحن أو على تركه في صباح كل يوم. فانه في صباح كل يوم يدور أمره بين الوجوب والحرمة. ولا يخفى انه لا يختلف الحال فيما ذكرناه بلحاظ كل واقعة بنفسها. وإنما الكلام في هذه الصورة في ان التخيير بدوي أو استمراري، بمعنى انه هل يلزمه في الواقعة الثانية اختيار ما اختاره أولا أو له اختيار خلافه ؟. وجهة الاشكال بدائيا في التخيير الاستمراري هو: انه قد يستلزم المخالفة القطعية فانه إذا اختلف اختياره في الواقعتين يعلم أنه خالف الحكم الشرعي قطعا. وتحقيق الكلام: ان العلم الاجمالي بالوجوب أو الحرمة في كل واقعة لا أثر له كما عرفت، لكن لدينا علما إجماليا آخر، وهو العلم إجمالا إما بوجوب الفعل في هذه الواقعة أو بحرمته في الواقعة الثانية، وهذا العلم الاجمالي تحرم مخالفته

[ 33 ]

القطعية، فإذا اختار الترك في هذه الواقعة كان عليه ان يترك في الواقعة الثانية، وإلا أدى ذلك الى المخالفة القطعية للعلم الاجمالي المزبور. إلا انه قد يقال: ان هذا العلم الاجمالي ينضم إليه علم اجمالي آخر إما بحرمة الفعل في هذه الواقعة أو بوجوبه في الواقعة الثانية، وتأثير كل من العلمين في كل من الطرفين على حد سواء، فلا يكونان منجزين، بل يكونان من قبيل العلم الاجمالي الاول بلحاظ كل واقعة بحيالها. ولكننا نقول: إنه يمكن تقريب التخيير البدوي على اساس هذين العلمين الاجماليين المتعاكسين بأحد وجهين: الاول: ان الموافقة القطعية لاحدهما تستلزم المخالفة القطعية للاخر. وبعبارة أخرى: ان التخيير الاستمراري كما يستلزم المخالفة القطعية لاحدهما يستلزم الموافقة القطعية للاخر، وبما ان حرمة المخالفة القطعية أهم - بنظر العقل - من لزوم الموافقة القطعية، ولذا قيل بعلية العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعية، وتوقف في عليته لوجوب الموافقة القطعية فيتعين رفع اليد عن لزوم الموافقة القطعية لاحدهما والاكتفاء بالموافقة الاحتمالية حذرا من الوقوع في المخالفة القطعية للاخر، فيتعين التخيير البدوي. الثاني: ان تحصيل الموافقة القطعية لكلام العلمين الاجماليين غير مقدورة عقلا، فيتنزل العقل عنها الى الموافقة الاحتمالية. بخلاف الاجتناب عن المخالفة القطعية، فانه مقدور لكل من العلمين، فيحكم العقل بحرمتها. فيتعين التخيير البدوي. وهذا الوجه يتم حتى بناء على المساواة بين الموافقة القطعية والمخالفة القطعية في الاهمية، وكون العلم بالنسبة اليهما على حد سواء فلا يؤثر في أحداهما مع التعارض، إذ الملاك فيه هو عدم القدرة عقلا من الموافقة القطعية، فالعلم الاجمالي لا يؤثر فيها لعدم القدرة لا للتعارض، كي يقال ان مقتضى المعارضة

[ 34 ]

عدم تأثيره في حرمة المخالفة القطعية أيضا. فتدبر. وبالجملة: يتعين بهذين الوجهين الالتزام بالتخيير البدوي ومنع التخيير الاستمراري. وأما ما أفاده المحقق العراقي (رحمه الله) من الايراد على الوجه الاول: بانه خلاف ما هو التحقيق من كون العلم الاجمالي بالنسبة الى الموافقة القطعية علة تامة كالمخالفة القطعية، مع ان البحث في الاقتضاء والعلية بالنسبة الى الموافقة القطعية انما هو بلحاظ جريان الاصول بمناط عدم البيان، لا بالنسبة الى الترخيص بمناط الاضطرار وكبرى لا يطاق، إذ لم يلتزم أحد في هذه الحال بمنجزية العلم التفصيلي فضلا عن الاجمالي (1). ففيه ما لا يخفى، فانه أشبه بالمغالطة، فانه وان كان البحث عن ذلك بلحاظ تلك الجهة غير الثابتة فيما نحن فيه لفرض الاضطرار وعدم القدرة، لكن لا ينافي ذلك الاستشهاد بما يقال في ذلك المقام على ما نحن فيه، لدوران الامر بين تحصيل الموافقة القطعية لاحد العلمين وترك المخالفة القطعية للعلم الاخر. فنقول ان: مقتضى ما حرر في ذلك المقام ان الثاني أولى بنظر العقل وأهم، فيتعين. فالتفت. ولعل مثله ما أفاده المحقق الاصفهاني (رحمه الله) من: ان لدينا تكاليف متعددة في الوقائع المتعددة، فلدينا علوم متعددة بتكاليف متعددة بتعدد الوقائع، وكل علم انما ينجز ما هو طرفه، والمفروض عدم قبول طرفه للتنجيز كما بين. وهذه العلوم المتعددة لا تستلزم علما اجماليا أو تفصيليا بتكليف آخر يتمكن من مخالفته القطعية. نعم ينتزع طبيعي العلم من العلوم المتعددة وطبيعي التكليف من التكاليف المتعددة، وتنسب المخالفة القطعية الى ذلك التكليف الواحد المعلوم


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 296 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 35 ]

بالعلم الواحد، فتحقق المغالطة المدعاة... الى آخر ما أفاده (1). وأنت خبير: بان العلم الاجمالي في واقعتين يستلزم حدوث علمين اجماليين حقيقيين بتكليف مردد بين الوجوب والحرمة بالنسبة الى الفعلين في الواقعتين، وهو مستلزم لتنجيز المعلوم بنحو تحرم مخالفته قطعا، ولا نلحظ العلم الاجمالي في كل واقعة كي يقال ان المخالفة القطعية للعلم الاجمالي المزبور مخالفة غير مؤثرة، بل الملحوظ هو العلم الاجمالي الحاصل بضم الواقعتين أحداهما الى الاخرى، وهو لا ينافي عدم تنجز العلم الاجمالي بالنسبة الى كل واقعة بحيالها، وعدم ثبوت تكليف آخر غير المعلوم بالعلم الاجمالي غير المنجز، ولا يتنافى مع تعلق علم اجمالي به آخر يستلزم تنجيزه بالنسبة الى المخالفة القطعية. فلاحظ وتدبر ولا تغفل. المسألة الثانية: ما إذا كان أحد الحكمين المعلومين أو كلاهما تعبديا لا يسقط إلا بقصد القربة. والكلام فيها في جهتين: الجهة الاولى: في حكم المسألة. ولا يخفى ان العلم الاجمالي المزبور وان لم تمكن موافقته قطعا لكن مخالفته القطعية ممكنة، إذ لو دار الامر مثلا بين وجوب الصلاة وحرمتها ذاتا، فانه إذا جاء بالصلاة بدون قصد القربة كان مخالفا قطعا، إما للوجوب لعدم قصد القربة أو للحرمة للفعل وعدم الترك. وعليه، فيقال: إن العلم الاجمالي الذي لا يتمكن الشخص من موافقته القطعية عقلا، ويتمكن من مخالفته القطعية، يحكم العقل بحرمة مخالفته وإن لم يحكم بوجوب موافقته، فمثل هذا العلم الاجمالي قابل للتنجيز بحكم العقل


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 236 - الطبعة الاولى. (*)

[ 36 ]

بلحاظ المخالفة القطعية، فلا يجوز ترك امتثال كلا الحكمين المحتملين. ولا يسقط عن التنجيز بالمرة، كما يأتي في محله. وببيان آخر: ان المكلف مضطر الى مخالفة احد الطرفين لا بعينه، وبمقتضى ما سيجيئ في صورة الاضطرار الى احد الطرفين لا بعينه، هو الالتزام بمنجزية العلم الاجمالي في الطرف الاخر، وحرمة مخالفته قطعا. وهذا الامر التزم به صاحب الكفاية ههنا (1). مع انه لا يرى منجزية العلم الاجمالي مع الاضطرار الى احد الاطراف لا بعينه، بل يرى سقوطه عن المنجزية رأسا حتى بالنسبة الى المخالفة القطعية، ولذا التزم في مبحث دليل الانسداد سقوط العلم الاجمالي عن المنجزية للاضطرار الى بعض الاطراف للزوم اختلال النظام بالاحتياط التام، وان استفادة الاحتياط في باقي الاطراف لابد أن يكون بدليل آخر من اجماع أو غيره (2). ولاجل ذلك أورد عليه: بان التزامه بحرمة المخالفة القطعية فيما نحن فيه لا يتلاءم مع مختاره فيما يأتي أنشاء الله تعالى، لان المورد من موارد الاضطرار الى أحد الاطراف لا بعينه. فلاحظ (3). الجهة الثانية: فيما ذكره من عموم محل الكلام لهذه الصورة وعدم اختصاصه بالتوصليين، وقد تقدم نقل كلامه واعتراضه على الشيخ في تخصيصه الكلام في التوصليين. والذي نراه ان ما ذكره الشيخ (رحمه الله) هو الصحيح المتعين، فان جميع الوجوه التي تذكر في التوصليين لا تتأتى في هذه الصورة. بيان ذلك: أما جريان أصالة البراءة بالتقريب السابق، فهو لا يمكن الالتزام به ههنا لان اجراء


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 356 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 313 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (3) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار / 3 / 297 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 37 ]

الاصل في كل من الطرفين يستلزم المنافاة للعلم الاجمالي المنجز بلحاظ المخالفة القطعية. ومثله الكلام في اجراء أصالة الاباحة، فانه يتنافى مع منجزية العلم الاجمالي. كما ان ما ذكرناه في منع اجراء البراءة مع قصور الالزام المعلوم بالاجمال عن التنجيز لا يتأتى ههنا، لما عرفت من قابلية العلم الاجمالي للتنجيز بلحاظ المخالفة القطعية. وأما لزوم الالتزام بأحدهما، فهو على تقدير تماميته إنما يلتزم به في مورد لا يكون للعلم الاجمالي أي تأثير في مقام العمل، بحيث يكون الالتزام بأحدهما هو الطريق الى العمل بأحد الطرفين. أما في الموارد التي يكون العلم الاجمالي منجزا ومؤثرا في مقام العمل، سواء كان تأثيرا تاما أو وسطا، فلا يجئ حديث لزوم الالتزام بأحدهما. والشاهد عليه انه لم يخطر في بال أحد أنه يجب الالتزام بأحد الحكمين في موارد العلم الاجمالي الموجب للتنجز، كالعلم إما بوجوب هذا أو حرمة ذاك، أو يجب الالتزام بثبوت الحكم في احد الطرفين، كما لو علم بوجوب هذا أو ذاك، ولم يقع الكلام في ذلك الا في موارد دوران الامر بين محذورين، لعدم وجود ما يدل على تعيين الوظيفة الالزامية لاحد الطرفين. وهذا لا يسرى الى صورة كون احدهما تعبديا، لحكم العقل بلزوم الاتيان بأحدهما، لما عرفت من أن العلم الاجمالي منجز بالنسبة الى المخالفة القطعية. وأما التخيير، فقد عرفت انه في التوصليين، بمعنى اللاحرجية في الفعل والترك - لا الالزام - بأحدهما لقهرية حصول احدهما. وهذا لا يتأتى في ما نحن فيه، لعدم قهرية حصول أحدهما، فالتخيير بين الفعل والترك فيما نحن فيه بملاك منجزية العلم الاجمالي وحكم العقل بلزوم

[ 38 ]

أحدهما فرارا من المخالفة القطعية. نعم، التخيير ههنا مع التخيير في التوصليين يتفقان عملا ونتيجة. فظهر انه لا جامع بين الصورتين ولا تلتقي أحداهما مع الاخرى إلا من حيث النتيجة العملية بناء على الالتزام بالتخيير، فكيف يدعى عموم الكلام لكلتيهما ؟. فلاحظ وتدبر. تنبيه: ذكر صاحب الكفاية ان استقلال العقل بالتخيير إنما هو فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما على التعيين، ومع احتماله لا يبعد دعوى استقلاله بتعينه، كما هو الحال في دوران الامر بين التخيير والتعيين في غير المقام (1). وتحقيق المقام فيما أفاده (قدس سره): ان لدوران الامر بين التعيين والتخيير موارد ثلاثة: الاول: مورد تعارض النصين مع وجود مزية في أحدهما يحتمل ان تكون مرجحة لاحدهما على الاخر مع عدم دليل يدل على التخيير يقول مطلق، بل ليس الثابت سوى العلم بعدم مشروعية التساقط وطرح كلا النصين، بل لابد من الاخذ اما بذي المزية أو باحدهما مخيرا، فانه يدور أمر الحجية بين التخيير بينهما وبين تعيين ذي المزية، وفي هذا المورد يلتزم بالتعيين ولزوم الاخذ بذي المزية. والوجه فيه: هو ان ذا المزية معلوم الحجية على كل تقدير، وغيره مشكوك الحجية، إذ يحتمل الترجيح بالمزية بلا دليل ينفيه، وقد تقرر ان الشك في الحجية يلازم الجزم بعدم الحجية، فيتعين لزوم الاخذ بما يعلم جواز الاخذ به والاستناد إليه، وعدم جواز الاخذ بما يشك في جواز الاستناد إليه. الثاني: مورد تزاحم الواجبين مع احتمال أهمية الملاك في أحدهما، فان مقتضى التزاحم هو ترجيح الاهم منهما والتخيير بين الواجبين مع التساوي، فإذا


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 356 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 39 ]

احتمل أهمية أحدهما يدور الامر بين تعيين محتمل الاهمية والتخيير بينهما لو كانا متساويين واقعا. وههنا يلتزم بالتعيين أيضا بملاك ان مرجع الالتزام بالتخيير مع التساوي في الملاك الى الالتزام بتقييد اطلاق كل من الحكمين بحال اتيان الاخر، لان منشأ التزاحم هو اطلاق دليل كل منهما الشامل لحال الاتيان بالاخر، فيقع التزاحم لعدم التمكن من اتيانهما معا، فيرفع اليد عن الاطلاق بالمقدار الموجب لعدم التزاحم، فيقيد اطلاق كل منهما بحال اتيان الاخر، فيكون كل منهما واجبا عند ترك اتيان الاخر، فلا يتحقق التزاحم. وعليه فإذا احتمل أهمية احدهما كان ذلك ملازما لاحتمال تقدمه على الاخر الملازم لعدم تقيد اطلاقه وبقائه على حاله، بل يتقيد اطلاق الاخر فقط - بنحو الترتب كما حقق -. إذن فهو يعلم بسقوط اطلاق الاخر على كل تقدير ولا يعلم بسقوط اطلاق محتمل الاهمية، فيتعين الاخذ به عملا بالاطلاق، ولا يجوز الاخذ بالاخر. الثالث: مورد تعلق الامر بعمل خاص ثم يشك في التخيير بينه وبين عمل آخر، كما إذا علم بلزوم الصوم وشك في ان وجوبه تعييني أو انه يتخير بينه وبين العتق. وفي هذا المورد مذهبان: أحدهما: الالتزام بالتخيير بملاك ان الوجوب التخييري حقيقته هو التعلق بالجامع بين الفعلين. إذن فهو يعلم بتعلق التكليف بالجامع بين الصوم والعتق ويشك في خصوصية زائدة عليه، وهي خصوصية الصوم، فيكون من موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر والمرجع فيه البراءة. والاخر: هو الالتزام بالتعيين بدعوى ان التكليف بالجامع غير معلوم، وانما المعلوم هو تعلقه رأسا بالحصة الخاصة فيشك في الامتثال بغير هذا العمل، ومقتضى الاشتغال هو التعيين. فالالتزام بالتعيين ههنا استنادا الى قاعدة الاشتغال.

[ 40 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم: ان ما نحن فيه لا يكون من أحد هذه الموارد، لدوران الامر بين التعيين والتخيير، فان العلم الاجمالي بثبوت احد الحكمين، واحتمال أهمية الوجوب على تقدير ثبوته واقعا ليس من قبيل العلم الاجمالي بلزوم الاخذ بأحدى الحجتين ويحتمل تعين احداهما الملازم لعدم حجية الاخرى، كما انه ليس من قبيل دوران الامر بين الاطلاقين مع العلم بتقيد أحدهما وعدم العلم بتقيد الاخر، ولا من قبيل دوران أمر التكليف بين تعلقه بخصوص عمل أو التخيير بينه وبين غيره، إذ لا يعلم بثبوت الوجوب، فقد لا يكون له ثبوت بالمرة، فلا يتم فيه أحد هذه الملاكات المتقدمة في دوران الامر بين التعيين والتخيير، بل لنا ان نقول إن المورد ليس من موارد دوران الامر بين التعيين والتخيير، فلا وجه للالتزام بتعين محتمل الاهمية فيما نحن فيه. ودعوى: ان تقديم محتمل الاهمية ليس باحد هذه الملاكات، كي يقال بعدم انطباقها على المورد، بل بملاك مستقل في نفسه لا يرتبط بموارد دوران الامر بين التعيين والتخيير المعهودة، وهو ان حكم العقل بالتخيير انما هو بملاك ان الزامه باحدهما ترجيح بلا مرجح، وهذا البيان لا يتأتى مع احتمال أهمية أحدهما، فان الزامه بأحدهما لا يكون من الترجيح بلا مرجح. مندفعة: بان هذا البيان غير صحيح، لان المنظور في حكمه بالتخيير لاجل عدم صحة الترجيح بلا مرجح هو عدم المرجح بلحاظ مقام الاطاعة والعصيان، لعدم تنجز احد الحكمين بالعلم الاجمالي - كما تقدم -، وإذا لم يترجح أحدهما بلحاظ هذا المقام كان كل منهما بنظر العقل على حد سواء. ومن الواضح ان احتمال أهمية الوجوب أو الحرمة، لا يكون موجبا لترجيح جانب الوجوب أو الحرمة على غيره في مقام الاطاعة، لعدم المنجز، لان نسبة العلم الاجمالي الى كليهما على حد سواء، ومجرد الاحتمال لا يكون نافعا في التعيين. وبالجملة: فما أفاده صاحب الكفاية لا يمكن ان نوافق عليه. فلاحظ.

[ 41 ]

تذنيب: ذكر الشيخ (رحمه الله) - في بعض تنبيهات مبحث الاقل والاكثر -: ان من دوران الامر بين محذورين دوران الامر في شئ بين كونه شرطا أو جزء وكونه مانعا، لوجوب الاتيان به لو كان شرطا أو جزء وحرمة الاتيان به، لو كان مانعا، وبمقتضى ما تقرر من التخيير في دوران الامر بين المحذورين، يكون المكلف مخيرا بين الاتيان به وبين تركه، لعدم التمكن من الجمع والاحتياط. ثم اشار (قدس سره) الى التوقف فيه، ولكن ظاهر كلامه اخيرا هو البناء عليه (1). وتحقيق المقام: ان دوران الامر بين الجزئية والمانعية يرجع في الحقيقة الى دوران الامر في الوجوب النفسي المتعلق بالمركب بين تعلقه بالمشتمل على الجزء وتعلقه بالفاقد له، لان الشك في الامر الضمني راجع الى الشك في كيفية تعلق الامر النفسي، نظير دوران الامر بين القصر والاتمام، لان الركعتين الاخيرتين على تقدير القصر مبطلتان، ولذا يفرض المورد من موارد دوران الامر بين المتباينين. وعليه، فيجب الاحتياط بتكرار العمل، لان هذا العلم الاجمالي منجز للتمكن من مخالفته القطعية وموافقته القطعية، والاقتصار على أحد الامرين لا يصح بعد كون العلم الاجمالي منجزا. ودعوى: انه إذا كان مانعا يحرم ايجاده في الصلاة نفسيا لحرمة إبطال العمل الصلاتي، فيدور أمر المشكوك بين حرمته النفسية لو كان مانعا ووجوبه الضمني لو كان جزء. وهذا العلم الاجمالي غير قابل للتنجيز لعدم التمكن من مخالفته ولا موافقته القطعيتين، فيكون المكلف مخيرا. مدفوعة - بعد تسليم حرمة ابطال الصلاة مطلقا وفي خصوص مثل المقام.


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 297 - الطبعة الاولى. (*)

[ 42 ]

مما كان الاتيان بالعمل بعنوان الرجاء وعدم الاكتفاء به في مقام الامتثال -: بأن عدم تنجيز هذا العلم الاجمالي لا ينافي منجزية العلم الاجمالي السابق الذي يدور تعلقه بين متباينين كما عرفت، فإذا جاز الاقتصار على الموافقة الاحتمالية بمقتضى العلم الاجمالي الثاني، فلا يجوز ذلك بمقتضى العلم الاجمالي السابق الذي لا قصور في منجزيته، فيجب تكرار العمل تحصيلا للامتثال اليقيني. هذا إذا كان الوقت متسعا لتكرار العمل. أما إذا كان ضيقا لا يسع العملين، كانت الوظيفة هي التخيير بينهما في الوقت لعدم التمكن من الموافقة القطعية للعلم الاجمالي. لكن يجب عليه الاتيان بالاخر خارج الوقت. وذلك لانه يعلم إجمالا، إما بوجوب أحدهما في الوقت أو بوجوب الاخر خارجه لو تركه في الوقت، فهو يعلم إجمالا، إما بوجوب القصر في الوقت أو بوجوب التمام خارج الوقت لو تركه في الوقت، وبالعكس أيضا، فإذا جاء بالقصر في الوقت وجب عليه الاتيان بالتمام خارج الوقت بمقتضى علمه الاجمالي المزبور، لانه منجز للتكليف للتمكن من مخالفته القطعية مع موافقته القطعية. فلاحظ وتدبر. وبهذا التحقيق عرفت ان مجرد اشتراك المقام مع مقام دوران الامر بين محذورين في عنوان الدوران بين محذورين لا يستلزم الاشتراك في الحكم. فالتفت.

[ 43 ]

مبحث الاشتغال

[ 45 ]

فصل: في الشك في المكلف به لو شك في المكلف به مع العلم بالتكليف.. فتارة: يتردد المكلف به بين المتباينين، كتردد الواجب بين كونه جمعة أو ظهرا. واخرى: بين الاقل والاكثر، كتردد الواجب بين فاقد السورة وواجدها. فالكلام في مقامين:

[ 46 ]

المقام الاول: في دوران الامر بين المتباينين. ولا يخفى ان المراد من التكليف المعلوم أعم من نوع التكليف - كالعلم بالوجوب المردد متعلقه بين الجمعة والظهر أو القصر والتمام -، أو جنس التكليف - كالعلم بالالزام وتردده بين ان يكون وجوب شئ أو حرمة آخر -. والذي أفاده صاحب الكفاية (رحمه الله) في تحقيق الحال في هذا المقام هو: ان التكليف المعلوم إذا كان فعليا من جميع الجهات، بان يكون واجدا لما هو العلة التامة للبعث والزجر الفعلي مع ما هو عليه من الاجمال، فلا محيص عن تنجزه بالعلم وصحة العقوبة على مخالفته، ومعه لابد عقلا من رفع اليد عن عموم دليل أصل البراءة والاباحة، لمناقضته للتكليف الفعلي. وإن لم يكن فعليا من جميع الجهات، لم يكن مانع عقلا ولا شرعا من شمول أدلة البراءة للاطراف. ومنه ظهر انه لا فرق بين العلم الاجمالي والتفصيلي. إلا في انه لا مجال للحكم الظاهري مع التفصيلي، وله مجال مع الاجمالي، فلا يصير الحكم الواقعي فعليا بجعل الحكم الظاهري في اطراف العلم. هذا ما أفاده (قدس سره) (1).


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 358 طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 47 ]

وقد أورد عليه: بان ظاهره كون العلم الاجمالي علة تامة للتنجيز كالعلم التفصيلي، وأن الفرق بينهما من ناحية المعلوم. وهذا يتنافى مع ما تقدم منه في مباحث القطع من كونه مقتضيا للتنجيز وتأثيره فيه بنحو الاقتضاء لا العلية التامة. والتحقيق: انه لا تنافي بين ما أفاده في الموردين، بل هما يتفقان. بيان ذلك: انه قد عرفت فيما تقدم - في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي (1) - انه يلتزم بان الحكم الواقعي، تارة يكون فعليا تام الفعلية من جميع الجهات، فيمتنع جعل الحكم الظاهري على خلافه. واخرى يكون فعليا ناقص الفعلية ولو من جهة الجهل به، وهو لا يتنافى مع الحكم الظاهري على خلافه، وذهب الى ان الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري يكون بالالتزام بان الحكم الواقعي فعلي ناقص الفعلية من بعض الجهات، ولم يلتزم بانه انشائي لبعض المحاذير. وإذا تمت هذه المقدمة، فبما أن العلم التفصيلي لا مجال للحكم الظاهري معه لاخذ الجهل فيه ولا جهل مع العلم التفصيلي، كان العلم منجزا لانه يتعلق بحكم فعلي تام الفعلية بمقتضى دليله. أما العلم الاجمالي، فحيث ان كل طرف منه مجهول الحكم، فللحكم الظاهري مجال فيه، فإذا جرى الاصل كان كاشفا عن عدم فعلية الواقع التامة، فلا يكون منجزا، لانه انما يكون منجزا إذا تعلق بحكم فعلي تام الفعلية. ومن هنا صح ان يقول: ان العلم الاجمالي مقتض للتنجيز لا بمعنى انه لقصور فيه، بل بمعنى ان أدلة الترخيص حيث لها مجال معه، وهي تستلزم الكشف عن عدم فعلية الواقع المعلوم التامة، فلا يكون منجزا إلا إذا لم يكن هناك ترخيص. فهو مقتض للتنجيز بمعنى انه مؤثر فيه لو لم يمنع مانع من فعلية


(1) راجع 4 / 143 من هذا الكتاب. (*)

[ 48 ]

الواقع، فيوجب قصوره - اي الواقع - عن قبول التنجيز، لا انه مقتض لو لم يمنع مانع منه، كما هو المعنى المألوف للاقتضاء في قبال العلية التامة. ولا يخفى ان هذا لا يتنافى مع ما ذكره هنا من كونه موجبا للتنجيز مع تعلقه بالحكم الفعلي التام الفعلية، بل هو متفق معه كلية، فيصح أن نقول: انه يرى - في كلا المقامين - ان العلم الاجمالي مقتض للتنجيز بالمعنى الذي عرفته. كما انه يرى في كلا المقامين ان العلم الاجمالي علة تامة للتنجيز كالتفصيلي إذا تعلق بحكم فعلي تام الفعلية. نعم الذي يتوجه على صاحب الكفاية - بملاحظة ما أفاده ههنا - هو: سؤال كيفية معرفة كون الحكم الواقعي تام الفعلية بحيث يمتنع اجراء الاصول معه الذي بنى عليه الابحاث الاتية، مع إنه فرض مجهول، بل يتوجه عليه اشكال محصله: إن تمامية فعلية الواقع وعدمها معلقة على عدم جريان الاصول في اطراف العلم وعدمه، وذلك لان مقتضى دليل الحكم الواقعي هو كونه فعليا تام الفعلية بمجرد حصول موضوعه، لكنه (قدس سره) التزم - كما عرفت - ان ثبوت الحكم الظاهري في مورد يكشف عن عدم تمامية فعلية الواقع. وعليه، فالذي يكشف عن عدم فعلية الواقع التامة، هو ثبوت الحكم الظاهري، كما ان عدمه مستلزم لكون الواقع فعليا تام الفعلية بلا توقف على شئ بمقتضى دليله. وإذا ظهر ذلك، فقد التزم (قدس سره) بان مرتبة الحكم الظاهري مع العلم الاجمالي محفوظة، وهذا يعني عدم المانع من جريان الاصول في اطراف العلم، فلا يكون العلم منجزا في حال. فكان اللازم عليه البحث في هذه الجهة وهي انه هل أدلة الاصول تشمل موارد العلم الاجمالي أو لا ؟. فانها هي المهمة - كما عرفت -، أما مجرد ترديده المزبور فهو لا يغني ولا يسمن من جوع. إذن فلنا أن نقول: إن صاحب الكفاية ليس له تحقيق في المقام فتدبر.

[ 49 ]

واستيفاء البحث في العلم الاجمالي وشئونه يستدعي التكلم في جهات.. الجهة الاولى: في حقيقة العلم الاجمالي وتعيين متعلقه. وقد وقع البحث في ذلك، وان العلم الاجمالي هل يغاير العلم التفصيلي سنخا، أو انه لا يغايره إلا من ناحية المتعلق ؟ وقد ادعي ان متعلق العلم هو الفرد المردد، ولكن المشهور خلافه، وان متعلق العلم هو الجامع والشك في الخصوصية، فالعلم الاجمالي مركب من علم تفصيلي بالجامع وشك بالخصوصية، وبذلك ينعدم الفرق بين العلم الاجمالي والتفصيلي من حيث السنخ. وقد اختار المحقق الاصفهاني ذلك لاجل ذهابه الى امتناع تعلق العلم بالفرد المردد لوجهين: الاول: ان الفرد المردد لا ثبوت له في أي وعاء لا ذهنا ولا خارجا، لا ماهية ولا هوية، لان كل شئ يفرض يكون معينا وهو هو لا مرددا بينه وبين غيره، ولا هو أو غيره - كما أشار إليه صاحب الكفاية في مبحث المطلق والمقيد (1) - وإذا كان الفرد المردد كذلك لم يكن قابلا لتعلق العلم به، بل يمتنع تعلقه به. الثاني: ان حضور متعلق العلم بنفس العلم فان العلم من الصفات التعلقية، فلا يمكن دعوى حضور الخصوصية لانها مجهولة على الفرض. ولا المردد، إذ لا يمكن ان يكون حاضرا في النفس لانه خلف تردده. وهذا الوجه يبتني على فرض عدم تصور حضور الفرد المردد وثبوته في مرحلة تعلق العلم به مع قطع النظر عن عالم آخر (2). والتحقيق: أنه يمكن دعوى تعلق العلم بالفرد المردد - في الجملة -،


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم كفاية الاصول / 246 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين نهاية الدراية 2 / 242 - الطبعة الاولى. (*)

[ 50 ]

بمعنى أن يكون متعلقه فردا خارجيا ووجودا عينيا، بحيث لا يقبل الانطباق على أكثر من واحد مع تردده بين أمرين أو اكثر، ولا تنهض هذه الوجوه ولا غيرها لا ثبات امتناعه. ويشهد لذلك الوجدان، كما في مورد اخبار المخبر عن مجئ زيد أو عمرو، فانه إنما يخبر عن مجئ أحدهما الذي لا يشخصه، لا الجامع بينهما لان الجائي هو احدهما الخارجي لا الجامع. وأوضح من ذلك ما إذا رأى شخصا من بعيد اشتبه أمره بين زيد وأخيه بكر للتشابه الكبير بينهما، وعدم رؤيته العلامة المميزة بينهما - كالخال في خده - فان الرؤية انما تعلقت بالوجود الخارجي الشخصي الذي لا يقبل الانطباق على كثيرين لانها من الامور الحسية التي ترتبط بالمحسوسات الخارجية، وهي الوجودات لا المفاهيم المدركة ذهنا، مع ان ما تعلقت به الرؤية شخص وفرد مردد بين شخصين هما زيد وأخوه بكر، ومن جهة عدم تمييزه بينهما. فالمرئي هو أحدهما خارجا لا بعنوان الجامع. وبما أن الرؤية تستتبع الادراك التصوري، فالصورة الذهنية للمرئي هي صورة الوجود الخارجي، وهي مرددة بين الشخصين، لان الصورة على حد نفس المرئي، والفرض ان المرئي مردد بينهما. فالعلم التصوري تعلق بصورة خارجية شخصية لكنها مرددة لدى العالم بين فردين، ولم يتعلق العلم بالجامع بينهما، إذ ما في ذهنه صورة مماثلة لما رآه وهو الشخص الخارجي المبهم، ويقال لمثل هذا العلم العلم الاجمالي، فيصح ان نقول ان العلم الاجمالي هو العلم بالشئ بمقدار من مشخصاته والجهل بمقدار من مميزاته الموجب للتردد في قبال العلم التفصيلي الذي هو علم بالشخص بمميزاته له عن غيره مطلقا، فهو مركب من علم تفصيلي بالصورة الشخصية الاجمالية وجهل تفصيلي بمميزاتها، فلا فرق بينه وبين العلم التفصيلي سنخا وان تعلق بالفرد المردد. وقد يجئ في الذهن ان العلم الاجمالي بالبيان المزبور يكون مغايرا سنخا

[ 51 ]

للعلم التفصيلي، فهو كالنظر الضعيف الذي لا ينكشف له كل شئ في قبال النظر القوي الذي تنكشف له خصوصيات الاشياء. ولكنه خيال فاسد، فان النظر الضعيف لا يختلف عن القوي سنخا، بل هو في الحقيقة كالنظر القوي إلا انه لا يتعلق بتمام الخصوصيات، فالضعف يرجع الى عدم النظر من بعض الجهات وهي دقائق الامور أو اباعدها - مثلا -. وبعبارة أخرى: القوة والضعف فيما به النظر وهو العين لا في النظر نفسه، بل هو - بالنسبة الى ما تعلق به - على حد سواء بين القوي والضعيف فانتبه. وعلى كل فقد ظهر امكان تعلق العلم بالفرد الخارجي المردد بين شخصين. وأما الايراد الاول الذي ذكره المحقق الاصفهاني فهو يندفع: بان ما أفاده من ان الفرد المردد لا ثبوت له، أجنبي عما نحن فيه وما ادعيناه، فان متعلق العلم - بالنحو الذي ادعيناه - فرد واقعي متعين في نفسه لا تردد في وجوده، وانما التردد لدى العالم به في أنه أي الشخصين، فلم نلتزم بثبوت المردد في الواقع، بل التزمنا بثبوت التردد لدى العالم لجهله بالخصوصية المميزة، وهذا أمر ممكن بلا كلام، ففرق بين التردد لدى العالم والتردد في الواقع. وايراده ناش من خلط الترديد في الواقع مع الترديد لدى العالم، وبذلك أفحم الغير، ولم يعرف الغير كيفية التخلص عن ذلك. ومن هنا ظهر ان ما جاء في بعض الكلمات في تقريب تعلق العلم بالجامع: بان العلم إما ان يتعلق بالخصوصية المعينة، فهو خلف لفرض الجهل بها. أو يتعلق بالخصوصية المرددة وهي مما لا تقرر لها في أي وعاء (1). قابل للدفع: بانه يتعلق بالخصوصية المعينة واقعا المرددة لدى العالم، وهو مما لا محذور فيه ولا امتناع.


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 242 - الطبعة الاولى. (*)

[ 52 ]

وأما الايراد الثاني للمحقق الاصفهاني، فيرد: بانا نتصور شقا ثالثا، وهو تعلق العلم بالشخص، بلا تشخيص لخصوصيته المميزة، ولا ملازمة بين نفي العلم بالخصوصية وتعلقه بالجامع، كما في مثال الرؤية الذي عرفته. وهنا إشكال آخر للمحقق النائيني (رحمه الله) على تعلق العلم بالفرد المردد: بان العلم لو كان متعلقا بفرد واقعي مردد بين شخصين، لكان له واقع يرتبط به وقابل للعلم به تفصيلا، بحيث ينكشف انه هو المعلوم إجمالا، مع انا نرى خلافه في بعض الموارد كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الاناءين، ثم ظهر في علم الله تعالى نجاسة كلا الاناءين، فما هو المعلوم بالاجمال منهما ؟، وبأيهما يرتبط العلم الاجمالي ؟. لا يمكن تمييزه لكل أحد حتى علام الغيوب (1) ويندفع هذا الاشكال: بان العلم الاجمالي.. تارة: ينشأ من تعلق الحس بالصورة الاجمالية المرددة، كالنظر الى شخص مشتبه دخل الى الدار. ولا يخفى ان المعلوم بالاجمال في مثل ذلك يكون له تميز واقعي لا ترديد فيه، فلو ظهر إن كلا الشخصين في الدار، كان معلومه بالاجمال من نظر إليه ورآه دون غيره. وأخرى: ينشأ من العلم بتحقق منشأ طرو الوصف العارض على أحدهما لا عن طريق الحس كالاخبار الموجب للعلم، ثم يظهر ان كلا المشتبهين معروضان للوصف، لكن عروض الاخر، كان بسبب منشأ آخر كان مجهولا لديه، فان معلومه بالاجمال له تعين واقعي، وهو ما علم بتحقق المنشأ الخاص فيه، كما لو علم بوقوع قطرة من البول في احد الاناءين ثم ظهرت نجاسة الاخر بوقوع الدم فيه.


(1) الفياض محمد إسحاق، محاضرات في أصول الفقه: 4 / 43 - الطبعة الاولى. (*)

[ 53 ]

وثالثة: أن يحصل لديه العلم بتحقق منشأ عروض العارض على أحدهما، ثم يظهر عروضه بنفس ذلك المنشأ لكليهما، كما لو علم بوقوع قطرة بول واعتقد انها تصل متصلة فتقع في أحد الاناءين، لكنها - في علم الله تعالى - تجزأت ووقع الجزءان في الاناءين. وهذا هو موضع الاشكال، إذ لا ارتباط للمعلوم بالاجمال بأحدهما. لكن نقول: انه في هذا الفرض يوجد علمان: أحدهما: العلم بنجاسة ملاقي البول الواقعي - وهو يدور بين الاقل والاكثر -. وعلم آخر: بأن الملاقي أحد الاناءين خاصة من باب الخطأ في التطبيق، ففي الحقيقة يكون كلا الاناءين معلوما لديه. وشهد لذلك: أنه يحكم بان نجاسة كلا الاناءين تكون منجزة واقعا، ولو لم يكن سوى العلم الاجمالي بنجاسة احدهما، لم يتنجز كلاهما لانه جهل مركب. فعدم ارتباط العلم الاجمالي الموجود بأحدهما واقعا، لكونه جهلا مركبا لا حقيقة له واقعا. والتنجز ناشئ عن العلم الاجمالي المردد بين الاقل والاكثر المنحل بدوا بالعلم الاجمالي التخيلي. إذن فالعلم الاجمالي الحقيقي بالفرد المردد له ارتباط بالواقع لا محالة. نعم، هنا صورة واحدة لا يكون العلم الاجمالي فيها متعلقا بالفرد المردد ولا ارتباط له بالواقع إذا انكشف تفصيلا اصلا، وهو ما إذا كان منشأ العلم نسبته الى الفردين واقعا على حد سواء، بحيث لا يكون لاحدهما خصوصية بالنسبة إليه أصلا، كما إذا علم إجمالا بمخالفة احد الدليلين للواقع من جهة العلم بامتناع اجتماع الضدين - لا من جهة إخبار المعصوم (عليه السلام) بذلك لارتباطه في مثل ذلك باحدهما واقعا، وهو ما يعلم كذبه المعصوم (عليه السلام) -، فانه لو انكشف كذب احد الدليلين لا يمكنه ان يقول ان هذا هو معلومي

[ 54 ]

بالاجمال، لعدم ميزة لاحدهما على الاخر. وفي مثل ذلك لا يمكننا ان نلتزم بان متعلق العلم هو احدهما الواقعي المردد لدينا، بل هو متعلق بالجامع بهذا المقدار - أعني: عنوان: " أحدهما " -، لكن هذه الصورة إذا اختلفت موضوعا لا متناع تعلق العلم فيها بالفرد المردد، فلا يستلزم ذلك كون جميع الصور مثلها. بل قد يكون لها حكم خاص يختلف عن حكم سائر الصور، فقد التزم صاحب الكفاية في - مبحث التعارض (1) - ان دليل الحجية لا يثبت الحجية لاكثر من هذا العنوان، وهو عنوان: " احدهما " لانه بهذا العنوان لا اكثر محتمل الصدق، فانه كما ان احدهما معلوم الكذب كذلك إحدهما محتمل الصدق، إذ العلم بكذب احدهما لا ينافي احتمال صدق أحدهما، فتثبت الحجية لاحدهما بهذا المقدار، ويثبت أثره وهو نفي الثالث ومن دون اثبات لاثر إحدى الخصوصيتين. وجملة القول: انه لا مانع من تعلق العلم الاجمالي بالفرد المردد، بمعنى ان المعلوم بالاجمال أمر متعين واقعي خارجي مردد بين طرفين أو اكثر لدى العالم نفسه. وأما تعلق العلم بالجامع، بان يتعلق العلم بطبيعي النجاسة في مثل العلم بنجاسة أحد الاناءين، فقد يوجه عليه ايرادات: الاول: ما كنا نورده سابقا من النقض بموارد دوران الامر بين محذورين. فانه لا يمكن دعوى تعلق العلم بالالزام بالجامع بين الفعل والترك، لضرورة تحقق الجامع بواحد من الفعل أو الترك، فلا معنى للالزام به. ويمكن ان يدفع: بانه بعد ان عرفت فيما تقدم استحالة ثبوت التكليف الفعلي في هذا المورد، لعدم ترتب الداعوية عليه، فلا مجال حينئذ لدعوى تعلق


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم كفاية الاصول / 439 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 55 ]

العلم بالحكم الفعلي، سواء تعلقه بنحو بالجامع أو بنحو آخر، إذ لا حكم يكون موردا للعلم، فالعلم الاجمالي على تقدير ثبوته لا بد في تصحيحه من ارجاعه الى مرحلة الجعل لا المجعول ومقام الانشاء لا الفعلية، وفي هذا المقام لا محذور في تعلقه بالجامع، إذ لا ضير في تعلق العلم بانشاء الالزام بالجامع بين الفعل والترك، إذ لا محذور في الانشاء ما لم يصل الى مرحلة الفعلية. الثاني: ما أفاده المحقق العراقي من: ان المعلوم بالاجمال ينطبق على المعلوم بالتفصيل لو انكشف الحال بتمامه، ولذا يشار إليه فيقال: هذا ما علمته إجمالا. فلا يمكن ان يكون هو الجامع لعدم انطباقه على الفرد الخارجي بتمامه، بل بجزء تحليلي منه (1). ويمكن ان يرد: أولا: بانه غير مطرد في جميع موارد العلم الاجمالي، إذ منها ما لا يكون المعلوم بالاجمال منطبقا على المعلوم بالتفصيل بتمامه، ولا يمكن أن يشار إليه بأنه هو معلومه الاجمالي، وهو ما تقدم من العلم الاجمالي بكذب احد الدليلين من جهة امتناع اجتماع الضدين أو النقيضين. وثانيا: ان انطباق المعلوم بالاجمال على الخارج المعلوم بالتفصيل خلف مناف للبديهة، فان الصورة الاجمالية لا تنطبق على الصورة التفصيلية، وإلا لكان العلم تفصيليا، وهو خلف. نعم، تصح الاشارة إليه باعتبار ان الصورة الاجمالية تتقوم بالشخص والوجود، وهو ثابت لا يزول حتى بتغير الاوصاف والاعراض، فيصح ان يقال: ان هذا ذاك، لكن لا ينطبق عليه بتمام خصوصياته كما هو ظاهر كلامه. الثالث: ان ما أفيد من ان العلم الاجمالي عبارة عن العلم بالجامع،


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 47 و 299 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 56 ]

كطبيعي النجاسة مع الشك في الخصوصية يتنافى مع الوجدان والبرهان. أما الوجدان: فلانا ندرك من أنفسنا أن هناك أمرا زائدا على هذا المقدار من العلم باصل الجامع، وهو عدم سعة الجامع وشموله لاكثر من الطرفين وحصر تحققه فيهما. وأما البرهان: فلان العلم التصديقي هو عبارة عن العلم بثبوت شئ لشئ لا مجرد تصور الشئ فهو انما يتعلق بالنسبة بين الشيئين، مع أن العلم الاجمالي انما يكون ذا أثر إذا ارتبط الحكم بشئ، اما مجرد العلم بالجامع فلا أثر له ما لم يرتبط بالخارج. ومن هنا قد يلتزم بان معروض الجامع هو عنوان: " أحدهما "، فهو يعلم إجمالا بنجاسة أحد الاناءين. فلا يخرج عن الطرفين، كما أنه علم بالنسبة وثبوت شئ لشئ. ولكن الالتزام بان متعلق العلم هو عنوان أحدهما يتوجه عليه: ان المراد بأحدهما، هل هو أحدهما المعين أم المردد. والاول خلف. والثاني محل منع على الفرض وكر على ما فر منه. مع ان القائل يحاول ان لا يلتزم بتعلق العلم بأحدهما، فان المحقق الاصفهاني سلك مسلكه الخاص فرارا عن ذلك كما لا يخفى وإلا لصرح به في كلامه. وكأن المحقق الاصفهاني (قدس سره) تنبه الى هذا الايراد الثالث، فذكر: ان العلم الاجمالي عبارة عن علم بالجامع وعلم آخر بأن طرفه لا يخرج عن الطرفين، فيندفع به الايراد (1). ولكن يتوجه عليه: أولا: ان العلم بانحصار الجامع بين الفردين يتعلق بأمر وجودي بحسب


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 242 - الطبعة الاولى. (*)

[ 57 ]

مراجعة الوجدان، ولازمه الامر العدمي الذي أشار إليه (قدس سره)، فان العالم يرى في نفسه انه يعلم بشئ ثابت بين الاناءين. وثانيا: ان الاثر العقلي من التنجيز انما يترتب على تعلق العلم بالامر الوجودي، وهو ثبوت النجاسة بين الطرفين. أما العلم بان النجاسة ليست في غير الطرفين، فليس له أثر عقلي بلحاظ نفس الطرفين. هذا ولكن يمكن ان يدفع الايراد الثالث بالالتزام بتعلق العلم بعنوان أحدهما. واما الايراد عليه: بان المراد من أحدهما ان كان هو المعين فهو خلف وإن كان المردد فهو محل منع على الفرض. فيندفع: بان الذي يلتزم به تعلق العلم بمفهوم أحدهما بلا ملاحظة المصداق الخارجي، والترديد المزبور بين المعين والمردد انما يتأتى في مصداق الجامع لا نفس المفهوم كما لا يخفى. ويتلخص من ذلك انه لا مانع ثبوتا من تعلق العلم بالجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدهما، بل لذلك شواهد عرفية كثيرة، فانه كثيرا ما يتعلق العلم بالشئ بتوسط عنوان كلي يشير إليه. بيان ذلك: ان العلم.. تارة: يتعلق بالشئ بمميزاته عن طريق الحس، كما إذا رأى زيدا يدخل الدار فيعلم تفصيلا أنه فيها. وأخرى: يتعلق به بمميزاته عن طريق العناوين الكلية التي يوجب انضمام بعضها الى بعض تميز المصداق لانحصاره بالفرد، فيعلم به تفصيلا، كما إذا قال القائل: " دخل الدار ابن زيد الطويل المعمم الابيض " وكانت هذه العناوين المنضم بعضها الى بعض ذات مصداق واحد وهو عمرو، مع انها جميعها عناوين كلية. وثالثة: ان يعلم به بعنوان عام ولكنه مردد الانطباق بين فردين، كما إذا

[ 58 ]

قال: " دخل الدار ابن زيد الطويل " وكان مرددا بين بكر وعمرو، فان ما علمه هو العنوان الكلي المردد الانطباق على شخصين، فيصير العلم إجماليا، وهذه الصورة هي محل الشاهد فيما نحن فيه. والذي تحصل لدينا - لحد الان - هو امكان تعلق العلم بالفرد المردد - بالنحو الذي صورناه - وتعلقه بالجامع الانتزاعي، وانه لا محذور في كل منهما. والذي نلتزم به خارجا: ان العلم الاجمالي له صور ثلاث: الاولى: ان تكون الصورة الحاصلة في الذهن لمتعلق الحكم صورة شخصية مماثلة للوجود الخارجي، لكنها مرددة بين كونها هذا الفرد أو ذاك، فيحصل لديه العلم بثبوت الحكم لتلك الصورة المرددة بين شخصين، كما إذا رأى شخصا يدخل الدار مرددا بين كونه زيدا أو أخاه لعدم رؤيته المائز بينهما، فانه يعلم بدخول ذلك الوجود الذي انطبعت صورته في ذهنه من طريق الرؤية، وبما انه متردد بين شخصين يكون العلم إجماليا. الثانية: ان يتعلق العلم بالجامع، ولكن يكون للجامع ارتباط ومساس بواقع خارجي متعين في نفسه، بحيث يصح ان يشار إليه إذا علم تفصيلا بمعروض الحكم، فيقول هذا هو معلومي بالاجمال فالصورة الحاصلة في الذهن صورة كلية لكن لها مطابق في الخارج واقعي متعين في نفسه، كما لو علم اجمالا بنجاسة احد الاناءين لوقوع قطرة البول في أحدهما، فان المعلوم بالاجمال هو نجاسة ما وقع فيه قطرة البول. ولا يخفى ان هذا العنوان وهو: " أحدهما الذي وقع فيه قطرة البول " عنوان كلي، لكن مطابقه في الخارج شخصي لا يتعدد، الا انه مردد بين فردين، فإذا حصل العلم التفصيلي بما وقع فيه قطرة البول صح ان يقول: هذا هو معلومي بالاجمال. وبعبارة اخرى: يكون الجامع ملحوظا طريقا الى الخارج وعنوانا مشيرا إليه. الثالثة: ان يتعلق العلم بالجامع بلا ان يكون للجامع ارتباط ومساس

[ 59 ]

بالخارج أصلا كما إذا تعلق العلم بكذب احد الدليلين لامتناع اجتماع الضدين، فانه لا يعلم سوى كذب أحدهما لا اكثر بلا إضافة أي شئ لهذا العنوان مما يوجب ربطه باحد الطرفين واقعا، وهذا العنوان وحده - وهو عنوان احدهما - لا يرتبط بواحد منهما على التعيين في الواقع، بل نسبته الى كل من الطرفين على حد سواء، ولاجل ذلك لو علم تفصيلا بكذب أحدهما لا يستطيع ان يقول: ان هذا هو معلومي بالاجمال. وأثر هذه الصورة قد يختلف عن أثر الصورتين الاولتين اللتين يجمعهما وجود واقع معين للمعلوم بالاجمال يرتبط به ويحمل عليه. وبالجملة: المعلوم بالاجمال في الصورة الثالثة لا يمكن تعلق العلم التفصيلي به وتميزه، لان المعلوم بالاجمال، وهو مجرد عنوان احدهما، لا واقع له معين كي يقبل العلم التفصيلي. بخلافه في الصورتين الاخرتين، فانه قابل لتعلق العلم التفصيلي، لانه مما له واقع معين قابل لان ينكشف بالتفصيل، لانه أمر زائد على عنوان أحدهما كما لا يخفى، إذ هو أحدهما الخاص كأحدهما الذي وقعت فيه قطرة البول، ونحوه. ولعله هو مراد العراقي فيما تقدم حكايته عنه من انطباق المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل بتمامه. فيريد مجرد صحة حمل المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل، لا أنه ينطبق عليه بخصوصياته، كي يلزم الكل في قبال الكلي، فانه لا يحمل على الفرد على انه عينه، بل بما انه فرده. فالتفت. ولا يخفى عليك ان الغالب في صور العلم الاجمالي هو تعلقه بالجامع مع ارتباطه بالخارج ومساسه به. ويمكن ارجاع الصورة الاولى الى الصورة الثانية بالدقة والتأمل. فيكون للعلم الاجمالي صورتان يجمعهما تعلقه بالجامع، لكنه في إحداهما مما له ارتباط بواقع خارجي معين، وفي الاخرى لا ارتباط له بالخارج أصلا. والغالب هو الصورة الاولى.

[ 60 ]

وعليه، فما التزمنا به فيها هو حد وسط بين تعلق العلم بالفرد المردد، لانه لم يتعلق بالامر الشخصي، بل بعنوان كلي، وبين تعلقه بالجامع الانتزاعي، لانه لم يتعلق بصرف الجامع بلا ربط له بالخارج، بل تعلق بالجامع المرتبط بالخارج الساري إليه. بل لنا أن نقول: إنه متعلق بالجامع بملاحظة المعلوم بالذات، وهو الصورة الحاصلة في الذهن ومتعلق بالفرد المردد، باعتبار أن مطابق الصورة الكلية فرد واحد خارجي معين في الواقع مردد لدى العالم نفسه، لما عرفت من سراية الجامع المعلوم الى الخارج وارتباطه به. ولا يخفى ان ما التزمنا به من تعلق العلم الاجمالي بالجامع المرتبط بالخارج الساري إليه، يختلف من حيث الاثر مع الالتزام بان العلم الاجمالي متعلق بصرف الجامع بلا سراية الى الخارج، كما سيظهر في البحث عن الجهات الاخرى. وأما ما أفاده العراقي (قدس سره): من ان العلم الاجمالي متعلق بالصورة الاجمالية المعبر عنها بأحد الامرين، والعلم التفصيلي متعلق بعنوان تفصيلي للشئ حاك عن شراشر وجوده، فيكون الفرق بينهما من حيث المعلوم لا من حيث العلم... فقد يورد عليه: بان المراد بالاجمال في قبال التفصيل.. ان كان هو الاجمال في باب الحدود الراجع الى ملاحظة المركب من الاجزاء المتعددة شيئا واحدا بنحو الاجمال، كملاحظة الدار أمرا واحدا مع انها في الواقع أمور متعددة. ففيه: ان هذا لا يقابل العلم التفصيلي، فان كثيرا من موارد العلم التفصيلي يكون المعلوم بالتفصيل الذي لا ترديد فيه ملحوظا إجمالا بهذا المعنى. وان كان هو الاجمال بمعنى الابهام الذي يذكر في باب الصحيح والاعم

[ 61 ]

في مقام بيان الجامع وأنه أمر مبهم قابل للانطباق على الزائد والناقص كما تقدم ذكره. ففيه: انه لا ينطبق على المعلوم بالاجمال بتمامه لا بهامه. لكن الانصاف: انه يمكن ان يكون مراده ما ذكرناه من تعلق العلم بعنوان جامع مرتبط بالخارج المعين واقعا المردد بين فردين، بحيث ينطبق على المعلوم بالتفصيل لو تحقق العلم التفصيلي، فلا إشكال عليه، فراجع كلامه تعرف حقيقة مرامه. هذا تمام الكلام في تحقيق العلم الاجمالي وكيفية تعلقه بالجامع. الجهة الثانية: في شمول أدلة الاصول لاطراف العلم الاجمالي. وقد تقدمت الاشارة الى أهمية البحث في ذلك لمثل صاحب الكفاية الذي يرى قصور فعلية الواقع مع جريان الاصل في مورده، فان ثبت شمول دليل الاصل لاطراف العلم الاجمالي منع عن تنجيز العلم لقصور المعلوم، فلا يكون العلم متعلقا بحكم فعلي كي يتحقق التنجز. كما انه ان ثبت عدم شمول الدليل لاطراف العلم لم يكن الحكم المعلوم قاصر الفعلية، لان مقتضى دليله كونه فعليا بحصول موضوعه لعدم دخل شئ في فعليته غيره. ثم انه بعد تحقيق هذه الجهة والالتزام بشمول الاصول لاطراف العلم الاجمالي، يقع البحث عن ان العلم هل يصلح مانعا من جريانها أو لا يصلح ؟. ومرجعه الى البحث عن منجزية العلم الاجمالي وعدمها. فالبحث في هذه الجهة عن شمول الاصول لاطراف العلم الاجمالي مع قطع النظر عن منجزية العلم الاجمالي. وتحقيق الكلام في هذه الجهة ان يقال: ان الاحتمالات في المقام ثلاثة: الاول: عدم شمول أدلة الاصول مطلقا لاطراف العلم الاجمالي. الثاني: شمول أدلة الاصول مطلقا. الثالث: التفصيل بين الاصول التنزيلية كالاستصحاب وغيرها، فلا تجري الاولى في اطراف العلم الاجمالي، وتجري الثانية. وهو مختار المحقق

[ 62 ]

النائيني (1). أما الاحتمال الاول: فالوجه فيه هو ما أفاده الشيخ (رحمه الله) في باب الاستصحاب في روايات الاستصحاب (2). واشار إليه في مبحث البراءة في روايات البراءة (3) من: ان دليل الاصل مذيل بما ينافي مفاده عند حصول العلم الاعم من التفصيلي والاجمالي، فيتحقق التهافت بين الصدر والذيل فيتساقطان. بيان ذلك: ان قوله - في روايات الاستصحاب -: " لا تنقض اليقين بالشك " يشمل كل طرف من اطراف العلم الاجمالي في حد نفسه، لان الحكم فيه مشكوك الارتفاع، فمقتضى هذه الفقرة هو حرمة النقض ووجوب البقاء على طبق الحالة السابقة في كل من الطرفين. إلا انه مذيل بقوله: " ولكن تنقضه بيقين آخر "، وهو يقتضي وجوب النقض بالنسبة الى أحد الطرفين المعلوم بالاجمال لشمول اليقين الاخر للعلم الاجمالي. ومن الواضح انه لا يمكن الجمع بين حرمة النقض في كل منهما ووجوب النقض في أحدهما، ولذلك يتحقق التهافت بين الصدر والذيل في مورد العلم الاجمالي. وقد نوقش هذا البيان في محله بوجهين: أحدهما: ان المنصرف إليه اليقين في الذيل هو اليقين التفصيلي، وانه هو من سنخ اليقين بالحدوث الذي يراد منه اليقين التفصيلي قطعا، فلا يشمل المذيل مورد العلم الاجمالي. وثانيهما: انه لو فرض شمول الصدر والذيل لمورد العلم الاجمالي، فغاية ما يتحقق هو سقوط النص المشتمل على الذيل عن الاعتبار للتهافت، فيرجع


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 3 / 78 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى - فرائد الاصول / 429 - الطبعة الاولى. (3) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى فرائد الاصول / 241 - الطبعة الاولى. (*)

[ 63 ]

الى نصوص الاستصحاب الخالية عن الذيل الشاملة باطلاقها أطراف العلم الاجمالي. وتحقيق الكلام: ان البحث في قوله: " ولكن تنقضه بيقين آخر " من جهتين: الاولى: ان المراد من اليقين هل هو كل يقين ولو لم يتعلق بما تعلق به اليقين الاول، لكن بشرط ان يكون قابلا لنقض اليقين السابق. أو خصوص اليقين المتعلق بما تعلق به اليقين السابق ؟. وعلى الثاني: فهل يراد به اليقين الذي تعلق بما تعلق به اليقين السابق بخصوصياته ومميزاته، فيختص باليقين التفصيلي، أو يراد الاعم منه ومما تعلق به بعنوان إجمالي، فيعم اليقين الاجمالي ؟. الظاهر في الترديد الاول هو الثاني، فان الظاهر عرفا وحدة متعلق اليقين السابق واللاحق الذي يتحقق به النقض، فالمراد اليقين الذي تعلق بما تعلق به اليقين الاول. وأما في الترديد الثاني، فالظاهر هو الثاني، إذ لا قرينة على لزوم تعلقه بما تعلق به أولا بخصوصياته مع اطلاق لفظ اليقين الشامل لليقين التفصيلي واليقين الاجمالي، فالظاهر هو وحدة المتعلق ذاتا ولو بعنوان آخر. وعليه، نقول: ان العلم الاجمالي إذا التزم بأنه يتعلق بالجامع الانتزاعي بلا سراية الى الخارج ومن دون تعد إليه، لم يكن قوله " ولكن تنقضه بيقين آخر " شاملا لمورد العلم الاجمالي، لعدم وحدة متعلق اليقين التفصيلي السابق واليقين اللاحق، إذ اليقين السابق تعلق بكل واحد من الطرفين بخصوصيته، ومتعلق اليقين اللاحق هو الجامع، وليس لدينا يقين سابق بالجامع الانتزاعي، فاليقين الاجمالي بالجامع لم يسبق بيقين. وإن التزم بانه يتعلق بالجامع مع سرايته الى الخارج، وان مطابقه هو الفرد الواقعي المتعين في نفسه الذي يشار إليه بالجامع المنطبق عليه، كان الذيل شاملا

[ 64 ]

لمورد العلم الاجمالي، لان احد الفردين معلوم الانتقاض حينئذ، فيكون العلم اللاحق متعلقا بما تعلق به العلم السابق. وهذه إحدى ثمرات الخلاف في تعلق العلم الاجمالي بالجامع الصرف بلا سراية الى الخارج، وتعلقه بالجامع الساري الى الخارج والمشار به إليه. الثانية: ان قوله: " ولكن تنقضه بيقين آخر " هل يتكفل حكما شرعيا تأسيسيا بوجوب رفع اليد عن الحالة السابقة، أو انه حكم ارشادي الى ما يدركه العقل من لزوم رفع اليد عن الحالة السابقة، عند حصول اليقين ؟. ولا يخفى ان الكلام فيما نحن فيه يبتني على استظهار الشق الاول من الكلام، إذ لو كان القول المزبور في مقام الارشاد الى ما يراه العقل ويحكم به، فلا يمكننا ان نقول بشمول اليقين لليقين الاجمالي تمسكا باطلاق اللفظ، بل يبتني على تنقيح النقطة الثانية من البحث في العلم الاجمالي، وهي البحث عن منجزيته عقلا بحيث يمنع من جريان الاصل. فلا يكون البحث في هذه الجهة منحازا عن البحث في منجزية العلم الاجمالي وليس فيه جهة زائدة عليها كما هو المفروض. فانتبه. إذن فشمول الذيل لمورد العلم الاجمالي الذي يحقق التهافت يبتني.. أولا: على الالتزام بسراية المعلوم بالاجمال الى الخارج. وثانيا: على استفادة الحكم الشرعي التأسيسي من الذيل. ثم إن هنا جهة ثالثة ينبغي التنبيه عليها، وهي ان اساس دعوى التهافت على كون المستفاد من دليل الاصل هو الحكم الفعلي كالحلية الفعلية المطلقة - في أدلة الاباحة -، كي تتنافى مع الحرمة المعلومة بالاجمال. وأما لو كان المستفاد هو اثبات الحلية من جهة، فلا تنافي ولا تصادم بين الصدر والذيل، إذ لا منافاة بين حلية الشئ من جهة وحرمته من جهة أخرى، فلا تنافي بين عدم النقض ووجوبه. فهذا أمر ثالث يبتني عليه الالتزام بالتهافت. وإذا عرفت ما حققناه تعرف الخدشة فيما أفاده المحقق العراقي في مقام

[ 65 ]

نفي شمول الذيل لاطراف العلم الاجمالي: أولا: من دعوى انصراف اليقين في نصوص الاستصحاب والعلم في نصوص البراءة الى العلم التفصيلي، ويشهد له إرداف العلم بقيد: " بعينه " في بعض النصوص الظاهر في ارادة العلم التفصيلي. وثانيا: ان كلا من الخصوصيتين غير معلومة لا تفصيلا ولا إجمالا، لتوقف العلم الاجمالي على الجامع بلا سراية الى الخارج. وثالثا: بان المعلوم الحرمة هو العنوان الاجمالي المعبر عنه باحد الامرين، ونفي السعة من جهته لا يلازم نفيها من غير تلك الجهة (1). إذ يرد على الاول: انكار دعوى الانصراف لعدم الشاهد لها سوى القيد المزبور، وهو قوله: " بعينه "، ولكن عرفت فيما تقدم في أدلة البراءة المناقشة فيه وانه لا يتنافى مع العلم الاجمالي. ويرد على الثاني: انه خلاف مبنى دعوى التهافت وما نقحه هو (قدس سره) من سراية المعلوم بالاجمال الى الخارج، فاحدى الخصوصيتين معلومة بالاجمال. ويرد على الثالث: بانه خلف الفرض، إذ المفروض ان المستفاد من الصدر هو الحلية الفعلية بقول مطلق. وبذلك تعرف ان الصدر والذيل يشملان مورد العلم الاجمالي، فيتحقق التهافت بالتقريب المتقدم. هذا، ولكن عرفت ان اساس دعوى التهافت على استظهار كون الذيل - كقوله: " ولكن تنقضه بيقين آخر "، وكقوله: " فتدعه " في نصوص البراءة - في مقام بيان حكم شرعي تأسيسي.


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 300 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 66 ]

وهو غير مسلم، بل ممنوع، لانه خلاف الظاهر بعد كون النقض باليقين امرا مرتكزا فيوجب انصراف الامر الى الارشادي، مضافا الى أن المتيقن من اليقين والعلم هو التفصيلي، وهو - كما حقق في محله - مما لا يقبل جعل الحجية شرعا اثباتا، كما لا يقبل جعل الحكم المماثل في مورده، فلا معنى لجعل الناقضية شرعا لليقين الراجع الى جعل الحجية له، أو جعل الحرمة عند العلم بها الراجع الى جعل مثل الحكم عند العلم به، فالذيل والغاية يرجعان الى بيان تقيد جريان الاصول عقلا بعدم العلم، لانه منجز ومانع من جريان الاصل، لا بيان حكم شرعي، كي يتحقق التهافت بين الحكمين في مورد العلم الاجمالي. وعليه، فالصدر يشمل اطراف العلم الاجمالي في نفسه لتحقق موضوعه وهو الشك. فلابد من البحث بعد ذلك في ان العلم الاجمالي بنظر العقل مانع منه كالعلم التفصيلي أولا ؟. فتدبر. ثم إنه على تقدير الغض عن ذلك والالتزام بشمول الصدر والذيل لاطراف العلم الاجمالي وتحقق التهافت بينهما وسقوط النص عن الاعتبار، فهل يصح الرجوع الى النص الخالي عن الذيل - كما قيل - أو لا ؟. الحق هو التفصيل بين ما كان الذيل قيدا متصلا كقوله: " حتى تعلم انه حرام فتدعه " في اخبار أصالة الحل، وما إذا كان قيدا منفصلا وجملة مستأنفة وان كانت في كلام واحد كقوله: " ولكن تنقضه بيقين آخر "، فانه وإن جاء في رواية واحدة مع الصدر، لكنه حكم مستقل وليس من القرينة المتصلة، لان: " لكن " استدراكية. ففي الاول يصح الرجوع الى الخالي، إذ الرواية المشتملة على الغاية تكون مجملة لا يستفاد منها شئ بالنسبة الى مورد العلم الاجمالي، وهذا لا يضر بظهور غيرها، فيرجع الى مثل: " رفع عن أمتي ما لا يعلمون "، لعدم اشتماله على الغاية الظاهرة في ارتفاع الحكم عند حصولها، كما صرح به بقوله: " فتدعه ".

[ 67 ]

وفي الثاني لا يصح الرجوع الى الجميع، لان نسبة الذيل الى الصدر وسائر النصوص على حد سواء، فيتحقق التهافت بين مدلوله ومدلول جميع النصوص، فيسقط الجميع عن الاعتبار. فانتبه. والذي يتلخص مما حققناه: أنه لا مانع اثباتا من شمول أدلة الاصول جميعها لاطراف العلم الاجمالي، واساسه كما عرفت على الالتزام بان الحكم المستفاد من الذيل أو الغاية حكم إرشادي لا تأسيسي. وأما الاحتمال الثالث: وهو مختار المحقق النائيني، فقد ذكر (قدس سره) في توجيهه: ان مرجع الاصل التنزيلي الى الغاء الشارع الشك وتعبده بان المكلف محرز للواقع. ومن الواضح منافاة التعبد باحراز الحالة السابقة في كل من الطرفين مع العلم الاجمالي بأنتقاضها في أحدهما، فانهما لا يجتمعان (1). ولا يخفى أنه (قدس سره) اكتفى بهذا البيان ونحوه في اثبات مدعاه، مع ان ما يذكره مجرد دعوى لا تنتهي الى برهان. ولذا فالرد عليها سهل. ولاجل ذلك لا حاجة الى الاطالة في البحث عن ذلك، بل الامر موكول الى الوجدان، وهو لا يرى بأسا في التعبد بالاحراز في كلا الطرفين مع العلم الاجمالي بالخلاف، لان التعبد خفيف المؤنة. فلاحظ. وننتهي بذلك الى ان الاحتمال الثاني، وهو الالتزام بشمول أدلة الاصول مطلقا لاطراف العلم الاجمالي مع قطع النظر عن منجزيته هو المتعين من بين الاحتمالات الثلاثة المزبورة. يبقى شئ: وهو ان الشيخ مع التزامه بأن ادلة الاستصحاب لا تشمل اطراف العلم الاجمالي للزوم المناقضة بين الصدر والذيل، ولذا لم يلتزم بجريان الاستصحاب في مورد لا يكون جريانه فيه مستلزما للمخالفة العملية، كما لو


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. اجود التقريرات 2 / 240 - الطبعة الاولى. (*)

[ 68 ]

علم إجمالا بطهارة أحد الاناءين اللذين تكون حالتهما السابقة هي النجاسة، فانه منع من إجراء استصحاب النجاسة في كل منهما للعلم الاجمالي بالخلاف، مع التزامه بذلك. التزم بجريان الاستصحاب في بعض موارد العلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة، كما لو علم اجمالا بأنه توضأ بمائع مردد بين الماء والبول، فانه التزم بجريان استصحاب طهارة البدن وبقاء الحدث، مع أنه يعلم إجمالا بانتفاض الحالة السابقة لاحدهما (1). فيساءل الشيخ (رحمه الله): بانه إن كان المانع من جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي هو قصور الادلة عن ذلك فلا وجه لجريانها في هذا المورد. وان كان المانع هو استلزامها المخالفة العملية، كان اللازم اجراء الاستصحاب فيما لو علم إجمالا بطهارة احد الاناءين مع كون الحالة السابقة لهما هي النجاسة، مع أنه لم يلتزم بذلك، فالتفكيك بين الصورتين غير وجيه. وهذا الايراد عليه تعرض له الكثير ممن تأخر من الشيخ ولم يستوضح أحد منهم الجواب عنه. لكن الشيخ (رحمه الله) في الرسائل - في أواخر الاستصحاب - أشار الى جهة الفرق (2). ومحصل الجواب عن هذا الايراد بملاحظة ما أشار إليه الشيخ هو: ان المعلوم بالاجمال في هذه الصورة وهو الواحد المردد بين طهارة البدن وبقاء الحدث ليس بموضوع لاثر شرعي، فلا يكون مشمولا للذيل، وهو وجوب النقض، لانه لا يشمل إلا ما كان ذا أثر. وعليه فيبقى الصدر متحكما بلا مزاحم. بخلاف مورد العلم بطهارة أحد الاناءين، فان طهارة أحدهما المعلومة بالاجمال ذات أثر، فيصح التعبد بها فيكون الذيل شاملا للمعلوم بالاجمال، فيتحقق التهافت،


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 430 - الطبعة الاولى. (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 430 - الطبعة الاولى. (*)

[ 69 ]

فالتفت والله سبحانه العالم العاصم. الجهة الثالثة: في منجزية العلم الاجمالي. وتحقيق الكلام فيها: انه بناء على شمول أدلة الاصول لاطراف العلم الاجمالي بلا قصور - كما حققناه بضميمة والبناء على قصور فعلية الواقع بجعل الحكم الظاهري في مورده بحيث لا يكون تام الفعلية، لا وجه للقول بمنجزية العلم الاجمالي بعد انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري في مورده - إما موضوعا أو موردا - لان جريان الاصل يستلزم قصور المعلوم بالاجمال عن الفعلية التامة، فلا يكون قابلا للتنجيز، لان الحكم القابل للتنجيز بالعلم هو الحكم الفعلي من جميع الجهات. فمثل صاحب الكفاية الذي يلتزم بكلا المبنيين المزبورين لا مجال له للقول بتنجيز العلم الاجمالي في الموارد المتعارفة أصلا. وقد مر إيضاح هذا المعنى بنحو مفصل فيما تقدم من مباحث القطع (1) وفي أول هذه المباحث (2). فراجع. فالبحث عن منجزية العلم الاجمالي يتفرع على الالتزام بكون الواقع فعليا في مورده وإن شمله دليل الاصل لعدم استلزام جعل الحكم الظاهري لقصور فعلية الواقع، لعدم المنافاة بينهما. ولاجل ذلك أخذ المحقق العراقي (3) والمحقق الاصفهاني (4) في محل البحث كون الواقع فعليا مفروغا عنه. وإذا عرفت ذلك فيقع البحث في مقامين:


(1) راجع 4 / 120 من هذا الكتاب. (2) راجع 5 / 49 من هذا الكتاب. (3) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 298 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (4) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 31 - الطبعة الاولى. (*)

[ 70 ]

المقام الاول: في منجزية العلم الاجمالي بلحاظ المخالفة القطعية، بمعنى أنه هل يقتضي حرمة المخالفة القطعية أو لا ؟. وكلمات الاعلام لا تخلو من إطالة، ولكنها إطالة خارجة عن محور البحث الاساسي ولعله لاجل عدم اقتضاء محور البحث لكثير من التطويل، فالتجاوا الى إضافة ما لا مساس له في المقام. والتحقيق: انه مع عدم ورود ترخيص من المولى في ارتكاب جميع الاطراف، لا إشكال في كون العلم منجزا، فيحكم العقل باستحقاق العقاب على المخالفة القطعية لاجل العلم الاجمالي، وليس الحال فيه كالحال في الجهل البدوي الذي يحكم العقل فيه بعدم استحقاق العقاب، وإن نسب ذلك الى بعض. لكنه خلاف البديهية والوجدان. إنما الاشكال في منجزية العلم مع ورود الترخيص من المولى في المخالفة، فان ثبت حكم العقل باستحقاق العقاب عند العلم الاجمالي ولو مع ترخيص المولى، كان ترخيص المولى ممتنعا عقلا لمنافاته لحكم العقل بالقبح. وان لم يثبت حكمه بالمنجزية بقول مطلق حتى مع الترخيص، لم يكن مانع من ترخيص المولى لعدم منافاته لحكم عقلي قطعي. ومرجع ذلك الى الاشكال في ان حكم العقل بمنجزية العلم تنجيزي، فيتنافى مع ترخيص الشارع ويمنع من تحققه، لانه ترخيص في ما يحكم العقل بقبحه. أو انه تعليقي معلق على عدم ورود ترخيص الشارع، فلا يتنافى مع الترخيص. فالمهم تحقيق هذه الجهة. وقد ذهب المحقق العراقي الى أنه تنجيزي، مستدلا عليه بالارتكاز وتحكيم الوجدان (2). ولكن قابل للتشكيك عندنا ولم يثبت


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 306 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 71 ]

لدينا بنحو جزمي، لعدم وجود شاهد عقلائي خارجا كي نميز به صحة ذلك من سقمه فمن جزم به فهو في راحة وإلا فلا برهان عليه. وقد يمنع الترخيص في اطراف العلم الاجمالي وتثبت منجزية العلم الاجمالي بطريق آخر غير هذا الطريق الراجع الى منافاة الترخيص، لحكم العقل بالمنجزية وقبح المخالفة. وذلك بأن يقال: انه إذا فرض كون الحكم الواقعي فعليا تام الفعلية، كان الحكم الظاهري منافيا له، فعدم جريان الاصل ليس لاجل مناقضته مع مقتضى العلم، بل لاجل مناقضته مع نفس التكليف الواقعي المعلوم في مقام الداعوية الفعلية، لان الحكم الواقعي الفعلي يدعو فعلا بنحو الالزام الى اتيان متعلقه، والحكم الترخيصي يطلق العنان للمكلف، فيتحقق التنافي في مقام الداعوية. وبالجملة: انما لم يلتزم بالتنافي بين الحكم الظاهري والواقعي بلحاظ عدم الداعوية الفعلية للحكم الواقعي مع الجهل والتضاد بين الاحكام انما هو في هذه المرحلة، وهذا غير ثابت فيما نحن فيه، لان الحكم الفعلي مع العلم به إجمالا يكون ذا داعوية فعلية، فيضاد الحكم الظاهري على خلافه. وهذا الطريق غير موصل. وذلك: لانه قد تقدم - في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري - بيان عدم التنافي بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي الفعلي - لو امكن تحققه - في مقام الداعوية والامتثال. ومحصل الوجه في ذلك، هو أن الداعوية الفعلية الالزامية للتكليف إنما تنشأ بلحاظ ما يترتب على مخالفته من أثر سئ وهو العقاب، فمع الترخيص والتأمين من العقاب بمقتضى الحكم الظاهري، فلا تتحقق الداعوية الفعلية للحكم الواقعي، وإن كان يبقى فعليا بمعنى أنه يمكن ان يكون داعيا - كما بيناه سابقا -. إذن فلا تنافي بين الحكمين بعد ورود الترخيص من الشارع، فهذا

[ 72 ]

الوجه لا يصلح وجها مستقلا قبال الوجه السابق، بل انما يتم بناء على عدم امكان الترخيص لتتحقق الداعوية الفعلية. فلابد من نقل الكلام الى امكان الترخيص من الجهة السابقة وامتناعه. ويتحصل: انه لا دليل لدينا على منجزية العلم الاجمالي بنحو يتنافى مع جعل الاصول في أطرافه، فيكون محذور ثبوتيا في إجراء الاصول. هذا كله على المسلك المشهور الذي يذهب الى ثبوت حكم العقل بالعقاب والمنجزية في باب العلم التفصيلي، وبتبعه العلم الاجمالي على الخلاف السابق. أما بناء على ما تقدم منا في مباحث القطع والبراءة من: انه لا مسرح للعقل في باب العقاب والثواب الاخرويين، لارتباطه بعالم لا يدرك العقل ملاكاته وخصائصه، كما تقدم توضيحه، فدعوى ثبوت حكم العقل بمنجزية العلم الاجمالي واضح الفساد، بل العقاب لابد وان يلاحظ فيه جعل الشارع نفسه، لانه بيده يجعله كيف يشاء. وحينئذ نقول: إن ظاهر بعض الايات الكريمة ترتيب العقاب على نفس مخالفة التكليف، لكنه يمكن دعوى اختصاص العقاب شرعا بمورد قيام البيان العرفي على التكليف الذي خالفه لا مطلق التكليف، إما لدعوى انصراف تلك الايات المطلقة إلى صورة قيام الحجة والبيان، أو بملاحظة ما ورد من الايات الظاهرة في عدم العقاب مع عدم البيان وثبوته معه، كقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (1). وبما ان العلم الاجمالي بيان عرفا للتكليف بحيث يصح للمولى الاعتماد عليه، كان مقتضى تلك الايات ثبوت العقاب في مورده، ومعه لا يصح الترخيص ونفي العقاب من الشارع بمقتضى أدلة الاصول


(1) سورة الاسراء: الاية 15. (*)

[ 73 ]

في المخالفة في مورده، لانه مناف لحكمه بثبوت العقاب فيه بمقتضى الاية. فالالتزام بمنجزية العلم الاجمالي من باب استلزام الترخيص مناقضة الشارع لنفسه. وتوهم: ان أدلة الاصول مخصصة لحكم الشارع بثبوت العقاب مع البيان بصورة وجود العلم التفصيلي، وحكم الشارع يقبل التخصيص. فاسد: لان نسبة أدلة الاصول الى مثل قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) نسبة العموم من وجه لا نسبة الخاص الى العام، لشمول دليل الاصل موارد عدم العلم بالمرة، وشمول الاية موارد العلم التفصيلي، فلابد من تقديم الاية، لان الرواية لا تنهض لمعارضة الاية، لاندراجها فيما خالف الكتاب، فلابد من طرحها. فلاحظ. فالخلاصة: انه لم تثبت منجزية العلم الاجمالي بحكم العقل، لا على المسلك المشهور ولا على مسلكنا، وانما المنجزية ثابتة بلحاظ حكم الشارع نفسه. هذا تمام الكلام في المقام الاول. وأما المقام الثاني: فالبحث فيه في استلزام العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية بعد الفراغ عن استلزامه لحرمة المخالفة القطعية بنحو العلية التامة. ومحور البحث هو: أنه هل يصح للمولى الترخيص في بعض الاطراف أو انه لا يصح له ذلك ؟. فعلى الثاني يكون العلم الاجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية. وعلى الاول: يكون مؤثرا في وجوب الموافقة القطعية بنحو الاقتضاء الذي لا ينافيه وجود المانع، وهو الترخيص في أحد الاطراف. وقد نسب البعض الى الشيخ أنه يرى تأثير العلم الاجمالي في الموافقة

[ 74 ]

القطعية بنحو الاقتضاء (1). ونسب إليه بعض آخر القول بالعلية التامة (2). واستشهد كل منهم على نسبته ببعض كلمات الشيخ (3). وشاهد كل منهما ظاهر في ما ينسبه إليه، ولاجل ذلك يمكن نسبة التهافت الى الشيخ في كلامه في المقام والامر سهل. وكيف كان فقد اختلف الاعلام في ذلك فمنهم من ذهب الى القول بالعلية التامة، كالمحقق العراقي (4) والمحقق الاصفهاني (5). ومنهم من ذهب الى القول بالاقتضاء كالمحقق النائيني (6) وتبعه غيره (7). ولابد قبل الخوض في تحقيق المطلب من التنبيه على أمرين: الامر الاول: في ثمرة القولين العملية، وهي تظهر في موردين: أحدهما: ما إذا كانت في أحد الطرفين متعددة طولية، كاستصحاب عدم الحرمة والبراءة، وكان في الطرف الاخر أصل واحد كالبراءة. وقلنا: بعدم معارضة مجموع الاصول الطولية في أحد الطرفين للاصل في الطرف الاخر، بل المعارضة بين الاصل السابق رتبة وبين الاصل الواحد في الطرف الاخر، فانه إذا تعارض الاستصحاب في احد الطرفين والبراءة في الطرف الاخر تساقطا، فيبقى أصل البراءة في الطرف الذي كان فيه الاستصحاب بلا معارض، فان قلنا بامكان الترخيص في احد الاطراف في مورد العلم الاجمالي


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 36 - طبعة مؤسسسة النشر الاسلامي. (2) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 310 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (3) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 35 - طبعة مؤسسسة النشر الاسلامي. البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 310 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (4) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 307 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (5) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 32 - الطبعة الاولى. (6) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. اجود التقريرات 2 / 247 - الطبعة الاولى. (7) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 218 الطبعة الاولى. (*)

[ 75 ]

وان سقوط الاصول جميعا في الاطراف لاجل المعارضة، أمكن اجراء أصالة البراءة في ذلك الطرف لعدم وجود ما يعارضه. وان قلنا بالعلية التامة وعدم امكان الترخيص في بعض الاطراف، لم يمكن اجراء أصالة البراءة في ذلك الطرف ولو لم يكن له معارض، لعدم كون سقوط الاصول بالمعارضة، بل لاجل العلم الاجمالي. والاخر: أنه بناء على ان العلم الاجمالي لا يمنع من الترخيص في بعض الاطراف، والمفروض شمول أدلة الاصول لكلا الطرفين، فيتحقق التعارض، وحينئذ يقع البحث في ان القاعدة في تعارض الاصول هل تقتضي تساقطهما أو التخيير بينهما ؟. وهذا مما لا مجال له بناء على القول بالعلية التامة، وامتناع الترخيص في بعض الاطراف. كما لا يخفى. الامر الثاني: ان الالتزام بالعلية التامة يصاحبه الالتزام بأمرين لا يرى فيه منافاة للعلية التامة: أحدهما: الالتزام بالانحلال في مورد العلم التفصيلي بالحكم في احد الطرفين، أو قيام إمارة أو أصل شرعي على التكليف في أحدهما، أو قيام أصل عقلي موجب لانشغال الذمة بأحد الطرفين، وكونه في العهدة كقاعدة الاشتغال. والاخر: الالتزام بجعل البدل في مقام الامتثال، بمعنى أنه يصح ان يكتفي الشارع في مقام الخروج عن العهدة بأحد الطرفين بجعله بدلا عن الواقع. فانه سيظهر فيما بعد: ان الالتزام بالانحلال في موارده وجعل البدل ليس فيه منافاة للالتزام بمنجزية العلم الاجمالي، لوجوب الموافقة القطعية وكونه علة تامة بالنسبة إليها، إذ الانحلال يرجع الى رفع أثر العلم الاجمالي بالمرة حتى بالنسبة الى المخالفة القطعية. وجعل البدل فرع الالتزام بتنجز الواقع، ولذا يثبت في موارد العلم

[ 76 ]

التفصيلي بالتكليف الذي لا شبهة في كونه علة تامة للموافقة القطعية، كموارد جعل قاعدة الفراغ. ومن هنا يظهر الاشكال فيما جاء في الدراسات في مقام اثبات ان العلم الاجمالي مقتض لوجوب الموافقة القطعية لا علة تامة. فانه ذكر: أن المحقق صاحب الكفاية وبعض الاساطين من تلامذته ذهبا الى استحالة الترخيص الظاهري في بعض الاطراف. وما ذكر في وجه الاستحالة أمران: أحدهما: ما جاء في الكفاية من ان الحكم الواقعي المعلوم بالاجمال إذا كان فعليا تام الفعلية، فكما يمتنع جعل الحكم الظاهري على خلافه في كلا الطرفين لانه يستلزم القطع بالمتضادين، كذلك يمتنع جعل الحكم الظاهري في أحدهما، لان احتمال المتضادين محال كالقطع بهما. وقد ذكر في مقام توضيح ذلك ما تقدم نقله عن الكفاية من: ان الحكم الواقعي إذا كان قاصر الفعلية ولو لاجل الجهل به، أمكن جعل الحكم الظاهري على خلافه في جميع الاطراف فضلا عن بعضها. والاخر: ما ذكره بعض الاساطين من ان الحكم الواقعي بعد تعلق العلم به ووصوله الى المكلف وتنجزه عليه، كما يمتنع جعل الترخيص على خلافه قطعا، كذلك يمتنع جعل الترخيص على خلافه احتمالا. وقد تصدى للايراد على صاحب الكفاية بما يرجع الى انكار قصور فعلية الواقع مع حصول موضوعه، وتوقف فعليته على العلم التفصيلي، لكونه موضوعا له، خلف الفرض. وبالجملة: ركز مناقشته الطويلة على انكار فرض عدم كون الواقع فعليا تام الفعلية وتعليق فعليته على عدم الجهل به. كما تصدى لمناقشة الوجه الثاني..

