| وهو منهج متميّز على مناهج كثير من أساتذة الحوزة ،
وأرباب البحث الخارج ، فعلى صعيد الأصول يتجلّى منهجه بعدّة خصائص
:
1 - التحدث عن تاريخ البحث ، ومعرفة جذوره
التي ربما تكون فلسفية ، كمسألة بساطة المشتق وتركيبه ، أو عقائدية
وسياسية كبحث التعادل والتراجيح ، الذي أوضح فيه أن قضية اختلاف
الأحاديث فرضتها الصراعات الفكرية العقائدية آنذاك ، والظروف السياسية
التي أحاطت بالأئمة ( عليهم السلام ) .
ومن الواضح أن الاطلاع على تاريخ البحث
يكشف عن زوايا المسألة ، ويوصلنا إلى واقع الآراء المطروحة فيها
.
2 - الربط بين الفكر الحوزوي والثقافات
المعاصرة ، ففي بحثه حول المعنى الحرفي في بيان الفارق بينه وبين
المعنى الإسمي ، وهل هو فارق ذاتي أم لحاظي ؟
اختار اتجاه صاحب الكفاية في أن الفرق
باللحاظ ، لكن بناه على النظرية الفلسفية الحديثة ، وهي نظرية التكثر
الإدراكي في فعالية الذهن البشري وخلاقيته ، فيمكن للذهن تصوّر مطلب
واحد بصورتين .
تارة بصورة الاستقلال والوضوح ، فيعبر عنه
بـ( الاسم ) ، وتارة بالانقباض والانكماش ويعبر عنه بـ( الحرف )
.
3 - الاهتمام بالأصول المرتبطة بالفقه ،
وأن الطالب الحوزوي يلاحظ في كثير من العلماء إغراقهم وإسهابهم في بحوث
أصولية ، لا يُعد الإسهاب فيها إلا ترفاً فكرياً ، لا ينتج ثمرة عملية
للفقيه في مسيرته الفقهية .
كبحثهم في الوضع وكونه أمراً اعتبارياً أو
تكوينياً ، وأنه تعهد أو تخصيص ، وبحثهم في بيان موضوع العلم وبعض
العوارض الذاتية في تعريف الفلاسفة لموضوع العلم ، وما شاكل ذلك
.
ولكن الملاحظ في دروس سماحة السيد هو
الإغراق ، وبذل الجهد الشاق في الخروج بمبنىً علمي رصين في البحوث
الأصولية المرتبطة بعملية الاستنباط ، كمباحث الأصول العملية ،
والتعادل والتراجيح ، والعام والخاص ، وأما البحوث الأخرى ، فبحثه فيها
بمقدار الثمرة العلمية في بحوث أُخرى ، أو الثمرة العملية في الفقه
.
4 - الإبداع والتجديد : هناك كثير من
الأساتذة الماهرين في الحوزة من لا يملك روح التجديد ، بل يصب اهتمامه
على التعليق فقط ، والتركيز على جماليات البحث لا على جوهره ، فيطرح
الآراء الموجودة ، ويعلّق على بعضها ، ويختار الأقوى في نظره ، ويشغل
نفسه بتحليل عبارات من قبيل : فتأمّل ، أو : فافهم ، ويجري في البحث
على أن في الإشكال إشكالين ، وفي الإشكالين تأملاً ، وفي التأمل توقّف
.
5 - إلمامه بمقتضيات عصره : كجواز نكاح
أهل الشرك ، وقاعدة التزاحم التي يطرحها الفقهاء والأصوليون ، كقاعدة
عقلية أو عقلائية صرفة ، فيدخلها سماحة السيد تحت قاعدة الاضطرار التي
هي قاعدة شرعية أشارت لها النصوص ، نحو : ما من شيء حرَّمه الله إلا
وقد أحله لمن اضطر إليه .
فإن مؤدى قاعدة الاضطرار هو مؤدى قاعدة
التزاحم بضميمة فهم الجعل التطبيقي .
وأحياناً قد يقوم بتوسعة القاعدة كما في
قاعدة ( لا تُعاد ) ، حيث خصّها الفقهاء بالصلاة ، لورود النص في ذلك
.
بينما سماحة السيد جعل صدر الرواية
المتضمن لقوله : لا تُعاد الصلاة إلا من خمسة ، مصداقاً لكبرى أُخرى
تعم الصلاة وغيرها من الواجبات ، وهذه الكبرى موجودة في ذيل النص ، ولا
تنقض السنة الفريضة .