[ 77 ]

بالنقض بموارد قيام الاصل الشرعي المثبت في بعض الاطراف، أو موارد قيام قاعدة الاشتغال في بعضها. وبموارد الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي في مورد العلم التفصيلي، كمورد قاعدة الفراغ والتجاوز. وبالحل بان موضوع الاصول هو الشك والتكليف في كل طرف مشكوك، لان احتمال انطباق ذات المعلوم بالاجمال على كل طرف عين الشك فيه، واحتمال انطباق المعلوم بالاجمال بوصف المعلومية محال، إذ لا معنى لاحتمال العلم في مورد، لانه صفة وجدانية لا تقبل الشك. فراجع كلامه الذي لخصناه جدا (1). وأنت خبير: بانه لا مجال للنقض بالموارد المذكورة، لانها ما بين موارد الانحلال وموارد جعل البدل، وقد عرفت في الامر الثاني ان محل البحث في غيرها، وقد تنبه لذلك المحقق العراقي (2)، فتعرض لدفع النقض بموارد الانحلال وموارد جعل البدل بما تقدم منا في الامر الثاني. وأما الاشكال الحلي الذي ذكره على الوجه الثاني.. فيندفع: بان المانع من جريان الاصل هو احتمال انطباق ذات المعلوم بالاجمال، ولكن يوصف تنجزه الثابت بالعلم الاجمالي على جميع المباني في حقيقة العلم الاجمالي ومتعلقه، من تعلقه بالجامع أو بالفرد المردد أو بالجامع بما هو مشير الى الخارج، والترخيص في محتمل المخالفة المنجزة قبيح. فما أفاده لا يخلو عن غفلة أو إغفال للنكتة التي يلحظها القائل، فلابد من البحث معه في مرامه لا في شئ آخر لا يريده ولا نظر له إليه. وأما ايراده على صاحب الكفاية، فهو أجنبي بالمرة عن محل البحث، وهو أن الترخيص في أحد الطرفين مع العلم بالتكليف الفعلي يستلزم احتمال الضدين، وهو محال كالقطع بهما كما لا يخفى جدا.


(1) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 222 - الطبعة الاولى. (2) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 311 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 78 ]

وبالجملة: فما جاء في الدراسات في تحقيق هذه المسألة المهمة لا يجدي ولا يغني ولا يسمن من جوع كما عرفت. وبعد ذلك نوقع البحث في تحقيق أصل المطلب، فنقول وعلى الله الاتكال ومنه نستمد القوة والعون: ان العلم الاجمالي يصلح لان يكون بيانا - في نظر العرف والعقلاء - للتكليف المعلوم بالاجمال، بحيث يكون في عهدة المكلف وثابتا عليه في أي طرف كان، ومعه لا يمكن ان تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان في أحد الطرفين. إذ المخالفة الناشئة عن ارتكاب أحد الطرفين ليست مخالفة بدون بيان، فموضوع البراءة العقلية غير متحقق في كل طرف من أطراف العلم الاجمالي، لقيام البيان على التكليف الواقعي على تقدير ثبوته فيه واقعا. وأما البراءة الشرعية، فمن يرى ان روايات البراءة لا تتكفل اكثر من مفاد البراءة العقلية، فالحال فيها كالحال في العقلية. ومن يرى أنها تتكفل حكما ظاهريا هو الاباحة في ظرف الشك، ويستتبع ذلك التأمين من العقاب، لان الترخيص والحلية تتنافى مع العقاب واقعا، فيكون عدم العقاب من باب بيان العدم لا عدم البيان. فهل نستطيع أن نقول بامكان جريان البراءة في أحد الاطراف أو لا ؟. الحق أنه لا مانع عقلا من الترخيص في بعض الاطراف وتأمين الشارع من العقاب على تقدير كون الواقع فيه، فللمولى أن يقول لعبده: إنني اقتنع منك بترك بعض الاطراف وأبيح لك الاطراف الاخرى. وفي مثله لا يحكم العقل بثبوت العقاب على الطرف المرخص فيه على تقدير المصادفة للواقع. وبالجملة: لا نرى مانعا عقليا في مقام الثبوت من الترخيص في بعض الاطراف والتأمين من العقاب عليه، ومن هذا الباب جعل البدل، فانه وان اصطلح عليه بهذا العنوان، لكنه في واقعه يرجع الى الترخيص في بعض

[ 79 ]

الاطراف. لكن الاشكال في مقام الاثبات، فان أدلة الاصول قاصرة إثباتا عن التأمين عن العقاب المحتمل في كل طرف المسبب عن العلم الاجمالي بالتكليف. بيان ذلك: ان كل طرف فيه جهتان: إحداهما: انه مشكوك الحرمة واقعا. والاخرى: انه أحد طرفي العلم الاجمالي المنجز للتكليف الواقعي فيه لو كان، والمصحح للعقوبة عليه لو فرض انه حرام واقعا. ومن الواضح ان أدلة الاصول إنما تتكفل جعل الاباحة والحلية في المشكوك بما أنه مشكوك الحرمة، أما جهة كونه من اطراف العلم الاجمالي فهي مما لا نظر فيها إليها. وعليه: فهي بجعل الحلية فعلا إنما تستتبع التأمين من العقاب من جهة انه مشكوك الحرمة لا اكثر، لانها هي الجهة الملحوظة في الحلية المجعولة، وأما التأمين من العقاب من جهة أخرى فلا نظر للدليل إليها. لا نقول: بان الدليل يتكفل جعل الحلية من جهة الذي انكرناه سابقا على المحقق العراقي. بل الدليل يتكفل جعل الحلية فعلا، لكن موضوع الحلية هو الشك في الحرمة، وهذا يستتبع الامان من العقاب - الذي هو لازم الحلية والذي يهمنا فيما نحن فيه دون نفس الترخيص - من جهة دون جهة، فلا ينفع في رفع منجزية العلم الاجمالي. وعلى هذا، فعدم الالتزام بجريان الاصل من باب ان جعل الحلية لا ينفع في التأمين من ناحية العلم الاجمالي، لانه غير منظور إليه في موضوع الحلية، بل ليس الموضوع سوى الشك في الحرمة، لان دليل الاصل يعم موارد العلم الاجمالي وغيره، فلا يمكن ان نقول إن له نظرا الى العلم الاجمالي. ولا يخفى ان الامان من جهة الشك في الحرمة بما هو شك لا ينافي عدم الامان من جهة العلم

[ 80 ]

الاجمالي وبيانيته. نعم، لو ورد دليل على الترخيص في خصوص موارد العلم الاجمالي كان مؤمنا من العقاب من جهته، فينفع في عدم وجوب الموافقة القطعية. ومن هذا الباب جميع موارد جعل البدل، فان مرجع جعل البدل الى ما عرفت من الترخيص في بعض الاطراف بملاحظة العلم الاجمالي المستلزم للتأمين من جهته. فالفرق بين ما دل على الترخيص في موارد جعل البدل وبين أدلة الاصول: ان الاول يتكفل الترخيص بملاحظة جهة العلم الاجمالي. وأما أدلة الاصول فهي مما لا نظر لها الى جهة العلم الاجمالي، فلا تنفع في التأمين من ناحيته. فتدبر والتفت فانه لا يخلو من دقة، وهو مما تفردنا به حسب ما نعلم. وأما ما أفاده العلمان المحققان العراقي (1) والاصفهاني (2) في مقام بيان امتناع الترخيص في بعض الاطراف، فهو لا يخلو من مناقشة. هذا كله على المسلك المشهور في باب العقاب وأنه بحكم العقل. وأما على المسلك الذي سلكناه في هذا الباب، وان العقل لا مسرح له في باب العقاب، وانما هو أمر شرعي بيد الشارع يجعله كيف يشاء، فقد تقدم ان ظاهر بعض الايات وان كان ترتب العقاب على نفس المخالفة، لكن يرفع اليد عنها إما للانصراف أو بملاحظة آيات أخرى، فتحمل على مورد قيام البيان. وعليه، فلا يمكن ان تجري الاصول في اطراف العلم لا كلا ولا بعضا، بعد ان عرفت كون العلم بيانا للتكليف عرفا في كل طرف، لمعارضتها لما دل على ثبوت العقاب عند تحقق البيان من الايات. والتقديم للايات. نعم، لو ورد دليل بالخصوص في مورد البيان يدل على عدم العقاب في ذلك المورد التزم به، لعدم المانع من تخصيص الاية بالرواية المعتبرة.


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 310 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 34 و 244 - الطبعة الاولى. (*)

[ 81 ]

ومن هذا القبيل موارد جعل البدل كما هو واضح لا يحتاج الى بيان. هذا كله بناء على الالتزام بان العلم الاجمالي متعلق بالفرد الواقعي المعين في نفسه المردد لدى العالم. وبعبارة أخرى: كونه متعلقا بالجامع مع سرايته الى الخارج وارتباطه به. وأما لو التزم بان متعلق العلم الاجمالي هو صرف الجامع بلا سراية له الى الخارج - كما التزمنا به في بعض الصور، كالعلم الاجمالي بكذب احدى الروايتين لاجل امتناع اجتماع الضدين، كما تقدمت الاشارة إليه -، فلا وجه للالتزام بوجوب الموافقة القطعية، وامتناع الترخيص في بعض الاطراف، في ما كان متعلق العلم مما يقبل التنجيز كما هو محل الكلام، مثل ما إذا تعلق العلم بحرمة أحد الشيئين، وذلك لان العلم إذا كان مقصورا على الجامع غير الساري الى الخارج بحيث تكون نسبته الى كل طرف على حد سواء بلا ارتباط له واقعا بطرف دون آخر، كان موجبا لتنجيز الجامع بمقداره لا أكثر، فلا يمتنع الترخيص في بعض الاطراف، إذ لا يحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليه كي يمنع ذلك من الترخيص. بل كان كل طرف محتمل التكليف بلا قيام منجز عليه بخصوصه، فيكون كسائر موارد الشبهة البدوية. نعم، لا يصح الترخيص في مجموع الاطراف، لانه يستلزم الترخيص في نفس الجامع المفروض تنجزه بالعلم. وبالجملة: العلم على هذا المبنى يوجب تنجيز مقدار الجامع بين الطرفين دون خصوصيتيهما، فالترخيص في أحد الطرفين لا ينافي تنجيز الجامع بينهما، كما هو واضح لا يخفى بأقل تأمل. وأما ما ذهب إليه صاحب الكفاية في مورد العلم الاجمالي بكذب احد الدليلين للتعارض في المدلول، بحجية احد النصين بمقدار: " أحدهما "، لانه كما يعلم اجمالا بكذب أحدهما يعلم إجمالا بكون أحدهما محتمل الاصابة، مع إجتماع

[ 82 ]

شرائط الحجية فيه، فتثبت حجيته بهذا المقدار، لان المعلوم بالاجمال هو عنوان احدهما بلا زيادة خصوصية توجب ربطه بأحدهما المعين في الواقع، ورتب على ذلك انه لا يثبت بذلك سوى اثر الجامع وهو نفي الثالث (1). فقد أوضحنا تصويره في مبحث التعادل والتراجيح بما لا مزيد عليه (2). ولكن أوردنا عليه ايرادات متعددة. ومن جملتها (3): ان دليل الحجية يتكفل اثبات الحجية لكل فرد بخصوصه من أفراد الخبر، ولا يتكفل بيان حجية: " أحدهما "، لانه في حد نفسه ليس فردا من أفراد الخبر. وعلى كل فنوكل الكلام في ذلك الى محله. والذي يتلخص مما بيناه: ان العلم الاجمالي منجز بالنسبة الى الموافقة القطعية، ولا مجال لجريان الاصول في كل طرف من أطرافه بنفسه. ثم إنه لو بني على أن تأثير العلم الاجمالي في الموافقة القطعية بنحو الاقتضاء لا العلية التامة، بحيث لم يكن مانعا من جريان الاصول في بعض اطرافه دون بعض - كما عليه المحقق النائيني (رحمه الله) (4) -، فهل يقتضي ذلك تساقط الاصول في أطرافه، أو التخيير بينها، فيؤخذ بها في بعض الاطراف دون بعض ؟. توضيح ذلك: انه قد عرفت شمول أدلة الاصول لاطراف العلم الاجمالي مع قطع النظر عن منجزيته، وبعد فرض امتناع الترخيص في المخالفة القطعية يمتنع إعمال الاصول في جميع الاطراف لاستلزامه الترخيص في المخالفة القطعية. وعليه، فيقع التعارض بين الاصول في أطراف العلم الاجمالي، فهل


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم كفاية الاصول / 439 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) في البحث عن الاصل الاول في التعارض. (3) هو ما ذكره السيد الاستاذ دام ظله في هذا المقام. (4) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم اجود التقريرات 2 / 242 - الطبعة الاولى. (*)

[ 83 ]

يقتضي التعارض تساقط الاصول في جميع الاطراف فتجب الموافقة القطعية حينئذ، أو انه يقتضي التخيير بينها، فلا تجب الموافقة القطعية ؟ - وقد أشرنا سابقا الى أن هذا البحث يبتني على عدم الالتزام بعلية العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية، وصحة ترخيص الشارع في أحد الاطراف. وإلا فلا موضوع للبحث عن التساقط والتخيير، لعدم صحة إعمال الاصل في بعض الاطراف، كي يتحقق التعارض، إذ الاصل في كل طرف لا يجري بنفسه -. وقد ذهب المحقق النائيني (قدس سره) الى: أن مقتضى التعارض هو التساقط، وذلك لان إعمال الاصل في كلا الطرفين يستلزم الترخيص في المعصية، وإعماله في أحد الطرفين معينا ترجيح بلا مرجح، وفي أحدهما لا بعينه غير صحيح، لان الاصول انما تجري في كل طرف بعينه. فيتحقق التساقط (1). ولكن الذي نختاره في هذه الجهة هو: ان مقتضى التعارض هو التخيير لا التساقط. وبيان ذلك: أن التخيير ههنا يتصور بنحوين: النحو الاول: ان يكون مجرى الاصل هو أحد الطرفين لا بعينه، لان مقتضى المحذور العقلي هو امتناع اجراء الاصل في كلا الطرفين، اما اجراؤه في أحدهما لا بعينه فلا محذور فيه فيلتزم به. وهذا الوجه لا يمكن الالتزام به لا من جهة ان الواحد لا بعينه، أو على البدل لا ثبوت له، بل من جهة قصور مقام الاثبات عن اثبات هذا الوجه. وذلك فانه لو التزمنا بصحة جعل الاصل في أحد الطرفين لا بعينه ثبوتا، فان دليل الاصل انما يتكفل جعله في كل فرد من افراد موارده بنفسه وبخصوصه لا في كل فرد لا بعينه وعلى البدل، فهو نظير دليل الحجية يتكفل جعلها لكل


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم اجود التقريرات 2 / 241 و 243 - الطبعة الاولى. (*)

[ 84 ]

فرد من افراد الخبر بنفسه لا في كل فرد لا بعينه. وليس لاحدهما لا بعينه واقع غير واقع سائر افراده المعينة بحيث يكون فرد آخر، كي يكون مما شمله الاطلاق، بل هو عنوان ينتزع عن ملاحظة الافراد بنحو خاص. وبالجملة: فدليل جعل الاصول والحجية لا يتكفل بلسانه جعل الاصل والحجية في أحد الطرفين لا بعينه، فيحتاج ذلك الى دليل خاص وهو مفقود بحسب الفرض. ولعل ما ذكرناه هو مراد الشيخ (رحمه الله) مما ذكره من: ان احدهما لا بعينه ليس فردا ثالثا كي يكون مشمولا للدليل، فهو يقصد بيان قصور الدليل عن ذلك في مقام الاثبات، ولا ينظر الى كون المحذور في مقام الثبوت. فالتفت. النحو الثاني: ان يلتزم باجراء الاصل في كل طرف مقيدا بترك الاخر، فيلتزم باباحة كل طرف عند ترك الاخر واجتنابه. بتقريب: ان المحذور في الالتزام باجراء الاصلين في كلا الطرفين من جهة اطلاق دليل الاصل في كل طرف الشامل لحالتي ترك الاخر وفعله، فيلزم من ذلك الترخيص في المخالفة القطعية. أما مع رفع اليد عن الاطلاق وتقييده بحالة ترك الاخر، فلا تشمل إباحة كل طرف صورة ارتكاب الطرف الاخر، فلا محذور فيه. فيتعين الالتزام به تمسكا بدليل الاصل الذي لا يصح رفع اليد عنه إلا بمقدار المحذور العقلي، لان الضرورات تقدر بقدرها. فان مقتضى دليل الاصل اجراؤه في كل طرف في كلتا الحالتين - اعني: حالة فعل الاخر وتركه -، ولما لم يمكن الاخذ به في إحدى الحالتين، وهي حالة فعل الاخر، لا يرفع اليد عنه الا في تلك الحالة فيبقى دليله في حالة ترك الاخر محكما. وبالجملة: مقتضى دليل الاصل بضميمة امتناع الترخيص في المعصية القطعية هو اجراؤه في كل طرف مشروطا بترك الطرف الاخر. وقد أورد على هذا الوجه ايرادات ثلاثة:

[ 85 ]

الاول: ان مقتضى ذلك هو ثبوت الترخيص الفعلي في كلا الطرفين عند ترك كليهما لتحقق شرط جريان الاصل في كل منهما، فيلزم الترخيص في ما علم حرمته بالفعل وهو قبيح. الثاني: ان الحكم الظاهري لابد وان يكون مما يحتمل مطابقته للواقع، والاباحة المشروطة لا يحتمل مطابقتها للواقع لاننا إذا كنا نعلم بحرمة أحد الطرفين وباباحة الاخر واقعا، فالحرمة المعلومة غير مقيدة بترك المبارح، كما ان الاباحة المعلومة بالاجمال غير مقيدة بترك الحرام، بل هي مطلقة غير مشروطة. الثالث: ان الاباحة الظاهرية انما لا تكون منافية للحرمة الواقعية إذا لم تصل الحرمة الى المكلف، أما مع وصولها إليه صغرى وكبرى، فالمنافاة بينهما متحققة. وذلك لان المنافاة بين الحكمين انما تنشأ من التنافي بين مبدئيهما، وهو الارادة والكراهة ونحوهما، أو من التنافي في مقام الامتثال، ومع الجهل بالحكم الواقعي الموضوع للحكم الظاهري لا تنافي في شئ من ذلك، أما من حيث المبدأ، فلان الحكم الظاهري انما ينشأ عن مصلحة في نفسه لا من خصوصية في متعلقه. واما في مقام الامتثال فلان الحكم الواقعي على تقدير عدم وصوله لا داعوية له، فلا ينافي الحكم الظاهري. فإذا فرض وصول الحكم الواقعي ولو بالعلم الاجمالي، كان جعل الحكم على خلافه من الجمع بين المتضادين (1). وجميع هذه الايرادات مردودة: أما الاول: فلانه اشكال نظير الاشكال الذي يورد به على الالتزام بالترتب من الجانبين في طلب الضدين المتساويين في الاهمية. فانه يورد هناك: ان لازمه وجب كلا الضدين فعلا عند ترك كل منهما، فيلزم طلب الضدين معا بالطلب الفعلي.


(1) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 228 - الطبعة الاولى. (*)

[ 86 ]

والجواب عنه ما يذكر من ان طلب الضدين في آن واحد لا محذور فيه، بعد ان كان طلب كل منهما مشروطا بترك الاخر - ومجرد ترك الاخر لا يخرج الطلب عن كونه مشروطا الى كونه مطلقا (1). وقد مر الكلام في هذا الامر في مبحث الترتب فراجع (2) - وذلك لان المحذور في طلب الضدين هو حصول التنافي، بينهما في مقام الداعوية، وبالتقييد المزبور يرتفع التنافي، لان فرض داعوية أحدهما لا يكون إلا بفرض عدم داعوية الاخر حتى في فرض ترك كليهما وفعلية كلا الطلبين، كما يوضح في محله. وبمثل هذا الجواب يدفع الاشكال فيما نحن فيه، فان محذور الترخيص في كلا الطرفين هو الترخيص في المخالفة القطعية، وهو يرتفع بتقييد الاباحة في كل طرف بترك الطرف الاخر، وترك كلا الطرفين لا يخرج الاباحة الثابتة عن كونها مشروطة، فلا تكون الاباحة في كل طرف فعلية التأثير إلا في فرض عدم تأثير الاخرى، فلا يلزم الترخيص المؤدي الى المخالفة القطعية. وأما ما أفاده من ان المحذور ليس في الترخيص في الجمع، بل في الجمع بين الترخيصين. ففيه: انه لا محذور في الجمع بين الترخيصين إلا من جهة أنه يؤدي الى الترخيص في الجمع، وإلا فمجرد الجمع بين الترخيصين ليس بمحذور. ودعوى انه محذور مصادرة. وأما الثاني: فلان ما ذكر من لزوم احتمال مطابقة الحكم الظاهري للواقعي صحيح في الجملة، لكن الوجه فيه ليس قيام دليل لفظي عليه كي يتمسك باطلاقه، بل انما هو لجهة عقلية، وهي ان الحكم الظاهري انما يجعل لتنجيز الواقع أو التعذير عنه، وهذا إنما يثبت مع احتمال المطابقة، وإلا فلا معنى


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. اجود التقريرات 1 / 293 - الطبعة الاولى. (2) راجع 2 / 411 من هذا الكتاب. (*)

[ 87 ]

للتنجيز ولا التعذير. ولا يخفى ان غاية ما تتطلبه هذه الجهة هي لزوم احتمال المطابقة في أصل الحكم لا في خصوصياته من اطلاق أو اشتراط، فان الاختلاف بين الحكم الظاهري والواقعي في الاشتراط والاطلاق لا ينافي هذه الجهة قطعا. ولا دليل آخر على عدم جواز مثل هذا الاختلاف، بل الدليل على خلافه، فان الحكم الظاهري الثابت بالاستصحاب مقيد بثبوت اليقين السابق، مع ان الواقع ثابت بلا تقيد بذلك كما لا يخفى. فانتبه. وأما الثالث: فلان مقتضاه عدم صحة الترخيص في بعض الاطراف، وكون العلم الاجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية. وهو خلف الفرض وخلاف مبنى القائل بنفسه. وعلى كل حال فيندفع ما ذكره بان: التنافي في مقام الداعوية مرتفع بعد الترخيص والتأمين من العقاب لان الداعوية الالزامية تتحقق بلحاظ ما يترتب على المخالفة من أثر سئ وهو العقاب. كما بيناه سابقا في أول هذا المبحث. فلا تنافي بين الترخيص في بعض الاطراف والعلم بالحكم في أحدهما. فلاحظ. ويتلخص لدينا: أن جميع هذه الايرادات مندفعة، فلا مانع من الالتزام بالتخيير بالتصوير المزبور، وهو الاباحة المشروطة بترك الاخر. ولكن المحقق النائيني أنكر التخيير غاية الانكار، وأسهب في بيان ذلك. وخلاصة ما أفاده (قده)، بعد تصوير التخيير بتقييد جريان الاصل في كل طرف بعدم إعماله في الاخر، لا بتقييده بترك الطرف الاخر كما صورناه، وبعد تقريبه ببيان طويل لا يعدو في لبه ما تقدم منا في تصويره، هو: أن القول بالتخيير قول بلا دليل ولا يساعد عليه العقل ولا النقل. وذلك لان الموارد التي يلتزم فيها بالتخيير مع عدم قيام دليل عليه بالخصوص على نحوين: الاول: أن يلتزم بالتخيير بلحاظ اقتضاء الدليل الدال على الحكم

[ 88 ]

للتخيير. كما إذا ورد عام كقوله: " اكرم العلماء ". ثم ورد ما يدل على عدم اكرام زيد العالم وعمرو العالم، ولكن شك في ان خروجهما بنحو الاطلاق بحيث لا يجب اكرام كل منهما في كل حال أو ان خروجهما بنحو خاص، بان كان عدم وجوب اكرام كل منهما مقيدا باكرام الاخر. فانه يلتزم في مثل ذلك بالتخيير، لان العام يكون حجة في مدلوله إلا بما لمقدار الذي يقوم الخاص عليه. ومع الشك في مدلول الخاص يقتصر فيه على القدر المتيقن، والمتيقن هو خروج كل من الفردين عند اكرام الاخر، إذ خروجه مطلقا مشكوك، ونتيجة ذلك هو التخيير في اكرام احدهما وعدم اكرام الاخر. فالتخيير ههنا ناش من ناحية الدليل لا المدلول كما لا يخفى. الثاني: ان يلتزم بالتخيير بلحاظ اقتضاء نفس المدلول والمنكشف وان كان الدليل يقتضي التعيينية، كموارد تزاحم الواجبين في مقام الامتثال لعدم القدرة على امتثالهما معا، فان التخيير ههنا يلتزم به من جهة ان المجعول يقتضي التخيير وذلك لانه يعتبر في التكاليف الشرعية القدرة على متعلقاتها وبما أنه يمتنع على المكلف الاتيان بالضدين وكان المكلف قادرا على اتيان كل منهما عند ترك الاخر، فالعقل يرى لزوم صرف القدرة في احدهما تخييرا، إما من جهة تقييد اطلاق كل من الدليلين بصورة ترك الاخر، وإما من جهة سقوط التكليفين معا واستكشاف العقل حكما تخييرا لوجود الملاك التام في كل منهما على اختلاف المسلكين في باب التزاحم. وبعد ان ذكر نحوي التخيير ذكر: ان التخيير في باب تعارض الاصول مما لا شاهد عليه لا من ناحية الدليل ولا من ناحية المدلول. أما عدم الشاهد من ناحية الدليل فلان دليل الاصل يتكفل جريانه عينا سواء عارضه أصل آخر أم لا وليس في الادلة ما يوجب التخيير في اجراء أحد المتعارضين.

[ 89 ]

وأما عدم الشاهد من ناحية المدلول فلان المجعول في باب الاصول العملية هو الحكم بتطبيق العمل على مؤدى الاصل وهذا الحكم يتقوم باجتماع قيود ثلاثة الجهل بالواقع وامكان الحكم على المؤدى بانه الواقع وعدم لزوم المخالفة العملية وبانتفاء احد هذه القيود يمتنع جعل الاصل، وبما أنه يلزم من اجراء الاصول في أطراف العلم الاجمالي مخالفة عملية، فلا يمكن جعلها جمعا، وأما جعل احدهما تخيييرا فهو بمكان من الامكان لكن لا دليل عليه لا من ناحية دليل الاصل ولا من ناحية المجعول به. هذا ملخص ما أفاده (قده) (1). والنقطة التي يبني عليها مختاره هو عدم الدليل على التخيير لا عدم امكانه.، فانه يعترف بامكانه كما هو صريح عبارته. وأنت خبير: ان التخيير بالنحو الثاني الذي صورناه لا يحتاج اثباته الى دليل خاص يقوم عليه، بل مجرد دليل الاصل كاف في اثباته لانه مطلق شامل لحالتين. فيرفع اليد عن اطلاقه بمقدار المحذور العقلي لان الضرورات تقدر بقدرها، فيثبت الاصل في كل طرف في صورة ترك الطرف الاخر لعدم المحذور فيه. فالتخيير فيما نحن فيه من موارد التخيير بلحاظ الدليل والكاشف. وأما تصويره التخيير بتقييد كل منهما بعدم اعمال الاصل في الاخر فهو باطل في نفسه، وبيان ذلك في مقام آخر، فالتخيير الذي نلتزم به هو ما صورناه. ونتيجة جميع ما ذكرناه هو: عدم المانع من الالتزام بالتخيير عند التعارض، والدليل في مقام الاثبات يقتضيه، فما حاوله بعض الاعلام من اثبات وجوب الموافقة القطعية من طريق تعارض الاصول في الاطراف وتساقطها مع التزامه بعدم علية العلم الاجمالي لذلك، إنما هو محاولة فاشلة، فتدبر والتفت.


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 25 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 90 ]

الجهة الرابعة: في الانحلال. وتوضيح الكلام فيه هو: انه إذا تعلق العلم الاجمالي بحكم الزامي مردد بين طرفين، ويحصل العلم التفصيلي بثبوت الالزام في احد الطرفين المعين، أو تقوم الامارة على ذلك أو الاصل المثبت.. فتارة: يتعلق العلم التفصيلي بنفس المعلوم بالاجمال أو تقوم الامارة عليه، بان يعلم تفصيلا بان ذلك الحكم المردد هو في هذا الطرف، أو تقوم الامارة على ذلك. وأخرى: لا يتعلق العلم التفصيلي بهذا النحو. بل يعلم تفصيلا بثبوت الحرمة - مثلا - في هذا الطرف المعين، بلا بيان انه هو المعلوم بالاجمال، بل مع احتمال ان تكون هي الحرمة المعلومة بالاجمال. أما النحو الاول، فلا كلام فيه من حيث الانحلال حقيقة أو حكما، وسيجئ الاشارة الى وجه ذلك مؤخرا. انما الكلام والاشكال في النحو الثاني، وهو ما كان المعلوم بالتفصيل أو مؤدى الامارة، أو مفاد الاصل الشرعي أو ما قام عليه الاصل المثبت العقلي محتمل الانطباق على ما هو المعلوم بالاجمال. ولا يخفى ان تحقيق هذه الجهة لم يعطه الاعلام حقه من الاستيفاء، مع انه ذو أهمية كبيرة في بعض المسائل الاصولية المهمة، كمسألة حجية الخبر الواحد، حيث حاول البعض اثبات حجيته بطريق العلم الاجمالي، وناقشه الاخرون بانحلاله - كما مرت الاشارة إليه -. ومسألة الانسداد المبتني رد دليل الانسداد فيها على دعوى الانحلال، ومسألة الاحتياط في الشبهات التحريمية الحكمية التي ادعى الاخباريون فيها لزوم الاحتياط للعلم الاجمالي وكان ردهم من الاصوليين يتمحض في دعوى انحلاله. وكيف كان فالذي يبدو ان الانحلال لدى الاعلام مفروغ منه.

[ 91 ]

وقد ذكرت في تقريبه وجوه لا تخلو من مناقشة. وهي: الوجه الاول: ان العلم الاجمالي ينحل حقيقة وتكوينا بواسطة العلم التفصيلي، لانه إن كان متعلقا بالجامع بين الطرفيين مع الشك في كلتا الخصوصيتين فهو يرتفع بالعلم التفصيلي بثبوت الحكم في الطرف المعين. وان كان متعلقا بالفرد المردد، فلا تردد حينئذ بالخصوصية على نحو التعيين. وأما الامارة، فالعلم الاجمالي ينحل بها حكما وتعبدا، لان دليل الاعتبار يقتضي تنزيل الامارة منزلة العلم، فيترتب عليها جميع آثاره ومنها الانحلال كما عرفت. وأما في صورة قيام الاصل المثبت في أحد الطرفين - شرعيا كام أم عقليا -، فالانحلال يتحقق من جهة جريان الاصل النافي في الطرف الاخر بلا معارض، لان عدم جريانه لاجل المعارضة، فإذا لم تكن معارضة فلا مانع من جريانه. وهذا الوجه يستفاد من بعض كلمات المحقق النائيني - وإن لم يذكر صريحا في كلماته المنسوبة إليه، كالتزامه بانحلال العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي تكوينا، وقياس الامارة عليه بناء، على ما يذهب إليه من جعل الطريقية، وتعليله ذلك بان الامارة طريق تعبدا (1). وعلى اي حال، لا يهمنا ذلك، بل المهم تحقيق هذا الوجه صحة وبطلانا. فنقول: ما ذكره اخيرا في مورد قيام الاصل المثبت يتأتى في جميع الصور. إذ مع قيام العلم التفصيلي أو الامارة، يمكن أيضا اجراء الاصل النافي في الطرف الاخر بلا معارض، وسيأتي الحديث عنه انشاء الله تعالى في الوجه الثالث. وأما ما افيد في وجه الانحلال الحكمي عند قيام الامارة، فهو غريب،


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 41 و 3 / 17 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 92 ]

لان الذي يترتب على الامارة بدليل التنزيل هو الاثار العملية الجعلية الشرعية أو العقلية - كالمنجزية -، دون الاثار التكوينية الناتجة عن الاسباب التكوينية الخارجة عن عالم الجعل والتشريع. ومن الواضح ان انحلال العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي من آثار العلم التكوينية لا الجعلية، فلا يثبت تعبدا بدليل التنزيل. وأما دعوى الانحلال التكويني الحقيقي بالعلم التفصيلي، فهي انما تصح بناء على تعلق العلم الاجمالي بالجامع أو الفرد المردد. أما بناء على ما اخترناه من تعلقه بالفرد الواقعي المعين في نفسه المردد لدى العالم بين الطرفين، فلا تصح الدعوى المزبورة، لان العلم التفصيلي بنجاسة أحد الاناءين المعين لا يزيل العلم بنجاسة ما وقعت فيه قطرة البول المردد بين الاناءين. ومن هنا يظهر بطلان دعوى الانحلال الحكمي في الامارة قياسا على الانحلال الحقيقي في العلم - مع قطع النظر عن الاشكال السابق فيه - لعدم ترتب الانحلال على العلم. ثم إن المحقق العراقي (قدس سره) أورد على ما ذهب إليه هذا القائل من تحقق الانحلال التكويني بالعلم التفصيلي بالتقريب المتقدم. وبدعوى الوجدان بعدم العلم بازيد من حرمة أحد الاناءين معينا، أورد عليه: بان مجرد تعلق الاجمالي بالجامع لا يقتضي انحلاله بقيام العلم التفصيلي على التكليف في بعض الاطراف، لانه كما يحتمل انطباقه على الطرف المعلوم تفصيلا يحتمل بالوجدان انطباقه على الطرف الاخر، ووجود هذا الاحتمال كاشف قطعي عن بقاء العلم الاجمالي، لانه من لوازمه، إذ لا يمكن بقاء هذا الاحتمال بلا بقاء ملزومه وهو العلم الاجمالي (1).


(1) تعليقة فوائد الاصول 4 / 41 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 93 ]

أقول: ايراده (قدس سره) يبتني على مختاره في متعلق العلم الاجمالي، وانه الصورة الاجمالية القابلة للانطباق على كل من الطرفين على سبيل البدل. وبذلك يكون ايرادا مبنائيا، وهو خلاف الاسلوب الصناعي، بل كان ينبغي عليه ان يردد في مقام الايراد بين المباني. والامر سهل بعد ما عرفت حقيقة الحال. الوجه الثاني: ما هو ظاهر المحقق النائيني (رحمه الله) في كلا تقريري بحثه - وعلى الاخص اجود التقريرات (1) - (وهو يغاير ما هو المعهود منه سابقا في اذهاننا وهو الوجه السابق). ومحصل ما أفاده (قدس سره) - كما في تقرير الكاظمي (رحمه الله) -: ان العلم الاجمالي ينحل بقيام ما يوجب ثبوت التكليف في بعض الاطراف المعين، سواء كان علما ام امارة ام اصلا شرعيا كان أو عقليا، ولا فرق بين ان يقوم ذلك قبل العلم الاجمالي وبعده. غاية الامر انه في الاول يوجب عدم تأثير العلم الاجمالي من رأس. وفي الثاني يوجب انحلاله وعدم تأثيره بقاء. والسر في ذلك: انه بعد احتمال انطباق ما هو المعلوم بالاجمال على ما قام الدليل المثبت للتكليف فيه، لا يكون العلم الاجمالي علما بتكليف فعلي على كل تقدير، والعلم الاجمالي انما يوجب التنجيز إذا كان علما بالتكليف على كل تقدير. وهذا الوجه يتأتى فيما إذا كان العلم التفصيلي بالتكليف في طرف معين بعد العلم الاجمالي، لكن كان المعلوم سابقا، لان العلم الاجمالي وان كان منجزا حدوثا، لكنه بقاء ينحل، وذلك لتبدله وانقلابه عما كان عليه أولا، إذ بعد العلم التفصيلي بالتكليف في طرف معين من السابق، واحتمال انه هو المعلوم بالاجمال السابق، لا يكون العلم الاجمالي علما بتكليف فعلي على كل تقدير من الاول.


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. اجود التقريرات 2 / 245 - الطبعة الاولى. (*)

[ 94 ]

وبالجملة: فتأخر العلم التفصيلي لا يجدي بعد كون المعلوم سابقا، لان العلم طريقي لا موضوعي. هذا محصل ما أفاده (قدس سره) في المقام (1). ولكنه مما لا يمكن الالتزام به. بيان ذلك: ان مراده من الحكم الفعلي.. إن كان هو الحكم المنجز، فهو - مضافا الى انه خلاف ما يلتزم به من التفكيك بين المقامين، وان الفعلية تثبت مع الجهل مع كون قوام التنجز بالوصول - خلف، إذ الفرض ان التنجيز من قبل العلم لا سابق عليه، فلا معنى لان يؤخذ في منجزية العلم تعلقه بتكليف منجز. وإن كان هو الحكم الفعلي بالمعنى الذي يختاره في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، والذي لا ينافيه وجود الحكم الظاهري. ففيه: ان هذا الحكم لا يرتفع بالجهل، ولا بقيام الامارة على خلافه، فكيف يقال: ان العلم الاجمالي ليس علما بتكليف فعلي على كل تقدير ؟. وإن كان هو الحكم الفعلي الحادث، كان صحيحا لان العلم الاجمالي لا يكون متعلقا بتكليف فعلي حادث على كل تقدير. لكن فيه: انه لا يشترط في منجزية العلم تعلقه بتكليف حادث، بل يكفي في تنجزه تعلقه بتكليف فعلي ولو كان في مرحلة بقائه. ولذا لو تعلق علم إجمالي بحدوث حكم أو بقاء آخر، كان منجزا بلا إشكال. وقد يوجه ما أفاده (قدس سره): بان مراده ما يذهب إليه المحقق الاصفهاني (رحمه الله) في الحكم الفعلي من انه البعث الواصل الى مرحلة الداعوية، وامكان الداعوية لا يكون إلا بالوصول، فالعلم يكون دخيلا في تحقق


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي فوائد الاصول 4 / 36 - 37 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 95 ]

داعويته، فمراده هو العلم بالتكليف الفعلي بنحو يكون دخيلا في فعليته وداعويته على كل تقدير. وهذا منتف عند تعلق العلم التفصيلي بالتكليف في احد الاطراف المعين، لان التكليف يصل بالعلم التفصيلي لا بالعلم الاجمالي (1). وهذا التوجيه لو سلم - ولم نخدش فيه: بان ذلك لا يمنع من منجزية العلم الاجمالي، إذ لا يشترط في منجزيته ان يكون دخيلا في تحقق فعلية الحكم الذي تعلق به، بل غاية ما يعتبر فيه ان يكون متعلقا بحكم فعلي وقد تحقق ههنا - فهو انما يتم فيما كان قيام ما يوجب ثبوت التكليف في احد الاطراف سابقا على العلم الاجمالي. أما إذا كان متأخرا عنه، فلا يتم هذا التوجيه، لان العلم الاجمالي حين حدوثه كان منجزا وموجبا لوصول التكليف في أي طرف كان، والعلم التفصيلي المتأخر وان كشف عن ثبوت الحكم بآثاره من السابق، إلا انه لا يصحح فعلية الحكم إلا حين حدوثه لا من السابق كما لا يخفى. فالعلم الاجمالي يكون منجزا بلا وجه لانحلاله. ثم ان الذي يظهر من بعض عباراته (قدس سره) هو تحقق الانحلال التكويني، وانقلاب القضية المنفصلة المانعة الخلو الى قضيتين حمليتين إحداهما معلومة بالتفصيل والاخرى مشكوكة. وههنا لا يلتزم بذلك لالتزامه بقاء العلم الاجمالي، لكنه ليس علما بتكليف فعلي على كل تقدير. وهذا نوع من التهافت. فالتفت ولاحظ. الوجه الثالث: ما يستفاد من بعض كلمات المحقق النائيني - ايضا - من: ان وجوب الموافقة القطعية وعدم جريان الاصل في بعض الاطراف، بما انه


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 30 - الطبعة الاولى. (*)

[ 96 ]

مستند الى تعارض الاصول في أطراف العلم، فعند قيام المثبت للتكليف في طرف معين، كان الاصل النافي في الطرف الاخر بلا معارض، فلا مانع من جريانه (1). وهذا الوجه مردود، وذلك: لان عمدة الغرض من الانحلال واثباته، هو اثبات الانحلال بالعلم المتأخر أو الامارة المتأخرة لرد الاخباريين الذين يدعون العلم الاجمالي، بانحلاله بالامارات القائمة على التكاليف بعد الفحص. ونحو ذلك من الاثار المترقبة للانحلال. وهذا البيان الراجع الى تحقق الانحلال فيما إذا لم يمكن اجراء الاصل النافي في احد الاطراف المعين في مرحلة البقاء لمانع، لجريانه في الطرف الاخر بلا معارض، لا يمكن الالتزام به، وإلا لجرى في كل مورد يسقط الاصل النافي في بعض الاطراف بقاء، كموارد الاضطرار الى معين بعد العلم، والخروج عن محل الابتلاء وفقدان أحد الاطراف وتطهيرها ونحو ذلك، وهو مما لا يلتزم به القائل وغيره كما سيجئ أن شاء الله، والبيان الذي يذكر في اثبات بقاء العلم الاجمالي على صفة المنجزية يتأتى ههنا. فالتفت. الوجه الرابع: ما يستفاد من كلمات المحقق الاصفهاني (قدس سره) في الموارد المختلفة، وهو: انه مع قيام العلم التفصيلي على ثبوت تكليف في طرف معين، لا يكون العلم الاجمالي علما بتكليف فعلي جديد آخر، لاحتمال انطباق المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل. وهكذا الحال عند قيام الامارة بناء على جعل الحكم المماثل. أما بناء على جعل المنجزية فللانحلال بيان آخر، وهو انه بعد تنجز أحد الاطراف بقيام الامارة لا يصلح العلم الاجمالي لتنجيز ذلك الطرف، لان المنجز لا يتنجز، فلا يكون منجزا للتكليف على كل تقدير.


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 38 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 97 ]

هذا في الامارة السابقة أو المقارنة للعلم. أما في الامارة المتأخرة عن العلم، فالامر فيها كذلك، لان وجودها الواقعي في معرض الوصول يوجب تنجز الواقع بها، ولو لم تكن بعد واصلة، ولذا يجب الفحص عن الشبهة، فالظفر بالامارة ظفر بالمنجز لا أنه قوام تنجيز الامارة، فقيام الامارة يكشف عن وجود المنجز لاحد الاطراف من السابق، فلا يصلح العلم الاجمالي للتنجيز. فالعمدة في هذا الوجه هو ما أفاده من أن المتنجز لا يتنجز (1). وتمكن الخدشة في هذا الوجه كسوابقه: بأن دعوى ان المتنجز لا يتنجز صحيحة، بمعنى ان المتنجز فعلا بوصف كونه منجزا لا معنى لتنجزه، لانه تحصيل الحاصل. وأما اشتراك المنجز اللاحق مع المنجز السابق في التنجيز بقاء بحيث يكون التنجيز في مرحلة البقاء لهما، فلا مانع منه، لانه ليس من تنجز المنجز بوصف كونه منجزا. وحينئذ نقول: انه بعد فرض عدم انحلال العلم الاجمالي تكوينا، وبقائه على ما كان بعد قيام العلم التفصيلي أو الامارة، فلا قصور فيه عن المنجزية. وعليه، يكون دخيلا في تنجيز الطرف الذي قامت عليه الامارة، فيكون التنجيز للمجموع، فهما ينجزان ذلك الطرف في عرض واحد، ولا مانع منه. ولذا لم يتخيل أحد عدم منجزية العلمين الاجماليين إذا اشتركا في طرف معا كما لو علم إجمالا بنجاسة الاناء الابيض أو الاصفر، وعلم إجمالا بنجاسة الاناء الاصفر أو الاحمر. مع أن البيان الذي أفاده من عدم تنجيز المنجز يتأتى ههنا.


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 200 و 201 - الطبعة الاولى. (*)

[ 98 ]

وليس ذلك إلا لكون التنجيز لكلا العلمين، وبمثله يلتزم فيما نحن فيه، فيكون التنجيز للامارة والعلم الاجمالي. وبالجملة: بعد وضوح التنجيز في المثال المزبور لا مجال لما أفاده من ان المتنجز لا يتنجز. ولا يخفى إنه لا أثر لاسبقية العلم التفصيلي، لان تأثيره في التنجيز بقاء بلحاظ حالة بقائه لا حدوثه، لان تنجيز العلم يدور مدار وجوده - ولذلك يشير الشيخ في أول مبحث القطع بقوله: " ما دام موجودا ". فراجع (1) -. وعليه، فهو في مرحلة البقاء في عرض العلم الاجمالي الحادث، وليس العلم الاجمالي في طوله، لان وجوده سابقا لا أثر له في التنجيز بقاء. فلاحظ. وأما ما أفاده (قدس سره) في صورة تأخر الامارة. ففيه: أولا: أنه لا يتأتى بالنسبة الى العلم التفصيلي المتأخر، لعدم تصور تنجيزه من السابق، لانه سبب التنجز، والمفروض حدوثه متأخرا، فالتنجيز من حين حدوثه لا من السابق، فيكون العلم الاجمالي اسبق منه في التأثير، فيمنعه من التنجيز - بناء على ما أفاده من ان المنجز لا يتنجز -. وثانيا: انه لا يتم في الشبهات الموضوعية لعدم لزوم الفحص فيها، والامارة لا تكون حجة فيها بوجودها الواقعي في معرض الوصول، مع ان حديث الانحلال عام لا يختص بالشبهات الحكمية، كما يظهر من ملاحظة البحث في مسألة ملاقي أحد اطراف العلم الاجمالي ونحوها. وثالثا: انه يبتني على المذهب القائل بان الامارة حجة بوجودها الواقعي إذا كان في معرض الوصول، ولا يتم بناء على مذهب صاحب الكفاية القائل بان حجية الامارة تتقوم بالوصول (2).


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 2 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 279 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 99 ]

ورابعا: ان الظفر بالامارة ليس ظفرا بالمنجز، بل المنجز ملتفت إليه من السابق وهو الاحتمال، لان الاحتمال قبل الفحص يكون منجزا. مع ان مقتضى ذلك كون المنجز في كلا الطرفين لا في أحدهما، لان الشبهة في كلا الطرفين قبل الفحص تكون سببا للتنجيز. فبملاحظة هذه الخصوصية - أعني خصوصية الشبهة قبل الفحص - لا يكون المورد من موارد انحلال العلم الاجمالي، بل العلم الاجمالي لا اثر له من أول الامر، لقيام المنجز على كل طرف من اطرافه بخصوصه. فتدبر. الوجه الخامس: ما ذهب إليه المحقق العراقي (قدس سره) من الانحلال الحكمي بتقريب: ان تنجيز العلم الاجمالي يعتبر فيه ان يكون العلم الاجمالي صالحا للتنجيز بنحو الاستقلال في كل طرف من اطرافه، ومع قيام المنجز من علم أو امارة أو أصل على بعض أطرافه يخرج العلم الاجمالي عن تمام المؤثرية واستقلاله فيها في ذلك الطرف، فيسقط عن التنجيز (1). وهذا الوجه كسوابقه مردود، فان اعتبار قابليته للتنجيز بنحو الاستقلال في منجزيته مصادرة مما لا دليل عليه، بل الشاهد على خلافه كما تقدم من مثال اشتراك العلمين الاجماليين في طرف واحد، فقد عرفت انه لا اشكال في تنجيز كلا العلمين، مع ان كلا منهما لا يستقل في التأثير في الطرف المشترك بينهما. وبالجملة: المثال المزبور كما يدفع دعوى المحقق الاصفهاني ان المنجز لا يتنجز، كذلك يدفع دعوى المحقق العراقي. والمتحصل: انه لم ينهض وجه في هذه الوجوه لاثبات الانحلال المتسالم عليه، والمأخوذ بنحو ارسال المسلمات أصولا وفقها، بحيث يستلزم انكاره تأسيس فقه جديد.


(1) العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين، مقالات الاصول: 2 / 66 - 67 - الطبعة الاولى. (*)

[ 100 ]

والوجه الصحيح الذي نختاره في تقريب الانحلال هو: انك قد عرفت في البحث عن وجوب الموافقة القطعية أنه لا مانع من الترخيص الشرعي في بعض الاطراف بنحو يستلزم التأمين من ناحية العلم الاجمالي بأن كان ناظرا إليه، والى ذلك أرجعنا جعل البدل. وعرفت ان عدم جريان الاصول في بعض الاطراف من جهة قصور مقام الاثبات لعدم تكفلها التأمين من ناحية العلم الاجمالي. وعليه، فنقول: إنه إذا تعلق العلم التفصيلي بتكليف فعلي في أحد الاطراف المعين، واحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليه لا ينحل العلم الاجمالي حقيقة لثبوته وجدانا، إلا أنه يحصل للمكلف شك في ثبوت تكليف فعلي زائد على التكليف المعلوم بالتفصيل، ومثل هذا الشك يكون مجرى للبراءة شرعا فينفي التكليف الزائد بها. ومن الواضح انه بجريانها لا يبقى مجال لمنجزية العلم في الطرف الاخر، لان اساس منجزيته على تعلقه بتكليف فعلي مردد بين الطرفين، والمفروض ان اصل البراءة ينفي التكليف الزائد على ما في أحد الطرفين، فيكون ناظرا الى العلم الاجمالي قهرا وموجبا للتأمين من ناحيته. وهذا البيان بنفسه يجري فيما إذا قامت الامارة على التكليف في أحد الاطراف معينا، أو قام الاصل الشرعي عليه. فيقال: ان التكليف زائدا على المقدار المنجز في هذا الطرف مشكوك، والاصل ينفيه. نعم، يشكل الامر في ما إذا كان القائم في احد الاطراف اصلا عقليا، كاصالة الاشتغال، وسيأتي البحث فيها ان شاء الله تعالى. ومما ذكرنا ظهر انحلال العلم الاجمالي الكبير بالعلم الاجمالي الصغير مع احتمال الانطباق، لجريان البيان المذكور فيه كما لا يخفى. ثم إنه لا فرق فيما ذكرناه بين كون قياما ما يوجب ثبوت التكليف في أحد

[ 101 ]

الاطراف قبل العلم الاجمالي أو بعده كما هو واضح. فتدبر جيدا. هذا تمام الكلام في شئون العلم الاجمالي من حقيقته وأثره. ويقع الكلام بعد ذلك في تنبيهات ترتبط به.

[ 103 ]

" تنبيهات المسألة " التنبيه الاول: فيما إذا اضطر الى بعض أطراف العلم الاجمالي. وهو على نحوين: الاول: ما إذا كان الاضطرار الى طرف معين. والثاني: ما إذا كان الاضطرار الى غير معين. أما إذا كان الاضطرار الى طرف معين، فله صور: الصورة الاولى: ما إذا كان الاضطرار حادثا قبل التكليف والعلم به، كما لو اضطر الى شرب هذا الاناء الطاهر، ثم وقعت نجاسة مرددة بينه وبين إناء آخر، ثم علم إجمالا بها. ولا اشكال في عدم منجزية مثل هذا العلم، لعدم تعلقه بتكليف فعلي على كل تقدير، بل لا علم بحدوث تكليف لاحتمال وقوعها في الاناء المضطر إليه فلا يحرم. الصورة الثانية: ما إذا حدث الاضطرار بعد التكليف وقبل العلم به، بان وقعت نجاسة في أحد الاناءين، ولم يكن يعلم بها، ثم اضطر الى شرب الاناء المعين، ثم علم بعد الاضطرار بالنجاسة المرددة بين الاناءين.

[ 104 ]

وقد اختار المحقق النائيني (قدس سره) في بعض دورات ابحاثه الاولى منجزية العلم الاجمالي. بتقريب: انه علم بحدوث تكليف فعلي، ويشك في سقوطه بالاضطرار، ومقتضى قاعدة الاشتغال لزوم الخروج عنه (1). ولكنه عدل عنه في دورات بحثه الاخيرة، فذهب الى عدم تنجيز مثل هذا العلم (2). وجاء في تقريرات الكاظمي - بيانا لوجه العدول - ان العلم تمام الموضوع في التنجيز، فقبل تحقق العلم لا يكون التكليف منجزا، وبعد حصوله لا يكون العلم علما بتكليف فعلي على كل تقدير، لاحتمال كون المضطر إليه هو النجس الواقعي (3). والحق هو ما ذهب إليه أخيرا من عدم التنجيز، ولاجل تقريبه نقول: ان العلم المتأخر المتعلق بالتكليف السابق لا يصلح لتنجيز التكليف السابق بما هو كذلك. وذلك لان معنى التنجيز إما وجوب الاطاعة والامتثال عقلا، أو استحقاق المؤاخذة على المخالفة. وكل منهما لا يتصور بالنسبة الى ما سبق، إذ لا مجال لاطاعته أو مخالفته فعلا. فما يجري على بعض الالسنة من أن العلم المتأخر ينجز التكليف في الزمان السابق ليس له وجه معقول. نعم، إذا كان التكليف السابق موضوعا للتكليف في الزمان اللاحق كوجوب القضاء أو نحوه، كان العلم به مؤثرا في تنجيز التكليف اللاحق من باب تعلق العلم به أيضا بعد تعلق العلم بموضوعه. وبالجملة: العلم إنما يكون منجزا للتكليف المقارن، ولا يصلح لتنجيز ما


(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم اجود التقريرات 2 / 265 - الطبعة الاولى. (2) الكاظمي الشيخ محمد علي فوائد الاصول 4 / 95 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (3) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 95 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 105 ]

سبق. وعليه، ففيما نحن فيه، بما انه عند حدوث العلم لا يعلم بثبوت التكليف لاحتمال تعلق الاضطرار بمتعلقه فلا يكون منجزا. الصورة الثالثة: ما إذا حدث الاضطرار بعد العلم الاجمالي بالتكليف، وهذه الصورة هي محل الكلام والنقض والابرام. وقد ذهب صاحب الكفاية الى عدم منجزية العلم الاجمالي بقاء (1). وذهب الشيخ (2) وتبعه المحقق النائيني (3) وغيره (4) الى بقاء منجزيته بالنسبة الى الطرف الاخر غير المضطر إليه. والذي أفاده في الكفاية وجها لعدم المنجزية: هو ان التكليف محدود شرعا بحصول الاضطرار الى متعلقه. وعليه، فهو فيما بعد الاضطرار لا يعلم بثبوت التكليف، فينفيه بالاصل. وبعبارة أخرى: ان العلم الاجمالي ينحل بالعلم بالجامع الى حد الاضطرار، وما بعده مشكوك، والمرجع فيه الاصل. ولاجل ذلك يختلف الاضطرار عن صورة فقد أحد الاطراف، لان الفقدان ليس من حدود التكليف شرعا، فلا علم بالتكليف الجامع المحدود بالفقدان، بل التكليف في كلا الطرفين مطلق (5). وهذا البيان لا نستطيع أن نؤمن به ونلتزمه لوجهين: الاول: ان التكاليف الشرعية جميعها محددة بالاضطرار. وعليه فلا


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 360 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 254 - الطبعة الاولى. (3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم اجود التقريرات 2 / 267 - الطبعة الاولى. (4) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 247 - الطبعة الاولى. (5) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 360 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 106 ]

خصوصية لاحد الطرفين، بل كل من الطرفين يكون التكليف فيه على تقديره محدد بالاضطرار، سواء تحقق الاضطرار خارجا أم لا. الثاني: ان المحدد بالاضطرار والمرتفع به ليس هو الحكم الكلي الثابت بنحو القضية الحقيقة، بل هو الحكم الفعلي الثابت لموضوعه الموجود المردد بين الطرفين. ومن الواضح ان التكليف الفعلي يدور بين ان يكون التكليف المحدود، وبين ان يكون التكليف المستمر - لتردده بين الطرفين -، ولا جامع في البين يكون هو المتيقن، وما زاد عليه يكون مشكوكا، لتردد الامر بين فردين متباينين. وبعبارة أخرى: ليس التردد بين الاقل والاكثر في تكليف واحد، كي يقال: ان الاقل معلوم والزائد عليه مشكوك. بل التردد بين تكليفين أحدهما قصير الامد والاخر طويل الامد، وهذا لا يستلزم الانحلال لعدم العلم بالجامع. فالتفت. وقد يقال: إنه إذا علم إما بوجوب الجلوس ساعة في المسجد أو ساعتين في الصحن، فهو يعلم بوجوب الجلوس ساعة إما في المسجد أو في الصحن، وما يزيد على الساعة مشكوك، ومثل هذا العلم الاجمالي الصغير يوجب انحلال العلم الاجمالي الاول. أو فقل: انه علم بخصوصية زائدة، فيوجب انحلال العلم الاجمالي المتعلق بالجامع الصرف. وإذا ثبت هذا المطلب ثبت الانحلال في مورد الاضطرار وغيره من موارد ارتفاع التكليف في الاثناء كالفقدان، والخروج عن محل الابتلاء، لجريان هذا البيان فيها جميعها، فهذا البيان مما يقرب مذهب الكفاية لكنه لا يختص بصورة الاضطرار. ولكن هذا القول واضح الدفع، لانه كما يعلم اجمالا بوجوب الجلوس في

[ 107 ]

الساعة الاولى إما في المسجد أو في الصحن، ويشك في وجوبه في الساعة الثانية، للشك في وجوب الجلوس في الصحن، كذلك يعلم إجمالا اما بوجوب الجلوس في الساعة الاولى في المسجد أو بوجوبه في الساعة الثانية في الصحن لان الواجب ان كان الجلوس في الصحن ساعتين كان الجلوس في الساعة الثانية في الصحن واجبا. فالجلوس في الساعة الثانية طرف العلم الاجمالي أيضا. فيكون منجزا. فالتفت ولاحظ. وتحقيق الحال في المقام - بعد أن عرفت وجود العلم الاجمالي بثبوت التكليف الدائر أمره بين المحدود في طرف والمستمر في طرف آخر -: انه. إن قيل: بأن العلم الاجمالي علة تامة للتنجيز من حيث الموافقة القطعية، وعدم جواز الترخيص في بعض اطرافه - كما هو كذلك بالنسبة الى المخالفة القطعية -. فلا إشكال في بقاء العلم الاجمالي على المنجزية بعد عروض الاضطرار. فلابد من ترتيب أثرها بالنسبة الى الطرف الاخر. وذلك لان العلم إذا حدث على صفة المنجزية للتكليف، لا يزول عن هذه الصفة حتى يعلم بالموافقة والامتثال، ولا يعتبر في بقاء منجزيته استمرار تعلقه بالتكليف بقاء، بل تثبت المنجزية مع عدم العلم بالتكليف بقاء حتى بالنسبة الى العلم التفصيلي، كما لو علم تفصيلا بوجوب عمل، ثم جاء بعمل يشك في تحقق الامتثال به، فانه لا يعلم ببقاء التكليف بعد ان جاء بالعمل المشكوك تحقق الامتثال به، ومع هذا يحكم بمنجزية علمه السابق ولزوم الخروج عن عهدة التكليف المعلوم سابقا، وتطبق قاعدة الاشتغال في المورد. نعم، يعتبر بقاء العلم بالتكليف حدوثا، فلو تبدل الى الشك الساري لم تثبت منجزيته. وبالجملة: إذا حدث العلم بصفة التنجيز لابد من العلم بامتثاله، والشك

[ 108 ]

في بقاء التكليف من جهة الشك في الامتثال لا يخرجه عن صفة التنجيز. وما نحن فيه كذلك: لان العلم الاجمالي قد تعلق بتكليف مردد بين المحدود في هذا الطرف والمستمر في ذلك الطرف، وهو حين حصل كان منجزا للتكليف، ومما يلزم العلم بالخروج عن عهدته، فمع عروض الاضطرار وإن حصل الشك في بقاء التكليف، لكنه لا يجدي في رفع أثر العلم بعد ان كان عدم الاجتناب عن الطرف الاخر موجبا للشك في تحقق امتثال التكليف المعلوم بالاجمال المنجز به الذي يلزم الخروج عن عهدته. وإن قيل: بان تأثير العلم الاجمالي في الموافقة القطعية بنحو الاقتضاء وان تنجز الموافقة القطعية من جهة تعارض الاصول في أطراف العلم، وإلا فلا مانع من الترخيص في بعض أطرافه. فالامر فيما نحن فيه مشكل. وتحقيق ذلك: ان أصالة الطهارة الثابتة للاشياء بما هي مشكوكة الطهارة.. تارة: نلتزم بانها تتكفل الحكم بالطهارة الظاهرية حدوثا وبقاء وبنحو الاستمرار، بمعنى: ان يكون هناك حكم واحد ودلالة واحدة وتطبيق واحد بالنسبة الى مشكوك الطهارة بلحاظ جميع أزمنة الشك، نظير الحكم بالملكية عند تحقق موضوعها، فان المحكوم به هو ملكية واحدة مستمرة ولا تعدد فيها. وأخرى: نلتزم بانها تتكفل الحكم بالطهارة بعدد الانات التي يتصور فيها الحكم بالطهارة وترتب الاثر عليها، بحيث تكون الطهارة في كل آن فردا غير الطهارة في الان السابق لا إنها استمرار لما سبق. فهناك احكام متعددة وتطبيقات متعددة ودلالات متعددة. وباختلاف النظر في كيفية تطبيق أصالة الطهارة ونحو دلالتها يختلف الحال فيما نحن فيه. فان التزم بالاحتمال الاول، أمكن دعوى بقاء منجزية العلم الاجمالي بعد

[ 109 ]

عروض الاضطرار - على مسلك الاقتضاء - وذلك لانه في الان الاول لحصول العلم الاجمالي بنجاسة أحد الاناءين المرددة بين المحدودة والمستمرة - والا فالنجاسة لا ترتفع بالاضطرار بلحاظ وجوب الاجتناب - وقبل عروض الاضطرار، يتحقق التعارض بين الاصلين الجاريين في الطرفين، فيتساقطان، وبعد عروض الاضطرار لا يمكن اجراؤه في الطرف الاخر، لان المفروض أنه أصل واحد يجري حدوثا ويثبت الطهارة بقاء، وقد سقط بالمعارضة. وإن التزم بالثاني، كان مقتضاه عدم منجزية العلم الاجمالي بعد عروض الاضطرار، لان الاصل الجاري في الطرف الاخر بعد الاضطرار لا معارض له، نعم تتحقق المعارضة قبل عروض الاضطرار لقابلية الطرفين لجريان الاصل فيهما، إلا ان المفروض تعدد الاصول والتطبيقات في كل طرف بتعدد الانات، فتطبيق أصالة الطهارة بعد الاضطرار غير تطبيقها قبله، والتطبيق الساقط بالمعارضة هو ما يكون قبل الاضطرار أما بعده فلا معارض لجريان الاصل في الطرف الاخر، لعدم جريانها، في ما اضطر إليه. هذا بحسب مقام الثبوت. وأما بحسب مقام الاثبات: فالذي نختاره هو الاحتمال الثاني ضرورة ان موضوع الحكم بالطهارة هو الشك ويراد به الشك الفعلي -، بمعنى الحاصل فعلا - والحكم بالطهارة يكون بلحاظ آن الشك وظرفه، والحكم يتعدد بتعدد موضوعه. وعليه فيتعدد الحكم بتعدد الشك، فكل شك في آن يكون موضوعا للحكم بالطهارة. وبالجملة: ظاهر الدليل فعلية الحكم بفعلية موضوعه، فلا يثبت الحكم بالطهارة إلا مع فعلية الشك، فالحكم بالطهارة في ظرف بلحاظ الشك في ذلك الظرف. ولا مجال لدعوى إمكان الحكم فعلا بالطهارة للذات في الان المستقبل

[ 110 ]

بلحاظ الشك الفعلي بالطهارة في الان المستقبل، لانه إذا زال الشك في الاذن المستقبل يزول الحكم بالطهارة، وهو يكشف عن دخالته فيه. كما لا مجال لدعوى ان موضوع الحكم الفعلي بالطهارة للذات في الان المستقبل هو الشك الفعلي المستمر، فإذا زال الشك يكشف عن عدم تحقق موضوعه، لانه إذا فرض حصول الشك في آن ولم يكن الشك في الان الذي قبله ثبت الحكم بالطهارة، مما يكشف عن ان الشك الفعلي تمام الموضوع للحكم بالطهارة، وكما لا يجوز الحكم بالطهارة فعلا بالنسبة الى الامر الاستقبالي، لذلك لا يجوز الحكم بها بالنسبة الى الامر السابق كما سيأتي التعرض إليه في تنبيه الملاقاة للنجس فانتظر. وتدبر فانه دقيق. ثم إن ما ذكرناه في أصالة الطهارة يجري في أصالة الحل. وإن كان الامر في أصالة الطهارة أظهر، لان جعل الطهارة فعلا للامر في الان المستقبل فيه محذور ثبوتي يضاف الى عدم مساعدة دليل الاثبات عليه. وهو ان نسبة الطهارة الى متعلقها نسبة العنوان الى المعنون فيستحيل جعلها للمعدوم. بخلاف جعل الحلية فانه يتصور تعلقها بالمعدوم من قبيل الوجوب المعلق المتعلق بأمر استقبالي، إلا ان مقام الاثبات لا يساعد عليه كما بيناه. وعلى هذا فمقتضى ما ذكرناه: هو انه بناء على الالتزام بالاقتضاء لا يكون العلم الاجمالي منجزا بقاء بعد عروض الاضطرار لجريان الاصل في الطرف الاخر بلا معارض. وظهر مما ذكرناه ان ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) في مقام بيان ما اختاره من بقاء العلم الاجمالي على صفة التنجيز بعد عروض الاضطرار، من عدم جريان الاصل في الطرف الاخر بعد سقوطه بالمعارضة، لان الساقط لا يعود (1).


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 96 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 111 ]

غير متين، لان الاصل الذي يجري في الطرف الاخر هو الاصل بلحاظ حال ما بعد الاضطرار، وهو لا معارض له، وقد عرفت انه أصل بنفسه غير الاصل الجاري في مرحلة الحدوث الساقط بالمعارضة، فليس إجراء الاصل من عود الساقط كي يقال: إن الساقط لا يعود. ثم إنه جاء في الدراسات بعد الالتزام بعدم جريان الاصل، لان الساقط لا يعود. الايراد على نفسه بانه: لا مانع من اجراء الاصل بعد إطلاق الدليل لجميع الحالات، غاية الامر ترفع اليد عنه بمقدار المعارضة، لان الضرورات تقدر بقدرها، فإذا ارتفعت المعارضة لسقوط التكليف في احد الاطراف لم يكن مانع من التمسك باطلاق الدليل في الطرف الاخر. وأجاب عنه: ان المحذور العقلي في اجراء الاصلين في كلا الطرفين، وهو لزوم الترخيص في المعصية، كما يقتضي عدم شمول دليل الاصل لكلا الطرفين في زمان واحد، يقتضي عدم شموله لها في زمانين. وما نحن فيه كذلك، للعلم الاجمالي بحرمة احد الاناءين المرددة بين المحدودة والمستمرة، فهو يعلم إجمالا إما بحرمة هذا الاناء قبل الاضطرار إليه أو بحرمة ذاك الاناء بعد الاضطرار الى الطرف الاخر. فلا يمكن اجراء أصالة الحل في كلا الطرفين لاستلزامه الترخيص في المعصية. لان الحكم بحلية هذا الاناء فعلا لا يجتمع مع الحكم بحلية ذاك الاناء فيما بعد، بعد العلم الاجمالي بدوران التكليف بينهما (1). أقول: الوجه في تعارض الاصول المستلزم لتنجيز العلم الاجمالي من حيث الموافقة القطعية، ليس هو مجرد استلزام جريانها الترخيص في المعصية، بل بضميمة شئ آخر، وهو استلزام اجراء الاصل في أحدهما المعين الترجيح بلا


(1) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 236 - الطبعة الاولى. (*)

[ 112 ]

مرجح، فيقال: انه إذا جرى الاصل في كلا الطرفين، كان ذلك ترخيصا في المعصية. وجريانه في هذا الطرف خاصة ترجيح بلا مرجح، وكذا جريانه في ذاك الطرف خاصة. فيتحقق التعارض والتساقط. وعليه، نقول: انه في آن ما قبل الاضطرار قد يدعى ان اجراء الاصل في هذا الطرف لا يجتمع مع اجرائه في الاطرف الاخر، ولو بلحاظ ما بعد الاضطرار، لاستلزامه الترخيص في المعصية وتعين احدهما بلا معين. أما بعد عروض الاضطرار فلا مانع من اجراء الاصل في الطرف الاخر. لعدم قابلية الطرف الاول لاجراء الاصل فيه بعد تصرم وقته، فلا يلزم الترخيص في المعصية ولا الترجيح بلا مرجح. وبمثل هذا البيان تصدى القائل الى رد المحقق النائيني، حيث ذهب الى معارضة الاصل في احد الاطراف مع جميع الاصول الطولية في الطرف الاخر، فتسقط جميعها، باعتبار أن المحذور هو جعل ما ينافي المعلوم بالاجمال، بلا خصوصية للمتقدم رتبة من الاصول، فلا يصح التعبد بالاصول مطلقا. فقد رده القائل بان المحذور في اجراء الاصول هو استلزام اجراء كلا الاصلين الترخيص في المعصية، واجراء احدهما في الطرف المعين يستلزم الترجيح بلا مرجح. وهذا لا يتأتى بالنسبة الى مورد تعدد الاصول الطولية في طرف ووحدة الاصل في الطرف الاخر، لان الاصل الطولي لا مجال له مع وجود الاصل المتقدم عليه رتبة، فلا تتحقق المعارضة بينه وبين غيره، فيتحقق التعارض بدوا بين الاصل السابق في الرتبة في هذا الطرف والاصل المنفرد في ذلك الطرف، فيتساقطان فيبقى الاصل الطولي بلا معارض، فيعمل به ولا يكون من الترجيح بلا مرجح. فهو في ذلك المبحث نبه على هذه الجهة - اعني: تقوم المعارضة بضميمة

[ 113 ]

محذور الترجيح بلا مرجح الى محذور الترخيص في المعصية -، ولكنه فيما نحن فيه أغفلها تماما (1). نعم لو التزم بالاحتمال الاول في مدلول دليل أصالة الطهارة تم ما ذكره من المعارضة، لكنه خلاف التحقيق أولا وخلاف مبناه ثانيا، لظهور التزامه بالمبنى الثاني من كلامه، لتعبيره بالحكم بالحلية في الزمان الاخر، الظاهر في ان ظرف الحكم هو الزمان الاخر. فانتبه. وجملة القول: انه على مسلك الاقتضاء يشكل الامر في كثير من الفروع كالاضطرار الى المعين أو الخروج عن محل الابتلاء أو فقدان بعض الاطراف، أو تطهير بعض الاطراف، فان الاصل يجري في الطرف الاخر - في جميع ذلك - بلا محذور ولا معارض. بل لو علم اجمالا بوجوب احدى الصلاتين إما لجمعة أو الظهر، فجاء بالجمعة، صح له اجراء الاصل بالنسبة الى الظهر، لعدم معارضته بالاصل الجاري في الجمعة لاتيانه بها. فهو قبل الاتيان باحداهما وان لم يتمكن من اجراء الاصل في كلا الطرفين، لكنه بعد الاتيان باحداهما يتمكن من ذلك لما عرفت. مع ان هذا من الفروع المسلم فيها بقاء تنجيز العلم الاجمالي، كمسألة تطهير بعض الاطراف أو فقدانه. ويمكن ان يجعل هذا وجها من وجوه الاشكال على الالتزام بالاقتضاء، وتعين القول بالعلية التامة فرارا عن الوقوع في ذلك. هذا كله إذا كان الاضطرار الى طرف معين. وأما إذا كان الاضطرار الى طرف غير معين. فقد ذهب فيه صاحب الكفاية الى: عدم تنجيز العلم الاجمالي سواء


(1) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 230 - الطبعة الاولى. (*)

[ 114 ]

حصل قبل العلم أم بعده، لان الاضطرار يستلزم الترخيص في أحد الاطراف تخييرا، وهو ينافي العلم بحرمة المعلوم فعلا، لاحتمال انطباق المعلوم بالاجمال على ما يختاره، فلا يعلم بثبوت التكليف الفعلي على كل تقدير (1). وخالفه المحقق النائيني تبعا للشيخ (2) (رحمه الله)، فذهب الى منجزية العلم الاجمالي، لعدم تعلق الاضطرار بالحرام، لانه لو فرض علمه التفصيلي بالحرام لم ترتفع حرمته بالاضطرار وبما جاز له ارتكابه. وعليه، فللمكلف ارتكاب أحد الاطراف رفعا للاضطرار. وأما الطرف الاخر فيلزمه اجتنابه للعلم الاجمالي الذي ترفع اليد عن تأثيره بمقدار الضرورة. وهو ما أسماه بالتوسط في التنجيز (3). وتحقيق الكلام بوجه يتضح به الحق وتزول به بعض الشبهات، هو انه تارة: يقال بان العلم الاجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية، بحيث ينافيه الترخيص في بعض الاطراف. وأخرى: يقال بانه بالنسبة الى الموافقة القطعية بنحو الاقتضاء فلا يمتنع الترخيص في بعض أطرافه، وإنما تثبت الموافقة القطعية من جهة تعارض الاصول. فعلى مسلك العلية التامة: لا اشكال في سقوط العلم الاجمالي عن المنجزية، لان الاضطرار الى أحد الامرين يستلزم الترخيص في أحدهما، وهو ما يختاره المكلف رافعا للاضطرار، إما ترخيصا شرعيا واقعيا أو ظاهريا أو ترخيصا عقليا. وعلى جميع التقادير - التي سيأتي البحث فيها مفصلا - يسقط العلم عن التنجيز. أما إذا كان الترخيص شرعيا واقعيا أو ظاهريا، فلعدم اجتماعه مع


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم كفاية الاصول / 360 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 254 - الطبعة الاولى. (3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم اجود التقريرات 2 / 242 - الطبعة الاولى. (*)

[ 115 ]

الحرمة، لا يكون العلم متعلقا بالتكليف الفعلي على كل تقدير، لاحتمال ان تكون الحرمة فيما يختاره، وهي مرتفعة على الفرض. وأما إذا كان الترخيص عقليا فلمنافاته حسب الفرض مع منجزية العلم الاجمالي، إذ المفروض انه بنحو العلة التامة الذي ينافيه الترخيص في بعض اطرافه فلو ثبت الترخيص عقلا كما فيما نحن فيه، فلابد من الالتزام بعدم كونه منجزا إما لقصور الحكم المعلوم أو عدم كونه منجزا بعد وجود المؤمن العقلي. فتدبر. وأما على مسلك الاقتضاء: فقد تقدم انه لا مانع من الترخيص الظاهري في بعض الاطراف، فيبقى العلم منجزا بالنسبة الى الطرف الاخر. نعم لا يصح الترخيص في كلا الطرفين لانه مستلزم للمخالفة القطعية. وعليه، نقول: انك عرفت ان الاضطرار الى أحد الامرين يستلزم الترخيص في ارتكاب أحدهما رفعا للاضطرار، فان كان الترخيص عقليا أو شرعيا ظاهريا لم يمنع من منجزية العلم الاجمالي، لعدم منافاته له بحال، إذ هو لا يصادم تأثيره بالنسبة الى المخالفة القطعية، لان الترخيص في احدهما لا يتنافى مع حرمة ارتكابهما معا، كما لا يخفى جدا. وأما بالنسبة الى الموافقة القطعية فالمفروض انه ليس علة تامة لها، ولا يمنع من الترخيص في عدمها، فلا ينافيه الترخيص في احدهما لاجل الاضطرار، فعدم اخلال الاضطرار بمنجزية العلم واضح جدا. وأما إذا كان الترخيص شرعيا واقعيا، فبما انه يتنافى مع حرمة ذلك الطرف واقعا ولا يجتمع معها كالحلية الظاهرية، فالعلم الاجمالي يسقط عن المنجزية، لاحتمال كون الحرام هو ما يختاره المكلف المفروض ارتفاع حرمته، فلا يكون العلم متعلقا بحكم فعلي على كل تقدير، إذ أحد التقديرين لا حكم فيه. ولاجل اختلاف الحال باختلاف نحو الترخيص الثابت في المقام، لابد

[ 116 ]

من تحقيق الحال في ذلك. فنقول: إن الدليل المتوهم دلالته على اثبات الحلية شرعا في مورد الاضطرار هو قوله (عليه السلام): " ما من شئ حرمه الله إلا وأحله في حال الضرورة " (1). وهذا الكلام يحتمل - ثبوتا - وجهين: الاول: أن يكون في مقام بيان ان الضرورة لها اقتضاء للحلية وتأثير فيها، حتى في الموارد التي يكون فيها مفسدة شديدة تقتضي الحرمة، فيدل على ثبوت الحلية في موارد الاضطرار الاخرى التي ليست متعلقا للحرمة بالاولوية ومفهوم الموافقة. الثاني: ان يكون في مقام بيان مانعية الاضطرار عن تأثير مقتضى الحرمة، وان مقتضى الحرمة لا تأثير له في مورد الاضطرار، فلا يكون متكفلا سوى ارتفاع الحرمة في مورد الاضطرار، لا جعل الاباحة والحلية كما هو مقتضى الوجه الاول. ولا يخفى أن الاضطرار فيما نحن فيه لم يتعلق بنفس الحرام، لان الحرام هو أحدهما المعين واقعا، وهو مما لم يتعلق به الاضطرار، وانما تعلق بالجامع بين الطرفين وهو أحدهما بلا خصوصية اصلا، الذي يقبل أن ينطبق على كل منهما. وعلى هذا فإذا كان مدلول الرواية هو الوجه الاول كان الاضطرار الى الجامع مشمولا له، لانه يتكفل جعل الحلية لكل ما يضطر إليه المكلف، ولو لم يكن في نفسه حراما، فتثبت الحلية شرعا للجامع. فيقع الكلام بعد ذلك في ان الحلية السارية من الجامع الى الفرد الذي


(1) وسائل الشيعة: 16 / 137 باب 12 من كتاب الايمان حديث: 18. عن ابي عبد الله عليه السلام:... وقال: ليس شئ مما حرم الله الا وقد احله لمن اضطر إليه. ومثله في 4 / 690 باب 1 من ابواب القيام حديث 6 و 7. (*)

[ 117 ]

يختاره المكلف، هل هي حلية واقعية أو ظاهرية ؟. وأما إذا كان مدلول الرواية هو الوجه الثاني، لم يكن الاضطرار الى الجامع مشمولا له، لعدم كونه اضطرارا الى الحرام كي يتكفل رفع الحرمة عنه، نعم يذهب العقل الى جواز دفع الاضطرار باحدهما والامان من العقاب لو صادف الحرام واقعا، للجزم بعدم الفرق بين هذا المورد من الاضطرار وبين سائر الموارد المحرمة في انفسها والتي يتعلق بها الاضطرار، لكن لا يثبت فيما نحن فيه اكثر من الترخيص عقلا الذي لا يتنافى مع ثبوت الحرمة الفعلية واقعا. ولاجل ذلك لا يختل تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة الى المخالفة القطعية كما عرفت، لانه لا يخرج عن كونه علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير المستلزم لحرمة المخالفة القطعية، فلا يصح اجراء الاصل في الطرف الاخر، لانه وان لم يكن بلا معارض، لكنه مستلزم للترخيص في المخالفة القطعية للمعلوم بالاجمال. هذا بحسب مقام الثبوت. وأما بحسب مقام الاثبات، فالمختار في مدلول النص المزبور هو الوجه الثاني، وهو تكفله لبيان مانعية الاضطرار من تأثير مقتضى الحرمة، وانه لا حرمة عند الاضطرار بلا تكفل لجعل الحلية في مورده. وذلك لظهور هذا المعنى من الدليل المزبور، فان ظاهره ان الحرمة الثابتة للشئ ترتفع عند الضرورة، وان المكلف في حل منها بعد ان كان مقيدا، والوجه الاول خلاف الظاهر جدا. ويشهد لما استظهرناه هو: تطبيق هذه الكبرى الكلية في موارد وجوب الاقدام على ما هو الحرام لاجل الضرورة، وعدم جواز تركه كبعض موارد التقية، وموارد حفظ النفس من الهلاك. ومن الواضح انه لا معنى لتطبيق جعل الاباحة في تلك الموارد، وانما المناسب هو بيان ارتفاع الحرمة الذي يتلاءم مع الوجوب واقعا.

[ 118 ]

وعلى هذا، فلا يثبت في مورد الاضطرار الى غير المعين سوى الترخيص العقلي، لعدم الاضطرار الى ما هو الحرام واقعا كي ترتفع حرمته بواسطة هذا النص. وقد عرفت ان مقتضى الترخيص العقلي هو الالتزام بالتوسط في التنجيز، لعدم منافاة الترخيص في بعض الاطراف لمنجزية العلم الاجمالي على مسلك الاقتضاء. ولذا لم يكن الاشكال في جريان الاصل في احدهما بنحو التخيير ثبوتيا بل إثباتيا، فيبقى العلم الاجمالي منجزا بالنسبة الى الطرف الاخر لان اجراء الاصل فيه مستلزم للترخيص في المخالفة القطعية وهي محرمة. ثم انه لو التزمنا بان دليل رفع الاضطرار يتكفل جعل الحلية شرعا - كما هو مقتضى الوجه الاول -، كان الاضطرار الى الجامع مستلزما الحلية له شرعا، وحينئذ تثبت لاحد الطرفين، وهو ما يختاره المكلف رفعا للاضطرار باعتبار سراية الحكم من الجامع الى افراده. فان الحلية وان تعلقت بالجامع لانه مورد الاضطرار دون الفرد الخارجي، لانه غير مورد الاضطرار، لكن تطبيق الجامع على فرد في الخارج يستلزم اتصاف الفرد بالحلية، لان الحكم لا يتعلق بالجامع بما هو هو، بل بلحاظ وجوده وبما هو سار في أفراده، نظير اتصاف الفرد الخارجي للصلاة بالوجوب مع تعلق الوجوب بالطبيعي لا بالفرد، لكن الفرد الذي يتحقق به الامتثال يقع على صفة الوجوب كما لا يخفى. وعليه، فيقع الكلام في ان الحلية الثابتة للفرد واقعية أو ظاهرية.. أما كونها واقعية، فلاجل ان الحلية الثابتة للجامع حلية واقعية، والمفروض انها تسري الى الافراد كما عرفت، فتكون الحلية الثابتة للفرد واقعية. ولكن الصحيح كونها ظاهرية، لان الحرام الواقعي لم يتعلق به الاضطرار كما هو الفرض وإنما تعلق بالجامع، فلو فرض العلم التفصيلي بما هو الحرام لم

[ 119 ]

ترتفع حرمته ولم يجز له دفع الاضطرار به، بل يتعين عليه اختيار الفرد الاخر، فثبوت الحلية لاي من الفردين شاء - مع حرمة أحدهما واقعا - المكلف ناشى من جهل المكلف بما هو الحرام واقعا، فالحلية الثابتة يكون الجهل دخيلا في ثبوتها، وهو معنى الحلية الظاهرية، إذ الحكم الظاهري ما كان الجهل بالواقع مأخوذا فيه. وأما ما أفاده المحقق النائيني - كما في تقريرات الكاظمي - في تحقيق هذه الجهة من ان الاضطرار والجهل دخيلان في ثبوت الحلية، فلابد من تشخيص الجزء الاخير من العلة التامة لثبوت الحكم، فهل هو الاضطرار أم الجهل ؟ فان كان الجزء الاخير الذي تترتب عليه الحلية بلا فصل هو الاضطرار كانت الحلية واقعية وان كان الجزء الاخير هو الجهل كانت الحلية ظاهرية (1). فهو غير صحيح، لان مجرد أخذ الجهل بالواقع في موضوع الحكم يقتضي كونه ظاهريا، سواء كان جزء أخيرا أم لا، فان ذلك ليس بذي اثر. فما أفاده وان كان ذا صورة علمية، لكنه لا واقع له. هذا، ولكن الحق هو ان الجهل ههنا لم يؤخذ في موضوع الحكم شرعا وسابقا في الرتبة عليه، بل هو في مرتبة نفس الحكم، وذلك لانك عرفت ان الحرمة الواقعية مع العلم بها تمنع من سراية الحلية من الجامع الى الفرد الحرام، بل يتعين رفع الاضطرار بالفرد الاخر، لعدم امكان اجتماع الحكمين المتضادين. أما مع الجهل بالحرام، فلا تكون الحرمة مانعة من تعلق الحلية بالفرد إذا صادف اختيار المكلف له، وهذا يقتضي ان يكون اثر الجهل هو نفس اثر عدم الحرمة واقعا، لانه يرفع مانعية الحرمة من ثبوت الحلية. ومن الواضح ان مانعية الحرمة وتأثير عدم الحرمة انما هي في رتبة نفس الحكم بالحلية وليس في رتبة موضوعه، فيكون في رتبة


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي فوائد الاصول 4 / 106 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 120 ]

نفس الحكم ويلحظ مقارنا له، نظير عدم الضد المأخوذ في رتبة نفس الضد الاخر، كعدم الحرمة المأخوذ في ثبوت الحكم بالوجوب. ولكن هذا المعنى لا يمنع من كون الحكم ظاهريا، بل يكون نظير الحكم الظاهري في باب الامارات، لان الجهل لم يؤخذ في موضوعه، بل أخذ بنحو الموردية كما هو مذكور في محله فراجع (1). ثم ان الثمرة المتوخاة من تحرير هذه الجهة هو ما أشرنا إليه في صدر البحث من: انه لو كانت الحلية الثابتة واقعية كانت مستلزمة للاخلال في منجزية العلم الاجمالي، لاحتمال مصادفة ما اختاره الحرام الواقعي فترتفع حرمته الواقعية لعدم اجتماعها مع الحلية الواقعية لمكان التضاد. وحينئذ فلا يكون لديه علم بتكليف فعلي على كل تقدير، فلا يكون منجزا. أما إذا كانت الحلية ظاهرية فهي تجتمع مع الحرمة الواقعية ولا تنافي مع فعليتها - على مسلك الاقتضاء -، فلا تستلزم انحلال العلم الاجمالي، بل يكون منجزا بالنسبة الى المخالفة القطعية، نظير الترخيص الظاهري في أحد الطرفين بدليل الاصل، بناء على القول بالتخيير. وبالجملة: مع كون الترخيص ظاهريا يكون حاله حال اجراء الاصل في أحد الطرفين غير مصادم للعلم الاجمالي بالتكليف الفعلي على كل تقدير، لعدم منافاة الحكم الظاهري لفعلية الواقع على القول بالاقتضاء، ولذا لم يمنع من صحة الترخيص في أحد الاطراف. هذا ولكن التحقيق: ان الحلية الثابتة فيما نحن فيه وان كان الجهل دخيلا في ثبوتها - موضوعا أو موردا -، لكنها ليست على حد الحلية الظاهرية - في


(1) راجع مبحث تعارض الامارات مع الاصول في اواخر الاستصحاب. (*)

[ 121 ]

الاصطلاح - غير المنافية مع الواقع، بل هي تصادم الواقع أيضا فتستلزم عدم منجزية العلم الاجمالي. وذلك أما على المسلك القائل بمنافاة الترخيص الظاهري الثابت بأصالة الحل لفعلية الواقع، واستلزامه قصور فعلية الواقع - كما هو مسلك الكفاية وتقدم تقريره وتقريبه -، فالامر فيما نحن فيه واضح. وأما على مسلك المحقق النائيني من عدم منافاة الحكم الظاهري لفعلية الواقع، فلان الترخيص الظاهري الذي لا ينافي الواقع وفعليته هو الترخيص الثابت بعنوان التعذير عن الواقع، ورفع الحيرة من جهته، والترخيص الثابت فيما نحن فيه ليس كذلك. والوجه الذي يذكر في تصحيح الجمع بين الترخيص الظاهري وفعلية الواقع لا يتأتى في مثل الترخيص الثابت فيما نحن فيه، فراجع تعرف. والذي يتلخص انه على مسلك الاقتضاء نلتزم بالتوسط في التنجيز بالبيان المتقدم المرتكز على ما قربناه من عدم ثبوت اكثر من الترخيص العقلي. وأما لو التزم بثبوت الحلية الشرعية - واقعية كانت أو ظاهرية -، فلابد من الالتزام بعدم منجزية العلم الاجمالي، لعدم كونه علما بحكم فعلي على كل تقدير. فتدبر جيدا. ويحسن بنا ان نتعرض بعد هذا الى بعض ما أفاده المحقق النائيني (رحمه الله) في المقام، والمهم منه نقاط ثلاث: الاولى: ما أفاده في مقام تقريب التوسط في التنجيز من: ان الاضطرار يقتضي رفع التكليف عما يرفع به الاضطرار. وأما الطرف الاخر، فهو باق على حكمه ولا موجب للترخيص فيه، فلابد من الاجتناب عنه لعدم المؤمن عقلا ولا شرعا (1).


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 101 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 122 ]

وهذا البيان لا يخلو عن قصور، فان اللازم بيان الوجه في عدم جريان البراءة في الطرف الاخر مع عموم دليلها وعدم المعارض، وهي صالحة للتأمين لو جرت. فلابد ان يضيف الى ما ذكره ان اجراء البراءة في الطرف الاخر يستلزم الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم. فتدبر جيدا. الثانية: ما أفاده في مقام رد صاحب الكفاية في التزامه بان الترخيص في بعض الاطراف تخييرا ينافي فعلية الحكم، فيستلزم عدم منجزية العلم الاجمالي، لعدم تعلقه بالتكليف الفعلي على كل تقدير. فقد ذكر في رده بأن فعلية الحكم تدور مدار وجود موضوعه، وموضوع التكليف في مورد الاضطرار الى غير المعين موجود على كل حال، لعدم وقوع الاضطرار على موضوع التكليف للتمكن من رفعه بغيره. إذن فالاضطرار الى غير المعين لا يستلزم انتفاء موضوع التكليف بما له من القيود الوجودية والعدمية، فيكون الحكم فعليا، فلا يكون الترخيص منافيا لفعلية الواقع بهذا المعنى. نعم الفعلية بمعنى آخر - كما هو مبناه - ينافيها الترخيص، وهي كون المولى بصدد تحصيل مراده بأي وجه اتفق ولو برفع الجهل تكوينا أو ايجاب الاحتياط تشريعا، فان الترخيص يتنافى مع هذا المعنى من الفعلية كما لا يخفى. لكن دعوى كون الحكم الفعلي عبارة عن وصول الحكم الى هذه المرتبة ضعيفة، لعدم كون رفع الجهل من وظيفة الشارع، بل وظيفته هو انشاء الحكم على الموضوع المقدر الوجود، فيكون الحكم فعليا بفعلية موضوعه خارجا (1). أقول: قد تقدم في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري بيان ان مراد صاحب الكفاية من الحكم الفعلي هو المعنى الاول، وهو وصول الحكم الى مرحلة البعث والزجر لا المعنى الثاني، ولكنه يلتزم هناك ان الترخيص الظاهري


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي فوائد الاصول 4 / 100 - 101 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 123 ]

يتنافى مع فعلية الواقع ويستلزم قصورها (1). فما أفاده هنا ليس أمرا جديدا، بل هو يبتني على ما نقحه هناك، وقد تقدم منا تقريبه واختياره. فلا إيراد عليه على مبناه، والحكم على كلامه هنا بأنه واضح الفساد ليس على ما ينبغي. الثالثة: ما أفاده تحت عنوان: " كشف القناع " في مقام بيان ان مقتضى الاضطرار الى غير المعين هو التوسط في التكليف - بمعنى ثبوت التكليف الواقعي على تقدير وعدم ثبوته على تقدير آخر -، أو التوسط في التنجيز، بمعنى بلوغ التكليف الى مرتبة التنجيز على تقدير دون آخر، مع ثبوت الحكم الواقعي على كل تقدير. فقد أفاد (قدس سره) ان الاضطرار الى المعين يقتضي التوسط في التكليف، لكون الترخيص واقعيا رافعا للحرمة الواقعية لو صادفها الاضطرار. أما الاضطرار الى غير المعين، فتعيين أحد الوجهين فيه يتوقف على تعيين كون الحلية الثابتة ظاهرية أو واقعية، فان كانت ظاهرية كان الاضطرار مقتضيا للتوسط في التنجيز، لعدم منافاة الترخيص الظاهري مع فعلية الواقع، وإن كانت واقعية كان الاضطرار مقتضيا للتوسط في التكليف لمنافاتها للحرمة الواقعية. ثم استقرب ان تكون الحلية واقعية - بعد بنائه ذلك على كون الاضطرار هو الجزء الاخير لعلة الترخيص، أم الجهل الذي تقدم الحديث عنه والخدشه فيه -. ورتب على ذلك اختيار التوسط في التكليف. ثم ذكر المقرر عدول استاذه في فذلكة البحث عن ذلك، واختيار الترخيص الظاهري والتوسط في التنجيز، وذكر بعد ذلك انه لا ثمرة تترتب على الوجهين (2).


(1) راجع 4 / 144 من هذا الكتاب. (2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 104 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 124 ]

أقول: التوسط في التكليف لا نتصوره فيما نحن فيه، لان لازمه هو عدم منجزية العلم الاجمالي، لانه لم يتعلق بالحكم الفعلي على كل تقدير. ودعوى: ان الاضطرار وان كان سابقا على العلم، لكن الحلية لا تتعلق باحد الفردين إلا حين ارتكابه، لانه زمان دفع الاضطرار، فالحلية لا تثبت عند الاضطرار، بل عند دفعه باختيار أحد الفردين، فيكون الحال فيه كالاضطرار الى المعين بعد العلم الاجمالي، لان الحلية وارتفاع الحرمة بعد العلم وان كان الاضطرار سابقا عليه، لما عرفت من ان الاضطرار الى غير المعين ليس اضطرارا الى الحرام نفسه. نعم يجوز دفع الاضطرار بأي طرف شاء، فالحلية تثبت حين دفع الاضطرار لا قبله. فاسدة: لان ارتفاع الحرمة وثبوت الحلية في ظرف العمل يقتضي لغوية ثبوت الحرمة من أول الامر، لعدم تأثيرها في الزجر عن الفعل أصلا، ولازم ذلك ارتفاع الحرمة من أول الامر، فلا يتعلق العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير، فيكون ما نحن فيه نظير الاضطرار الى المعين قبل حصول العلم الاجمالي. فتدبر جيدا. هذا كله إذا كان الاضطرار الى غير المعين سابقا على العلم. وأما إذا كان متأخرا عنه.. فعلى القول بالعلية التامة: ان التزم باقتضاء الاضطرار الى غير المعين للترخيص العقلي فقط، يبقى العلم الاجمالي منجزا كما كان بالنسبة الى الطرف الاخر، كما تقدم تقريبه في الاضطرار الى المعين المتأخر عن العلم. وان التزم باقتضائه جعل الحلية شرعا للجامع، كان اللازم القول بانحلال العلم الاجمالي بقاء، لان حلية الجامع بما هو جامع تسري الى كلا الفردين فيكون كل منهما حلالا واقعا، لامتناع حلية الجامع بما هو جامع، والملحوظ فيه جهة السراية الى الخارج مع حرمة أحد أفراده، فيزول العلم بالتكليف بالمرة.

[ 125 ]

وبذلك يختلف حال الاضطرار الى غير المعين، وحال الاضطرار الى المعين إذ لا يتأتى هنا العلم الاجمالي التدريجي. وعلى القول بالاقتضاء، فالكلام فيه نفس الكلام فيما إذا كان سابقا على العلم من كونه منجزا لو التزم بثبوت الترخيص العقلي، وارتفاع منجزيته لو التزم بثبوت الترخيص شرعا. فلاحظ وتأمل جيدا والله سبحانه العاصم الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل. التنبيه الثاني: فيما إذا كان أحد اطراف العلم الاجمالي خارجا عن محل الابتلاء عادة. والمهم في هذا الامر هو تحقيق مانعية الخروج عن محل الابتلاء من فعلية التكليف. وأما أثر ذلك في منجزية العلم الاجمالي، فهو واضح لا يحتاج الى بيان، فانه إذا ثبت ان الخروج عن محل الابتلاء يمنع من فعلية التكليف، كان الحال فيه هو ما ذكر في الاضطرار الى المعين بلا اشكال. وعليه، فلابد من صرف الكلام الى ما هو المهم فيه، فنقول: ذهب الشيخ (رحمه الله) الى ان الفعل إذا كان خارجا عن محل ابتلاء المكلف عادة، لم يصح تعلق التحريم به (1)، فلا يصح الامر بالاجتناب عن النجس أو الخمر الموجود في أقاصي بلاد الهند أو الصين. وظاهره تخصيص الشرط بالمحرمات. وقد صرح بذلك المحقق النائيني - كما في تقريرات الكاظمي - فذهب الى: ان الامر بالفعل الخارج عن محل الابتلاء لا محذور فيه، إذ قد تكون فيه مصلحة ملزمة تستدعي الامر به وتحصيل مقدماته البعيدة الشاقة، لان المفروض هو القدرة عليه عقلا (2).


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 251 - الطبعة الاولى. (2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 51 - 52 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 126 ]

وخالفه في ذلك المحقق العراقي، فذهب الى استهجان الامر بمثل ذلك، كالامر المتوجه الى سوقي فقير بتزويج بنات الملوك، أو بالاكل من طعام الملك الموضوع قدامه (1). والذي يبدو لنا: ان الامر اختلط على المحققين (قدس سرهما) فان الفرض في الامر لابد ان يكون على عكس الفرض في النهي، فإذا كان موضوع البحث في النهي هو خروج الفعل عن محل الابتلاء، بحيث يكون المكلف تاركا له بحسب العادة، فلابد ان يفرض موضوع البحث في الامر هو خروج الترك عن محل الابتلاء، بحيث يكون الفعل قهري الحصول عادة كخروج التاجر الى دكانه يوميا أو اعطاء الوالد الشفيق الدواء لولده المريض الذي يحبه ونحو ذلك. فالفرض الذي اختلف فيه المحققان - والذي نؤيد فيه المحقق النائيني - ليس فرضا للمقام، بل فرض المقام هو ما ذكرناه، فانه يتأتى فيه البحث كما يتأتى في فرض النهي بلا اختلاف. وقد اشار الى عطف الواجبات - بالفرض الذي ذكرناه - على المحرمات صاحب الكفاية في حاشيته على متن الكفاية (2). كما تنبه المرحوم الكاظمي الى ما يرد على استاذه من الايراد الذي تقدم، فاشار الى ذلك في حاشية مختصرة وجيزة فراجع (3). ثم إن الامتناع. تارة: يكون عقليا، ويقابله القدرة العقلية، وهي مما لا شبهة في اعتبارها


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 339 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 361 هامش رقم 1 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (3) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 52 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 127 ]

في التكليف. وأخرى: يكون عاديا ويراد به هو امتناع الفعل عقلا بحسب الوضع العادي للانسان، وان كان الفعل ممكنا عقلا بطريقة غير عادية، وذلك كالطيران الى السماء. وهذا ما ارجعه صاحب الكفاية الى الامتناع العقلي والقدرة العقلية (1). وهي بحكم النحو الاول. وثالثة: يكون عاديا بمعنى ما لا يلتزم به خارجا بحسب العادة، كالخروج الى السوق بلا نعل، وهذا لا يمنع من التكليف قطعا. وجميع ذلك ليس محل كلامنا، بل محل الكلام فيما نحن فيه هو: ما كان الفعل لا يتحقق من المكلف عادة لعدم ابتلائه به، مع امكان ان يصدر منه عقلا، كشرب الماء في الاناء الموجود في أقاصي الهند. ويصطلح على اعتبار الدخول في محل الابتلاء باعتبار القدرة العادية. وقد وقع الكلام في اعتبارها في التكليف. فذهب الشيخ (2) وتبعه غيره (3) الى أعتبارها فيه. وقد اختلف التعبير عن بيان وجه الاعتبار، فامتناع التكليف بغير ما هو محل الابتلاء. والعمدة فيه هو اللغوية الواضحة المعبر عنها في بعض الكلمات بالاستهجان العرفي، إذ الغرض من التكليف هو ايجاد الداعي الى الفعل أو الترك، وهذا المعنى لا يتحقق فيما إذا كان الفعل خارجا عن محل الابتلاء كما لا يخفى. وقد وقع الخلط بين ما نحن فيه وبين بعض الموارد، فتخيل البعض سراية هذا الاشكال الى موردين.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 92 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى فرائد الاصول / 251 - الطبعة الاولى. (3) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 50 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 128 ]

أحدهما: تكليف العصاة. والاخر: في الواجبات التوصلية التي تصدر من المكلف بحسب طبعه بداع آخر. وذلك ببيان: ان التكليف وإن كان هو عبارة عن جعل ما يمكن ان يكون داعيا أو زاجرا، إلا ان الغرض الاقصى منه هو تحقق الداعوية والزاجرية، بحيث يكون له تأثير فيهما، وإلا كان لغوا محضا. فمع العلم بعدم تحقق الداعوية أو الزاجرية يمتنع جعل التكليف، ومورد العصاة كذلك للعلم بعدم انزجارهم بالنهي وتحركهم بالامر. فيكون تكليفهم لغوا. وهكذا في الواجبات التوصلية التي يكتفي فيها بمجرد الفعل، إذا علم بتحقق الفعل من المكلف بداع آخر، فان التكليف في مثل ذلك لا يترتب عليه غرضه الاقصى من التحريك نحو الفعل، فيكون لغوا. ولا يخفى ان اللغوية المدعاة ههنا هي لغوية دقية لا عرفية، ولذا لا يتخيل احد من العرف استهجان تكليف العاصي ونحوه (1). وعلى كل حال، فتحقيق الكلام في هذين الموردين ان يقال: أما مورد العصيان: فلا يخفى ان الغرض الاقصى من الشئ ليس غرضا فلسفيا، بحيث يكون من علل الشئ الذي يوجب تخلفه تخلف المعلول، بل هو فائدة وأثر الشئ، فهو غرض عرفا. وعليه، فمجرد احتمال ترتبه على الفعل يكفي في صحة الفعل والاقدام عليه، بل أعمال العقلاء جلا تبتني على احتمال ترتب الفوائد عليها، كتصدي التجار للبيع، فانه لا يقطع بتحقق البيع أو الربح، مع إقدامهم عليه وليس هو إلا من جهة كفاية احتمال الفائدة. ففي مورد العصاة إذا احتمل الامتثال كفى ذلك غرضا أقصى للتكليف. ومع عدم احتماله والعلم بعدم امتثال الامر والنهي يمكن ان يقال بان

[ 129 ]

فائدة التكليف والغرض الاقصى منه هو القاء الحجة وقطع العذر، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. نظير التاجر الذي يتصدى للبيع، وهو يعلم بعدم تحقق الربح أو البيع دفعا لملامة الناس ونسبة الخمول والكسل إليه. وأما مورد الواجبات التوصلية فيكفي في رفع اللغوية احتمال صدور الفعل عن التكليف. نعم، في المورد الذي يعلم بصدوره بداع آخر لا بداعي الامتثال، لا مناص من الالتزام بعدم صحة الوجوب، لانه لغو لا أثر له. ودعوى: ان الغرض من التكليف تكميل النفوس الحاصل بالاتيان بالفعل بقصد الامتثال والاطاعة الموجبة لقرب العبد من مولاه. وحينئذ يمكن ان تكون فائدة التكليف التوصلي في الغرض المزبور هو تمكين المكلف من الاتيان به بداع الامر الموجب لكمال النفس وتطهيرها. مندفعة: بان الغرض الملزم في الواجبات التوصلية ليس إلا ما يترتب على الفعل ذاته من مصلحة، والمفروض ان ذلك يتحقق ولو لم يكن أمر. أما الاتيان بالفعل بداعي الامر، فهو لم يصل الى حد الالزام في الواجبات التوصلية، بحيث يكون منشئا للايجاب، ولذا كان الواجب توصليا لا عباديا. فالتفت. ولا يخفى عليك ان ما ذكر في حل الاشكال في هذين الموردين لا يتأتى فيما نحن فيه، وهو ما إذا كان الفعل خارجا عن محل الابتلاء، فان التكليف لا فائدة فيه أصلا لعدم ترتب الداعوية عليه، ولا ترتب غيرها من الفوائد. ولاجل ذلك يكون التكليف مستهجنا عرفا. فالوجه في امتناع التكليف في مورد الخروج عن محل الابتلاء هو الاستهجان العرفي المسبب عن لغويته وعدم الاثر له. وقد ذهب المحقق الاصفهاني (قدس سره) الى: عدم صلاحية

[ 130 ]

الاستهجان العرفي لمنع ثبوت التكليف في مورد الخروج عن محل الابتلاء، لعدم ارتباط حقيقة التكليف بالعرف بما هم أهل العرف. وليس الكلام في مفهوم الخطاب كي يكون المرجع فيه هو العرف كما تقرر، بل الكلام في واقع التكليف وصحته ثبوتا فلا مسرح لنظر العرف (1). وفيه: أولا: ان الاستهجان العرفي المدعى ههنا لا يرجع الى تحكيم نظر العرف المبنى على المسامحة كي لا يعتمد عليه، بل المحذور المدعى هو لغوية التكليف، وهي من الواضح بنحو يدركها العرف فيستهجن ثبوت التكليف. فالاستهجان العرفي راجع الى وضوح اللغوية لدى الجميع، والعمل اللغو مستهجن من الحكيم، في قبال اللغوية التي لا تدرك إلا بالدقة، كاللغوية المدعاة في تكليف العصاة. وبالجملة: المحذور فيما نحن فيه عقلي يلتفت إليه الجميع. فالتفت. وثانيا: ان التكليف إذا كان مستهجنا عرفا يكفي ذلك في امتناع ثبوته وتوجهه الى عامة الناس، لانهم لا يؤمنون بصدوره مع بنائهم على انه مستهجن، فلا يصلح الداعوية أصلا، والمفروض ان من يتوجه إليه التكليف هو الجميع. وأما ما جاء في الدراسات في مقام نفي اعتبار الدخول في محل الابتلاء، وعدم اعتبار أزيد من القدرة العقلية، من: ان الغرض من التكليف الشرعي ليس مجرد حصول متعلقه فعلا أو تركا كالتكليف العرفي، بل الغرض منه هو تكميل النفوس البشرية بجعل التكليف داعيا للعبد الى الفعل أو الترك، فيحصل له القرب من مولاه ويرتفع مقامه (2).


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ مححمد حسين. نهاية الدراية 2 / 253 - الطبعة الاولى. (2) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 254 - الطبعة الاولى. (*)

[ 131 ]

ففيه: ان هذا لو تم، فانما يتم في خصوص الواجبات دون المحرمات، إذ الفعل المحرم إذا كان خارجا عن محل الابتلاء بنحو لا تحدثه نفسه بارتكابه لم يصلح النهي لزجر المكلف عنه وصرفه عن ارتكابه، إلا بعد تصدي المكلف لا يجاد الرغبة النفسية في فعله، كي ينصرف عنه ببركة النهي الشرعي، فلو كان الغرض من النهي ما ذكر، للزم في مثل هذه الحال على المكلف ايجاد الرغبة الى فعل المحرم وتهيئة مقدماته، ثم ينصرف عنه بزاجرية النهي. وهذا لا يمكن أن يتفوه به، فان ايجاد مقدمات الحرام بما هي مقدمات له مرجوح، بل ثبت تحريم بعضها نفسيا كمقدمات عمل الخمر. هذا مع عدم تماميته في الواجبات التوصلية كما عرفت. فراجع. وجملة القول: انه لا اشكال في عدم صحة التكليف في مورد الخروج عن محل الابتلاء وجوبيا كان أو تحريميا للاستهجان العرفي، الذي تقدم بيانه. والمراد بالخروج عن محل الابتلاء المانع من التكيف ليس كون الشئ خارجا عنه فعلا بحيث لا ابتلاء للمكلف به بحسب وضعه الفعلي، بل هو كون الشئ خارجا عن ابتلائه بحسب العادة بنحو لا يكون في معرض الدخول في محل الابتلاء عادة. فمثل الاناء في بيت جاره وإن لم يكن محل ابتلائه فعلا، لانه لا يرفع احتياجه بشرب ماء جاره، بل بشرب ماء داره، ولكنه في معرض كونه في محل الابتلاء عادة، لحصول التزاور بين الجيران، ففي مثل ذلك لا يمتنع التكليف، لعدم كونه مستهجنا عرفا لاحتمال ترتب الفائدة عليه وهو كاف في رفع اللغوية. نعم، الاناء في بلد لا يذهب إليه عادة يكون خارجا عن محل ابتلائه، فيمتنع التكليف في مورده. وهذا أفضل ما يمكن أن يقال في تحديد ضابط الخروج عن محل الابتلاء المانع من التكليف. فالتفت.

[ 132 ]

ثم إنه لو تحقق الشك في مورد في كونه خارجا عن محل الابتلاء أو ليس بخارج عنه، فتارة يكون الشك من جهة الشبهة المفهومية. واخرى من جهة الشبهة المصداقية. فان كان الشك من جهة الشبهة المفهومية، بان كان لا يعلم ان الخروج عن محل الابتلاء بمفهومه هل يشمل مثل الاناء الموجود في البلد الفلاني أو لا ؟ وهل يقال لمثله عرفا انه خارج عن محل الابتلاء أو لا ؟. فقد وقع الكلام في صحة التمسك باطلاق الدليل في اثبات التكليف فيه وعدمها. والذي نراه هو صحة التمسك بالاطلاق، إذ عرفت ان عدم صحة التكليف من جهة الاستهجان العرفي الناشئ عن عدم ثبوت الفائدة فيه، وعرفت أيضا ان احتمال ترتب الفائدة يرفع الاستهجان العرفي ويصحح التكليف. وهذا يقتضي ان يختص الامتناع بصورة العلم بعدم الفائدة. وعليه، فمع الشك في الخروج عن محل الابتلاء يشك في ترتب الفائدة للتكليف، فيثبت احتمالها ولا يعلم بعدمها، وهو كاف في صحة التكليف. وبالجملة: على ما ذكرناه لا يكون المورد من موارد الشك في التقييد، بل من موارد العلم بعدمه، لان الخارج هو ما علم بعدم الفائدة فيه. فالتفت. هذا تحقيق الحال على ما سلكناه في تحقيق اعتبار الدخول في محل الابتلاء. وأما على ظاهر مسلك الاعلام من كون التقييد بأمر واقعي يتعلق به العلم والجهل، وهو الخروج عن محل الابتلاء. فقد ذهب الشيخ (رحمه الله) الى صحة التمسك بالاطلاق. بتقريب: ان المورد من موارد دوران الامر في المخصص بين الاقل والاكثر، وقد تقرر في محله الاقتصار في التخصيص على القدر المتيقن، والرجوع في مورد الشك الى

[ 133 ]

العموم (1). ويرد عليه: ان ما تقرر في محله من الاقتصار على القدر المتيقن والرجوع في المشكوك الى العموم، انما هو فيما إذا كان المخصص منفصلا. وأما إذا كان متصلا، فلا يتم لسراية اجمال المخصص الى العموم كما بين في محله. وما نحن فيه من قبيل المتصل، لان امتناع التكليف في مورد الخروج عن محل الابتلاء من الواضحات لدى العرف التي يمكن ان يعتمد المتكلم عليها، وتكون من القرائن الحالية الموجبة للتصرف في الظهور. وقد أورد على هذا الايراد بوجهين: الاول: ما ذكره المحقق النائيني (2) والعراقي (3) (قدس سرهما) من: ان الحكم باعتبار الدخول في محل الابتلاء من الاحكام النظرية التي تحتاج الى اعمال فكر ونظر، ولا يدركها كل أحد، فيكون المورد من قبيل المخصص المنفصل الذي يصح الرجوع فيه الى العام، لعدم انثلام ظهوره. وفيه: ما عرفت من ان امتناع التكليف في مورد الخروج عن محل الابتلاء واضح لدى العرف، وإذا كان محذوره هو الاستهجان العرفي، فيكون المورد من قبيل التخصيص بالمتصل. الثاني: ما ذكره المحقق النائيني - بعد تنزله وتسليمه كون المورد من قبيل التخصيص بالمتصل لا بالمنفصل - من: ان اجمال الخاص انما يسري الى العام فيما إذا كان الخاص عنوانا واقعيا غير مختلف المراتب مرددا بين الاقل والاكثر، كعنوان الفاسق المردد بين خصوص مرتكب الكبيرة ومطلق مرتكب الذنب ولو صغيرة.


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 252 - الطبعة الاولى. (2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 59 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (3) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 342 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 134 ]

وأما إذا كان الخاص ذا مراتب متعددة، فلا يسري اجماله الى العام، لان المتيقن تخصيصه ببعض مراتبه المعلومة. واما تخصيصه بغيرها فهو مشكوك فيرجع الى العموم لانه شك في تخصيص زائد. وما نحن فيه من هذا القبيل، لان عدم الابتلاء ذو مراتب عديدة كما لا يخفى، ويشك في تخصيص العام ببعض مراتبه (1). وأورد عليه المحقق العراقي (قدس سره): بان ما أفيد إنما ينفع في انحلال العلم الاجمالي، لا في عدم اجمال العام، لانه يكفي في اجمال العام احتفافه بما يصلح للقرينية، ولو كان بنحو الشك البدوي، وما نحن فيه من هذا القبيل نظير مورد الاستثناء من الجمل المتعددة فانهم يحكمون باجمال العموم في جميع الجمل وإن كان رجوعه الى الاخيرة متيقنا (2). وبالجملة: فما وجهناه من الايراد على الشيخ موجه. لكنه انما يتوجه على التقريب المتقدم لكلامه. ولكن الانصاف انه يمكن توجيه كلامه بنحو لا يرد عليه ما ذكر. بيان ذلك: ان المخصص تارة يكون لفظا حاكيا عن مفهوم مردد بين الاقل والاكثر، كما في مثل: " لا تكرم فساق العلماء "، وأخرى يكون حكما عقليا كحكم العقل بقبح تكليف العاجز الموجب لتخصيص أدلة التكاليف العامة. ففي مثل الاول، يتصور الترديد في التخصيص للتردد في المفهوم الذي يحكي عنه اللفظ، فيشك في مورد أنه محكوم بحكم الخاص أو بحكم العام. وأما الثاني، فلا يتصور فيه التردد في مقام، لان الحاكم لا يتردد في حكمه، فإذا شك في تحقق مناط حكمه لا يصدر منه الحكم جزما، لا انه يشك في ثبوت حكمه كما هو واضح جدا. وما نحن فيه من قبيل الثاني لان التخصيص كان بحكم العقل والعرف


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 60 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 344 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 135 ]

بقبح التكليف في مورد الخروج من محل الابتلاء. ولا يخفى ان العقل انما يحكم بقبح التكليف في المورد الذي يعلم انه من موارد الخروج عن محل الابتلاء، بنحو يعلم بثبوت مناط القبح فيه. أما مع الشك، فلا حكم له بالقبح جزما، لا انه يتردد ويشك في ثبوت حكمه، لعدم معقولية ذلك بالنسبة الى الحاكم نفسه. إذن فالقدر المعلوم تخصيص العام به هو ما يعلم اندراجه في محل الابتلاء. أما مورد الشك، فيعلم بعدم حكم العقل بالقبح فيه، لعدم احراز مناط حكمه فيه، فكيف يحكم بالقبح فيه والتردد غير معقول ؟، فيعلم بعدم التخصيص، فيصح التمسك بالاطلاق. وهذا التوجيه لا يأباه صدر كلامه، بل يلائمه كمال الملائمة. نعم ذيل كلامه قد يظهر في التوجيه الاول لقوله: " فمرجع المسألة الى ان المطلق المقيد بقيد مشكوك.... " ولكن يمكن حمله على تنظير ما نحن فيه بذلك المقام لا تطبيق ذلك المقام على ما نحن فيه. ثم إنه من الممكن ان يكون مراد المحقق النائيني من كلامه السابق هو هذا الوجه، وإن كان خلاف ظاهر كلامه. وبالجملة: بهذا البيان يصح الرجوع الى الاطلاق فيما نحن فيه. وخالف في ذلك صاحب الكفاية فذهب الى عدم صحة التمسك بالاطلاق، واختلفت في ذلك بياناته في الكفاية (1) والفوائد (2) وحاشيته على الرسائل (3).


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 361 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. فوائد الاصول / 320 - المطبوعة ضمن الحاشية - الطبعة الاولى. (3) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. حاشية فرائد الاصول / 146 - الطبعة الاولى. (*)

[ 136 ]

ونحن نذكر ما أورده في الكفاية، وهو: ان التمسك بالاطلاق يتفرع على صحة الاطلاق في حد نفسه ثبوتا، كي يكون مقام الاثبات كاشفا عن مقام الثبوت. أما مع الشك في صحة ثبوت الحكم في حد نفسه، فلا مجال للتمسك بالاطلاق في اثباته. وبعبارة أخرى: ان الاطلاق إنما يتكفل مقام الاثبات دون مقام الثبوت، فلابد من إحراز صحة ثبوت الحكم كي يتمسك بالاطلاق لاثباته. وهذا الكلام بحسب ظاهره صار موردا للهجوم العلمي. فقد ذكر في رده: ان الدليل على ثبوت الحكم يكون دليلا على إمكانه مع الشك، لانه ملازم له، فالشك في الامكان وعدمه يرفع بالدليل الدال على الوقوع، كما التزم صاحب الكفاية وغيره في أول مباحث الظن، ولولا ذلك لا شكل التمسك بالاطلاق في جل موارد الشك في التقييد ولو كان المقيد لفظيا، لان الشك في التقييد يلازم الشك في ثبوت الملاك للحكم المطلق في الفرد المشكوك. وواضح انه يستحيل ثبوت الحكم بلا ملاك، فيكون الشك في التقييد مستلزما في إمكان الحكم وعدمه. ولاجل ذلك تصدى المحقق العراقي (قدس سره) الى توجيه مراده بما يدفع عنه هذا الايراد الواضح، فذكر: ان الحكم الواقعي كما هو مقيد بعدم الخروج عن محل الابتلاء، كذلك الامر في الحكم الظاهري الثابت بالامارات والاصول، فانه لغو أيضا، مع خروج مورده عن محل الابتلاء. وعليه، فكما يشك في ثبوت الحكم واقعا في مورد الشك في الخروج عن محل الابتلاء، كذلك يشك في صحة ثبوت الحكم الظاهري الثابت بالاطلاق - بمقتضى دليل حجية الظهور -. ومن الواضح انه لا وجه للتمسك بالاطلاق مع وجود هذا الشك، ولا يتكفل الاطلاق نفيه. فمراد الكفاية هو عدم صحة

[ 137 ]

التمسك بالاطلاق لاجل الشك في صحة ثبوت الحكم الاطلاقي الظاهري، لا لاجل الشك في صحة ثبوت الحكم الواقعي، كي يقال إن الاطلاق دليل على إمكانه. فالتفت. ثم إنه (قدس سره) بعدما وجه كلام الكفاية بما عرفت، أورد عليه: بانه لا يتم بناء على الطريقية الراجعة الى مجرد الامر بالبنا العملي على مطابقة الظهور للواقع بلا جعل تكليف حقيقي في البين، فان الامر المزبور أمر صوري يعبر عنه بالحكم الاصولي يتكفل تنجيز الواقع على تقدير المصادفة. وهو لا محذور فيه مع الشك في القدرة (1). فتأمل. وتحقيق الكلام: هو ان المورد ليس من موارد التمسك بالاطلاق لنفي الشك، إذ من شرائط ذلك هو كون المتكلم في مقام البيان من تلك الجهة المشكوكة، كي يكون عدم بيانه دليلا على إرادة الحكم المطلق. ومن الواضح ان المتكلم ليس بصدد البيان من جهة شرطية الخروج عن محل الابتلاء، إذ لم يرد منه في الخطابات الشرعية عين ولا أثر، مما يكشف عن إغفال المولى هذه الجهة وإيكال الامر فيها الى غيره، فلا يصح التمسك بالاطلاق في مورد الشك لنفيه، بل لابد من الرجوع الى العقل نفسه. وقد عرفت فيما تقدم - بيانين - عدم حكمه بالقبح في مورد الشك، فلا يثبت التخصيص والتقييد، ومع الشك في ذلك لا يمكننا الرجوع الى الاطلاقات لما عرفت، بل لابد من الرجوع الى الاصول العملية. وقد وجدنا المحقق الاصفهاني قد نبه على هذه النكتة بنحو مختصر (2). فالتفت.


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 346 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين نهاية الدراية 2 / 255 - الطبعة الاولى. (*)

[ 138 ]

ثم إنه إذا وصلت النوبة الى الاصول العملية، فهل الاصل في المقام هو البراءة، كما ذهب إليه صاحب الكفاية. أو الاشتغال كما ذهب إليه المحقق العراقي ؟. والوجه في البراءة واضح لانه من موارد الشك في ثبوت التكليف شرعا وهو مجرى البراءة. واما الرجوع الى قاعدة الاشتغال، فوجهه: هو ان المورد من موارد الشك في القدرة، مع العلم بثبوت الملاك الملزم. فكما يحكم العقل في مورد العلم بتوجه التكليف وشك المكلف في قدرته عقلا على الامتثال بلزوم الفحص والتصدي للامتثال للزوم تحصيل غرض المولى إلا مع عجزه حقيقة - ولا يلتزم أحد في مثل ذلك باجراء البراءة -. كذلك الحال في مورد الشك في القدرة العرفية، لانها كالقدرة العقلية ليست دخيلة في ملاك الحكم، بل دخيلة في حسن توجهه للمكلف، فمع الشك في تحققها يحكم العقل بالاشتغال. وهذا المطلب ذكره المحقق النائيني (رحمه الله) أيضا. لكن المقرر الكاظمي أشار في تعليقة له على المقام بعدول استاذه عنه بعد مذاكرته في ما يرد عليه من اشكال، فراجع (1). وتحقيق الكلام: ان الذي يبدو وقوع الخلط في كلمات الاعلام بين الشبهة المصداقية والشبهة المفهومية، فان ما يذكر في بيان جريان قاعدة الاشتغال عند الشك في القدرة، وما يضرب لذلك من الامثلة، يختص في الشبهة المصداقية دون الشبهة المفهومية. ومن الواضح ان كلامنا فيما نحن فيه إنما هو في الاشتباه من حيث المفهوم لا من حيث المصداق، فالتفت ولا تغفل.


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 57 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 139 ]

هذا كله إذا كان الشك في الخروج عن محل الابتلاء من جهة الشبهة المفهومية. وأما إذا كان من جهة الشبهة المصداقية، كما إذا شك في أن إناء زيد النجس هل هو في البلد الكذائي الذي يكون داخلا في محل الابتلاء، أو في البلد الاخر الذي لا يكون محل الابتلاء ؟. فعلى ما اخترناه من ان التكليف مقيد بالعلم بالخروج عن محل الابتلاء، بل بواقع الخروج عن محل الابتلاء، فلا اشكال في الرجوع الى الاطلاق للعلم بعدم كون المورد من موارد التخصيص. وأما على المسلك القوم من تقيد التكليف بنفس الخروج عن محل الابتلاء، يكون المورد من موارد التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص اللبي. وقد تقدم الحديث فيه واختلاف المباني فيه. فراجع. ولو وصلت النوبة الى الاصل العملي، فقد قيل: إنه الاشتغال بالتقريب المتقدم. وتحقيق الحال في صحة ما قيل من ان الاصل في موارد الشك في القدرة هو الاشتغال له مجال آخر. فانتظر. التنبيه الثالث: في الشبهة غير المحصورة. وقد وقع الكلام في تحديدها وحكمها من حيث المخالفة القطعية والموافقة القطعية. وقد ادعي الاجماع، بل الضرورة الفقهية على عدم وجوب الموافقة القطعية فيها. ولا يخفى ان مثل هذا الاجماع لا يمكن ان يركن إليه، لعدم العلم بانه اجماع تعبدي، بل المظنون قويا خلافه، لكثرة ما ورد من التعليلات لنفي وجوب الموافقة القطعية. وكيف كان، فقد عرفت انها حددت بحدود متعددة، واكثرها لا يخلو عن

[ 140 ]

إشكال، كتحديدها بما يعسر عده، أو بما بلغ آلافا، فلا نطيل الكلام بذكرها. إنما المهم من ذلك ضابطان نتعرض اليهما وما يدور حولهما من كلام وما يترتب عليهما من أثر. وهما ما أفاده الشيخ (رحمه الله) وما أفاده المحقق النائيني (قدس سره). أما ما أفاده الشيخ (رحمه الله)، فهو: ان تكون الكثرة بحد يكون احتمال التكليف في كل طرف موهوما لا يعتني به العقلاء، ويرون الاعتناء به نوعا من الوسوسة، ولازم ذلك عدم وجوب الموافقة القطعية (1). وفيه: ان ضعف الاحتمال إن وصل الى حد الاطمئنان بالعدم فما أفاده صحيح، لكنه خارج عما نحن فيه، لانه من موارد قيام العلم العادي على عدم التكليف في طرف. وإن لم يصل الى حد الاطمئنان، فلا يصح كلامه لعدم العبرة بظن عدم التكليف مهما بلغ من القوة ما لم يقم الدليل على حجيته - كما يلاحظ ذلك في الشبهة المحصورة -، فلابد من الموافقة القطعية لعدم المؤمن بعد قيام العلم الاجمالي المنجز. وأما ما أفاده المحقق النائيني (رحمه الله)، فهو: ان تكون كثرة الاطراف بحد يستلزم عدم القدرة العادية على المخالفة القطعية، وان كان كل طرف في حد نفسه مقدورا عادة وداخلا في محل الابتلاء. وحينئذ تسقط حرمة المخالفة القطعية لعدم القدرة عادة عليها، وبتبعها يسقط وجوب الموافقة القطعية، لانه متفرع على حرمة المخالفة القطعية المستلزم لتعارض الاصول في أطراف العلم، فإذا لم تحرم المخالفة القطعية لم تجب الموافقة القطعية. وأفاد (قدس سره): ان هذا الضابط يختص بالعلم بالحرمة، ولا يتأتى في موارد العلم بالوجوب بين اطراف كثيره، لامكان المخالفة القطعية في باب


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 261 - الطبعة الاولى. (*)

[ 141 ]

الواجبات مهما بلغت الاطراف من الكثرة، إذ المخالفة في باب الواجبات تحصل بترك جميع المحتملات وهو سهل المؤونة، بخلاف المخالفة القطعية في باب المحرمات، فانها لا تحصل إلا باتيان جميع المحتملات وهو ليس بالامر اليسير مع كثرة الاطراف (1). وقد أورد عليه وجوه: الاول: ان هذا الضابط لا يختص بالشبهة غير المحصورة، إذ قد يتحقق مع قلة الاطراف وكون الشبهة محصورة، كما لو علم بحرمة جلوسه في وقت الزوال إما في هذه الغرفة أو في تلك الغرفة، فانه لا يتمكن من المخالفة القطعية ههنا (2). وفيه: انه (قدس سره) قد تنبه الى ذلك، فذكر ان الشبهة غير المحصورة هي ما كانت الكثرة فيها سببا لعدم التمكن من المخالفة القطعية بحيث ينشأ عدم التمكن من الكثرة، لا مطلق عدم التمكن من المخالفة القطعية. وبالجملة: اعتبر في الشبهة غير المحصورة أمرين: كثرة الاطراف. وعدم التمكن من المخالفة القطعية. فلا وجه لهذا الايراد حينئذ (3). وهو مما اشار إليه في الكفاية حيث ذكر: ان موانع التنجيز في الشبهة غير المحصورة غير مختصة بها (4). لكنه لا يتوجه ممن جاء بعد المحقق النائيني لما عرفت من تقييده الضابط بالكثرة. فالتفت. الثاني: انه تحديد بأمر مبهم، لاختلاف ذلك باختلاف المعلوم بالاجمال،


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 117 - 119 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الاصول 2 / 374 - الطبعة الاولى. (3) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 117 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (4) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 359 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 142 ]

فلم يحدد في الضابط أمر كلي يكون جامع لهذه الموارد (1). وهذا الايراد كسابقه في الوهن، لان القدرة العادية كالقدرة العقلية أمر متميز في نفسه لا إبهام فيه، وانما يختلف تحققه باختلاف المتعلق، فيلحظ كل شئ بحسبه. وكما لا يتأتى هذا الكلام في اعتبار القدرة العقلية، فلا يقال إنه لا ضابط له لاختلافه باختلاف الحالات، وكذلك لا يتأتى في القدرة العادية. وبعبارة اخرى: لا إبهام في مفهوم القدرة عادة أو عقلا، إنما الاختلاف في مصاديقها. وهذا لا يضر في الضابط، ويلحظ في المصاديق كل شئ بحسبه وما يفرض له من ظرف خاص. فتدبر. الثالث: ان عدم التمكن من المخالفة القطعية لا يتصور مع ملاحظة تطاول المدة والارتكاب التدريجي، للتمكن من المخالفة تدريجيا. وهذا مما اشار إليه المحقق العراقي أيضا (2). وفيه: ان هذا إنما يتم في ما لو كانت الاطراف قارة لا تزول بتطاول المدة، كما لو علم بحرمة دخوله في احدى دور النجف، فانه يتمكن من المخالفة تدريجيا وفي مدة عشرين سنة. ولا يتم فيما لو كانت الاطراف مما يتلف بطول المدة، كالمأكل، فإذا علم بحرمة لحم في أحد اسواق النجف، فهو لا يتمكن من المخالفة القطعية لا دفعة كما هو الفرض، ولا تدريجيا ولمدة سنة - مثلا - لعدم بقاء اللحم وتلفه في هذه المدة. ومثله الجبن وغيره. وهكذا لو علم بنجاسة ثوب من بين ألف ثوب مثلا، لانه وان امكن ان يلبس الالف في ضمن سنين، لكنه لا يبقى على كيفيته في ضمن هذه المدة، بل يغسل قطعا، فيطهر. وبالجملة: أمثلة الشبهة غير المحصورة بهذا الضابط كثيرة. فتدبر. إذن


(1) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 243 - الطبعة الاولى. (2) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 329 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 143 ]

فالضابط الذي افاده النائيني لا بأس به. الرابع: وهو يرجع الى ما رتبه من عدم منجزية العلم الاجمالي، وعدم وجوب الموافقة القطعية، لا الى الاشكال في نفس الضابط. وقد ذكره المحققان العراقي (1) والاصفهاني (2) (قدس سرهما) وهو: ان غير المقدور هو العلم بالمخالفة وليس هو مخالفة التكليف المعلوم، إذ هي مقدورة بعد فرض التمكن من الاتيان بكل طرف في حد نفسه، والمحذور العقلي يترتب على المخالفة نفسها لا على العلم بها، لان ضم غير الحرام الى الحرام غير دخيل في ثبوت العقاب على مخالفة الحرمة. وقد اضاف المحقق العراقي الى ذلك النقض بالشبهة المحصورة، إذا لم يتمكن من المخالفة القطعية، كما لو علم بان أحد الاناءين خمر ولم يتمكن من شربهما، فانه لا يلتزم بعدم وجوب الموافقة القطعية ههنا جزما. وانت خبير: بان هذا الايراد يبتني على القول بعلية العلم الاجمالي للتنجيز من حيث الموافقة القطعية الذي يبتني على حكم العقل بقبح مخالفة التكليف المعلوم بالاجمال بنفسه ولو لم يحصل العلم بها، كما في مورد المخالفة الاحتمالية. وأما على القول بالاقتضاء، بحيث يكون القبيح هو المخالفة القطعية لا نفس المخالفة، ولذا لا تحرم المخالفة الاحتمالية، ويكون وجوب الموافقة القطعية لاجل تعارض الاصول، فلا يتأتى هذا الكلام. وقد تقدم ان المحقق النائيني لا يلتزم بالعلية التامة، وإنما يلتزم بالاقتضاء، فلا يتجه هذا الايراد عليه، بل يكون ايرادا مبنائيا. وتحقيق الكلام في حكم الشبهة غير المحصورة بالضابط الذي ذكره


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 334 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 256 - الطبعة الاولى. (*)

[ 144 ]

المحقق النائيني هو: انه يقتضي عدم منجزية العلم الاجمالي بالمرة حتى على القول بالعلية التامة بالنسبة الى المخالفة القطعية والموافقة القطعية. بيان ذلك: ان التكليف مقيد بالقدرة على متعلقه بحيث لا يكون فعليا إلا في ظرف القدرة عليه، وإذا فرض ان كثرة الاطراف بحد لا يتمكن المكلف على الجمع بينها وارتكاب جميعها - الذي عبر عنه بالمخالفة القطعية - كانت القدرة على كل طرف من الاطراف مقيدة بترك سائر الاطراف وعدم ارتكابها، لان ارتكاب سائر الاطراف يلازم العجز عن هذا الطرف. وعليه فيكون التكليف بتركه مقيدا بحال ترك سائر الاطراف، لانه حال القدرة عليه. إذن فالتكليف لا يكون فعليا بالنسبة الى كل طرف إلا على تقدير ترك الباقي، فالتكليف لا يكون فعليا على كل تقدير - أي على ثبوته في كل طرف - إلا في ظرف ترك جميع الاطراف. وفي مثل ذلك يستحيل ان يكون العلم بالتكليف موجبا للزوم الترك عقلا، إذ العلم به يتفرع على تحقق الترك، فكيف يكون منجزا بالنسبة الى لزومه ؟ !. ومثل هذا البيان لا يجئ في مثال النقض بالعلم بحرمة أحد الضدين اللذين لهما ثالث كالعلم بحرمة الجلوس أو القيام عند الزوال، باعتبار انه لا يتمكن من المخالفة القطعية أيضا. والسر في ذلك: ان عدم أحد الضدين لم يؤخذ في موضوع الاخر - كما حرر في محله -، إذ لا مقدمية لعدم احد الضدين لوجود الضد الاخر، بل هما متقارنان فلا يكون التكليف بأحدهما مقيدا بعدم الاخر، فالعجز الناشئ من كثرة الاطراف غير العجز الناشئ من وجود أحد الضدين. وبعبارة أخرى أدق: ان القدرة المعتبرة في صحة التكليف، والتي تكون نسبتها الى الحكم نسبة الموضوع الى الحكم هي القدرة على الفعل في الظرف

[ 145 ]

المتصل بآن الامتثال والعصيان، لا القدرة في حال الامتثال، ولذا لا يكون سلب القدرة في ظرف الامتثال اختيارا من نفي التكليف بنفي موضوعه، بل من عصيان التكليف وعدم امتثاله. وعليه، ففعل أحد الضدين في ظرف التكليف وان استلزم العجز عن الضد الاخر، لكنه عجز عنه في ظرف امتثاله وعصيانه، فيكون فعله عصيانا للتكليف بضده لو كان في الواقع متعلقا به، كما يكون امتثالا للتكليف المتعلق به لو كان متعلقا به واقعا، فظرف فعل احدهما هو ظرف الامتثال والعصيان. ولذا لو علم بانه كلفه بالقيام فقط فجلس، فانه يكون عاصيا مع انه غير قادر على القيام عند الجلوس. ومع قطع النظر عن هذا الظرف، يكون المكلف قادرا على كل منهما، فيكون التكليف فعليا على كل تقدير وليس مقيدا بعدم الضد الاخر. ولا يقال بمثله في مورد كثرة الاطراف، لان العجز لم ينشأ من وجود ما يمنع من تحقق المكلف به في ظرف الاطاعة أو العصيان، بل هو ناش من وجود ما يمنع منه في زمان سابق على ظرف اطاعته وعصيانه، وذلك لان امتناع الجمع من جهة كثرة الاطراف ليس إلا، وهي تقتضي تدريجية حصول الافعال، فلا يكون ظرف حصول احدهما هو ظرف حصول الاخر كي يكون من باب سلب القدرة في ظرف الامتثال، وليس كالضدين اللذين يمتنع اجتماعهما لا نفسهما بلحاظ زمان واحد هو ظرف امتثال كل منهما. وعليه، فيصح أخذ ترك سائر الاطراف في موضوع النهي عن كل طرف، لانه إذا جاء بسائر الاطراف يكون عاجزا عن الاتيان بهذا الطرف في الظرف المتصل بآن الامتثال، فلا يصح التكليف. وهذا هو توضيح ما ذكرناه من ان العجز الناشئ عن كثرة الاطراف غير العجز الناشئ عن تضاد الطرفين، فتدبره فانه دقيق.

[ 146 ]

نعم مثال الضدين، يصلح ايرادا على القول بالاقتضاء وتفرع وجوب الموافقة القطعية على حرمة المخالفة القطعية، فليضم الى سائر الايرادت على ذلك القول. ثم إن الوجه الذي ذكرناه في عدم منجزية العلم الاجمالي لا يختص بالتحريميات، بل يشمل الواجبات أيضا، فان الامر فيها أوضح، لان العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير يتوقف على ترك الكل، لان القدرة على كل طرف المصححة للتكليف تحصل بترك سائر الاطراف. ومع ذلك، كيف يكون العلم الاجمالي موجبا للزوم الاتيان بالكل ؟ !. فنقطة الفرق بين المسلك الذي سلكناه ومسلك المحقق النائيني، هو: ان المحقق النائيني جعل الضابط هو عدم التمكن من المخالفة القطعية - بهذا العنوان -، فلذلك اختص ضابطه بالمحرمات كما بيناه. وأما نحن، فقد جعلنا الضابط هو عدم التمكن من ارتكاب جميع الاطراف، ولو لم يتعنون بعنوان المخالفة القطعية، فلم يختص بالمحرمات، بل شمل الواجبات أيضا. فالتفت. ثم إنه على ما بيناه من ملاك عدم تنجيز العلم الاجمالي، لا مجال للبحث عن حرمة المخالفة القطعية عند عدم وجوب الموافقة القطعية، إذ عرفت عدم منجزية العلم لعدم كونه علما بتكليف فعلي على كل تقدير. مع ان المفروض عدم التمكن من المخالفة القطعية. وأما على مسلك الشيخ في ضابط غير المحصورة، فغاية ما يقتضيه كلامه، هو نفي وجوب الموافقة القطعية لضعف احتمال التكليف في كل طرف. وهذا لا يقتضي جواز المخالفة القطعية، لانها تتصادم مع العلم نفسه، والمفروض عدم اعتناء العقلاء بالاحتمال لا بنفس العلم. وأما على مسلك المحقق النائيني (قدس سره)، فالامر واضح في الشبهة التحريمية. وأما في الشبهة الوجوبية، فتحرم المخالفة القطعية للتمكن منها. واما

[ 147 ]

الموافقة القطعية، فهي غير ممكنة. فيكون المورد من موارد الاضطرار الى أحد الاطراف لا بعينه، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا. فراجع. تذنيب: في شبهة الكثير في الكثير. إذا كانت اطراف العلم الاجمالي كثيرة، ولكن كانت نسبة المعلوم بالاجمال الى مجموع الاطراف نسبة الواحد الى الثلاثة - مثلا -، كما إذا علم بحرمة خمسمائة اناء في ضمن الف وخمسمائة، فهل يجري عليها حكم الشبهة غير المحصورة، أو حكم الشبهة المحصورة ؟. التحقيق: انه إن اخترنا في تحديد الضابط للشبهة غير المحصورة ما أفاده الشيخ (رحمه الله) فلا يجري فيما نحن فيه، لقوة احتمال التكليف في كل طرف من الاطراف، فيكون حكمها حكم الشبهة المحصورة. وإن اخترنا ما ذهب إليه المحقق النائيني، كان مقتضاه الحاق المورد بالشبهة غير المحصورة، لعدم التمكن من المخالفة القطعية عادة، لانها في مثل المثال المزبور تتوقف على ارتكاب الف اناء وإناء وهو غير مقدور عادة. وهكذا الحال بناء على ما حققناه في حكم الشبهة غير المحصورة، لعدم القدرة على كل طرف إلا بترك سائر الاطراف. اللهم إلا أن يقال: إنه - في مثل هذه الموارد - عندما تحصل أي مجموعة كبيرة - كمائة إناء في المثال المتقدم - يحصل الاطمئنان بوجود الحرام فيها، ولا يحتمل عادة ان جميع الحرام في الاطراف الاخرى، فيلزمه الاجتناب عن المائة. فهناك علوم إجمالية متعددة صغيرة بضم بعضها الى بعض تحصل شبهة الكثير في الكثير. فتدبر. التنبيه الرابع: في حكم ملاقي أحد اطراف العلم الاجمالي بالنجاسة. والمهم في البحث في هذا التنبيه هو جهتان: إحداهما فقهية. والثانية أصولية.

[ 148 ]

أما الجهة الاولى الفقهية، فهي البحث عن كيفية تنجس ملاقي النجس، وانه ينحو يكفي في تنجيزه العلم الاجمالي الذي يدور طرفه بين الملاقى - بالفتح - وطرفه الاخر، أو أنه بنحو لا يتنجز إلا بمنجز آخر غير العلم الاجمالي المتعلق بالمردد بين الملاقى والطرف الاخر ؟. وأما الجهة الاصولية، فهي البحث - على التقدير الثاني من الجهة الفقهية - عن ان الملاقي هل هو طرف لعلم إجمالي منجز آخر، فيجب الاجتناب عنه كما يجب الاجتناب عن الملاقى أو ليس كذلك فلا يجب الاجتناب عنه كسائر ما شك في طهارته ونجاسته بالشبهة البدوية ؟. أما الجهة الاولى: فتحقيق الكلام فيها: أنه لا إشكال في نجاسة ملاقي النجس. إنما الكلام في كيفية تنجسه فيه. وهي ثبوتا تحتمل وجوها أربعة: الاول: أن يكون من جهة سراية النجاسة الى الملاقي حقيقة وواقعا، وانبساطها بنحو تشمله، فلا يكون الحكم باجتناب الملاقي حكما جديدا، بل هو عين الحكم الاول، وإنما اتسعت دائرة متعلقه، ونظيره في التكوينيات انحلال الجوهر النجس بالماء، فيتلون جميع الماء بلون الجوهر بالسراية الحقيقية، ويكون الحكم باجتناب الجوهر مستلزما لاجتناب جميع الماء لاتساع دائرة الجوهر، بعد أن كانت ضيقة عند انكماشه وجموده. الثاني: ان يكون من جهة ان الاجتناب عن ملاقي النجس من شئون وتبعات الاجتناب عن النجس، بحيث لا يتحقق الاجتناب عن النجس إذا لم يجتنب عن ملاقيه، كاكرام خادم العالم أو ابنه الذي يعد اكراما للعالم نفسه عرفا. الثالث: ان يكون لزوم الاجتناب عن الملاقي حكما تعبديا مستقلا، لكن فعليته بفعلية لزوم الاجتناب عن الملاقى - بالفتح -، ولا تتوقف على تحقق الملاقاة. الرابع: ان يكون حكما مستقلا ولا يصير فعليا إلا بفعلية موضوعه وهو

[ 149 ]

الملاقاة. ولا يخفى عليك ان العلم الاجمالي بنجاسة أحد الاناءين يقتضي بنفسه لزوم الاجتناب عن ملاقي أحدهما على الوجوه الثلاثة الاولى دون الرابع. وذلك.. أما على الاول، فلان الملاقي يكون أحد طرفي الشبهة، لسراية النجاسة حقيقة إليه - على تقدير نجاسة ملاقاة -، فهو نظير ما لو قسم أحد الاناءين قسمين، فالاجتناب عن النجس المعلوم أولا لا يتحقق جزما إلا بالاجتناب عن الملاقي أيضا. وأما على الثاني، فلان امتثال التكليف المحتمل في الملاقى - بالفتح - المفروض لزومه لتنجزه بالعلم، لا يتحقق إلا بالاجتناب عن ملاقيه، لانه من شئون وتبعات الاجتناب عن نفس الملاقى - بالفتح -. وأما على الثالث، فلان العلم بالحكم الفعلي الثابت في الملاقى يصاحبه العلم بالحكم الفعلي الثابت فعلا في الملاقي لان المفروض فعليته من الان وقبل تحقق الملاقاة. وأما على الرابع، فلا يتأتى ما ذكر، لان فعلية الحكم لا تتحقق إلا بتحقق الملاقاة، فلا يكون طرفا للعلم من الاول، وقبل الملاقاة. فيقع الكلام على هذا الوجه في الجهة الاصولية، وهي ان الملاقي طرف لعلم إجمالي جديد منجز أو ليس بطرف ؟. هذا بحسب مقام الثبوت. وأما بحسب مقام الاثبات.. فالوجه الاول لا يمكن الالتزام به، لانه.. إن أريد من السراية الحقيقية سراية النجاسة الى الملاقى. ففيه: ان يبتنى على اساس واه، وهو كون النجاسة من الامور الحقيقية الواقعية التي كشف عنها الشارع، وهو غير صحيح، فان النجاسة من الاحكام الاعتبارية الوضعية،

[ 150 ]

ولا معنى للسراية إذا لم تكن من الامور الحقيقية. وان أريد سراية ذات النجس لا نفس النجاسة. فيدفعه: انه خلاف الوجدان والعيان غالبا. كما ان الوجه الثالث لا يمكن البناء عليه، لمنافاته لظهور الادلة في دوران الحكم مدار موضوعه، وهو الملاقاة، فلا يصير فعليا قبل حصول الملاقاة. وأما الوجه الثاني فيمكن تقريبه بوجهين: الاول: ان المستفاد من ملاحظة اعتبار الرطوبة في الانفعال، واعتبار العصر في التطهير، وعدم كفاية مجرد النضح، مع عدم النص عليه بالخصوص، وعدم الانفعال فيما كان الماء متدافعا من العالي الى السافل النجس الا موضع الملاقاة، وانفعال المائع بمجموعه دون الجامد، فانه ينفعل فيه خصوص موضع الملاقاة - المستفاد من مجموع ذلك -، وتعليل البعض الحكم في تلك الموارد بالسراية العرفية وعدمها، مع عدم التزامهم بالسراية الحقيقية جزما، كون المحكم في احكام النجاسة من كيفية التطهير والانفعال هو نظر العرف، وهو يستلزم كون الملحوظ في الاجتناب عن النجس هو نظر العرف أيضا. ولا يخفى ان العرف يرى ان الاجتناب عن ملاقي القذر من شئون الاجتناب عن نفس القذر ولو تعددت الوسائط، بحيث يرى ان من ارتكب ملاقي القذر لم يجتنب عن نفس القذر، لا انه لم يجتنب عن خصوص ملاقيه، فإذا لاقت اليد العذرة الرطبة، يجتنب عن الاكل بها ويعد ذلك اجتنابا عن العذرة، فلو أكل بها قيل انه لم يستقذر العذرة. وبالجملة: هذا الامر عرفا ثابت في باب القذارات الصورية، فايكال الامر في النجاسات الشرعية الى النظر العرفي يستلزم ثبوت نظره في القذارات الصورية فيها، ويترتب على ذلك ان الاجتناب عن الملاقي من شئون نجاسة الشئ.

[ 151 ]

وهذا المعنى ثابت عرفا في خصوص الملاقاة، فلا يتأتى في مطلق الملابسات كالنظر الى القذارة. فلا يتوهم: ان فرض كون الاجتناب عن ملاقي النجس من شئون الاجتناب عن النجس، يقتضي فرض كون الاجتناب عمن نظر الى النجس - أو نحوه من انحاء الملابسات - من شئون الاجتناب عن النجس أيضا. الثاني: ان العناوين المتعددة إذا اشتركت عرفا في أثر جامع، لكن كانت تختلف باختلاف نحو خصوصيات ذلك الاثر، بمعنى ان نحو الاثر المترتب على أحدها كان يختلف عن نحو الاثر المترتب على الاخر. مثلا: العرف يجتنب عن الاسد والسم والقذر، لكن اجتنابه عن الاسد يرجع الى عدم التقرب منه أو عدم إثارته. واجتنابه عن السم يرجع الى عدم استعماله ما يلاقيه في باب الاكل والشرب - كما بيناه -. فإذا نزل الشارع شيئا منزلة أحد هذه الامور وأمر باجتنابه فانه ظاهر في كون مراده النحو المتداول عرفا للاجتناب عن المنزل عليه. فلو قال: هذا أسد فاجتنبه، فانه ظاهر في الامر باجتنابه بالنحو الذي يجتنب الاسد، لا بالنحو الذي يجتنب السم أو القذر. وعليه، فإذا قال: هذا نجس فاجتنبه، كان ظاهرا في أمره باجتنابه بالنحو الذي يجتنب العرف للقذارات الحقيقية الصورية لانه نزله منزلته. وقد عرفت ان اجتناب العرف القذارات الصورية يعم الاجتناب عن ملاقيها، بنحو يكون الاجتناب عن الملاقي من شؤون الاجتناب عن القذر. فلاحظ. وقد أورد على هذا الالتزام - أعني: الالتزام بأن الاجتناب عن الملاقي من شئون الاجتناب عن الملاقى - بالفتح - بايرادات: الاول: ما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس سره) في حاشيته على الكفاية، من: انه لا شبهة في وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس المعلوم مع فقد الملاقى

[ 152 ]

نفسه، وعدم ثبوت وجوب الاجتناب بالنسبة إليه، وهذا يكشف عن عدم كونه من شئونه وتبعاته، وإلا لكان تابعا له حدوثا وبقاء. وناقشه (قدس سره) بان الملاقي له حيثيتان، إحديهما كونه بنفسه نجسا. والثانية كونه من شئون عين النجس. وله بكلتا الحيثيتين حكم، فإذا انتفى كونه من شئون النجس، كان ما يجب الاجتناب عنه بالحيثية الاولى، كما لو كان ابن العالم أو خادمه عالما أيضا (1). أقول: في الاشكال والجواب عنه مناقشة. أما الجواب عنه، فلانه إذا ثبت ان الاجتناب عن النجس من شئونه وتوابعه الاجتناب عن ملاقيه، كان الامر المتعلق بالاجتناب عن الملاقي بعنوانه الخاص محمولا عرفا على الارشاد الى جهة التبعية وإن كان ظاهرا في حد نفسه في الاستقلال. فهو نظير ما لو قال: " اكرم خادم العالم " مع الالتزام بان اكرام خادم العالم مما يستتبعه وجوب اكرام العالم، فانه لا يحمل على أن خادم العالم موضوع مستقل لوجوب الاكرام، بل يحمل على الارشاد الى جهة التبعية، كما لا يخفى. إذن فليس للملاقي حكمان. بل حكم واحد بعنوان التبعية. وأما نفس الاشكال، فلان الاجتناب عن الملاقي إذا كان من شئون الاجتناب عن الملاقى، بحيث يكون الاجتناب عن الملاقي اجتنابا عن الملاقى، فلا يكون انعدام الملاقى مخلا بوجوب الاجتناب عن الملاقي، للتمكن على اجتناب الملاقى والحال هذه ببعض مراتبه، وهو بالاجتناب عن ملاقيه، فيجب الاجتناب عن الملاقي من باب انه اجتناب عن الملاقى، نظير ما إذا غاب العالم الذي يجب اكرام خادمه لوجوب اكرامه، فانه لا يرتفع وجوب إكرام العالم،


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 258 - الطبعة الاولى. (*)

[ 153 ]

للتمكن منه ببعض مراتبه باكرام خادمه. وبالجملة: بناء على هذا الالتزام يكون وجوب الاجتناب عن الملاقى ثابتا بعد فقدانه ووجود ملاقيه، فلاحظ والتفت. الثاني: ما أورده المحقق الاصفهاني في حاشيته على الكفاية أيضا: من أنه إذا اجتنب المكلف عن النجس ولم يجتنب عن ملاقيه، فقد اجتنب حقيقة عن فرد من النجس ولم يجتنب عن فرد آخر منه، لا أنه لم يجتنب أصلا، ولو كان الاجتناب عن ملاقي النجس من شئون الاجتناب عنه لم يتحقق الاجتناب عنه بعدم الاجتناب عن ملاقيه (1). وفيه ان الاجتناب عن الشئ القذر - بناء على هذا الالتزام - له مرتبتان: إحداهما المرتبة القصوى، وهي الاجتناب عنه مع الاجتناب عن كل ما لاقاه ولو بوسائط. والاخرى المرتبة الدنيا، وهي الاجتناب عنه خاصة دون الاجتناب عن ملاقيه. فإذا اجتنب عنه خاصة يصدق انه اجتنب النجس ولكن ببعض مراتبه، كما يصدق انه لم يجتنبه ببعض مراتبه الاخرى. ولا يصدق انه لم يجتنب أصلا، لانه أجتنب النجس ببعض مراتبه. وذلك نظير ما لو اكرم العالم ولم يكرم ابنه أو خادمه، فانه يصدق انه اكرم العالم بمرتبة ما ولم يكرمه بالمرتبة القصوى. فتدبر. الثالث: ما جاء في كلمات المحقق العراقي (قدس سره) من ان ظاهر الادلة ثبوت الحكم عند تحقق الملاقاة وفعلية الحكم بفعلية موضوعه غير قابلة للانكار، فيكون مقتضى الادلة ان الحكم بوجوب الاجتناب لا يصير قطعيا إلا عند تحقق الملاقاة، وهو انما يتلاءم مع الوجه الرابع دون هذا الوجه (2).


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 258 - الطبعة الاولى. (2) العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين. مقالات الاصول 2 / 95 - الطبعة الاولى. (*)

[ 154 ]

ويندفع هذا الوجه: بان الملاقاة ليست دخيلة في أصل ثبوت الحكم بوجوب الاجتناب، وإنما هي دخيلة في حدوث مرتبة من مراتب الاجتناب المتعلق للحكم، فيثبت لها الحكم السابق الثابت في حد نفسه بنحو العموم والاستغراق لجميع المراتب، بمعنى: ان وجوب الاجتناب ثابت لكل مرتبة من مراتب اجتناب النجس مطلقا، فإذا حدثت مرتبة لم تكن موجودة سابقا تعلق بها الحكم الثابت، لا أنه يثبت لها حكم جديد مستقل. وعليه، فان وجوب الاجتناب وإن لم يتعلق بالملاقي قبل تحقق الملاقاة، لكن تحقق الملاقاة ليس دخيلا في موضوع الحكم بوجوب الاجتناب، وانما هو دخيل في تحقق مرتبة من مراتب متعلق الحكم الثابت، فيتعلق بها الحكم، نظير ما إذا استخدم العالم خادما جديدا، فانه يثبت وجوب اكرامه بنفس وجوب اكرام العالم الفعلي الثابت من السابق، فحدوث مرتبة من مراتب المتعلق انما توجب سعة دائرة الحكم وازدياد انبساطه، ولا توجب ثبوت حكم جديد. واما ظهور الدليل الدال على الحكم في كونه حكما مستقلا جديدا، فهو ليس بازيد من ظهور كل أمر في التأسيس الذي يرفع اليد عنه ويحمل على الارشاد الى غيره ببعض القرائن. وما نحن فيه من هذا الباب. فانه إذا ثبت كون الاجتناب عن الملاقي من شئون الاجتناب عن النجس، كان الامر بالاجتناب عنه - اي عن الملاقي - محمولا عرفا على الارشاد، وان كان في حد نفسه ظاهرا في التأسيس. فلاحظ. ثم أنه قد يشكل الالتزام بهذا المعنى: بان لازمه لزوم الاجتناب عن مشكوك الملاقاة لقاعدة الاشتغال بحكم النجس نفسه. ويندفع: بان مقتضى أصالة عدم الملاقاة هو نفي تحقق الملاقاة، فلا مجال لقاعدة الاشتغال حينئذ. فالتفت. والذي يتحصل: ان جميع هذه الايرادات لا تصلح لرد هذا الالتزام الذي

[ 155 ]

قربناه إثباتا بالوجهين المزبورين. لكن التحقيق: هو ان الالتزام بالوجه الثاني بالتقريبين المتقدمين يبتني على شئ واحد مفقود خارجا، فانه يبتني على وجود دليل يدل على لزوم الاجتناب عن النجاسة بهذا العنوان - اعني: بعنوان اجتنب وما شاكله -. وهو مفقود، إذ الذي ورد في النصوص هو الامر بالغسل أو النهي عن الشرب، ولم يرد فيها أمر بالاجتناب أصلا (1). والامر بالغسل لا ظهور له في غسل الملاقي عرفا. وأما الكتاب الكريم فالذي يتخيل دلالته على الامر بالاجتناب منه آيتان: إحداهما: آية الخمر والميسر، للتعبير فيها بقوله: (فاجتنبوه) (2). ولكن الامر بالاجتناب ههنا ليس من جهة النجاسة قطعا، لكون موضوعه أمورا أربعة وكلها ليس بنجس عدا الخمر، فلا يمكن ان يكون الملحوظ هو جهة النجاسة، بل لابد أن تكون جهة أخرى جامعة، وقد عرفت ان مجرد الامر بالاجتناب عن الشئ لا ظهور له في الاجتناب عن ملاقيه، ولذا لم يحتمل ذلك في باب الغصب ونحوه، وإنما قلنا ان الامر بالاجتناب بعنوان النجاسة والقذارة ظاهر في ذلك لا غير. والاخرى: قوله تعالى: (والرجز فاهجر) (3). ودلالتها تبتني على ارادة النجس من الرجز، وهي محل نظر، لان الرجز في تفسير اللغويين بمعنى الرجز - بالكسر -، وهو العذاب، فيكون المراد الامر بالاجتناب عن العذاب، وهو كناية عن الامر باجتناب سببه كالامر بالمسارعة الى المغفرة، ويراد بها سبب


(1) وسائل الشيعة 2 / ابواب النجاسات. ك‍: ح 2 ب 8 قال أبو عبد الله عليه السلام: اغسل ثوبك من ابوال ما لا يوكل لحمه. وح 2 باب 82: عن ابي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه الا ان ترعا في منقاره دما فان رايت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب. وغيرهما. (2) سورة المائدة، الاية: 90. (3) سورة المدثر، الاية: 5. (*)

[ 156 ]

المغفرة. ولو تنزل عن ذلك، فالذي قيل في تفسيره ايضا: انه بمعنى الرجس، ولا ظهور له في ارادة النجس منه، بل يمكن ان يراد منه ما يساوق الرجس في الاية الاولى المحمول على غير النجس، فيكون الامر امرا بهجر الاثم ونحوه مما يرجع الى القذارات المعنوية لا الصورية، وهو لا يدل على لزوم هجر الملاقي. وجملة القول: ان الوجه الثاني لا دليل عليه في مقام الاثبات. وظاهر الادلة بدوا هو الوجه الرابع. فتدبر. يبقى الكلام في جهتين: الجهة الاولى: فيما أفاده الشيخ في المقام، قال (قدس سره): "... وهل يحكم بتنجس ملاقيه ؟ وجهان، بل قولان مبنيان على ان تنجس الملاقي انما جاء من وجوب الاجتناب عن ذلك النجس بناء على ان الاجتناب عن النجس يراد به ما يعم الاجتناب عن ملاقيه ولو بوسائط، ولذا استدل السيد أبو المكارم في الغنية على تنجس الماء القليل بملاقاة النجاسة بما دل على وجوب هجر النجاسات في قوله تعالى: (والرجز فاهجر)... فإذا حكم الشارع بوجوب هجر كل واحد من المشتبهين، فقد حكم بوجوب هجر كل ما لاقاه، وهذا معنى ما استدل به العلامة (قدس سره) في المنتهى على ذلك بان الشارع أعطاهما حكم النجس، وإلا فلم يقل أحد ان كلا من المشتبهين بحكم النجس في جميع آثاره. أو ان الاجتناب عن النجس لا يراد به إلا الاجتناب عن العين، وتنجس الملاقي للنجس حكم وضعي سببي يترتب على العنوان الواقي من النجاسات... ثم قال: والاقوى هو الثاني. أما أولا، فلما ذكر، وحاصله منع ما في الغنية من دلالة وجوب هجر النجس على وجوب الاجتناب عن ملاقي الرجز إذا لم يكن عليه أثر من ذلك الرجز، فتنجيسه حينئذ ليس إلا لمجرد تعبد خاص، فإذا حكم الشارع بوجوب هجر المشتبه في الشبهة المحصورة، فلا يدل على وجوب هجر

[ 157 ]

ما يلاقيه " انتهى موضع الحاجة في كلامه (1). وقد حمل الاعلام كلامه على الترديد بين كون لزوم الاجتناب عن الملاقي من شئون لزوم الاجتناب عن ما لا قاه، وبين كونه حكما مستقلا له دليله الخاص، وانه اختار الثاني. وهذا ما كنا نجري عليه سابقا في توضيح كلامه. لكن الذي يبدو لنا فعلا ان مراده ليس ذلك.. فليس مراده بناء لزوم الاجتناب عن ملاقي أحد المشتبهين بالنجس على كون لزوم الاجتناب عن الملاقي من شئون لزوم الاجتناب عن الملاقى - بالفتح -. وإلا لما صح التفريع عليه بقوله: " فإذا حكم الشارع... "، إذ لا حاجة الى بيان ذلك، بل مجرد العلم بالحكم الواقعي بين المشتبهين يكفي في لزوم هجر الملاقي على المبنى المزبور كما عرفت، ولو لم يكن هناك حكم شرعي بلزوم هجر كل من المشتبهين، كما أنه - على هذا المبنى - لا معنى لقوله: " وهذا معنى ما استدل به العلامه (قدس سره)... "، بل الذي يظهر بملاحظة مجموع كلامه صدرا وذيلا: أنه ليس إلا في مقام بيان الملازمة ثبوتا واثباتا بين لزوم الاجتناب عن الشئ ولزوم الاجتناب عن ملاقيه، بحيث يكون الدليل الدال على لزوم الاجتناب عن الشئ دالا بنفسه على لزوم الاجتناب عن ملاقيه بلا حاجة الى دليل آخر. وحينئذ، فإذا دل الدليل على لزوم هجر كل واحد من المشتبهين، فهو يدل بنفسه على هجر ملاقيه، وهو معنى كون الشارع أعطاهما حكم النجس، ولا نظر له (قدس سره) الى بيان كيفية انفعال الملاقي ووجهه. والاشكال على هذا البيان واضح لوجهين - غير ما أورده الشيخ الظاهر


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى فوائد الاصول / 253 - الطبعة الاولى. (*)

[ 158 ]

في انكار الملازمة -: الاول: ان لزوم هجر كل واحد من المشتبهين ليس حكما شرعيا نفسيا، بل هو حكم عقلي يرجع الى الحكم بتنجيز الحكم الواقعي المردد بين الطرفين في أي طرف كان، والامر الشرعي على تقدير ثبوته ههنا أمر ارشادي لا استقلالي تأسيسي. الثاني: ان الذي يدعى في المقام هو الملازمة بين لزوم هجر النجس ولزوم هجر ملاقيه، لا الملازمة بين وجوب هجر كل شئ ولزوم هجر ملاقيه، إذ لم يتوهم متوهم ثبوت الملازمة بين لزوم الاجتناب عن الغصب ولزوم الاجتناب عن ملاقيه. إذن فلزوم هجر كل من المشتبهين بما هو مشتبه وبعنوان الاحتياط لا يلازم لزوم هجر ملاقيه، فتدبر والتفت. الجهة الثانية: في ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) قبل الدخول في مسألة الملاقاة. ومحصل ما أفاده: ان مقتضى العلم الاجمالي هو ترتيب كل أثر يكون المعلوم بالاجمال بالنسبة إليه تمام الموضوع. أما إذا لم يكن المعلوم بالاجمال تمام الموضوع للاثر، بل كان جزءه لم يترتب ذلك الاثر على ارتكاب أحد المشتبهين، لعدم العلم بتحقق موضوعه التام، وذلك نظير جواز إقامة الحد على شارب الخمر، فان موضوعه هو شرب الخمر مع علم الحاكم به، ومع شرب أحد الاناءين المشتبهين بالخمر لا يعلم تحقق شرب الخمر منه، فلا يجوز إقامة الحد عليه، لان الحدود تدرأ بالشبهات، أو لاصالة عدم شربه الخمر - بل لعدم جواز الاضرار بالغير بعد عدم العلم بشمول عموم إقامة الحد عليه -. ثم إنه ذكر لما كان الاثر مترتبا على نفس المعلوم بالاجمال الواقعي مثالين. وحكم فيهما بترتب الاثر بمجرد تحقق العلم على كل من المشتبهين.