فالمناط هو تقديم الفريضة على السنة في
الصلاة وغيرها ، ومن مصاديق هذا التقديم هو تقديم الوقت والقبلة .. إلخ
على غيرها من أجزاء الصلاة وشرائطها ، لأن الوقت والقبلة من الفرائض لا
من السنن .
6 - النظرة الاجتماعية للنص : إن من
الفقهاء من هو حر في الفهم ، بمعنى أنه جامد على حدود حروف النص من دون
محاولة التصرف في سعة دلالات النص ، وهناك من الفقهاء من يقرأ أجواء
النص والظروف المحيطة به ليتعرف مع سائر الملابسات التي تؤثر على
دلالته .
فمثلاً ماورد من أن رسول الله ( صلى الله
عليه وآله ) حرّم أكل لحم الحُمُر الأهلية يوم خيبر ، فلو أخذنا بالفهم
الحرفي لقلنا بالحرمة أو الكراهة لأكل لحم الحمر الأهلية .
ولو اتبعنا الفهم الاجتماعي لرأينا أن
النص ناظر لظرف حرج ، وهو ظرف الحرب مع اليهود في خيبر ، والحرب تحتاج
لنقل السلاح والمؤنة ، ولم تكن هناك وسائل نقل إلاّ الدواب ومنها
الحمير .
فالنهي في الواقع نهي إداري لمصلحة
موضوعية اقتضتها الظروف آنذاك ، ولا يُستفاد منه تشريع الحرمة ولا
الكراهة .
وسماحة السيد هو من النمط الثاني من
العلماء في التعامل مع النص .
7 - توفير الخبرة بمواد الاستنباط : إن
سماحة السيد السيستاني ( دام ظله ) يركّز دائماً على أن الفقيه لا يكون
فقيهاً بالمعنى الأتم حتى تتوفّر لديه خبرة وافية بكلام العرب ، وخطبهم
وأشعارهم ومجازاتهم .
وذلك كي يكون قادراً على تشخيص ظهور النص
تشخيصاً موضوعياً لا ذاتياً ، وأن يكون على اطلاع تام بكتب اللغة ،
وأحوال مؤلفيها ، ومناهج الكتابة فيها ، فإن ذلك دخيل في الاعتماد على
قول اللغوي أو عدم الاعتماد عليه .
وأن يكون على احاطة بأحاديث أهل البيت (
عليهم السلام ) ورواتها بالتفصيل ، فإن علم الرجال فن ضروري للمجتهد ،
لتحصيل الوثوق الموضوعي التام بصلاحية المدرك .
وله آراء خاصة يخالف بها المشهور ، مثلاً
ما اشتهر من عدم الاعتماد بقدح ابن الغضائري ، أما لكثرة قدحه أو لعدم
ثبوت نسبة الكتاب إليه .
فإن سماحة السيد لا يرتضي ذلك ، بل يرى
ثبوت الكتاب ، وإن ابن الغضائري هو المعتمد في مقام الجرح والتعديل
أكثر من النجاشي والشيخ الطوسي وأمثالهما .
ويرى الاعتماد على منهج الطبقات في تعيين
الراوي وتوثيقه ، ومعرفة كون الحديث مُسنداً أو مُرسلاً على ما قرّره
السيد البروجردي ( قدس سره ) .
ويرى أيضاً ضرورة الإلمام بكتب الحديث ،
واختلاف النسخ ، ومعرفة حال المؤلف ، من حيث الضبط والتثبت ومنهج
التأليف .
وما يشاع في هذا المجال من كون الشيخ
الصدوق أضبط من الشيخ الطوسي فلا يرتضيه ، بل يرى الشيخ ناقلاً أميناً
لما وجده من الكتب الحاضرة عنده بقرائن يستند إليها .
فهذه الجهات الخبرية قد لا يعتمد عليها
كثير من الفقهاء في مقام الاستنباط ، بل يكتفي بعضهم بالظهور الشخصي من
دون أن يجمع القرائن المختلفة لتحقيق الظهور الموضوعي .
بل قد يعتمد على كلام بعض اللغويين بدون
التحقيق في المؤلف ، ومنهج التأليف وقد لا يكون لبعض آخر أي رصيد في
علم الرجال والخبرة بكتب الحديث .
إلا أن سماحة السيد والسيد الشهيد الصدر (
قدس سره ) يختلفان في هذا المنهج ، فيحاول كل منهما محاولة الإبداع
والتجديد .