[ 159 ]

الاول: العلم الاجمالي بخمرية أحد المائعين بالنسبة الى عدم جواز بيع كل منهما. فانه ذكر: انه كما لا يجوز شرب كل من الاناءين لا يجوز بيعه أيضا، للعلم بعدم السلطنة على بيع أحد الاناءين فلا تجري أصالة الصحة في بيع أحدهما لمعارضتها بأصالة الصحة في بيع الاخر فيتساقطان، ومع تساقطهما يحكم بفساد البيع في كل منهما لعدم الدليل على الصحة حينئذ. ثم أورد على نفسه: بان الحكم بالفساد بالنسبة الى بيع الخمر يتقوم بأمرين: وقوع البيع خارجا. وخمرية البيع. فمجرد الخمر ليس تمام الموضوع للحكم بفساد البيع، بل له جزء آخر، وهو وقوع البيع خارجا لان الصحة والفساد من اوصاف البيع اللاحقة له بعد فرض صدوره في الخارج. إذن، فمع وقوع البيع على أحد الاناءين يحكم بصحته بمقتضى أصالة الصحة، ولا تعارضها أصالة الصحة في الطرف الاخر لعدم وقوع البيع عليه فلا موضوع لها. وأجاب عن ذلك: بان الخمر المعلوم تمام الموضوع لعدم السلطنة على بيعه، وهو ملازم للفساد، بل هو عينه لانه ليس المجعول شرعا سوى حكم واحد يعبر عنه بعدم السلطنة قبل صدور البيع وبالفساد بعد صدوره، كما ان السلطنة على البيع وصحته كذلك شئ واحد. وعليه، فأصالة الصحة تجري في كل طرف قبل صدور البيع وتسقط بالمعارضة، كما عرفت. الثاني: العلم الاجمالي بغصبية أحد الدارين أو الشجرتين. فانه كما يكون مقتضى العلم الاجمالي هو لزوم الاجتناب عن كل من الدارين أو الشجرتين، كذلك مقتضاه الاجتناب عن ثمرات ومنافع كل من العينين، لان لزوم الاجتناب عن إحدى العينين واقعا يقتضي بنفسه لزوم الاجتناب عن الثمرات والمنافع لها سواء المتصلة منها أم المنفصلة، والموجودة حال العلم أم المتجددة، وسواء أكانت

[ 160 ]

كلتا العينين من ذوات المنافع والثمار أم كانت إحداهما كذلك... الى غير ذلك من الصور، فان مقتضى العلم الاجمالي لزوم التجنب عن المنافع مطلقا، لان النهي عن المغصوب يقتضي النهي عنه وعن توابعه ومنافعه الموجودة فعلا والمتجددة. فالتجنب عن المنفعة المتجددة يكفي فيه النهي السابق الفعلي المتعلق بنفس العين ويصير بالنسبة الى الثمرة المتجددة فعليا عند تجددها. ثم أورد على نفسه: بالفرق بين منافع الدار وثمرة الشجرة ونحوها مما لها وجود مستقل منحاز، فإن تبعية الثمرة للشجرة انما تكون في الوجود، وهي لا تستلزم التبعية في الحكم، بل لا يعقل ذلك بعد ان كانت الثمرة ذات وجود مستقل، ويدخل تحت اليد بنفسه في قبال الشجرة، فلابد ان يكون كل من الاصل والفرع له حكم مستقل يتحقق عند وجوده. وعليه فلا يعقل ان يتقدم حكم الثمرة على وجودها، لان الحكم تابع لوجود موضوعه، فقبل تحقق الثمرة لا حكم إلا بلزوم الاجتناب عن نفس الشجرة المغصوبة، ثم بعد حصول الثمرة يثبت حكم آخر بحرمة التصرف موضوعه الثمرة. ولكن هذا إذا علم تفصيلا بحرمة الشجرة. أما مع العلم الاجمالي، فحيث لا يعلم ان هذه الثمرة ثمرة لشجرة مغصوبة لا علم بثبوت الحكم فيها، فيجري فيها الاصل بلا مزاحم، إلا إذا كانت طرفا لعلم اجمالي آخر كما يأتي تحقيقه. نعم، مثل منافع الدار مما لا وجود له مستقل منحاز عن الدار يكون تابعا في الحكم للدار، فيتنجز فيه الحكم بتنجز الحكم الثابت للدار نفسها. وأجاب (قدس سره) عن هذا الايراد: بان المقصود من تبعية حكم الثمرة للشجرة ليس هو فعلية وجوب الاجتناب عنهما قبل وجودهما، فانه من فعلية الحكم قبل وجود موضوعه وهو محال، حتى في مثل منافع الدار، إذ يستحيل فعلية وجوب الاجتناب عن منافع الدار للسنة المقبلة، بل المقصود بالتبعية هو ان النهي عن التصرف في الشجرة المغصوبة يقتضي بنفسه وجوب الاجتناب عن ثمرتها

[ 161 ]

عند حصولها بلا حاجة الى تعبد آخر، لان حرمة التصرف في المنافع - سواء أكانت مستقلة في الوجود كالثمرة أو غير مستقلة كمنفعة الدار - من شئون حرمة التصرف في ذي المنفعة، فلا يتحقق امتثال المعلوم بالاجمال إلا بالاجتناب عن الثمرة عند تجددها. فتدبر. ثم إنه (قدس سره) التزم بان الحال في الحكم الوضعي هو الحال في الحكم التكليفي، فان دخول الاصل تحت اليد يستلزم ضمان المنفعة المتجددة بنفسه، كما يستلزم حرمة التصرف في الاصل حرمة التصرف في المنفعة هذا ما أفاده المحقق النائيني (رحمه الله) في كلا الموردين (1). وفي كلاهما كلام.. أما مثال بيع أحد المشتبهين بالخمر ونحوه مما لا يصح بيعه شرعا، فالامر كما ذكره (قدس سره) من الحكم بفساد البيع وعدم ترتيب أثره بالنسبة الى كل واحد من المشتبهين. والسر فيه: انه لا يصح التمسك بعمومات الصحة والنفوذ بالنسبة الى بيع أحد المشتبهين لتخصيصها بغير بيع الخمر مثلا، والمفروض ان البيع الواقع يشك في أنه بيع خمر أو لا، فيكون التمسك بالعمومات الدالة على الصحة من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وهو غير جائز، وإذا لم يتمسك بالعموم فالمرجع هو الاصل العملي، وهو يقتضي الفساد في باب المعاملات، لاصالة عدم ترتب الاثر كما يقرر ذلك في محله. وأما ما أفاده (قدس سره) من جريان أصالة الصحة في حد نفسه وسقوطها بالمعارضة، فلا نعلم وجهه، لان الاصل العملي في باب المعاملات هو الفساد لا الصحة. نعم، تجري أصالة الصحة في العقد الصادر من الغير المشكوك واجديته. (1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 68 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 162 ]

لبعض شرائط الصحة، وهو غير ما نحن فيه كما لا يخفى. وأما ما ذكره من جعل السلطنة، وانها ملازمة لجعل الصحة أو عينها وان عدم السلطنة ملازم للفساد أو عينه ففيه: ما ذكره الشيخ (رحمه الله) في نفي امكان جعل السببية، بان الجاعل ان اقتصر على جعل السببية بل جعل المسبب عند حصول السبب، فلا أثر لجعل السببية، لعدم تحقق المسبب بدون الجعل، وان جعل المسبب عند حصول السبب كان جعل السببية لغوا مستغنى عنه (1) فانه يرد مثله في جعل السلطنة، فان الجاعل ان اقتصر على جعل السلطنة على البيع بلا جعل الاثر عند حصوله، فلا أثر لجعل السلطنة. وإن جعل الاثر عند حصول البيع، كفى ذلك عن جعل السلطنة، فكان جعلها لغوا محضا. إذن فلا وجه للالتزام بجعل السلطنة أو نفيها شرعا، بل السلطنة وعدمها ينتزعان من جعل الاثر عند حصول البيع وعدمه. فالتفت. وأما مثال النماء المتصل أو المنفصل لاحدى العينين المشتبهتين بالغصبية، فحديث ضمان المنفعة المتجددة بمجرد جعل اليد على العين له مجال آخر، فنوكله الى محله، وانما نتكلم فيه من جهة الحكم التكليفي، وان لزوم الاجتناب عن النماء بنفس لزوم الاجتناب عن العين، أو انه حكم آخر ذو موضوع مستقل آخر ؟. وقد أشار المحقق العراقي (قدس سره) الى هذا المثال، ورد فيه بين الاحتمالين، ولم يرجح أحدهما على الاخر، بل أهمل ذلك بالكلية (2). ولا يخفى ان الالتزام بأحد الاحتمالين يبتني على ظهور ان الاجتناب عن النماء هل هو من شئون الاجتناب عن العين أو ليس من شئونه ؟. فإذا ثبت كونه من شئون الاجتناب عن العين كان وجوب الاجتناب عن العين بنفسه يقتضي


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى فرائد الاصول / 350 و 351 - الطبعة الاولى. (2) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 2 / 262 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 163 ]

الاجتناب عن النماء. وإلا فلا. والظاهر هو الاول، فان النهي عن التصرف في العين والامر باجتنابها ظاهر عرفا فيما يعم الاجتناب عن نمائها حتى المتجددة، ويعد ذلك من شئون الاجتناب عن نفس العين عرفا. وعليه فكلما تتجدد ثمرة للعين تتسع دائرة وجوب الاجتناب عن العين، ويثبت وجوب الاجتناب عن ثمرة العين بنفس الوجوب الثابت من الاول، لانه من مراتبه وشئونه. وهذا يقتضي تنجز الحكم باجتناب الثمرة لا حدى المشتبهين بنفس العلم الاجمالي بغصبية احدهما ولزوم الاجتناب عن أحدهما بلا حاجة الى علم آخر، كما أوضحناه جيدا في مسألة ملاقي أحد المشتبهين بالنجس. ومما ذكرنا يظهر: انه لا وقع لما جاء في الدراسات من الايراد على المحقق النائيني في ما ذكره في مثال النماء من " انا لا نتعقل ثبوت ملاك تحريم المنافع قبل وجودها خارجا، فان حرمة التصرف في مال الغير انما تثبت بعد ثبوت موضوعه في الخارج، ومع عدم تحققه لا معنى لتحقق ملاك التحريم، كما لا معنى لثبوت نفسه " (1). فان المحقق النائيني (قدس سره) قد تنبه الى ذلك على ما نقلناه من كلامه، وذهب الى عدم فعلية الحكم بالاجتناب عن النماء إلا عند حصوله، لكن الحكم بالاجتناب عنه ليس حكما جديدا، بل هو بنفس الحكم بلزوم الاجتناب عن الاصل، لان الاجتناب عن النماء من شئونه وتوابعه عرفا، فتتسع دائرته بحصول مرتبة من مراتب متعلقه. فلاحظ تعرف. هذا تمام الكلام في الجهة الاولى الفقهية. وأما الجهة الثانية الاصولية: فتحقيق الكلام فيها: انه قد يدعى ان لزوم الاجتناب عن ملاقي النجس وإن كان حكما مستقلا غير وجوب


(1) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 262 - الطبعة الاولى. (*)

[ 164 ]

الاجتناب عن النجس نفسه، لكن هذا لا يضر في لزوم الاجتناب عن ملاقي أحد المشتبهين بالنجس، وذلك لانه يكون طرفا لعلم إجمالي آخر يقتضي تنجز التكليف فيه، فانه عند تحقق الملاقاة يحصل عند المكلف علم إجمالي اخر بنجاسة أحد الاناءين، إما الملاقي - بالكسر - أو الطرف الاخر للملاقى - بالفتح -، وهذا العلم الاجمالي يوجب تنجز التكليف في الملاقي، كاستلزام العلم الاجمالي الذي طرفاه الملاقى والاناء الاخر لتنجيز طرفيه. وقد تصدى الاعلام الى دفع هذه الدعوى، وبيان عدم منجزية العلم الاجمالي الاخر. فذكر الشيخ (رحمه الله) في هذا المقام: ان اصل الطهارة والحل في الملاقي يمكن اجراؤه بلا ابتلائه بالمعارض الموجب للتساقط. وذلك لان الشك في نجاسة الملاقي ناشئ ومسبب عن الشك في نجاسة الملاقى، فالشك في الملاقى سببي وفي الملاقي مسببي، وقد تقرر في محله انه لا مجال لجريان الاصل في الشك المسببي مع جريانه في الشك السببي، سواء كان موافقا ام مخالفا، لحكومة أو ورود الاصل السببي على الاصل المسببي. وعليه، فظرف جريان الاصل المسببي هو ظرف امتناع جريان الاصل السببي لمانع منه، ولا يكونان في رتبة واحدة. وهذا يقتضي انه لا تصل النوبة الى جريان الاصل في الملاقي إلا بعد سقوط الاصل في الملاقى وعدم جريانه، وهو انما يسقط بمعارضته بالاصل الجاري في الطرف الاخر. فإذا تساقطا معا كان الاصل في الملاقي جاريا بلا معارض. وبالجملة: لا يلزم من جريان الاصل المرخص في الملاقي محذور لعدم معارضته بمثله في الطرف الاخر، لسقوط الاصل فيه في مرحلة سابقة على جريانه في الملاقي، وهي مرحلة جريان الاصل في الملاقى الذي عرفت تقدمه

[ 165 ]

رتبة على الاصل في الملاقي، هذا ما أفاده الشيخ (رحمه الله) (1). وقد أفاد صاحب الكفاية في دفع الدعوى المزبورة: ان الملاقي على تقدير نجاسته بسبب نجاسة الملاقى يكون فردا آخر من أفراد النجس يشك في تحققه، كما يشك في نجاسة فرد آخر بسبب آخر غير الملاقاة، فان العلم الاجمالي كما لا يقتضي الاجتناب عن الفرد المشكوك النجاسة بسبب آخر كذلك لا يقتضي الاجتناب عن الملاقي (2). وهذا البيان مقتضب جدا وهو يختلف عن بيان الشيخ (رحمه الله). ولعل الوجه في سلوك صاحب الكفاية هذا المسلك وعدوله عن مسلك الشيخ (رحمه الله) هو: أن مسلك الشيخ (رحمه الله) في الجواب يبتني على القول بالاقتضاء في العلم الاجمالي، وان وجوب الموافقة القطعية ناشئ من تعارض الاصول، فيصح اجراء الاصل في أحد الطرفين لو لم يكن له معارض. وهذا القول لا يرتضيه صاحب الكفاية ولا يذهب الى صحته، بل هو يرى القول بالعلية التامة، بحيث يمتنع اجراء الاصل في أحد الطرفين في حد نفسه ومع قطع النظر عن المعارضة، ولاجل وضوح هذه الجهة أهمل الاشارة الى كلام الشيخ، بل سلك في دفع الدعوى مسلكا يتلاءم مع مسلكه، لكن بيانه لا يخلو عن اجمال كما عرفت. ومن الممكن ان يكون نظره (قدس سره) الى بيان عدم منجزية العلم الاجمالي الاخر لانحلاله بالعلم الاجمالي السابق. والوجه فيه - بنظره -.. إما أن العلم الاجمالي المتأخر ليس علما بتكليف فعلي آخر غير التكليف المعلوم بالعلم الاول، فلا يكون حينئذ منجزا.


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 253 الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 362 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 166 ]

وإما ما اشار إليه المحقق الاصفهاني من: أن العلم الاجمالي انما يكون منجزا للتكليف إذا لم يقم على أحد طرفيه منجز، لان المنجز لا يتنجز، وما نحن فيه كذلك لان الطرف الاخر طرف لعلم اجمالي منجز سابق على العلم الاجمالي بينه وبين الملاقي وهو العلم الاجمالي بينه وبين الملاقى. وحينئذ فلا يكون العلم الاجمالي المتأخر قابلا لتنجيز طرفيه (1). ولكن فيه كلا الوجهين منع تقدم إيضاحه في مبحث الانحلال. فقد تقدم: ان دعوى اعتبار تعلق العلم بتكليف فعلي آخر في منجزيته. مدفوعة: بانه لا دليل عليها، بل ينافيها ما هو واضح من منجزية العلمين الاجماليين المشتركين في طرف واحد الحاصلين في آن واحد، مع بان كلا منهما ليس علما بتكليف آخر جديد، لاحتمال كون المعلوم بالاجمال فيهما هو الطرف المشترك. كما تقدم: ان دعوى ان المنجز لا يتنجز وجه صوري لبيان الانحلال، لان العلم الاجمالي السابق لا يكون منجزا في مرحلة البقاء إلا بلحاظ بقائه لا بلحاظ حدوثه، وحينئذ فتكون نسبة العلمين بقاء الى الطرف المشترك على حد سواء، فيشتركان في التنجيز. فراجع. إذن فهذان الوجهان لا يصلحان لاثبات دعوى الانحلال في المقام. ثم إن صاحب الكفاية بعد ما ذكر ما نقلناه عنه قال: " ومنه ظهر: انه لا مجال لتوهم ان قضية تنجز الاجتناب عن المعلوم هو الاجتناب عنه أيضا، ضرورة ان العلم به انما يوجب تنجز الاجتناب عنه لا تنجز الاجتناب عن فرد آخر لم يعلم حدوثه وان احتمل " (2). وهذا القول منه يحتمل ان يكون اشارة الى


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 259 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 363 - طبعة مؤسسة آل البيت. (*)

[ 167 ]

أحد أمرين: الاول: نفي دعوى ان الاجتناب عن الملاقي من شئون الاجتناب عن الملاقى، بحيث يكون تنجز الاجتناب عن الملاقى موجبا لتنجز الاجتناب عن الملاقي التي عرفت ذهاب البعض إليها. وبيان ان نجاسة الملاقي فرد آخر من النجاسة له حكمه الخاص من حيث التنجز، فلا ينجز إلا بمنجز يقوم عليه خاصة، ولا يتنجز بتنجز غيره. الثاني: نفي توهم ان الامارة إذا قامت على نجاسة شئ كان مقتضاها هو الحكم بنجاسة ملاقيه، مع انها لا تفيد سوى تنجيز الواقع كالعلم - كما يراه صاحب الكفاية -. وهذا يقتضي ان يكون تنجز الاجتناب عن شئ بعنوان النجاسة موجبا لثبوت الحكم بالاجتناب عن ملاقيه، فيثبت ذلك في مورد العلم الاجمالي لتنجز حكم النجاسة في كلا الطرفين. والوجه في دفعه: ان الاخبار باحد المتلازمين إخبار بالملازمة بالاخر، فإذا قامت البينة على نجاسة شئ قامت أيضا على نجاسة ملاقيه بالملازمة، فالحكم بنجاسة الملاقي ليس من جهة التلازم في التنجيز بينهما، بل من جهة قيام الامارة على نجاسته بالخصوص، وليس كذلك الحال في مورد العلم الاجمالي، فان العلم الاجمالي بنجاسة أحد الاناءين واقعا لا يكون علما بنجاسة الملاقي لاحدهما المشكوك، بل لا يكون في البين الا مجرد الاحتمال وهو لا يصلح للتنجيز. وبعد هذا نعود الى أصل المطلب، فنقول: ان عدم تنجيز العلم الاجمالي الحادث بين الملاقي والطرف الاخر يبتني على الالتزام بالانحلال. وقد عرفت فيما تقدم عدم ارتضاء جميع الوجوه المذكورة للانحلال من الانحلال الحقيقي التكويني وغيره. نعم، ذكرنا هناك وجها للانحلال اختصصنا به، وهو الالتزام باجراء

[ 168 ]

الاصل المؤمن فيما عدا ما قام عليه المنجز من علم أو أمارة - بهذا العنوان أعني: عنوان غير ما قامت عليه الامارة مثلا -، إذ يشك في ثبوت التكليف في غيره، فإذا نفي التكليف بالاصل كان هذا الاصل ناظرا الى التأمين من جهة العلم الاجمالي وموجبا لانحلاله. وقد تقدم انه لا مانع من جريان الاصل إذا كان ناظرا الى العلم الاجمالي. وانما التزمنا بوجوب الموافقة القطعية باعتبار قصور مقام الاثبات، فراجع تعرف، وبالوجه الذي ذكرناه صححنا جعل البدل وأرجعناه إليه. ولكن تقدم ان الوجه المذكور نلتزم به فعلا في مورد قيام العلم أو الامارة أو الاصل الشرعي المثبت في احد الاطراف. أما موارد ثبوت قاعدة الاشتغال في أحد الاطراف، أو كون احد الطرفين طرفا لعلم اجمالي آخر، كما فيما نحن فيه، فقد أولكناه الى محل آخر، ونحن الان لا نريد تحقيق ذلك، بل نقصر الكلام على المورد الذي نحن فيه مما كان العلم الاجمالي ناشئا من العلم الاجمالي السابق ومتفرعا عليه. فنقول: إن الوجه المتقدم يتأتى فيما نحن فيه بوضوح لانا نقول: نحن نعلم اجمالا بثبوت التكليف بين الملاقى وطرفه، ونشك في ثبوت تكليف زائد على ذلك التكليف، فننفيه بأصالة البراءة، فيتصرف في موضوع العلم الاجمالي القائم بين الملاقي والطرف الاخر ويكون مؤمنا منه لانه ينظر إليه. ولا يمكن دعوى العكس، بان يقال: انا نعلم بثبوت التكليف بين الملاقي وطرفه، ونشك في ثبوت تكليف زائد عليه فينفي بأصالة البراءة، ونتيجته التأمين من الملاقى. لتفرع نجاسة الملاقي على نجاسة الملاقى فمع قطع النظر عن الملاقى لا علم بالتكليف في الملاقي، فكيف يقال: إنا نعلم بالتكليف بين الملاقي والطرف الاخر ونشك في الزائد عليه وننفيه بالاصل ؟. فلاحظ. ثم إن صاحب الكفاية فصل بين صور الملاقاة من حيث الحكم بلزوم

[ 169 ]

الاجتناب عن الملاقي وعدمه، فذكر: ان الصور ثلاث: الاولى: ما إذا حصلت الملاقاة بعد العلم الاجمالي المنجز القائم بين الملاقى والطرف الاخر، وهي موضوع الكلام السابق. وقد عرفت انه اختار عدم لزوم الاجتناب عن الملاقي. الثانية: ما إذا حصل العلم الاجمالي بعد العلم بالملاقاة، واختار فيها لزوم الاجتناب عن الملاقى والملاقي معا، للعلم الاجمالي إما بنجاستهما أو نجاسة الطرف الاخر. الثالثة: ما إذا علم بنجاسة الملاقي أو شئ آخر، ثم بعد ذلك علم بالملاقاة وعلم بنجاسة الملاقى أو ذلك الشئ. واختار فيها لزوم الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى وان حال الملاقى في هذه الصورة حال الملاقي في الصورة الاولى. وعطف عليها في الحكم ما إذا علم بالملاقاة ثم حدث العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى أو الطرف الاخر، وكان الملاقى عند حدوث العلم الاجمالي خارجا عن محل الابتلاء، ثم صار داخلا فيه (1). وقد فند المحقق النائيني (قدس سره) هذا التفصيل بشدة، وذهب الى عدم صحته، لانه يبتني على ان حدوث العلم بما هو علم وصفة قائمة بالنفس تمام الموضوع لحكم العقل بالتنجيز وان انقلبت صورته وانقلبت عما حدثت عليه، وهذا المبنى فاسد، لان المدار في تأثير العلم على المعلوم والمنكشف لا على العلم والكاشف، فإذا كان المعلوم بالعلم المتأخر اسبق زمانا من المعلوم بالعلم المتقدم، كان العلم المتأخر موجبا لانحلال العلم المتقدم. والسر فيه هو: ان العلم المتأخر المتعلق بالمعلوم السابق زمانا يستلزم تنجيز معلومه من السابق، فيكون العلم


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 362 - 363 طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 170 ]

المتقدم متعلقا بما هو منجز، فلا يصلح لتنجيز أطرافه (1). أقول: إن صاحب الكفاية حيث بنى كلامه في دعوى الانحلال على ان المنجز لا يتنجز، كما وجهت به عبارته من قبل المحقق الاصفهاني، كان التفصيل الذي ذكره بين هذه الصور في غاية المتانة، إذ المدار حينئذ على تأخر العلم وتقدمه، لا تأخر المعلوم وتقدمه، فالعلم المتأخر لا يكون منجزا، لانه يتعلق بما هو منجز وهو لا يقبل التنجيز ثانيا، وليس هذا من جهة أخذ العلم موضوعا لا طريقا كما لا يخفى. وعليه، فيرد على المحقق النائيني: انه على تقدير تمامية ما أفاده، فهو لا يصلح ايرادا على صاحب الكفاية فيما نحن فيه، لانه ايراد مبنائي وهو خارج عن الاسلوب العلمي في مقام النقض والابرام. هذا، مع ان ما أفاده غير تام في نفسه، لان دعوى تنجيز العلم المتأخر معلومه من السابق خالية عن السداد، لان المعلوم إذا كان في ظرفه غير منجز في حق المكلف، ثم بعد حين تعلق به العلم، لم يصلح العلم لتنجيزه في ظرفه السابق، فان الشئ لا ينقلب عما وقع عليه، مع انه لا معنى لتنجيزه بعد مضي ظرفه. نعم العلم يكون منجزا من حين حدوثه، كما تقدم بيان ذلك في مبحث الانحلال والاضطرار فراجع. ثم إنك حيث عرفت ان بناء الانحلال على عدم صلاحية المنجز للتنجيز لا ترجع الى محصل، فلابد من معرفة حكم هذه الصور على الوجه الذي اخترناه في تقريب الانحلال. والحق ان الوجه الذي ذكرناه لتقريب الانحلال في الصورة الاولى يأتي في سائر الصور، لانه يصح ان نقول في جميعها ان التكليف بين الملاقى والطرف


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 86 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 171 ]

الاخر معلوم، والزائد عليه مشكوك ينفى بالاصل. فالتفت ولا تغفل. هذا تحقيق الكلام في أصل المطلب. يبقى الكلام في أمور: الامر الاول: ذكر الشيخ (رحمه الله): انه لو تحققت الملاقاة لاحد المشتبهين قبل العلم الاجمالي وفقد الملاقى بعد الملاقاة، ثم حصل العلم الاجمالي بنجاسة المفقود أو طرف آخر، كان الملاقي قائما مقام الملاقى المفقود في وجوب الاجتناب عنه، لمعارضة اصالة الطهارة فيه بأصالة الطهارة في الطرف الاخر، إذ لا يجري الاصل في الملاقى المفقود حتى يعارض الاصل في طرفه، ويبقى الاصل في الملاقي سليما عن المعارض، لان الاصل لا يجري فيما لا يبتلي به المكلف لعدم الاثر بالنسبة إليه (1). وأورد عليه: بان خروج الشئ عن محل الابتلاء ولو كان بسبب عدم القدرة عليه، لا يكون مانعا عن جريان الاصل فيه إذا كان له أثر فعلي، كما لو غسل الثوب النجس بماء مع الغفلة عن طهارته ونجاسته، ثم انعدم ذلك الماء، وبعد ذلك شك في طهارته ونجاسته، فانه لا اشكال في جريان أصالة الطهارة فيه أو استصحابها، فيثبت بها طهارة الثوب المغسول به. وما نحن فيه كذلك، لان الملاقى وإن كان معدوما إلا ان اجراء أصالة الطهارة فيه مما يترتب عليه أثر، وهو طهارة ملاقيه، فلا مانع من اجراء الاصل فيه في نفسه، لكنه بواسطة العلم الاجمالي معارض بأصالة الطهارة في الطرف الاخر، فتبقى أصالة الطهارة في الملاقي سليمة عن المعارض (2). وهذا الايراد لا يمكننا الالتزام به لوجهين: الاول: ان معارضة الاصول في اطراف العلم الاجمالي ناشئة - على ما


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 254 - الطبعة الاولى. (2) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 363 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 172 ]

تقدم - من استلزام اجرائها في الطرفين الترخيص في المعصية واجراء احدهما ترجيح بلا مرجح. ولا يخفى ان هذا المحذور يرتبط بالعلم الاجمالي بالحكم التكليفي الالزامي. أما العلم الاجمالي بحكم وضعي مردد بين طرفين، فلا يصادم اجراء الاصل النافي لذلك الحكم الوضعي في كلا الطرفين، إذ ليس فيه ترخيص في معصية. وعليه، فنقول: مع العلم الاجمالي بنجاسة أحد الشيئين لا مانع من جريان أصالة الطهارة في كليهما في حد نفسها، وإنما المانع من جهة ما يترتب على جريان أصالة الطهرة فيهما من مخالفة التكليف المعلوم المترتب على النجاسة، لان أصل الطهارة يترتب عليه الترخيص في استعمال الطاهر، وهو ينافي العلم بالمنع في أحدهما. وعلى هذا، ففيما نحن فيه يعلم بنجاسة أحد الاناءين المفقود أو الموجود، لكن هذا العلم ليس علما بتكليف الزامي مردد بين الطرفين، إذ النجاسة على تقدير كونها في الطرف المفقود لا يترتب عليها وجوب الاجتناب لخروجه عن محلا الابتلاء المانع من ثبوت التكليف. وعليه، فلا معارضة بين أصالة الطهارة في المفقود - على تقدير جريانها -، وأصالة الطهارة في الموجود، لان العلم بالنجاسة بنفسه لا يمنع من إجراء أصالة الطهارة ما لم يكن علما بتكليف إلزامي. فليس لدينا حينئذ علم منجز سوى العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف الاخر الموجود، لانه علم بتكليف الزامي مردد بين الطرفين، فيمنع من جريان كلا الاصلين في طرفيه. الثاني: ان ظاهر دليل قاعدة الطهارة هو الحكم بالطهارة عند تحقق الشك، بحيث يكون ظرف الحكم بالطهارة هو ظرف فعلية الشك - كما هو ظاهر

[ 173 ]

قضية كل حكم وموضوع، فان ظاهرها كون فعلية الحكم عند فعلية موضوعه -. وعليه، فلا دلالة له على الكم بالطهارة السابقة للاناء في الزمان السابق، بحيث تثبت له الطهارة سابقا، فان مقام الاثبات لا يساعد عليه. فأصالة الطهارة لا تجري في المعدوم بلحاظ ظرف وجوده السابق، بحيث تتكفل جعل الطهارة له في الزمان السابق لانه ليس ظرف الشك. وإنما ظرف الشك فعلي، ولم يؤخذ الشك بنحو الشرط المتأخر للحكم، فغاية ما تتكفله جعل الطهارة له فعلا ومن الان ولكنه معدوم الان، فلا يقبل جعل الطهارة له. اذن فجريان أصالة الطهارة في المعدوم لاثبات طهارة ملاقيه أو المغسول به مما لا محصل له. ودعوى: انه يمكن ان تتكفل جعل الطهارة فعلا لكن للموجود السابق على العكس من الواجب - المعلق بدعوى ان المحكوم بالطهارة فعلا هو متعلق الشك، ومتعلق الشك فيما نحن فيه هو الوجود السابق للشئ، فيحكم فقط بطهارته - فالحكم فعلي والمتعلق سابق كما انه في الواجب المعلق يكون الحكم فعليا والمتعلق استقبالي. مندفعة: بانها - على تقدير معقوليتها - لا تنفع في اثبات طهارة الملاقي، لان الذي ينفع هو اثبات الطهارة في ظرف الملاقاة، أما بعد ذلك فلا ينفع في اثبات طهارة الملاقي أو المغسول به. فالتفت. نعم، هذا الكلام لا يجري في مثل الاستصحاب، إذ يلتزم فيه بانه يتكفل جعل الحكم في الزمان السابق واللاحق، كموارد الاستصحاب الاستقبالي، ولذا يلتزم بجريانه في المعدوم بلحاظ وجوده السابق وتعلق الشك فيه. وعلى ما ذكرناه، نقول: انه إذا غسل الثوب باناء مع الغفلة عن طهارته ونجاسته ثم انعدم، وبعد ذلك حصل الشك.. فان كانت الحالة السابقة للماء هي النجاسة جرى استصحاب النجاسة

[ 174 ]

فيه وحكم ببقاء نجاسة الثوب المغسول به. وان كانت الحالة السابقة له هي الطهارة جرى استصحاب الطهارة فيه وحكم بطهارة الثوب المغسول به. وإن لم تعلم حالته السابقة، أو كان مما تواردت عليه الحالتان مع الجهل بتاريخهما، لم يمكن جريان الاستصحاب فيه، كما انه لا يمكن جريان قاعدة الطهارة فيه بلحاظ زمان وجوده، لما عرفت من قصور دليلها، فيتعين اجراء استصحاب النجاسة في الثوب المغسول به، فيعامل معاملة النجس. هذا تحقيق الكلام في هذا الامر. الامر الثاني: إذا حصل العلم بالملاقاة ثم حصل العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي والملاقى أو الطرف الاخر، بحيث اتحد زمان الملاقاة مع زمان المعلوم بالاجمال، كما إذا كان ثوب في إناء فيه ماء فوقعت قطرة بول إما في ذلك الاناء أو في إناء آخر، فانه يحصل العلم الاجمالي بنجاسة الثوب والماء المشتمل عليه أو الماء في الاناء الاخر. فهل يجب الاجتناب عن الملاقى والملاقي معا، كما عليه صاحب الكفاية. أو يجب الاجتناب عن خصوص الملاقى دون الملاقي، كما نسب الى الشيخ، وتبعه المحقق النائيني ؟. والوجه في الثاني هو: ان الاصل المرخص في الملاقي لما كان في رتبة متأخرة عن الاصل الجاري في الملاقى لمكان السببية والمسببية، فالمعارضة تقع بين الاصل الجاري في الملاقى والطرف الاخر، لعدم جريان الاصل في الملاقي قبل سقوط الاصل في الملاقى. وعليه فيبقى الاصل في الملاقي سليما عن المعارض. وأورد على ذلك: بان الاصل في الملاقي وان كان في رتبة متأخرة على الاصل في الملاقى، لكن ذلك لا يستلزم عدم وقوعه طرفا للمعارضة لوجهين:

[ 175 ]

الاول: ان التقدم والتأخر الرتبي انما يؤثران في مثل الاحكام العقلية المترتبة على الشئ بلحاظ رتبته، دون الاحكام الشرعية المنوطة بالموجودات الخارجية، سواء من حين موضوعاتها أم من حيث متعلقاتها ولا دخل للتقدم والتأخر الرتبي فيها. وعليه، فالاصل في الملاقي لما كان متحدا زمانا مع الاصول الاخرى كان معارضا لها وان تأخر عنها رتبة. واستشهد على ذلك بالحكم باعادة الوضوء وصلاتي الظهر والغداة إذا علم اجمالا ببطلان وضوئه لصلاة الغداة أو بطلان صلاة الظهر لفقد ركن منها. والسر فيه: تعارض قواعد الفراغ في جميع هذه الامور الثلاثة وتساقطها، مع ان قاعدة الفراغ في صلاة الغداة متأخرة رتبة عن قاعدة الفراغ في الوضوء. فلاحظ. الثاني: ان الاصل الجاري في الملاقي وان كان في طول الاصل في الملاقى، لكنهما معا في عرض الاصل الجاري في الطرف الاخر فيعارضهما معا ويوجب تساقطهما. ومجرد كون الاصل في الطرف الاخر في عرض الاصل في الملاقى السابق رتبة على الاصل في الملاقي لا يستدعي تقدمه رتبة على الاصل في الملاقي من باب ان المتأخر عن أحد المتساويين في الرتبة متأخرة عن الاخر بالضرورة، فانه انما يتم في السبق بالزمان لا في السبق بالرتبة، ولذا لا يكون المعلول متأخرا عن عدم علته رتبة مع ان عدم العلة في رتبة العلة السابقة على المعلول رتبة. فتدبر (1). وكلا هذين الوجهين مردودان: أما الاول: فلان الامر في تأثير التأخر والتقدم الرتبي في الاحكام العقلية دون الاحكام الشرعية مسلم في الجملة، فانه قد تقرر عندهم أن الطبيعة بما هي


(1) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 267 - الطبعة الاولى. (*)

[ 176 ]

ليست إلا هي لا موجودة ولا معدومة، فالتزم بارتفاع المتناقضين فيها مع كون المقرر لديهم ان ارتفاع المتناقضين محال، فلا يمكن سلب الوجود والعدم عن الشئ الواحد في الان الواحد، فالطبيعة اما موجودة أو معدومة. والتزم في دفع هذا الاشكال بان للطبيعة نحوين من الملاحظة، فتارة: تلحظ بما هي بحيث يقصر النظر فيها على ذاتها وذاتياتها من دون ملاحظة أمر خارج عن ذاتها وذاتياتها. واخرى: تلحظ بالاضافة الى ما هو خارج عن ذاتها وذاتياتها. وهي بالملاحظة الاولى اسبق رتبة منها بالملاحظة الثانية. فقيل بان الحكم بانها لا موجودة ولا معدومة انما هو بلحاظ الطبيعة بما هي هي، وان الحكم بانها إما موجودة أو معدومة انما هو بلحاظها بالملاحظة الثانية، فالمصحح للاختلاف هو تعدد الرتبة. ولكن هذا لا ينفع في الاحكام الشرعية، ولذا لا يلتزم بصحة جعل الحرمة للفعل بملاحظة ذاته، وجعل الوجوب لذلك الفعل بملاحظة وصف عارض عليه، بحيث يجتمع الوجوب والحرمة في آن واحد، مع ان الملاحظة الثانية في طول الملاحظة الاولى. ولكن في الوقت الذي يسلم عدم تأثير الاختلاف في الرتبة في اجتماع الحكمين الشرعيين المتضادين، هناك أمر لا يقبل الانكار، وهو تقدم نوبة الاصل الجاري في الموضوع على الاصل الجاري في الحكم، وارتفاع محذور التزاحم بين الحكمين بالالتزام بالترتب بينهما، فالاختلاف الرتبي في مثل هذين الموردين له التأثير الكامل والمفعول النافذ الذي يلتزم به في محله. وكيف كان الحال، فقضية الطولية في جريان الاصل المسببي وتأخره عن الاصل السببي لا تقبل الانكار، كيف ؟ وعليها أساس حكومة أو ورود الاصل السببي كما يبين في محله. وإن شئت قلت: لا يهمنا التعبير بالطولية والعرضية. وإنما المهم هو واقع الحال، فان لدلينا أمرا واقعيا ثابتا، وهو انه لا مجال لجريان الاصل الجاري في

[ 177 ]

الحكم مع جريان الاصل في الموضوع، سواء كانا متوافقين أم متخالفين. وما نحن فيه من هذا الباب، فلا يمكن إعمال المعارضة بين الاصل الجاري في الملاقي والاصل في الطرف الاخر، إذ لا تصل النوبة إليه إلا بعد سقوط الاصل في الموضوع وهو الملاقى، وهو انما يسقط بالمعارضة مع الاصل في الطرف الاخر فيكون الاصل في الملاقي عند وصول النوبة إليه سليما عن المعارض. ومن هنا ظهر الاشكال في الوجه الثاني، فان عدم معارضة الاصل في الملاقي للاصل في الطرف الاخر ليس من جهة دعوى تقدم الاصل الجاري في الطرف الاخر على الاصل في الملاقي رتبة، بل من جهة أن دليل الاصل لا يشمل الملاقي إلا بعد سقوط الاصل في الملاقى بالمعارضة مع الاصل في الطرف الاخر، لانه مانع عنه كما عرفت، وحينئذ فحين تصل النوبة الى الاصل في الملاقي لا يكون له معارض. إذن، فما أفاده الشيخ متين بناء على اختياره من كون المانع من جريان الاصول هو التعارض. نعم بناء على مسلك صاحب الكفاية من علية العلم الاجمالي التامة ومنعه لجريان الاصل في طرفه مع قطع النظر عن المعارضة، يكون الصحيح هو الوجه الاول كما تقدم بيانه. فراجع. الامر الثالث: قد عرفت في البحث الفقهي - لهذا التنبيه - انه بناء على الالتزام بان نجاسة الملاقي لاجل السراية الحقيقية، أو لاجل ان الاجتناب عنه من شئون الاجتناب عن الملاقى، يكون العلم الاجمالي الاول منجزا للحكم في الملاقي. واما بناء على الالتزام بانها فرد آخر من النجاسة ثبتت بالدليل الخاص، فلا يكون العلم الاجمالي الاول منجزا، ولذا يقع الكلام في الجهة الاصولية كما تقدم. فلو شك في ان النجاسة للملاقي هل هي حكم مستقل آخر، أو انها

[ 178 ]

لاجل السراية، أو كونها من شئون نجاسة الملاقى، فما هو مقتضى الاصل العملي ؟ فهل يقتضي الاحتياط أم البراءة ؟. ذهب المحقق النائيني - كما في تقريرات الكاظمي (1) وعدل عنه في اجود التقريرات (2) - الى الاول قياسا على مسألة دوران الامر بين مانعية شئ وشرطية عدمه في الضدين اللذين لا ثالث لهما، فان الشرطية والمانعية تشتركان في الاثار ولا تختلفان الا في أثر عقلي عند الشك في تحقق الشرط أو وجود المانع، وهي انه مع الشك في تحقق الشرط يحكم العقل بالاحتياط. بخلاف مورد الشك في وجود المانع، فان العقل يحكم بعدم الاحتياط لاصالة عدم المانع، فإذا شك في ان الشئ هل أخذ مانعا في الصلاة أو ان عدمه أخذ شرطا فيها، لا يمكن نفي الاثر المترتب على الشرطية باصل البراءة، لانه أثر عقلي لا شرعي، والبراءة انما تتكفل رفع المجعولات الشرعية. وما نحن فيه كذلك، لعدم الاختلاف بين المسلكين في الجهة الشرعية وهي نجاسة الملاقي على كل تقدير، وانما الاختلاف بين المسلكين في أثر عقلي في موارد العلم الاجمالي والشك في ملاقاة النجس، إذ على القول بالسراية أو التبعية لا يتحقق امتثال الحكم في الملاقى إلا بالاجتناب عن الملاقي فيكون العلم منجزا بالنسبة إليه. وعلى القول بالاستقلالية لا يتوقف امتثال الحكم في الملاقى على اجتناب الملاقي فلا يكون العلم منجزا بالنسبة إليه، فمع الشك لا يمكن نفي هذا الاثر - اعني: وجوب الاجتناب عن الملاقي - بأصالة البراءة، لان وجوبه على تقديره عقلي وهو لا يرتفع بالبراءة. هذا محصل ما أفاده (قدس سره). وفيه: انك قد عرفت في مقام بيان السراية ان مرجعها الى انبساط متعلق


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 89 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. اجود التقريرات 2 / 261 - الطبعة الاولى. (*)

[ 179 ]

الحكم وسعة دائرته، نظير الجوهر المنحل بالماء، فالالتزام بالسراية التزام بسعة دائرة الحكم لسعة متعلقه. وهكذا الامر بناء على الالتزام بالتبعية، وان الاجتناب عن النجس من شئونه الاجتناب عن ملاقيه، بحيث يجب الاجتناب شرعا عنه بنفس لزوم الاجتناب عن الملاقى لانه من مراتبه. وعلى هذا، فمرجع الشك في ذلك الى الشك في انه عند تحقق الملاقاة هل ينبسط الحكم الشرعي ويتعلق بالملاقي أو لا ؟، فالشك في أمر شرعي لا عقلي، فيرفع بالاصل، نظير موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر. فتدبر. هذا تمام الكلام في مسألة الملاقي لاحد أطراف الشبهة المحصورة. التنبيه الخامس: في تنجيز العلم الاجمالي في التدريجيات. وقد بحث الشيخ (قدس سره) في ذلك فقال: " لو كان المشتبهات مما يوجد تدريجا، كما إذا كانت زوجة الرجل مضطربة في حيضها بان تنسى وقتها وان حفظت عددها، فيعلم اجمالا انها حائض ثلاثة أيام مثلا، فهل يجب على الزوج الاجتناب عنها في تمام الشهر ويجب على الزوجة أيضا الامساك عن دخول المسجد وقراءة العزيمة تمام الشهر أم لا ؟. وكما إذا علم التاجر إجمالا بابتلائه في يومه أو شهره بمعاملة ربوية، فهل يجب عليه الامساك عما لا يعرف حكمه من المعاملات في يومه أو شهره أم لا ؟. التحقيق أن يقال: انه لا فرق بين الموجودات فعلا والموجودات تدريجا في وجوب الاجتناب عن الحرام المردد بينها إذا كان الابتلاء دفعة وعدمه، لاتحاد المناط في وجوب الاجتناب. نعم قد يمنع الابتلاء دفعة في التدريجيات، كما في مثال الحيض، فان تنجز تكليف الزوج بترك وطء الحائض قبل زمان حيضها ممنوع، فان قول الشارع (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) (1) ظاهر في وجوب الكف عند


(1) سورة البقرة، الاية: 222. (*)

[ 180 ]

الابتلاء بالحائض، إذ الترك قبل الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء، فلا يطلب بهذا الخطاب، كما انه مختص بذوي الازواج ولا يشمل العزاب إلا على وجه التعليق، فكذلك من لم يبتل بالمرأة الحائض. ويشكل الفرق بين هذا وبين ما إذا نذر أو حلف على ترك الوطء في ليلة خاصة ثم اشتبهت بين ليلتين أو أزيد، ولكن الاظهر هنا وجوب الاحتياط، وكذا في المثال الثاني من المثالين المتقدمين " (1). هذا نص ما أفاده الشيخ في المقام. وقد حمل كلامه على التفصيل في التدريجيات بين ما إذا لم يكن للزمان اللاحق دخل في فعلية الخطاب، وانما كان ظرفا أو قيدا للمتعلق، بحيث يكون التكليف فعليا على كل تقدير في زمان حصول العلم. وبين ما إذا كان الزمان اللاحق دخيلا في فعلية الخطاب والملاك بحيث لا يصير الخطاب ولا الملاك فعليا إلا عند حصول الزمان اللاحق كمثال الحيض، ففي مثله لا يكون العلم الاجمالي منجزا، لانه لم يتعلق بتكليف فعلي على كل تقدير، فمراده من الابتلاء دفعة وعدمه هو الاشارة الى هذين الموردين. وقد وجه المقرر الكاظمي عدم تنجيز العلم الاجمالي في الصورة الثانية بعدم تعارض الاصول المؤمنة والنافية للتكليف فيها، وذلك لان ظرف جريان الاصل في كل طرف غير ظرف جريانه في الطرف الاخر، فلا يتحد زمانها كي تتحقق المعارضة. فمثلا إذا علمت المرأة بحصول الحيض لها في ثلاثة أيام من الشهر، فهي تحتمل الحيض في كل يوم من أيام الشهر. ولا يخفى ان الاصل النافي للتكليف في آخر أيام الشهر إنما يجري عند مجئ تلك الايام، لانها ظرف احتمال التكليف فيها، لعدم ثبوت التكليف قبلها كما هو المفروض، فالاصل المنافي في اول الشهر يجري بلا معارض. وهكذا


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 255 - الطبعة الاولى. (*)

[ 181 ]

الاصل الجاري في آخر الشهر، إذ لا معنى لجريان الاصل النافي للتكليف أول الشهر في آخر الشهر. إذن فلا تعارض بين الاصلين (1). وأورد عليه: بان هذا البيان وإن كان موافقا لمقتضى الصناعة العلمية، لكن يمكن منعه، لان العقل مستقل بقبح الاقدام على ما يؤدي الى تفويت مراد المولى، فان المقام لا يقصر عن مقام المقدمات المفوتة التي بين فيه استقلال العقل بحفظ القدرة عليها مع عدم فعلية الخطاب والملاك، بل ما نحن فيه أولى من المقدمات المفوتة، لاحتمال ان يكون ظرف الوطء في كل زمان هو ظرف الملاك والخطاب. وجملة القول: انه ذهب (قدس سره) الى ان تنجيز العلم الاجمالي من باب وجوب حفظ الغرض والملاك الملزم الذي يعلم بتحققه اجمالا في أحد الزمانين، وان لم يعلم فعلا بثبوت تكليف فعلي على كل تقدير (2). أقول: إن كان مراده (قدس سره) ان العلم بالغرض الملزم المردد بين الزمانين يوجب امتناع جريان الاصل في كل من الطرفين في نفسه مع قطع النظر عن المعارضة، بحيث يكون العلم الاجمالي علة تامة للتنجيز ونفي الترخيص في أحد الطرفين، فهذا البيان جار في جميع موارد العلم الاجمالي بالتكليف، لان العلم بالتكليف يلازم العلم بالغرض الملزم، مع انه (قدس سره) لم يلتزم بالعلية التامة. وإن كان نظره الى ان العلم المزبور يوجب المعارضة، فقد عرفت تسليمه عدم تحقق المعارضة، لان الزمان الحالي ليس ظرف كلا الاصلين، فظرف أحدهما غير ظرف الاخر، فلا معارضة. وتحقيق الكلام في المقام: انه قد عرفت انه نسب الى الشيخ انه فصل بين


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي فوائد الاصول 4 / 109 - 110 طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 111 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 182 ]

الصورتين - أعني صورة ما إذا كان الزمان الاستقبالي غير دخيل في فعلية الخطاب كمثال الربا، وصورة ما إذا كان الزمان دخيلا في فعلية الخطاب والملاك كمثال الحيض -. ونسب له القول بالتنجيز فيما إذا كان الزمان دخيلا في فعلية الخطاب دون الملاك، ولعله لاجل تفريقه بين مثال الحيض ومثال الربا والنذر أو الحلف على ترك الوطء، مع فرض كون المحذور في التكليف الفعلي بالفعل الاستقبالي ثبوتيا، فلا يمكن حمل المثالين في كلامه على الواجب المعلق وفعلية الخطاب، بل على ما كان الملاك فعليا فقط دون الخطاب. فانتبه والامر سهل. أما صورة ما إذا كان الزمان دخيلا في فعلية الخطاب والملاك كمثال الحيض. فالتحقيق: عدم منجزية العلم الاجمالي فيها. أما على القول بالاقتضاء والالتزام بوجوب الموافقة القطعية من جهة تعارض الاصول، فواضح لما عرفت من عدم تعارض الاصول لاختلاف ظرف جريانها، سواء من جهة العلم بالتكليف أم العلم بالملاك والغرض الملزم الذي يحكم العقل بلزوم تحصيله وقبح تفويته. وأما على القول بالعلية التامة، فلان العلم الاجمالي المردد بين التكليف والملاك الفعلي والاستقبالي لا يصلح للتنجيز. وذلك، لان التكليف اللاحق لا يقبل ان يتنجز بواسطة العلم التفصيلي الفعلي، فإذا علم تفصيلا في هذا اليوم بثبوت تكليف فعلي في غد، فلا يكون العلم التفصيلي في هذا اليوم منجزا للتكليف في غد وموجبا لترتب العقاب عليه، بل التنجز انما يكون للعلم في ظرف التكليف والمقارن له، ولذا لو تبدل علمه الى شك في ظرف التكليف أو الغرض، لا يكون منجزا، مع انه لو فرض تنجزه سابقا يمتنع ارتفاعه، لان الشئ لا ينقلب عما وقع عليه. نعم، بما انه عند علمه التفصيلي في هذا اليوم بالتكليف في غد لا يتأتى

[ 183 ]

لديه احتمال الشك في غد، لانه خلف فرض حصول العلم لديه، فهو يرى فعلا ان التكليف في غد منجز عليه، لكنه انما يتنجز عليه بالعلم في ظرفه، فهو يرى انه في ظرفه منجز لا انه فعلا منجز. ولذا لو فرض ان المنجز الفعلي مما يطرأ فيه فعلا احتمال الزوال لا يمكن الحكم بالتنجيز فعلا، كما لو قامت الامارة فعلا على ثبوت التكليف في غد، وكان هناك احتمال زوال حجية الامارة في غد أو زوالها نفسها، لم يحكم بان التكليف في غد منجز فعلا. إذن فالتكليف الاستقبالي يستحيل ان يتنجز بالعلم الفعلي. وعليه، فالعلم الاجمالي بتكليف مردد بين الفعلي والاستقبالي ليس علما فعليا بما يقبل التنجيز على كل تقدير، إذ لا يصلح لان يكون بيانا على التكليف الاستقبالي، لان شأنه لا يزيد على العلم التفصيلي. وقد عرفت انه لا يصلح لتنجيز التكليف الاستقبالي. نعم، لو كان للتكليف الاستقبالي مقدمات وجودية مفوتة، كان العلم التفصيلي موجبا لتنجزه بلحاظ مقدماته، لان التكليف الاستقبالي قابل للتنجز فعلا بهذا المقدار ومن هذه الحيثية، فكان العلم صالحا للتأثير فيه فعلا. وهذا يختلف عما نحن فيه، إذ المفروض انه ليس للطرف الاستقبالي مقدمة وجودية فعلية، بل ليس هناك إلا مقدمة علمية، ولزومها يتوقف على تنجيز ذي المقدمة، وهو غير منجز كما عرفت. ومن هنا ظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين مورد حكم العقل بوجوب المقدمة المفوتة من جهة قبح تفويت الغرض الملزم، وانه لا ملازمة بين وجوب المقدمات المفوتة وبين تنجيز العلم الاجمالي فيما نحن فيه بلحاظ الغرض الملزم فضلا عن الاولوية التي ادعاها في تقريرات الكاظمي. فالتفت. وأما صورة ما إذا لم يكن للزمان دخل في فعلية الخطاب، بل كان الخطاب فعليا وانما الزمان قيد المتعلق.

[ 184 ]

فقد ذهب الكل الى منجزية العلم الاجمالي، لانه علم بتكليف فعلي على كل تقدير فيكون منجزا، كما ان حديث المعارضة يأتي فيها لاتحاد ظرف الاصل في كل طرف من ظرفه في الطرف الاخر. إذن فالعلم منجز على كلا المسلكين في العلم الاجمالي: - اعني: مسلك العلية التامة ومسلك الاقتضاء -. لكن الانصاف هو عدم منجزية العلم في هذه الصورة كسابقتها لنفس البيان السابق، فان العلم بالتكليف لا يصلح لتنجيزه إلا إذا كان متحققا في ظرف العمل نفسه، ولذا لو علم بالتكليف الفعلي وكان زمان المكلف به متأخرا وزال العلم في وقت العمل لم يكن التكليف منجزا. وبالجملة: العلم المنجز هو العلم بالحكم أو بالغرض الملزم في ظرف الطاعة والامتثال لا السابق عليه ولا المتأخر عنه، لان الحكم المتنجز هو الحكم بثبوت العقاب على تقدير مخالفة الحكم، وهو انما يكون بلحاظ قيد المنجز في ظرف المخالفة. فالتفت. وعليه، فالعلم الاجمالي فيما نحن فيه ليس علما بما يقبل التنجيز فعلا عل كل تقدير، إذ هو لا يصلح للبيانية وتنجيز التكليف المتعلق بما يكون زمانه متأخرا. ومن هنا ظهر حكم صورة ما إذا كان الزمان دخيلا في الخطاب دون الملاك. فلاحظ ولا تغفل. ومحصل القول: هو انه لنا ان نقول ان العلم الاجمالي في التدريجيات غير منجز بقول مطلق. هذا بحسب وجوب الموافقة القطعية. وأما من جهة حرمة المخالفة القطعية، فالامر فيه كذلك، إذ عرفت عدم قابلية العلم الاجمالي للتنجيز، فكما لا تجب الموافقة القطعية لا تحرم المخالفة القطعية، سواء قلنا بالعلية التامة أم بالاقتضاء.

[ 185 ]

نعم، من يقرب نفي وجوب الموافقة القطعية بعدم تعارض الاصول لا ينبغي له القول بجواز المخالفة القطعية، إذ لا ملازمة بينهما، فان حرمة المخالفة القطعية - على هذا المبنى - ليست من جهة تعارض الاصول كي تنتفي بانتفاء التعارض، بل العلم علة تامة لها. فتعليل عدم حرمة المخالفة القطعية بعدم تعارض الاصول - كما جاء في تقريرات الكاظمي - غير وجيه. ثم، إنه إذا لم يكن العلم الاجمالي فيما نحن فيه منجزا كما عرفت، كان المرجع في كل طرف الاصل الجاري فيه. وعليه، ففي مثال العلم الاجمالي بابتلائه بمعاملة ربوية إما في يومه أو غده يقع الكلام في جهتين أشار الشيخ (رحمه الله) الى كلتيهما: الجهة الاولى: في أنه حيث يشك في صحة المعاملة وفسادها، فهل المرجع عمومات الصحة أو أصالة الفساد ؟. ذكر الشيخ (رحمه الله) أولا: ان المرجع هو أصالة الفساد لا عمومات الصحة، للعلم بخروج بعض الشبهات التدريجية عن العموم، لفرض العلم بفساد بعضها، فيسقط العام عن الظهور بالنسبة إليها ويجب الرجوع الى أصالة الفساد. ثم قال بعد ذلك: " اللهم إلا ان يقال: ان العلم الاجمالي بين المشتبهات التدريجية كما لا يقدح في إجراء الاصول العملية فيها كذلك لا يقدح في الاصول اللفظية، فيمكن التمسك فيما نحن فيه لصحة كل واحد من المشتبهات بأصالة العموم، لكن الظاهر الفرق بين الاصول اللفظية والعملية، فتأمل " (1). أقول: إن عدم صحة التمسك بالعموم في مورد الشك فيما نحن فيه ليس من جهة العلم الاجمالي بفساد إحدى المعاملتين كي يتأتى ما ذكره من الحديث،


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 256 - الطبعة الاولى. (*)

[ 186 ]

بل من جهة انه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص، وهو غير جائز، ولذا يمتنع التمسك بالعموم حتى في الشبهة البدوية. وظاهر الشيخ (رحمه الله) وإن كان إناطة المحذور في ما نحن فيه بوجود العلم الاجمالي. لكن يمكن ان يكون قوله: " فتأمل " الى ما ذكرناه من كون المورد من موارد الشبهة المصداقية، فلا يتأتى فيه حديث العلم الاجمالي والفرق بين الاصول اللفظية والعملية. وعلى هذا فلا يتجه رمي كلامه بالفساد كما جاء في تقريرات الكاظمي (1). فالتفت ولا تغفل. الجهة الثانية: انه حيث يشك في حلية المعاملة وحرمتها لاحتمال انها ربوية، فتكون مجرى لاصالة الحل. وحينئذ يقع الكلام في ان أصالة الحل هل تكون حاكمة على أصالة الفساد أو لا ؟ ذهب المحقق النائيني (قدس سره) الى الاول في عموم المعاملات، وان لم يلتزم به في فرض المسألة، باعتبار ان فساد الربا ليس ناشئا من الحكم التكليفي. وبالجملة: التزم (قدس سره) بان الحلية التكليفية تلازم الحلية الوضعية. ومحصل ما جاء في تقريرات الكاظمي في تقريبه يرجع الى وجهين: الاول: ان حرمة المعاملة بما انها آلة لا يجاد النقل والانتقال لا بما هي عقد لفظي. وبعبارة اخرى: حرمة المعنى الاسم المصدري باعتبار صدوره من العاقد بما انها تستتبع الفساد، لانها تستلزم نفي السلطنة شرعا، كان نفيها باصالة الحل موجبا لنفي أثرها وهو الفساد أو عدم السلطنة. الثاني: انه كما ان حرمة المعاملة تستلزم الفساد كذلك الحلية التكليفية للمعاملة بالنحو المزبور تقتضي الصحة.


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي فوائد الاصول 4 / 113 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 187 ]

ولاجل ذلك يلتزم بدلالة آية: (احل الله البيع) (1) على صحة البيع ولو مع ارادة الحلية التكليفية منها (2). وفي كلا الوجهين منع. أما الاول: ففيه - بعد تسليم ما أفاده من اقتضاء النهي للفساد -. أولا: ان الترتب بين الفساد والنهي أو عدم السلطنة والنهي ليس ترتبا شرعيا كي ينتفي بانتفاء موضوعه، بل هو - بحسب ما أفاده - ترتب عقلي نظير التلازم بين حرمة الشئ وعدم وجوبه. فدليله انما يتكفل الملازمة عقلا بين الحرمة وعدم السلطنة باعتبار عدم امكان تصور الجمع بينهما، إذن فلا ينتفي الفساد بانتفاء الحرمة بالاصل. وثانيا (3): انه لو فرض كون الترتب شرعيا، فأصالة الحل انما تنفع في نفي الفساد لو فرض ان دليلها يتكفل جعل الحلية بلحاظ جميع آثارها. أما لو فرض ان دليلها انما يتكفل جعل الحلية ونفي الحرمة بلحاظ خصوص المعذرية وعدم العقاب، كما يحتمل قويا ذلك، فلا يترتب عليها نفي الفساد. وأما الثاني: ففيه - مضافا الى ما ورد على الاول -: انه لا تلازم بين الحلية التكليفية والصحة - لو سلمت الملازمة بين الحرمة والفساد - للقطع بحلية كثير من المعاملات الفاسدة كالمعاملة الغررية ونحوها، فانه يكشف عن عدم الملازمة بين الحلية والصحة. وأما فهم جعل الصحة من آية حل البيع، فهو من جهة ان نفس التصدي


(1) سورة البقرة. الاية: 275. (2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 115 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (3) قد يقال بامكان الرجوع الى استصحاب عدم الحرمة في نفي الفساد، فلا حاجة الى اصالة الحل كي يأتي الشكال المذكور. فتأمل. منه عفى عنه. (*)

[ 188 ]

لبيان حليته تكليفا ظاهر عرفا في أنه نافذ وصحيح، كما لا يخفى. فتدبر. التنبيه السادس: في الكلام عما إذا كان في أحد الاطراف أصول طولية دون الاخر. فانه بناء على الالتزام بتعارض الاصول ومنجزية العلم الاجمالي من جهة الموافقة القطعية بسبب المعارضة، يقع الكلام في ان المعارضة هل تكون بين مجموع الاصول الطولية في طرف والاصل المنفرد في الطرف الاخر، أو انها تكون بين الاصل المنفرد في طرف والاصل المتقدم رتبة في الطرف الاخر، فيكون الاصل المتأخر في ذلك الطرف رتبة سليما عن المعارض، فلا مانع من جريانه ؟. ومثال ذلك: ما إذا علم بنجاسة أحد الاناءين، وكان أحدهما متيقن الطهارة قبل العلم الاجمالي دون الاخر، فان متيقن الطهارة مجرى لاصلين الاستصحاب وقاعدة الطهارة، وهي في طول الاستصحاب لحكومته أو وروده عليها. وأما الاناء الاخر، فهو ليس مجرى إلا لقاعدة الطهارة. وقد ذهب المحقق النائيني (رحمه الله) الى القول الاول، فالتزم بمعارضة مجموع الاصول الطولية المرخصة في طرف للاصل المنفرد في الطرف الاخر. ببيان: ان تعارض الاصول بتعارض مؤدياتها وما هو المجعول فيها الذي ينافي بنفسه المعلوم بالاجمال، والمجعول في كل من استصحاب الطهارة وقاعدتها أمر واحد وهو طهارة المشكوك، والمفروض عدم امكان جعل الطهارة لكلا الاناءين. إذن فمؤدى الاستصحاب وقاعدة الطهارة في طرف يعارض مؤدى قاعدة الطهارة في الطرف الاخر فيتساقطان في عرض واحد. وبالجملة: المحذور في عدم جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي يرجع الى مقام الثبوت، وهو منافاة الترخيص في كلا الطرفين للمعلوم بالاجمال، فلا ينفع حديث الحكومة والطولية، وليس يرجع الى مقام الاثبات، حتى ينفع حديث حكومة أحد الاصلين على الاخر. نعم لو كان أحد الاصلين سببيا والاخر مسببيا، كان طرف المعارضة

[ 189 ]

خصوص الاصل السببي، فلا مانع من جريان الاصل المسببي عند سقوط السببي بالمعارضة، لعدم المعارض، كما تقدم في مسألة الملاقي لاحد أطراف الشبهة المحصورة،. لان المحذور في جريان الاصلين هناك إثباتي لا ثبوتي (1). وهذا البيان مندفع، وذلك لان المحذور في جريان كلا الاصلين المنتهي الى المخالفة القطعية العملية وإن كان ثبوتيا، لكن المحذور في جريان أحدهما المنتهي الى عدم الموافقة القطعية ليس ثبوتيا، إذ لا محذور فيه عقلا بنظره (قدس سره)، وإنما هو ناشئ من المعارضة بين إطلاقي الدليلين الشاملين لكلا الطرفين الناشئة من عدم الترجيح بلا مرجح. ومن الواضح أن التعارض انما يكون بين الادلة بما هي أدلة، فالمحذور المستلزم لسقوط الاصلين إثباتي لا ثبوتي، وحينئذ ينفع فيه حديث الطولية، إذ مع وجود الاصل الحاكم لا تصل النوبة الى الاصل المحكوم ولا يكون اطلاق دليله شاملا للمورد في حد نفسه، فلا معنى لان يكون طرف المعارضة، فلا تصل النوبة إليه إلا بعد سقوط الاصل الحاكم بالمعارضة مع الاصل في الطرف الاخر. وعليه، فهو يجري بلا معارض. وبذلك يظهر أن القول الثاني هو المتعين. وهذا البيان يختلف عما تقدم منا في مناقشة المحقق النائيني في مبحث الاضطرار الى المعين، فراجع. وكلاهما صالح لرد ما التزم به (قدس سره). فتدبر. التنبيه السابع: في الكلام عن استصحاب الاشتغال. لا يخفى عليك ان ما ذكرناه في أحكام العلم الاجمالي وخصوصياته يتأتى في مطلق العلم الاجمالي بالتكليف تحريما كان أو إيجابا. إلا في بعض الخصوصيات التي نبهنا عليها في بعض التنبيهات (2).


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 48 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) راجع بحث الشبهة غير المحصورة. (*)

[ 190 ]

ولكن العلم الاجمالي بالحكم الايجابي بين طرفين - كالعلم بوجوب صلاة القصر أو التمام عليه - يختص ببحث تعرض له الشيخ (1) وغيره، وهو انه إذا جاء بأحد الطرفين كصلاة القصر، فهل يمكن إجراء استصحاب الوجوب المعلوم سابقا ثبوته عليه والمشكوك في بقائه فعلا بعد اتيان أحد الطرفين أولا يمكن (2) ؟. فنقول - وعلى الله سبحانه الاتكال -: ان الحديث يقع في جهتين: الاولى: في استصحاب الفرد المردد من الوجوب، بحيث تترتب عليه آثار الفرد. والثانية: في استصحاب كلي الوجوب المتحقق في ضمن أحد الفردين. أما استصحاب الفرد المردد، فهو مما لا يصح إجراؤه، وذلك لان الاستصحاب يتقوم بركنين أحدهما اليقين بالحدوث. والاخر الشك في البقاء. وكلاهما مفقودان في المقام. أما الشك في البقاء فلوجهين - اشار اليهما المحقق النائيني في كلامه -. الاول: ان البقاء عبارة عن الوجود بعد الوجود وعلى تقدير الحدوث، ولا شك في المقام في بقاء الفرد الحادث المردد على أي تقدير من تقديري حدوثه، لانه على أحد تقديريه مقطوع العدم وعلى التقدير الثاني مقطوع البقاء. الثاني: ان المطلوب في باب الاستصحاب هو تحقق الشك في بقاء الحادث على ما هو عليه وعلى جميع تقادير حدوثه، بحيث يحاول في الاستصحاب الحكم ببقاء ذلك الحادث على ما هو عليه، ومن الواضح انه لا شك في الحادث


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى فرائد الاصول / 268 - الطبعة الاولى. (2) وقد أطال المحقق النائيني (رحمه الله) في تحقيق هذا المبحث، وتعرض سيدنا الاستاذ (مد ظله) في مجلس الدرس أولا الى كلامه، ثم عقبه بتحقيق المطلب، ونحن لا نرى لزوما في نقل ما أفاده النائيني (قدس سره)، بل المهم بيان تحقيق المبحث وبه يتضح كلام الاعلام صحة وفسادا.

[ 191 ]

- المطلوب ابقاؤه - على كل تقديريه، لانه على احد تقديريه مرتفع قطعا، وعلى التقدير الاخر باق قطعا. فلا شك في بقاء ما تحقق سابقا على ما هو عليه وكيفما كان. وأما اليقين بالحدوث، فعدمه واضح، بناء على الالتزام بان العلم الاجمالي متعلق بالجامع وعدم سرايته الى الخصوصية أصلا، إذ الفرد لا يقين به كما لا يخفى. ولا ندري لماذا لم يتعرض المحقق النائيني (رحمه الله) الى هذا الايراد مع التزامه بالمسلك المزبور. وأما بناء على ما اخترناه من تعلق العلم بالجامع وسرايته الى الخارج وارتباطه بواقع معين خارجا، بحيث يكون الجامع مشيرا إليه، ويمكن ان يقول العالم إجمالا: ان هذا هو معلومي بالاجمال لو انكشف له الحال، بناء على هذا المسلك قد يتخيل تعلق اليقين بالفرد المردد. لكنه تخيل فاسد، لما عرفت سابقا من ان الفرد المردد لا علم به بخصوصياته، بل بمقدار الجامع المشير إليه. وعليه، فالفرد الواقعي متعلق لليقين من جهة واحدة مجملة ومجهول من سائر الجهات المميزة لها. ومن الواضح: ان ظاهر اليقين بالشئ المأخوذ في موضوع الاستصحاب هو اليقين به بقول وبجهاته المميزة، بحيث يصح ان يقال له عرفا انه معلوم، والمعلوم بالاجمال لا يقال له انه معلوم، بل يقول القائل انه لم يكن يدري به، ولذا قلنا انه مردد لدى العالم، وهو يعني انه ليس بعالم به، فالحرمة الثابتة للاناء النجس الواقعي المردد بين اناءين لا يقال عرفا إنها معلومة. وبعبارة أخرى: ان المعلوم شخصا هو الكلي المرتبط بواقع معين خاص، والمنطبق على احد الفردين خاصة واقعا والمتشخص به في الواقع. أما المنطبق عليه فليس معلوما وان ارتبط به المعلوم، إذ عرفت ان العلم

[ 192 ]

الاجمالي هو العلم بالجامع. غاية الامر انه يرتبط بالخارج وينطبق عليه، وهذا لا يصحح تعلق العلم بالخارج، بحيث يقال عرفا انه معلوم. بخلاف موارد العلم التفصيلي، فانه يقال انه معلوم بنفسه وان كان مجهولا من سائر جهاته. فالواقع في مورد العلم الاجمالي معلوم لكنه بالاجمال، وهو كما عرفت يرجع الى تعلق العلم بالصورة الاجمالية الجامعة، فالعلم لم يتعلق بالفرد، بل تعلق بالكلي وهو غير الفرد. والنتيجة: ان استصحاب الفرد المردد مما لا يمكن الالتزام به لفقدانه ركني الاستصحاب. وأما استصحاب الكلي المتحقق في ضمن أحد الفردين، فلا اشكال فيه من جهة اليقين بالحدوث والشك في البقاء فانهما متوفران فيه. ولكن يشكل من جهة أخرى، وهي: ان المقصود به. إن كان اثبات وجوب الفرد الباقي الذي لم يأت به المكلف فهو أصل مثبت. وان كان المقصود به اثبات لزوم الخروج عن عهدة التكليف، فهو ثابت بقاعدة الاشتغال الثابت بمجرد الشك، فلا حاجة في ذلك الى الاستصحاب لانه لغو، أو تحصيل للحاصل، بل قيل انه أردأ انحاء تحصيل الحاصل، لانه من باب احراز موضوع الاثر الثابت لما هو محرز بالوجدان بالتعبد. وهذا إشكال ذكره المحقق النائيني على الاستصحاب هنا، وفي موارد البراءة، فذهب الى: انه لا مجال لاجراء استصحاب البراءة لاثبات عدم العقاب لترتبه على مجرد الشك، فيكون الاستصحاب لاثبات ذلك تحصيلا للحاصل، بل من اردأ أنحائه. وقد يقال: ان الاستصحاب ههنا وارد على قاعدة الاشتغال، لان موضوع القاعدة هو الضرر المحتمل، وهي ثابتة بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل.

[ 193 ]

ومن الواضح انه باستصحاب التكليف يرتفع احتمال الضرر للقطع به بعد القطع بالتكليف تعبدا. فالاثر وان اتحد، لكن لا مانع من جريانه بعد انتفاء قاعدة الاشتغال به لارتفاع موضوعها، وإلا لاشكل الامر في كل وارد ومورود متفقين في الاثر وهو خلاف المتسالم عليه عند الكل. وبمثل ذلك يقال في استصحاب عدم التكليف وانه وارد على قبح العقاب بلا بيان، لانه يكون بيانا على العدم فيرتفع اللابيان. إذن فلا لغوية فيه وليس هو من تحصيل الحاصل، فضلا عن ان يكون من أردأ انحائه. ويمكن المناقشة في هذا القول: أولا: بان قاعدة الاشتغال ليست بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل، لما عرفت - في مبحث البراءة العقلية في تفسير كلام الشيخ - من أن وجوب دفع الضرر المحتمل على تقدير ثبوته يتفرع على تنجيز التكليف الموجب لاحتمال الضرر، إما بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال قبل الفحص أو بقيام الدليل على وجوب الاحتياط في الشبهة، فالتنجيز في مرحلة سابقة على وجوب دفع الضرر المحتمل، وقاعدة الاشتغال ترجع الى الحكم بتنجز التكليف وثبوت العقاب على مخالفته. ومن الواضح ان تنجز التكليف في كل من الطرفين فيما نحن فيه ناشئ من العلم الاجمالي بالتكليف واحتمال انطباقه على كل طرف من أطرافه - سواء أقلنا بالعلية التامة أم بالاقتضاء وتعارض الاصول -، فمجرد حدوث العلم يوجب الحكم بالتنجيز وترتب العقاب على مخالفته، وهذا هو معنى قاعدة الاشتغال فيما نحن فيه. ولا يخفى ان الاستصحاب لا يرفع موضوعها، إذ هو لا يرفع العلم السابق، كيف ؟ وهو يتقوم بثبوته. كما لا ينفي أو يثبت الانطباق، بل غاية ما يثبت هو التعبد بثبوت الحكم بقاء، وهو لا يزيد على العلم به، وقد عرفت ان العلم الحادث دخيل في تحقق القاعدة لا رافع لها. مع أن الاثر العقلي يترتب على

[ 194 ]

مجرد حدوث العلم بالتكليف للزوم الخروج عن عهدته ولو حصل الشك بعد ذلك في بقائه كما عرفت ذلك في مبحث الاضطرار فراجع. ولعل هذا هو مقصود المحقق النائيني من ان الاثر يترتب على مجرد الحدوث، فاحراز البقاء لا فائدة فيه. وثانيا: لو سلمنا ان قاعدة الاشتغال بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل لا بملاك التنجيز، فالاستصحاب لا يوجب القطع بالضرر. أما بناء على انه لا يتكفل سوى التنجيز والتعذير فواضح جدا، إذ هو يتكفل بيان ثبوت العقاب على الواقع لو كان ثابتا، وهذا لا يزيد على ما هو ثابت في نفسه بواسطة العلم الاجمالي واحتمال الانطباق، فلا يرفع موضوع قاعدة الاشتغال. وأما بناء على تكفله جعل حكم ظاهري مماثل للواقع، فلان العقاب في مورده على مخالفة الواقع لو صادفه، ولا عقاب على مخالفة الظاهر لو لم يصادف الواقع. وعليه فهو لا يفيد اكثر من تنجيز الواقع، فلا يكون واردا على قاعدة الاشتغال. نعم، قد يتوهم حكومة الاستصحاب على قاعدة الاشتغال، لانها وان تكفلت بيان احتمال الضرر، لكن بلسان اثبات الواقع وثبوته. ولكنه توهم فاسد، إذ لا معنى للحكومة في باب الاحكام العقلية، بل هي تختص بالادلة اللفظية الشرعية. نعم، إذا التزم بثبوت العقاب على مخالفة الحكم الظاهري وعدم تعدد العقاب مع موافقة الواقع للظاهر، يكون المورد - بالاستصحاب - من موارد القطع بالعقاب - إذ لو التزم بالتعدد، فالعقاب على الواقع يكون محتملا لا مقطوعا، كما لا يخفى وجهه فانتبه -، نظير موارد العلم التفصيلي بالحكم الشرعي فلا موضوع لقاعدة الاشتغال حينئذ، ولكنه مبنى فاسد لا نلتزم به.

[ 195 ]

وجملة القول: ان مبنى قاعدة الاشتغال على حدوث اليقين بالتكليف واحتمال انطباقه على كل طرف، والاستصحاب لا يتصرف في شئ من ذلك. ولو فرض كون الشك في البقاء دخيلا أيضا في قاعدة الاشتغال، بمعنى عدم الدليل على التكليف وجودا أو نفيا، فهو انما يسلم في مورد العلم التفصيلي بالحكم الشخصي، فان قاعدة الاشتغال تنشأ من الشك في الفراغ، إذ قبل الشروع في الامتثال لا معنى لقاعدة الاشتغال للعلم بالحكم. لا فيما نحن فيه مما كانت قاعدة الاشتغال تتقوم بالعلم الاجمالي والشك في الانطباق، فان قاعدة الاشتغال لا تتقوم بعدم الدليل على ثبوت التكليف كالاستصحاب، إذ الاستصحاب غاية ما يثبت التكليف الاجمالي ويرفع الشك في بقاء الكلي، أما تعيين انطباقه فلا يتكفله فلا يستغنى به عن قاعدة الاشتغال بل نحتاج إليها، ولذا قلنا انه لا يزيد على العلم بالحدوث. نعم هي تتقوم بعدم الدليل على ارتفاع التكليف، وهو محرز بالوجدان ولا ربط للاستصحاب فيه كما لا يخفى. هذا مضافا الى ان الاستصحاب لا يرفع الشك في العقاب لانه إنما يتكفل تنجيز الواقع لا اكثر. فظهر بذلك: ان الاستصحاب لا مجال له فيما نحن فيه - وفاقا للشيخ - لانه من تحصيل الحاصل، أو اردأ انحائه كما قيل. نعم، لو فرض ان للاستصحاب أثرا آخر غير أثر قاعدة الاشتغال، فلا مانع من جريانه بلحاظ ذلك الاثر، إذ لا يكون حينئذ لغوا، كما التزم به الشيخ في استصحاب البراءة إذا ترتب عليها اثر غير الاثر العقلي بملاك قبح العقاب بلا بيان (1). ومن هنا يظهر أنه لا وقع للايراد على الشيخ في التزامه باجراء الاستصحاب في مورد الشك في بقاء التكليف الشخصي، كاستصحاب وجوب


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 204 - الطبعة الاولى. (*)

[ 196 ]

الظهر عند الشك في ادائها. ببيان: انه يكفي في لزوم الخروج عن عهدتها قاعدة الاشتغال المترتبة على حدوث اليقين بالوجوب والشك في الامتثال. وجه ظهور فساد هذا الايراد: ما أشار إليه الشيخ (رحمه الله) في ذيل كلامه من: انه يترتب على استصحاب التكليف الشخصي أثر آخر، وهو جواز الاسناد والاستناد بحيث يصح له الاتيان بصلاة الظهر بنية الظهر جزما، وهذا مما لا يترتب على قاعدة الاشتغال، كما لا يثبت في موارد استصحاب الكلي الذي هو محل الكلام. هذا غاية ما يمكن أن نقوله في هذا المجال، فتدبره فانه لا يخلو من دقة.

[ 197 ]

المقام الثاني: في دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين الكلام في دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين يقع في صورتين: الصورة الاولى: في الشك في الجزئية. كتردد الواجب بين كونه واجد السورة أو فاقدها. ولا يخفى عليك ان البحث في الاقل والاكثر يكون بعد الفراغ عن جهتين: الاولى: الالتزام بالبراءة في الشبهات البدوية. الثانية: الالتزام بمنجزية العلم الاجمالي عند دوران الامر بين المتباينين. وذلك، لان غاية ما يحاوله القائل بالاحتياط في مورد الدوران بين الاقل والاكثر، هو دعوى عدم انحلال العلم الاجمالي والحاق الاقل والاكثر بالمتباينين، فإذا لم يثبت الاحتياط في المتباينين فلا يثبت فيما نحن فيه ولا مجال لتوهمه. كما ان غاية ما يحاوله القائل بالبراءة هو دعوى انحلال العلم الاجمالي، وكون شبهة وجوب الاكثر بدوية، فإذا لم تثبت البراءة في الشبهات البدوية فلا مجال لتوهمها فيما نحن فيه.

[ 198 ]

إذن، فلابد من فرض هاتين الجهتين مفروغا عنهما، والبحث في أن الاقل والاكثر من قبيل المتباينين فيجب الاحتياط، أم من قبيل الشبهة البدوية فلا يجب الاحتياط. وبعد ان عرفت ذلك، نقول: إن الوجه الذي يرتكز عليه القائل بالاحتياط هو أمران: الامر الاول: العلم الاجمالي بوجوب العمل المردد بين الاقل والاكثر، إذ العلم الاجمالي يوجب تنجيز كلا طرفيه فيجب الاتيان بالاكثر. وأساس القول بالبراءة على الالتزام بانحلال العلم الاجمالي وعدم تأثيره. وقد اختلفت كلمات الاعلام في هذا المجال تفصيلا واطلاقا. ويمكننا ان نشير الى المسالك المذكورة في تقريب الانحلال باربعة وجوه: الاول: الانحلال في حكم العقل - بمعنى الانحلال الحكمي الراجع الى عدم تأثير العلم الاجمالي في التنجيز - بقيام العلم التفصيلي بتنجز الاقل وعدم تنجز الاكثر. الثاني: الانحلال الحقيقي في حكم الشرع بقيام العلم التفصيلي بوجوب الاقل والشك في وجوب الاكثر. الثالث: الانحلال الحكمي بجريان الاصل المؤمن في الاكثر بلا معارض، وهو يبتني على القول بالاقتضاء. الرابع: الانحلال بواسطة حكومة دليل البراءة على أدلة الاجزاء والشرائط، وهو ما ذهب إليه صاحب الكفاية (رحمه الله). وقد نسب إلى الشيخ (رحمه الله) القول بالانحلال في حكم الشرع. ببيان: ان الاقل معلوم الوجوب تفصيلا إما بالوجوب النفسي أو المقدمي الغيري، والاكثر مشكوك الوجوب فينحل العلم الاجمالي.

[ 199 ]

واستشكل فيه: بعدم الاثر العملي العقلي للوجوب الغيري لعدم قابليته للتنجز، وبأنه (قدس سره) لا يلتزم باتصاف الاجزاء بالوجوب الغيري (1). والذي يظهر لنا ان نظر الشيخ (رحمه الله) الى الانحلال في حكم العقل لا في حكم الشرع. وقد يقرب الانحلال في حكم العقل بدوا: بان الاقل منجز على المكلف وفي عهدته قطعا سواء كان هو الواجب ام كان الاكثر هو الواجب. بخلاف الاكثر. فانه لا يعلم بوجوبه فلا يكون منجزا، وبذلك ينحل العلم الاجمالي بلحاظ أثره العقلي وهو التنجيز، فلا يؤثر في تنجيز الاكثر. ولكن صاحب الكفاية ذهب الى استحالة الانحلال المزبور، لانه يستلزم الخلف، كما انه يستلزم من فرض وجوده عدمه. وذلك.. أما استلزامه الخلف، فلان تنجز الاقل على كل حال يتوقف على فرض تنجز الاكثر، إذ لا يكون الاقل منجزا مطلقا الا إذا كان التكليف المعلوم بالاجمال منجزا مطلقا حتى لو فرض تعلقه بالاكثر، فلو كان تنجز الاقل مطلقا مستلزما لعدم تنجز الاكثر كان خلفا، لانه خلاف المفروض، أو لانه يلزم ان يكون المعلول للتنجز مانعا عنه، فيكون الشئ سابقا ولاحقا في آن واحد. وأما استلزام عدمه من فرض وجوده، فلانه إذا كان تنجز الاقل على كل حال مستلزما لعدم تنجز الاكثر كان ذلك مستلزما لعدم تنجز الاقل مطلقا لعدم تنجز التكليف على كل حال، وهو يستلزم عدم الانحلال، لان أساس الانحلال بتنجز الاقل مطلقا. فيلزم من الانحلال عدمه (2). هذا ما افاده في الكفاية، وعليه بنى عدم انحلال العلم الاجمالي وعدم


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 262 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 364 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 200 ]

جريان البراءة العقلية من الاكثر لقيام البيان. وهو ينظر الى ما سلكه الشيخ (رحمه الله) من دعوى الانحلال في حكم العقل التي تظهر من كلماته الاخيرة، حيث ذهب الى العلم التفصيلي بثبوت العقاب على ترك الاقل، إما لوجوبه لنفسه أو لانه سبب لترك الاكثر، بخلاف الاكثر فيكون العقاب عليه عقابا بلا بيان. ولكن كلام الشيخ ودعواه تبتني على أمر غفل عنه صاحب الكفاية وغيره، فكان نتيجته هو ايراد الكفاية على دعوى الانحلال بما عرفت. بيان ذلك: ان التكليف بمركب ذي أجزاء عديدة.. تارة: يلتزم بان له تنجيز واحد بلحاظ مجموع الاجزاء، فاما ان يتنجز مطلقا واما ان لا يتنجز كذلك. وأخرى: يلتزم بانه قابل للتبعض في التنجيز بلحاظ تعدد أجزائه، فيكون منجزا من جهة بعض أجزائه، ولا يكون منجزا من جهة بعض آخر - نظير بطلان العمل، فانه تارة يستند الى ترك الكل، واخرى يستند الى ترك أحد الاجزاء خاصة -. فإذا علم المكلف بوجوب بعض اجزاء المركب وجهل البعض الاخر، فلو ترك الاجزاء المعلومة وظهر وجوب الكل المركب منها ومن المجهول، كان للمولى ان يعاقبه على ترك الاكثر المستند الى ترك الاجزاء المعلومة له، لان المركب بذلك المقدار مما قام عليه البيان. أما إذا جاء بها فليس له أن يعاقبه على ترك الاكثر المستند الى ترك الاجزاء المجهولة لانه عقاب بلا بيان. ولا يخفى عليك انه مع الالتزام بالتبعض في التنجيز بالتقريب الذي عرفته، يتم الانحلال في حكم العقل بلا تأتي محذور الكفاية عليه. وذلك، لانه إذا علم إجمالا بوجوب الاقل أو الاكثر فقد علم بوجوب الاقل تفصيلا، إما لنفسه أو لكونه جزء الاكثر، وهذا يستلزم العلم بان ترك الاقل موجب للعقاب إما لوجوبه لنفسه أو لتنجز الاكثر من جهته، فمخالفة الاقل

[ 201 ]

معلومة القبح تفصيلا، فهو منجز على كل حال كان هو الواجب أو كان الواجب الاكثر. أما الزائد على الاقل، فلا علم بقبح مخالفته وبترتب العقاب على تركه، فيكون موردا للبراءة عقلا، لان العقاب عليه - يعني على الاكثر من جهته - عقاب بلا بيان، لسقوط العلم الاجمالي عن صلاحيته للبيانية والتنجيز بعد العلم التفصيلي بقبح المخالفة في أحد طرفيه وتنجزه. ولا يخفى انه حينئذ لا مجال لايراد الكفاية على دعوى الانحلال بما تقدم، إذ لا خلف في فرض منجزية الاقل على كل حال، إذ هو مستلزم لفرض تنجز الاكثر من جهة الاقل خاصة لا تنجزه بقول مطلق، كي يكون فرض عدم تنجزه خلفا. كما انه لا يستلزم من فرض وجود الانحلال عدمه، إذ الانحلال يبتني على فرض منجزية الاكثر من جهة الاقل المستلزم لعدم تنجز الاكثر من جهة الزائد المشكوك وهو لا يستلزم عدم الانحلال. نعم، ايراد الكفاية متجه على تقدير الالتزام بعدم التبعض في التنجيز، وأن الاكثر إما أن يفرض تنجزه من حيث المجموع أو يفرض عدم تنجزه كذلك، ولا معنى للتنجيز من جهة دون أخرى. إذا عرفت ذلك. فاعلم ان اساس كلام الشيخ هو الالتزام بالتبعض في التنجيز كما هو ظاهر صدر كلامه (1) فلاحظه. وعليه، فلا يرتبط به اشكال الكفاية، لما عرفت من انه يبتني على عدم فرض التبعض في التنجيز، وهو غفلة من صاحب الكفاية عن اساس كلام الشيخ (رحمه الله). ولعله مما يؤيد غفلة الكفاية عن نظر الشيخ الى التبعض في التنجيز هو:


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول 273 - الطبعة الاولى. (*)

[ 202 ]

ان المحقق الاصفهاني - وهو تلميذ صاحب الكفاية - ينقل كلاما لصاحب الحاشية (1) يشير فيه الى التبعض في التنجيز ويرده ولا يشير الى احتمال ذلك من كلام الشيخ (2). مما يظهر منه انه قد أخذ عدم التبعض في التنجيز مفروغا عنه في كلام الشيخ. فالتفت. ثم إنه إذا ظهر لك ان مدار صحة تقريب الانحلال في حكم العقل على الالتزام بالتبعض في التنجيز، فلابد من تحقيق هذه الجهة. فان الذي نراه هو انحصار مستند القول بالبراءة على الانحلال في حكم العقل بالبيان المتقدم، وإلا أشكل الامر في باب الاقل والاكثر، إذ ستعرف ما في الوجوه المذكورة من الضعف. وعلى كل حال فالذي نبني عليه - تبعا للشيخ - هو التبعض في التنجيز إذ هو مما يشهد له بناء العقلاء في مقام امتثال الاحكام، ولا مجال لانكاره. وعلى هذا فالذي نبني عليه في مسألة الاقل والاكثر هو الانحلال في حكم العقل بالتقريب الذي عرفته المستلزم لجريان البراءة عقلا ونقلا من الاكثر من جهة الزائد المشكوك جزئيته. وهذا هو العمدة في هذه المسألة كما سيتضح. وقد حمل المحقق النائيني (رحمه الله) كلام الشيخ على ارادة الانحلال في حكم الشرع، لكن لا بالتقريب المتقدم، بل بتقريب آخر وهو: انه يعلم تفصيلا بوجوب الاقل إما نفسيا استقلاليا أو ضمنيا، فلا مجال لجريان أصل البراءة فيه لا عقلا ولا شرعا، بخلاف وجوب الاكثر، فانه مشكوك، فلا مانع من اجراء البراءة فيه عقلا وشرعا، إذ العلم الاجمالي لا يصلح للمانعية بعد انحلاله. ثم انه أورد عليه: بان العلم التفصيلي بوجوب الاقل هو عين العلم


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد تقي، هداية المسترشدين: / 448 - الطبعة الاولى. 2 / 262. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين نهاية الدراية 2 / 262 - الطبعة الاولى. (*)

[ 203 ]

الاجمالي بين الاقل والاكثر، إذ التردد بين الاقل والاكثر يرجع الى التردد بين أخذ الاقل لا بشرط من جهة الجزء الزائد، وبين أخذه بشرط شئ الذي هو عبارة عن الاكثر، والعلم التفصيلي بوجوب الاقل إما لنفسه أو ضمنا هو عين ذلك العلم الاجمالي، فيلزم ان يكون العلم الاجمالي موجبا لانحلال نفسه. هذا خلاصة ما أفاده في نقل كلام الشيخ والايراد عليه (1). وهو متين، لكن عرفت ان منظور كلام الشيخ ليس الى الانحلال في حكم الشرع، بل الى الانحلال في حكم العقل بالتقريب الذي عرفته، فالتفت. وقد ذهب المحقق الاصفهاني الى الانحلال في حكم الشرع ببيان محصله: ان الاجزاء لا تكون واجبة بالوجوب الغيري المقدمي، بل ليس هناك إلا وجوب واحد نفسي منبعث عن ارادة نفسية واحدة منبعثة عن غرض واحد قائم بالاجزاء بالاسر التي هي عين الكل. وعليه فهذا الوجوب النفسي الشخصي المعلوم أصله منبسط على تسعة اجزاء مثلا بتعلق واحد وانبساطه بغير ذلك التعلق على الجزء المشكوك غير معلوم، فالتكليف بالمقدار المعلوم يكون فعليا منجزا وبالمقدار المجهول لا مقتضي لفعليته وتنجزه. وبما ان التكليف المتعلق بالاقل هو الوجوب النفسي الذي يترتب الثواب والعقاب على مخالفته وموافقته فلا تتوقف فعليته وتنجزه على تكليف آخر غير معلوم. هذا خلاصة ما أفاده (قدس سره) (2) ومرجعه كما يظهر الى انحلال العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي بوجوب الاقل بالوجوب النفسي الاستقلالي أو الضمني، كما أن مبناه على الالتزام بقابلية الامر الضمني - في حد نفسه - للتنجز، بحيث تكون له اطاعة مستقلة. فيكون الاقل معلوم التنجز على


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 152 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 264 - الطبعة الاولى. (*)

[ 204 ]

كل حال، والزائد مشكوك فيكون مجرى للبراءة. وبذلك يختلف عما ذكرناه في تقريب الانحلال، لانا وان التزمنا بتنجز الاقل على كل حال لكن من باب تنجز الاكثر من جهة الاقل، لا تنجزه على كلا تقديريه ولنفسه مع قطع النظر عن تنجز الاكثر كما هو مبنى كلام الاصفهاني. ونحن لا نريد أن نطيل في مناقشته والتعرض الى جهات كلامه كلها فذلك مما لا يهمنا فعلا. بل نقتصر في مقام المناقشة على بيان ان الامر الضمني لا اطاعة له مستقلة، فلا يقبل التنجيز المستقل، فلا ثواب ولا عقاب على موافقته ومخالفته خاصة، كما عرفت ذلك في مبحث التعبدي والتوصلي. كما انه قد تقدم منه هناك ما ينافي ما التزم به هنا، فراجع. وعليه، فالعلم بوجوب الاقل على كل حال لا ينفع في حل العلم الاجمالي، إذ أحد تقديري وجوبه وهو الوجوب الضمني لا أثر له عقلا ولا معنى لتنجزه، فلا يكون العلم به موجبا لانحلال العلم الاجمالي. فتدبر والتفت. وقد ذهب المحقق العراقي (رحمه الله) الى الانحلال في حكم الشرع ايضا، بل ادعى انه ليس لدينا علم اجمالي في الحقيقة إلا وهما، وانما الموجود ليس إلا العلم التفصيلي بوجوب الاقل والشك بدوا في وجوب الاكثر. ببيان محصله: ان الاختلاف بين الاقل والاكثر ليس ناشئا من اختلاف الوجوب المتعلق بالاقل مع الوجوب المتعلق بالاكثر، بل الوجوب المتعلق بالاقل لا يختلف سنخا ووجودا، سواء سرى الوجوب الى الاكثر ام لم يسر، وانما الاختلاف ناشئ من اختلاف حد التكليف من حيث وقوفه على الاقل أو سرايته الى الجزء الزائد، ومرجع الضمنية والاستقلالية الى ذلك. وهذا نظير الخط القصير والطويل، فانه إذا رسم الشخص الخط القصير

[ 205 ]

ثم أضاف إليه ما يوجب طوله فان واقع الخط القصير لم يختلف في كلا الحالين، وانما الاختلاف نشأ من جهة الحد الخاص وثبوت الزيادة، وهي لا توجب تغيرا في واقع القصير عما كان عليه قبل الزيادة. وإذا ظهر ذلك، فعند الشك بين الاقل والاكثر يكون مرجع الشك الى الشك في ثبوت الزيادة على المقدار الاقل وعدمه ليس إلا، واما وجوب الاقل فهو معلوم بالتفصيل سواء أكانت الزيادة ام لم تكن، إذ المفروض ان حقيقته ووجوده واحد لا يختلف على كلا التقديرين، فلا شك لدينا في وجوب الاقل اصلا وإنما الشك في ثبوت الوجوب للجزء الزائد المشكوك. إذن فليس لدينا إلا علم تفصيلي وشك بدوي (1). وما أفاده (قدس سره) - مع قطع النظر عن دعوى عدم اختلاف سنخ الوجوب الضمني والاستقلالي - لا يمكن المساعدة عليه لوجهين: الاول: ان الوجوب الضمني للاقل لو كان الواجب هو الاكثر يختلف وجودا عن الوجوب الاستقلالي له لو كان الواجب هو الاقل، إذ ما أفاده من عدم الاختلاف وجودا نظير الخط القصير والطويل انما يتم لو فرض رسم الخط تدريجا، فان ضم الزيادة إليه لا يغير منه شيئا أصلا. لا ما إذا رسم الطويل دفعة، كما لو كان بواسطة الطابعة، فان وجود الاقل في ضمن الاكثر يختلف وجوده عن وجوده بنحو الاستقلال. فمع الشك يكون الدوران بين وجودين، فلا علم تفصيلي بوجود خاص للاقل، بل يشك بانه بأي نحو وجد. والاوامر الشرعية من هذا القبيل، لان تعلقها بالمجموع دفعي لا تدريجي، فلا يحصل العم التفصيلي بالوجود الخاص للاقل، بل يتردد أمره بين نحوي وجوده من الاستقلالي أو الضمني.


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 380 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 206 ]

الثاني: انه سلمنا وحدة وجود وجوب الاقل الضمني والاستقلالي، لكن نقول: ان الوجود الضمني لا أثر له في مقام الطاعة، فالعلم التفصيلي بوجوب الاقل على كلا التقديرين لا ينفع حينئذ في اثبات الانحلال، إذ لا اثر له عقلا على تقدير كون الواجب هو الاكثر، الا إذا كان الاكثر منجزا، ولكن يثبت محذور الكفاية المتقدم. نعم إذا التزم بالتبعض في التنجيز - كما يصرح به في أواخر كلامه - يتم الانحلال، ومعه لا حاجة الى اتعاب النفس في اثبات الانحلال بالنحو المزبور، بل يتحقق الانحلال ولو اختلفت حقيقة الوجوب الضمني مع حقيقة الوجوب الاستقلالي ووجوديهما. وبالجملة: الانحلال يتوقف على الالتزام بالتبعض في التنجيز، وإلا فلا وجه له. فتدبر. أما المحقق النائيني (قدس سره)، فقد ذهب الى عدم صحة الرجوع الى البراءة العقلية للعلم الاجمالي الصالح لتنجيز كلا طرفيه، ودعوى انحلاله بالعلم التفصيلي بوجوب الاقل مدفوعة بما تقدم منه، من ان العلم التفصيلي المدعى هو عين العلم الاجمالي، فلا معنى للانحلال به. ولكنه ذهب الى صحة الرجوع الى البراءة الشرعية وانحلال العلم الاجمالي حكما بواسطتها، وذلك لوجهين: الاول: ان العلم الاجمالي ينحل حكما بجريان الاصل المثبت في طرف والنافي في طرف آخر كما تقدم، وما نحن فيه كذلك. غاية الامر ان الاصل غير متعدد، بل هو أصل واحد يتكفل كلتا الجهتين، أعني: نفي التكليف في طرف واثباته في طرف آخر، وهو أصالة البراءة من الجزء الزائد المشكوك، فانه بنفسه يثبت اطلاق الامر ظاهرا وعدم تقيد متعلقه بالجزء المشكوك، وهو معنى وجوب الاقل، لان وجوبه يرجع الى أخذه لا بشرط وعدم لحاظ شئ زائد معه، وهذا بنفسه يثبت بأصالة البراءة، لانه مفادها لا من باب الملازمة كي يرد عليه أنه يكون من الاصل المثبت. فأصل البراءة كما ينفي الاكثر يثبت الاقل، واطلاق

[ 207 ]

الامر ظاهرا من جهة الجزء المشكوك. وهذا هو معنى ما يعبر عنه بالاطلاق الظاهري. الثاني: ان لزوم الاحتياط في باب العلم الاجمالي من جهة تعارض الاصول النافية في أطرافه، وليس الامر فيما نحن فيه كذلك لجريان الاصل في الاكثر بلا معارض. أما جريانه في التكليف بالاكثر فلانه مشكوك. وأما عدم معارضته بجريانه في الاقل، فلان الاقل معلوم الوجوب على كل تقدير، فلا تكون رتبة الحكم الظاهري محفوظة فيه، فينحل العلم الاجمالي بذلك (1). هذا توضيح ما أفاده في المقام، وعبارته من حيث كون مجرى الاصل هو وجوب الاكثر أو جزئية المشكوك مختلفة لا يمكن ان يستفاد منها شئ واحد. وما أفاده لا يمكننا الالتزام به.. أما الوجه الاول، ففيه: ان مجرى البراءة اما ان يكون جزئية المشكوك، واما ان يكون وجوب الاكثر. فان كان المقصود اجراء البراءة في جزئية المشكوك. فيدفعه: انه انما يتم لو التزم بالتبعض في التنجيز. أما إذا لم يلتزم به - كما هو ظاهر كلامه، ولذا منع من اجراء البراءة العقلية -، فلا يصح إجراء البراءة في الجزئية ونفي اعتبار الجزء المشكوك بالاصل، لان مجرى البراءة على المسالك المختلفة في مفاد حديث الرفع من تكفله رفع الاحتياط أو جعل الاباحة ونفي الالزام كناية، لابد أن يكون مما يقبل التنجيز ومما يكون فيه الزام وكلفة بنفسه على المكلف. ومن الواضح ان الجزء لا تنجيز فيه ولا معنى للاحتياط من قبله، كي


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 163 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 208 ]

ينفى بحديث الرفع، كما لا الزام من جهته نفسه، بل الالزام به من جهة الامر بالكل وأنه بعضه، فلا معنى لجعل الاباحة ونفي الالزام به كناية. نعم لو فرض الالتزام بالتبعض في التنجيز كان الجزء قابلا للتنجز وعدمه فيقبل الرفع، لكن عرفت أنه خلاف مبناه، إذ لازم التبعض هو اجراء البراءة العقلية وهو لا يلتزم به. وإن كان المقصود إجراء البراءة في وجوب الاكثر، فهي معارضة باجراءها في وجوب الاقل استقلالا لانه مشكوك أيضا، كما ان اجراء البراءة في وجوب الاكثر لا يثبت وجوب الاقل إلا بالملازمة، وليس حالها حال البراءة من جزئية المشكوك. فانتبه. وأما حديث إطلاق الامر وثبوت وجوب الاقل باجراء البراءة من الزيادة المشكوكة، فهو غير سديد، لان نفي الجزئية ظاهرا - كما التزم به (قدس سره) - يرجع الى عدم وجوب الاحتياط من جهة الجزء المشكوك، وهذا لا يتكفل اثبات اطلاق الامر ونفي تعلقه بالمقيد الراجع الى وجوب الاقل، لان عدم وجوب الاحتياط لا يتنافى مع وجود الواقع وثبوته. هذا، مضافا الى ان الرفع الظاهري إنما يثبت اطلاق الامر إذا كان الامر ثابتا بدليل ظاهري بأن كان الامر ظاهريا، كوجوب الاحتياط إذا تردد بين الاقل والاكثر. أما إذا كان الامر المردد واقعيا، فرفع الجزئية ظاهرا في مرحلة الشك وبلسان الغض عن الواقع وقطع النظر عنه، لا يثبت اطلاق الامر الواقعي ظاهرا، إذ الفرض انه لم ينظر فيه الى الواقع، بل أغفل أمر الواقع فيه وقطع النظر عنه، فتدبر فانه لا يخلو عن دقة (1).


(1) وبذلك يختلف عن الاطلاق الثابت بالامارة، فانه اطلاق ظاهري ويحكم على الواقع بانه مطلق ظاهرا، = (*)

[ 209 ]

وأما الوجه الثاني، ففيه: ان العلم بوجوب الاقل على كل حال لا يمنع من اجراء البراءة فيه، لان وجوبه الضمني لا اثر له عقلا وبلحاظه هو، بل الاثر العقلي في مقام الاطاعة يترتب على الوجوب النفسي الاستقلالي، وهو مشكوك، فتجري فيه البراءة وتعارض البراءة في الاكثر. فالتفت. وأما صاحب الكفاية فقد أشرنا الى انه سلك في هذا المقام مسلكا يختلف عن مسالك القوم، فانه بعد ما نفى البراءة العقلية لعدم انحلال العلم الاجمالي التزم بجريان البراءة الشرعية، فتتكفل رفع جزئية المشكوك. وأورد على نفسه: بان الجزئية لا يمكن أن يشملها حديث الرفع لانها ليست بمجعولة ولا أثر لها مجعول وحديث الرفع انما يتكفل المجعول أو ذي الاثر المجعول. وأجاب عن ذلك: بانها وان لم تكن مجعولة بنفسها إلا انها مجعولة بمنشأ انتزاعها، وهو الامر الضمني، وهو يكفي في صحة تعلق الرفع بها. ثم أورد على نفسه: بان رفع الامر الضمني انما يكون برفع الامر بالكل، إذ لا استقلال له في الوضع، وإذا تكفل الحديث رفع الكل فلا دليل على ثبوت الامر بالفاقد. وأجاب عن ذلك: بان نسبة حديث الرفع الى أدلة الاجزاء نسبة الاستثناء، فكما انه لو ورد ما يدل على جزئية شئ وقيده بحال دون حال لا تثبت الجزئية إلا في ذلك الحال ويثبت الامر بالفاقد في غيره، فكذلك أدلة الاجزاء بضميمة حديث الرفع الناظر إليها، يثبت الجزئية في حال دون حال، ففي حال الجهل لا جزئية للسورة مثلا. فتدبر.


= إذ حكم الامارة وان ثبت عند الشك لكن لوحظ فيه اثبات الواقع لا قطع النظر عنه، ومثل الامارة الحكم الاستصحابي، فافهم. (*)

[ 210 ]

ثم انه جاء في عبارته الاصلية لفظ: " السورة المنسية ". وأبدلت في بعض النسخ بلفظ: " المجهولة "، لان البحث في مورد الجهل لا النسيان، ولكن يمكن فرض صحة العبارة الاولى، بان يكون ناظرا الى بيان مورد من موارد الجهل بالجزئية، وهي جزئية المنسي، بان شك في ثبوت الجزئية حال النسيان، فمقصوده تطبيق فقرة: " رفع ما لا يعلمون " على المورد، لا تطبيق فقرة: " رفع النسيان " فان له مبحثا آخر يأتي التعرض إليه ان شاء الله تعالى، وعلى كل فالامر سهل. وما أفاده (قدس سره) غير وجيه، وذلك لانه إما ان يلتزم بتكفل حديث الرفع في صورة عدم العلم للرفع الواقعي على حد سائر الفقرات. أو يلتزم بتكفله للرفع الظاهري. فعلى الاول - كما قربناه في محله - يرد عليه: أولا: ان الجزئية لا تقبل الرفع، لان المرفوع في حديث الرفع ما كان قابلا للوضع شرعا، فان المراد به على ما حرر في محله هو رفع ما له اقتضاء الوضع لا رفع ما كان ثابتا، وهذا ظاهر في ارادة رفع ما يقبل الوضع، والجزئية ليست من الامور المجعولة، لان جعلها مع عدم تعلق الامر بالمجموع المشتمل على الجزء لا ينفع في لزوم الامتثال، لانه من توابع الحكم التكليفي. ومع تعلق الامر بالمجموع المشتمل على الجزء لا أثر لجعلها ولا حاجة إليه لانتزاعها من تعلق الامر بالمركب. وثانيا: لو سلمنا قابلية الجزئية للرفع ولو لم تكن قابلة للوضع، بدعوى انه لا يعتبر في صحة الرفع سوى كون المرفوع بيد الشارع ولو بالواسطة، ولا يعتبر قابليته لوضعه مباشرة. فما أفاده من كون حديث الرفع بمنزلة الاستثناء لحكومته على أدلة الاجزاء إنما يسلم فيما إذا كان الدليل الدال على رفع الجزئية خاصا بان يأمره بمركب ثم يقول له إذا عجزت أو عسر عليك الجزء الفلاني فانا

[ 211 ]

لا أريده فان مثل هذا الدليل ظاهر عرفا في ثبوت الامر بالباقي عند العجز عن الجزء الخاص. أما مثل حديث الرفع مما كان دليلا عاما يدل على رفع المجهول بهذا العنوان بقول مطلق لا بعنوان الجزئية، فلا ظهور له في بقاء الامر بالفاقد لو شمل الجزء المجهول، بل هو ظاهر في رفع الجزئية برفع الامر بالكل. وأما ثبوت الامر بالاقل الفاقد، فهو مما يحتاج الى دليل خاص. فما أفاده (رحمه الله) من كون دليل الرفع مخصصا لدليل الجزئية، بحيث يثبت الامر بالفاقد غير تام، لان رفع الجزئية ملازم لرفع الامر بالكل ولا ظهور للدليل حينئذ في ثبوت الامر بالفاقد. وعلى الثاني: ففيه: أولا: ان رفع الحكم في مرحلة الظاهر لا يتنافى مع ثبوته واقعا - كما قرره في مبحث الجمع بين الاحكام الواقعية والظاهرية -. وعليه فكيف يكون دليل الرفع حاكما على أدلة الجزئية الواقعية وموجبا لتخصيصها في غير حال الجهل ؟. وثانيا: ان مرجع الرفع الظاهري الى عدم وجوب الاحتياط - كما تقدم تقريبه في محله - فرفع الجزئية يرجع الى نفي تنجزها. ومن الواضح انه بناء على عدم التبعض في التنجيز - كما هو مبنى كلامه - لا معنى لمنجزية الجزئية أو رفعها، بل التنجيز بلحاظ الكل. وعليه فمرجع الرفع ظاهرا الى نفي منجزية الاكثر، وهي معارضة بنفي منجزية الاقل، لانها مشكوكة على مبنى عدم التبعض في التنجيز (1).


(1) ثم ان سيدنا الاستاذ (دام ظله) عدل عن تفسير عبارة الكفاية بما فسرها به الاعلام والتي صارت محط الاشكال من الكل وهو أحدهم. فذهب الى أن المنظور في كلامه ليس هو اثبات تعلق الامر بالباقي بواسطة دليل البراءة، بل = (*)

[ 212 ]

وخلاصة ما تقدم: ان جميع ما قيل في وجه الانحلال غير صحيح إلا ما ذهب إليه الشيخ على الوجه الذي ذكرناه، وهو يبتني على الالتزام بالتبعض في التنجيز، فان الاقل يكون معلوم التنجز، والاكثر من جهة الزائد مشكوك، فيكون مجرى لاصالة الإبراءة عقلا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وشرعا لادلة البراءة الشرعية، فانه لا قصور في شمولها إما للجزئية بنفسها لتصور التنجيز فيها لو قلنا بصحة رفعها، أو لوجوب الاكثر من جهة الزائد خاصة، لانه مشكوك التنجز من جهته خاصة. وظهر ان الوجوه المذكورة في رد لزوم الاحتياط لاجل العلم الاجمالي متعددة: أحدها: ما ذهب إليه المحقق العراقي من عدم العلم الاجمالي أصلا، وانه ليس لدينا سوى العلم التفصيلي والشك البدوي.


= مقصوده ليس إلا دفع ما استشكله المستشكل من أن رفع الامر بالجزء يلازم رفع الامر بالكل فلا دليل على الامر بالباقي. فانه أجاب عنه بعد الفراغ عن امكان توجه الرفع الى الجزئية وعدم المناقشة فيه، بأن حديث الرفع يتكفل النظر الى أدلة الاجزاء، فيوجب تخصيصها بحال العلم - مثلا -، أو بحال الاختيار بحسب اختلاف فقراته. ومن الواضح ان ارتفاع الجزئية لازم أعم من ارتفاع الامر بالمرة ومن تعلقه بالباقي في الحال الخاص. إذن فالدليل الدال على رفع الجزئية لا يدل على ارتفاع الامر بالكل بالمرة. وهذا هو ما يريد اثباته قبالا للمستشكل، إذ يضم إليه العلم التفصيلي بوجوب الاقل ويترتب عليه الاثر حينئذ. وجملة القول: ان النكتة التي يحاول صاحب الكفاية التنبيه عليها، هو عدم ملازمة رفع الجزئية لارتفاع الامر بالعمل حتى يحتاج في اثباته الى أمر جديد، لا انه يريد اثبات تعلقه بالباقي بواسطة رفع الجزئية كي يرد عليه ما تقدم، لانه في مقام دفع الاشكال على نفسه، وقد عرفت ان الاشكال يرجع الى ملازمة رفع الجزئية لرفع الامر بالكل. نعم، ينحصر الايراد عليه بأن ما أفاده لا يتم إلا بناء على الالتزام بالتبعض في التنجيز وهو واضح، فالتفت. (*)

[ 213 ]

والثاني: ما ذهب إليه بعض من انحلال العلم حقيقة الى علم تفصيلي وشك بدوي - كما استظهر ذلك من عبارة الشيخ أولا -. والثالث: ما وجهنا به كلام الشيخ من الانحلال في حكم العقل. والرابع: الانحلال بواسطة جريان البراءة الشرعية خاصة في طرف الاكثر، إما لاجل عدم المعارضة كما ذهب إليه النائيني. واما لحكومة دليلها على ادلة الاجزاء كما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية. وقد جاء تحقيق المطلب في الدراسات متشتتا لا يخلو من خلط بين الكلمات. فقد قرب أولا الانحلال في حكم الشرع كالوجه الثاني، ثم ذكر الانحلال في حكم العقل بنحو الذي ذكره الشيخ بعنوان انه عبارة أخرى. ثم تعرض لكلام الكفاية ونفاه بدعوى الانحلال بالعلم التفصيلي بوجوب الاقل بالنحو الذي يظهر منه اختيار مذهب العراقي المتقدم (1). وهذا يرد عليه: أولا: انه قد عرفت ان نكتة الخلاف بين الشيخ وصاحب الكفاية هي الالتزام بالتبعض في التنجيز وعدمه لا غير. وان المنظور في كلماتهما الانحلال في حكم العقل خاصة، فاهمال هذه الجهة مستدرك. وثانيا: انه لا يلتزم بمستلزمات مختار العراقي، لانه نفى تنجيز العلم بجريان الاصل في طرف الاكثر بلا معارض، مما يكشف عن انه يختار وجود العلم الاجمالي. ثم أنه ذكر في مقام بيان جريان الاصل بلا معارض: ان الامر يدور بين اطلاق الواجب وتقييده بالزائد، والاصل يجري في التقييد لانه كلفة زائدة، ولا يجري في الاطلاق لعدم الكلفة فيه.


(1) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 271 - الطبعة الاولى. (*)

[ 214 ]

وهذا البيان ممنوع، وذلك لان الاطلاق والتقييد وان كانا طرفي العلم الاجمالي، لكن هذا العلم الاجمالي لا يرتبط بالعلم الاجمالي المدعى تنجزه، إذ العلم الاجمالي المدعى تنجزه هو العلم بتكليف والزام مردد. ومن الواضح أنه لا موهم لاخذ الاطلاق في متعلق الالزام، بحيث يتحقق الالزام به، لان مرجع الاطلاق الى عدم دخالة شئ في متعلق التكليف ولا معنى للالزام بذلك. إذن فالعلم المدعى تنجزه هو العلم الاجمالي بوجوب الاقل أو الاكثر، وهذا وان لازم العلم الاجمالي بالاطلاق أو التقييد لكن لا ربط له بمحل الكلام، فهو نظير العلم الاجمالي بان الزمان فعلا إما ليل أو نهار. إذن فمجرى البراءة على تقديرها هو وجوب ذات الاقل لا نفس الاطلاق، وهي مما لا مانع من جريانها فيه، فتعارض البراءة في وجوب الاكثر. فالتفت ولا تغفل. ونكتفي بهذا المقدار من التنبيه على بعض المؤاخذات على الدراسات، والله سبحانه ولي العصمة. وجملة القول: ان رد القول بالاحتياط لاجل العلم الاجمالي ينحصر في دعوى الانحلال في حكم العقل المبتني على الالتزام بالتبعض في التنجيز. فتأمل جيدا (1). الامر الثاني: من وجهي القول بالاحتياط - ما أشار إليه الشيخ في كلامه، وهو انه لا اشكال في لزوم تحصيل غرض المولى الملزم بحكم العقل، فيجب الاتيان بما يحققه، وبما ان الواجبات الشرعية تنشأ من مصالح واغراض


(1) ثم إن سيدنا الاستاذ (دام ظله) ذكر في بداية هذا البحث ضرورة التعرض الى تحقيق نحو نسبة وجوب الكل الى اجزائه، وانه هل يقبل التبعض بحيث يتصف كل جزء بحصة من الوجوب، نظير اتصاف الجسم الابيض بالبياض فان كل جزء منه يقال انه أبيض. أو لا يقبل التبعض بحيث لا يتصف كل جزء بالوجوب نظير الحمى العارضة على الجسم، فانها وان سرت الى جميع اجزاء الجسم لكن كل جزء منه لا يصلح ان يتصف بالحمى، فيقال انه محموم ؟. ولعل في بعض كلمات الكفاية في مبحث التعبدي والتوصلي ما يشير الى التزامه بهذا المبنى. ولكنه (دام ظله) أغفل تحقيق ذلك، لاجل عدم أهميته فيما نحن فيه، وذكر انه سيتعرض له في المحل المناسب الذي يكون لتحقيقه فيه أثر فانتظر. (*)

[ 215 ]

واقعية ملزمة في متعلقاتها، فمع العلم الاجمالي بوجوب الاقل أو الاكثر يعلم اجمالا بوجود غرض ملزم واحد يدور أمره بين ترتبه على الاقل أو على الاكثر، فيجب الاتيان بالاكثر للزوم تحصيل الغرض الملزم، وهو لا يعلم الا باتيان الاكثر وهو غرض واحد بسيط، فالشك بين الاقل والاكثر إنما هو فيما يحققه لا فيه نفسه، وهو مجرى الاحتياط بالاتفاق، لانه من موارد الشك في المحصل. وقد استشكل الشيخ في هذا الوجه باشكالين: الاول: ان مسألة البراءة والاحتياط لا تبتني على مذهب المشهور من العدلية القائلين بنشوء الواجبات الشرعية عن مصالح ملزمة واجبة التحصيل عقلا، بل هي يبحث فيها حتى على مذهب الاشاعرة المنكرين للحسن والقبح، وعلى من يكتفي بثبوت المصلحة في نفس الامر من العدلية، فهذا البيان للاحتياط لا ينفع الجميع. الثاني: عدم التمكن من احراز تحقق الغرض الملزم باتيان الاكثر، وذلك لان الغرض إنما يترتب على العمل إذا جئ به بقصد الامتثال. وعليه فيحتمل ان يكون الغرض متوقفا على الاتيان به بقصد الوجه لاحتمال اعتباره، وهو متعذر فيما نحن فيه للجهل بما هو الواجب، فاحراز تحقق الغرض غير متحقق، فلم يبق سوى التخلص من تبعة الامر الموجه إليه، وقد عرفت الانحلال بلحاظه (1). وقد التزم صاحب الكفاية بالوجه المزبور، ورد وجهي الشيخ.. أما الاول، فبأن ما أفاده (قدس سره) لا ينفي لزوم الاحتياط على من يذهب مذهب المشهور من العدلية كالشيخ (رحمه الله)، وعموم الحديث في مسألة البراءة لجميع المذاهب لا ينافي ذلك كما لا يخفى.


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 273 - الطبعة الاولى. (*)

[ 216 ]

وأما الثاني، فقد رده بوجوه عديدة... أهمها: إنكار اعتبار قصد الوجه في العبادة لما اشار إليه في مبحث التعبدي والتوصلي، من انه من الامور التي يغفل عنها العامة غالبا. فعدم بيان اعتبارها من الشارع دليل على عدم اعتبارها. كما انه ذكر امكان الاتيان بالاكثر بداعي الوجوب، إذ لا يعتبر تمييز الاجزاء، إذ المراد وجه الواجب لا وجه الاجزاء، والاكثر واجب ولو بلحاظ كون الاقل في ضمنه، إذ الاقل مأخوذ لا بشرط. وكيف كان فما أفاده الشيخ (رحمه الله) لا يخلو عن مسامحة وهو لا يتناسب مع مقامه العلمي (1). وقد تصدى المحقق النائيني (قدس سره) الى حل هذه الشبهة - أعني: شبهة الغرض - والتخلص من وجوب الاحتياط، ببيان مفصل محصله: ان الغرض من المأمور به. تارة: تكون نسبته الى المأمور به نسبة المعلول الى علته التامة، وهذا كمطلق موارد المسببات التوليدية إذا تعلق الامر باسبابها، كالامر بالالقاء في النار لغرض تحقق الاحراق. وأخرى: تكون نسبته إليه نسبة المعلول الى مقدمته الاعدادية، فلا يترتب الغرض مباشرة على المأمور به، وانما يحتاج الى انضمام مقدمات أخرى لا تكون اختيارية، كالامر بالزرع لغرض صيرورة الزرع سنبلا. فان ما يصدر من الفاعل من افعال اختيارية من الحرث والبذر والسقي لا يكفي في حصول السنبل، بل يحتاج الى مقدمات أخرى غير اختيارية كاشراق الشمس ونحوها من الامور الالهية. نعم فعل المأمور مقدمة اعدادية للغرض.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 364 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 217 ]

فإذا كان الغرض بالنحو الاول، كان واجب التحصيل، بل قد يقال ان التكليف متعلق به حقيقة. بخلاف النحو الثاني، فانه لا يجب تحصيله لخروجه عن الاختيار فلا يتعلق به الامر. وبما ان الاغراض والمصالح التي تبتني عليها الاحكام الشرعية من قبيل الثاني الذي يصطلح عليه بالعلل الغائية، فانها مما لا تترتب مباشرة على فعل المأمور به بل تتحقق بتوسط مقدمات غير اختيارية، فتكون نسبة الفعل إليها نسبة المقدمة الاعدادية، لم يلزم تحصيلها لعدم تعلق الارادة التشريعية بها. ومما يكشف عن ذلك عدم وقوع الامر بتحصيل الملاك أصلا، ولو كانت من المسببات التوليدية لتعلق الامر بها في غير مقام، لان المسبب التوليدي هو المأمور به حقيقة، وتعلق الامر بسببه لكونه آلة ايجاده. ثم انه لا أقل من الشك في ذلك، وهو يكفي في عدم لزوم تحصيلها. هذا محصل ما أفاده (قدس سره) (1). ويرد عليه: ما ذكره جملة من الاعلام من سابق الايام من أن المأمور به له غرضان غرض أقصى وغرض أدنى. والاول ما تكون نسبته إليه نسبة المعد. والثاني ما تكون نسبته إليه نسبة السبب التوليدي، وهو تهيئة المكلف واعداده لحصول الغرض الاقصى، وهذا مما يلزم تحصيله باعترافه (قدس سره)، فإذا شك فيما يحصله بين الاقل والاكثر لزم الاحتياط، لانه شك في المحصل، كما إذا شك في ان الاعداد لحصول السنبل هل يتحقق بمجرد البذر أو يتوقف على ضميمة الحرث إليه، فانه لابد من الاحتياط. فالتفت. فالتحقيق أن يقال في حل شبهة الغرض: انه لا وجه لدعوى لزوم تحصيل غرض المولى الملزم إذا لم يكن المولى بصدد تحصيله بالامر به مع التمكن.


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 165 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 218 ]

وما جئ به شاهدا على حكم العقل بلزوم تحصيل الغرض الملزم من أنه لو وجد عبد المولى ولد مولاه في حالة الغرق وكان ابوه المولى نائما فلم يتصد العبد لانقاذ ولد مولاه مع قدرته على الانقاذ استحق العقاب والملامة والذم بنظر العقل. لا يصلح شاهدا على الدعوى، إذ المفروض في المثال عدم تمكن المولى من الامر لنومه أو غفلته. ولذا لو علم المولى بحالة ولده، كما إذا كان بمرأى منه ولم يأمر عبده بانقاذه لم يجب - بحكم العقل - على العبد انقاذ ولد مولاه وتحصيل غرضه، وليس للمولى والحال هذه ان يلوم عبده ويؤاخذه على عدم تحصيل غرضه. وبالجملة: إذا كان الامر متمكنا من الامر فلم يأمر لم يكن تحصيل غرضه الملزم واجبا عقلا، ولا شاهد عليه. وعليه، ففيما نحن فيه لابد من ملاحظة الامر ومقدار فعليته، فان المولى وإن تصدى فيما نحن فيه لتحصيل غرضه بالامر لثبوت الامر واقعا، لكن عرفت ان الامر بالاكثر - لو كان واقعا - لا يصلح للداعوية إلا بالمقدار الذي تعلق به العلم، واما الزائد عليه فهو مجهول، يكون مجرى البراءة عقلا وشرعا في حد نفسه، ولا معنى لنفي البراءة بواسطة لزوم تحصيل الغرض المردد لعدم لزومه مع تمكن المولى من ايصاله في حال الجهل بجعل ايجاب الاحتياط، فلا يلزم تحصيل غرض المولى على تقدير كونه يترتب على الاكثر لتمكنه من الامر بما يحصله ولو بواسطة جعل الاحتياط عند الجهل فلم يفعل، فلا يلزم تحصيله. وأمره الواقعي لا ينفع بعد عدم العلم به وعدم تنجزه في حق المكلف وعدم داعويته إلا بمقدار خاص وهو الاقل. فتدبر واعرف. هذا تمام الكلام في إجراء اصالة البراءة في الاقل والاكثر. ويقع الكلام بعد ذلك في التمسك لاثبات عدم لزوم الاكثر بالاستصحاب.

[ 219 ]

وقد تعرض له الشيخ (رحمه الله) ههنا، كما تعرض له في ذيل الكلام في البراءة في الشبهة الحكمية التحريمية. وكما منع جريانه هناك منع جريانه هنا. وتوضيح ما أفاده ههنا: انه قد يتمسك لاثبات عدم وجوب الاكثر باستصحاب عدم وجوبه. لكنه منعه: بان التمسك بأصالة عدم وجوب الاكثر ان قصد به نفي العقاب على ترك الاكثر، فقد عرفت فيما تقدم ان انتفاء العقاب لا يحتاج فيه الى الاستصحاب، بل مجرد الشك فيه كاف في نفيه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فيكون الاستصحاب من تحصيل الحاصل. وان قصد به نفي آثار الوجوب النفسي الاستقلالي للاكثر، فهو معارض باصالة عدم وجوب الاقل كذلك. ثم إنه (قدس سره) تعرض بعد ذلك الى وجهين آخرين للاستصحاب. الاول: أصالة عدم وجوب المشكوك في جزئيته، وحكم بان حاله أردأ من حال سابقه، لان المقصود به ان كان نفي وجوبه الضمني، فهو يرجع الى نفي وجوب الكل، لان الوجوب الضمني هو عين وجوب الكل وليس مغايرا له. وان كان نفي الوجوب المقدمي، بمعنى اللابدية، فهي ليست حادثة، بل من لوازم ذات الجزء كزوجية الاربعة. وان كان نفي وجوبه المقدمي، بمعنى الطلب الغيري، فهو وإن كان حادثا مغايرا، لكنه لا ينفع في اثبات كون الواجب هو الاقل إلا بنحو الاصل المثبت. الثاني: استصحاب عدم جزئية الشئ المشكوك للمركب. ومنعه (قدس سره) بان المقصود إن كان نفي جزئية السورة - مثلا - للمركب الواقعي. فهي ليست من الامور الحادثة المسبوقة بالعدم كي يستصحب، بل من الامور الازلية. وإن كان نفي جزئية السورة للمأمور به، فمرجعه الى نفي وجوب الاكثر المشتمل على هذا الجزء، وهو لا يثبت تعلق الامر بالاقل إلا على القول بالاصل المثبت.

[ 220 ]

ولكنه حاول تقريب هذا الاصل بارجاع الجزئية الى مرحلة ثالثة وسط بين مرحلة دخالته في المركب الواقعي وبين مرحلة دخالته في المأمور به. ببيان: ان الماهيات المركبة كالصلاة انما يكون تركبها جعليا، إذ هي في حد ذاتها اجزاء متباينة ومتنوعة المقولات لا ارتباط بينها في أنفسها، وانما تصير شيئا واحدا بالاعتبار. بان يلحظ الامر مجموع هذه الامور المتباينة أمرا واحدا، فيكون كل من هذه الامور جزء، بمعنى انه لوحظ مع غيره أمرا واحدا. وعليه، فإذا شك في جزئية شئ، فيكون مرجع الشك الى الشك في ملاحظته مع غيره شيئا واحدا، وفي تعلق اللحاظ به كذلك، فيجري استصحاب عدمه، ويترتب عليه ثبوت كون الماهية هي الاقل، وذلك لان الاقل يتقوم بأمرين جنس وجودي، وهو ملاحظة الاجزاء المعلومة. وفصل عدمي وهو عدم ملاحظة غيرها. واحد هذين الامرين ثابت بالوجدان وهو الجنس والاخر يثبت بالاصل وهو الفصل، فيثبت في مرحلة الظاهر كون الواجب هو الاقل (1). ولا يخفى عليك ان فائدة التمسك بالاستصحاب لاجل اثبات وجوب الاقل ونفي وجوب الاكثر والاهتمام بهذه الجهة، انما هي دفع من يذهب الى الاحتياط بواسطة ان العلم الاجمالي وان انحل الى العلم التفصيلي بوجوب الاقل والشك في وجوب الاكثر، لكن وجوب الاقل المعلوم تفصيلا مردد بين كونه استقلاليا وكونه ضمنيا، وإذا كان ضمنيا لا يتحقق امتثاله إلا باتيان الاكثر. وعليه فمقتضى العلم التفصيلي باشتغال الذمة بالاقل هو لزوم تحصيل الفراغ التفصيلي عن الاقل، وهو لا يكون الا باتيان الاكثر. وقد ينسب هذا البيان الى صاحب الفصول (2).


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 279 - الطبعة الاولى. (2) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 387 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 221 ]

ولا يخفى انه إذا قام دليل على كون الواجب هو الاقل دون الاكثر لا يبقى مجال لهذا القول، لتشخيص ما هو الواجب الذي يلزم الخروج عن عهدته، ولا طريق الى ذلك فيما نحن فيه سوى الاستصحاب. وقد عرفت توجيه الشيخ (رحمه الله) للاستصحاب بالنحو المتقدم، ويظهر منه ارتضاؤه، وإن استشكل فيه تحت عنوان " اللهم الا ان يقال... ". ولكن يمكن ان يورد على استصحاب عدم الجزئية بالتقريب المتقدم: بأن المقصود.. إن كان نفي الجزئية في مقام اللحاظ بحيث يرجع التركيب الى لحاظ المجموع امرا واحدا، فيقصد من نفي الجزئية نفي تعلق لحاظ المولى بالجزء المشكوك. ففيه: ان اللحاظ ليس من الامور الجعلية للمولى، وانما هو من أفعاله التكوينية كما انه ليس موضوعا لحكم شرعي، والاستصحاب يعتبر ان يكون مجراه امرا مجعولا أو موضوعا لامر مجعول، إذ التعبد انما يتصور في الامور الجعلية لا الامور التكوينية. وإن كان المقصود من البيان السابق للتركيب كون التركيب اعتباريا لا لحاظيا، كما قد يظهر ذلك من التعبير بالمركبات الاعتبارية، بمعنى ان يعتبر الوحدة للامور المتباينة لا انها تلحظ شيئا واحدا فقط. فنفي الجزئية يرجع الى نفي اعتباره جزء. ففيه: ان اعتبار جزئية الجزء عين اعتبار كلية الكل، فنفي اعتبار الجزئية يرجع الى نفي اعتبار كلية الاكثر، وهو لا يثبت كلية الاقل إلا بالاصل المثبت. وبالجملة: يرد على هذا التقدير ما يورد على نفي تعلق الامر الضمني من انه راجع الى نفي الامر بالكل. ولعله هو المقصود مما افاد الشيخ (رحمه الله) تحت عنوان: " اللهم إلا ان

[ 222 ]

يقال... " فراجع. وسيأتي توجيه كلامه بنحو آخر بعد التعرض لكلام النائيني. وقد تصدى المحقق النائيني للبحث عن استصحاب عدم الاكثر بصورة مفصلة، ونحن نذكر جملة من كلامه فنقول: ذكر (قدس سره) ان المستصحب تارة يكون عدم وجوب الجزء المشكوك. واخرى يكون عدم وجوب الاكثر المشتمل على المشكوك. وعلى كلا التقديرين اما ان يراد من العدم هو العدم الازلي السابق على تشريع الاحكام. واما ان يراد به العدم السابق على حضور وقت العمل في الموقتات، كقبل الزوال بالنسبة الى صلاة الظهر. واما ان يراد به العدم السابق على البلوغ. وعلى جميع التقادير لا يجري استصحاب العدم، لكن يختلف الوجه في عدم الجريان باختلاف الوجوه، إذ منها ما لا يكون له متيقن سابق. ومنها لا يكون لبقائه اثر شرعي. ومنها ما يجتمع فيه الامران. أما استصحاب عدم وجوب الجزء المشكوك بالعدم الازلي، فان اريد به العدم النعتي وما هو مفاد ليس الناقصة، فيقال الاصل عدم تعلق الجعل واللحاظ بالمشكوك في ظرف تشريع المركب، فهو مما لا حالة سابقة له، إذ لم يسبق زمان شرع المركب فيه بدون لحاظ الجزء، بل المركب عند تشريعه إما شرع الجزء المشكوك في ضمن اجزائه أولا. وان اريد به العدم المحمولي وما هو مفاد ليس التامة فهو وان كان متيقنا لان اللحاظ والجعل أمر حادث مسبوق بالعدم، إلا انه يرد عليه: أولا: ان المقصود باستصحاب العدم هو اثبات تعلق الجعل بالاقل وإلا فلا أثر له. ومن الواضح انه لا يمكن اثبات ذلك بالاصل المزبور إلا على القول بالاصل المثبت. وثانيا: ان عدم الجعل مما لا أثر له أصلا، لان الاثار الشرعية بل العقلية

[ 223 ]

من الاطاعة والعصيان واستحقاق الثواب والعقاب وغير ذلك، انما تترتب وجودا وعدما على الحكم المجعول لا على الجعل بما هو جعل الا بلحاظ استتباعه للمجعول. وعليه، فاصالة عدم الجعل لا أثر لها إلا إذا اريد بها اثبات عدم المجعول، وهو مما لا يمكن إلا بناء على حجية الاصل المثبت - إذ المجعول ليس من الاثار الشرعية للجعل بل من لوازمه - أو دعوى خفاء الواسطة. وبالجملة: استصحاب العدم المحمولي لوجوب الجزء المشكوك مثبت من جهتين. وأما استصحاب عدم وجوب الاكثر بالعدم الازلي. بتقريب: ان تعلق الجعل بما يشتمل على السورة مثلا أمر حادث فالاصل عدمه. فيرد عليه: أولا: ما تقدم من عدم الاثر لاصالة عدم الجعل إلا بلحاظ اثبات عدم المجعول فيكون الاصل مثبتا. وثانيا: معارضته باصالة عدم وجوب الاقل، لان لحاظ الاقل لا بشرط يباين لحاظه بشرط شئ وكل من اللحاظين مسبوق بالعدم. ثم أنه ذكر: أن هذا لا ينافى ما تقدم في رد المحكي عن صاحب الحاشية من أن الماهية لا بشرط لا تباين الماهية بشرط شئ، فان ذلك باعتبار نفس الملحوظ لا باعتبار نفس اللحاظ، والا فهما متباينان، وكل منهما حادث والاصل عدمه. ثم تعرض الى سائر صور الاستصحاب، ونكتفي فعلا بهذا المقدار من كلامه (1). ولابد من البحث في جهات عديدة في كلامه: الاولى: - وهي أهمها - في ما أفاده من عدم جريان استصحاب عدم الجعل


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 395 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 224 ]

لعدم الاثر المترتب عليه، فانه لا بد من البحث في ذلك، فانه محل كلام، وعلى جريان هذا الاستصحاب يبتني عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لابتلائه بالمعارض دائما وهو أصالة عدم الجعل، كما ذهب إليه المحقق النراقي (1) وتبعه عليه غيره (2). الثانية: فيما افاده من عدم جريان اصالة عدم لحاظ الجزء بنحو العدم المحمولي، من دون تعرض لكلام الشيخ حيث قربه بما عرفت من تقوم الاقل بجنس وجودي وفصل عدمي، وان استشكل فيه بعد ذلك. فلابد من الكلام في هذه الجهة ومعرفة مقدار ارتباطها بكلام الشيخ. الثالثة: في ما أفاده من معارضة استصحاب عدم جعل وجوب الاكثر باستصحاب عدم جعل وجوب الاقل، مع التزامه سابقا بعدم معارضة أصالة البراءة في الاكثر بأصالة البراءة في الاقل، فلابد من معرفة انه هل هناك فرق بين الاستصحاب والبراءة أو لا ؟. أما الكلام في الجهة الاولى - وقد عرفت أنها ذات أهمية جدا -، والذي نتعرض للكلام فيه فعلا هو خصوص أصالة عدم الجعل وانها هل تجري أو لا تجري لعدم الاثر أو لغيره ؟. أما الجهات الاخرى التي ترتبط باستصحاب الاحكام الكلية، فالكلام فيها موكول الى محله. وكيف كان، فقد عرفت توقف المحقق النائيني من جريان أصالة عدم الجعل لعدم أثر عملي يترتب عليه، إذ الاثر العملي الشرعي أو العقلي انما يترتب على المجعول وجودا وعدما، وعدمه لا يثبت باصالة عدم الجعل الا بالملازمة


(1) النراقي المحقق ملا أحمد، المستند / 156 - الطبعة القديمة. (2) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الاصول 3 / 36 - الطبعة الاولى. (*)

[ 225 ]

وبنحو الاصل المثبت. وقد قيل في دفع ما افاده (قدس سره) وجهان: الاول: ما ذكره المحقق العراقي (قدس سره) من ان الاثر غير الشرعي انما لا يترتب على المستصحب الثابت بالاستصحاب إذا كان أثرا لخصوص الوجود الواقعي للمستصحب، فيقال إن ثبوته بالاستصحاب يبتني على القول بالاصل المثبت لانه لازم غير شرعي للمستصحب. أما إذا كان لازما واثرا للمستصحب بوجوده المطلق أعم من الواقعي والظاهري، ترتب على الاستصحاب قهرا، إذ يثبت المستصحب ظاهرا فيترتب عليه الاثر، وذلك نظير وجوب الاطاعة العقلي، فانه يترتب على الحكم الشرعي الثابت واقعا أو ظاهرا، فإذا ثبت الحكم بواسطة الاستصحاب ترتب عليه وجوب الاطاعة عقلا. ولا يخفى ان ترتب المجعول على الجعل كذلك، فانه يترتب على الجعل بوجوده الواقعي والظاهري، فالجعل الظاهري يستتبع المجعول ظاهرا. وعليه، فنفي الجعل ظاهرا يستتبع نفي المجعول، لانه من آثار عدم الجعل الواقعي والظاهري. فلا يكون ثبوته من باب الاصل المثبت. ولولا ذلك لما صح استصحاب بقاء الجعل وعدم النسخ لاثبات المجعول، مع ان جريانه وترتب المجعول عليه عند تحقق الموضوع من المسلمات، وذلك كاستصحاب بقاء جعل وجوب الحج على المستطيع مع كون الشخص مستطيعا فعلا، فانه يترتب عليه ثبوت الوجوب عند تحقق الاستطاعة. وليس ذلك إلا لما ذكر من ان المجعول لازم للجعل أعم من وجوده الواقعي والظاهري (1). الثاني: ان الجعل والمجعول متحدان وجودا مختلفان اعتبارا، كالايجاد


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 395 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 226 ]

والوجود، فليس أحدهما غير الاخر. وعليه فاستصحاب الجعل بنفسه اثبات للمجعول، كما ان استصحاب عدم الجعل بنفسه اثبات لعدم المجعول، ولا ملازمة ولاترتب بينهما. ولولا ذلك لما صح استصحاب بقاء الجعل وعدم النسخ لغرض اثبات المجعول في ظرفه، مع انه من المسلمات غير القابلة للانكار، بل عليه يبتني بقاء الشريعة (1). أقول: الوجهان يشتركان في النقض باستصحاب بقاء الجعل وعدم النسخ، ويختلفان في الحل. ولكن كلاهما قابل للدفع.. أما استصحاب عدم النسخ، فهو - على ما حققناه - لا يرجع الى الاستصحاب المصطلح، بل يرجع الى التمسك باطلاق دليل كل حكم الدال بنفسه على الاستمرار، حتى انه لا حاجة أيضا الى التمسك بما ورد من: " ان حلال محمد (ص) حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة " (2). ولو سلم انه يرجع الى الاستصحاب المصطلح كما بنى عليه المحقق النائيني، فانه بنى على ان طريق اثبات استمرار الاحكام هو استصحاب عدم النسخ (3). فهناك فرق بين استصحاب الوجود واستصحاب العدم. ولا وجه لكلا الوجهين: أما ما أفاده المحقق العراقي من ان المجعول وجودا وعدما يلازم الجعل وجودا وعدما أعم من الواقعي والظاهري. ففيه: انه مسلم في طرف الوجود دون العدم،


(1) الشاهرودي السيد علي. دراسات في الاصول العملية 3 / 169 - الطبعة الاولى. (2) اصول الكافي: كتاب فضل العلم، باب البدع والرأي والمقائيس الحديث 19. (3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. اجود التقريرات 1 / 511 - الطبعة الاولى. (*)

[ 227 ]

وذلك لان مرجع الجعل الى انشاء الحكم. ومن الواضح ان الانشاء بلا منشأ محال، فالانشاء يتقوم تكوينا بالمنشأ. وعليه، فيمكن ان يقال: كما ان الجعل والانشاء الواقعي يلازم المنشأ والمجعول واقعا، كذلك الانشاء والجعل ظاهرا يلازم المنشأ والمجعول ظاهرا، إذ لكل انشاء منشأ ولكل جعل مجعول. فالانشاء الظاهري يلازم المنشأ ظاهرا، فاستصحاب الجعل الذي يرجع الى ثبوت الجعل ظاهرا يترتب عليه ثبوت المجعول ظاهرا، فتترتب عليه آثاره العملية العقلية والشرعية. أما عدم الجعل ظاهرا، فهو ايضا يلازم عدم المجعول ظاهرا، كالملازمة بين عدم الجعل واقعا وعدم المجعول واقعا، لكن مجرد عدم الجعل والمجعول ظاهرا لا ينفع في اثبات المعذورية من الواقع المحتمل، إذ العقاب المحتمل عند احتمال الواقع انما هو على نفس الواقع، فعدم جعل الظاهر جزما لا أثر له في نفي العقاب على الواقع المحتمل. كما ان مفاد استصحاب العدم ليس مجرد ثبوت عدم الجعل ظاهرا، إذ هو مقطوع به فلا حاجة الى الاستصحاب. فيحتاج في مقام المعذورية من الواقع المحتمل الى التعبد ظاهرا بعدمه باستصحاب أو غيره. ومن الواضح ان التعبد ظاهرا بعدم الجعل في الواقع لا يمكن ان يثبت به عدم المجعول واقعا، كي يتحقق العذر، وذلك لان ثبوت عدم المجعول واقعا بواسطة التعبد بعدم الجعل إما من جهة ان التعبد بعدم الجعل عين التعبد بعدم المجعول، أو من جهة الملازمة بين التعبد بعدم الجعل والتعبد بعدم المجعول، أو من جهة الملازمة الواقعية بين عدم الجعل وعدم المجعول. والاول باطل قطعا كما لا يخفى. والثاني لا وجه له، إذ أي ملازمة بين التعبد بعدم الجعل والتعبد بعدم المجعول، إذ يمكن التفكيك بين التعبدين. والثالث يرجع الى الاصل المثبت وهو باطل.

[ 228 ]

وبالجملة: إشكال الاصل المثبت يتأتى في استصحاب عدم الجعل دون استصحاب بقائه، فلا يصح النقض، كما لا يصح ما أفيد من ان عدم المجعول أثر لعدم الجعل الاعم من الظاهري والواقعي، إذ عرفت ان التعبد بعدم الجعل لا يترتب عليه التعبد بعدم المجعول، إذ لا ملازمة بين التعبدين، فينحصر وجه ترتب عدم المجعول على الاستصحاب عدم الجعل بالملازمة الواقعية بينهما فيرجع الى الاصل المثبت. نعم عدم المجعول يترتب على عدم الجعل، لكن عرفت انه لا ينفع في المعذورية، وان مفاد الاستصحاب هو التعبد بعدم الجعل لا نفس عدم الجعل. فانتبه. فما أفاده المحقق النائيني من ان أصالة عدم الجعل لا أثر لها إلا بناء على الاصل المثبت متين جدا. وأما حديث وحدة الجعل والمجعول كوحدة الايجاد والوجود، فهو يبتنى على الالتزام بان الانشاء ليس هو التسبيب للاعتبار العقلائي في ظرفه، كما هو مسلك المشهور، بل هو ابراز للاعتبار النفساني الشخصي، فليس لدينا اعتبار عقلائي، بل لدينا اعتبار شخصي يبرزه الانشاء. ومن الواضح عدم انفكاك الاعتبار عن المعتبر، فالمعتبر موجود من حين الانشاء لكنه على تقدير، بمعنى ان مورد الاعتبار هو الامر على تقدير خاص، فالموصي حين يوصي بداره لزيد بعد موته، يعتبر الملكية فعلا لكن لزيد بعد موته، فالملكية متحققة من الان. وهكذا الوجوب على تقدير شرط خاص، فان الوجوب فعلي قبل حصول الشرط بفعلية الانشاء والاعتبار، لكن متعلقه امر على تقدير خاص. وبالجملة: الجعل والمجعول يراهما هذا القائل بمعنى الاعتبار والمعتبر. ومن الواضح وحدتهما وجودا وتغايرهما اعتبارا. ونحن نتكلم في مناقشة هذا القول من قطع النظر عن أصل مبناه وبطلانه، فان له محلا آخر قد تقدم اسهاب الكلام فيه فراجع. فنقول: ان

[ 229 ]

الاعتبار الشخصي يطرأ على الموضوع الكلي كوجوب الحج على المستطيع. ويثبت الوجوب من حين الاعتبار وان لم يكن للموضوع وجود أصلا، فالوجوب ثابت فعلا قبل صيرورة الشخص مستطيعا، وبعد الاستطاعة يتصف الشخص بانه من وجب عليه الحج. ولا يخفى ان هذا الوجوب الحادث غير الوجوب الثابت بمجرد الاعتبار، إذ ذلك كان ثابتا ولم يكن الشخص متصفا به. وهذا يكشف عن وجود مرحلة أخرى للوجوب هي مرحلة التطبيق الحاصلة عند حصول الموضوع خارجا. ومن الواضح ان هذه المرحلة هي محط الاثار العملية العقلية، إذ لا أثر لمجرد اعتبار الحكم الكلي مع قطع النظر عن انطباقه على موضوعه الخارجي. وعليه، نقول: إن استصحاب عدم الجعل الكلي لا ينفع في اثبات عدم المجعول بمرحلته الثانية ذات الاثر العملي إلا من باب الاصل المثبت. كما ان استصحاب عدم اللون الابيض لا ينفع في اثبات عدم المرتبة الخاصة من اللون الابيض المشكوكة إلا من باب الاصل المثبت. وبالجملة: يتأتى ههنا نفس البيان الذي ذكرناه على تقدير الالتزام بتغاير الجعل والمجعول. والمتحصل: ان ما أفاده المحقق النائيني (رحمه الله) من ان استصحاب عدم الجعل لا أثر له إلا بناء على القول بالاصل المثبت مما لا محيص عنه. هذا مع قطع النظر عن عدم قابلية العدم للتعبد، وإلا فالاشكال فيه أوضح. فانتبه. ثم انه قد اشرنا الى ارتباط هذا البحث بجريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية. وبيان ذلك بنحو الاجمال: ان الشك في الحكم الشرعي ايجابا كان أو تحريما تارة: يكون في ثبوته لحصة في عرض سائر الحصص، كالشك في حرمة الصوت مع عدم الترجيع أو الطرب، مع العلم بحرمة الفرد المشتمل على الترجيع والطرب. واخرى: يكون في ثبوته لحصة في طول سائر الحصص من حيث الزمان،

[ 230 ]

ومرجعه الى الشك في استمرار الحكم المتيقن حدوثه، كالشك في بقاء النجاسة للماء المتغير إذا زال تغيره من قبل نفسه. ولا يخفى ان الشك بالنحو الاول لا مسرح للاستصحاب فيه، لان موضوع الاستصحاب هو الشك في بقاء الحكم واستمراره، وإنما يجري حديث الاستصحاب بالنسبة الى الشك بالنحو الثاني، فيتكلم في إمكان جريان استصحاب النجاسة الثابتة سابقا - مثلا -، وفي هذا المقام يقع حديث استصحاب عدم الجعل، فيقال بانه يعارض استصحاب بقاء الحكم المجعول دائما. ببيان يذكر في محله. ونتيجته يلتزم بعدم جريان استصحاب المجعول لاجل المعارضة دائما. فإذا ثبت انه لا مجال لاستصحاب عدم الجعل كان استصحاب بقاء المجعول سليما عن المعارض. إذن فتحقيق صحة جريان استصحاب عدم الجعل وعدم صحته له الاثر المهم في صحة جريان استصحاب بقاء الاحكام الكلية عند الشك في استمرارها وعدم صحته. وكما يكون لاستصحاب عدم الجعل ارتباط بتلك المسألة، فان له ارتباطا ايضا بمسألة الاقل والاكثر الارتباطيين، وهي: انه هل يمكن اثبات وجوب الاقل بأصالة عدم الجعل الجارية في خصوص الجزء المشكوك أو لا ؟. وسبب الاهتمام في ذلك يبتني على الالتزام بعدم انحلال العلم الاجمالي وجريان قاعدة الاشتغال عقلا في حد نفسها، فانه إذا كان مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم الاتيان بالاكثر لعدم العلم بالامتثال بمجرد الاتيان بالاقل لفرض كون الواجب ارتباطيا، فلا رافع لذلك إلا قيام الدليل التعبدي على تعيين كون الواجب هو الاقل دون الاكثر، لكي يرتفع موضوع قاعدة الاشتغال، إذ بعد حكم الشارع بان الواجب هو الاقل وتعيين تعلق الامر بالاقل دون الاكثر لا مجال حينئذ

[ 231 ]

لحكم العقل بالاحتياط، بل يكون المورد من قبيل موارد جريان قاعدة الفراغ مع العلم التفصيلي بالتكليف. ولا يخفى ان هذا يختص بالاقل والاكثر الارتباطيين، إذ لا مجرى لقاعدة الاشتغال في الاستقلاليين، كي يحتاج الى تعيين الواجب في ضمن الاقل. فالتفت. وعلى كل حال. فقد عرفت ان المحقق النائيني ذهب الى ان استصحاب عدم الجعل لا يتكفل هذه المهمة، لانه أصل مثبت بلحاظ هذه الجهة. ولكنه ذهب سابقا الى اثبات تعيين الواجب هو الاقل باصالة البراءة، وانها تتكفل اثبات الاطلاق الظاهري للمأمور به. ومن هنا قد يورد عليه بالتهافت في كلامه، إذ كيف تتكفل البراءة تعيين الواجب، ولا يتكفله الاستصحاب الا على القول بالاصل المثبت ؟. ولكن يمكن بيان الفرق بين البراءة والاستصحاب: بان المفروض في الاستصحاب كون المستصحب هو العدم بنحو العدم المحمولي، ومن الواضح انه لا يتكفل تعيين الواجب في الاقل الا بالملازمة العقلية. نعم لو جرى الاستصحاب في العدم النعتي ثبت تعيين الاقل، لان مفاده ذلك رأسا، إذ مفاده عدم اخذ الجزء في المركب المأمور به، ولكن عرفت المناقشة باختلال اليقين السابق الذي هو ركن من أركان الاستصحاب. أما البراءة، فمفادها مفاد الاستصحاب الجاري في العدم النعتي. وقد عرفت انه لا اشكال عليه من جهة انه أصل مثبت، بل الاشكال فيه من جهة أخرى، وذلك لان مفادها عدم جعل الجزء المشكوك في المركب المأمور به وعدم ارتباط التكليف المعلوم بالاجمال فيه، وهذا بنفسه يرجع الى تعيين كون المأمور به هو الاقل. إذن فلا تهافت في كلامه. وبذلك يظهر ان ما أفاده المحقق النائيني من عدم جريان أصالة عدم

[ 232 ]

الجعل فيما نحن فيه للوجهين المتقدمين متين جدا بكلا وجهيه. ثم انه ظهر مما ذكرناه ههنا: ان محط نظره (قدس سره) في حديثه عن اجراء البراءة الشرعية هو اثبات تعيين الواجب، وانه الاقل، ليرتفع بذلك حكم العقل بلزوم الاحتياط، وان غرضه من اثبات الاطلاق الظاهري ذلك، لا ما سبق منا في بيان كلامه من رجوع مقصوده الى انحلال العلم بجريان الاصل المثبت في أحد أطرافه والنافي في الطرف الاخر، أو انحلاله بعدم تعارض الاصول. بل النكتة التي ينظر إليها (قدس سره) هو بيان ان مقتضى اصالة البراءة تعيين الشارع المأمور به ظاهرا مما يستلزم ارتفاع حكم العقل بلزوم الاحتياط، نظير موارد جريان قاعدة الفراغ الراجع الى اكتفاء الشارع بما جاء به المكلف، ولو لم يكن مصادفا للواقع. فانتبه ولا تغفل. وأما ما أفاده (قدس سره) من ان جريان اصالة العدم في وجوب الاكثر يعارضه جريان أصالة العدم في وجوب الاقل، لتباين لحاظ الشئ لا بشرط مع لحاظه بشرط شئ، فقد اشرنا الى انه مثار ايراد عليه: بانه قد تقدم منه ان اجراء البراءة في الاكثر لا يعارضه اجراء البراءة في الاقل، فأي فرق بين المقامين ؟. وكأنه انتبه الى هذا الايراد فذكر: ما تقدم منا في عدم تباين لحاظ الاقل لا بشرط مع لحاظه بشرط شئ لا يتنافى مع ما ذكرناه هنا من تنافي اللحاظين. وذكر في وجه التنافي وجها مجملا ولاجله أورد عليه المقرر بما يرجع الى عدم الفرق بين الموردين وان الحق عدم المعارضة. والصحيح في الجواب عن هذا السؤال: انك عرفت أخيرا ان محط نظره في اجراء البراءة ليس هو نفي وجوب الاكثر، بحيث يكون وجوب المجموع مجرى البراءة، بل مجرى البراءة هو نفي اعتبار الجزء المشكوك في المركب المأمور به الذي يحاول به تعيين كون الواجب هو الاقل. ومن الواضح ان جريان البراءة في الجزء المشكوك لا يعارض جريان

[ 233 ]

البراءة في الاقل، لانه معلوم الجعل على كل حال، وانما الشك في اخذه لا بشرط وبنحو الاطلاق، أو أخذه بنحو التقييد وبشرط شئ. وهذا بخلاف فرض الاستصحاب، إذ المفروض ان مجراه عدم وجوب الاكثر بنحو المجموع، ونفي احتمال وجوب الاكثر بنحو الاستقلال يقابله احتمال وجوب الاقل بنحو الاستقلال وهو مشكوك، فيكون مجرى لاصالة العدم أيضا. ولا فرق في هذه الجهة بين أصالة البراءة أو الاستصحاب. فعمدة الفرق بين المقامين ليس راجعا الى الاختلاف بين البراءة والاستصحاب بل الى ان المفروض في مجرى الاصل ههنا يختلف عن مجراه فيما تقدم، وذلك سبب تحقق المعارضة في ما نحن فيه وعدم تحققها فيما تقدم. فانتبه. يبقى أمر واحد في كلام المحقق النائيني وعدنا بالتنبيه عليه وهو مدى ارتباط كلامه بكلام الشيخ، حيث ذهب الى تقريب جريان اصالة عدم الجزئية بالبيان المتقدم. وتوضيح ما أفاده الشيخ (رحمه الله) هو: انك عرفت انه فرض للجزئية مرحلة وسطى بين مرحلة الجزئية للمركب الواقعي الراجع الى دخالة الجزء في المصلحة وبين مرحلة الجزئية للمأمور به، وهي الجزئية في مقام اللحاظ. وقد عرفت الاشكال فيه: بان اللحاظ ليس من المجعولات الشرعية كي يصح التعبد بها، وانما هو من افعال الشارع التكوينية فلا معنى لاستصحابه. ولكن يمكن توجيه كلامه بما اشار إليه المحقق العراقي (قدس سره) (1) بارجاع ما افاده الى استصحاب عدم الجعل أو التعبد به، ببيان: ان للاحكام الشرعية مرحلتين مرحلة الانشاء والجعل. ومرحلة الفعلية. ولا يخفى ان موضوع الانشاء والجعل هو لحاظ المركب بنحو الوحدة لتقومه به. فاذن لحاظ كل جزء


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 394 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 234 ]

مأخوذ في موضوع جعل الحكم له، فاستصحاب عدم اللحاظ إما يقصد به استصحاب عدم الجعل، أو يقصد به التعبد بأثر اللحاظ، وهو الجعل، فينتفي بواسطة استصحاب عدم الموضوع، إذ مرجع استصحاب الموضوع الى التعبد بحكمه. ونتيجة هذا البيان: انه لا اشكال في استصحاب عدم اللحاظ من الجهة التي عرفتها، لرجوعه الى التعبد بعدم الجعل. أما تقريب اثبات وجوب الاقل به، فقد تقدم بيانه بان الاقل مركب من جنس وجودي وفصل عدمي، والجنس الوجودي وهو تعلق الحكم بغير المشكوك من الاجزاء محرز بالوجدان، والفصل العدمي وهي عدم جعل الجزء المشكوك يثبت باصالة عدم الجعل بنحو العدم المحمولي. ولكن هذا البيان إنما يتأتى لو تم ما ذكر من تقوم الاقل بأمر وجودي وأمر عدمي بنحو التركيب. أما إذا ادعى بان الاقل يتقوم بأمرين وجوديين: أحدهما ثبوت الجعل للاجزاء التسعة - مثلا -. والاخر لحاظ كونها لا بشرط بالنسبة الى العاشر، لا مجرد عدم لحاظ الجزء العاشر المشكوك. فأصالة عدم جعل الجزء العاشر لا يثبت تقيد الاجزاء الاخرى بالقيد الوجودي إلا بالملازمة العقلية فيكون الاصل مثبتا. كما تقدم بيانه في كلام المحقق النائيني. وبما ان الامر في الاقل كذلك - اعني انه يتقوم بأمرين وجوديين -، وذلك لان الاجزاء التسعة إما ان تلحظ مقيدة بالعاشر أو تلحظ غير مقيدة به، إذ الاهمال ثبوتا ممتنع عقلا، فلا يصح ان لا تلحظ مقيدة ولا غير مقيدة. وعليه، فيكون الاقل هو المركب الملحوظ عدم تقيده بالجزء العاشر، فأصالة عدم الجعل بالنسبة الى الجزء المشكوك لا يتكفل اثبات وجوب الاقل إلا بالملازمة والاصل المثبت. والى هذا يرجع ما افاده الشيخ تحت عنوان: " اللهم إلا ان يقال... ".

[ 235 ]

والذي يتحصل مما ذكرناه ان ما أفاده المحقق النائيني يوافق مختار الشيخ أخيرا، فلا اختلاف بينهما. هذا جميعه حول ما يرتبط بما أفاده المحقق النائيني بالنسبة الى استصحاب عدم الاكثر بنحو العدم الازلي. وأما ما أفاده في استصحاب العدم قبل الوقت في الموقتات، فلا يهمنا فعلا التعرض إليه لعدم الاثر العملي له فيما نحن فيه. والجهة المهمة فيما ذكره في هذا المقام هو بيان اختصاص الاستصحاب بلحاظ الوقت باستصحاب عدم المجعول، ولا يتأتى استصحاب عدم الجعل، واختصاص استصحاب العدم الازلي باستصحاب عدم الجعل، ولا يتأتى فيه استصحاب المجعول لاختلاف رتبة الجعل والمجعول، ومقام كل منهما غير مقام الاخر. وهذه الجهة سنتعرض لها في المحل المناسب ان شاء الله تعالى. وهكذا الحال فيما افاده في استصحاب العدم الثابت قبل البلوغ والمنع من جريانه لاجل ان العدم الثابت قبل البلوغ لا يستند الى الشارع، لامتناع جعل التكليف في حق الطفل، فلا يستند العدم الى الشارع، بل هو عدم عقلي، وهو مرتفع قطعا بعد البلوغ إما بجعل التكليف أو بتبدله الى العدم المستند الى الشارع، فلا مجال على هذا لاستصحابه. فان تحقيقه فيما نحن فيه ليس بذي أثر كبير. فنوكل البحث فيه الى محله ان شاء الله تعالى. هذا كله فيما إذا كان الشك في الجزئية. الصورة الثانية: في الشك في الشرطية: وفيما إذا كان الشك في شرطية شئ للمركب. فقد فصل الشيخ الكلام في الشروط بين ما كان منشأ الشرط فعلا خارجيا مغايرا للمقيد في الوجود الخارجي، كالطهارة المنتزعة عن الوضوء وبين ما كان متحدا مع المقيد في الوجود الخارجي، كالايمان بالنسبة الى الرقبة في قوله:

[ 236 ]

" اعتق رقبة مؤمنة " وقرب أولا الحاق القسم الاول بالجزء، فيكون المرجع عند الشك فيه هو البراءة، والحاق القسم الثاني بالمتباينين، فيكون الشك فيه موردا للاحتياط. ثم اختار أخيرا أن حكم القسمين واحد وان الاقوى فيه الحاقهما بالجزء، فالمرجع عند الشك في الشروط هو البراءة (1). وذهب صاحب الكفاية الى: أن الشك في الشرط لا يكون مورد البراءة العقلية للعلم الاجمالي، وان الوجه في الانحلال المتوهم عند الشك في الجزئية لا يتأتى ههنا (2). وسيتضح كلامه إن شاء الله تعالى. وتحقيق الكلام أن يقال: انه بناء على ما سلكناه في الشك في الجزء تبعا للشيخ (رحمه الله) من الالتزام بالانحلال في حكم العقل المبتني على الالتزام بالتبعض في التنجيز، وإمكان تنجز التكليف من جهة دون جهة وبمقدار دون آخر. فحكم الشك في الشرط بجميع أنحائه حكم الجزء، إذ المقدار المنجز من التكليف هو التكليف بالمطلق. أما خصوصية الشرط، فلا يعلم اعتبارها، فالتكليف غير منجز من جهتها فيكون العقاب على اهمالها عقابا بلا بيان، كما أنه يمكن اجراء البراءة الشرعية في التكليف من تلك الجهة، لان مرجعها الى عدم ايجاب الاحتياط، وهو متصور بعد تصور التبعض في التنجيز. وأما بناء على الالتزام في مورد الشك في الجزء بالانحلال الحقيقي في حكم الشرع، بدعوى العلم التفصيلي بوجوب الاقل والشك في وجوب الزائد. فقد اشير الى أنه يبتني على القول بانبساط الوجوب النفسي المتعلق بالكل على الاجزاء، بحيث يكون كل جزء متصفا بالوجوب، بأن يكون الوجوب نظير الاعراض الخارجية كالبياض التي يتصف بها مجموع الجسم وفي الوقت نفسه


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 284 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 367 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 237 ]

يكون كل جزء منه متصفا به، وبتعبير أوضح: يكون نظير الغطاء الواحد الذي يغطي مجموع البدن، ويتصف كل جزء من البدن بأنه تحت الغطاء أو مغطى. أما على القول بعدم الانبساط وكون الوجوب نظير الحمى العارضة على مجموع البدن ولا يتصف كل جزء منه بها، فلا يقال للرأس انه محموم، فلا مجال لدعوى الانحلال كما لا يخفى. وإذا ظهر أن الانحلال المدعى يبتني على القول بانبساط الوجوب فيقع الكلام في ان انبساطه هل يختص بالاجزاء أو يعم الشروط ؟. ولا يخفى ان الشرط بنفسه لا يكون موردا للامر النفسي، وانما هو طرف للاضافة، فما يتوهم اتصافه بالامر النفسي الضمني هو التقيد بالشرط. وقد ذهب صاحب الكفاية - كما أشرنا إليه - الى عدم قابليته للاتصاف بالوجوب النفسي. بدعوى ان الجزء التحليلي لا يتصف به. ويمكن ان يوجه ما أفاده (قدس سره) ويقرب: بأن التقيد إذا لوحظ بنحو المعنى الاسمي كان كسائر المفاهيم الاسمية مما يمكن أن يتصف بالوجوب. اما إذا كان ملحوظا بنحو المعنى الحرفي الراجع الى ملاحظة ذي القيد بنحو خاص، لان حقيقة المعنى الحرفي - كما مر ايضاحها - هي الوجود الرابط الذي عبر عنه بالربط بين المفاهيم الكلامية ونحو ذلك، وهو كيفية من كيفيات وجود المفهوم الاسمي المرتبط به. فليس له وجود غير وجود المعنى الاسمي المتقوم به، بل هو نحو خاص من وجود المعنى الاسمي. فإذا كان التقيد ملحوظا بنحو المعنى الحرفي، كان فانيا في المقيد، وكان الواجب في الحقيقة هو الحصة الخاصة من المطلق. فلا يكون الوجوب منبسطا على التقيد. ولا يخفى أن الشرط على تقدير اعتباره انما يلحظ التقيد به بنحو المعنى

[ 238 ]

الحرفي، فيلحظ واقع التقيد به لا مفهومه، فلا وجه حينئذ للانحلال، لعدم القدر المتيقن في البين، بل الامر يدور بين تعلق الحكم بالحصة الخاصة أو بغيرها. هذا ما يمكن ان يقرب به كلام الكفاية. ويمكن الاشكال فيه: بان كون المعنى الحرفي كذلك لا ينافي تعلق التكليف به وكونه موردا للاثر الشرعي، ولا ينافي لحاظه الاستقلالي في مقام ترتيب الاثر عليه. وان اشتهر بان المعنى الحرفي آلي لا استقلالي، إذ معنى الالية فيه ليس هو المرآتية والفناء في مقام التصور والملاحظة، بل بمعنى انه سنخ معنى يتقوم بالغير ويفنى فيه ولا ينحاز عنه، فيصح تعلق التكليف به كما بين ذلك في العبادات المكروهة. فقد أفيد في محله: ان الكراهة - في الصلاة في الحمام مثلا - راجعة الى تقيد الصلاة بالكون في الحمام وايقاعها فيه من دون حدوث حزازة في نفس الصلاة. كما ان الكون في الحمام لا كراهة فيه في نفسه لو لم يكن راجحا. وهكذا في مثل استحباب الصلاة في المسجد، فان المرغوب للمولى هو ايقاع الصلاة في المسجد وتقيدها بالمكان الخاص، وهو محط نظره في قوله: " صل في المسجد ". وبالجملة: كون التقيد ملحوظا بنحو المعنى الحرفي لا ينافي تعلق التكليف به وانبساط التكليف عليه وسرايته إليه. فالمتجه أن يقال: إن كل مورد تكون الخصوصية المشكوكة فيه راجعة الى نفس متعلق التكليف، بحيث توجب سعة التكليف وزيادته عرفا ودقة كانت مجرى البراءة شرعا، لانها تقبل انبساط التكليف، فالشك فيها يكون شكا في تكليف زائد مع وجود قدر متيقن في البين هو ذات المقيد. فيتحقق الانحلال المدعى، وذلك نظير الطهارة مع الصلاة، فان الصلاة مع الطهارة والصلاة بدونها بنظر العرف من الاقل والاكثر، فالصلاة مع الطهارة صلاة وزيادة، وترك الطهارة واتيان الصلاة بدونها يكون ايجادا للفرد الناقص دقة وعرفا.