أما في صياغة المطلب بصياغة جديدة تتناسب
مع الحاجة للبحث ، كما صنع سماحة السيد السيستاني ( دام ظله ) عندما
دخل في بحث استعمال اللفظ في عدّة معان .
حيث بحثه الأصوليون من زاوية الإمكان
والاستحالة ، كبحث عقلي فلسفي لا ثمرة عملية تترتب عليه ، وبحثه سماحة
السيد من حيث الوقوع وعدمه ، لأنه أقوى دليل على الإمكان ، وبحثه كذلك
من حيث الاستظهار وعدمه .
وعندما دخل في بحث التعادل والتراجيح رأى
أن سر البحث يكمن في علّة اختلاف الأحاديث ، فإذا بحثنا وحددنا أسباب
اختلاف النصوص الشرعية انحلت المشكلة العويصة التي تعترض الفقيه ،
والباحث والمستفيد من نصوص أهل البيت ( عليهم السلام ) .
وذلك يغنينا عن روايات الترجيح والتغيير ،
كما حملها صاحب الكفاية على الاستحباب .
وهذا البحث تناوله غيره كالسيد الصدر (
قدس سره ) ، ولكنه تناوله بشكل عقلي صرف ، أما سماحة السيد فإنه حشّد
فيه الشواهد التاريخية والحديثية ، وخرج منه بقواعد مهمة لحل الاختلاف
، وقام بتطبيقها في دروسه الفقهية أيضاً .
8 - المقارنة بين المدارس المختلفة : إن
المعروف عن كثير من الأساتذة حصر البحث في مدرسة معينة أو اتجاه خاص ،
ولكن سماحة السيد ( دام ظله ) يقارن بحثه بين فكر مدرسة مشهد ، وفكر
مدرسة قم ، وفكر مدرسة النجف .
فهو يطرح آراء الميرزا مهدي الإصفهاني (
قدس سره ) من علماء مشهد ، وآراء السيد البروجردي ( قدس سره ) كتعبير
عن فكر مدرسة قم ، وآراء المحققين الثلاثة والسيد الخوئي والشيخ حسين
الحلي ( قدس سرهما ) كمثال لمدرسة النجف .
وتعدّد الاتجاهات هذه يوسع أمامنا زوايا
البحث والرؤية الواضحة لواقع المطلب العلمي .
وأما منهجه الفقهي فله فيه منهج خاص
يتميّز في تدريس الفقه وطرحه ، ولهذا المنهج عدّة ملامح وهي
:
1 - المقارنة بين فقه الشيعة وفقه غيرهم
من المذاهب الإسلامية الأخرى ، فإن الإطلاع على الفكر الفقهي السني
المعاصر لزمان النص كالاطلاع على موطأ مالك ، وخراج أبي يوسف ،
وأمثالهم ، يوضح أمامنا مقاصد الأئمة ( عليهم السلام ) ونظرهم حين طرح
النصوص .
2 - الاستفادة من علم القانون الحديث في
بعض المواضع الفقهية ، كمراجعته للقانون العراقي ، والمصري ، والفرنسي
، عند بحثه في كتاب البيع والخيارات ، والإحاطة بالفكر القانوني
المعاصر تزوّد الإنسان خبرة قانونية يستعين بها على تحليل القواعد
الفقهية ، وتوسعة مداركها وموارد تطبيقها .
3 - التجديد في الأطروحة : إن معظم
علمائنا الأعلام يتلقون بعض القواعد الفقهية بنفس الصياغة التي طرحها
السابقون ، ولا يزيدون في البحث فيها إلا عن صلاحية المدرك لها أو عدمه
، ووجود مدرك آخر وعدمه ، أما سماحة السيد فإنه يحاول الاهتمام في بعض
القواعد الفقهية بتغير الصياغة .
مثلاً بالنسبة لقاعدة الإلزام ، التي
يفهمها بعض الفقهاء من الزاوية المصلحية ، بمعنى أن للمسلم المؤمن
الاستفادة في تحقيق بعض رغباته الشخصية من بعض القوانين للمذاهب الأخرى
، وإن كان مذهبه لا يقرها .
بينما يطرحه سماحة السيد على أساس
الاحترام ، ويسميها بـ( قاعدة الاحترام ) ، أي احترام آراء الآخرين
وقوانينهم ، وانطلاقه من حرية الرأي ، وهي على سياق ( لكل قوم نكاح )
. |