[ 239 ]

أما إذا كانت الخصوصية المشكوكة غير راجعة الى متعلق التكليف، بل الى موضوع المتعلق بنحو لا يستلزم وجودها زيادة في المتعلق ولا فقدها نقصا فيه - وذلك نظير عتق الرقبة المؤمنة، فان ايمان الرقبة أو عدم ايمانها لا يلازم زيادة في العتق أو نقصا، بل نفس العتق على كلا التقديرين بنحو واحد لا اختلاف فيه -، فالشك فيها لا يكون مجرى البراءة، إذ لا يتصور الانبساط ههنا، إذ لا يكون المتعلق مقيدا بتلك الخصوصية، إذ هي ليست من خصوصياته المضيقة له. وبالجملة: لا متيقن في البين - في متعلق التكليف - يشار إليه ويقال انه معلوم الوجوب والشك في الزائد عليه، بل الفعل بدون الخصوصية مباين للفعل المنضم للخصوصية، فلا يتحقق الانحلال. فالحق هو التفصيل بين الصورتين في مقام الانحلال المبتني على القول بانبساط الوجوب. هذا، ولكنك عرفت إننا في غنى عن الالتزام بالانحلال الحقيقي في حكم الشرع كي نضطر الى التفصيل بين قسمي الشروط، ولنا فيما سلكناه من طريق الانحلال الحكمي المبتني على التبعض في التنجيز غنى وكفاية فانه يوصلنا الى المطلوب. وقد عرفت ان الحال فيه لا يختلف بين قسمي الشروط، إذ الشك في كلا القسمين شك في اعتبار خصوصية زائدة لم يقم عليها المنجز، فتكون موردا للبراءة العقلية والشرعية، بمعنى عدم ايجاب الاحتياط شرعا من الجهة المشكوكة.

[ 240 ]

يبقى الكلام في موارد: المورد الاول: في دوران الامر بين العام والخاص. ولا يخفى انهما بحسب اللغة لا يختلفان عن المطلق والمقيد، وانما الفرق بينهما اصطلاحي بحسب مقام الدال، فإذا كان الدال على العموم وضعيا سمي عاما، وإذا كان الدال عليه بمقدمات الحكمة سمي مطلقا. والذي يبدو من المحقق العراقي (قدس سره) انه جمع بين المطلق والمقيد وبين العام والخاص في الحكم ولم يفرز لكل منهما بحثا خاصا به (1). وقد ذهب البعض في مقام بيان الفرق موضوعا فيما نحن فيه الى: ان المراد بالعام والخاص هو ثبوت الحكم لعنوان عام، ثم ثبوته لعنوان خاص من حيث الصدق مباين من حيث المفهوم، نظير مفهوم الصلاة ومفهوم الجمعة. فيختلف عن المقيد، لانه ما أخذ فيه نفس العنوان المطلق باضافة القيد الزائد، نظير الصلاة وصلاة الجمعة (2). وهذا الوجه لا يهمنا التعرض الى تفنيده وبيان انه يرتبط بمقام الاثبات لا مقام الثبوت كما لا يخفى جدا. وإنما المهم بيان الفرق الصحيح بين الموردين - اعني: مورد العام والخاص. ومورد المطلق والمقيد -، بحيث يصحح افراد كل منهما بالبحث والكلام فيه على حدة. فنقول: ان المراد بالخاص ما كانت الخصوصية فيه متحدة في الوجود مع ذي الخصوصية بمعنى ان وجودها بعين وجوده واقعا ولا تعدد في وجودهما، نظير


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 399 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 208 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 241 ]

الجنس والفصل، فأن وجود الجنس والفصل واحد. فالحيوان عام والانسان خاص. وبذلك يختلف عن المطلق والمقيد، إذ الخصوصية في المقيد ليست موجودة بنفس وجود ذي الخصوصية وإن كانت متقومة به تقوم العارض بالمعروض، لكن وجودها مغاير لوجود ذي الخصوصية، فان وجود الايمان غير وجود الرقبة ووجود العدالة غير وجود العالم، كما ان الربط بينهما موجود بوجود انتزاعي غير وجود ذي الربط وان تقوم به. وإذا اتضح المراد بالخاص يتضح حكمه من حيث الانحلال وعدمه، مع الشك في اعتبار الخصوصية، فانه لا مجال لدعوى الانحلال، إذ لا انبساط للتكليف على تقدير اعتبار الخصوصية بعد فرض وحدة الوجود دقة وعدم تعدده، فليس الدوران بين العام والخاص من الدوران بين الاقل والاكثر في متعلق التكليف. فلا وجه للانحلال فيه حتى إذا قيل بالانحلال في مورد الشك في القيد ودوران الامر بين المطلق والمقيد. إذن، لابد من الاحتياط لمن يذهب الى البراءة من باب الانحلال الحقيقي في حكم الشرع. نعم، على مسلكنا في اجراء البراءة لا مانع من جريانها ههنا، إذ التكليف من جهة الخصوصية الزائدة المشكوكة غير منجز، لعدم العلم، فيكون مجرى البراءة العقلية والشرعية الراجعة الى عدم وجوب الاحتياط - كما أشرنا إليه -. هذا، ولكن لا يذهب عليك ان هذا البحث فرضي بحت، إذ الخصوصيات المأخوذة في متعلقات التكاليف ليست من قبيل الفصل الى الجنس، لان المتعلقات افعال المكلفين، وهي من الاعراض، وهي بسائط لا تركب فيها كي يجري فيها حديث العام والخاص والجنس والفصل. وأما موضوعها، فهو وان امكن ان يكون من الجواهر المركبة من الجنس

[ 242 ]

والفصل، لكن عرفت عدم الانحلال فيها حتى إذا كانت من قبيل المطلق والمقيد، فلا أثر لكونها من قبيل العام والخاص. ومن يدعي الانحلال في المطلق والمقيد من جهة ثبوت التقيد بين الفعل وخصوصية موضوعه، فهو يقول به في العام والخاص أيضا، لان الفعل أيضا مقيد بخصوصية الموضوع في مورده وان اتحد وجود الخصوصية مع ذي الخصوصية. وبالجملة: لا فرق بين العام والخاص والمطلق والمقيد من هذه الجهة. فلاحظ. هذا حكم دوران الامر بين الطبيعي ونوعه. وأما لو دار الامر بين الطبيعي وفرده الجزئي، كدوران الامر بين الانسان وزيد. فان قلنا: بان التفرد يحصل بنفس الوجود، فالنوع والفرد متحدان وجودا لا تغاير بينهما أصلا، لان وجود الطبيعي بوجود فرده، وليس لكل منهما وجود منحاز عن وجود الاخر، فالحكم فيهما من حيث الانحلال المبتني على الانبساط حكم الطبيعي ونوعه. وان قلنا: بان التفرد لا يحصل بمجرد الوجود، بل بلوازم الوجود من من المكان والزمان وسائر العوارض، فبما ان هذه من المقولات التي يلتزم بان لها وجود مستقل عما تقوم به، فيكون الشك في الفرد نظير الشك في اعتبار شرط زائد، وقد عرفت الكلام فيه. فتدبر. المورد الثاني: في دوران الامر بين التعيين والتخيير. ولا يخفى ان لدوران الامر بين التعيين والتخيير موارد متعددة: الاول: دوران الامر بين التعيين والتخيير في المسألة الاصولية، كمورد تعارض النصين مع ثبوت مزية في احدهما يحتمل ان تكون مرجحة لذيها، وعدم اطلاق يدل على التخيير حتى في هذه الصورة، فانه يدور الامر بين حجية ذي المزية خاصة وبين حجية أحدهما بنحو التخيير، وفي مثل ذلك يلتزم بالتعيين، لان ذا المزية مقطوع الحجية على كلا التقديرين. وأما غيره فهو مشكوك الحجية، وقد تقرر ان الشك في الحجية يلازم القطع بعدمها. فيتعين الالتزام بذي المزية.

[ 243 ]

الثاني: دوران الامر بين التعيين والتخيير في باب التزاحم، كما إذا تزاحم واجبان كان أحدهما محتمل الاهمية، فانه يدور الامر بين تعيين محتمل الاهمية والتخيير بينه وبين غيره. وفي مثل ذلك يلتزم بالتعيين أيضا، لان مرجع التخيير الى الالتزام بتقييد اطلاق كل منهما بصورة عدم الاتيان بالاخر - إذ المزاحمة تنشأ من تعارض الاطلاقين -. وعليه، فمع احتمال أهمية أحدهما، يعلم بتقييد اطلاق الاخر، على كلا التقديرين كما هو واضح. وأما محتمل الاهمية فلا يعلم بتقييد اطلاقه، فيكون اطلاقه محكما، وهو معنى الترجيح. الثالث: دوران الامر بين التعيين والتخيير في مقام الامتثال، كدوران الامر في مقام الطاعة مع التمكن من الاطاعة التفصيلية بين تعينها عقلا أو التخيير بينها وبين الاطاعة الاجمالية. والحكم هو التعيين أيضا، للشك في تحقق الامتثال وسقوط التكليف بالاقتصار على الاطاعة الاجمالية، وقاعدة الاشتغال تستدعي الفراغ اليقيني. وجميع هذه الموارد الثلاثة ليست محل كلامنا فيما نحن فيه من البراءة والاحتياط. وانما محل الكلام هو المورد.. الرابع: وهو ما إذا علم بتعلق التكليف بأمر معين وشك في انه واجب بنحو التعيين أو بنحو التخيير بينه وبين غيره، كما إذ علم بوجوب العتق عند القدرة عليه على تقدير الافطار عمدا، وشك في انه واجب عليه خاصة أو انه مخير بينه وبين الصوم - مثلا -. ومن هنا يظهر انه ليس من محل الكلام ما إذا تعلق الامر بطبيعة وشك في أخذ خصوصية فيها، فيشك في تعيين ذي الخصوصية أو التخيير بينه وبين غيره، فان جميع موارد الاقل والاكثر في الجزئية والشرطية كذلك، بل محل الكلام ما إذا علم ملاحظة ذي الخصوصية - كالعتق في المثال - وشك في اعتباره بخصوصه أو

[ 244 ]

مخيرا بينه وبين غيره. فتدبر ولا تغفل. وقد تعرض الشيخ (رحمه الله) الى هذا المبحث بنحو مجمل (1). وأهمله صاحب الكفاية (رحمه الله). وأسهب الكلام فيه المحقق النائيني (رحمه الله) (2). وتحقيق الكلام فيه بنحو يرتفع عنه الغموض ويتضح به كلام الاعلام في المقام صحة وسقما، أن يقال: ان حديث جريان البراءة وعدمه يختلف باختلاف الاقوال في حقيقة الوجوب التخييري، فلابد من الاشارة إليها ومعرفة أثر كل منها من ناحية جريان البراءة وعدمه. وعمدتها أربعة أقوال: الاول: انه عبارة عن وجوب كل من العدلين مشروطا بترك الاخر. الثاني: انه عبارة عن وجوب أحدهما، فمتعلق الوجوب التخييري هو عنوان انتزاعي في قبال موارد التخيير العقلي، فان متعلق الوجوب فيه هو الجامع الحقيقي كالصلاة والصيام ونحوهما. الثالث: انه سنخ خاص من الوجوب متعلق بكل من العدلين يعرف بآثاره. وهو ما ذهب إليه صاحب الكفاية (3). وقد عرفت تصويره بانه مرتبة وسطى بين الاستحباب غير المانع من الترك مطلقا وبين الوجوب التعييني المانع من الترك مطلقا. الرابع: انه عبارة عن وجوب أحدهما المردد مصداقا. وبعبارة أخرى: انه وجوب الفرد المردد وعلى سبيل البدل كما قربناه، ودفعنا ما توجه من الاشكال فيه. أما على القول الاول: فالشك في التعيين والتخيير يرجع الى الشك في اطلاق الوجوب المعلوم واشتراطه بترك العدل المشكوك. فيمكن إجراء البراءة


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى، فرائد الاصول / 285 - الطبعة الاولى. (2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 3 / 417 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (3) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 141 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 245 ]

في إطلاقه، لان مرجع الاطلاق الى ثبوت تكليف زائد. وبعبارة أخرى: المكلف شك في ثبوت الوجوب على تقدير اتيان العدل المحتمل، والاصل هو البراءة. ولا يختلف فيما ذكرناه بين كون اساس جريان البراءة في الاقل والاكثر هو انحلال العلم الاجمالي حقيقة على مبنى الانبساط في التكليف وبين كونه ما ذكرناه من انحلاله حكما على مبنى التبعض في التنجيز. إذ الشك كما عرفت يرجع الى الشك في زيادة التكليف وثبوته على كلا التقديرين، وقلته وثبوته على أحد التقديرين، وهو تقدير عدم الاتيان بالعدل المشكوك، فتكون الزيادة مجرى للتكليف، للعلم التفصيلي بثبوته على تقدير ترك الاخر، أما على تقدير اتيان الاخر فالتكليف مشكوك فيكون مجرى البراءة. وأما على القول الثاني: فمرجع الشك في التعيين والتخيير الى الشك في ان الواجب هل هو الجامع الانتزاعي - أعني: عنوان أحدهما - أو انه الامر المعين بعنوانه الخاص، كالصوم - مثلا -، فهو يعلم اجمالا بوجوب أحد الامرين عليه ؟. لا مجال حينئذ لدعوى انحلال العلم الاجمالي حقيقة المبني على انبساط التكليف، لعدم كون الدوران بين الاقل والاكثر، فلا متيقن في البين. وان توهم ذلك بدعوى: ان ثبوت التكليف بنحو التعيين يرجع الى تعلق التكليف بالجامع وهو عنوان احدهما وزيادة الخصوصية، إذ عنوان احدهما ينطبق على الصوم. إذن فيصح ان يقال ان تعلق التكليف بالجامع معلوم على كلا التقديرين والشك في اعتبار خصوصية زائدة عليه، فيكون المورد من موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر في باب الشروط، فيثبت الانحلال كما تقدم. فان هذا الوهم باطل: لان الجامع الانتزاعي لا يكون مأخوذا في متعلق التكليف لو ثبت الوجوب التعييني، بل متعلق الوجوب ليس الا المفهوم المعين الخاص كالصوم - مثلا -، وانما يلتزم به على تقدير ثبوت الوجوب التخييري من باب ضيق الخناق في تصوير الواجب التخييري، فليس الواجب على تقدير

[ 246 ]

تعلق التكليف بالصوم بنحو التعيين سوى الصوم، لا انه عنوان احدهما المتخصص بخصوصية الصوم، قياسا على الحال في الجامع الحقيقي كالصلاة مع الطهارة. فالشك على هذا ليس شكا في كون متعلق التكليف هو المطلق أو المقيد، بل الامر دائر بين متباينين. وما نبهنا عليه واضح لكل من له قليل التفات وفضل. ولاجل ذلك التزم المحقق العراقي بالاشتغال ههنا (1) مع التزامه بالانحلال الحقيقي في الاقل والاكثر على ما عرفت (2). وأما الانحلال الحكمي الذي قربناه مبنيا على التبعض في التنجيز، فله على هذا القول مجال، وذلك لان العلم الاجمالي إنما يوجب تنجيز الجهة المشتركة بين طرفيه، وترتب الاثر العقلي في مقام الاطاعة بالمقدار المتيقن ثبوته على كلا التقديرين إذا كانت هناك جهة جامعة. ولا يخفى ان المقدار الثابت الجامع بين الطرفين هو تنجيز التكليف المعلوم بالاجمال على تقدير ترك العدل الاخر المحتمل. أما مع الاتيان به، فلا يعلم بثبوت اقتضاء للتكليف في مقام العمل، لاحتمال كون الواجب هو أحدهما. والعلم الاجمالي لا يصلح ان يكون بيانا لذلك، لانه يكون بيانا بالمقدار المعلوم ثبوته، فيكون التكليف على هذا التقدير غير منجز، فتجري فيه البراءة. وبالجملة: بعد فرض امكان التبعض في التنجيز من جهة متعلقه، فالتبعض في التنجيز من جهة تقادير الوجوب ممكن أيضا، بل الامر فيه أوضح، فيمكن ان يكون التكليف منجزا على تقدير وغير منجز على تقدير.


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 288 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) راجع 4 / 202 من هذا الكتاب. (*)

[ 247 ]

وعليه، فالعلم بثبوت الوجوب التعييني أو التخييري انما ينجز التكليف على تقدير عدم الاتيان بالاخر المحتمل، وأما على تقدير الاتيان به، فليس الحكم منجزا فيكون موردا للبراءة. فانتبه. وأما على القول الثالث: فمرجع الشك في التعيين والتخيير الى الشك في ثبوت أي السنخين من الوجوب وتعلقه بالفعل الخاص. ومن الواضح انه لا مجال أيضا لدعوى الانحلال الحقيقي المزبور، لان الدوران بين المتباينين، والشك لا يرجع الى الشك في زيادة التكليف وقلته، بل الى ان الثابت هذا النحو أم ذاك، فليس في المقام قدر متيقن يكون معلوم الثبوت تفصيلا ويشك في ثبوت الزائد عليه، بل المورد من قبيل دوران الامر بين ثبوت الوجوب للعمل أو الاستحباب، فانه لا يقول أحد بانه من موارد الدوران بين الاقل والاكثر. نعم، لدعوى الانحلال الحكمي الذي بنينا عليه مجال، وذلك لان المقدار المعلوم ثبوته هو تأثير الحكم المعلوم بالاجمال في مقام الطاعة عند عدم الاتيان بالمحتمل الاخر. أما على تقدير الاتيان به، فلا علم بما له تأثير في مقام العمل من التكليف، لاحتمال ان يكون الثابت هو الوجوب التخييري الذي يكون قاصرا عن التأثير والمحركية على تقدير الاتيان بالعدل الاخر، فالتكليف على هذا التقدير لا يكون منجزا، فيكون موردا للبراءة. وقد عرفت عدم صلاحية العلم الاجمالي للتنجيز لا كثر من الجهة الجامعة بين الطرفين في مقام الاثر العقلي في باب الاطاعة. وأما على القول الرابع: فمرجع الشك في التعيين والتخيير الى الشك في تعلق الوجوب بالفرد المعين أو تعلقه بالفرد المردد، وهما متباينان، وليس هناك قدر متيقن في البين.

[ 248 ]

وعليه، فلا مجال لدعوى الانحلال الحقيقي المبني على الانبساط لدوران الامر بين المتباينين. وأما الانحلال الحكمي الذي قربناه، فله مجال أيضا بعين التقريب على الاقوال السابقة، فان التكليف المعلوم اجمالا لا علم بتأثيره على تقدير الاتيان بالعدل المحتمل، والعلم الاجمالي انما ينجز التكليف المعلوم بالاجمال بمقدار ما يعلم تأثيره في مقام الطاعة على كلا تقديريه. فلا يكون التكليف منجزا على تقدير الاتيان بالعدل المحتمل، فيكون مورد البراءة. ويتلخص من جميع ما ذكرناه: ان جريان البراءة في الاقل والاكثر.. ان كان مبناه هو الانحلال الحقيقي المبتني على انبساط الوجوب ووجود القدر المتيقن، فلا يمكن اجراء البراءة في دوران الامر بين التعيين والتخيير على جميع الاقوال في الوجوب التخييري إلا على القول الاول. وإن كان مبناه هو الانحلال الحكمي المبتني على التبعض في التنجيز، أمكن اجراء البراءة على جميع الاقوال. بل عرفت ان الالتزام بالتبعض في التنجيز ههنا أوضح منه في متعلق التكليف، لانه ههنا بلحاظ تقادير التكليف نفسه. فلاحظ. هذا غاية التحقيق في دوران الامر بين الاقل والاكثر. المورد الثالث: في دوران الامر بين الاقل والاكثر في المحصل، بمعنى أن المأمور به يكون معلوما بحدود وقيوده، وإنما يشك فيما يحققه وما يكون سببا لحصوله في أنه الاقل أو الاكثر، كما لو فرض تعلق الامر النفسي بالطهارة، وقيل انها أمر بسيط مسبب عن الافعال الخاصة من الوضوء والغسل والتيمم، وليس الامر متعلقا بنفس الافعال المركبة كما هو ظاهر بعض النصوص الدالة على وجود أمر مستمر، يتعلق به النقض والبقاء، وهذا لا يتصور بالنسبة الى نفس الافعال لانها تتصرم وتنعدم كما هو واضح.

[ 249 ]

ولا يخفى ان الاصل ههنا هو الاشتغال، فإذا شك في ان السبب المحصل للمسبب هل هو الاقل أم الاكثر فلابد من الاحتياط باتيان الاكثر، وذلك لان التكليف بالمسبب معلوم منجز، والتردد في السبب يكون من التردد في تحقق الامتثال وحصول الواجب، وقاعدة الاشتغال تلزم بتحصيل العلم بحصوله باتيان الاكثر. ولا فرق فيما ذكرناه بين ان يكون السبب والمحصل شرعيا أو غير شرعي، إذ السببية غير مجعولة شرعا بجعل مستقل، بل هي منتزعة من الحكم بحصول الواجب عند اتيان ذات السبب، فلا موهم لجريان حديث الرفع فيها عند الشك. نعم لو التزم بانها مجعولة بجعل مستقل كان للحديث في جريان حديث الرفع مجال وإن كان ممنوعا. وتحقيقه في مقام آخر. ثم إن ههنا بحثا صغرويا في خصوص الطهارة والوضوء أو الغسل. وهو: ان الشك في اعتبار جزء زائد في الوضوء والغسل إنما يكون مجرى لاصالة الاحتياط لو فرض ان نسبة الوضوء الى الطهارة المأمور بها نسبة السبب الى المسبب، بحيث يكون للطهارة وجود غير وجود نفس الوضوء، نظير الملكية المسببة عن العقد، فان العقد لا يقال عنه انه ملكية. وليس الامر كذلك، بل نسبة الطهاة الى الوضوء نسبة العنوان الى المعنون، نظير التعظيم الحاصل بالقيام، ولكنه عنوان له، فالقيام بنفسه تعظيم لا أن التعظيم شئ وراء القيام، فيقال للقيام انه تعظيم. ونظير الاستيلاء الاعتباري على الارض الشاسعة الحاصل بمجرد ملك المفتاح وكونه مطلق العنان فيها، فان نفس ذلك يقال عنه انه استيلاء اعتبارا لا حقيقة، إذ الاستيلاء الحقيقي يحصل بالاحاطة الحقيقية وكون الشئ تحت قبضته حقيقة، وهذا لا يتصور في مثل الارض الشاسعة. ويدل على ذلك ما ورد من النصوص مما ظاهره اطلاق الطهارة على نفس

[ 250 ]

الوضوء وترتيب بعض آثارها عليه، كقوله: " الوضوء نور " ونحو ذلك (1)، فانه ظاهران الطهارة هي الوضوء ونسبتها إليه نسبة العنوان الى المعنون. وإذا فرض أن الامر كذلك، فالشك في اعتبار جزء زائد في الوضوء يكون مجرى البراءة لاتحاده مع المأمور به وجودا. هذا ما ذهب إليه بعض الاعلام (2). وفيه: - مع الغض عن عدم تعقل كون الطهارة عنوانا للوضوء، كما تقدم تفصيل الكلام فيه في مبحث مقدمة الواجب - ان كون نسبة الطهارة الى الوضوء نسبة العنوان الى المعنون لا يقتضي جريان البراءة مع دوران الوضوء بين الاقل والاكثر، بل الحال فيه هو الحال على القول بكون نسبتها إليه نسبة المسبب الى السبب. والوجه في ذلك: انه بعد فرض ان المأمور به هو الطهارة: وهي أمر اعتباري بسيط يتحقق بالافعال الخاصة، وليست نسبته الى الافعال الخاصة نسبة اللفظ الى المعنى كي يكون الامر به أمرا بها حقيقة، بل هي عنوان اعتباري يتحقق بالافعال، فمع اتيان الاقل يشك في تحقق ذلك العنوان، فيكون من الشك في الامتثال، نظير ما إذا أمر المولى عبده بتعظيم زيد فشك العبد ان التعظيم هل يحصل بمطلق القيام أم القيام بضميمة التحية، فانه ليس له الاكتفاء بمجرد القيام للشك في حصول الامتثال به. نعم، لو التزم بان الطهارة ذات مراتب يتحقق كل مرتبة منها بحصول جزء من الوضوء أو الغسل، كما قد يظهر ذلك من بعض الروايات الواردة في الغسل، كان الشك في اعتبار جزء زائد في الوضوء أو الغسل شكا في اعتبار المرتبة الزائدة في الطهارة، فيكون الشك في متعلق التكليف، فيكون مجرى


(1) وسائل الشيعة 1 / باب 8 من ابواب الوضوء الحديث: 8 وفيه: (الوضوء على الوضوء نور على نور) وسائل الشيعة 1 / باب 1 من ابواب الوضوء الحديث: 5 (الوضوء شظر الايمان). (2) الغروي الشيخ ميرزا علي. التنقيح 4 / 61 - كتاب الطهارة - الطبعة الاولى. (*)

[ 251 ]

البراءة. لكن هذا خلاف المفروض في الكلام من انها أمر وحداني بسيط لا تعدد فيه ولا تشكيك. المورد الرابع: في دوران الامر بين الاقل والاكثر في المحرمات، كما لو دار أمر الغناء المحرم بين كونه خصوص الصوت المطرب أو انه الصوت المطرب المشتمل على الترجيع. وقد يقال: أن الامر فيه على عكس الامر في دوران الامر بين الاقل والاكثر في الواجبات، إذ الاقل في مورد المحرمات غير معلوم التحريم، والاكثر معلوم التحريم، فلذا لا يلزم ترك الاقل. ولكن لا يخفى ان الالتزام في باب الواجبات بالانحلال إذا كان من باب الانحلال الحقيقي المبتني على الانبساط، باعتبار ان الاقل معلوم الوجوب إما نفسيا استقلاليا أو ضمنيا، والزائد مشكوك، فهو بعينه يجري في باب المحرمات، إذ حرمة المجموع تستلزم حرمة كل جزء جزء ضمنا. وعليه فمع دوران أمر المحرم بين الاقل والاكثر يصح ان يقال: إن الاقل معلوم الحرمة على كل حال اما استقلالا أو ضمنا. وأما الخصوصية الزائدة فهي مشكوكة الاعتبار. نعم، على مسلكنا في مقام الانحلال وهو الالتزام بالانحلال الحكمي المبتني على التبعض في التنجيز، يكون الامر في المحرمات على عكسه في الواجبات. وذلك لان فعل الاكثر مما يعلم بترتب العقاب عليه على كل حال، وأما فعل الاقل فلا يعلم بترتب العقاب عليه على كل حال، لاحتمال كون المحرم هو الاكثر، فلا يكون فعله موجبا للعقاب، إذ المخالفة في باب المحرمات إنما تتحقق بفعل المجموع. وأما في باب الواجبات، فهي تتحقق بترك بعض الاجزاء، لان ترك البعض سبب لترك الكل دون فعل البعض، فانه لا يكون سببا لفعل الكل. فلاحظ والتفت.

[ 252 ]

المورد الخامس: ما إذا كان منشأ الشك في الشرطية هو الشك في حكم تكليفي مستقل. كما لو كان منشأ اعتبار الشرطية حكما تكليفيا مستقلا، نظير ما يقال في اشتراط عدم الغصب في الصلاة من جهة حرمة الغصب وثبوت التضاد بين الحرمة والوجوب، فإذا شك في جواز الصلاة في مكان للشك في انه غصب أو لا، فمنشأ الشك في جواز الصلاة في ذلك المكان هو الشك في حرمة الكون فيه. وقد التزم الشيخ (رحمه الله): بان جريان أصالة البراءة في الحكم التكليفي يكون حاكما على الاصل في الشرطية المشكوكة من براءة أو احتياط، لان نسبة الشك في الحكم التكليفي المستقل الى الشك في الشرطية نسبة الشك السببي الى المسببي، والاصل الجاري في الشك السببي يكون حاكما على الاصل الجاري في الشك المسببي (1). وقد استشكل فيه المحقق النائيني - بعد ان بين ان الشرطية قد تكون منتزعة عن تكليف غيري مع قطع النظر عن الحكم التكليفي، سواء كان في موردها حكم تكليفي كلبس الحرير في الصلاة، أو لم يكن كالصلاة فيما لا يؤكل لحمه. وقد تكون ناشئة من الحكم التكليفي، وعلى الاخير تارة: يكون منشأ الشرطية هو الحكم الواصل، كاشتراط عدم الغصب في الصلاة باعتبار حرمته بناء على التزاحم. واخرى: يكون منشؤها هو الحكم بوجودها الواقعي، كالمثال المتقدم بناء على التعارض. وان محط نظر كلام الشيخ هو الصورة الاخيرة، إذ الصورة الاولى لا يحتاج فيها الى الاصل عند الشك، بل مجرد عدم الوصول والشك يكفي في عدم المزاحمة وارتفاع الشرطية. بعد أن بين ذلك استشكل (قدس سره) -: بأن الاصل الجاري في الحكم


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 286 - الطبعة الاولى. (*)

[ 253 ]

التكليفي انما يكون حاكما على الاصل في الشرطية إذا كان من الاصول المحرزة، كالاستصحاب، لانه يتكفل نفي الواقع ظاهرا، فيرتفع به موضوع الشك المسببي. واما إذا لم يكن محرزا كالبراءة فلا ينفع في الحكومة، لان غاية مدلول البراءة هو الترخيص في الفعل والترك بلا تصرف في الواقع، فيبقى الشك في الشرطية على حاله فلابد من علاجه باجراء الاصل فيه (1). والذي يبدو لنا: انه لا مجال لجريان الاصل في الحكم التكليفي النفسي، لاجل رفع الشك في الشرطية، إذا كان التكليف بوجوده الواقعي منشأ للشرطية، سواء كان الاصل احرازيا أم لم يكن. وذلك لان الحرمة الثابتة للغصب وان كانت منشأ لاعتبار شرطية عدم الغصب في الصلاة من جهة التعارض وغلبة ملاك الحرمة، إلا ان الشرط ليس هو عدم الحرمة كي يكون اجراء الاصل في الحرمة رافعا للموضوع ونافيا للشك في الشرط، إذ عدم الضد لا يؤخذ في متعلق الضد الاخر، فلا معنى لان يقيد الواجب بعدم كونه حراما. وإنما الشرط هو عدم متعلق الحرمة، وهو الغصب، فالمعتبر في الصلاة هو عدم الغصب، ومنشأ اعتبار عدمه هو حرمته، فإذا شك في الحرمة فالاصل فيها لا ينفي الشرط وهو عدم الغصب إلا بالملازمة العقلية. وبعبارة أخرى: إذا شك في مكان انه غصب ام لا، يشك في اعتبار عدمه في الصلاة من جهة الشك في الحرمة، ونفي حرمته واقعا وإن استلزم انتفاء اعتبار عدمه، لكن ذلك لا يثبت بالاصل إلا على القول بالاصل المثبت، لان الملازمة بين الحرمة والشرطية ملازمة عقلية، وترتب اعتبار العدم على حرمة الفعل مما يحكم به العقل لا الشارع. فمجرد منشئية الحرمة للشرطية لا يصحح الاقتصار على اجراء الاصل في الحرمة، بل لابد من اجراء الاصل في الشرطية المشكوكة


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 193 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 254 ]

أيضا. فالتفت ولا تغفل. المورد السادس: في دوران الامر بين الاقل والاكثر من جهة الشبهة الموضوعية. وقد تعرض الشيخ (رحمه الله) لذلك. وفرض موضوع الكلام ما إذا أمر بمفهوم مبين مردد مصداقه بين الاقل والاكثر، ومنه ما إذا وجب صوم شهر هلالي، وهو ما بين الهلالين، فشك في انه ثلاثون أو ناقص، ومثل ما إذا أمر بالطهور لاجل الصلاة وهو الفعل الرافع للحدث أو المبيح للصلاة، فشك في جزئية شئ للوضوء أو الغسل الرافعين. كما انه حكم (قدس سره) بلزوم الاحتياط هنا لتنجز التكليف بمفهوم مبين معلوم تفصيلا، والشك انما هو في تحققه بالاقل، وهو مجرى قاعدة الاشتغال (1). وقد ذهب المحقق النائيني (رحمه الله) - كما في تقريرات الكاظمي - الى ان الشيخ (رحمه الله) أرجع الشبهة الموضوعية الى ما يرجع الى الشك في المحصل، كما يظهر من تمثيله بالشك في جزئية شئ للطهور الرافع للحدث، ومن التزامه بأصالة الاشتغال خلافا لما التزم به في الشبهة الحكمية. وذهب الى ان ذلك منه (قدس سره) لعله للغفلة أو لتخيله عدم إمكان وقوع الشك في نفس متعلق التكليف بين الاقل والاكثر لاجل الشبهة الموضوعية. ثم ذكر: انه يمكن تصور الشبهة الموضوعية في نفس متعلق التكليف. ببيان طويل محصله: ان التكليف تارة: يكون له تعلق بموضوع خارجي كوجوب اكرام العالم. وأخرى: لا يكون له تعلق بموضوع خارجي كوجوب السورة. ومن الواضح ان التكليف في المورد الاول يختلف سعة وضيقا باختلاف سعة الموضوع وضيقه، فإذا ثبت وجوب اكرام مطلق افراد العالم بنحو العموم


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 283 - الطبعة الاولى. (*)

[ 255 ]

المجموعي كان هناك تكليف واحد باكرام مجموع العلماء فإذا شك في فرد انه عالم أولا، يشك في سراية الحكم إليه وكون اكرامه جزء من متعلق الحكم أولا، فيكون من موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر في نفس متعلق التكليف، ومنشأ الشك هو اشتباه الموضوع الخارجي. نعم إذا لم يكن للتكليف تعلق بموضوع خارجي، فلا يمكن ان تتحقق فيه الشبهة الموضوعية، بل الشبهة فيه لابد وان تكون حكمية. وبالجملة: فالشبهة الموضوعية لدوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين متصورة فيما كان للتكليف تعلق بموضوع خارجي. وذكر (قدس سره) بعد ذلك: ان أمثلتها في الفقه كثيرة. ومنها: تردد لباس المصلي بين كونه من مأكول اللحم أو غيره بناء على مانعية غير مأكول اللحم لا شرطية كونه من مأكول اللحم، إذ كل فرد فرد من اجزاء غير المأكول منهيا عن الصلاة فيه بالنهي الغيري، ويكون عدمه مأخوذا في الصلاة، فالشك في ان هذا اللباس من مأكول اللحم أو لا يستلزم الشك في أخذ عدمه في الصلاة، فيكون من دوران الامر بين الاقل والاكثر من جهة الشبهة الموضوعية. نعم، لو أخذ كون اللباس من مأكول اللحم شرطا في الصلاة لم يتأت البيان المزبور، إذ التكليف في الشروط لا ينحل الى تكاليف متعددة بعدد ما للموضوع من أفراد، إذ لا معنى للامر بايقاع الصلاة في كل فرد من افراد مأكول اللحم، بل التكليف متعلق بصرف الوجود. وهذا معلوم لا شك فيه، فلابد من احراز امتثاله باحراز كون اللباس من مأكول اللحم، ولا مجال لجريان البراءة هنا، لان الشك في المحصل لا في نفس متعلق التكليف. فالحال يختلف بين أخذ كون اللباس من مأكول اللحم شرطا وبين أخذ كونه من غير مأكول اللحم مانعا. فعلى الاول: لا يرجع الشك في كون هذا اللباس من المأكول وعدمه الى

[ 256 ]

الشك في الاقل والاكثر. وعلى الثاني: يرجع الى الشك بين الاقل والاكثر. ولذا كان الشك على الاول مجرى الاشتغال. وعلى الثاني مجرى البراءة. كما يحقق ذلك في مبحث اللباس المشكوك. هذا ملخص ما أفاده المحقق النائيني (رحمه الله) في المقام (1). وقد ذهب المحقق العراقي الى تقسيم صور الشك في المصداق الى ما يكون من جهة الشك في اتصاف الموجود بعنوان الكبرى، كالشك في اتصاف زيد بعنوان العالم في مثال: " اكرم العالم ". والى ما يكون من جهة الشك في وجود ما هو المتصف بعنوان الكبرى. وذكر ان الاول على قسمين، لان الخطاب تارة يكون مبهما من جهة حدود الموضوع، بحيث يقبل الانطباق على الكثير والقليل، مثل اكرام العالم واخرى: يكون معينا بلا ابهام فيه من هذه الجهة أصلا، كالامر باكرام عشرة علماء. ثم ذكر: ان الشك في المصداق في مثل الاول يستلزم الشك في مقدار ارادة المولى وشمولها للمشكوك فيه وعدمه. وعليه يكون المورد من دوران الامر بين الاقل والاكثر. ولكنه أفاد: بان نظر الشيخ (رحمه الله) الى غير هذا الفرض، كما يظهر من تمثيله بالامر بصوم ما بين الهلالين والشك في المحقق، فانه ظاهر في كون محط نظره ما إذا لم يكن في الخطاب ابهام من حيث مقدار دائرة الحكم، بل الابهام في مقام التطبيق. وذكر: ان الفرض الاول مما لا يخفى على أصاغر الطلبة فضلا عن مثل الشيخ (رحمه الله) الذي هو استاذ هذا الفن، فلا ينبغي نسبة الغفلة إليه أو تخيل


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 200 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 257 ]

عدم امكان فرض الشبهة الموضوعية في الاقل والاكثر. ثم تعرض لبيان عدم تصور دوران الامر بين الاقل والاكثر في الفرضين الاخرين، ولا يهمنا التعرض إليه فعلا (1). ولا يخفى عليك، ان ما أفاده العراقي اعتراف بما أفاده المحقق النائيني في واقعه، وإن جعل نظر الشيخ (رحمه الله) مقصورا على غيره، إذ لا يرتفع التساؤل عن سبب اغفال الشيخ للفرض الاول مع انه هو المثال الواضح للشبهة الموضوعية، والفرض ان موضوع كلامه فيها. ومثاله الاول وان أمكن ارجاعه الى الشبهة الموضوعية ودوران الامر بين الاقل والاكثر في نفس متعلق التكليف كما لا يخفى، لكن مثاله الثاني وتعليله لزوم الاحتياط بالعلم بتعلق التكليف بمفهوم مبين مردد مصداقه بين الاقل والاكثر يأبى عن ذلك، ويظهر منه ان المفروض كون الشك في المحصل. وكيف كان، فقد عرفت ان تصور الشبهة الموضوعية للاقل والاكثر بمكان من الامكان، والحكم فيها من حيث جريان البراءة العقلية والنقلية هو الحكم في الشبهة الحكمية، لجريان نفس البيان ههنا بجميع شئونه. فالتفت ولا تغفل.


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 408 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 258 ]

يبقى الكلام في تنبيهات المسألة. التنبيه الاول: في الشك في ركنية الجزء مع العلم بأصل الجزئية. وقد ذكر الشيخ (رحمه الله): أن عنوان الركن لم يرد في النصوص كي يقع البحث في تشخيص مفهومه العرفي، وانما هو اصطلاح فقهي يعبر به عن بعض الاجزاء التي يختل العمل بتركها سهوا - كما هو تعريف بعض الفقهاء للركن -، أو التي يختل العمل بتركها سهوا وزيادتها عمدا وسهوا - كما هو تعريف بعض آخر للركن -. إذن فالمهم هو البحث عن هذه الجهات في الجزء، فيقال انه إذا ثبت جزئية شئ وشك في اختلال العمل بتركه سهوا أو بزيادته عمدا وسهوا فما هو مقتضى الاصل العملي ؟. فالكلام يقع في جهتين: الجهة الاولى: في بطلان العمل بتركه سهوا. ولا يخفى ان مفروض الكلام إنما في مورد يكون هناك أمر جزمي بالعمل. بحيث لو غفل عنه أو نام ثم التفت الى وجوده لثبت في حقه قطعا. وبعبارة أخرى: ان النافي للصحة والمثبت يلتزم كلاهما بانه لو لم يقم دليل على الصحة كان اللازم إعادة العمل لوجود الامر في حق المكلف والشك في الخروج عن عهدته. والوجه في تصحيح العمل منحصر في طريقين: أحدهما: إثبات ان عمل الناسي للجزء هو المأمور به في حقه. والاخر: اثبات ان عمل الناسي مسقط للامر وإن لم يكن مأمورا به، بلحاظ وفائه بغرض المأمور به، فان سقوط الامر بغير المأمور به غير عزيز. فإذا لم يثبت كلا الطريقين تعين الالتزام ببطلان العمل عملا بقاعدة الاشتغال. وقد يتوهم ان قاعدة الاشتغال انما تتم لو كان المكلف ملتفتا في حال

[ 259 ]

دخول الوقت للتكليف المتعلق بالتام، بحيث يتنجز في حقه ثم يطرأ عليه النسيان، فانه يشك في الخروج عن عهدة ذلك التكليف المعلوم بالمأتي به الناقص، فالاصل يقتضي الاشتغال. ولا تتم فيما إذا كان المكلف ناسيا من أول الوقت ثم استمر نسيانه الى حين العمل، إذ لا أمر بالتام قبل العمل وفي اثنائه للنسيان، وأما بعد العمل فهو يشك في حدوث الامر بالتام ومقتضى الاصل البراءة لا الاشتغال. ولكنه توهم فاسد، لانه في مثل هذا الفرض وان لم يكن هناك أمر، إلا انه يعلم بوجود غرض ملزم في العمل التام وكان المولى بصدد تحصيله، وانما ارتفع الامر لمانع عقلي وهو النسيان، وهو لا يعلم بأن ما أتى به هل يحصل الغرض أو لا ؟. والعقل يلزم بتحصيل العلم بحصوله، فمع الشك يكون مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم الاتيان بالتام ليحصل العلم بحصول الغرض الملزم. وإذا ظهر لك ما ذكرنا، فيقع الكلام في الوجه الذي يحاول به تصحيح العمل واثبات سقوط الامر بواسطة المأتي به الفاقد للجزء عن نسيان، وقد عرفت انه ينحصر في طريقين، فيقع البحث في كل واحد منهما على حدة. أما الطريق الاول: وهو اثبات تعلق الامر بالعمل الفاقد، وأنه مأمور به في حق الناسي. فتحقيق الكلام فيه يدعو الى التكلم في مقامين: الاول: في امكان تعلق التكليف بالناقص بالنسبة الى الناسي وعدمه. الثاني: انه على تقدير إمكانه فيقع البحث في الدليل على ثبوت الامر بالناقص. فالمقام الاول بلحاظ مقام الثبوت. والمقام الثاني بلحاظ مقام الاثبات. أما المقام الاول: فقد ذهب الشيخ (رحمه الله) الى استحالة تعلق التكليف بالناسي بعنوانه. والوجه فيه: ان التكليف لا يمكن ان يكون باعثا ومحركا للعبد نحو العمل إلا مع الالتفات إليه والى موضوعه، فالتكليف بالحج المأخوذ في

[ 260 ]

موضوعه الاستطاعة لا يصلح للمحركية إلا مع الالتفات الى الاستطاعة. ومن الواضح ان الناسي لا يمكن أن يلتفت الى موضوع التكليف وهو كونه ناسيا مع بقاء النسيان، بل بمجرد الالتفات إليه يزول النسيان، فالتكليف المأخوذ في موضوعه الناسي غير صالح للمحركية في حال من الاحوال. أما مع الغفلة عن النسيان فواضح. وأما مع الالتفات إليه فلزواله (1). وهذا الوجه مما لم نجد من استشكل فيه، بل الكل اتفق مع الشيخ في استحالة تكليف الناسي بعنوانه. ولكن ذهب صاحب الكفاية الى إمكان تعلق التكليف بالناسي واختصاصه به لكن لا بعنوانه، وذكر في ذلك طريقين: الاول: ان يتعلق التكليف بما عدا الجزء المنسي بمطلق المكلف أعم من الذاكر والناسي للجزء، ثم يثبت تكليف آخر للذاكر خاصة بالجزء الذي يذكره، فيختص الناسي بالتكليف بما عدا الجزء المنسي بلا لزوم المحذور المزبور، إذ لم يؤخذ عنوان الناسي في موضوع الحكم بالمرة. الثاني: ان يوجه التكليف بالناقص للناسي بعنوان ملازم للنسيان، بحيث يمكن الالتفات إليه مع عدم زوال النسيان، كعنوان بلغمي المزاج ونحوه، فيكون مثل هذا التكليف صالحا للداعوية في حال النسيان (2). ويرد عليه (قدس سره) ان التكليف المتعلق بالناقص بكلا نحويه لا يكون هو الداعي لاتيان المركب الناقص، بل المكلف الناسي يأتي بالفاقد على كل حال ثبت هناك أمر في الواقع أو لم يثبت، والشاهد على ذلك هو انه قد يأتي بالعمل الفاقد الباطل الذي لا أمر به كفاقد الركن، بنفس النحو الذي يأتي به


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 286 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق محمد كاظم. كفاية الاصول / 368 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 261 ]

بالعمل الفاقد الصحيح أو ما يتكلم في صحته. والسر فيه: هو انه ينبعث عن الامر المتعلق بالتام لغفلته عن نقصان العمل وعن ارتفاع الامر، بل هو يرى نفسه كالذاكر، فالامر بالناقص لا يترتب عليه التحريك والانبعاث بالنسبة الى الناسي فيكون لغوا. هذا مع ما يرد على الوجه الاول من: ان التكليف المختص بالذاكر بالجزء الذي يذكره إما ان يكون تكليفا نفسيا استقلاليا غير التكليف بما عدا المنسي من الاجزاء، واما ان يكون تكليفا ضمنيا متحدا مع التكليف بما عدا المنسي، بحيث يكون للذاكر تكليف واحد لا تكليفان. فالاول أجنبي عن محل الكلام، فانه ليس من تخصيص التكليف بالناقص بالناسي، بل من تخصيص الذاكر بتكليفه بشئ وعدم تكليف الناسي به. وعلى الثاني كما هو المفروض، إما ان يكون التكليف بما عدا المنسي ثبوتا عاما للناسي والملتفت. أو يكون مهملا. أو يكون خاصا بالناسي. فالاول خلف الفرض، لان الذاكر مكلف بالعمل التام دون الفاقد. والثاني محال لاستحالة الاهمال في مقام الثبوت. فيتعين الثالث، فيعود المحذور. ويرد على الطريق الثاني: انه مجرد فرض ووهم لا واقع له، إذ ليس لدينا من العناوين ما هو ملازم لنسيان الجزء بلحاظ جميع المكلفين مع فرض عدم التفات الناسي الى الملازمة وإلا لالتفت الى نسيانه فيزول، خصوصا بملاحظة اختلاف المنسي، فتارة يكون هذا الجزء. واخرى يكون ذاك وهكذا، ولاجل ذلك لا نطيل البحث فيه. وقد التزم المحقق النائيني (قدس سره) بالوجه الاول من وجهي الكفاية. ولكنه التزم بتعدد التكليف حقيقة لا وحدتهما، وان كانا في مقام الامتثال مرتبطين لارتباط حصول الغرض في كل منهما بحصول الاخر. فهو نظير الالتزام بتعدد

[ 262 ]

الامر في أخذ قصد القربة في متعلق التكليف، فان التكليف وان تعدد لكنه ناشئ من غرض واحد ينحصر طريق تحصيله بتعدد الامر، ولاجل ذلك كان لهما امتثال وعصيان واحد (1). وبهذا البيان يتلخص عن الايراد الذي ذكرناه على صاحب الكفاية ثانيا، إذ هو يلتزم بان التكليف بما عدا المنسي عام للذاكر والناسي، وهناك تكليف آخر يختص بالذاكر بخصوص الجزء الذاكر له. لكن يرد عليه: ان داعوية الامر الضمني بالجزء لا تتحقق إلا في ظرف الاتيان بالجزء الاخر وداعوية الامر به إليه، فالامر بالناقص لا يصلح للداعوية إلا في ظرف داعوية الامر بالجزء الاخر، أو في ظرف عدم تعلق الامر بجزء آخر. فعدم تعلق الامر بجزء آخر مأخوذ في موضوع داعوية الامر بالناقص، وهذا مما لا يمكن الالتفات إليه إلا بالالتفات الى الجزء والجزم بعدم الامر به، وهو ملازم لزوال النسيان عنه، فداعوية الامر بالناقص المتوجه الى الناسي لا تتحقق إلا في ظرف زوال نسيانه، وهو المحذور المزبور. فالتفت. وقد ذهب المحقق الاصفهاني في تصحيح اختصاص التكليف بالناسي - بعد مناقشته صاحب الكفاية في وجهه الاول، بأنه خلاف ما وصل الينا من أدلة الاجزاء ودليل المركب، فان الامر فيها بالتمام لا بما عدا المنسي مطلقا، مضافا الى عدم تعين المنسي حتى يؤمر بما عداه ذهب - الى: ان الامر بما عدا الاجزاء الركنية متعلق بالاجزاء على تقدير الالتفات إليها، واما الاجزاء الاركانية، فالامر متعلق بها بقول مطلق بلا تقييد بالالتفات (2). وكلامه بحسب ظاهره يرجع الى نفس وجه الكفاية الاول، ولا يظهر لنا


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 213 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 280 - الطبعة الاولى. (*)

[ 263 ]

وجه الفرق بينهما أصلا، فما أورده على الكفاية يرد عليه. ولعل في نظره نكتة لا تظهر من كلامه، فتأمل فيه تعرف. وجملة القول: ان اختصاص الناسي بالتكليف بالناقص مما لا يمكن الالتزام به تبعا للشيخ (رحمه الله). وخلافا لصاحب الكفاية ومن تأخر عنه. وعلى هذا فلا موضوع للبحث في المقام الثاني وتحقيق مقام الاثبات، وانه هل هناك دليل على ثبوت الامر بالعمل الذي أتى به الناسي أو لا ؟. ومنه ظهر ان التمسك بحديث: " رفع ما لا يعلمون " في نفي جزئية المنسي وتعلق الامر به واثبات الامر بالباقي لا وجه له، ولاجل ذلك نفى الشيخ جريان الحديث في نفي الجزئية، والتزم ببطلان العمل. ولكن يقع الكلام في المقام الثاني تنزلا، فيبحث عن الدليل العام الدال على تعلق الامر بما عدا المنسي على تقدير إمكان ذلك. فنقول: الدليل المتوهم دلالته على ذلك بنحو عام هو حديث الرفع بكلتا فقرتيه - اعني: " رفع ما لا يعلمون " و: " رفع النسيان " -. وتحقيق الكلام فيهما: أما: " رفع ما لا يعلمون "، فقد يقال فيه: ان جزئية المنسي في حال النسيان مجهولة، فيتكفل الحديث رفعها فيثبت ان الواجب هو الاقل في حق الناسي. ولكن فيه: ان إجراء حديث الرفع إن كان بلحاظ حال النسيان، فلا معنى له، إذ لا جهل في حال النسيان للغفلة فلا موضوع للرفع. وان كان بلحاظ ما بعد زوال النسيان، فيقال: ان جزئية السورة المنسية - مثلا - مجهولة فعلا، فهي مرفوعة، فهو مما لا محصل له، إذ حديث الرفع يتكفل بيان المعذورية وعدم تنجيز التكليف في حال الجهل. ومن الواضح انه لا معنى له بعد ظرف العمل، فلا معنى لبيان المعذورية فعلا بالنسبة الى العمل السابق، إذ العمل السابق حين صدر إما كان صادرا بنحو يعذر فيه المكلف فلا حاجة الى حديث الرفع. واما كان صادرا بنحو لا

[ 264 ]

يعذر فيه، فهو لا ينقلب عما وقع عليه، فلا مجال لحديث الرفع. فالتفت. وأما: " رفع النسيان "، فهو بلحاظ حال النسيان لا مجال لجريانه لاجل الغفلة عن موضوعه فلا يكون الرفع فعليا، كما لا يصح الوضع في حال الغفلة. وأما بعد زوال النسيان، فقد يتمسك به في اثبات الرفع الواقعي في حال العمل، إذ هو حال النسيان وان التفت إليه متأخرا، فليس الحال فيه كرفع الجهل، إذ الجهل متأخر عن العمل. لكن يشكل التمسك بحديث رفع النسيان أيضا: بانك قد عرفت فيما تقدم من مباحث الانحلال ان الحكم السابق لا معنى لتنجيزه في الزمان اللاحق، ولا معنى لاثباته أو نفيه بلحاظ كونه حكما شرعيا مجعولا يترتب عليه الداعوية والتحريك، لفوات ظرف التحريك. وعليه، فلا معنى لتكفل حديث رفع النسيان تعلق الامر بالمأتي به بعد مضي وقته. نعم بلحاظ كون ثبوت الامر في الزمان السابق موضوعا لاثار شرعية متأخرة لا مانع من جريان الحديث فيه. وبالجملة: فبما أنه حكم شرعي مجعول لا معنى لاثباته بالحديث فعلا، إذ لا يترتب عليه أي أثر من هذه الجهة. وبما انه موضوع لحكم شرعي له كلام آخر. والذي يبدو لنا ان النكتة في نظر الشيخ هي ما ذكرناه، ولذا اخذ عدم جريان الحديث في اثبات الامر مفروغا عنه لوضوحه، وانما تكلم في رفع الحكم بلحاظ أثره من وجوب الاعادة والقضاء. ومن الغريب عدم تفصيل القول في الكفاية، بل فرض جريان الحديث مفروغا عنه بلا اشارة الى اختلافه مع الشيخ في ذلك. وجملة القول: ان حديث الرفع لا مجال لجريانه في نفي جزئية المنسي واثبات الامر بالباقي، لاستحالة تعلق الامر بالناقص أولا، وقصور دليل الرفع

[ 265 ]

عن إثبات الامر بعد زوال النسيان ثانيا. ثم انه قد يفصل فيما نحن فيه بين ما إذا كان الدليل الدال على الجزئية بلسان الاخبار والوضع كقوله (ع): " لا صلاة الا بفاتحة الكتاب " (1). وما إذا كان الدليل بلسان التكليف كقوله: " اركع في الصلاة ". فيلتزم بعموم الجزئية في القسم الاول لحالتي الذكر والنسيان عملا باطلاق الدليل، ومقتضاه بطلان العبادة بترك الجزء نسيانا. ويلتزم باختصاص الجزئية في القسم الثاني بحالة الذكر، لاختصاص التكليف به بالذاكر فتختص الجزئية به. ويرجع في غير الذاكر الى اطلاق دليل المركب الذي يقتضي نفي اعتبار الجزء الزائد. ويلحق بذلك ما إذا كان دليل الجزئية هو الاجماع، فان القدر المتيقن منه هو الجزئية حال الذكر، ويرجع في غير حالة الذكر الى اطلاق دليل المركب، أو أصالة البراءة. وقد نفى الشيخ (رحمه الله) هذا التفصيل: بان التكليف الذي يتكفله دليل الجزئية هو التكليف الغيري لا النفسي، إذ التكليف النفسي لا يستلزم جزئية متعلقه. ومن الواضح ان التكليف الغيري معلول للجزئية لا علة لها، فارتفاعه في حال النسيان لا يكشف عن ارتفاع الجزئية فيها (2). وهذا النفي من الشيخ (رحمه الله) انما يتم لو كان منظور المدعي هو ظهور الدليل في اختصاص الجزئية بحال الذكر كاختصاص التكليف نفسه، ولكن نظره ليس الى ذلك، بل نظره الى انه لا دليل على الجزئية في غير حال الذكر، لان الكاشف عن الجزئية هو التكليف الغيري وهو يختص بحال الذكر، فيرجع في غير حال الذكر الى إطلاق دليل الواجب، نظير ما إذا ثبتت الجزئية


(1) مستدرك الوسائل 4 / باب 1 من ابواب القراءة الحديث: 8 - تحقيق مؤسسة آل البيت (ع). (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 287 - الطبعة الاولى. (*)

[ 266 ]

بالاجماع. فجواب الشيخ قاصر. ولا يخفى عليك ان البحث في هذه الجهة انما هو بعد الفراغ عن امكان تعلق التكليف بالناسي واختصاصه به، وإلا فلا مجال له كما هو أوضح من أن يخفى. وقد عرفت ان الشيخ نفى التفصيل المزبور والتزم بعموم الجزئية في كلا القسمين، الا انك عرفت قصور كلامه في تحقيق ذلك. فالصحيح ان يقال في نفي التفصيل والالتزام بعموم الجزئية في كلا القسمين: ان التكليف المتعلق بالجزء ظاهر في كونه تكليفا ارشاديا الى جزئية متعلقه، فان ذلك هو الظاهر من الاوامر الواردة في باب المركبات. وعليه، فيكون حالها حال الدليل المتكفل للجزئية بلسان الاخبار. وذلك.. أما على المسلك القائل بان الاوامر الارشادية حقيقتها الاخبار والاعلام، وانها انشاء بداعي الاعلام فواضح، لرجوع الامر الارشادي ههنا الى الاخبار عن جزئية متعلقه للمركب، وإن كان انشاء بحسب الصورة. فيكون حاله حال الدليل بلسان الاخبار رأسا. وأما على ما استقربناه تبعا للفقيه الهمداني من ان الامر الارشادي أمر حقيقة على حد سائر الاوامر الحقيقية المولوية، لكنه في فرض خاص وموضوع معين وهو فرض ارادة الاتيان بالعمل الصحيح وكون المكلف بصدد اتيان العمل التام بجميع اجزائه وشرائطه. ومن هنا كان ارشاديا، إذ لا استقلالية فيه، بل هو ثابت لاجل التوصل الى الغير، فالدليل يعم الذاكر والناسي أيضا. وذلك، لان المراد بذلك ليس هو تكفل الامر الارشادي للبعث والتحريك كي يدعى انه لا يصح إلا بالنسبة الى المتمكن دون غيره، بل المراد انه أمر حقيقة وطلب واقعا في قبال من يذهب الى انه في واقعه اخبار وانما صورته صورة انشاء، فاللفظ في الحقيقة مستعمل في النسبة الطلبية حقيقة والمراد الواقعي ذلك واقعا، لكن لم

[ 267 ]

يصدر ذلك بداعي التحريك والبعث كما هو الحال في الاوامر الانشائية، بل صدر بداعي بيان لابدية متعلقه في العمل ولزومه فيه. وبالجملة: تترتب على الامر الارشادي جميع آثار الامر المولوي غير التحريك والداعوية من انتزاع اللزوم واللابدية والثبوت. ومن الواضح انه بهذا المعنى يصح عمومه للمتمكن وغيره. فالامر الارشادي على هذا المبنى حد وسط بين كونه اخبارا حقيقة وبين كونه بعثا في موضوع معين. فان البعث في موارد الاوامر الارشادية لا يترتب على الامر الارشادي وانما يترتب على الامر بالمركب. فانتبه. وقد ذهب المحقق الاصفهاني (رحمه الله) الى نفي التفصيل المزبور، لكنه التزم باختصاص القسم الاول بالذاكر كالدليل المتكفل للتكليف. ببيان: ان مثل قوله: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " يتكفل الاخبار عن جزئية الفاتحة للمأمور به. ومن الواضح ان الامر بالتام في حال النسيان محال، فالجزء المنسي ليس جزء للمأمور به قطعا. نعم، لو كان يتكفل بيان جزئيته لما هو الدخيل في الغرض لكان للعموم وجه ولكنه ليس في هذا المقام (1). وما افاده (قدس سره) لا يمكن الالتزام به، إذ ليس مفاد قوله: " لا صلاة الا بفاتحة الكتاب " هو جزئية الفاتحة لما هو مأمور به فعلا وما يفرض تعلق الامر به فعلا، كي يقال: إن التام ليس بمأمور به في حال النسيان فلا تكون الفاتحة جزء له قطعا. بل مفاده انه لا يكون العمل مأمورا به ومتعلقا للامر إلا إذا انضمت إليه الفاتحة، أما انه أي ظرف يثبت الامر وأي ظرف لا يثبت فذلك خارج


(1) الاصفهاني الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 281 - الطبعة الاولى. (*)

[ 268 ]

عن مدلول الكلام. ومن الواضح ان المفاد المزبور يعم حالتي النسيان والذكر، فيدل على عدم تعلق الامر بما لا يشتمل على الفاتحة مطلقا في حالة الذكر وحالة النسيان. فالتفت ولا تغفل. وأما ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) في مطاوي هذا البحث من: ان المرجع بعد قصور دليل الجزئية وعدم اطلاق دليل الامر بالمركب هو أصالة البراءة (1)، فقد تقدم البحث فيه مفصلا وعرفت أنه محل خدشة ومنع، فراجع. وأما الطريق الثاني: وهو اثبات مسقطية المأتي به للامر مع قطع النظر عن كونه مأمورا به أو ليس بمأمور به. والذي ذكره الشيخ وجها لذلك هو حديث رفع النسيان ببيان: ان الترك إذا كان عن عمد يستلزم وجوب الاعادة، وبما ان حديث رفع النسيان يتكفل رفع الاثار المترتبة على الامر العمدي إذا صدر عن نسيان، فيكون متكفلا لرفع وجوب الاعادة المترتب على الترك لصدور الترك عن نسيان. ولا يخفى ان أثر ذلك هو اثبات صحة العمل فيما لم يقم دليل على الصحة أو البطلان. وناقش الشيخ (رحمه الله) هذا البيان بان وجوب الاعادة ليس من آثار ترك الجزء رأسا، بل هو من آثار ترك الكل المسبب عن ترك الجزء. وحديث الرفع انما يتكفل رفع الاثار الشرعية المترتبة على المنسي، لا الاثار العقلية ولا الاثار الشرعية المترتبة على ما هو ملازم عقلا للمنسي. وشبهه بالاستصحاب الذي لا يكون حجة إلا في الاثار الشرعية المترتبة على المستصحب، كما يقرر ذلك في مبحث الاصل المثبت (2).


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 220 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 288 - الطبعة الاولى. (*)

[ 269 ]

وقد يتساءل بان حديث رفع النسيان من الادلة الاجتهادية وهي مما يلتزم بثبوت الاثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية لمجاريها، فكيف جعله الشيخ كالاستصحاب الذي هو أصل عملي ؟. والجواب عنه: ان الذي يلتزم به هو ان الدليل الاجتهادي على تقدير جريانه يكون مقتضاه ثبوت الاثار الشرعية ولو كانت بوسائط عقلية متعددة. والذي يدعيه الشيخ ههنا هو قصور دليل الرفع عن شمول مثل هذا المورد واستظهاره انه انما يتكفل رفع الاثار الشرعية المترتبة على نفس المنسي خاصة. لانه ناظر الى الادلة الدالة على ثبوت الاحكام في موارد المنسي، فمع عدم ثبوت الاثر للمنسي يكون الدليل قاصرا، فعدم شمول حديث الرفع ههنا ليس لاجل عدم حجيته في اللوازم العقلية كي يقال ان هذا شأن الاصل العملي لا الدليل الاجتهادي، وانما لاجل قصور دليله، ولذلك جعله الشيخ نظير الاستصحاب لا أنه بحكمه. فالتفت. وبذلك يظهر انه لا دليل على صحة العمل المأتي به الفاقد للجزء عن نسيان. وقد عرفت ان القاعدة تقتضي الاشتغال ولزوم الاعادة للشك في الخروج عن عهدة الامر أو الغرض الملزم وهذا هو مراد الشيخ من ان كل ما ثبتت جزئيته في حال الالتفات تثبت جزئيته في حال الغفلة، لا أن مراده ثبوت جزئيته قطعا، كيف ؟ والمفروض هو الشك، بل المقصود ثبوتها حكما بلحاظ لزوم الاعادة. وان النتيجة العملية هي نتيجة ثبوت الجزئية بقول مطلق. فانتبه. ومن مجموع ما تقدم تعرف ما في كلام الكفاية من التزامه بجريان حديث الرفع في نفي جزئية المنسي في حال النسيان مرسلا إرسال المسلمات، إذ عرفت انه لا مجال له بالمرة بكلتا فقرتيه. فتدبر. الجهة الثانية: في بطلان العمل بزيادته مطلقا عمدا أو سهوا. ولا يختص الكلام بالزيادة السهوية، كما هو الحال في النقص، إذ بطلان

[ 270 ]

العمل بالنقص العمدي هو المتيقن من مقتضى الجزئية، فلا مجال للبحث عن بطلان العمل بترك الجزء عمدا وعدم بطلانه. وهذا بخلاف الزيادة العمدية، فان عدم بطلان العمل بها لا يتنافى مع مقتضى الجزئية، كما لا يخفى. ووضوح الكلام في هذه الجهة يستدعي أولا تحديد موضوع البحث. فنقول: ان الجزء.. تارة: يؤخذ بشرط عدم الزيادة عليه، فالزيادة تكون مبطلة، لكن لا من جهة زيادة الجزء بل من جهة نقصه، ولفقدان شرطه وقيده بالزيادة فلا يكون الجزء وهو الذات المقيدة بالعدم محققا فلنا ان نقول ان زيادة الجزء غير مقصودة في هذا الفرض. واخرى: يؤخذ لا بشرط من حيث الوحدة والتعدد، بمعنى ان يكون الجزء هو الطبيعة الصادقة على الواحد وعلى المتعدد. وفي هذا الفرض لا تتصور الزيادة أيضا، إذ كل ما يؤتى به من الافراد يكون مقوما للجزء لا زائدا عليه لصدق الجزء على المجموع. وثالثة: يؤخذ لا بشرط من حيث الزيادة وعدمها بالمعنى الاصطلاحي للابشرطية الراجع الى رفض القيود، وهو ان يكون الجزء هو ذات العمل - كالسورة مثلا - وصرف وجودها بلا دخل لتكراره وعدمه في جزئيته، فسواء كرر أو لم يكرر يكون هو جزء ولا يكون التكرار مضرا بجزئيته كما لا يكون دخيلا فيها. فتكون زيادة الجزء وتكراره بالنسبة الى الجزئية كسائر الاعمال الاجنبية عن الجزء غير الدخيل عدمها ولا وجودها في جزئية الجزء، كالنظر الى الجدار أو حركة اليد أو غير ذلك. وفي هذا الفرض تتصور زيادة الجزء لتحققه بصرف الوجود، فالاتيان به ثانيا يكون زيادة له، ولو كانت الزيادة مانعة فهي ليست من جهة اخلالها بنفس الجزء ومنافاتها لجزئية الجزء، بل من جهة اخلالها بالصلاة نظير التكلم المانع، فانه

[ 271 ]

مانع من الصلاة، ولا يكون مضرا بجزئية ما تحقق من الاجزاء، لانها مأخوذة بلحاظه لا بشرط بالمعنى الاصطلاحي. ومن هنا يتضح ان محل الكلام في بطلان الصلاة بزيادة الجزء هو هذا الفرض خاصة دون الفرضين الاولين، لما عرفت من عدم تصور الزيادة فيهما. مضافا الى بطلان العمل في الفرض الاول بالزيادة قطعا وعدم بطلانه في الثاني قطعا فلا شك فيهما. بخلاف الفرض الاخير، لتصور الزيادة فيه ويأتي احتمال مبطليتها وكونها مانعة من الصلاة أو غيرها كسائر الموانع. والى هذا التقسيم لا عتبارات الجزء وتحديد موضوع البحث فيما نحن فيه أشار الشيخ (رحمه الله) في الرسائل بقوله: " وانما يتحقق - يعني الزيادة - في الجزء الذي لم يعتبر فيه عدم الزيادة، فلو أخذ بشرطه فالزيادة عليه موجب لاختلاله من حيث النقيصة، لان فاقد الشرط كالمتروك. كما انه لو اخذ في الشرع لا بشرط الوحدة والتعدد لا اشكال في عدم الفساد " (1). فانه وان لم يصرح بالفرض الثالث، لكنه يشير إليه باخراج الفرضين الاولين. ومع هذا البيان لا يبقى مجال لتوهم عدم صدق الزيادة، والاشكال في ذلك: بان الجزء إما ان يؤخذ بشرط لا واما ان يؤخذ لا بشرط ولا ثالث لهما. وعلى الاول ترجع زيادته الى النقيصة، وعلى الثاني لا يكاد تتحقق الزيادة، لان الضمائم لا تنافي الماهية لا بشرط ولا تكون زيادة فيه بل المجموع يتصف بالجزئية. لما عرفت من ان اللابشرطية من حيث الوحدة والتعدد غير اللابشرطية الاصطلاحية، فهناك فرض ثالث غفل عنه المستشكل. بل مثل هذا الاشكال لا ينبغي أن يسطر، فان منشأه عبارة الشيخ المتقدمة والغفلة عن مراد الشيخ


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 288 - الطبعة الاولى. (*)

[ 272 ]

وتعبيره باللابشرطية من حيث الوحدة والتعدد لا اللابشرطية الاصطلاحية. فلا وجه لذكره في تقريرات المرحوم الكاظمي. كما ان الجواب عنه: بان مقام الامكان الثبوتي غير مقام الصدق العرفي، ولا اشكال في صدق الزيادة عرفا على الوجود الثاني فيما إذا كان الواجب صرف الوجود - كما جاء في تقريرات الكاظمي - (1). غير سديد، إذ ليس البحث فيما نحن فيه في مدلول دليل لفظي وارد على عنوان الزيادة كي يبحث في مفهوم الزيادة عرفا، بل البحث فيما هو مقتضى الاصل العملي عند تكرار الجزء من حيث الابطال وعدمه، فصدق الزيادة عرفا لا اثر له بعد الجزم بعدم الاضرار بالتكرار على تقدير والجزم باضراره على تقدير آخر كما هو مقتضى الاشكال. فالمتعين في الجواب عنه ما ذكرناه. فانتبه. ثم ان الشيخ (رحمه الله) أشار الى اعتبار قصد الجزئية في صدق الزيادة، وان الاتيان بصورة الجزء بلا قصد الجزئية لا يحقق الزيادة، وإن ورد في بعض الاخبار (2) اطلاق الزيادة على سجود العزيمة في الصلاة، مع أنه لا يؤتى به بعنوان الزيادة. وقد فصل القول في ذلك ههنا بعض الاعلام (3). والذي نراه: انه لا مجال لهذا الحديث ههنا بالمرة، إذ ليس البحث عن مفاد الادلة الدالة على مانعية الزيادة - بمفهومها -، كي يبحث عن حدود مفهوم الزيادة، وانه هل تتحقق الزيادة بكل عمل خارج عن الصلاة ولو لم يقصد به الجزئية، أو انها تتقوم بما إذا قصد الجزئية فيه، أو غير ذلك ؟. بل البحث عن مقتضى الاصل العملي عند الشك في مانعية الزيادة. ومن الواضح انه


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 230 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) وسائل الشيعة 4 / 779 باب 40 من أبواب القراءة في الصلاة. الحديث 1. (3) الشاهرودي السيد علي، دراسات في الاصول العملية 3 / 293 - الطبعة الاولى. (*)

[ 273 ]

لا خصوصية لعنوان الزيادة بملاحظة الاصل العملي، بل المدار على كونها مشكوكة المانعية، فلو شك في مانعية تكرار الجزء بذاته ولو بدون قصد الجزئية، نظير التكلم الذي يكون مانعا مع عدم قصد الجزئية كان موردا للبحث أيضا. فالذي ينبغي ان يجعل مورد البحث ههنا، هو انه مع العلم بالجزئية والشك في مانعية تكرار الجزء - بقصد الجزئية أو لا بقصدها - للمركب، فما هو مقتضى الاصل ؟. فموضوع الكلام هو تكرار الجزء لا زيادته. وإذا عرفت موضوع الكلام، فيقع الحديث في حكم الشك فيما نحن فيه، ومن مطاوي ما تقدم تعرف ان مرجع الشك ههنا الى الشك في اعتبار عدم تكرار الجزء في المركب، بحيث يكون وجوده مانعا من صحة المركب. وحكم هذا الشك واضح، فانه مجرى البراءة شرعا وعقلا على ما تقدم بيانه في الشك في الشرطية. فلا حاجة الى الاطالة. ومقتضى نفي مانعية الزيادة صحة العمل معها وعدم بطلانه بها بأي نحو تحققت. نعم، قد يكون وجودها - ببعض صورها - مخلا بالعمل العبادي، لكن لا من جهة كونها من موانع العمل، بل من جهة منافاتها لقصد التقرب على ما سيتضح بيانه. وهذه جهة أخرى لا ترتبط بما نحن فيه. ثم ان الشيخ (رحمه الله) - بعد ان فرض تقوم الزيادة بقصد الجزئية - ذكر انها تتصور على وجوه ثلاثة: الاول: ان يأتي بالزيادة بقصد كونها جزء مستقلا، كما لو اعتقد شرعا أو تشريعا ان الواجب في كل صلاة ركوعان كالسجود. الثاني: ان يأتي بالزيادة وبقصد كون المجموع من المزيد والمزيد عليه جزء واحد، كما لو اعتقد ان الواجب في الصلاة طبيعة الركوع الصادقة على الواحد والمتعدد.

[ 274 ]

الثالث: ان يأتي بالزائد بدلا عن المزيد عليه، إما اقتراحا أو لفساد الاول. وحكم (قدس سره): بفساد العبادة في الصورة الاولى إذا نوى ذلك قبل الدخول في العمل أو في اثنائه، لان ما أتى به وقصد الامتثال به وهو المجموع المشتمل على الزيادة لم يكن مأمورا به، وما هو مأمور به، واقعا لم يقصد الامتثال به. وحكم في الصورتين الاخيرتين: بان مقتضى الاصل عدم البطلان لرجوع الشك فيهما الى الشك في مانعية الزيادة والاصل عدمها (1). وقد توقف صاحب الكفاية في البطلان في الصورة الاولى بقول مطلق، والتزم بالتفصيل بين ما إذا جاء بالمجموع المشتمل على الزيادة بنحو التقييد، وما إذا جاء به بنحو الخطأ في التطبيق. بيان ذلك: ان المكلف تارة: يأتي بالمجموع المشتمل على الزيادة بداعي الامر المتعلق به بخصوصيته بنحو لو كان الامر الثابت غيره لم يكن في مقام امتثاله، فهو لم يقصد سوى امتثال الامر الخاص الذي يعتقد ثبوته شرعا أو تشريعا بخصوصيته وليس في مقام امتثال غيره. وأخرى: يأتي بالمجموع بداعي الامر الواقعي الموجود، فهو يقصد اتيان الواجب الواقعي على واقعه، لكنه بما انه يعتقد انه هو المجموع المشتمل على الزيادة جهلا أو تشريعا فهو يقصد الخصوصية. ففي الصورة الثانية يكون عمله صحيحا، لانه أتى بالواجب الواقعي، وقصده الزيادة لا يضر بعد ان كان قصد امتثال الامر الخاص ينحل الى قصدين، ومن جهة الخطأ أو التشريع في التطبيق، فهو يقصد امتثال الامر


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى فرائد الاصول / 288 - الطبعة الاولى. (*)

[ 275 ]

الواقعي على واقعه ولكنه يعتقد انه هو الامر الخاص خطأ أو تشريعا، وهذا لا يضر في الامتثال والتقرب، فيبقى احتمال مانعية الزيادة وهو منفي بالاصل. وبالجملة: لا يتأتى ما أفاده الشيخ من ان ما قصده لا وجود له وما له الوجود لم يقصد. فهذا الفرض نظير من صلى خلف امام المسجد معتقدا انه زيد العادل، فبان انه عمرو العادل وكان بحيث لا يختلف الحال لديه بين زيد وعمرو، فانه يحكم بصحة صلاته لان قصده ينحل الى قصدين قصد الصلاة خلف العادل وقصد الصلاة خلف زيد، فإذا تخلف الثاني ولم يتخلف الاول كان عمله صحيحا، لان المدار في الصحة على الاول. وأما في الصورة الاولى، فقد التزم ببطلان العمل فيها، إذ هو لم يقصد امتثال الامر الواقعي الموجود على ما هو عليه، وما قصده لا ثبوت له. فما أفاده الشيخ يتم في الصورة الاولى خاصة. ثم ان صاحب الكفاية ردد - في هذه الصورة - بين الالتزام بالبطلان في صورة عدم دخله واقعا وبين الالتزام به مطلقا ولو ثبت ان المزيد جزء واقعا. ومبنى الترديد المزبور على الالتزام بدخل الجزم في النية في صحة العبادة وعدمه.. فعلى القول باعتبار الجزم في النية، يلتزم بالبطلان مطلقا، لعدم تحقق الجزم بها، إذ الفرض انه لم يقصد امتثال الامر على كل حال، بل على تقدير تخصصه بالخصوصية المعينة. وعلى القول بعدم اعتبار الجزم بالنية، يلتزم بالبطلان في خصوص صورة عدم دخله واقعا، إذ في صورة الدخل لا قصور في الامتثال لقصد الامر في المأتي به ولا مانع من صحة العمل. ثم إن ههنا شبهة قد تثار حول صحة العمل في الصورة الثانية إذا كان

[ 276 ]

قصد الزيادة عن تشريع، إذ التشريع حرام فينافي المقربية. وقد دفعها في الكفاية: بان حرمة التشريع لا تسري الى العمل الخارجي، لانه فعل من أفعال القلب فحرمته اجنبية عن المأمور به خارجا. فلا تنافي صحة العمل. هذا توضيح ما جاء في الكفاية بقوله: " نعم لو كان عبادة... " (1). وهو كما يتكفل الاشكال على الشيخ من الجهة اوضحناها يتكفل الاشارة الى اشكال آخر، وهو ان الكلام فيما نحن فيه لا يختص بالواجبات العبادية، بل يعم التوصليات، فكان ينبغي تعميم الكلام للواجبات بقول مطلق. والبحث فيها عن الاصل العملي من جهة مانعية الزيادة، وافراد البحث عن العبادات من جهة اخرى. فالجزم بالبطلان في الوجه الاول من وجوه الزيادة - كما ارتكبه الشيخ - لا يصلح بقول مطلق، إذ لا يتم في الواجبات التوصلية، لانه لا يعتبر فيها قصد الامتثال. ثم انه لابد من الكلام في نقاط ثلاثة فيما أفاده صاحب الكفاية: الاولى: ان مفروض الكلام هو الاتيان بالزيادة بحيث يكون الشك في ان المزيد هل هو مانع أو لا ؟، ولا يحتمل أنه جزء للمركب، وإلا لم يكن زيادة. وبعبارة أخرى: ان مورد البحث هو الشك في مانعية التكرار، ولا شك في جزئيته. وعليه، فلا وجه لما جاء في الكفاية من الترديد بين تخصيص البطلان في الصورة الاولى بصورة عدم دخل الزائد واقعا، أو تعميمه لصورة الدخل واقعا أيضا، إذ فرض الدخل واقعا خلاف المفروض في محل الكلام. الثانية: ان فرض الخطأ في التطبيق مع التشريع لا يمكن الالتزام به وبعبارة أخرى: ان فرض التشريع في قصد الزيادة مساوق للتقييد في مقام الامتثال، وذلك لان مرجع التشريع الى البناء على ان الواجب الواقعي الشرعي


(1) الخراساني المحقق محمد كاظم. كفاية الاصول / 369 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 277 ]

هو المشتمل على الزيادة، وان الامر الثابت هو الامر المتعلق بما يشتمل على الزيادة. وهذا لا يجتمع مع قصده امتثال الامر الواقعي على واقعه، إذ مرجعه الى الغاء ثبوت الامر والمأمور به بنحو آخر وكيفية ثانية، فكيف يتصور انه يقصد الواقع على واقعه، وكيف يكون الامر الواقعي محركا له بوجوده الواقعي ؟. الثالثة: قد أشرنا أخيرا الى حديث حرمة التشريع وسرايته الى العبادة، ولا بأس بتفصيل القول فيه شيئا ما. فنقول: ان التشريع كما يفسر، هو ادخال ما ليس في الدين في الدين. ومن الواضح انه بهذا المفهوم يكون فعلا من أفعال النفس لا يرتبط بالفعل الخارجي المجعول له الحكم ولا ينطبق عليه. فمفهوم التشريع أو مفهوم ادخال ما ليس في الدين في الدين ونحو ذلك، ليس مما ينطبق على الافعال الخارجية، بل هو يساوق مفهوم جعل القانون وسن الشريعة، وهو يتمحض في انشاء الاحكام ولا ينطبق على متعلقاتها. ولكنه بهذا المفهوم لم يرد في لسان دليل شرعي، بل ورد في الادلة حرمة البدعة والافتراء والقضاء بغير العلم (1). ولا يخفى ان هذه المفاهيم أيضا ليست منطبقة على الخارجيات، إذ الابتداع في الدين يساوق التشريع، والبناء على ثبوت حكم شرعا لا ثبوت له واقعا، وهكذا القضاء بغير علم فانه الحكم بشئ بغير علم، واما الافتراء فهو راجع الى الكذب وهو أجنبي عن الفعل المشرع فيه. إلا ان التشريع - كما قيل - من المحرمات العقلائية بلحاظ انه تصرف في سلطان المولى، فلابد من ملاحظة ما عليه بناء العقلاء والارتكاز العرفي من


(1) سورة يونس، الاية: 59. وسورة المائدة، الايات 44 و 45 و 47. وسائل الشيعة 8 / 575، باب: 129 من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج. وسائل الشيعة 18 / 9، باب: 4 من ابواب صفات القاضي. (*)

[ 278 ]

ان المحرم هو فعل النفس وما يساوق مفهوم التشريع خاصة، أو ان الحرمة تسري الى الفعل الخارجي المأتي به بعنوان موافقة أمر المولى ؟. ولا يمكننا الجزم بالثاني، والقدر المتيقن هو الاول. وعليه فلا دليل على قبح الفعل الذي يشرع فيه، فلا تسري حرمة التشريع الى العمل الخارجي، فلا يلزم من حرمته بطلان العمل. فتدبر. التنبيه الثاني: فيما إذا علم بجزئية شئ أو شرطيته للمركب في الجملة، ودار الامر بين كونه كذلك مطلقا حتى في حال العجز عنه، ولازمه سقوط الامر بالمركب في حال العجز لعدم القدرة عليه. وبين كونه كذلك في خصوص حال التمكن منه فلا يكون جزء في حال العجز عنه، ولازمه ثبوت الامر بالباقي عند العجز عنه، للقدرة على المركب، لانه خصوص الباقي في هذا الحال. ولا يخفى ان مرجع الشك المزبور الى الشك في وجوب الباقي بعد العجز عن الجزء. والكلام ههنا تارة في ما هو مقتضى الاصل العملي. وأخرى في قيام دليل اجتهادي يدل على ثبوت الامر بالباقي. أما الكلام فيما هو مقتضى الاصل العملي، فهو انما يقع بعد فرض عدم وجود اطلاق لدليل الجزئية ظاهر في ثبوت الجزئية في جميع الحالات. وعدم اطلاق لدليل الامر بالمركب - لو لم يكن لدليل الجزئية اطلاق - يدل على ثبوت الامر به في مطلق الحالات ولو مع تعذر الجزء. وإلا فعلى الاول يكون مقتضى اطلاق دليل الجزئية ثبوت الجزئية المطلقة، ومقتضاها سقوط الامر بالباقي. كما أنه على الثاني يكون مقتضى الاطلاق ثبوت الامر بالباقي، فلا مجال حينئذ للاصل العملي. وإذا عرفت محل الكلام في الاصل العملي، فاعلم ان الاصل العملي في المقام هو البراءة عن وجوب الباقي، للشك في وجوبه بعد العجز عن الجزء،

[ 279 ]

فدليل البراءة محكم من عقل ونقل. وقد يتوهم عدم جريان البراءة في وجوب الباقي لوجهين: الوجه الاول: ان مقتضى حديث الرفع - إذا يمكن ان يجري الحديث بلحاظ رفع الاضطرار وبلحاظ رفع ما لا يعلمون، لان جزئية المتعذر مجهولة حال التعذر، فيكون مقتضى الحديث - هو عدم جزئية المتعذر في حال التعذر، ومقتضى ذلك ثبوت الامر بالباقي. وأورد عليه في الكفاية بان حديث الرفع وارد مورد الامتنان، فيختص جريانه في مورد يستلزم نفي التكليف لا اثباته، فإذا كان جريانه مستلزما لاثبات التكليف كما فيما نحن فيه لم يجر لمنافاته للامتنان (1). وزاد على هذا الايراد بعض المحققين (رحمه الله) وجهين آخرين: أحدهما: ان الجزئية للمأمور به المجعولة بالامر المركب مقطوعة بالانتفاء للقطع بانتفاء الامر بالمركب لاجل التعذر. والجزئية بلحاظ مقام الغرض وان كانت مشكوكة الثبوت، لكنها واقعية لا مجعولة، فالجزئية القابلة للجعل والرفع غير مشكوكة، والجزئية المشكوكة غير قابلة للرفع. إذن فلا مجال لحديث الرفع. والاخر: ان دليل الواجب إما ان يكون له اطلاق أو لا يكون له اطلاق، فان كان له اطلاق يدل على ثبوت الامر بالباقي كفى ذلك في نفي الجزئية ولا مجال معه لحديث الرفع كما عرفت. وان لم يكن له اطلاق، فحديث الرفع لا ينفع في اثبات الامر بالباقي، لانه إنما يتكفل الرفع دون الاثبات (2). وبهذه الوجوه تعرف انه لا مجال للالتزام باجراء حديث الرفع في جزئية المتعذر.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 369 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 296 - الطبعة الاولى. (*)

[ 280 ]

الوجه الثاني: الرجوع الى الاستصحاب في اثبات وجوب الباقي، ومعه لا مجال لجريان البراءة منه، لتقدم الاستصحاب على البراءة - كما حقق في محله -. وقد قرر الاستصحاب بوجوه عديدة: الاول: ما ذكره الشيخ (رحمه الله) وصاحب الكفاية، وهو استصحاب كلي الوجوب الثابت سابقا للاجزاء المقدورة، فان الباقي كان معلوم الوجوب لتعلق الوجوب الغيري به، وهو وإن زال بزوال وجوب الكل، لكن يحتمل تعلق الوجوب النفسي به فيكون سببا للشك في بقاء الوجوب الجامع فيستصحب. وأورد عليه: أولا: بانه يبتنى على تصحيح القسم الثالث من استصحاب الكلي، وهو ما إذا كان الشك في بقاء الكلي ناشئا من الشك في حدوث فرد آخر، مع العلم بزوال الفرد السابق الذي حدث به الكلي. والتحقيق على بطلانه، إلا إذا كان الفرد الحادث المشكوك يعد عرفا من مراتب الفرد السابق لا مباينا له، كالشك في تبدل السواد الى مرتبة أضعف منه مع العلم بزوال مرتبته الحادثه أولا. وليس الاختلاف بين الوجوب الغيري والوجوب النفسي في الشدة والضعف، بل هما متباينان عرفا. وثانيا: انه يبتني على تعلق الوجوب الغيري بالاجزاء، وقد ثبت امتناعه، كما مر في مبحث المقدمة الداخلية والخارجية من مسألة مقدمة الواجب. وثالثا: بان الجامع بين ما لا أثر له عقلا في مقام الاطاعة وما له الاثر لا ينفع اثباته في الحكم بلزوم الاطاعة عقلا. والامر كذلك في الوجوب الجامع بين النفسي والغيري، إذ الوجوب الغيري - كما مر تحقيقه - مما لا إطاعة له ولا امتثال، فاستصحاب الجامع لا يجدي فيما هو المهم من لزوم الاتيان بالباقي عقلا، ولزوم الخروج عن عهدة التكليف به، فاثبات كلي الوجوب يكون بلا اثر عملي، فيكون لغوا.

[ 281 ]

الثاني: ما ذكره الشيخ (رحمه الله) واشار إليه في الكافية، وهو استصحاب الوجوب النفسي الشخصي الثابت سابقا بدعوى المسامحة عرفا في موضوعه، إذ العرف يرى الباقي والمركب التام شيئا واحدا، ولذا يرى عدم ثبوت الحكم للباقي ارتفاعا للحكم السابق كما انه ثبوته بقاء له. فيقال حينئذ: هذا - ويشار الى الباقي - كان واجبا والان كذلك. ونظيره استصحاب كرية الماء الذي كان كرا وأريق منه بعضه فشك في كريته (1). وقد أورد عليه: بانه يبتني على المسامحة في الموضوع مع كون الباقي مما يتسامح فيه عرفا، كما إذا كان المتعذر جزء واحدا - مثلا - لا ما إذا تعذرت كمية من الاجزاء معتد بها، لعدم صدق الوحدة عرفا بين الباقي والمركب حينئذ (2). وهذا، ولكن الذي نراه عدم تأتي المسامحة في مثل ما نحن فيه. وبيان ذلك: ان المراد بالمسامحة العرفية والنظر العرفي هو ما يراه العرف بحسب مرتكزاته وبحسب ربطه بين الحكم وموضوعه موضوعا للحكم، فهو يرى ان الموضوع في مثل: " اطعم العالم " ذات العالم، وجهة العلم جهة تعليلية، إذ لا ربط للاطعام بجهة العلم، بل يرتبط بالذات نفسها، فإذا زال العلم لا يزول الموضوع بنظر العرف، وانما يرى انه قد زالت بعض حالاته، فيصح استصحاب وجوب الاطعام مع الشك. أما في مثل: " قلد العالم " فانه يرى ان الموضوع العالم بما هو عالم، لا رتباط التقليد واخذ الاحكام بجهة علمه لا بذاته خاصة. فمع زوال العلم يزول الموضوع عرفا. فلا مجال للاستصحاب مع الشك. ومن الواضح انه هذا الاختلاف في النظر انما يتأتى في موضوعات


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى فرائد الاصول / 294 - الطبعة الاولى. الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 370 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 297 - الطبعة الاولى. (*)

[ 282 ]

الاحكام، إذ ارتباط الحكم بها بلحاظ متعلقه وارتباط المتعلق بها ارتباط تكويني، فيمكن ان يختلف نظر العرف في تشخيصه بحسب اختلاف الموارد وان اتحد لسان الدليل كما عرفت في المثالين. أما بالنسبة الى متعلقات الاحكام، فلا يتأتى فيها المسامحة العرفية، إذ ارتباط الحكم بمتعلقه جعلي يرتبط بالمولى الجاعل نفسه وان كان المولى عرفيا، فإذا أثبت الحكم لمركب ذي أجزاء عشرة لا يرى العرف وجوب التسعة وان متعلق الحكم هو الجامع بين العشرة والتسعة، بل نظر العرف ههنا يتبع ما قرره المولى داعيا الى أي مقدار كان من الاجزاء. فإذا أوجب المولى المركب ذي الاجزاء العشرة، كان المركب ذو الاجزاء التسعة مباينا لمتعلق الحكم عرفا لا متحدا معه، وإن كان الجزء المفقود ضئيلا جدا. وإذا ظهر ذلك تعرف بطلان دعوى تأتي المسامحة العرفية فيما نحن فيه، إذ موضوع الكلام فيما نحن فيه هو تعذر الجزء من متعلق الحكم لا موضوعه. وما ذكرناه كما يكون اشكالا على نفس تقرير الاستصحاب بهذا الوجه يكون اشكالا على الاعلام (قدس سرهم)، حيث التزموا بهذا الاستصحاب في الجملة مبنيا على المسامحة في الموضوع. فلاحظ. الثالث: ما ذكره المحقق الاصفهاني (رحمه الله) في حاشيته على الكفاية وهو استصحاب شخص الوجوب الثابت سابقا للباقي مع قطع النظر عن كونه نفسيا أو غيريا لعدم الفرق والتمايز بينهما بنظر العرف، إذ العرف لا يرى جهة الغيرية والنفسية من الجهات المقومة للوجوب وانما هي من طوارئ الوجوب، فالتسامح الموجود في هذا الاستصحاب في المستصحب لا في الموضوع، كما انه لا يرجع الى اخذ الجامع (1).


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 297 - الطبعة الاولى. (*)

[ 283 ]

وقد ناقشه (قدس سره) بما لا يخلو عن نظر ولا يهمنا التعرض إليه. والعمدة في مناقشة هذا الوجه هو انه يبتني على تعلق الوجوب الغيري بالاجزاء، وقد عرفت امتناعه، فاساس هذا الوجه غير مسلم. الرابع: ما أشار إليه المحقق الاصفهاني أيضا في حاشيته، وهو استصحاب الوجوب النفسي مع قطع النظر عن تعلقه بالباقي، نظير استصحاب وجود الكر في اثبات كرية الموجود، فيقال: إن الوجوب النفسي للصلاة كان ثابتا والان يشك في بقائه، فيحكم به بمقتضى الاستصحاب. وبعبارة اخرى: المستصحب هو وجوب الصلاة بمفاد كان التامة، لا الناقصة (1). وفيه: ان نسبة الصلاة الى مجموع الاجزاء ليست نسبة المسبب الى السبب، بل نسبة اللفظ الى المعنى، فالمراد بالصلاة هو الاجزاء الخاصة. وعليه، فالمراد بالصلاة في استصحاب وجوب الصلاة، إن كان المركب التام، فهو مما لا أشكال في ارتفاع وجوبه فلا معنى لاستصحابه. وان كان المراد الاعم من المركب التام والناقص بدعوى المسامحة العرفية في موضوع الوجوب، فهو راجع الى الوجه الثاني الذي قد عرفت الاشكال فيه. هذا ان اريد بالاستصحاب استصحاب الوجوب الشخصي السابق المتعلق بشخص الصلاة والحصة الخاصة منها. وإن اريد به استصحاب الوجوب المتعلق بكلي الصلاة، فلا يرد عليه ما تقدم، إذ لا يتوقف على المسامحة وتنزيل الفاقد منزلة الواجد عرفا، إذ الكلي ينطبق على الفاقد والواجد حقيقة. لكن يرد عليه: انه من القسم الثالث من استصحاب الكلي، لان وجوب الكلي كان متحققا في ضمن فرد خاص، وهو قد ارتفع قطعا ويشك في حدوث فرد جديد، ولا مجال لتوهم ان الفرد الجديد هو نفس الفرد السابق لتباينهما بتباين موضوعهما


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 297 - الطبعة الاولى. (*)

[ 284 ]

الشخصي، فتدبر جيدا. وأما الايراد على هذا الوجه بانه مثبت بلحاظ اثبات وجوب الباقي. فهو قابل للمنع. فتأمل. فالعمدة في الايراد ما ذكرناه. الخامس: ما ذكره المحقق الاصفهاني (رحمه الله) أيضا تحت عنوان: " يمكن ان يقال ". وتوضيحه مع شئ من التصرف فيه: ان الاجزاء الباقية كانت متعلقة للوجوب النفسي المنبسط على الكل، فهي متيقنة الوجوب سابقا، لكن وجوبها وجوب ضمني، إذ الوجوب الاستقلالي انما يتعلق بالكل، وبملاحظة المسامحة العرفية في الوجوب الضمني والاستقلالي، فان العرف لا يرى تعددهما، بل يرى الضمنية والاستقلالية من الحالات الطارئة. يمكن ان يستصحب الوجوب النفسي المتعلق بالاجزاء لليقين بحدوثه مع الشك في بقائه، والجزم بارتفاع صفة الضمنية بارتفاع الامر بالكل لا يضر بعد دعوى المسامحة المزبورة (1). وهذا الوجه قابل للمناقشة أيضا كسوابقه، وذلك لان وجود الوجوب الضمني للاجزاء متقوم بوجود الوجوب الاستقلالي للكل، ولا يمكن فصله عن وجوب الكل، وبما ان وجوب الكل متقوم بالمركب التام لتقوم الصفة التعلقية بمتعلقها، فان نسبته إليه نسبة الوجود الى الماهية، كان الوجوب الضمني متقوما بالتام، فمع تعذر التام ينعدم الوجوب الضمني، فإذا ثبت الوجوب للاجزاء الباقية بعد التعذر فهو فرد آخر للوجوب، فلا يكون استمرارا لذلك الوجوب لاختلاف الموضوع. نعم، إذا بنى على التسامح في متعلق الوجوب النفسي الثابت أولا وتنزيل الباقي منزلة التام عرفا، فيتحد الموضوع بلحاظ المسامحة في المتعلق. كان أمرا


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 298 - الطبعة الاولى. (*)

[ 285 ]

آخر، لكن عرفت المناقشة فيها في رد الوجه الثاني الذي تقدمت المناقشة فيه. فراجع. والذي يتحصل من مجموع ما ذكرناه: انه لا مجال لجريان الاستصحاب فيما نحن فيه، فلا مانع من جريان البراءة من الباقي من جهة الاستصحاب. هذا فيما يرتبط بالاصل العملي.

[ 286 ]

" قاعدة الميسور " وأما فيما يرتبط بالدليل الاجتهادي، فقد ادعي ثبوت الاخبار الدالة على وجوب الباقي عند تعذر بعض الاجزاء. واستفيد من هذه الاخبار قاعدة يصطلح عليها ب‍: " قاعدة الميسور ". وهذه الاخبار ثلاثة مروية في غوالي اللئالي: الاول - النبوي الشريف وهو -: انه خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: " ان الله كتب عليكم الحج. فقام عكاشة أو سرافة بن مالك فقال: في كل عام يا رسول الله ؟ فاعرض عنه، حتى أعاد مرتين أو ثلاثا، فقال: ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لوجب ولو وجب ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فارتكوني ما تركتكم، وانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم الى انبيائهم، فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه " (1). والثاني - العلوي الشريف وهو -: قول علي (عليه السلام): " الميسور لا يسقط بالمعسور " (2). والثالث - العلوي الشريف أيضا وهو -: قوله (عليه السلام): " ما لا يدرك كله لا يترك كله " (3). ويقع الكلام في كل واحد من هذه الاخبار على حدة. أما النبوي: فمحل الاستشهاد به هو قوله (ص): " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم ". فانه ظاهر في وجوب الاتيان بالاجزاء التي يتمكن منها،


(1 - 3) عوالي اللئالي 4 / 58. (*)

[ 287 ]

مع تعذر الباقي. وقد استوضح الشيخ (رحمه الله) دلالتها على المدعى جدا، وبنى ذلك على ظهور لفظ: " من " في التبعيض (1). وتوضيح ذلك كما أشار إليه المحقق الاصفهاني (قدس سره): ان لفظ: " شئ " اما ان يراد منه المركب أو العام أو الكلي والطبيعة. ولفظ: " من " إما ان يراد بها معنى التبعيض أو تكون بيانية أو بمعنى الباء. ومن الواضح انها انما تفيد المدعى لو اريد من الشئ المركب وكانت: " من " تبعيضية، فانها تكون ظاهرة في انه إذا تعلق الامر بمركب ذي اجزاء فأتوا بعضه الذي تستطيعونه. أما إذا أريد من: " من " معنى الباء، فتكون ظاهرة في ارادة انه إذا تعلق الامر بشئ فأتوا به مدة استطاعتكم، ومن الواضح انه أجنبي عما نحن فيه. كما أنه إذا كان المراد من: " من " البيان، كانت ظاهرة في انه إذا تعلق الامر بكلي فأتوا من افراده ما استطعتم. وذلك اجنبي عن المدعى بالمرة. وقد افاد المحقق الاصفهاني في تقريب كلام الشيخ: انه لا معنى لكون " من " بيانية في خصوص الرواية، ضرورة ان مدخولها لا يصلح بيانا للشئ، لانه الضمير وهو مبهم. وأما كونها بمعنى الباء، فالذي يوهمه عدم تعدي الاتيان بنفسه، وانما يتعدى بالباء، فيقال: " أتيت به " بمعنى أوجدته. ولكن الامر ليس كذلك، إذ الاتيان يتعدى بنفسه تارة كقوله تعالى: (واللاتي ياتين الفاحشة) (2) وقوله تعالى: (ولا يأتون البأس إلا قليلا) (3). ويتعدى بالباء أخرى كقوله تعالى:


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 294 - الطبعة الاولى. (2) سورة النساء الاية: 15. (3) سورة الاحزاب الاية: 18. (*)

[ 288 ]

(يأتين بفاحشة مبينة) (1). وعليه فلا يتعين كونها بمعنى الباء في الرواية. وأما لفظ: " الشئ "، فلا يراد به العام الاستغراقي، لانه يعبر به عن الواحد ولا يعبر عن المتعدد، وانما يعبر عنه باشياء، فلو اراد العام لناسب أن يعبر باشياء. كما ان ارادة الطبيعة والكلي في: " منه " ممكنة في حد نفسه، إلا ان ارادة الكلي في المقام ممتنعة، الا انه لا يناسب التبعيض، إذ الفرد مصداق للكلي لا بعضه، فيتعين ان يراد به المركب ذو الاجزاء. فتكون دالة على المدعى (2). هذا تقريب دلالة الرواية على المدعى. لكن ههنا اشكالا نبه عليه في الكفاية (3) وتبعه عليه غيره (4) وهو: أن مورد الرواية لا يتلائم مع المركب ذي الاجزاء، بل يلائم الكلي ذي الافراد، إذ المسئول عنه هو وجوب تكرار الحج وعدمه بعد تعلق الامر به، وبمقتضى البيان المزبور للجواب لا يكون الجواب مرتبطا بالسؤال، ولاجل ذلك ذهب البعض الى اجمال الرواية أو التصرف في لفظ: " من " بحمله على معنى الباء أو كونها بيانية، إذ يرتفع التنافي بذلك كما لا يخفى. واما المحقق الاصفهاني، فقد ذهب الى كون مقتضى التحقيق: ان: " من " ليست بمعنى التبعيض بعنوانه كي لا يتلاءم مع ارادة الكلي من الشئ، بل هي لمجرد اقتطاع مدخولها من متعلقه، وهذا الاقتطاع قد يوافع التبعيض احيانا، وبما ان الفرد منشعب من الكلي لانطباقه عليه، صح اقتطاع ما يستطاع منه، فلا يتعين مع ذلك ارادة المركب، بل يراد من: " الشئ " الكلي ويراد من لفظ: " منه ".


(1) سورة النساء الاية: 19. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 298 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق محمد كاظم كفاية الاصول / 370 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (4) الكاظمي الشيخ محمد علي فوائد الاصول 4 / 254 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 289 ]

من افراده، وتكون ما موصولة لا مصدرية ظرفية. فيتلائم مع مورد الرواية والسؤال (1). أقول: ما أفاده (قدس سره) وان استلزم حل المشكلة، لكن كون: " من " بمعنى الاقتطاع لا بمعنى التبعيض لا طريق الى اثباته، وانما هو مجرد تصور وفرض، فلا نستطيع الجزم به كما لا نجزم بعدمه، ومثله لا يكفينا في حل المشكلة. فالمتعين أن يقال في معنى الرواية: انه لا يحتمل ان يكون المراد من قوله (ص): " إذا امرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم " هو الامر بتكرار المأمور به قطعا إذ ظاهر الصدر انه ليس بواجب - بملاحظة قوله: " ويحك... ". وبذلك يظهر غفلة الاعلام (قدست أسرارهم) عن هذا الامر الواضح، إذ تصوروا دلالة الرواية على التكرار لو حملت: " من " على معنى الباء أو البيانية، فلاحظ كلماتهم - مضافا الى ان عدم وجوب تكرار الحج من القطعيات، بل الذي يراد به هو الامر به في حال الاستطاعة. ولا يخفى ان عدم عموم قوله المزبور - على هذا التفسير -، للامر بالطبيعة والامر بالمركب إنما ينشأ من تخيل ان مقتضى حمله على المركب يقتضي تقييد الموضوع بصورة تعذر بعض اجزائه، ومقتضى حمله على الكلي يقتضي عدم تقييده، إذ المفروض تعلق الامر به والبعث نحوه بلا نظر لمرحلة تعذر بعض اجزائه. ولكنه تخيل فاسد، إذ لا داعي لهذا التقييد لو اريد به المركب، إذ ليس المراد هو الامر بالمستطاع من الاجزاء مع تعذر البعض، بل المراد هو الامر بالمركب بمقدار ما يستطيعه المكلف منه، فان كان مستطيعا على الكل وجب الجميع، وإلا وجب البعض. وهذا نظير ان يقول المولى لعبده بعد أمره بمجموعة أجزائه: " إئت


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 299 - الطبعة الاولى. (*)

[ 290 ]

بالذي تستطيعه " فإذا استطاع على الكل وجب عليه الكل. إذن فقوله: " إذا امرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم "، يمكن ان يعم حالتي التعذر وعدمه، فيمكن ان يعم الكلي وهو مورد الرواية، وانه يلزم الاتيان به، ويعم المركب الذي تعذر بعض أجزائه مع التحفظ على ظهور " من " في التبعيض. وبالجملة: يكون قوله المزبور كناية عن ان الامر بالمركبات بنحو تعدد المطلوب. إذن فهذه الجملة قابلة لدلالة على المدعى مع عدم منافاتها لمورد الرواية. يبقى شئ وهو: ان هذا الجواب بهذا المقدار لا يرتبط بالسؤال عن وجوب التكرار في الحج وعدمه، إذ وجوب الاتيان بالمأمور به معلوم لدى السائل، ولزوم الاتيان ببعض اجزائه مع تعذر غيرها لم يقع موردا للسؤال. فنقول: ان الجواب مرتبط بالسؤال بلحاظ إفادته الحصر الدال على نفي التكرار، فان النبي (ص) بعدما وبخ السائل على تطفله والحاحه وطلب منه الانصراف عن كثرة السؤال، ذكر له انه عند الامر بشئ يلزم الاتيان به خاصة وبهذا المقدار ولا يلزم شئ آخر. وهذه الجهة - أعني: جهة الحصر - لابد من ملاحظتها على أي تقدير، سواءا اريد من: " من " التبعيض كما قربناه، أم كونها بمعنى الباء أو غير ذلك، إذ لو كانت بمعنى الباء كان معنى قوله: " إذا أمرتكم... " هو انه يجب الاتيان بالشئ المأمور به عند الاستطاعة، وهذا ليس محل سؤال بل مما لا يجهله السائل، فلا يرتبط الجواب بالسؤال، إلا بتضمين الجواب جهة الحصر. نعم لو احتمل كونه في مقام لزوم التكرار بمقدار الاستطاعة لم نحتج الى الحصر، إذ الجواب يرتبط بالسؤال بوضوح. ولكن عرفت انه لا مجال لتوهم ارادة ذلك، بل الجواب اما يتكفل الامر بالشئ حال الاستطاعة لو اريد من لفظ: " من " معنى الباء أو يتكفل ما ذكرناه لو اريد من لفظ: " من " التبعيض. وعلى اي تقدير لا

[ 291 ]

يرتبط بالسؤال إلا بتضمينه معنى الحصر. فهذه الجهة مما نحتاج إليها على كل تقدير بملاحظة السؤال، وهي مستفادة على ما عرفت من كيفية الجواب ومقدماته، وليست أمرا خفيا في الكلام. ومحصل ما ذكرناه: ان الرواية تتكفل بيان أمرين: أحدهما: لزوم الاتيان بالشئ خاصة عند الامر به وعدم لزوم شئ آخر وراءه. والاخر: ان الامر بالشئ المركب بنحو تعدد المطلوب والمراتب. وبلحاظ هذه الجهة الثانية تكون دالة على المدعى بوضوح. وما ذكرناه واضح بنظرنا من الرواية وظاهر بقليل من التأمل، وبذلك تنحل المشكلة، ونجمع بين تكفل الرواية لما نحن فيه مع ارتباطها بمورد السؤال. فالتفت وتدبر، فانه لم يسبق بيانه فيما تقدم. وأما قوله (ع): " الميسور لا يسقط بالمعسور ". فجهة الاستدلال بها واضحة، لكن نوقش في دلالتها: بان المراد بها ان حكم الميسور لا يسقط بسبب سقوط حكم المعسور. وذلك لان السقوط لا يحمل على نفس الميسور، لانه فعل المكلف، ولا معنى لسقوطه وبقائه، وانما الذي يقبل السقوط هو الحكم، فيراد من النص ما عرفت. ولا يخفى ان مرجع ذلك الى الحكم ببقاء الحكم الثابت للميسور واستمراره. ومن الواضح ان النص بهذا المعنى لا يشمل المركب الذي يتعذر بعض اجزائه، إذ الحكم الذي كان ثابتا للميسور من الاجزاء هو الامر الضمني، وهو مرتفع قطعا بتعذر الكل لسقوط الامر بالكل، فلا مجال للحكم بعدم سقوطه. وببيان آخر: ان الامر الذي كان ثابتا للميسور من الاجزاء هو الامر الضمني، وهو مرتفع بارتفاع الامر بالكل، فإذا فرض ثبوت أمر للميسور بعد التعذر كان أمرا استقلاليا، وهو لا يعد بقاء للامر الاول. وقد عرفت ان مفاد النص هو الحكم

[ 292 ]

ببقاء الحكم الاول وعدم سقوطه. وعليه، فلابد ان تحمل الرواية على موارد الاحكام المستقلة التي يتوهم سقوط بعضها بسقوط الاخر، كما إذا كانت منشأة بدليل واحد، نظير: " اكرم كل عالم " مع تعذر اكرام بعض افراد العالم، فتحمل على مورد العموم الافرادي. والجواب عن هذه المناقشة بما ذكره الشيخ (رحمه الله): أولا: من امكان التحفظ على اسناد السقوط الى الميسور نفسه بلا حاجة الى تقدير الحكم، بان يراد من عدم سقوطه بقاؤه في العهدة وفي عالم التشريع والجعل، فانه وظيفة الشارع، فيدل على تعلق الامر به بقاء، ولو كان أمرا آخر غير الاول، إذ تعدد الامر لا يغير ثبوت المتعلق في العهدة ويصدق معه بقاء المتعلق في العهدة حقيقة. وعليه، فتكون الرواية شاملة للمركب إذا تعذر بعض اجزائه. وثانيا: لو سلم ان المسند إليه السقوط هو الحكم بتقديره في الكلام، فهي تشمل المركب ايضا، لان بقاء الحكم صادق عرفا عند ارتفاع الامر الضمني عن الميسور من الاجزاء وتعلق الامر المستقل بها، لمسامحة العرف في النفسية والغيرية، فلا يرونهما إلا من حالات الوجوب لا من مقوماته، ولذلك يعبرون عن تعلق الوجوب بالميسور ببقاء وجوبه وعن عدم تعلقه بارتفاع وجوبه. وقد تقدم نظير هذا الكلام في استصحاب الوجوب (1). والحاصل: ان الرواية ظاهرة في بقاء الميسور في عهدة المكلف، لا بهذا اللفظ - أعني: لفظ العهدة كي يدعى عدم شمولها للمستحبات، لانها لا عهدة لها، وإن كان هذا الكلام محل نظر -، بل بما يساوقه من كونه مجعولا على المكلف ونحو ذلك، فيدل على بقائه بما له من الحكم سابقا من وجوب أو استحباب، فيعم


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 294 - الطبعة الاولى. (*)

[ 293 ]

الواجبات والمستحبات. ولوضوح الكلام في هذه الرواية تماما لابد من التنبيه على جهتين: الجهة الاولى: قد عرفت في مقام بيان معنى الرواية تفسير السقوط وعدمه بما يساوق الارتفاع والبقاء الظاهر في لزوم تحقق الحكم حدوثا كي يرتفع أو يبقى، نظير مفاد دليل الاستصحاب. هذا ولكن المراد بالسقوط ههنا عدم الثبوت أعم من الارتفاع بعد الحدوث ومن عدم الحدوث، نظير ما يقال في حديث الرفع من ان المراد بالرفع أعم من الدفع والرفع، فلا يراد من عدم السقوط هو الحكم بالبقاء، بل أعم من الحكم بالبقاء ومن الحكم بالحدوث. وذلك لوجهين: الاول: ان السقوط عرفا يستعمل في الاعم من الارتفاع بعد الحدوث ومن عدم الحدوث رأسا، فيقال للنائم قبل الوقت إذا استغرق نومه جميع الوقت ان التكليف بالصلاة عنه ساقط - بلا أي مسامحة في التعبير -، مع انه لم يسبق حدوث التكليف في حقه. وهكذا للمسافر قبل الوقت، يقال له إن التكليف بالتمام عنه ساقط مع انه لم يحدث في حقه. ويقال للحائض ان التكليف بالصلاة ساقط عنها، مع عدم حدوثه في حقها. والامثلة على ذلك كثيرة مما يدل على ان السقوط بنظر العرف أعم من الارتفاع بعد الحدوث ومن عدم الحدوث رأسا. الثاني: ان العلماء جميعا يتمسكون بالقاعدة في موارد تحقق التعذر من أول الوقت ولم يعهد من أحد منهم تخصيص النص بما أذا طرأ العذر بعد دخول الوقت، والتوقف فيه فيما إذا تحقق العذر من أول الوقت، وهذا الامر أوضح من أن يخفى، فيدل على ان المرتكز في أذهانهم ما ذكرناه من عموم السقوط، وإن جاء في كلماتهم في مقام بيان معنى الرواية على إفادة الحكم بالبقاء كدليل الاستصحاب. فتدبر. هذا، ولكن مجرد عدم الحدوث لا يصحح صدق السقوط، إذ كثيرا ما لا

[ 294 ]

يصدق السقوط عند عدم حدوث التكليف، بل انما يصدق السقوط على عدم الحدوث فيما كان هناك مقتض للثبوت، سواء كان مقتضيا بلحاظ مقام الثبوت أم بلحاظ مقام الاثبات، وانما لا يثبت الحكم لوجود مانع - مثلا -. أما مع عدم المقتضي فلا يصدق السقوط على عدم ثبوت الحكم، كما لا يخفى على من لاحظ الامثلة العرفية. ومن هنا قد يشكل صدق السقوط على عدم ثبوت التكليف بالاجزاء الميسورة مع تعذر بعضها، لعدم إحراز المقتضي ثبوتا فيها وهو الملاك، إذ لا يعلم انها واجدة لملاك الوجوب أولا. وعدم وجود المقتضي اثباتا وهو الدليل، إذ الموجود من الدليل على ثبوت الحكم هو الدليل على الامر بالكل وهو مرتفع قطعا بالتعذر، فلا دليل على ثبوت الحكم في الميسور كي يكون عدم ثبوته سقوطا. ولكن يمكن التفصي عن هذه المشكلة بوجهين - بعد الجزم بصدق السقوط وعدمه بالنسبة الى الاجزاء في هذا الحال عند عدم ثبوت التكليف بها أو ثبوته -: أحدهما (1): الالتزام بالاكتفاء بالمقتضي على تقدير عدم التعذر وعدم لزوم وجود المقتضي الفعلي، فان ملاك الحكم في الاجزاء الميسورة ثابت عند عدم تعذر غيرها. وهذا الملاك الثابت يصحح صدق السقوط عند حصول التعذر. والاخر: ان نفس المقتضي لثبوت التكليف بالكل المصحح لصدق سقوطه، يكون مقتضيا لثبوت التكليف بالميسور من الاجزاء، بنحو من المسامحة


(1) لعله الى ذلك ينظر الشيخ في قوله (يعني ان الفعل الميسور إذا لم يسقط...) خصوصا بملاحظة قوله عند التكلم في الشروط: " واما الثانية فاختصاصها كما عرفت سابقا بالميسور الذي كان له مقتضى للثبوت... " إذ لم يسبق منه ما يشير الى ذلك غير تلك العبارة. وان كان بعيدا لعله ينظر الى ما رامه السيد الاستاذ في تعميم القاعدة لصورة التعذر من اول الوقت فتأمل في كلامه. منه. (*)

[ 295 ]

في متعلق الحكم النفسي وفرضه الاعم من الواجد والفاقد - كما تقدم نظيره في الاستصحاب -. والفرق بين هذين الوجهين من الناحية العملية، هو انه ان بنينا على الثاني وصححنا صدق السقوط بناء عليه، لم تجر القاعدة إلا في ما كان الميسور معظم الاجزاء، بحيث تصح المسامحة فيه عرفا بفرضه نفس الواجب النفسي، دون ما كان الباقي اجزاء قليلة من المركب، إذ لا يرى العرف وحدته مع الكل، فلا يثبت له المقتضي لثبوت الحكم فيه. وأما إن صححنا صدق السقوط بناء على الوجه الاول، كانت القاعدة جارية ولو مع كون الميسور قليلا جدا، لثبوت المقتضي التقديري فيه، فيصح نسبة السقوط وعدمه إليه. وبما انا نرى صدق السقوط عرفا على الاجزاء الميسورة ولو كانت قليلة، كان ذلك كاشفا عن كون الملحوظ في المصحح هو الوجه الاول لا الثاني. فانتبه. الجهة الثانية: قد عرفت تقريب دلالة الرواية على بيان عدم سقوط الميسور من الاجزاء عند تعسر بعضها. وقد ناقشها صاحب الكفاية باحتمال ارادة عدم سقوط الميسور من افراد العام بالمعسور منها (1). وهذه المناقشة بهذا المقدار خارجة عن الاسلوب العلمي، ومجرد الاحتمال لا ينفع في قبال الظهور المدعى، فمع الاعتراف بالظهور لا معنى للتوقف لمجرد الاحتمال. ولو كان هو في مقام التشكيك في الظهور - كما يظهر من كلامه - فكان يلزمه أن يبين جهة التشكيك وينبه عليها ولا معنى للاكتفاء بالقاء الاحتمال فقط. ثم إنه لا مانع من شمول النص لكلا الموردين، فيدل على عدم سقوط


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 371 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 296 ]

الميسور من الاجزاء بمعسورها، كما يدل على عدم سقوط الميسور من افراد العام بالمعسور منها، فلا وجه لترديده بينهما وتوقفه عن الجزم بأحدهما. وكيف كان لابد من تحقيق هذه الجهة - أعني الالتزام بعموم النص للمركب الذي تعذر بعض اجزائه وللطبيعة التي يتعذر بعض افرادها. وبعبارة أخرى: للاحكام المستقلة التي يتعذر بعضها - بنحو يرتفع الغموض عن بعض جهاتها. فنقول: إنه كما يتأتى احتمال سقوط الاجزاء الميسورة عند تعذر غيرها، كذلك يتأتى هذا الاحتمال لبعض في الاحكام الاستقلالية، بأن يكون هناك حكمان استقلاليان مجعولان بنحو يتوهم الارتباط بينهما في الثبوت والسقوط. وهذا لا ينافي استقلاليتهما إذ الارتباط بين الحكمين لا يلازم الارتباط في متعلقيهما، بل يكون لكل منهما اطاعة وعصيان على حدة، لكن لا يثبت أحدهما بدون الاخر لمصلحة تقتضي جعلهما كذلك، فإذا تعذر امتثال أحدهما جاء احتمال سقوط الاخر. وإذا تصورنا هذا ثبوتا في الاحكام الاستقلالية. فنقول: ان الحكم الميسور امتثاله من الحكمين إن كان له دليل اثباتي بعد التعذر واضح، فهو يدفع احتمال سقوطه، فلا تكون القاعدة ناظرة إليه. وذلك نظير الاحكام التي يتكفلها دليل واحد بنحو العموم - مثل: " اكرم كل عالم " -، فانه مع تعذر اكرام بعض العلماء يكون العام حجة ودليلا على ثبوت الحكم للباقي، وحجيته في الباقي عرفا لا تقبل التشكيك والانكار، وإن اختلف العلماء في وجهها، من كونه أقرب المجازات، أو بالدلالة الضمنية، أو غير ذلك على ما تقدم تحقيقه في محله. ففي مثل ذلك يستبعد جدا نظر الرواية إليه، لعدم توهم السقوط بلحاظ الدليل الاثباتي الواضح على عدمه، فلا نقول بانه ممتنع - كما جاء في كلمات

[ 297 ]

المحقق الاصفهاني (1) -، بل نقول بانه مستبعد جدا. وأما إذا لم يكن له دليل اثباتي بعد التعذر، فالرواية ناظرة إليه، نظير ما لو قال: " اكرم العشرين عالما " بنحو يكون كل فرد محكوما بحكم مستقل وتعذر اكرام زيد العالم منهم، فاحتمل سقوط الباقي، فان لفظ: " العشرين " ليس من الفاظ العموم كي يكون حجة فيما بقي، بل هو عنوان يعبر عن المجموع، فلا يمكن ان يصدق على الاقل منه. وعليه، فلا يكون حجة فيما بقي كما حققناه في مبحث العموم والخصوص. ولذا التزمنا هناك، بان الدليل الدال على عدم اكرام احد العشرين يكون معارضا للدليل الدال على اكرام العشرين لا مخصصا له. إذن فتوهم السقوط لا دافع له في مثل ذلك، فالرواية تنظر إليه وتفيد عدم سقوط الميسور من الافراد بسبب المعسور. ومثله ما لو قال: " صم شهر رجب " فتعذر صوم بعض أيامه، وكان صوم كل يوم ملحوظا واجبا مستقلا، لا ان المجموع محكوم بحكم واحد. فظهر مما حققناه: ان الرواية كما تشمل المركبات إذا تعذر بعض اجزائها، تشمل موارد الاحكام الاستقلالية التي يتكفلها دليل واحد بعنوان يعبر عن عدد خاص لا بعنوان عام. فالتفت وتدبر. وأما العلوي الاخر، وهو قوله (عليه السلام): " ما لا يدرك كله لا يترك كله ". فجهة الاستدلال به على المدعى واضحة، وقد نوقش الاستدلال به بمناقشات تعرض إليها الشيخ وأجاب عنها فلا يهمنا التعرض إليها (2). وإنما المهم تحقيق المراد بالرواية، وهو يظهر بمعرفة المراد من الموصول ولفظ: " كل " في الموضعين. فنقول:


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين نهاية الدراية 2 / 299 - الطبعة الاولى. (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 295 - الطبعة الاولى. (*)

[ 298 ]

أما الموصول، فهو - كما أفاد الشيخ - لا يكنى به عن المتعدد، وانما يكنى به عن الواحد، فيراد به الفعل الواحد لا الافعال المتعددة كي يدعى انه يكون دالا على ان الافعال المتعددة لا يسقط بعضها إذا تعذر البعض الاخر، فيكون مختصا بمورد تعلق الحكم بافراد العام بنحو العموم الاستغراقي، فلا يشمل صورة تعذر بعض أجزاء المركب الذي هو موضوع الكلام فيما نحن فيه. فالمراد بما هو فعل المكلف، أعم من الطبيعة والمركب، فيكون النص دالا على عدم سقوط بعض افراد الطبيعة عند عدم ادراك البعض الاخر، كما يكون دالا على عدم سقوط بعض اجزاء المركب إذا تعذر البعض الاخر. واما لفظ: " كل ". فقد ذكر الشيخ (رحمه الله) ان المراد به المجموع، ولا يمكن ان يحمل على العموم الاستغراقي، إذ إرادة العموم الاستغراقي منه تقتضي ان يكون المفاد: ان الافراد والاجزاء التي لا يدرك شئ منها لا يترك كل واحد واحد منها، وهذا مما لا معنى له، إذ مع عدم التمكن من كل فرد فرد كيف يؤمر بكل فرد فرد ؟. ولكن نقول: انه كما لا يمكن ان يراد ب‍: " كل " ما أفاده الشيخ (رحمه الله) لا يمكن ان يراد به المجموع أيضا، إذ بعد فرض عدم التمكن من المجموع كيف يؤمر به ؟، فانه متعذر على الفرض. وحل المشكلة بما أفاده المحقق العراقي وتوضيحه: ان الامتناع ارادة العموم الافرادي من لفظ: " كل " انما يتم لو فرض ان العموم وارد على السلب - المعبر عنه اصطلاحا بعموم السلب - بحيث يراد سلب القدرة عن كل فرد فرد، ومعه لا معنى للنهي عن ترك كل فرد فرد - كما أفاد الشيخ -. وليس الامر كذلك بل السلب وارد على العموم، فالمراد هو سلب العموم الذي يتحقق بانتفاء بعض الافراد، نظير قولنا: " ليس كل عالم عادل "، فان النفي لم يتوجه للمجموع، إذ العدالة ليست من صفات المجموع، كما انه لا يراد نفي العدالة

[ 299 ]

عن كل فرد فرد من افراد العالم، بل المقصود بيان نفي العدالة عن عموم الافراد وبيان انها ليست ثابتة لكل فرد فرد. وعليه، فالمراد في قوله: " ما لا يدرك كله " عدم ادرك عموم الافراد أو الاجزاء بنحو سلب العموم. وهكذا المراد بقوله: " لا يترك كله " يراد به النهي عن الترك بنحو سلب العموم الراجع بحسب الظهور العرفي الى النهي عن الجمع بين التروك، فلفظ: " لا " متعلق بالترك بنحو سلب العموم لا عموم السلب. ومثل هذا الاستعمال كثير عرفا، ويراد به ما ذكرناه من انه إذا لم يدرك المكلف اتيان جميع الافراد والاجزاء فلا يترك الجميع بنحو لا يأتي بأي فرد أصلا. وقد عرفت ان اساس ذلك على توجه النفي الى ترك الجميع، ونفي ترك الجميع يتحقق بالاتيان بالبعض. فالتفت ولا تغفل (1). وكيف كان فقد عرفت دلالة النص على المدعى بحسب الظهور العرفي. وقد استشكل فيه صاحب الكفاية: بانه لا ظهور له في حرمة الترك لعموم الموصول للمستحبات، وتخصيص الموصول بالواجبات ليس بأولى من حمل النهي عن الكراهة أو مطلق الطلب (2). وقد تعرض الشيخ (رحمه الله) الى هذا الاشكال، ودفعه: بان الموصول في نفسه يشمل المباحات بل المحرمات، وانما خصصناه بالراجح بقرينة قوله: " لا يترك "، فإذا كان قوله: " لا يترك " قرينة على المراد بالموصول لزم حمل الموصول على خصوص الواجبات عملا بظهور القرينة، ولا مجال لتخيل تقدم ظهور


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار / 3 / 457 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 372 - طبعة مؤسسة ال البيت (ع). (*)

[ 300 ]

الموصول، إذ ظهور القرينة هو المحكم والمقدم عرفا (3). وهذا الكلام للشيخ متين جدا. لكن الذي نستظهره من الرواية عموم الموصول للمستحبات، مع التحفظ على ظهور: " لا يترك " في الوجوب. بيان ذلك: ان الانسان قد يطلب منه شئ وتعرض حالة يتوهم فيها المأمور عدم لزوم العمل، فيقول له القائل لا تترك العمل في هذه الحالة، أو لا يسوغ لك ترك العمل لاجل هذه الجهة، ومقصود القائل ليس انشاء الامر والالزام، بل قد لا يكون ممن شأنه الامر والالزام، بل مقصوده الكناية عن بقاء الامر السابق وعدم سقوطه في هذه الحالة، ويتأتى هذا حتى فيما كان الامر السابق هو الاستحباب لا الوجوب، فيقول له - مثلا - ان التعب لا يسوغ لك ترك صلاة الليل، أو لا تترك صلاة الليل لاجل التعب، إذا تخيل المكلف سقوط استحبابها لاجل التعب. ومن الواضح ان: " لا يسوغ " صحيح في الالزام. لكن قد عرفت ان هذا الالزام لا يعدو مجرد اللفظ وليس القصد انشاء الالزام حقيقة في هذا الكلام، وانما القصد الى بيان بقاء الامر وعدم سقوطه. وما نحن فيه من هذا القبيل، فان قوله: " لا يترك كله " وان انشئ به الالزام لكن ليس المراد الاصلي به في هذا الكلام هو الالزام بعدم الترك كي يختص بالواجبات، بل يراد به بيان ان تعذر بعض الاجزاء لا يسوغ ترك المطلوب بالكلية وهو كناية عن بقاء الامر الاول، فلا مانع من عمومه للمستحبات، فيكون مثل العلوي الاول الذي يعم الواجبات والمستحبات. وبالجملة: الامر ههنا لا يراد به إلا المدلول الكنائي وهو لازمه من بقاء الامر الاول على ما كان وعدم سقوطه، فلا مانع من استعماله في الوجوب وعموم


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى فرائد الاصول / 295 - الطبعة الاولى. (*)

[ 301 ]

الموصول للمستحبات، فهو نظير الامر الواقع عقيب الحظر أو توهمه، أو النهي الواقع عقيب الامر أو توهمه، في عدم ارادة المدلول المطابقي منهما، بل يراد الكناية عن ارتفاع التحريم في الاول وارتفاع الايجاب في الثاني. فتدبر. هذا تمام الكلام في دلالة الروايات على المدعى، وقد عرفت تقريب دلالتها بأجمعها، فهي من حيث الدلالة لا كلام فيها. وأما من حيث السند، فهي ضعيفة السند، ولكن ادعي انجبارها بعمل المشهور. أقول: لو ثبت شهرتها بين القدماء كشهرتها بين المتأخرين حتى قيل ان القاعدة مما يعرفها الاطفال والنسوان، كان ذلك موجبا لليقين بصحتها، ولو لم نبن على انجبار الضعف بعمل المشهور كلية، إذ التسالم على هذه النصوص يزيد على الشهرة. وبما انه لم يثبت ذلك لدينا، وهو محتاج الى مزيد فحص، فالاحتياط في مواردها مما لا بأس به. يبقى التنبيه على امرين: التنبيه الاول: في عموم القاعدة لتعذر الشرط أو الركن، وفي اختصاصها بصورة القدرة على معظم الاجزاء. وتحقيق الكلام في ذلك: ان الميسور تارة: يراد به الميسور من المراتب، بان يكون الشئ ذا مراتب متعددة فيقال ان الميسور من المرتبة لا يسقط بالمعسور منها. واخرى: يراد به الميسور من الاجزاء. والفرق بين اللحاظين، انه يعتبر على الاول ان يكون الميسور مصداقا من مصاديق الطبيعة، وإلا لم يكن من مراتبها. وليس الامر كذلك على الثاني، إذ جزء الشئ لا يلزم ان يكون مصداقا له وفردا من أفراده. ثم إنه..

[ 302 ]

تارة: يلتزم بتقدير أمر في قوله: " الميسور لا يسقط بالمعسور "، فيلتزم.. إما باضافة الميسور الى عنوان: " شئ "، فيكون المراد ميسور الشئ لا يسقط بمعسوره، من باب إضافة الصفة الى الموصوف مع وحدته، فكأنه قال: " الصلاة الميسورة لا تسقط بالصلاة المعسورة " فيكون المراد بالميسور والمعسور شيئا واحدا. وإما بتقدير: " من الشئ " بعد الميسور والمعسور، فيراد: الميسور من الشئ لا يسقط بالمعسور منه، على ان تكون: " من " تبعيضية، فيكون المراد من الميسور غير المراد بالمعسور، فيراد من الميسور اجزاء ومن المعسور اجزاء أخرى، فلا تسقط الاجزاء الميسورة بواسطة الاجزاء المعسورة من العمل الواحد. وأخرى: لا يلتزم بالتقدير أصلا، بل يراد كل ما هو ميسور لا يسقط بسبب ما هو المعسور. فالاحتمالات المتصورة ثلاثة: وعلى الاحتمال الاول، يختص جريان القاعدة بما إذا كان الباقي المقدور مما ينطبق عليه عنوان العمل، إذ المفروض لحاظه مقسما لليسر والعسر، فتكون القاعدة مساوقة لبيان الميسور بلحاظ المراتب، فلا تشمل فاقد الركن إذا فرض تقوم المسمى به، كما لا تشمل فاقد المعظم لعدم صدق الصلاة - مثلا - عليه. كما انها تشمل فاقد الشرط مع صدق المسمى عليه على اشكال يأتي دفعه. وعلى الاحتمال الثاني، فيمكن ان يراد بها الميسور من الاجزاء والمراتب. وعليه فتعم فاقد الركن أو المعظم وان لم يصدق المسمى عليه، لانه ميسور من اجزاء العمل، وان لم يكن من مراتبه. نعم لا يشمل فاقد الشرط إلا بتصور التبعيض فيه عرفا، وكون فاقد الشرط وواجده من قبيل الاقل والاكثر والبعض والكل، وهو على تقديره انما

[ 303 ]

يتصور في بعض الشروط كما سننبه عليه. وعلى الاحتمال الثالث، تشمل فاقد الركن والمعظم، إذ هو ميسور في نفسه كما تشمل فاقد الشرط أيضا، فانه ميسور في نفسه، فلا يسقط بواسطة المعسور وهو واجد الشرط، ولا يتوقف ذلك على تصور التبعيض لعدم أخذه فيها. نعم هنا شئ، وهو انه قد عرفت ان السقوط لا يصدق الا في مورد يكون للميسور مقتض للثبوت فلا يثبت، فلا يصدق في مطلق موارد عدم الثبوت. ومن الواضح ان فاقد الشرط بما انه يباين واجد الشرط فلا يكون له مقتض للثبوت، فلا يصدق سقوط الفاقد على عدم ثبوت الحكم له. والجواب عن هذا الاشكال: ان الشروط على قسمين.. فمنها: ما يكون مقوما لذات المشروط، بحيث يكون الفاقد للشرط مباينا بالمرة لواجد الشرط، والمصداق الواضح لذلك ما كان مثل الناطقية للحيوان، فإذا تعذر الحيوان الناطق، كان الحيوان غير الناطق مغايرا لمتعلق الحكم عرفا. ومنها: ما لا يكون مقوما لذات المشروط عرفا، بل يرى انه من حالاته وزوائده وكمالاته، نظير الصلاة مع الاستقبال، فان الصلاة بدون الاستقبال لا تكون مغايرة عرفا للصلاة معه، بل يرى ان الصلاة بدونه صلاة ناقصة والصلاة معه صلاة وزيادة. والاشكال المزبور انما يتم في النحو الاول من الشروط لا النحو الثاني، إذ يقال: ان الصلاة المتعذر فيها الاستقبال، كان لها مقتض للثبوت لولا التعذر، ويشهد لذلك صدق السقوط عرفا في مثل ذلك بلا إشكال اصلا في الموارد العرفية كما لا يخفى على من لاحظها. التنبيه الثاني: قد عرفت ان موضوع الكلام في الاصل العملي ما إذا لم يكن لدليل الجزئية اطلاق ولم يكن لدليل المأمور به اطلاق، بل كان كلا الدليلين

[ 304 ]

مجملين. ولا يخفى انه مع تمامية قاعدة الميسور لا مجال للاصل العملي المتقدم. وهذا لا اشكال فيه. انما الاشكال فيما إذا كان لدليل الجزئية اطلاق يقتضي ثبوتها في حالتي التمكن والتعذر، نظير قوله: " لا صلاة الا بفاتحة الكتاب "، فهل يتأتى في مثله الالتزام بقاعدة الميسور أو لا ؟. ومنشأ الاشكال هو وجود التنافي بين دليل الجزئية والقاعدة، لان مقتضى دليل الجزئية المطلقة هو سقوط الامر عند التعذر، ومقتضى القاعدة ثبوت الامر بالباقي عند التعذر. وقد يتخيل حكومة القاعدة على دليل الجزئية. ببيان: ان القاعدة ناظرة الى دليل الجزئية وتفيد تقييدها بحال التمكن، فتكون حاكمة على أدلة الجزئية ومقدمة عليها. ولكن هذا ممنوع (1)، فان تفرع قاعدة الميسور على ثبوت الامر بالمركب ذي الاجزاء مسلم لا يقبل الانكار. وهذا لا يلازم سوى انها متفرعة عن الدليل الدال على الامر بالمركب في الجملة، فتفيد عدم سقوطه بتعذر بعض اجزائه، فهي حاكمة عليه. لكن دليل الجزئية المطلقة - مثل لا صلاة إلا بطهور - أيضا حاكم على دليل الامر بالصلاة، ويفيد سقوطه بتعذر الطهور، ولا حكومة لقاعدة الميسور عليه لعدم تعرضها بمدلولها إليه وعدم تفرعها عليه، بل هما متعارضان بلحاظ المدلول الالتزامي لكل منهما ومنافاته للمدلول المطابقي للاخر، فدليل الجزئية يثبت الجزئية المطلقة ولازمه سقوط الامر بالمركب عند تعذره. وقاعدة الميسور


(1) ذكر السيد الاستاذ دام ظله في مجلس البحث وجها آخر للمنع لكنه صار محلا للاشكال والرد والبدل، وبعد المذاكرات المتعددة اختار هذا الوجه وان لم يظهر منه العدول عن ذلك الوجه لكنه لا يبعد ذلك ولاجل ذلك لم نذكره ههنا. (منه عفي عنه). (*)

[ 305 ]

تثبت عدم السقوط عند التعذر ولازمه الجزئية المقيدة. بل يمكن ان يقال: انهما متعارضان بلحاظ مدلولهما المطابقي في مثل: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو بطهور "، إذ المدلول المطابقي لهذا الدليل هو سقوط الامر وعدم ثبوته بدون الفاتحة وهو ينافي مدلول القاعدة رأسا. وبالجملة: هما متعارضان بلا حكومة لاحدهما على الاخر لعدم تفرع احدهما عن الاخر فلاحظ ولا تغفل. ثم ان الشيخ (رحمه الله) بعد تمامية القاعدة تعرض الى ذكر فرعين من فروع قاعدة الميسور (1): الفرع الاول: ما لو دار الامر بين ترك الجزء وترك الشرط، فهل يتعين ترك الشرط أو يتخير بينهما ؟. والذي يظهر من الشيخ فرض المورد من موارد القاعدة ولزوم الاتيان بالباقي، وانما يدور الامر بين ترك الجزء أو ترك الشرط. ولكن يخطر في الذهن اشكال في ذلك سواء في ذلك دوران الامر بين ترك الجزء أو الشرط، أو دورانه بين ترك أحد جزءين. وذلك، لان كل جزء جزء مقدور في نفسه فلا يقال انه معسور، وما هو المعسور - وهو الجمع بينهما - ليس متعلق الحكم الشرعي، وظاهر النص ارادة المعسور مما كان متعلقا للحكم الشرعي، فرواية: " الميسور لا يسقط بالمعسور " لا تشمل هذا المورد، ومثلها رواية: " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم "، لان كلا من الجزئين في حد نفسه متعلق الاستطاعة. نعم، رواية: " ما لا يدرك كله لا يترك كله " تشمل هذا الفرض. وكيف كان، فمع الغض عن هذا الاشكال الصناعي، فيرد على الشيخ


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 296 - الطبعة الاولى. (*)

[ 306 ]

(رحمه الله): أولا: ان المورد ليس من موارد التزاحم كي تلاحظ فيه الاهمية، بل من موارد التعارض لما تقدم من ان موارد تزاحم الواجبات الضمنية خارجة عن احكام التزاحم، بل هي من موارد التعارض. فراجع. وثانيا: انه لو فرض ان المورد من موارد التزاحم، فالالتزام بتقديم الجزء على الشرط بقول مطلق ليس كما ينبغي، إذ قد يكون من الشروط ما هو أهم بنظر الشارع والعرف من بعض الاجزاء، فالكلية ممنوعة. واما ما ذكره من التعليل العرفي من ان فوات الوصف أولى من فوات الموصوف، فهو أجنبي عما نحن فيه، لانه يرتبط بما إذا دار الامر بين الشرط والمركب بتمامه، والعمل العرفي غالبا على تقديم ترك الشرط لانه مفقود على كل حال، وذلك نظير دوران الامر بين تحصيل دار مبنية بالاسمنت لا الطابوق وبين عدم الدار بالمرة، فان البناء العرفي على القناعة بفاقد الشرط، وما نحن فيه دوران الامر بين ترك الشرط وترك الجزء، نظير ما لو دار الامر بين دار من الاسمنت ذات ست غرف ودار من الطابوق ذات خمس غرف. ولم يثبت من العرف تقديم الاولى على الثانية. فانتبه. الفرع الثاني: ما لو كان للكل بدل اضطراري كالتيمم في باب الوضوء، فهل يقدم على العمل الناقص، أو يقدم الناقص عليه ؟. ذكر الشيخ في وجه الاول: ان مقتضى البدلية كونه بدلا عن التام في جميع آثاره، فيقدم على الناقص كما يقدم التام عليه. وذكر في وجه الثاني: ان البدل انما يجب عند تعذر التام، والناقص بمقتضى قاعدة الميسور تام لانتفاء جزئية المفقود فيقدم على البدل. أقول: في كلا الوجهين ما لا يخفى، فان دليل التيمم ليس فيه لعنوان البدلية عين ولا أثر كي يتمسك باطلاقه بلحاظه في ترتيب جميع الاثار. كما ان

[ 307 ]

قاعدة الميسور لا تفيد ان الميسور تام كالواجد، بل غاية ما تفيد تعلق الامر به لا غير. فالتحقيق ان يقال: ان دليل التيمم.. تارة: يكون مفاده تشريع التيمم عند تعذر المرتبة العليا التامة للوضوء. واخرى: يكون مفاده تشريع التيمم عند تعذر الوضوء بجميع مراتبه المأمور بها. وبعبارة أخرى: يفيد مشروعية التيمم عند تعذر الوضوء المشروع، وما هو الوظيفة الفعلية للمكلف لولا التعذر. فعلى الثاني: تكون قاعدة الميسور حاكمة على دليل التيمم، لانها تتكفل تشريع الوضوء وتوظيف المكلف به فعلا، فيرتفع موضوع مشروعية التيمم. وعلى الاول: يتصادم دليل التيمم مع قاعدة الميسور، إذ دليل التيمم يثبت مشروعية التيمم عند تعذر الوضوء التام، وقاعدة الميسور تثبت مشروعية الوضوء الناقص، وبما انه يعلم بعدم مشروعية الجمع بينهما، إذ الطهارة إذا حصلت باحدهما لا مجال لتحصيلها بالاخر يتحقق التصادم. وعلاج التعارض هو الالتزام بالتخيير، وذلك لان منشأ التصادم هو ظهور اطلاق الدليلين في مشروعية كل منهما بنحو التعيين، ومقتضى تعارض الاطلاقين هو تساقطهما، فيرفع اليد عن ظهور كل من الدليلين في التعيين، وينحفظ على ظهور كل منهما في أصل المشروعية والوجوب. ونتيجة ذلك هو التخيير بينهما. فتدبر. هذا تمام الكلام في قاعدة الميسور بشؤونها (1). التنبيه الثالث: في دوران الشئ بين كونه شرطا وكونه مانعا، أو دورانه بين كونه جزء أو زيادة مبطلة. وقد تعرض صاحب الكفاية للكلام فيه هنا. وبما أنه قد تقدم منا البحث فيه في مبحث دوران الامر بين محذورين فلا نعيد. فراجع البحث هناك.


(1) تم البحث في يوم الخميس 13 / 6 / 91. (*)

[ 309 ]

فصل: في دوران الامر بين المحذورين في دوران الامر بين الواجب والحرام، بان كان هناك فعل واجب وفعل حرام واشتبه أحدهما بالاخر. فهو يعلم إجمالا بوجوب أحد الفعلين، كما انه يعلم إجمالا بحرمة أحدهما. وفي الوقت نفسه يدور أمر كل فعل منهما بين محذورين، فيعلم المكلف بانه إما واجب أو حرام. وقد ذهب الشيخ (رحمه الله) الى لزوم الاتيان باحدهما وترك الاخر بنحو التخيير، لان الموافقة القطعية لاحد العلمين تستلزم المخالفة القطعية للاخر، فيتعين الموافقة الاحتمالية لكل منهما، لانها أولى من الموافقة القطعية لاحدهما والمخالفة القطعية للاخر. وذكر ان منشأه ان الاحتياط لدفع الضرر المحتمل لا يحسن بارتكاب الضرر المقطوع (1). وقد وافق المحقق النائيني (رحمه الله) الشيخ (قدس سره) في الالتزام بتنجيز العلم الاجمالي في المورد، لكنه خالفه في الحكم بالتخيير مطلقا، فذكر: انه لا يخلو عن اشكال، بل لابد من ملاحظة مرجحات باب التزاحم، فتقدم الموافقة القطعية للاهم منهما ملاكا وان استلزم ذلك المخالفة القطعية للاخر، لان


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 298 - الطبعة الاولى. (*)

[ 310 ]

المورد من صغريات باب التزاحم، وان كان يختلف التزاحم هنا عن التزاحم في موارده المعروفة، فان التزاحم فيها يرجع الى عدم القدرة على الجمع بين المتعلقين، والتزاحم هنا يرجع الى ناحية تأثير العلم الاجمالي، لان العلم الاجمالي يقتضي تنجيز التكليف وتأثيره في لزوم القطع بامتثاله، وبما انه لا يمكن تحصيل القطع بالموافقة بالنسبة الى كلا العلمين - هنا -، فلا محالة يقع التزاحم في تأثير العلم في وجوب الموافقة القطعية، فيقدم الاقوى ملاكا بلحاظ متعلقه ويسقط الاخر عن التأثير. والنوبة الى التخيير الذي ذكره لا تصل إلا عند فرض عدم الاهمية لاحد الحكمين على الاخر (1). أقول: لابد من البحث في جهات: الجهة الاولى: في الفرق بين هذا المقام وبين مورد دوران الامر بين محذورين في الوقائع المتعددة. بيان ذلك: انه قد تقدم (2) في دوران الامر بين محذورين البحث في التخيير البدوي أو الاستمراري مع تعدد الواقعة، وقد مر هناك انه كما يوجد علم إجمالي بحرمة أو وجوب كل من الواقعتين كذلك يوجد علم إجمالي بحرمة هذه الواقعة أو وجوب تلك الواقعة، وعلم إجمالي بوجوب هذه الواقعة أو حرمة تلك الواقعة، وهذان العلمان الاجماليان المنعقدان بلحاظ تعدد الواقعة مما لا يمكن موافقتهما القطعية معا، بل الموافقة القطعية لاحدهما مستلزمة للمخالفة القطعية للاخر، ولاجل ذلك يدور الامر بين ترجيح أحد العلمين أو الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية لكل منهما ونتيجته التخيير البدوي. ولا يخفى ان هذا المقام يشابه ما نحن فيه - أعني: دوران الامر بين


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 263 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) راجع 5 / 32 من هذا الكتاب. (*)

[ 311 ]

الواجب والحرام - من حيث تعدد العلم الاجمالي وعدم التمكن من الموافقة القطعية لكل منهما. والمحقق النائيني (رحمه الله) في ذلك اختار التخيير الاستمراري، لاجل عدم منجزية العلم الاجمالي، فلا مانع من المخالفة القطعية (1). وههنا التزم بمنجزية العلم وان اختلفت مع الشيخ في تقديم الاهم. فلابد من معرفة جهة الفرق وانها صالحة للتفريق بين المقامين أو لا ؟. وقد أفاد المحقق النائيني في مقام بيان عدم تنجيز العلم الاجمالي في الوقائع المتعددة لدوران الامر بين محذورين ما يمكن ارجاعه الى ما اوضحه المحقق الاصفهاني - في ذلك المبحث - من: ان العلم لا ينجز سوى طرفه مع القدرة على امتثاله. ومن الواضح ان لدينا تكاليف متعددة بتعدد الوقائع، فهناك علوم متعددة في الوقائع المتعددة، وكل علم لا ينجز سوى طرفه، والمفروض ان كل علم بلحاظ كل واقعة غير منجز لدورانه بين محذورين، وانضمام العلوم المتعددة بعضها الى بعض لا يوجب علما آخر بتكليف آخر. نعم ينتزع من انضمام الوقائع تكليف انتزاعي يتصور فيه المخالفة القطعية، فليس هناك تكليف مجعول غير التكليف في كل واقعة المفروض عدم تنجزه (2). وبالجملة: العلم الاجمالي بالتكليف المردد بين الواقعتين ناشئ من العلم الاجمالي الموجود في كل واقعة بحيالها، وهو غير منجز على الفرض. فلا يكون العلم الاجمالي بالتكليف المردد منجزا، لانه ليس تكليفا آخر وراء التكليف الموجود في كل واقعة. وهذا البيان لا يتأتى ههنا، إذ العلم الاجمالي متعلق أولا بوجوب احد


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 3 / 453 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 236 - الطبعة الاولى. (*)

[ 312 ]

الامرين وبحرمة أحدهما. وكل منهما قابل للتنجيز في نفسه، ويتصور فيه المخالفة القطعية. والعلم الاجمالي بدوران كل فعل بين الوجوب والحرمة لا أثر له لانه ناشئ من انضمام العلمين المزبورين أحدهما الى الاخر، فلا يضر بتنجيزهما. فحاصل الفرق بين الموردين: ان العلم الاجمالي المردد بين الواقعتين - هناك - متفرع على العلم الاجمالي بالوجوب أو الحرمة في كل واقعة المفروض عدم تنجيزه. وههنا الامر بالعكس، فان العلم بوجوب أو حرمة كل من الفعلين من فروع العلم الاجمالي المردد بين الواقعتين والفعلين، وقد عرفت قابليته للتنجيز في نفسه. هذا غاية ما يمكن أن يوجه به الفرق بين الموردين. لكنك عرفت فيما تقدم الاشكال فيما أفاده المحقق الاصفهاني. وان عدم تنجيز التكليف بالعلم الاجمالي بلحاظ كل واقعة بحيالها لا ينافي حدوث علم اجمالي حقيقي آخر يستلزم تنجيز التكليف بلحاظ تعدد الواقعة، فراجع ما ذكرناه هناك، ولولا ذلك لتأتي نفس البيان ههنا، فان كل فعل في نفسه واقعة لها تكليفها الخاص، والعلم الاجمالي بلحاظه غير منجز، لان الامر يدور بين محذورين، وضم احد الفعلين الى الاخر وان استلزم حدوث علم إجمالي آخر، لكنه لا ينفع في التنجيز بعد ان كان التكليف في كل واقعة بحيالها غير منجز. وبالجملة: ظهر مما ذكرنا انه لا فرق في التنجيز بين المقامين، وان الالتزام به ههنا وعدم الالتزام به هناك بلا موجب. ثم إنه قد جاء في تقريرات المرحوم الكاظمي في مقام بيان عدم منجزية العلم الاجمالي في دوران الامر بين محذورين مع تعدد الواقعة التعبير: بتفرع وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية عقلا عن تنجز التكليف

[ 313 ]

عقلا (1). وهذا لا يخلو من مسامحة، إذ الامر بالعكس، فان الحكم بالمنجزية يرجع الى الحكم باستحقاق العقاب على المخالفة، وهذا متفرع عن الحكم عقلا بقبح المخالفة القطعية ولزوم الموافقة القطعية، ويتضح ذلك بمراجعة أول مباحث القطع. فراجع تعرف والامر سهل. الجهة الثانية: قد عرفت عدم الفرق بين محل الكلام وبين دوران الامر بين محذورين مع تعدد الواقعة من حيث تنجز العلم الاجمالي، لكن هناك فرقا من جهة أخرى وهي: عدم تأتي التقييد الذي ذكره المحقق النائيني في محل الكلام - عدم تأتيه - في ذلك المورد، وهو ما أفاده (قدس سره) من: انه إذا كان احد التكليفين المعلومين بالاجمال ههنا أهم من الاخر لزم موافقته القطعية ولو استلزم ذلك المخالفة القطعية للاخر (2). فان هذا المعنى لا يتأتى - صغرويا - في مورد دوران الامر بين محذورين. وذلك لعدم تصور أهمية متعلق أحد العلمين من الاخر، إذ ما هو متعلق كل علم من التكليف المردد بين وجوب إحدى الواقعتين وحرمة الاخرى هو نفسه متعلق العلم الاخر مع تبديل ظرف متعلق الحكم. فالوجوب والحرمة في قولنا: " يعلم إجمالا بحرمة الجلوس يوم الجمعة أو وجوبه يوم السبت " هما أنفسهما في قولنا: " يعلم إجمالا بوجوب الجلوس يوم الجمعة أو حرمته يوم السبت ". وانما اختلف ظرف المتعلق وزمانه، لانه ليس لدينا إلا حكم واحد مردد بين الطرفين. وعليه، فلا معنى لدعوى أهمية المتعلق في أحدهما، لكي يدعى تقدمه في مقام التأثير.


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 3 / 453 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 263 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 314 ]

وهذا بخلاف ما نحن فيه مما كان هناك حكمان ثابتان لا يعرف متعلقهما. فالتفت ولا تغفل. الجهة الثالثة: في حكم دوران الامر بين الواجب والحرام على تقدير عدم أهمية أحدهما. وقد عرفت ان الشيخ ذهب الى لزوم الاقتصار على الموافقة الاحتمالية في كل منهما وعدم جواز الموافقة القطعية لاحدهما لاستلزامها المخالفة القطعية للاخر، ولا يحسن دفع الضرر المحتمل بالوقوع في الضرر المقطوع. وهذا التعليل بظاهره لا يخلو من خدش، إذ المراد بالضرر هو العقاب، ومن الواضح انه بحكم العقل المتفرع على حرمة المخالفة القطعية، فإذا فرض انه يحكم بجواز الموافقة القطعية لاحدهما وان استلزمت المخالفة القطعية للاخر، فمقتضاه انه لا يرى حسن العقاب على المخالفة القطعية فلا ضرر أصلا. فلا معنى لتعليل حرمة المخالفة القطعية هنا بانه ارتكاب للضرر المقطوع، إذ القطع بالضرر من توابع الحكم بالحرمة ومتفرعاته فالتفت ولا تغفل. ويمكن توجيه كلامه: بان المراد من الضرر ليس هو العقاب، بل المراد المفسدة الواقعية التي يحكم العقل بلزوم التحرز عنها، أو نحوها مما له وجود واقعي مع قطع النظر عن التنجيز، فإذا دار الامر بين دفع الضرر المحتمل - بهذا المعنى - أو الضرر المقطوع، قدم الثاني بنظر العقل. وبعبارة أخرى: ان كلا من الموافقة القطعية وعدم المخالفة القطعية لازم بنظر العقل بأي ملاك كان، مع قطع النظر عن المزاحمة. فكل من العلمين تلزم موافقته قطعا وتحرم مخالفته قطعا مع قطع النظر عن التزاحم. إذن فهناك ملزم عقلي يستلزم حكم العقل بدفع احتمال عدم الموافقة، ويستلزم حكم العقل لعدم المخالفة. فإذا دار الامر بينهما في مقام - كما فيما نحن فيه - كان الترجيح لعدم المخالفة على تحصيل الموافقة، لان ما يستلزم تحصيل الموافقة القطعية لا يستلزمها مع حصول المخالفة القطعية.

[ 315 ]

هذا توضيح ما أفاده الشيخ. وقد مر في مبحث دوران الامر بين محذورين بيان رجحان دفع المخالفة القطعية على تحصيل الموافقة القطعية عند دوران الامر بينهما، بوجهين. فراجع. هذا تمام الكلام في مباحث قاعدتي البراءة والاشتغال ويبقى مبحث واحد في شرائط العمل بالاصول العملية ذكره الاعلام بعنوان الخاتمة (1).


(1) كما في كفاية الاصول / 374، وفوائد الاصول 4 / 264، ومصباح الاصول 1 / 488، ونهاية الافكار 3 / 461 القسم الثاني وفرائد الاصول / 298. (*)

[ 317 ]

" خاتمة: في شرائط الاصول " والكلام يقع في مقامات: المقام الاول: في الاحتياط. وقد ذكر صاحب الكفاية - تبعا لمن تقدمه وتبعه من تأخر عنه -: انه لا يعتبر في حسن الاحتياط شئ أصلا، بل هو حسن على كل حال بلا تفاوت بين الموارد ولا استثناء. نعم إذا كان مستلزما لاختلال النظام لم يكن حسنا، ولعل منه الاحتياط في باب الطهارة والنجاسة لندرة حصول العلم الجزمي بالطهارة فيما هو محل الابتلاء من المأكول والملبوس ونحوهما (1). ثم انه وقع الكلام في الاحتياط في العبادات مع التمكن من العلم لا من جهة حسنه كبرويا، بل من جهة الاشكال في تحققه صغرويا فيها. فالاشكال في الاحتياط في العبادة صغروي لا كبروي. وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في اواخر مباحث القطع (2).


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 374 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) راجع 4 / 127 من هذا الكتاب. (*)

[ 318 ]

ونتكلم الان فيما أفاده المحقق النائيني (رحمه الله) من الاشكال في الاحتياط، وما يدور حوله من كلام ونقض وإبرام. فقد تعرض (قدس سره) أولا لبيان شبهة تحوم حول الاحتياط في العبادة، وهي: شبهة لزوم قصد الوجه في العبادة، ومع الاتيان بالعبادة بعنوان الاحتياط لا يتحقق قصد الوجه فيختل العمل، فلابد من الفحص وتحصيل العلم ليتحقق قصد الوجه لانه يتوقف على العلم بوجه الامر من وجوب أو استحباب. ودفعها: أولا: بالقطع بعدم دخل قصد الوجه في تحقق الامتثال والطاعة، بل يكفي مجرد العلم بالامر وقصده بلا لزوم قصد وجهه من وجوب أو استحباب. وثانيا: بانه لا اثر لاعتبار قصد الوجه في الاخبار التي بأيدينا، مع انها من الامور العامة البلوى، مع غفلة عموم الناس عن دخله في العبادية، وليست من الامور الارتكازية عند العموم كي يصح للشارع الاعتماد على ارتكاز العامة، فلو كان معتبرا للزم تنبيه الشارع وتأكيده عليه، فحيث لم يثبت ذلك أصلا كان ذلك دليلا على عدم اعتباره. ثم ذكر: انه لو تنزل عن دعوى القطع بعدم اعتبار قصد الوجه، فلا أقل من الشك فيه، فتجري أصالة البراءة فيه، لانه مما يمكن اخذه في متعلق الامر بنحو نتيجة التقييد، فيكون اعتباره بيد الشارع، فيصح اجراء البراءة فيه. خلافا للشيخ حيث التزم بالاشتغال مع الشك بدعوى انه ليس من قيود متعلق الامر (1). ودعوى احتمال دخل قصد الوجه في حصول الطاعة عقلا، بحيث لا تتحقق بدونه.


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 268 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 319 ]

تندفع: بانه ليس من وظيفة العقل اعتبار شئ في حسن الطاعة والامتثال، بل هو وظيفة الشارع، والمرجع عند الشك فيه هو البراءة. وبعد ان تعرض لما عرفت ذكر: انه يعتبر في حسن الاحتياط عقلا عدم التمكن من إزالة الشبهة. بتقريب: ان مراتب الامتثال عقلا أربعة: الاولى: الامتثال التفصيلي. الثانية: الامتثال الاجمالي. الثالثة: الامتثال الظني. الرابعة: الامتثال الاحتمالي. وهذه المراتب مترتبة عقلا، فلا يجوز الانتقال الى المرتبة اللاحقة إلا بعد تعذر المرتبة السابقة. وقد علل تقدم المرتبة الاولى: بان المعتبر في العبادة قصد الاطاعة، وهي كون ارادة العبد تابعة لارادة المولى وانبعاث العبد عن بعث المولى، وهذا يتوقف على العلم بالامر، والانبعاث عن الامر المحتمل ليس انبعاثا عن الامر حقيقة. نعم الانبعاث عن البعث المحتمل مرتبة من العبودية ونحو من الطاعة، لكن لا يكون حسنا إلا عند عدم التمكن من الانبعاث عن الامر المعلوم. وذكر بعد ذلك: انه على تقدير الشك في ذلك وانتهاء الامر الى الاصول العملية، فالمرجع قاعدة الاشتغال لا البراءة، لان الامر يدور بين التعيين والتخيير، والاصل يقتضي التعيين، ولا جامع بين الامتثال التفصيلي والاحتمالي كي يجري فيه حكم الشك بين الاقل والاكثر، بل حكم الشك فيه حكم الشك بين المتباينين. ولاجل التزامه بتقدم رتبة الامتثال التفصيلي على الامتثال الاحتمالي، ذهب الى: انه في مورد توقف الاحتياط على التكرار إذا قامت الحجة الشرعية المعتبرة على تعيين الواجب في أحد المحتملين، فطريقة الاحتياط ان يأتي أولا بما قامت عليه الحجة ثم يأتي بالمحتمل الاخر، ولا يجوز له العكس، لانه مع التمكن من الامتثال التفصيلي بواسطة الحجة لا يحسن له الامتثال الاحتمالي. كما علله بوجه آخر، وهو: ان مؤدى دليل اعتبار الامارة هو الغاء احتمال

[ 320 ]

الخلاف، والاتيان بالمحتمل الاخر أولا بداعي الامر المحتمل ينافي ذلك، لانه اعتناء باحتمال الخلاف. هذا ملخص ما أفاده (قدس سره) في هذا المقام (1). ولابد من تنقيح جهات عديدة في كلامه: إحداها: الفرق بين الامتثال التفصيلي وقصد الوجه، حيث نفى دخالة العقل في الحكم باعتبار قصد الوجه في الطاعة وانه من وظائف الشارع، مع التزامه بحكم العقل باعتبار الامتثال التفصيلي في الطاعة، لانه إذا فرض ان تشخيص ما يعتبر في الطاعة بيد الشارع فكيف انعكس الامر في الامتثال التفصيلي ؟ !. الثانية: حكمه بالاشتغال مع وصول النوبة للشك في اعتبار الامتثال التفصيلي لاجل دوران الامر بين التعيين والتخيير، إذ قد يورد عليه: بان الجامع بين الامتثال التفصيلي والاحتمالي موجود وهو طبيعي الامتثال، والشك في خصوصية زائدة، فالمرجع هو البراءة. الثالثة: ما ذكره من لزوم تقديم المحتمل الذي قامت عليه الحجة الشرعية على المحتمل الاخر وعدم جواز العكس، فانه فيه شبهة، بل المقرر نفسه توقف فيه. وتحقيق الكلام في ذلك يقتضي أولا بيان مراد المحقق النائيني ودليله، فان ما جاء في التقريرات في مقام بيان مراده أشبه بالدعوى المصادرة التي لم يذكر لها دليل، ولعل كثيرا من الايرادات عليه ناشئ من عدم تشخيص مراده كما سيتضح إن شاء الله تعالى. فنقول: قد تكرر في الكلمات أخذ داعي الامر في العبادة، وانه يعتبر فيها الاتيان بها بداعي الامر. وهذا التعبير لا يخلو عن مسامحة، وذلك لان الداعي


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 269 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 321 ]

هو ما يترتب على الشئ بحيث يكون بوجوده الخارجي معلولا للشئ، وبوجوده التصوري علة وسابقا على الشئ. ومن الواضح ان الامر ليس مما يترتب على العمل، بل هو سابق بوجوده على العمل، ويكون سببا للتحرك نحو متعلقه. فالذي يراد من ذلك ليس هذا المعنى، بل المراد دخل قصد الاطاعة في العبادية، بمعنى انه يعتبر ان يؤتى بالعمل بداعي إطاعة الامر وموافقته، فانها مما تترتب على العمل. ولا يخفى عليك ان الطاعة عبارة عن موافقة ارادة المكلف لارادة المولى والتحرك بتحريكه، كما يقال هذا طوع ارادته بمعنى ارتباط ارادته بارادته وطواعيته له. وقصد الطاعة بهذا المعنى مما يتوقف على العلم بالامر، فانه في فرض العلم يمكن صدور العمل بداعي الموافقة والمطاوعة لارادة المولى، أما مع عدم العلم بالامر ومجرد الاحتمال، فلا يمكن ان يصدر العمل بداعي الاطاعة، لان الامر غير معلوم فكيف يقصد تحقق اطاعته ؟، إذ هو لا يعلم بتحقق موضوعها. وقصد احتمال الامر غير معقول كقصد الامر، لانه سابق في الوجود على نفس العمل. نعم هو يقصد الموافقة احتمالا، نظير سائر موارد الدواعي العقلائية غير المقطوع حصولها كشرب الدواء للاستشفاء، وفتح الدكان للربح. ومرجع القصد في مثل ذلك الى قصد الاتيان بما يكون معرضا لحصول الغاية. وبالجملة: المقصود في مورد احتمال الامر ليس هو الطاعة، بل التعرض للطاعة والتهيؤ لها بالعمل. فإذا فرض اعتبار الطاعة لم يصح الاتيان مع الاحتمال عند التمكن من العلم وتحصيل الشرط. نعم مع عدم التمكن من العلم، يكتفى بقصد الموافقة احتمالا لاجل قيام الاجماع والتسالم - بل النص (1) - على تحقق العبادة بالقصد الاحتمالي، وان لم ينطبق عليه عنوان الطاعة.


(1) كإخبار من بلغ وسائل الشيعة 1 / 59. باب: 18. (*)

[ 322 ]

هذا غاية ما يمكن ان يقرب به مختار المحقق النائيني، وبه يتضح الفرق بين اعتبار الامتثال التفصيلي واعتبار قصد الوجه. فان اعتبار قصد الوجه - على تقديره - ليس لاجل تقوم مفهوم الطاعة به، وانما هو خصوصية زائدة تعتبر في المأمور به، وقد ثبت جزما عدم اعتبارها - كما تقدم -. أما الامتثال التفصيلي، فاعتباره من جهة تقوم مفهوم الاطاعة به، والمفروض اعتبار الاطاعة في العبادة بلا كلام. كما انه ليس من جهة دخله في حسن الطاعة، كي يرد عليه ما أورده على قصد الوجه من عدم دخل العقل في ذلك، بل من جهة دخله في أصل تحققها، وهو أمر عقلي. كما ظهر الوجه في اختيار اجراء الاشتغال لو وصلت النوبة الى مرحلة الشك. وذلك إما من جهة ان الشك يرجع الى تحقق الاطاعة المعتبرة في العبادة بغير الامتثال التفصيلي، فيكون من الشك في المحصل، وهو مجرى الاشتغال. واما من جهة ما أفاده (قدس سره) من ان الشك يرجع الى الشك في التعيين والتخيير لعدم الجامع بين الامتثال التفصيلي وغيره، إذ عرفت بالبيان السابق ان الامتثال الاحتمالي ليس من مصاديق الاطاعة، فاعتباره لو فرض يكون في عرض اعتبار الامتثال التفصيلي، فيدور الامر عند الشك بين تعيين الامتثال التفصيلي وعند التخيير بينه وبين غيره. والاصل في مثل ذلك يقتضي التعيين. وبذلك يختلف عن قصد الوجه، إذ الشك فيه يرجع الى الشك في اعتبار خصوصية زائدة في المأمور به وهو مجرى البراءة - على مختاره -. وأما تعبيره (قدس سره): بان الامتثال الاحتمالي مرتبة من مراتب الاطاعة، فلا يريد به انه اطاعة حقيقة، بل مسامحة، نظير قول القائل: " النصف الاكبر للشئ " مع ان أحد النصفين لا يمكن ان يكون أكبر من النصف الاخر،

[ 323 ]

فهو يريد انه يكتفي به في مقام العبادية عند تعذر الامتثال التفصيلي. وعلى هذا فلا يصلح قوله المزبور سندا للاشكال عليه: بان المورد ليس من موارد الشك في التعيين والتخيير، لوجود الجامع بين الامتثالين كما صرح به (قدس سره)، نظير سائر الطبائع التي تصدق على أفرادها بالتشكيك. فالتفت ولا تغفل. هذا غاية توضيح ما اختاره المحقق النائيني (رحمه الله) بنحو يدفع عنه كثير من الايرادات الناشئة من عدم تشخيص مراده. وقد يورد عليه بوجوه: الاول: ان اساس ما أفاده هو اعتبار قصد الاطاعة في العبادة، وهو مما لا دليل عليه ولا ملزم به، بل الامر المعتبر في العبادة هو الاتيان بالعمل المأمور به بقصد القربة، وهو يتحقق بالامتثال الاحتمالي لانه انقياد فيتحقق به التقرب. وفيه: ان قصد التقرب أو القربة لا يصلح ان يكون مأخوذا في العبادة، لان التقرب لا يمكن ان يكون داعيا الى نفس العمل، لانه لا يترتب على ذات العمل، لان ذات العمل لا يكون مقربا كي يؤتى به بداعي القربة، بل المقرب هو العمل المأتي به بداعي الموافقة ونحوها من الدواعي الموجبة للقرب. فقصد القربة يكون داعيا للداعي لا انه داع لنفس العمل. نعم لو أريد من قصد القربة الداعي الموجب للقربة، فيلتزم بان المعتبر في العبادة الاتيان بها بداع مقرب، بمعنى انه يتحقق بسببه التقرب، لا أن الداعي نفس التقرب. لو التزم بذلك لم يرد عليه ما تقدم. لكن هذا مما لا يلتزم به المخالفون للمحقق النائيني (رحمه الله)، لان مقتضاه ان المرجع عند الشك في تحقق القربة بشئ هو الاشتغال، لان الشك في المحصل، كما لو شك في ان الامتثال الاحتمالي موجب للقربة أولا ؟. مع ان بناءهم على اجراء البراءة في مثل ذلك مما يكشف

[ 324 ]

عن عدم أخذهم الداعي المقرب في المأمور به. الثاني: ان اساس ما أفاده (قدس سره) على اعتبار قصد الطاعة بنحو الداعي في العبادة، وهو مما لا ملزم به، لعدم تقوم مفهوم الاطاعة بذلك، بل الاطاعة تتحقق بالاتيان بالمأمور به عن قصد واختيار. وهو كما يتحقق مع العلم بالامر كذلك يتحقق مع احتماله والاتيان بالعمل الموافق على تقدير ثبوت الامر. فانه مع احتمال تحقق المسبب عند حصول السبب إذا التفت الفاعل الى هذه الجهة وصدر منه السبب يكون وقوع المسبب اختياريا، نظير ما إذا رمى زيدا بسهم وهو يحتمل انه يصيبه، فان اصابته تكون قصدية - على تقدير تحققها - ويترتب عليها آثار العمل الاختياري. ففيما نحن فيه مع احتمال ترتب الموافقة على العمل لاجل احتمال الامر، إذا جاء المكلف بالعمل قاصدا للموافقة على تقدير الامر، فصادف تحقق الامر، كانت الموافقة اختيارية فيتحقق ما هو المعتبر في المأمور به - وهو الاطاعة - اختيارا. وفيه: انه ليس المعتبر تحقق الاطاعة عن قصد واختيار فقط، بل المعتبر تحقق الاطاعة بنحو تكون داعيا للعمل ليتحقق التقرب، لوضوح بطلان العمل مع الموافقة الاختيارية بداع دنيوي كالرياء مثلا، وهو ثابت بالضرورة. فيكشف عن اعتبار الاطاعة بنحو الداعي. وقد عرفت عدم صلاحيتها للدعوة إلا في مورد العلم بالامر. الثالث: ما أفاده المحقق الاصفهاني (رحمه الله) من ان الاتيان بالعمل بداعي الامر المحتمل يوجب التقرب، لانه انقياد، بل حسنه اكثر من حسن الانقياد للامر المعلوم. بنظر العرف والعقلاء (1).


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 305 - الطبعة الاولى. (*)

[ 325 ]

وفيه: أولا: ما سبق تحقيقه من ان الانقياد وان كان حسنا، لكنه ليس من العناوين المنطبقة على الفعل بحيث توجب صيرورة الفعل حسنا، بل حسنه وتحقق التقرب به من جهة كشفه عن الحسن الفاعلي، فهو نظير التجري الذي يلتزم بانه لا يسرى قبحه الى الفعل لانه ليس من عناوينه، بل هو قبيح من جهة القبح الفاعلي، وهو كون الشخص بصدد الطغيان وهتك المولى. فما أفاده من حسن الانقياد، بل أهميته من الاطاعة، أمر مسلم لكن لم يثبت انه لاجل خصوصية في الفعل، بل انما هو لخصوصية في الفاعل. وثانيا: انه إذا فرض كون الاطاعة معتبرة في العبادة، وعرفت ان الاتيان بالفعل بداعي الامر المحتمل لا يمكن ان يؤتى به بقصد الاطاعة، لم ينفع فرض الفعل بالانقياد حسنا، إذ التوقف فيه ليس من جهة حسنه، بل من جهة فقدانه لما يعتبر في المأمور به. وإجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج الى دليل. الرابع: ما ذكره المحقق الاصفهاني (رحمه الله) أيضا من ان القائل نفسه قد اعترف بحسن الانقياد والاطاعة الاحتمالية. غاية الامر انه قيد ذلك بصورة عدم التمكن من الاطاعة التفصيلية. ومن الواضح ان الشئ إذا كان حسنا بذاته لا يمكن ان يزول حسنه إلا بعروض عنوان قبيح عليه. كالضرر في الصدق الذي يكون في نفسه حسنا ومقتضيا للحسن. ومن الواضح انه ليس التمكن من الامتثال التفصيلي من العناوين الموجبة للقبح كي تستلزم زوال حسن الانقياد، فيكون الانقياد حسنا في كلتا الصورتين. هذا ما أفاده (قدس سره) بتلخيص (1). وفيه: انه مع الغض عما سنذكره في مناقشة المحقق النائيني (رحمه الله)،


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 304 - الطبعة الاولى. (*)

[ 326 ]

يمكن التقضي عن هذا الاشكال بدعوى دخالة عدم التمكن من الاطاعة التفصيلية في حسن الاطاعة الاحتمالية، لا ان التمكن مانع، بل يكون اقتضاؤها للحسن قاصرا في صورة التمكن بان نقول: انه في موارد استلزام الاحتياط للتكرار، بما ان كل عمل لا يمكن ان يصدر بداعي الموافقة لعدم العلم بترتبها عليه، فلا محالة يصدر عن داعيين أحدهما دنيوي والاخر الهي - كما اوضحناه سابقا في مبحث القطع، ونشير إليه عن قريب في مناقشة النائيني - فيحصل التشريك في الداعي. ومن الواضح ان التشريك لا يحسن من التمكن من انحصار داعي العمل بداع إلهي كما في مورد العلم بالامر. نعم مع عدم التمكن تحسن الاطاعة الاحتمالية ولو كان لها شريك في مقام الداعوية. لانها أولى من ترك الاطاعة بالمرة، وقد قامت الضرورة الفقهية والاجماع على الاكتفاء بها. فتدبر جيدا. الخامس: ما ذكره المحقق العراقي (قدس سره) - وتبعه عليه السيد الحكيم (رحمه الله) في المستمسك (1) - من ان الفعل في مورد الاحتمال يؤتى به بداعي امتثال الامر المحتمل، فالمقصود هو امتثال الامر في كلتا صورتي العلم والاحتمال، وليس الداعي هو احتمال الامر ونحوه (2). وانت خبير: بانه عند احتمال الامر يمتنع قصد الاطاعة لعدم العلم بتحققها، كما بيناه في توضيح مراد النائيني (رحمه الله)، وعرفت ان المأخوذ في المأمور به هو الاطاعة. فانتبه. ونتيجة ما تقدم: أن ما وجه على المحقق النائيني بعد بيان كلامه بما عرفت غير وارد عليه.


(1) الحكيم الفقيه السيد محسن. مستمسك العروة الوثقى 1 / 8 - الطبعة الاولى. (2) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 463 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 327 ]

والعمدة في الايراد عليه أن يقال: ان المعتبر في العبادة أمران: أحدهما الاطاعة والاخر الاتيان بها بنحو عبادي من طريق قصد الاطاعة. وكلاهما متحقق في مورد الاحتمال، وذلك بالاتيان بالعمل بداعي الموافقة على تقدير تعلق الامر به. وتوضيح ذلك: ان كلا من العملين المحتمل تعلق الامر به في مورد العلم الاجمالي يترتب عليه عنوان الموافقة على تقدير، لان هذا المعنى - اعني: الموافقة على تقدير الامر - ذو ثبوت حقيقي واقعي، نظير الحكم التعليقي الثابت على تقدير المعلق عليه، كالحرمة المعلقة على الغليان، فانها حكم على تقدير ولها نحو ثبوت، ولذا تكون مجرى الاستصحاب وغيره من الاثار. ويمكن ان نعبر عن ذلك بالملازمة بين المعلق والمعلق عليه. فالفعل الذي يحتمل تعلق الامر به يترتب على اتيانه - والموافقة على تقدير الامر -. وبتعبير آخر: الملازمة بين الموافقة والامر. وهذا مما لا تحقق له قبل العمل، إذ بدون العمل لا يترتب هذا المعنى، فلا يحكم بتحقق الموافقة على تقدير الامر. وإذا فرض ترتب هذا العنوان عليه صح الاتيان به بداعي حصول هذا العنوان، وترتبه عليه متيقن لا شك فيه. وانما المشكوك هو الموافقة الواقعية الخارجية التنجيزية، وهي غير مقصودة بنحو الداعي، بل الداعي هو الموافقة التقديرية، والاتيان بالعمل بداعي الموافقة على تقدير الامر موجب للتقرب والعبادية، فإذا صادف الفعل الواقع وكان متعلقا للامر واقعا، تحققت الاطاعة والموافقة الواقعية. فيتحقق كلام الامرين المعتبرين في العبادة، فلا اخلال بقصد الاطاعة المعتبر في العبادة بهذا البيان. وبهذا البيان يندفع ما تقدم منا في مباحث القطع في مقام المنع عن الامتثال الاحتمالي المقتضي للتكرار من: ان كلا من العملين بما انه لا يعلم بتعلق الامر به، فالجمع بينهما لا بد ان ينشأ من داعيين أحدهما موافقة الامر والاخر داع

[ 328 ]

دنيوي، كالتخلص من التعب في تحصيل العلم. ونسبة كلا الداعيين الى كل من الفعلين على حد سواء، ولا يتعين الداعي الالهي لما هو الموافق للامر واقعا. فيكون كل من الفعلين صادرا عن داعيين فيتحقق التشريك في الداعي، ويبطل العمل. وجه الاندفاع: ان الملتزم به ليس هو صدور الفعل عن داعي الموافقة الواقعية كي يمتنع ان تكون داعيا إلا بنحو التشريك، بل هو صدوره بداعي الموافقة على تقدير، وهي كما عرفت مما تترتب على كل من العملين جزما، فلا تشريك في الداعي. كما اتضح ايضا اندفاع ما أوردناه سابقا على دعوى امكان الاتيان بالعمل بداعي موافقة الامر على تقدير ثبوته، فعلى تقدير ثبوت الامر يكون قد أتى بالعمل بداعي الموافقة، لان حصول المقدر عليه يقتضي حصول المقدر. فقد أوردنا عليه: ان الارادة التنجيزية يمتنع ان تصدر عن مجرد الموافقة على تقدير الامر، إذ من المحتمل ان لا يحصل التقدير، والحال ان الارادة حاصلة، فلابد ان تتحقق بلحاظ كلا تقديري الفعل، والداعي يختلف باختلاف التقديرين، فيصدر الفعل عن داعيين، فيلزم التشريك في الداعي. ووجه اندفاعه بما ذكرناه هنا: ان الداعي ليس هو الموافقة الواقعية التنجيزية كي يقال انها لا تحقق لها إلا على تقدير دون آخر، بل الداعي هو الموافقة على تقدير بهذا العنوان - وبمفاد الحكم التعليقي -، وهذه مما تترتب على العمل جزما بلا تردد. فتدبر والتفت. هذا تمام الكلام في العمل بالاحتياط. وقد ظهر انه حسن عقلا وشرعا، ولا يعتبر في حسنه شئ سوى عدم اختلال النظام.

[ 329 ]

المقام الثاني: في العمل بالبراءة. وقد قيل: انه يعتبر في اجرائها الفحص. والكلام تارة في اجراء البراءة في الشبهة الموضوعية واخرى في اجرائها في الشبهة الحكمية. أما البراءة في الشبهة الموضوعية: فقد قيل بعدم اعتبار الفحص في اجرائها بل يجوز اجراؤها بدون فحص. وتحقيق ذلك يستدعي الكلام في جهتين: الاولى: في البراءة العقلية بملاك قبح العقاب بلا بيان. الثانية: في البراءة الشرعية. أما البراءة العقلية: فالكلام في اعتبار الفحص في جريانها يتفرع عن أصل الالتزام بجريانها في الشبهة الموضوعية، إذ قد تقدم بيان شبهة عدم جريان قبح العقاب بلا بيان في الشبهة الموضوعية، وقد تقدم منا دفع تلك الشبهة تبعا للمحقق النائيني (رحمه الله). ولكن في النفس منه شئ، فلابد من تحقيق ذلك قبل تحقيق اعتبار الفحص وعدمه. فقول: انه قد عرفت سابقا الاشكال في أصل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل انكار القاعدة بقول مطلق. وعلى تقدير الالتزام بتمامية هذه القاعدة يقع الاشكال في جريانها في موارد الشبهة الموضوعية، ولوضوح الاشكال في ذلك لابد من الاشارة الى محتملات مفاد العمومات بلحاظ افراد الموضوع. بيان ذلك: ان العام الذي يتكفل اثبات الحكم على الموضوع العام نظير: " اكرام كل عالم ". تارة: يلتزم بان حجيته في مدلوله منوطة بوجود الموضوع، فكل فرد يوجد من افراد الموضوع يكون العام حجة في ثبوت الحكم له عند وجوده، وعلى هذا

[ 330 ]

الاحتمال تكون أصالة العموم منحلة الى حجج متعددة تدريجية بعدد ما يوجد من افراد الموضوع تدريجا. والى هذا الاحتمال يشير التعبير المألوف عند وجود احد افراد الموضوع وتكونه، بأنه صار الان مشمولا للعام وان العام شمله فعلا. وأخرى: يلتزم بان حجيته في مدلوله فعلية لا تناط بوجود الموضوع، بل قد يكون حجة ولا موضوع له اصلا، وانما يكون وجود الموضوع منشئا لحصول الاثر العملي بانضمامه الى العموم. وهذا الاحتمال هو الصحيح، ويساعد عليه الارتكاز والسيرة على الالتزام بتخصيص العام وحجيته في الباقي ونحو ذلك، والالتزام بالاحتمال الاول يستلزم الالتزام بطريقة جديدة في احكام العموم والخصوص وتأسيس أسلوب جديد في ذلك. والالتزام بالاحتمال الثاني.. تارة: بدعوى ان مفاد العموم ليس إلا الملازمة بين الحكم والموضوع، فمفاده قضية شرطية، وهي كما قيل لا يتوقف صدقها على صدق طرفيها، فهو حجة في الملازمة ولو لم يكن موضوع. نعم إذا وجد الموضوع يتحقق الاثر العملي لثبوت الحكم بثبوته. وأخرى: بدعوى ان مفاده الحكم على تقدير الموضوع، وهو... تارة: يراد به انشاء الحكم على تقدير فعلا، بحيث يكون له وجود فعلي من حين الانشاء، لكن الموجود فعلا هو الحصة الخاصة من الوجوب، وهي الوجوب على تقدير، إذ الوجوب مفهوم عام يقبل التقييد وينشأ المفهوم المقيد خاصة، فيكون للحكم وجود فعلي قبل وجود موضوعه، نعم وجود موضوعه. يكون منشئا للاثار العملية من الداعوية أو وجوب الاطاعة. ولعل هذا يستفاد من كلمات المحقق العراقي الذي يلتزم بان ظرف فعلية الحكم ظرف الانشاء

[ 331 ]

والجعل نفسه، وانما وجود الموضوع ظرف فاعلية الحكم (1). وأخرى: يراد به انشاء الحكم الفعلي في ظرف وجود الموضوع، فلا يكون الحكم فعليا، إلا عند وجود الموضوع، والعام يكون حجة فيه من الاول وقبل وجود الموضوع. فيلاحظ ثبوت الحكم عند حصول الموضوع وينشأ بواسطة العموم فيكون حجة في الحكم من حينه. فظهر ان محتملات العام أربعة. إذا عرفت ذلك. فاعلم: انه بناء على الاحتمال الاول يكون إجراء قاعدة قبح العقاب بلا بيان في مورد الشبهة الموضوعية واضحا، لانه مع الشك في الموضوع يشك في قيام الحجة على الحكم في مورده، لان المفروض ان الحجية منوطة بوجود الموضوع، ولا يكون العام حجة في الحكم إلا عند وجود الموضوع، فمع الشك في تحقق الموضوع يشك في ثبوت الحجة على الحكم فيه، والشك في الحجية مستلزم للقطع بعدمها - كما قيل -. إذن فلا حجة على الحكم في مورد الشك في الموضوع، فيتحقق موضوع القاعدة وتثبت البراءة العقلية. وهكذا الحال بناء على الاحتمال الثاني - وهو كون العام متكفلا لبيان الملازمة بين الحكم والموضوع لا اكثر، من دون تعرض لثبوت الحكم ولا لثبوت الموضوع -، وذلك لان العام لا يكون حجة على الحكم عند وجود الموضوع، بل هو حجة على الملازمة لا اكثر، وبواسطة العلم بالملازمة يتحقق العلم بالحكم عند حصول الموضوع، فالحجة على الحكم هو العلم به بواسطة العلم بالملازمة. ومع الشك في الموضوع لا علم بالحكم، فلا حجة عليه، فيكون المورد من موارد عدم البيان. وأما على الاحتمالين الاخرين، فيمتنع جريان القاعدة، وذلك لان


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 69 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 332 ]

المفروض ان العام حجة على الحكم الشرعي مع قطع النظر عن وجود الموضوع، ووجود الموضوع انما هو دخيل في ترتب الاثر العملي. فمع العلم بالموضوع يكون الحجة على الحكم هو نفس العموم من الاول. وعليه، فمع الشك في وجود الموضوع لا يشك في قيام الحجة على الحكم كي يكون مستلزما للقطع بعدمها فيتحقق موضوع البراءة العقلية - كما هو الحال على الاحتمالين الاولين -، بل يشك في انطباق ما قامت عليه الحجة على المورد، ومثل ذلك لا يكون موردا للبراءة العقلية، بل هو مورد للاشتغال تحصيلا للعلم بالفراغ عما قامت عليه الحجة، نظير مورد العلم الاجمالي، فان كل طرف من اطرافه مما يشك في كونه مما قامت عليه الحجة وهو العلم. ولذا لا يكون مجرى للبراءة عقلا. فلاحظ وتدبر. والى روح هذا الاشكال أشار المقرر الكاظمي (رحمه الله) - وإن كنا لا نجزم بانه ملتفت الى خصوصيته الدقيقة -، فقد ذكر في تقريب الاشكال على البراءة العقلية في الشبهة الموضوعية: بانه ليس الشك في قيام الحجة كبرويا. بل الشك في صغرى ما قامت عليه الحجة الى الشك في الانطباق. ولكنه أجاب عنه بما لا يخلو عن خدش، فانه ذكر في مقام الجواب: ان الحجية تتقوم بأمرين: العلم بالكبرى والعلم بالصغرى. وذلك لان الحكم القابل للتنجيز هو الحكم الفعلي، وهو متقوم بأمرين أصل الجعل ووجود الموضوع خارجا، فبدون العلم بوجود الموضوع لا يعلم بالحكم الفعلي فلا حجة عليه. وقد تقدم منا بيان كلامه بنحو التفصيل. وأنت خبير: بان ما أفاده لا يدفع به الاشكال، إذ المستشكل لا يختلف معه في ان الحكم القابل للتنجيز هو الحكم الفعلي دون غيره، وان الحكم الفعلي منوط بوجود الموضوع - كما هو الاحتمال الرابع -، لكنه يرى ان الحجة على الحكم الفعلي في ظرفه هو نفس العموم بلا ضميمة شئ آخر، فكان ينبغي في

[ 333 ]

مقام الرد أن يرد بان الحجة ليس هو خصوص العموم، بل بضميمة العلم بالموضوع، فمع عدمه لا حجة على الحكم. لا أن يرد بان موضوع الحجية هو الحكم الفعلي، وهو منوط بوجود الموضوع. فانه لا يدفع الاشكال بحال. وجملة القول على هذين الاحتمالين في باب حجية العموم يكون منع جريان القاعدة متجها، لما عرفت من ان العموم حجة في الحكم الفعلي مع قطع النظر عن فعلية وجود الموضوع، فيكون الشك في الموضوع شكا في انطباق ما قامت عليه الحجة لا في أصل قيام الحجة، وهو مورد قاعدة الاشتغال - كما عرفت -، نظير كل طرف من أطراف العلم الاجمالي. وقد عرفت ان الاحتمال الاول من الاحتمالات الاربعة غير صحيح، وان تعارف على الالسن من التعبير ما يتلاءم معه، لانه خلاف المرتكز. ويلحق به الاحتمال الثاني. لان جعل الملازمة غير معقول، بل المجعول هو نفس الحكم الشرعي، كما سيتضح في مبحث الاحكام الوضعية. فيكون الامر دائرا بين الاحتمالين الاخيرين، وقد عرفت امتناع جريان البراءة العقلية بناء عليهما. وعلى هذا الاساس نستطيع أن نقول: بمنع جريان البراءة العقلية في الشبهة الموضوعية. ومعه يرتفع موضوع البحث عن اعتبار الفحص عن جريانها وعدمه. نعم لا بأس بالبحث عنه تنزلا، فيكون البحث عن لزوم الفحص فرض في فرض في فرض، فانتبه. وكيف كان، فالوجه في عدم وجوب الفحص عن قيام الحجة على الموضوع، هو ما سبق في مبحث تأسيس الاصل في باب الحجية من: ان الشك في الحجية يستلزم القطع بعدمها لتقوم الحجية بالوصول، فمع الشك في قيام الحجة على كون زيد عالما - مثلا - يقطع بعدم الحجة عليه، فيتحقق موضوع البراءة

[ 334 ]

عقلا وهو عدم البيان، بلا توقف على الفحص. لكن هذا الوجه لا يمكن ان يلتزم به من يرى ان الحجة إذا كانت في معرض الوصول، كفى ذلك في حجيتها وصحة الاحتجاج بها - كما تقدم ايضاحه في مبحث تأسيس الاصل -. وعلى هذا الاساس بنى لزوم الفحص في موارد الشبهات الحكمية. وذلك، لانه لا فرق حينئذ بين الشبهات الموضوعية والحكمية. فإذا كانت الحجة على الموضوع في معرض الوصول بحيث يظفر بها عند الفحص عنها كفى ذلك في حجيتها. وعليه، فمع احتمال قيام الحجة على الموضوع في مورد الشك والظفر بها لو تفحص عنها يحتمل ان يكون المورد من موارد قيام الحجة، فلا يجزم بعدم البيان قبل الفحص، فلا يمكنه اجراء البراءة بدون الفحص، لان الشبهة مصداقية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. وهكذا الحال لو احتمل تحصيل العلم بالموضوع بالفحص - مع جزمه بعدم وجود حجة شرعية معتبرة أصلا -، فان العلم وان كانت حجيته بحصوله، وليس حجة إذا كان في معرض التحقق بدون أن يحصل ويتحقق، فقبل العلم لا حجة جزما. لكن نقول: كما انه يكفي في الحجية كون الحجة في معرض الوصول، كذلك يكفي في تنجيز الحكم عقلا وصحة المؤاخذة عليه كونه في معرض الوصول، فلا يحكم العقل بقبح العقاب عند مخالفه الحكم إذا كان الحكم في معرض الوصول أو كانت الحجة عليه في معرض الوصول. وعليه، فمع احتمال تحصيل العلم بالموضوع والحكم، لا يقين بتحقق موضوع القاعدة، فلا يمكن تطبيقها لان الشبهة مصداقية. وبالجملة: فمع احتمال تحصيل العلم أو قيام الحجة لا يمكن اجراء البراءة العقلية، بل لابد من الفحص وإزالة هذ الاحتمال.

[ 335 ]

نعم من يرى ان الحجية تتقوم بالوصول وانه لا أثر لمعرضية الوصول للحجة أو الحكم، له ان يجري البراءة العقلية قبل الفحص. ولا يخفى عليك ان تحقيق أحد الوجهين في ذلك لا يقوم على أساس البرهان، بل على اساس الوجدان وما يراه العاقل ويدركه إذا راجع وجدانه. فلاحظ. هذا كله في البراءة العقلية. وأما البراءة الشرعية: فالذي يظهر من صاحب الكفاية انها جارية في الشبهة الموضوعية بلا تقييد بصورة الفحص، بل تجري مع عدم الفحص لاطلاق أدلتها بلا مخصص، بل فرض ذلك من المسلمات، كما يظهر ذلك من قوله: " كما هو حالها في الشبهات الموضوعية " (1). وأما الشيخ (رحمه الله)، فقد افاد: ان الشبهة.. إن كانت تحريمية، فلا إشكال ظاهرا في عدم وجوب الفحص، ويدل عليه اطلاق الاخبار، كقوله (ع): " كل شئ لك حلال حتى تعلم انه حرام " (2) وغيره، مع عدم وجود ما يصلح للتقييد. وإن كانت وجوبية، فمقتضى الادلة عدم وجوب الفحص. لكن قد يتراءى ان بناء العقلاء على الفحص في بعض الموارد، كما إذا أمر المولى باحضار علماء البلد أو أطبائها. كما ان بعض الفقهاء يظهر منه وجوب الفحص في موردين: أحدهما: مورد الشك في تحقق الاستطاعة للحج، فانه لا يجوز له أجراء البراءة قبل الفحص لعدم العلم بالوجوب، بل يجب عليه المحاسبة.


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 374 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (2) وسائل الشيعة 12 / 60 حديث: 4. (*)

[ 336 ]

الاخر: مورد العلم ببلوغ الخالص من الفضة المغشوشة النصاب والشك في مقداره، فانه تجب التصفية للعلم بمقدار الفضة الخالصة أو الاحتياط بما يحصل اليقين بالبراءة (1). وقد استشكل الشيخ (رحمه الله) في وجوب الفحص في هذه الموارد، وذكر: ان الامر أشكل في التفرقة بين الشك في بلوغ الخالص النصاب وبين العلم ببلوغه والشك في مقداره حيث حكم بعدم لزوم الفحص في الاول ولزومه في الثاني، مع انهما من واد واحد، لان العلم بأصل النصاب لا ينفع بعد كون الموارد من موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر الاستقلاليين، وثبوت الانحلال فيه لا ينكر، ولذا لا يتوقف في اجراء البراءة قبل الفحص لو دار أمر الدين بين الاقل والاكثر. ثم إنه (قدس سره) بعد ان ذكر ذلك ذكر تفصيلا في وجوب الفحص، ومحصله: انه إذا كان العلم بالموضوع يتوقف غالبا على الفحص بحيث يكون اهمال الفحص واجراء البراءة مستلزما للوقوع في مخالفة التكليف كثيرا، وجب الفحص قبل العمل بالبراءة. وذكر: ان من موارده مثال الاستطاعة، فان العلم بالاستطاعة في أول أزمنة حصولها يتوقف غالبا على الحساب، فيكون تركه واجراء البراءة مستلزما لتأخير الحج عن أول أزمنة الاستطاعة بالنسبة الى غالب الاشخاص، وهو ينافي وجوب الفورية فيه (2). أقول: الاستشهاد بالمثال العرفي على وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية لا يرتبط بما نحن فيه، لان الكلام في البراءة الشرعية لا البراءة


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 309 - الطبعة الاولى. (2) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 310 - الطبعة الاولى. (*)

[ 337 ]

العقلية، فالمثال انما يصلح شاهدا على عدم جريان البراءة العقلية، لا ما إذا صرح المولى نفسه بالبراءة عند الجهل، فانه في مثل ذلك لم يعلم من حالهم لزوم الفحص على العبد بل يتمسك باطلاق كلام المولى ويجري البراءة بلا فحص. نعم لو أوكل المولى عبده الى ما يراه عقله، كان هذا المثال صالحا للاستشهاد على لزوم الفحص. فانتبه. وأما ما أفاده من التفصيل فهو متين، والوجه فيه هو: انه في الموارد التي يتوقف العلم بالموضوع غالبا على الفحص يكون جعل الحكم في مثل ذلك ظاهرا بالملازمة العرفية في لزوم التفحص عن أفراد الموضوع وعدم إيكال الامر الى حصول العلم به من باب الاتفاق، فانه خلاف الظاهر عرفا في مثل هذا المورد، بل يكون جعل الحكم العام مع عدم الالزام بالفحص المستلزم للمخالفة الكثيرة اشبه بتخصيص الاكثر من حيث الاستهجان. لكن تطبيقه على موارد الشك في الاستطاعة فيه منع، لان الامر في باب الاستطاعة ليس كذلك، إذ يغلب العلم بها بلا فحص ولا محاسبة، لمعرفة غالب الكسبة - ذوي الشأن الكبير منهم والصغير - مقدار ارباحهم من السلعة ومقدار مصرفهم، بحيث يعرف مقدار ما يحصله في السنة بنحو التخمين، فليس العلم بالاستطاعة مما يتوقف غالبا على الفحص. وبالجملة: ما أفاده الشيخ (رحمه الله) مسلم كبرويا ممنوع صغرويا، ولعله يشير الى المناقشة الصغروية بقوله في آخر كلامه: " ولكن الشأن في صدق هذه الدعوى ". وقد أضاف المحقق النائيني (رحمه الله) الى هذا التفصيل تفصيلا آخر وهو: انه... تارة: تكون مقدمات العلم حاصلة بحيث لا يحتاج حصول العلم بالموضوع الى أزيد من التوجه والنظر الى تلك المقدمات.

[ 338 ]

واخرى لا تكون المقدمات حاصلة، فتحصيل العلم يحتاج الى تحصيلها والفحص عنها. ففي الصورة الاولى يجب النظر ولا يجوز الاقتحام في الشبهة وجوبية كانت أو تحريمية إلا بعد النظر لعدم صدق الفحص على مجرد النظر وانما يصدق على تمهيد مقدمات العلم وتحصيلها. وعليه، فإذا كان العلم بطلوع الفجر لا يتوقف على أزيد من رفع الرأس والنظر الى الافق فلا يجوز الاكل اعتمادا على استصحاب الليل كما انه لا يجوز شرب المائع المردد بين الخمر والخل إذا كان يتوقف العلم به على مجرد النظر إلى الاناء. نعم يستثنى من ذلك باب الحكم بالطهارة، لظهور الادلة في البناء على عدم الفحص بأي نحو كان بل ظاهر بعض الادلة جواز ارتكاب ما يوجب التشكيك في التنجس، كترطيب البدن حتى يحتمل إذا وجد على بدنه رطوبة ان تكون من الماء لا من البول. ونحو ذلك (1). أقول: الذي يبدو من هذا البيان الذي نقلناه عن تقريرات الكاظمي هو التفرقة بين ما إذا كان الفحص لا مؤونة فيه أصلا وبين ما فيه مؤونة ومشقة، فلو توقف العلم بالفجر على مجرد النظر الى الافق وجب الفحص، أما لو توقف على الصعود من السرداب العميق الى السطح للنظر فلا يجب. ولكن يستبعد جدا ان يكون مراده (قدس سره) ذلك فانه تفصيل بلا وجه ظاهر. بل القريب ان يكون نظره الى التفصيل بين ما كان الموضوع بحسب وعائه المناسب له واضحا وجودا أو عدما، بحيث يتضح لكل أحد إذا طلبه في وعائه المناسب له كالفجر في الافق الصافي الذي لا علة فيه، وكرؤية الهلال


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 302 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 339 ]

إذا كانت شايعة جدا، وبين ما لم يكن الموضوع بهذه المثابة من الوضوح، فالفحص واجب في الاول وان كانت فيه مشقة ومؤونة ولا يجب في الثاني. والوجه فيه: ان الموضوع إذا كان من النحو الاول، يصدق عليه عرفا إنه معلوم وواضح ومعروف فيقال عن الفجر عرفا أنه معلوم. والغاية المأخوذة في موضوع البراءة وان كانت هي العلم الظاهر بدوا في ارادة العلم الدقي الحقيقي، فلا عبرة بالصدق العرفي. إلا انه، بملاحظة هذا الصدق العرفي يكون العلم المأخوذ غاية للاصول منصرفا الى المصداق العرفي منه. فيثبت وجوب الفحص في مثل ذلك حينئذ. هذا تمام الكلام في اجراء البراءة في الشبهة الموضوعية ولزوم الفحص فيها. واما البراءة في الشبهة الحكمية: فقد اتفق الكل على لزوم الفحص قبل اجرائها وعدم جواز العمل بها قبل الفحص وإن كانت أدلتها بحسب الظاهر مطلقة من هذه الجهة. وقد وقع الكلام في الدليل على لزوم الفحص وتقييد اطلاق أدلة البراءة الشرعية به. وقد ذكر لذلك وجوه متعددة: الاول: الاجماع القطعي على اعتبار الفحص في الشبهات الحكمية. ونوقش الاجماع في الكفاية وغيرها بأنها غير صالح للحجية بعد وجود الوجوه الاخرى التي أقيمت على اعتبار الفحص. لاحتمال استناد المجمعين إليها فلا يكون اجماعا تعبديا كاشفا عن قول المعصوم " عليه السلام " (1). الثاني: حكم العقل بلزوم الفحص فيما كان بناء المولى على تبيلغ أحكامه


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 375 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 340 ]

بالطرق المتعارفة العادية. بحيث لا يصل المكلف عادة الى الحكم إلا بعد الفحص. ويكون ترك الفحص موجبا لاستحقاق العقاب على المخالفة. وبما ان بناء الشارع في تبليغ أحكامه على هذه الكيفية، فيلزم الفحص عن الحكم الشرعي عند احتماله في مظان وجوده. ولا يخفى عليك ان هذا الوجه يصلح لانكار جريان البراءة العقلية قبل الفحص، فان العقل لا يحكم بقبح العقاب إذا ترك العبد الفحص عن الاحكام التي بنى المولى على تبليغها بالطرق المتعارفة، بل يحكم بحسن عقابه على تقدير المخالفة. ولكنه لا يصلح لتقييد البراءة الشرعية، وذلك لانه لو فرض تصريح المولى بالخصوص لعبده بانه لا يعاقب على المخالفة إذا كانت عن جهل ولو لم يتصد العبد للفحص، فلا اشكال في عدم حكم العقل بحسن العقاب عند ترك الفحص. ومن الواضح ان اطلاق أدلة البراءة يقوم مقام التنصيص الخاص، لشمول الاطلاق مورد الفحص وعدمه، فيكون رافعا لحكم العقل. فانتبه. الثالث: العلم الاجمالي بثبوت تكاليف في الشريعة وهو لا ينحل الا بالفحص، فالعمل بالبراءة قبل الفحص غير جائز للعلم الاجمالي المنجز المانع من جريان البراءة في أطرافه. وقد ناقشه صاحب الكفاية: بان هذا العلم الاجمالي البدوي منحل - بعد الشروع في الاستنباط - بالعلم بمقدار من التكاليف في ابواب الفقه المتفرقة يحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليها. وحينئذ فيلزم ان لا يجب الفحص في الشبهات الحكمية بعد تحقق الانحلال، مع ان المفروض هو لزوم الفحص في جميع الشبهات بلا استثناء (1).


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 375 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 341 ]

والى هذا الجواب أشار الشيخ (رحمه الله) في كلامه (1). وقد تعرض المحقق النائيني (رحمه الله) الى هذا الوجه، وذكر: بان العلم الاجمالي بثبوت احكام في الشريعة ينحل بعلم اجمالي صغير آخر، وهو العلم الاجمالي بوجود تكاليف واقعية تؤديها الامارت الموجودة في ضمن الكتب التي بأيديدنا، وهي بمقدار يحتمل انطباق ما في الشريعة عليها، فينحل العلم الاجمالي العام بالعلم الاجمالي الخاص، ومقتضى ذلك لزوم الفحص في خصوص ما بايدينا من الكتب لا ازيد وقد بنى بهذا الوجه على لزوم الفحص في الكتب التي بايدينا الذي هو المدعى. ثم انه تعرض الى مناقشة في العلم الاجمالي الصغير: بانه لا يستدعي الفحص في مطلق الشبهات، لان العلم الاجمالي المزبور ينحل باستعلام جملة من الاحكام يحتمل انحصار المعلوم بالاجمال فيها. فيكون هذا الوجه أخص من المدعى. ودفع هذه المناقشة بانكار الانحلال باستعلام جملة من الاحكام بالنحو المزبور، ببيان: ان الانحلال انما يتحقق إذا كان متعلق العلم الاجمالي مرددا من أول الامر بين الاقل والاكثر، كما لو علم بوجود الموطوء في القطيع من الغنم وتردد بين الاقل والاكثر، لان العلم الاجمالي لا يوجب سوى تنجيز الاقل، فإذا علم، موطوئية هذه العشرة من هذا القطيع ينحل العلم الاجمالي. ولا يتحقق الانحلال فيما إذا كان متعلق العلم الاجمالي عنوانا واقعيا بما له من الافراد وتردد أفراده بين الاقل والاكثر، كما لو علم بموطوئية البيض في هذا القطييع وترددت بين العشرة والعشرين. فانه بالعلم بموطوئية عشرة من الغنم لا ينحل العلم الاجمالي، لانه يستلزم تنجيز متعلقه بما له من العنوان على


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 301 - الطبعة الاولى. (*)

[ 342 ]

واقعه، فهو يوجب - في المثال - تنجيز التكليف المتعلق بافراد الغنم البيض الواقعية، فلا يتحقق الانحلال بالعثور على جملة من الافراد يحتمل انها تمام افراد المعلوم بالاجمال، بل لابد من الفحص التام في جميع الافراد. وما نحن فيه من قبيل الثاني، لان المعلوم بالاجمال هو الاحكام الموجودة في الكتب التي بأيدينا، فيستلزم تنجيز جميع الاحكام الموجودة في الكتب على واقعها، ولازمه الفحص التام عن جميع ما في الكتب التي بأيدينا وعدم انحلال العلم الاجمالي باستعلام جملة من الاحكام يحتمل انحصار المعلوم بالاجمال فيها. واستشهد على ذلك: بانه لو علم المكلف باشتغال ذمته لزيد بما في الطومار وتردد ما في الطومار بين الاقل والاكثر، لا يجوز للمدين الاقتصار على القدر المتيقن، بل لابد من الفحص التام، وهو مما يشهد به بناء العرف والعقلاء، فلا يرى العقلاء أن المدين معذور إذا ترك الفحص واقتصر على الاقل (1). أقول: الحديث في ثبوت الانحلال الحقيقي بالعلم التفصيلي ببعض الاطراف قد مر مفصلا وعرفت منا إنكاره، وان الثابت ليس إلا الانحلال الحكمي بوجه تفردنا به. فراجع تعرف. وهذا ليس بمهم. إنما المهم ما أفاده من عدم انحلال العلم الاجمالي بثبوت التكاليف في الكتب المعتبرة، بواسطة العلم بمقدرا من التكاليف يحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليه. فان ما أفاده في مقام بيان عدم الانحلال مردود. أما ما ذكره شاهدا - أخيرا -، فهو لا يرتبط بما نحن فيه بالمرة، لان لزوم الفحص ثابت لدى العقلاء حتى مع عدم العلم بانه مدين أصلا، وإنما كان


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 279 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 343 ]

يحتمل ذلك بدوا، فانه إذا كان البناء على تسجيل كونه مدينا لزيد في دفتره، فجاءه زيد وطلب منه فحص دفتره ليجد أنه مدين له أم لا ؟ ليس له رفض ذلك والتمسك بالاصل، وبناء العرف والعقلاء على لزوم الفحص في مثل ذلك مما لا ينكر. إذن فلزوم الفحص في مثال الدين أجنبي عن عدم انحلال العلم الاجمالي للزومه في الشبهة البدوية، بل له وجه آخر غير مرتبط بما نحن فيه. وأما ما أفاده من انه إذا تعلق العلم الاجمالي بعنوان، وترددت افراده بين الاقل والاكثر، فلا ينحل العلم الاجمالي بالعلم بجملة من الافراد يحتمل انطباق المعلوم بالعلم الاجمالي عليها، فهو مسلم فيما إذا كان الفرد المعلوم بالتفصيل غير معلوم المصداقية للعنوان المعلوم بالاجمال، كما لو علم بان اناء زيد نجس. واشتبه اناء زيد بغيره، ثم عثر على اناء نجس لا يعلم انه اناء زيد أم لا، فانه لا ينحل العلم الاجمالي الذي استلزم تنجيز التكليف المتعلق باناء زيد. وأما إذا كان الفرد المعلوم بالتفصيل من افراد العنوان المعلوم بالاجمال، كان ذلك موجبا للانحلال، لان العلم الاجمالي بالعنوان وان أوجب تنجيزه، لكنه انما ينجزه بما له من الافراد المعلومة لا غير، فإذا عثر على مقدار من افراده يحتمل انها تمام أفراده ينحل العلم الاجمالي، إذ لا علم بتكليف زائد على اكثر مما عثر عليه، فتكون سائر الاطراف مجرى الاصل المؤمن - على ما بيناه في وجه الانحلال -. وما نحن فيه من هذا القبيل، إذ التكاليف المعلومة بعد الفحص معلومة بعنوان انها تكاليف واقعية لا بعنوان آخر، فيلزم انحلال العلم الاجمالي، وهو ما نبه عليه في الكفاية. وجملة القول: ان الاستدلال بالعلم الاجمالي على لزوم الفحص، استدلال بما هو أخص من المدعى. فتدبر جيدا. الرابع: الاخبار الدالة على وجوب التعلم، مثل الخبر المروي عن أمالي

[ 344 ]

الشيخ في تفسير: (فلله الحجة البالغة) (1) من: أنه يقال للعبد يوم القيامة هل كنت عالما ؟ فان قال: نعم. قيل له: لماذا لم تعمل بما علمت ؟. وان قال: كنت جاهلا. قيل له: هلا تعلمت حتى تعمل. فيخصم. فتلك الحجة البالغة (2). وتقريب الاستدلال بها: أنها تدل على ترتب العقاب عند ترك التعلم. فتدل على عدم معذورية العبد عند ترك التعلم والفحص. وتحقيق الكلام في دلالة هذه الاخبار، هو: انه قد يستشكل في دلالتها باعتبار أنها تتكفل الاخبار عن ترتب العقاب على مخالفة الواقع عند ترك التعلم، وهذا يستلزم ان يكون الحكم منجزا في نفسه ومع قطع النظر عن هذه الاخبار، إذ لو لم يكن الحكم منجزا في نفسه لما اتجه ترتب العقاب عليه الذي تتكفل هذه النصوص الاخبار به. وبالجملة: الحال في هذه الاخبار كالحال في اخبار التوقف التي مر في مناقشة دلالتها على وجوب الاحتياط بانها لا تتكفل تنجيز الواقع، بل هي متفرعة عن تنجزه لفرض ترتب العقاب مفروغا عنه فيها، فتختص بموارد قيام المنجز على الواقع من علم اجمالي ونحوه، فان اخبار التعلم قد اخذ فيها ترتب العقاب مفروغا عنه، فلا تتكفل تنجيز الواقع قبل الفحص، بل تختص بموارد يثبت المنجز للواقع قبل الفحص من علم اجمالي ونحوه، على ما سنشير إليه. وقد يدفع هذا الاشكال: بان الجملة وان كان خبرية تتكفل الاخبار بثبوت العقاب عند ترك التعلم، لكنها مسوقة في مقام انشاء الحكم بالتنجيز عند ترك التعلم، نظير كثير من الاخبار التي ينشأ فيها الحكم ببيان لازمه من ترتب الثواب على الفعل أو العقاب عليه، لان ترتب الثواب والعقاب ملازم للحكم


(1) سورة الانعام، الاية: 149. (2) الطوسي المحقق الشيخ محمد بن الحسن، الامالي: 1 / 8 - باب 1، حديث 10. (*)

[ 345 ]

عرفا، فيكون المقصود الاصلي من الاخبار بهما انشاء الحكم على سبيل الاستعمال الكنائي حتى انه يصح ذلك ولو علم المولى من نفسه انه لا يرتب الاثر من ثواب أو عقاب. إذن فيكون النص فيما نحن فيه دالا على وجوب التعلم وتنجيز الواقع به. وتحقيق الحال في ذلك: ان الاخبار عن ترتب العقاب تارة يكون مسبوقا بأمر المولى بالفعل أو نهيه عنه. وأخرى لا يكون مسبوقا به، بل يكون اخبارا ابتداء عن العقاب. ففي مثل الاول: لا ظهور للكلام في الانشاء وارادة المدلول الالتزامي وهو جعل الحكم، بل يكون محمولا على ظاهره من الاخبار ارشادا الى ثبوت أمر المولى أو نهيه، نظير ما يتصدى له الواعظ من بيان أثر العمل المحرم من العقاب والمؤاخذة، فانه ليس بصدد انشاء الحكم أصلا، بل بصدد محض الاخبار عن لازم الحكم ترهيبا. وأما في مثل الثاني: فيكون للكلام ظهور في جعل الحكم وانشائه على سبيل الكناية على ما تقدم، كقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم...) (1)، فانه ظاهر في حرمة القتل، لعدم الوجه في ترتب العقاب سوى الحرمة. وإذا ظهر ذلك، فالشبهة التي يترك المكلف فيها الفحص ذات فردين: أحدهما: يكون الحكم فيه منجزا مع قطع النظر عن وجوب التعلم كموارد العلم الاجمالي. والاخر: لا يكون منجزا في نفسه ومع قطع النظر عن وجوب التعلم كالشبهة البدوية. وأخبار ترتب العقاب عند ترك التعلم إن كانت ناظرة الى النحو الاول،


(1) سورة النساء، الاية: 93. (*)

[ 346 ]

كانت ظاهرة في مجرد الاخبار بلا تكفل لانشاء وجوبه، بل هي نظير اخبار الواعظين تتكفل الارشاد الى تنجيز الواقع في حد نفسه والتحذير عن مخالفته. وان كانت ناظرة الى النحو الثاني، كانت ظاهرة في انشاء وجوب التعلم لتنجيز الواقع، والجمع بين كلتا الشبهتين لا دليل عليه ولا وجه له إذا امكن صرف الكلام الى ما يبقي الاستعمال معه على ظاهره من الاخبار. وعليه، فيدور الامر بين نظرها الى النحو الاول أو النحو الثاني، ولا معين لاحدهما فتكون مجملة، فتكون قاصرة عن الدلالة على التنجيز في الشبهة البدوية، وقد مر نظير هذه المناقشة ودفعها في اخبار التوقف فراجع. وقد يدعى: ان ظاهر الخبر المؤاخذة والتأنيب من جهة ترك التعلم، إذ التكبيت والتنديم على ترك التعلم، وهذا لا يتناسب مع نظرها الى موارد العلم الاجمالي، إذ المؤاخذة فيه من جهة العلم ومنجزيته ولم تنشأ عن ترك التعلم. ولعل هذا هو نظر صاحب الكفاية في قوله: " لقوة ظهورها في ان المؤاخذة والاحتجاج بترك التعلم فيما لم يعلم، لا بترك العمل فيما علم وجوبه ولو إجمالا... " (1). ولكن هذه الدعوى تندفع بان العلم الاجمالي.. تارة: يتعلق بعنوان معين مردد بين أمرين، نظير العلم بوجوب صلاة الجمعة أو الظهر، ففي مثله يكون التنديم على ترك العمل لاجل العلم ولا يقال له هلا تعلمت لتعمل. وأخرى: يتعلق بثبوت احكام بنحو الاجمال بلا تعينها بعنوان خاص، كما يحصل لمن يدخل في الاسلام حديثا. أو للشخص في اول بلوغه وقبل تعلمه. فانه إذا ترك الجاهل بعض الاعمال في مثل هذا الحال، كان له ان يقول لم اكن أعلم


(1) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 375 - طبعة مؤسسة آل البيت (ع). (*)

[ 347 ]

به، وصح ان يقال له لماذا لم تتعلم. وعليه، فيمكن ان تكون الرواية ناظرة الى هذا النحو من الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي المنجز. ولا تكون ناظرة الى الشبهة البدوية التي هي محل الكلام. والنتيجة: ان هذا الوجه كسوابقه قابل للمناقشة. الخامس - وهو عمدة الوجوه -: ان الغرض من انشاء التكليف هو جعل ما يمكن ان يكون داعيا ومحركا للمكلف. ومن الواضح ان هذا إنما يصح إذا كان للمكلف طريق عادي للوصول إليه، بحيث يمكن ان يعتمد عليه المولى في وصول حكمه، إذ مع عدم الطريق العادي للوصول إليه يكون جعل التكليف مستهجنا عرفا للغويته. وعليه، فإذا جعل المولى أحكاما على عبده فليس له أن يسد باب طريق وصولها العادي عليه، فانه عرفا يعد مستهجنا منه، واشبه بالتناقض. وعلى ذلك ليس للمولى أن يرخص عبده في ترك الفحص عن أحكامه المحتملة وايكال الامر الى الصدفة والاتفاق في تحصيل العلم، خصوصا مع علمه بعدم تحقق الاتفاق، فان جعل الاحكام واقعا مع الترخيص في ترك الفحص يعد عرفا من المستهجنات، لان الطريق العادي لوصول الحكم هو الفحص عنه وبدونه لا يصل عادة بل من باب الاتفاق. وقد عرفت ان جعل الحكم مع عدم الطريق إليه عادة مستهجن لدى العرف فانه من المستهجن جدا ان يجعل المولى احكاما على عبده ويبينها الى شخص زيد مثلا، ثم يقول لعبده لا يلزم ان تفحص عن احكامي إذا احتملتها ولا يجب عليك ان تسأل زيدا عنها، ولا يوجب على زيد بيانها لعبده. نعم قد يكون الغرض الباعث نحو التكليف والمصلحة الداعية إليه بنحو لا يكون لازم التحصيل كيفما كان، بل إذا وصل من باب الصدفة والاتفاق، وفي

[ 348 ]

مثله لا يجب الفحص بلا اشكال. لكن اللازم في مثله انشاء الحكم مقيدا بما يلازم الوصول الاتفاقي، فانه لا مانع منه ولا محذور فيه ولا معنى لانشائه مطلقا، والالتزام بعدم ايجاب الفحص لانه مستهجن كما عرفت. كما انه قد يكون الغرض الباعث نحو التكليف بمكان من الاهمية بنحو يلزم على المولى إيصاله للمكلف بأي نحو كان، ولو بمثل ايجاب الاحتياط وعدم الاعتماد على الطرق العادية، كما هو الحال في باب الشبهات المتعلقة بالدماء والفروج. لكن نوع الاحكام الشرعية حد وسط بين هذين، فان الغرض من التكليف بنحو يلزمه تحصيله بايصاله بالطرق العادية. وفي مثله يمتنع تجويز ترك الفحص لاستلزامه تفويته. والسر في ذلك: هو عدم تصدي الشارع لجعل الاحتياط في الشبهات حتى يستكشف منه أنه من قبيل الثاني. كما ان الاحكام لم تقيد بصورة الوصول اتفاقا كي يستكشف أنها من قبيل الاول. بل جعلها مطلقة غير مقيدة، وقد عرفت ان لازم ذلك منع سد الطريق العادي، فلابد من ايجاب الفحص لاستهجان العرف عدم ايجابه والحال هذه، فيكشف عن أن نحو الغرض ما ذكرناه. نعم بعد نصب الطرق العادية وفحص المكلف، وعدم عثوره على الحكم، لا يعد جعل الحكم مستهجنا مع وجود الطريق العادي وقصور المكلف عن الوصول إليه لجهة خاصة. ومما ذكرنا يظهر ما في كلام المحقق الاصفهاني من الاشكال فراجع تعرف (1).


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 307 - الطبعة الاولى. (*)

[ 349 ]

وهذا الوجه هو الذي ينبغي ان يعتمد عليه، ويؤيده جعل الطرق الشرعية الى الاحكام، والحث والترغيب على طلب العلم وحفظ الاحكام وارشاد الجهال، فانه يؤكد كون الغرض من الحكم بنحو يلزم إيصاله بالطرق الاعتيادية، لا انه بنحو لا يلزم إلا إذا وصل من باب الصدفة والاتفاق. ولعل نظر الشيخ (رحمه الله) في الركون الى لاجماع - في آخر كلامه - الى ذلك، وان هذا الامر من المسلمات العقلائية، لا انه يحاول الاستناد الى الاجماع تعبدا (1). فالتفت. هذا تمام الكلام في أصل وجوب الفحص. وأما مقدار الفحص اللازم، فالمعتبر فيه بحسب ما تقدم من الادلة هو الوصول الى حد اليأس عن الظفر بالدليل، وهو عقلائيا يحصل بالاطمئنان بعدم الدليل. أما على دعوى عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان قبل الفحص بعد ملاحظة كون بناء المولى على تبليغ أحكامه بالطرق الاعتيادية، ان الطريق حينئذ إذا كان في معرض الوصول كان حجة، فلانه مع الاطمئنان بعدم الدليل يتحقق موضوع القاعدة، وهو عدم الحجة والبيان. وأما على دعوى العلم الاجمالي بالتكاليف قبل الفحص فيما بأيدينا من الكتب فلان الطرق يخرج عن أطرافه مع الاطمئنان بعدم الدليل في الكتب التي بأيدينا. وأما بناء على دلالة الاخبار على وجوب التعلم، فمع حصول الاطمئنان بعدم الدليل يحصل العلم العادي بعدمه، فيتحقق التعلم بالفحص، وسيأتي ان المنظور في اخبار التعلم تنجيز الطرق لا الواقع مباشرة.


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 201 - الطبعة الاولى. (*)

[ 350 ]

كما انه لو كان المنظور هو تنجيز الواقع، فوجوب التعلم انما يثبت مع التمكن منه، ومع اليأس عن الدليل يحصل الاطمئنان بعدم التمكن منه فلا يجب. وأما بناء على دعوى الاجماع، فهو لم يقم على اكثر من ذلك. وأما على المختار من الوجه الذي ذكرناه أخيرا، فلانه مع الاطمئنان بعدم الطريق واليأس عنه لا مخصص لادلة البراءة، إذ غاية ما يدل عليه هو وجوب الفحص عن الطرق الاعتيادية للحكم. فتدبر. ثم ان ههنا شبهة أشير إليها في الرسائل، وهو: انه بناء على دعوى لزوم الفحص لاجل العلم الاجمالي بالتكاليف لا يكون اليأس عن الدليل على الحكم مؤثرا في إجراء البراءة، وذلك لان احتمال التكليف لا يزول بالفحص واليأس عن الظفر بالدليل، فيكون منجزا بالعلم الاجمالي لكونه من أطرافه، فهو نظير ما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الاناءين وفحص عن النجس فلم يعثر عليه ولم يستطع تشخيصه وتعيينه، فإنه لا إشكال في منجزية العلم الاجمالي ولزوم الاجتناب عن الاناءين. وتندفع هذه الشبهة: بان المعلوم بالاجمال فيما نحن فيه بنحو يكون الفحص وعدم العثور على الدليل موجبا لخروج المحتمل عن اطرافه، فان العلم الاجمالي لم يتعلق بثبوت تكاليف واحكام بنحو الاجمال، بل تعلق بثبوت تكاليف فيما بأيدينا من الكتب - كما أشرنا إليه في انحلال العلم الكبير -، أو تعلق بثبوت تكاليف لو تفحص عنها لظفر بها. ومن الواضح انه مع الفحص واليأس عن الدليل يكون التكليف المحتمل خارجا عن اطراف العلم الاجمالي، إذ يعلم إنه ليس من الاحكام الموجودة في الكتب التي بأيدينا، كما انه ليس مما لو فحص عنه لظفر. فلاحظ جيدا. هذا تمام الكلام في لزوم الفحص ومقداره.

[ 351 ]

ويقع الكلام بعد ذلك في ما يترتب على العمل بالبراءة قبل الفحص، والبحث عنه في جهتين: الجهة الاولى: في حكمه من حيث العقاب وعدمه. والجهة الثانية: في حكمه من حيث صحة العمل وفساده. أما الجهة الاولى: فترتب العقاب على العمل بالبراءة قبل الفحص في الجملة، كما إذا انكشف انه مخالف للواقع، مما لا إشكال فيه على جميع وجوه لزوم الفحص لتنجز التكليف وعدم قيام المؤمن عقلا ولا شرعا. إنما الكلام في موضوع العقاب، فهل هو مخالفة الواقع، أو انه ترك التعلم المؤدي الى المخالفة، أو انه ترك التعلم مطلقا ولو لم يؤد الى المخالفة ؟. وتحقيق ذلك: انه بناء على وجوب الفحص بملاك عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان قبل الفحص وثبوت قاعدة الاشتغال بملاك دفع الضرر المحتمل، يكون العقاب على مخالفة الواقع، لان قاعدة الاشتغال لا تنجز غير الواقع المحتمل كما لا يخفى. كما انه بناء على وجوب الفحص بملاك العلم الاجمالي يكون العقاب على مخالفة الواقع أيضا، لان العلم ينجز الواقع المعلوم. وهكذا الحال بناء على المختار، لانه يرجع الى تقييد الادلة الشرعية على البراءة بصورة الفحص، فلا يحكم الشارع بالمعذرية قبل الفحص، فالمنظور فيه هو الواقع نفسه. وبالجملة: بناء على هذه الوجوه لا موهم لثبوت العقاب على ترك الفحص والتعلم، لعدم كونه واجبا شرعيا. وإنما الموهم لثبوت العقاب على ترك التعلم - في صورة عدم المخالفة - أحد وجهين: الاول: التجري، فان الاقدام على ما يحتمل معه مخالفة المولى مع عدم

[ 352 ]

المؤمن شرعا ولا عقلا تجر على المولى. وقد تقدم الكلام في التجري بشئونه في مبحث القطع. فراجع. الثاني: ما دل من الاخبار على وجوب التعلم، فانه قد يدعى ظهورها في الوجوب النفسي، فيترتب العقاب على مخالفته مع قطع النظر عن الواقع. ولكن هذا الوجه قابل للمناقشة، ببيان: ان محتملات مفاد اخبار وجوب التعلم متعددة، أحدها: ان يكون الوجوب غيريا مقدميا. والثاني: ان يكون الوجوب ارشاديا. والثالث: ان يكون الوجوب طريقيا. والرابع: ان يكون الوجوب نفسيا استقلاليا. والخامس: أن يكون الوجوب نفسيا تهيئيا. والذي نستظهره منها هو الاحتمال الاول، فان ظاهر الخبر هو ثبوت العقاب على مخالفة الواقع وكون سببه هو الجهل، وان ترك العمل كان ناشئا عن الجهل، فالتنديم وان كان موضوعه ترك التعلم، لكنه بلحاظ ان التعلم مقدمة للواقع لا لموضوعية نفسه، فهو نظير ما لو أمر المولى عبده بشراء اللحم، فلم يشتر العبد اللحم واعتذر بانه لم يدخل السوق، فان المولى يقول له مستنكرا: لماذا لم تدخل السوق لتشتري اللحم، فان المنظور الاصلي هو الواجب النفسي. وبالجملة: ظاهر الرواية خصوصا بملاحظة قوله: " هلا تعلمت حتى تعمل " فرض التعلم مقدمة للعمل، فلا ظهور في الاستنكار على تركه في كونه واجبا نفسيا، بل يكون ظاهرا في كونه بلحاظ مقدميته، وهو كثيرا ما يقع كما عرفت في المثال العرفي. يبقى سؤال وهو: انه كيف يكون العلم مقدمة وفي أي حال ؟. والجوب عنه: ان له موردين: الاول: مورد الجهل بمتعلقات الاحكام المستحدثة شرعا، كالصلاة والحج والوضوء والغسل، فان ترك التعلم فيها يؤدي الى عدم أدائها بالنحو المطلوب. الثاني: مورد العلم الاجمالي بثبوت احكام في الشريعة بنحو الاجمال من

[ 353 ]

دون تمييز متعلقاتها، كما أشرنا إليه سابقا. فان ترك التعلم قد يؤدي الى الوقوع في خلاف الواقع لاجل الغفلة عنه بالمرة. ولو تنزلنا عن البناء على هذا الاحتمال، فالذي نلتزم به من الاحتمالات الاخرى هو الثاني - أعني: كون مفادها الوجوب الارشادي -، لما عرفت من أن الاخبار بالعقاب لا ظهور له في الانشاء إذا كان مسبوقا بقيام المنجز على العمل، بل يبقى على ظاهره من الاخبار ويكون ارشادا الى وجود المنجز، وقد عرفت قيام الدليل على التنجيز قبل الفحص في الشبهة، ولو لم يكن الدليل تاما في مطلق موارد الشبهة، فقد عرفت تماميته في بعض افرادها، فراجع ما تقدم تعرف. ولو تنزلنا عن هذا الاحتمال أيضا والتزمنا ان الاخبار تتكفل جعل حكم مولوي لا إرشادي، فهو يدور بين كونه طريقيا بداعي تنجيز الواقع، وبين كونه نفسيا. والاول هو المعين. ولكن الذي نلتزم به أنه ليس لتنجيز الواقع المحتمل بل لتنجيز الطريق المحتمل. وذلك لانه وان لم نعتبر ان يكون الوجوب الطريقي المنشأ بداعي التنجيز، ان يكون بمضمونه مطابقا للحكم المنجز على تقدير المصادفة كوجوب الاحتياط، أو كوجوب تصديق العادل والعمل بقوله الذي يكون منجزا للواقع، الا انا نعتبر ان يكون له نحو ارتباط بالحكم المنجز بحيث يتناسب مع تنجيزه وكونه في عهدته، كي يدل الحكم التنجيزي على تنجيز الحكم الذي يراد تنجيزه. ومن الواضح ان وجوب التعلم لا ربط له بالواقع المحتمل، إذ متعلق الوجوب فيه أمر غير متعلق الوجوب الواقعي على تقدير ثبوته، فليس هو كوجوب الاحتياط. كما ان التعليم ليس من آثار تنجز الواقع، كي يكون ايجابه مقتضيا لتنجيز الواقع بالملازمة، ويصح ايجابه بهذا الداعي لاجل وجود هذا الربط، إذ لو فرض تنجز الواقع المحتمل فلا يكون باعثا عادة للتعلم، بل يكون باعثا

[ 354 ]

نحو الاحتياط. إذن فهو لا يصلح ان يكون تنجيزا للواقع، وإنما هو منجز للطريق. ببيان: ان الطريق الواقعي للحكم الشرعي إذا فرض انه ليس منجزا بوجوده الواقعي وإلا كان وجوب التعلم إرشاديا، والمفروض التنزل عنه. وإنما يكون منجزا بوجوده الواصل، فمع احتمال وجود الطريق في الواقع - لو فرض ثبوت تنجزه بمعنى انه فرض ان الطريق المحتمل منجز - لا اشكال في انه يكون باعثا نحو الفحص والتعلم تحصيلا للمنجز أو دفعا له. إذن فالتعلم من لوازم تنجيز الطريق المحتمل عادة، فيصح انشاء وجوبه بداعي تنجيز الطريق الواقعي المحتمل لكفاية هذا المقدار من الربط في تصحيح ايجاب التعلم بداعي التنجيز، وان لم يكن التعلم عين الواجب الواقعي المنجز على تقدير ثبوته، فيكون مقتضى وجوب التعلم تنجيز المنجز للواقع. يبقى سؤال، وهو: ان هذا البيان لا يعدو كونه تصويرا لكون وجوب التعلم تنجيزيا طريقيا في قبال من انكر صحة ذلك - كالمحقق العراقي (1) -، بدعوى: ضرورة كون الواجب الطريقي المنجز عين الواجب المنجز على تقدير الموافقة. فان هذه الدعوى عرفت انها مردودة بالتصوير المزبور، لكفاية وجود نحو ارتباط بين الواجب الطريقي وذي الطريق، بحيث يناسب الوجوب الطريقي كون ذي الطريق في العهدة ولو بنحو الملازمة. ولكن ما الوجه في كون الوجوب طريقيا لا نفسيا ؟. والجواب عن هذا السؤال: بان استفادة كون الوجوب طريقيا لا نفسيا إنما هو باعتبار المناسبة العرفية التي يجدها العرف بملاحظة الحكم والموضوع، فانه يرى ان الملحوظ في وجوب التعلم هو الوصول الى الواقع بطريقه بعد ان عرفت المناسبة بينهما، فالايجاب هنا نظير ايجاب تصديق العادل والعمل بقوله،


(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الافكار 3 / 476 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 355 ]

فانه وان أمكن كونه ايجابا نفسيا مستقلا، لكن العرف لا يستظهر ذلك، بل يستظهر انه ايجاب طريقي يكون الغرض منه الوصول الى الواقع والتحفظ عليه. والمتحصل: ان اخبار وجوب التعلم لا تقتضي ترتب العقاب على ترك التعلم نفسه، بل غاية ما يقتضيه هو ترتب العقاب على مخالفة الواقع. فالذي ينتج أن جميع أدلة وجوب الفحص لا تقتضي ترتب العقاب إلا على ترك الواقع. وهذا السلوك الذي التزمناه في تحقيق هذه الجهة من ملاحظة أدلة وجوب الفحص وملاحظة مقتضاها، هو الذي ينبغي أن يلتزم. لا ما نهجه المحقق الاصفهاني (رحمه الله في تحقيق هذه الجهة والتزامه ترتب العقاب على الواقع، وردد وجهه بين وجوه ثلاثة نفى اثنين منها وعين الثالث فإنه فرض كون الاحتمال منجزا، وردد ذلك بين محتملات ثلاثة ثم نفى الاولين، وعين الثالث بتقريب عقلي. ومن الواضح انه لا ملزم لاخذ الاحتمال هو المنجز، واي وجه لذلك حتى يدور الامر بين هذه المحتملات ؟. بل قد فرض (قدس سره) اولا كون المنجز هو الطريق في معرض الوصول ثم انتقل الى هذا البحث فلاحظ كلامه تعرف حقيقة الحال (1). ثم ان الشيخ (رحمه الله) تعرض في هذه الجهة الى اختيار صاحب المدارك واستاذه الاردبيلي (قدس سرهما) من كون العقاب في حال الغفلة عن الواقع على ترك التعلم لا الواقع، وحاول نفيه وتوجيه ترتب العقاب على الواقع، ولكن من حين الغفلة، ولكنه ذكر انه خلاف ظاهر المشهور من التزامهم بثبوت التكليف في حال الغفلة وتعرض الى بعض فروع الصلاة في المغصوب


(1) الاصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 2 / 308 - الطبعة الاولى. (*)

[ 356 ]

جهلا بالحكم والموضوع أو نسيانا، أو اضطرارا عن اختيار (1). ولا يخفى ان التعرض لهذه الفروع له محل آخر مر سابقا، وهو مبحث اجتماع الامر والنهي. فليراجع. كما ان كون ظرف العقاب حين الغفلة أو حين العمل مر تحقيقه في مبحث مقدمة الواجب في ترتب الثواب على الواجب الغيري. وأما صاحب الكفاية، فقد يبدو من كلامه في هذه الجهة لاول وهلة انه خلط بين بحثين وأقحم أحدهما في الاخر (2)، بيان ذلك: ان لدينا بحثا ههنا، وهو أن المكلف إذا ترك التعلم والفحص وعمل بالبراءة، فهل يستحق العقاب على ترك التعلم أو على ترك الواقع لو صادف عمله بالبراءة مخالفة الواقع ؟. وبعبارة أخرى: ان الواقع المحتمل هل يكون منجزا عند ترك التعلم أو لا ؟. وعلى تقدير تنجزه فهل يثبت العقاب على تركه أو ترك التعلم ؟. من دون ان يفرض في هذا المبحث كون التعلم من مقدمات امتثال الواقع، ولم ينظر الى ذلك أصلا. كما أنه قد مر في مبحث مقدمة الواجب بحث آخر، وهو أن التكليف إذا كان منجزا، وفرض ان له مقدمات مفوتة بحيث يلزم من تركها ترك الواجب في ظرفه وعدم التمكن منه، نظير الغسل قبل الفجر لاجل الصوم، فهل يلزم الاتيان بمقدماته المفوتة أو لا ؟. وعلى تقدير اللزوم فما هو الوجه فيه ؟. ومن الواضح انفصال المبحثين موضوعا ومحمولا وملاكا ولا ربط لاحدهما بالاخر. والذي يظهر من صاحب الكفاية ههنا خلطه بين المبحثين، لاستدلاله


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 302 - الطبعة الاولى. (2) الخراساني المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الاصول / 376 - طبعة مؤسسه آل البيت (ع). (*)

[ 357 ]

على ثبوت العقاب ههنا عند ترك التعلم بما يرجع الى الاستدلال على لزوم المقدمة المفوتة من: ان تركها يؤدي الى ترك الواجب وامتناعه بالاختيار لا ينافي الاختيار، ثم استدراكه بقوله: " نعم يشكل في الواجب المشروط والموقت... "، وهو إشكال راجع الى لزوم المقدمة المفوتة، وانه لا يتم في الواجبات المشروطة والموقتة بالبيان الذي أشار إليه، ولا يرتبط بما نحن فيه من المبحث. نعم، في بعض الحالات قد يكون التعلم من المقدمات المفوتة بحيث يكون تركه موجبا لترك الواجب، لكن البحث عنه فيما نحن فيه ليس من جهة مقدميته، بل من جهة منجزيته للواقع كما عرفت، ولا مضايقة في البحث عنه من جهة مقدميته أيضا، لكن لا بنحو يخلط بين الجهتين وتدرج إحداهما في الاخرى. ولم أجد من تنبه الى هذا الخلط في ظاهر كلامه (قدس سره). هذا، ولكن يمكن ان يصحح كلامه بربط إحدى الجهتين بالاخرى، ببيان: انه إذا التزم بان العقاب عند ترك التعلم على مخالفة الواقع لا على ترك التعلم نفسه، فقد يتوجه سؤال، وهو ان التعلم قد يكون في بعض الاحيان من المقدمات التي يفوت الواجب بفواتها، وذلك في موردين: أحدهما: ما إذا كان الوقت مضيقا ولم يكن يعرف متعلق الحكم بخصوصياته، فان ترك التعلم خارج الوقت يستلزم ترك الواجب في وقته لجهله به وضيق الوقت عن التعلم في ظرفه. والاخر: ما إذا كان وقت الواجب موسعا، لكن كان عدم تعلم الواجب يستلزم الغفلة عنه في وقته بالمرة، فلا يتمكن من الاتيان به لاجل غفلته عنه. وإذا فرض ان التعلم كان من المقدمات المفوتة، فيشكل وجوبه قبل الوقت في الواجبات الموقتة أو قبل الشرط في الواجبات المشروطة، كسائر المقدمات المفوتة التي استشكل في وجوبها في مثل ذلك، وقد تصدي الى حل هذا الاشكال بوجوه، كالالتزام بالواجب المعلق أو الواجب المشروط بالشرط

[ 358 ]

المتأخر، فتكون المقدمات المفوتة واجبة فعلا قبل الوقت لفعلية وجوب ذيها. وكالالتزام بلزوم حفظ الغرض الملزم في ظرفه ممن لا يرى إمكان الواجب المعلق والمشروط كالمحقق النائيني (1). ومنهم من لم يرتض جميع هذه الوجوه والتزم بوجوب المقدمة المفوتة وجوبا نفسيا تهيؤيا، بمعنى كون الغرض التهيؤ لامتثال الواجب الاخر. ومن الواضح انه بناء على هذا الالتزام يشكل الامر في التعلم فيما نحن فيه، فانه إذا التزم ان التعلم إذا كان مقدمة مفوتة كان وجوبه نفسيا فيعاقب المكلف على تركه، لا يمكن الالتزام بوجوبه الطريقي حينئذ في سائر موارده مما لا يكون فيه مقدمة أصلا، أو كان ولكن لم يكن من المقدمات المفوتة، وذلك: لانه من الواضح ان اخبار وجوب التعلم تشمل مورد ما إذا كان التعلم مقدمة مفوتة. ومن الواضح انه لا يمكن ان تتكفل غير وجوبه النفسي لامتناع وجوبه الطريقي في ذلك الحال، لعدم قابلية الواقع للتنجز بعد ان كان مشروطا بشرط لم يحصل بعد. فإذا كان مفاد الاخبار في هذا المورد هو خصوص الوجوب النفسي، فهو ثابت في جميع موارده لامتناع التفكيك بين الموارد في انشاء واحد. إذن، فالالتزام بثبوت العقاب على الواقع مشكل على هذا البناء في المقدمات المفوتة الملازم لكون وجوب التعلم وجوبا نفسيا بقول مطلق وفي جميع موارده. وبذلك يتضح الربط جيدا بين المسألتين، ويكون نظره في قوله: " نعم يشكل... " أنه يشكل الامر بملاحظة بعض الوجوه في حل مشكلة المقدمات المفوتة، وهو الالتزام بالوجوب النفسي التهيؤي بضميمة شمول اخبار التعلم لمورد ما إذا كان من المقدمات المفوتة، ووحدة الوجوب المنشأ فيها.


(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الاصول 4 / 281 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي. (*)

[ 359 ]

ولقد كان من الجدير ببعض مدققي المحشين التعرض الى ايضاح نظر الكفاية وكلامه. وكيف كان فقد عرفت مراده. وقد مر منا في محله تحقيق الحال في المقدمة المفوتة والوجه في لزومها بما لا يرجع الى الوجوب النفسي التهيؤي كي يقع الاشكال فيما نحن فيه بما عرفت. فراجع. نعم ههنا أمر يحسن التنبيه عليه - وقد مر منا في محله ذكره - وهو: انه إذا كان ترك التعلم موجبا لفوات الواجب من جهة الغفلة عنه لا من جهة ضيق الوقت، فيشكل الالتزام بوجوبه لاجل مقدميته، وذلك لان التعلم في مثل ذلك يكون من مقدمات التحفظ وعدم الغفلة، فيكون مقدمة للمقدمة. وقد نبه - في حديث الرفع - على ان مرجع رفع النسيان الى رفع ايجاب التحفظ على المكلف، فإذا كان التحفظ ليس بواجب بحكم الشارع لم تكن مقدمته وهي التعلم واجبة. فالالتزام بوجوب التعلم لاجل التحفظ من الغفلة الموجبة لفوات الواجب بملاك الوجوب المقدي غير سديد، فالالتزام بالواجب المعلق أو المشروط بالشرط المتأخر لا ينفع في اثبات وجوب التعلم في مثل ذلك. فانتبه. ثم إنك قد عرفت ان أدلة وجوب الفحص انما تنهض على ترتب العقاب على مخالفة الواقع لا على ترك الفحص، فيقع الكلام في ان العقاب هل يترتب على مخالفة الواقع مطلقا، أو في خصوص ما كان عليه طريق قائم واقعا ؟. فلو فرض انه خالف الواقع ولكن لم يكن عليه طريق في الواقع، بحيث لو كان يتفحص لا يصل الى الواقع فلا عقاب. الحق هو الثاني خلافا للشيخ (رحمه الله) حيث انه اختار الاول (1). والوجه فيما ذكرناه: أن أدلة وجوب الفحص لا تقتضي اكثر من تنجيز


(1) الانصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الاصول / 307 - الطبعة الاولى. (*)

[ 360 ]

الواقع إذا كان في معرض الوصول بالعلم أو بالطريق. أما إذا لم يكن في معرض الوصول، فلا يكون منجزا بأدلة وجوب الفحص، فيكون العقاب على مخالفته عقابا على تكليف غير منجز وهو قبيح. أما إذا كان الدليل على وجوب الفحص هو العلم الاجمالي بثبوت الاحكام الشرعية، فلانك عرفت ان متعلق العلم الاجمالي - المدعى - هو التكاليف التي لو فحص عنها لعثر عليها، أو التكاليف في ما بأيدينا من الكتب. والمفروض ان الواقع الذي خالفه ليس في الكتب، وليس بنحو لو فحص عنه لعثر عليه، فهو ليس من اطراف العلم الاجمالي فلا يكون منجزا به. نعم هو قبل الفحص يحتمل ان يكون التكليف المحتمل من اطراف العلم، فيكن منجزا عليه، لكنه بعد انكشاف الحال يعلم انه ليس من اطراف العلم وان الحكم الثابت لم يقم عليه منجز، نظير ما لو علم بنجاسة اناء زيد أو اناء عمرو، فاشتبه اناء زيد باناء بكر، فان اناء بكر بما هو مشتبه وان صار فعلا من اطراف العلم بالنجاسة، لكنه واقعا ليس من اطراف تلك النجاسة المعلومة، فلو ارتكب اناء بكر فظهر انه نجس بنجاسة اخرى لم يكن منجزا عليه، لان العلم انما استلزم تنجيز ما تعلق به لا مطلق الاحكام الواقعية. فالتفت. وأما إذا كان الدليل هو أخبار وجوب التعلم، فقد عرفت انها تتكفل تنجيز الطريق المحتمل، والمفروض انه لا طريق واقعا، فلا تشمل اخبار وجوب التعلم هذا المورد، فلا منجز للواقع. وأما إذا كان الدليل ما ذهبنا إليه من التنافي بين عدم وجوب الفحص وجعل الحكم، فتتقيد أدلة البراءة بالفحص عند احتمال الطريق، فهو غاية ما يتكفل تقيد أدلة البراءة، فيرجع الى سلب جعل الحكم الظاهري قبل الفحص، وهو لا ينافي ثبوت العذر العقلي بواسطة البراءة العقلية، كما يأتي بيانها. فعلى هذا البناء وان لم يكن منجزا، لكن لا معذر شرعي أيضا لتقيد ادلة البراءة بوجوب

[ 361 ]

الفحص الثابت بمجرد احتمال الطريق وان لم يكن طريق واقعا. وهكذا الكلام على البناء على اخبار التعلم، فانها وان كانت قاصرة عن تنجيز الواقع الذي لم يقم عليه طريق واقعا، لكنها مقيدة لاخبار البراءة بمجرد احتمال الطريق، ولا يناط الحكم الظاهري بقيام الطريق واقعا، بل بمجرد احتماله. وعليه فلابد من الحكم بالمعذورية من الرجوع الى قاعدة قبح العقاب بلا بيان - التي سيجئ الحديث عنها - أو ما هو بمفادها من النصوص الشرعية على تقدير انكار الحكم العقلي، على ما تقدم. وأما إذا كان الدليل حكم العقل بالاشتغال، لعدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان إذا كان الحكم في معرض الوصول، إذ الطريق إذا كان في معرض الوصول كان حجة في نفسه، فلا يحرز قاعدة قبح العقاب بلا بيان، قبل الفحص، فلان المفروض ان الحكم ليس في معرض الوصول ولا طريق واقعا، فلا حجة ولا بيان، فيكون المورد مجرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان. ودعوى: انه يكفي في العقاب عدم وجود المؤمن منه على تقدير المخالفة، فانه بنفسه منجز للواقع. ومن الواضح ان المكلف إذا أقدم على اجراء البراءة قبل الفحص لا يعلم ان المورد من موارد البيان والحجة، أو انه ليس من موارد البيان والحجة، فهو لا